إنَّما أنَـا عَبْـدٌ
577 subscribers
213 photos
15 videos
50 files
8 links
قُلۡ إِنَّمَاۤ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَاۤ أُشۡرِكَ بِهِۦۤ إِلَیۡهِ أَدۡعُوا۟ وَإِلَیۡهِ مَـَٔابِ ..
Download Telegram
أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَتَّبِعُونَ سَلْمَانَ، فَقَالَ : هَذَا خَيْرٌ لَكُمْ، وَشَرٌّ لِي .
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
جاءتِ الآثارُ في نفيِ الإيمانِ، والبراءةِ من النبيِّ -ﷺ-، وكذلك تسميةِ الكفرِ، وذكرِ الشِّرك ..

والنوعُ الذي نُفِيَ فيه الإيمانُ :

حديثُ النبيِّ -ﷺ- : لا يزني الرجلُ حينَ يزني وهو مؤمنٌ، ولا يسرقُ حينَ يسرقُ وهو مؤمنٌ .

وقولُه -ﷺ- : ما هو بمؤمنٍ من لا يأمنُ جارُه غوائلَه .

وقولُه -ﷺ- : الإيمانُ قيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفتِكُ مُؤمنٌ .

وقولُه -ﷺ- : لا يُبغِضُ الأنصارَ أحدٌ يؤمنُ باللهِ ورسولِه .

وقولُه -ﷺ- : والذي نفسي بيدِه، لا تؤمنوا حتى تحابُّوا .

وكذلك قولُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : إيَّاكم والكذبَ، فإنه يُجانِبُ الإيمانَ .

وقولُ عمرَ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له .

وقولُ سعدٍ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : كلُّ الخلالِ يُطبَعُ عليها المؤمنُ إلَّا الخيانةَ، والكذبَ .

وقولُ ابنِ عمرَ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : لا يبلغُ أحدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يدعَ المراءَ وإن كان مُحِقًّا، ويدعَ المزاحةَ في الكذبِ .

• والنوعُ الذي فيه البراءةُ :

قولُ النبيِّ -ﷺ- : من غشَّنا فليس مِنَّا .

وكذلك قولُه -ﷺ- ليسَ مِنَّا من حملَ السِّلاحَ علينا .

وكذلك قولُه-ﷺ- : ليسَ مِنَّا من لم يرحمْ صغيرَنا .

• والنوعُ الذي فيه تسميةُ الكفرِ :

قولُ النبيِّ -ﷺ- : حينَ مُطِروا، فقال
: أتدرون ما قال ربُّكم ؟

قال : أصبحَ من عبادي مؤمنٌ وكافرٌ؛ فأمَّا الذي يقولُ : مُطرنا بنجمِ كذا وكذا ؟ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكواكبِ، والذي يقولُ : هذا رزقُ اللهِ ورحمتُه؛ مؤمنٌ بي وكافرٌ بالكواكبِ .

وقولُه -ﷺ- : لا ترجعوا بعدي كُفارًا؛ يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ .

وقولُه -ﷺ- : من قال لصاحبِه : يا كافرُ، فقد باءَ به أحدُهما .

وقولُه -ﷺ- : من أتى ساحرًا أو كاهنًا فصدَّقه بما يقولُ، أو أتى حائضًا، أو امرأةً في دُبرِها، فقد برئَ ممَّا أُنزلَ على محمدٍ -ﷺ-، أو كفرَ بما أُنزلَ على محمدٍ -ﷺ-

وقولُ عبدِ اللهِ -رضِـيٰ اللهُ عنه- سِبابُ المؤمنِ فُسوقٌ، وقتالُه كفرٌ .

وللعلماءِ في هذه الأحاديثِ وأشبهِها أقوالٌ كثيرةٌ، فمنهم من حملها على من فعلَ ذلك مستحلًّا لذلك، ومنهم من حملها على التَّغليظِ والكفرِ الذي لا ينقلُ عن الملَّةِ، ومنهم من يتوقَّى الكلامَ في هذه النصوصِ تورُّعًا ويمرُّها كما جاءت من غيرِ تفسيرٍ، مع اعتقادِهم أنَّ المعاصي لا تُخرجُ عن الملَّةِ .

• والنوعُ الذي فيه ذكرُ الشِّركِ :

قولُ النبيِّ -ﷺ- : أخوفُ ما أخافُ على أُمَّتي الشِّركُ الأصغرُ .. قيل : يا رسولَ اللهِ، وما الشِّركُ الأصغرُ ؟ قال : الرِّياءُ .

وقولُه -ﷺ- : الطِّيَرةُ شِركٌ، وما مِنَّا إلَّا، ولكنَّ اللهَ يُذهِبُه بالتوكُّلِ .

وقولُ عبدِ اللهِ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : في التمائمِ والتِّوَلةِ : إنَّها من الشِّركِ .

