كانوري KANOURI
186 subscribers
74 photos
22 videos
42 links
تحت التجربة قناة تخص الكانورى في كل مكان في العالم
Download Telegram
https://t.me/Kanouri لقاء الزعماء هل نراهم في يوم مجتمعين مع بعض زعماء البرنو في كل العالم
. همس الصباح


ﺻﺒﺎﺡ ﺍﻟﺴّﻜﻴﻨﺔ ﻭﺭﻭﺍﺳﻲ ﺍﻟﺴّﻔﻴﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺟﻤﻞ ﻣﻴﻨﺎﺀ، ﻭﺍﻷﺷﻮﺍﻕ ﺍﻟﺤﻨﻴﻨﺔ، ﻋﺴﻰ ﺣﻴﺎﺗﻚ ﻓﺮﺡ ﻣﺎ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺳﻨﻴﻨﻪ .
ﺍﺣﺘﺮﺕ ﻛﻴﻒ ﺃﺻﺒّﺢ ﻋﻠﻴﻜﻢ، ﺻﺒﺎﺡ ﺍﻟﻮﺭﺩ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﻣﺜﻞ ﻗﻠﻮﺑﻜﻢ، ﺻﺒﺎﺡ ﺍﻟﻌﻮﺩ ﻭﺍﻟﺒﺨّﻮﺭ ﻭﻫﻮ ﻃﻴﺒﻜﻢ، ﺻﺒﺎﺡ ﺍﻟﺸّﻬﺪ ﻳﺎ ﺃﺣﻠﻰ ﺍﻟﺰّﻫﻮﺭ ﻭﻫﺬﺍ ﺯﻳﻨﻜﻢ، ﻣﻤﻜﻦ ﺃﺻﺒّﺢ ﻋﻠﻴﻜﻢ، ﻭﺃﻗﻮﻝ ﺍﺷﺘﻴﺎﻗﻨﺎ ﻟﻜﻢ ﻓﺎﻕ ﺷﻮﻗﻜﻢ
https://t.me/Kanouri
المؤلفـــات العربيــة الكــانمية
البــرنوية بيـن الأدب والتاريــخ
آدم أديبايو سراج الدين
مستخلص:-
تناولت هذه الدراسة المؤلفات العربية في مملكة كانم برنو (800 – 1600م)، والتي تعد من أقدم الممالك في إفريقيا جنوب الصحراء، والتي اشتهرت دون غيرها من الممالك الإسلامية التي نشأت في هذه المنطقة بازدهار حركة التأليف في شتى فنون العلوم الإسلامية، وقام أغلب أدبها على الثقافة الإسلامية معتمداً على مصادرها الأساسية القرآن الكريم والحديث النبوي، وخلفت آثاراً علمية وأدبية لا يستهان بها في التراث العربي الإفريقي.
وهدفت هذه الدراسة أيضا إلى إبراز القيمة الأدبية والتاريخية للمؤلفات الكانمية البرنوية، وتتبع الظواهر الفنية الكامنة فيها، كما تسعى إلى عرض أوجه التشابه بين النقد الأدبي والتاريخي الذي تعرضت له هذه المؤلفات خلال مراحل تاريخية مختلفة، وتتساءل الدراسة عن مدى أدبية التراث العربي البرنوي من الناحية الفكرية، وعن العوامل التي أدت إلى الضعف والجمود الذي أصابه.
وأبرزت الدراسة من خلال استخدامها للمنهج الوصفي التحليلي عدداً من خصائص التراث الأدبي البرنوي في مجالي الشعر والنثر.
وخلصت الدراسة إلى عدد من النتائج كوجود سمات مميزة للأدب البرنوي عن غيره من الآداب الإسلامية في المناطق الأخرى، كما أنه يختزن قيمة تاريخية تكشف مراحل تطوره اللغوي والفني.
أخيراً فإن الدراسة ركزت على عدد من المحاور أهمها:- الثقافة العربية وأدبية التأليف في مملكة كانم برنو والظواهر الفنية في التراث اللعربي البرنوي والطابع التاريخي للشعر والنثر البرنوي.
كلمات مفتاحية: العربية- مؤلفات/ كانم/ برنو
ABSTRACT:
This study sketches the Arabic publications in Kanum Barno Kingdom ( 800 – 1600), which considered as one of the most ancient kingdoms in Africa, south Sahara, and its was famous for the flourishing of the publications in various arts of Islamic sciences, and most of its literature was came from two sources, Quran and Hadith.
This study also aims at reflecting the historical and literary values for Kanoum Barno publications, and to follow up the implicit artistic phenomena, in addition to the various similarities between literary critism and historical critism
Keywords: Arabic-publication/ Kanoum/ Barno
المقدمة
تعدّ كلمة "الأدب" من الألفاظ العربية التي كثُر حديث أهل العلم والأدب والمفكرين عنها، من حيث تطوّرات مفهومها ، ومدلولها اللغوي والاصطلاحي عبر العصور. لقد اختلف الأدباء والمفكرون في ماهية الأدب ووظيفته في الحياة الإنسانية باختلاف العصور الأدبية، ويبدو أن الخلاف حول وظيفة الأدب وتحديد مهمّاته قديم وإن كان العصر الأدبي الحديث أكثر العصور اهتماما بهذه القضية الأدبية، بعد التطورات الاجتماعية والسياسية والفكرية ونضج الوعي الإنساني، والتفاعل الحضاري بين مختلف الأمم والشعوب.