وقولُ ابنِ عباسٍ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : إنَّ القومَ يُشركون بكلبِهم ! يقولون : كلبُنا يحرسُنا، ولولا كلبُنا لَسُرِقْنا .
فهذه أربعةُ أنواعٍ من الحديثِ، قد كان الناسُ فيها على أربعةِ أصنافٍ من التأويلِ :

فطائفةٌ تذهبُ إلى كُفرِ النِّعمةِ ..

وثانيةٌ : تحملُها على التَّغليظِ والترهيبِ ..

وثالثةٌ : تجعلُها كفرَ أهلِ الرِّدَّةِ ..

ورابعةٌ : تُذهِبُها كلَّها وتَرُدُّها ..

• فكلُّ هذه الوجوهِ عندنا مردودةٌ غيرُ مقبولةٍ، لما يدخلُها من الخللِ والفسادِ .

والذي يُرَدُّ به المذهبُ الأولُ : ما نعرفُه مِن كلامِ العربِ ولغاتِها، وذلك أنهم لا يعرفون كفرانَ النِّعَمِ إلا بالجحدِ لأنعامِ اللهِ وآلائِه، وهو كالمُخبِرِ على نفسِه بالعدمِ، وقد وهبَ اللهُ له الثَّروةَ، أو بالسُّقمِ وقد مَنَّ اللهُ عليه بالسَّلامةِ ..

وكذلك ما يكونُ من كتمانِ المحاسنِ ونشرِ المصائبِ ..

فهذا الذي تُسميه العربُ : كفرانًا، إن كان ذلك فيما بينها وبين اللهِ، أو كان من بعضِهم لبعضٍ، إذا تناكروا اصطناعَ المعروفِ عندهم وتجاحدوه ..

يُنبِّئُك عن ذلك مقالةُ النبيِّ -ﷺ- للنِّساءِ : إنكنَّ تُكثِرنَ اللعنَ، وتكفرنَ العشيرَ -يعني : الزَّوجَ-، وذلك أن تغضبَ إحداكُنَّ فتقولَ : ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ .

فهذا ما في كُفرِ النِّعمةِ .

• وأما القولُ الثاني المحمولُ على التَّغليظِ :

فمن أفظعِ ما تُؤُوِّلَ على رسولِ اللهِ وأصحابِه، أنْ جعلوا الخبرَ عن اللهِ وعن دينِه : وعيدًا لا حقيقةَ له، وهذا يَؤُول إلى إبطالِ العقابِ؛ لأنه إن أمكنَ ذلك في واحدٍ منها كان ممكنًا في العقوباتِ كلِّها .

• وأما الثالث الذي بَلَغَ به كفرَ الرِّدَّةِ نفسِها :

فهو شرٌّ من الذي قبلَه؛ لأنه مذهبُ الخوارجِ الذين مرقوا من الدِّينِ بالتأويلِ، فأكفروا الناسَ بصغارِ الذنوبِ وكبارِها، وقد علمتَ ما وصفهم رسولُ اللهِ -ﷺ- من المروقِ، وما أَذِنَ فيهم مِن سفكِ دمائِهم .

ثم قد وجدنا اللهَ تباركَ وتعالى يُكذِّبُ مقالتَهم؛ وذلك أنه حكمَ في السَّارقِ بقطعِ اليدِ، وفي الزاني والقاذفِ بالجلدِ، ولو كان الذنبُ يُكفِّرُ صاحبَه ما كان الحكمُ على هؤلاء إلا القتلَ؛ لأن رسولَ اللهِ -ﷺ- قال : « من بدَّلَ دينَه فاقتلوه »، أفلا ترى أنهم لو كانوا كفَّارًا لما كانت عقوباتُهم القطعَ والجلدَ ؟

وكذلك قولُ اللهِ فيمن قُتل مُظلومًا : ﴿ فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَـٰنًا ﴾، فلو كان القتلُ كفرًا، ما كان للوليِّ عفوٌ، ولا أخذُ ديةٍ، ولَزِمَه القتلُ .

• وأما القولُ الرابعُ الذي فيه تضعيفُ هذه الآثارِ :

فليس مذهبَ من يُعتدُّ بقولِه، ولا يُلتفتُ إليه، إنما احتجاجُ أهلِ الأهواءِ والبدعِ؛ الذين قَصُرَ علمُهم عن الاتِّساعِ في الآثارِ، وعيِيَت أذهانُهم عن وجوهِها، فلم يجدوا شيئًا أهونَ عليهم من أن يقولوا : مُتناقضةٌ، فأبطلوها كلَّها !
وإنَّ الذي عندنا في هذا البابِ كلِّه :

إنَّ المعاصي والذُّنوب لا تُزيلُ إيمانًا، ولا تُوجِبُ كفرًا؛ ولكنَّها تنفي من الإيمانِ حقيقتَه وإخلاصَه الذي نعتَ اللهُ به أهلَه، واشترطه عليهم في مواضعَ من كتابِه، فقال
: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾، إلى قوله : ﴿ ٱلتَّائِبُونَ ٱلۡعَابِدُونَ ٱلۡحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدُونَ ٱلۡآمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ۝ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَاشِعُونَ
﴾، إلى قوله : ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ۝ أُولَٰئِكَ هُمُ ٱلۡوَارِثُونَ ۝ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ ..

فهذه الآياتُ التي شرحت وأبانت شرائعَه المفروضةَ على أهلِه، ونفت عنه المعاصي كلَّها، ثم فسَّرتْه السُّـنَّةُ بالأحاديثِ التي فيها خِلالُ الإيمانِ في البابِ الذي في صدرِ هذا الكتاب .

فلمَّا خالطت هذه المعاصي هذا الإيمانَ المنعوتَ بغيرها، قيل : ليس هذا من الشرائطِ التي أخذها اللهُ على المؤمنين، ولا الأماناتِ التي يُعرَفُ بها أنَّه الإيمانُ، فنُفِيَت عنهم حينئذٍ حقيقتُه، ولم يزُلْ عنهم اسمُه ..

فإن قال : كيف يجوزُ أن يُقال : ليس بمؤمنٍ، واسمُ الإيمانِ غيرُ زائلٍ عنه ؟

قيل : هذا كلامُ العربِ المستفيضُ عندنا، غيرُ المُستنكرِ في إزالتِهم العملَ عن عاملِه إذا كان عملُه على غيرِ حقيقتِه؛ ألا ترى أنهم يقولون للصَّانعِ إذا كان ليس بمُحكِمٍ لعملِه : ما صنعتَ شيئًا، ولا عملتَ عملًا، وإنما وقعَ معناهم هاهنا على نفيِ التَّجويدِ، لا على الصَّنعةِ نفسِها، فهو عندهم عاملٌ بالاسمِ، وغيرُ عاملٍ في الإتقانِ، حتى تكلَّموا به فيما هو أكثرُ من هذا، وذلك كالرجلِ يعُقُّ أباه، ويبلغُ منه الأذى، فيُقال : ما هو بولدٍ، وهم يعلمون أنه ابنُ صُلبِه .. ثم يُقال مثلُه في الأخِ، والزَّوجةِ، والمملوكِ ..

• وإنما مذهبُهم في هذا كلِّه : المُزايلةُ في الأعمالِ الواجبةِ عليهم من الطاعةِ والبِرِّ ..

وأما النكاحُ، والرِّقُّ، والأنسابُ، فعلى ما كانت عليه؛ في أماكنِها وأسمائِها ..

فكذلك هذه الذنوبُ التي يُنفى بها الإيمانُ، إنما أَحبطت الحقائقَ منه، والشَّرائعَ التي هي من صفاتِه، فأما الأسماءُ فعلى ما كانت قبل ذلك، ولا يُقالُ لهم إلا مؤمنون، وبه الحكمُ عليهم ..

وقد وجدنا مع هذا شواهدَ لقولِنا من التنزيلِ والسُّـنَّةِ .
فأمَّا التنزيلُ :

فقولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه في أهلِ الكتابِ حين قال : ﴿ وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَـٰقَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ لَتُبَیِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ ﴾، حدَّثنا الأشجعيُّ، عن مالكِ بنِ مغولٍ، عن الشَّعبيِّ في هذه الآيةِ، قال : أمَا إنَّه كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العملَ به .

ثم أحلَّ اللهُ لنا ذبائحَهم، ونكاحَ نسائِهم، فحكمَ لهم بحكمِ الكتابِ إذ كانوا به مُقرِّين، وله مُنتحلين، فهم بالأحكامِ والأسماءِ في الكتابِ داخلون، وهم لها بالحقائقِ مُفارقون، فهذا ما في القرآنِ .

• وأمَّا السُّـنَّةُ : فحديثُ النبيِّ -ﷺ- الذي يُحدِّثُ به رفاعةُ في الأعرابيِّ الذي صلَّى صلاةً فخفَّفها، فقال له رسولُ اللهِ -ﷺ- : « ارجعْ فصلِّ فإنك لم تُصلِّ »، حتى فعلها مرارًا، كلُّ ذلك يقول : « لم تُصلِّ »، وهو قد رآه يُصلِّيها !

أفَلسْتَ ترى أنَّه مُصلٍّ، وغيرُ مُصَلٍّ بالحقيقةِ ؟

وكذلك في المرأةِ العاصيةِ لزوجِها، والعبدِ الآبقِ، والمصلِّي بالقومِ الكارهين له، أنَّها غيرُ مقبولةٍ ..

ومنه حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرو -رضِـيٰ اللهُ عنهما- : في شاربِ الخمرِ أنَّه : « لا تُقبلُ له صلاةٌ أربعين ليلةً » .

وقولُ عليٍّ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : « لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلَّا في المسجدِ » .

وحديثُ عمرَ -رضـيٰ اللهُ عنه- : في المُقدِّمِ ثَقَلَه ليلةَ النَّفْرِ : أنَّه لا حجَّ له .

ومقالةُ حذيفةَ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : « مَن تأمَّل خَلقَ امرأةٍ من وراءِ الثِّيابِ وهو صائمٌ أبطل صومَه » .

فهذه الآثارُ كلُّها، وما كان مُضاهيًا لها، فهو عندي على ما فسَّرتُ لك .

• وكذلك الأحاديثُ التي فيها البراءةُ، فهي مثلُ قولِه : « مَن فعل كذا وكذا فليس منَّا »، لا نرى شيئًا منها يكونُ معناه التَّبرُّؤَ من رسولِ اللهِ -ﷺ-، ولا من مِلَّتِه، إنما مذهبُه عندنا : أنَّه ليس من المُطيعين لنا، ولا من المُقتدين بنا، ولا من المُحافظين على شرائعِنا، فهذه النعوتُ وما أشبهها .

وقد كان سفيانُ بنُ عيينةَ يتأوَّلُ قولَه : « ليس منَّا » : ليس مثلَنا، وكان يرويه عن غيرِه أيضًا .

فهذا التأويلُ، وإن كان الذي قاله إمامٌ من أئمةِ العلمِ، فإنِّي لا أراه، من أجلِ أنَّه جعل من فعل ذلك فليس مثلَ النبيِّ -ﷺ-، لزِمَه أن يصيرَ من يفعله مثلَ النبيِّ -ﷺ-، وإلَّا فلا فرقَ بين الفاعلِ والتاركِ، وليس للنبيِّ -ﷺ- عديلٌ، ولا مثلٌ من فاعلِ ذلك ولا تاركِه .

فهذا ما في نفيِ الإيمانِ، وفي البراءةِ من النبيِّ -ﷺ-؛ إنما أحدُهما من الآخرِ، وإليه يؤولُ .
• وأمَّا الآثارُ المرويَّاتُ بذكرِ الكفرِ والشِّركِ ووجوبِها بالمعاصي، فإنَّ معناها عندنا ليست تُثبِتُ على أهلِها كفرًا، ولا شركًا يُزيلانِ الإيمانَ عن صاحبِه، إنما وجوهُها : أنَّها من الأخلاقِ والسُّننِ التي عليها الكفَّارُ والمشركون ..

وقد وجدنا لهذين النوعينِ من الدلائلِ في الكتابِ والسُّـنَّةِ نحوًا ممَّا وجدنا في النوعينِ الأوَّلين ..

• فمِن الشاهدِ على الشِّركِ في التنزيلِ :

قولُ اللهِ تباركَ وتعالى في آدمَ وحوَّاءَ عند كلامِ إبليسَ إيَّاهما : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفًا فَمَرَّتۡ بِهِ ﴾ .. إلى قولِه : ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾، وإنَّما هو في التأويلِ أنَّ الشيطانَ قال لهما : سمِّيا ولدَكما عبدَ الحارث ..

فهل لأحدٍ يعرفُ اللهَ ودينَه أن يتوهَّمَ عليهما الإشراكَ باللهِ مع النبوَّةِ والمكانِ من الله ؟

فقد سمَّى فعلَهما شِركًا، وليس هو الشِّركَ بالله ..

• وأمَّا الذي في السُّـنَّةِ :

فقولُ النبيِّ -ﷺ- : « أخوفُ ما أخافُ على أُمَّتي الشِّركُ الأصغرُ » ..

فقد فسَّر لك بقولِه : « الأصغرُ »، أنَّ هاهنا شركًا سوى الذي يكونُ به صاحبُه مُشرِكًا بالله ..

ومنه قولُ عبدِ اللهِ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : « الرِّبا بضعةٌ وستون بابًا، والشِّركُ مثلُ ذلك » ..

فقد أخبرَك أنَّ في الذنوبِ أنواعًا كثيرةً تُسمَّى بهذا الاسمِ، وهي غيرُ الإشراكِ التي يُتَّخذُ لها مع اللهِ إلهًا غيرُه، تعالى اللهُ عن ذلك علوًّا كبيرًا ..

فليس لهذه الأبوابِ عندنا وجوهٌ إلا أنَّها أخلاقُ المشركينَ وتسميتُهم، وسُننُهم، وألفاظُهم، وأحكامُهم، ونحوُ ذلك من أمورِهم ..

• وأمَّا الفُرقانُ الشاهدُ عليه في التنزيلِ :

فقولُ اللهِ -جلَّ وعزَّ- : ﴿ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰئِكَ هُمُ ٱلۡكَافِرُونَ ﴾ ..

وقال ابنُ عباسٍ -رضِـيٰ اللهُ عنهما- : ليس بكُفرٍ ينقلُ عن ملَّةٍ ..

وقال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ : كفرٌ دونَ كفرٍ ..

فقد تبيَّن لنا أنَّه كان ليس بناقلٍ عن ملَّةِ الإسلامِ، أنَّ الدِّينَ باقٍ على حالِه، وإن خالطته ذنوبٌ، فلا معنى له إلا أخلاقُ الكفَّارِ وسُنَّتُهم، على ما أعلمتُك من الشِّركِ سواءً؛ لأنَّ من سُننِ الكفَّارِ الحكمَ بغيرِ ما أنزلَ الله ..

ألا تسمعُ قولَه : ﴿ أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَاهِلِيَّةِ يَبۡغُونَ ﴾، تأويلُه عند أهلِ التفسيرِ : أنَّ من حكمَ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ وهو على ملَّةِ الإسلامِ كان بذلك الحكمِ كأهلِ الجاهليَّةِ؛ إنما هو أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كذلك كانوا يحكمون ..

وهكذا قولُه : « ثلاثٌ من أمرِ الجاهليَّةِ : الطَّعنُ في الأنسابِ، والنِّياحةُ، والأنواءُ » ..

ومثلُه الحديثُ الذي يُروى عن جريرٍ، وأبي البختريِّ الطائيِّ : « ثلاثٌ من سُنَّةِ الجاهليَّةِ : النِّياحةُ، وصنعةُ الطعامِ، وأن تبيتَ المرأةُ في أهلِ الميِّتِ من غيرِهم » ..

وكذلك الحديثُ في آيةِ المنافقِ : « إذا حدَّثَ كذبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا ائتُمِنَ خان » ..

وقولُ عبدِ اللهِ -رضِـيٰ اللهُ عنه- : « الغناءُ يُنبتُ النِّفاقَ في القلبِ » ..

ليس وجوهُ هذه الآثارِ كلُّها في الذنوبِ : أنَّ راكبَها يكونُ جاهلًا، ولا كافرًا، ولا منافقًا، وهو مؤمنٌ باللهِ وما جاء من عندِه، ومؤدٍّ لفرائضِه؛ ولكن معناها : أنَّها تتبيَّنُ من أفعالِ الكفَّارِ مُحرَّمةً، منهيًّا عنها في الكتابِ والسُّـنَّةِ، ليتحاماها المسلمون ويتجنَّبوها، فلا يتشبَّهوا بشيءٍ من أخلاقِهم، ولا شرائعِهم .
ولقد رُوِيَ في بعضِ الحديثِ : « إنَّ السَّوادَ خِضابُ الكفَّارِ » ..

فهل يكونُ لأحدٍ أن يقولَ
: إنَّه يكفرُ من أجلِ الخِضابِ ؟

وكذلك حديثُه
: في المرأةِ إذا استعطرت، ثم مرَّت بقومٍ يُوجدُ ريحُها، أنَّها زانيةٌ ..

فهل يكونُ هذا على الزِّنا الذي يجبُ فيه الحدودُ
؟

ومثلُه قولُه
: « المُستبَّانِ شيطانانِ يتهاترانِ ويتكاذبانِ » ..

أفَيُتَّهَمُ عليه أنَّه أراد الشيطانينِ الذين هم أولادُ إبليسَ
؟

إنما هذا كلُّه على ما أعلمتُك من الأفعالِ، والأخلاقِ، والسُّننِ ..

• وكذلك كلُّ ما كان فيه ذكرُ كفرٍ أو شِركٍ لأهلِ القبلةِ، فهو عندنا على هذا، ولا يجبُ اسمُ الكفرِ والشِّركِ الذي تزولُ به أحكامُ الإسلامِ، ويلحقُ صاحبَه الرِّدَّةُ إلا بكلمةِ الكفرِ خاصَّةً دون غيرِها، وبذلك جاءتِ الآثارُ مُفسَّرةً ..

حدَّثنا أبو معاويةَ، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ، عن ابنِ أبي نُشبةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ -
رضِـيٰ اللهُ عنه-، قال : قال رسولُ اللهِ : « ثلاثٌ من أصلِ الإسلامِ : الكفُّ عمَّن قال : لا إلهَ إلا الله، لا نُكفِّرُه بذنبٍ، ولا نُخرِجُه من الإسلامِ بعملٍ، والجهادُ ماضٍ من يومِ بعثني اللهُ إلى أن يُقاتلَ آخرُ أُمَّتي الدجَّالَ، لا يُبطِلُه جَورُ جائرٍ، ولا عدلُ عادلٍ، والإيمانُ بالأقدارِ كلِّها » .

وحدَّثنا عبادُ بنُ عبادٍ، عن الصَّلتِ بنِ دينارٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال
: دخلتُ على ابنِ مسعودٍ -رضِـيٰ اللهُ عنه- وهو في بيتِ مالِ الكوفةِ، فسمعتُه يقولُ : لا يبلغُ بعبدٍ كفرًا ولا شِركًا حتى يذبحَ لغيرِ اللهِ، أو يُصلِّيَ لغيرِه .

وحدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، قال
: جاورتُ مع جابرِ بنِ عبدِ اللهِ -رضِـيٰ اللهُ عنهما- بمكَّةَ ستةَ أشهرٍ، فسأله رجلٌ : هل كنتم تُسمُّون أحدًا من أهلِ القبلةِ كافرًا ؟

فقال
: معاذَ اللهِ !

فقال : فهل تُسمُّونه مُشرِكًا ؟ .. قال
: لا .
Forwarded from إنَّما أنَـا عَبْـدٌ (عبد الرحـمـٰن)
مَسَاجِدُ ضِرَارٍ وَحُكْمُ الصَّلَاةِ فِيهَا :

إِنَّ أَوَّلَ مَسْجِدِ ضِرَارٍ بُنِيَ عَلَى يَدِ المُنَافِقِينَ .. إِضْرَارًا بِالمُؤْمِنِينَ وَكُفْرًا بِاللَّهِ .. فَأَنْزَلَ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ .

وَهَذِهِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ ، إِلَّا أَنِّي سَأَخْتَصِرُهَا قَدْرَ الإِمْكَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ..

فَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا ﴾ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ : لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَسْجِدَ قُبَاءَ ، خَرَجَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ بِحْزَجُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَوَدِيعَةُ بْنُ خِذَامٍ ، وَمُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيُّ ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ النِّفَاقِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِبِحْزَجَ : وَيْلَكَ يَا بِحْزَجُ ، مَا أَرَدْتَ إِلَى مَا أَرَى ؟

قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا الحُسْنَى ، وَهُوَ كَاذِبٌ ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَرَادَ أَنْ يُعْذِرَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا ﴾ .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا ﴾ ، قَالَ : وَهُمْ أُنَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرٍ : ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ وَاسْتَمِدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَسِلَاحٍ ، فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ ، فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ .

عَنِ الضَّحَّاكِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا ﴾ ، قَالَ : هُمْ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا قَرِيبًا مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءَ ، وَمَسْجِدُ قُبَاءَ بَلَغَنَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي الإِسْلَامِ .

عَنِ السُّدِّيِّ ، قَوْلُهُ : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا ﴾ ، أَمَّا ضِرَارًا : فَضَارُّوا أَهْلَ قُبَاءَ ، بِالمَسْجِدِ الَّذِي بَنَى لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- .

عَنِ السُّدِّيِّ ، قَوْلُهُ : ﴿ وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، قَالَ : فَإِنَّ أَهْلَ قُبَاءَ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كُلُّهُمْ ، فَلَمَّا بُنِيَ ذَلِكَ أَقْصَرَ عَنْ مَسْجِدِ قُبَاءَ مَنْ كَانَ يَحْضُرُهُ وَصَلَّوْا فِيهِ .

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ﴿ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، يَعْنِي : رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ ، كَانَ مُحَارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ، وَكَانَ قَدِ انْطَلَقَ إِلَى هِرَقْلَ ، فَكَانُوا يَرْصُدُونَ إِذَا قَدِمَ أَبُو عَامِرٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ .

﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ ، أَيْ : لَا تُصَلِّ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ضِرَارًا أَبَدًا .

﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ﴾ ، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :

1- أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ .

2- أَنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- .

3- أَنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ بُنِيَ بِالمَدِينَةِ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى .

• وَكَانَ هَذَا المَسْجِدُ مَآلُهُ الهَدْمُ وَالحَرْقُ ، وَصَارَ مَوْضِعًا لِإِلْقَاءِ الجِيَفِ وَالقُمَامَاتِ .

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ عَامِرَ بْنَ قَيْسٍ ، وَعَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ ، وَسُوَيْدَ بْنَ عَيَّاشٍ أَنْ يَهْدِمُوا المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ عَلَى النِّفَاقِ .
Forwarded from إنَّما أنَـا عَبْـدٌ (عبد الرحـمـٰن)
وَصَفَ اللَّهُ مَسْجِدَ الضِّرَارِ بِصِفَاتٍ أَرْبَعٍ :

1- ضِرَارًا : وَالضُّرُّ مُحَاوَلَةُ الضَّرِّ .

2- قَوْلُهُ : ( وَكُفْرًا ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ بِهِ ضِرَارًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَكُفْرًا بِالنَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَبِمَا جَاءَ بِهِ .

3- قَوْلُهُ : ( وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

4- قَوْلُهُ : ( وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) .

• هَذَا فِيمَا يَخُصُّ مَسْجِدَ ضِرَارٍ الَّذِي بَنَاهُ المُنَافِقُونَ .. وَصِفَاتُ مَسَاجِدِ ضِرَارٍ أَيْنَ مَا تَحَقَّقَتْ فِي أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ فَهُوَ مَسْجِدُ ضِرَارٍ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ .

رَوَى لَيْثٌ أَنَّ شَقِيقًا لَمْ يُدْرِكِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ بَنِي عَامِرٍ ، فَقِيلَ لَهُ : مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ لَمْ يُصَلُّوا بَعْدُ !

فَقَالَ : لَا أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ بُنِيَ عَلَى ضِرَارٍ ، وَكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلَى ضِرَارٍ أَوْ رِيَاءٍ أَوْ سُمْعَةٍ فَإِنَّ أَصْلَهُ يَنْتَهِي إِلَى مَسْجِدِ ضِرَارٍ .

• صِفَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ تَكْفِي لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَسْجِدُ ضِرَارٍ .

• وَمِنْهُ المَسَاجِدُ الَّتِي بُنِيَتْ فِي القُرُونِ المُتَأَخِّرَةِ وَفِي هَذَا العَصْرِ .. فَإِنَّهَا قَدْ أُسِّسَتْ عَلَى الكُفْرِ وَدَعْمِ الحُكُومَاتِ وَنَشْرِ العَقَائِدِ الفَاسِدَةِ عَلَى المَنَابِرِ لِلْعَامَّةِ .. وَمِنْهُ حَضُّ النَّاسِ عَلَى الانتِخَابَاتِ وَالقِتَالِ مَعَ الكُفَّارِ وَتَوْلِيَةِ المُشْرِكِينَ .. إِلَخ .. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ البَوَاحِ كَـ شِرْكِ الاسْتِغَاثَةِ وَالاسْتِعَاذَةِ !

• وَالبِدَعِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا كَـ تَغْيِيرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَالزِّيَادَةِ فِي الأَذَانِ !

• أَمَّا عَنْ أَئِمَّتِهَا فَكُلُّ صُوفِيٍّ زِنْدِيقٍ أَوْ جَهْمِيٍّ خَبِيثٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ المُطَبِّلِينَ لِلْحُكُومَاتِ ، فَهَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ أَنْجَاسٌ لَا تُصَحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ وَلَا دُخُولُ مَسَاجِدِهِمْ ، وَلَا الإِعَانَةُ فِي بِنَائِهَا :

قَالَ عِكْرِمَةُ : سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَجُلًا مِنْهُمْ : مَاذَا أَعَنْتَ فِي هَذَا المَسْجِدِ ؟

فَقَالَ : أَعَنْتُ فِي سَارِيَةٍ !

فَقَالَ عُمَرُ : أَبْشِرْ بِهَا فِي عُنُقِكَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ .

هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .. وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ
وعليكم السلام ..

في البحث المتقدّم تجد الحكم مفصّلًا، وكلّ هذه المساجد التي تراها اليوم قد جرت عليها أوصافُ « مسجد الضرار »؛ إذ رُفعت مبانيها، وعُطّلت فيها حقيقة التوحيد، وصارت تُدار على وفق الأهواء والأنظمة، لا على مقتضى الوحي السُّـنَّة
.

عبد الرحـمـٰن
إنَّما أنَـا عَبْـدٌ
Photo
الأصل أن المسجد إذا أُسِّس على التقوى فهو مسجدٌ شرعيٌّ تُشرع فيه الصلاة والعبادة، لكن قد يطرأ عليه من الأحوال ما يجعله يأخذ حكم « مسجد الضرار » باعتبار ما يُقام فيه أو يُراد به، لا باعتبار نفس البقعة والبناء فقط ..

حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون، عن أبي جعفر، عن ليث : أن شقيقًا لم يُدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له : إن مسجد بني فلان لم يُصلُّوا بعدُ .

فقال : لا أحب أن أُصلي فيه، فإنه بُني على ضرار، وكل مسجد بُني ضرارًا أو رياءً أو سُمعة، فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بُني على ضرار .

📓 تفسير الطبري

فالعبرة ليست بمجرد اسم المسجد، بل بما أُسس عليه، وبما صار يُستعمل له ..

س : هل يتحول المسجد الذي أُسس على التقوى إلى مسجد ضرار ؟

ج : نعم، من جهة الحكم والمعنى، إذا صار موضعًا لنشر البدع أو الكفر، أو لتفريق المسلمين، أو لمحاربة أهل السُّـنَّة، فإنه يأخذ من حكم الضرار بقدر ما قام فيه من ذلك ..

والأصل أن الحكم يزول بزوال علته؛ لأن الأحكام تدور مع عللها وجودًا وعدمًا، فإذا طُهِّر المسجد من أهل البدع والكفر والضرار، وعاد موضعًا للتوحيد والسُّـنَّة، عاد له حكم المساجد الشرعية .

• وأما المسجد الحرام أو المسجد الأقصى، فلا يُقال عن نفسهما إنهما « مسجد ضرار »؛ لأن الله شرَّفهما وباركهما، وجعل لهما من الفضائل ما ليس لغيرهما ..

قال تعالى في المسجد الحرام : ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ..

وعن عبد الله بن مسعود -رضِـيٰ الله عنه-، قال : من همَّ بسيئة لم تُكتب عليه حتى يعملها، ولو أن رجلًا كان بعدن أبين فحدَّث نفسه بأن يُلحد في البيت -والإلحاد فيه : أن يستحل فيه ما حرَّم الله عليه- فمات قبل أن يصل إلى ذلك؛ أذاقه الله من عذاب أليم .

📓 تفسير الطبري

وقال تعالى في المسجد الأقصى : ﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ ..

قال مقاتل بن سليمان : ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يعني بالبركة : الماء، والشجر، والخير .

📓 تفسير مقاتل

• وقد يقع فيهما من أهل الباطل والفساد والبدع والظلم ما يقع، وقد يستولي عليهما أهل فجور أو كفر في بعض الأزمنة، إلا أن هذا لا يرفع أصل فضلهما، ولا يجعلهما في أنفسهما « مسجد ضرار » ..

والفرق بين مسجدٍ أُسس أو استُعمل لأجل المضارة ومحاربة الحق، وبين مسجدٍ فاضل يقع فيه من بعض الناس ظلم أو كفر أو بدعة، فرقٌ ينبغي فهمه؛ لئلا يُتوسع في إطلاق وصف « مسجد ضرار » على كل مسجد وُجدت فيه مخالفة أو بدعة ..

وإنما أطلق السلف هذا الوصف على ما قام على معنى المضارة، والتفريق، ومحاربة الحق وأهله .. والله أعلم .

عبد الرحـمـٰن
حدثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حدثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال : قال رسول الله -ﷺ- : كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ : أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي ؟

ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ ..

وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ : لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا .. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ : هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ ..

فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ : مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ ؟

قَالَ : الرَّاعِي ..

قَالُوا : نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ .. قَالَ : لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ .

ولقد كان سلفُ هذه الأمة يرتعدون خوفًا على قلوبهم من الفتن، ويفرُّون من أسبابها فرارهم من المهالك، حتى بلغ من شدة حذرهم أن الرجل منهم كان يخشى على ولده مجرد وقوع بصره على المومسات، صيانةً لدينه، وحفظًا لقلبه، وسلامةً لفطرته ..

وذلك لأنهم أدركوا حقَّ الإدراك أن النظر سهمٌ مسموم من سهام إبليس، وأن القلب ضعيفٌ سريع التقلُّب، وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيدسُّ السمَّ في العسل، والفتنة في الغفلة، ويزيِّن للعبد أسباب الهلكة حتى يألفها ويستمرئها ..

وأما اليوم، فقد عمَّت البلوى، واستشرى الفساد استشراء النار في الهشيم، حتى ليكاد المرء يظن أن دعوة أمِّ جُريج قد عمَّت الخلق أجمعين، فلا يخرج المسلم من بيته إلا وقعت عيناه على التبرج والسفور والمجون، في الطرقات والأسواق والشاشات، بل تجاوز الأمر إلى أن صار أهل الفجور يجاهرون بمعاصيهم، ويزيِّنون الفتنة للخلق تحت أسماء الحرية والتحضر والانفتاح !

فيا لشدة غربة العفاف في هذا الزمان، ويا لقلة الثابتين الذين يغضُّون أبصارهم، ويحفظون قلوبهم، ويعتصمون بدينهم عند هبوب رياح الفتن، وتكالب الشهوات والشبهات ..

نسأل الله -جلَّ وعلا- السلامة والعافية، وأن يحفظ على المسلمين دينهم وأبصارهم وقلوبهم، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا من الثابتين على الهدى والسُّنَّة إذا فُتن الناس، ومن المصلحين إذا فسدوا .

دانيال
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ : قَالَ سَالِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ : لَا تَتِمُّ مُرُوءَةَ الرَّجُلِ حَتَّى يَصْبِرَ عَلَى مُنَاجَاةِ الشُّيُوخِ النُّخُرِ ..

قَالَ : وَدَخَلَ عَلَى سَالِمٍ رَجُلٌ يُكَلِّمُهُ فِي حَاجَةٍ، فَوَضَعَ سَيْفَهُ على اصبعه، وَسَالم سَاكِت، وَالرجل مُتَّكِئٌ عَلَى سَيْفِهِ لَا يَشْعُرُ، وَقَدْ جَرَحَهُ ..

فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ وَمَضَى، وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُ سَالِمٍ، دَعَا الْمِنْدِيلَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ ..

فَقِيلَ لَهُ : أَلَا نَحَّيْتَ رِجْلَكَ ؟

قَالَ : خَشِيتُ أَنْ أَقْطَعَهُ عَنْ حَاجَتِهِ .