وقد يرى بعض الأدباء أن الأدب في ماهيته ووظيفته إن هو إلا خدمة للمجتمع الإنساني، وهذا هو مذهب الفن للحياة والأدب للمجتمع، فهذا يعني أن الأديب فردٌ في مجتمع إنساني، ومن الواجب -والحالة هذه- أن يؤدي في أدبه وظيفة اجتماعية، ويعمل على تقدّم البشرية وخيرها ، ويحدّد موقفه من مشكلات قومه ووطنه...
ولعل من أشهر الأقوال في تحديد مفهوم الأدب ما ذهب إليه علي نائبي سويد إذ قال "إن الأدب من حيث هو ثمرة عليا لتجارب الحياة الإنسانية وهي دراسة الحياة أولا وأخيرا، ومن هنا يمكننا أن نقول إنه (الأدب) مرآة صادقة تعكس حياة ما، ودراسته هي دراسة الحياة الإنسانية...
فالأدب بهذه الصورة يظل جزءا من العلوم الإنسانية التي بها يُدرس الإنسان أمثال العلوم الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والاثنوغرافية، والأنثروبولوجية، وغيرها، وتكون غايتها خدمة الإنسان.... فإنه من الممكن معرفة حياة الإنسان الاجتماعية من خلال الإنتاج الأدبية شعرا كان أم نثرا، حيث تشمل هذه الجوانب المختلفة، ولذلك نستطيع أن نستنبط من هذه الأعمال الأدبية تلك الجوانب المذكورة.
وإذا رضينا بتعريف الأدب أنه مرآة صادقة تعكس حياة أمة ما، فلا بدّ من توظيفه لتحقيق الأغراض الأساسية من دراسة الإنسان، ومن هذه الأغراض الأساسية ما يلي:
- ضبط التاريخ، ومن أنسب الفنون الأدبية لتحقيق هذا الغرض شعر المناسبات
- التربية
- ترويض النفس
وعندما نقوم بالنظر إلى الجانب التاريخي في أي عمل أدبي فإننا ندرس في الوقت نفسه بقية الجوانب من أغراضه الأساسية المذكورة أعلاه، وعلى الوجه الخاصّ التربية وترويض النفوس، إذ إن تلك الدراسة تؤدي إلى معرفة الحياة الإنسانية، وما قد وقعت من الحوادث خيرها وشرّها، ونستفيد منها في الحاضر والمستقبل. وعلى هذا المنهج ستجري هذه الدراسة.
بغية هذا المقال بلورة دراسة أدب إمبراطورية كانم برنو الإسلامية من خلال المؤلفات العربية في الإمبراطورية، والأهميّة الحق
يقية لتلك المؤلفات من حيث الأدب والتاريخ، أي تسليط الضوء على قيمتها الأدبية والتاريخية، مع عرض أوجه التشابه بين النقد الأدبي والنقد التاريخي اللذين اتخذا الأدب والتاريخ موضوعين لهما على التوالي. وقبل الشروع في هذا الموضوع المهم ، لعلّ من المستحسن التمهيد بالحديث عن اللغة العربية وآدابها وحركة نقدها في هذه المنطقة؛ لأن ذلك يعطينا صورة واضحة عن أدبية المؤلفات العربية في هذا القطر.
الثقافة العربية في إمبراطورية كانم برنو الإسلامية
إن مملكة كانم برنو من الممالك القديمة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وكانت مشهورة بين الإمبراطوريات العظيمة في العصور الأولى، وقد طبّقت شهرتها الآفاق حتى أصبحت معروفة لدى المؤرخين العرب الذين كانوا على اتصال وثيق بها قبل ظهور الإسلام فيها، والذي بسببه توطّدت العلاقات وانفتحت مختلف قنوات الاتصال بينها وبين الشعوب العربية .
لقد أرجع بعض المؤرخين تاريخ دخول اللغة العربية في غرب إفريقيا إلى وقت بداية العلاقة التجارية بين العرب وأهل المنطقة في القرن السابع الميلادي، ثم ازدهر هذا النشاط بعد القرن الحادي عشر الميلادي، إلى أن تمّ انتشار الإسلام في القارة الإفريقية فيما بعد بطريقة سلمية.
ولما دخل الإسلام هذه المناطق، مهّد السبيل للغة العربية وجعلها جزءًا لا يتجزأ من الدين، وكان الشعب المسلم يتعلّم اللغة العربية ليفهم بها أصول دينه الإسلامي بالدرجة الأولى، إلا أن بعضهم عكفوا على التعليم العربي حتى نبغوا في ميادينه المختلفة، إذ درسوا العربية لغة وأدبا، وقام أدبهم على الثقافة الإسلامية المعتمدة على القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وما يتصل بهما من القواعد اللغوية، فتمكنوا بذلك من الإبداع الأدبي الإسلامي الرفيع في الدرجة الثانية فخلفوا آثارًا علمية وأدبية لا يستهان بها على مسرح التراث العربي الإفريقي.
إن إسلامية الحياة في بلاد العجم هي السبب الرئيس في إسلامية العلوم والمعارف، ومنذ عهود الإمبراطوريات والممالك في إفريقيا الإسلامية الكبرى أمثال غانة القديمة، ومالي، وصنغاي، وكانم برنو وهوسا، درس العلماء اللغة العربية والأدب العربي القديم عبر ما وصل إليهم من كتب اللغة والأدب، وكان الأدب علما خاصًّا من العلوم الإسلامية النقلية المدروسة منذ ظهور فجر الإسلام، فجعلوا يتذوّقونه ويتمرنون على محاكاته في الأسلوب واللفظ والمعنى.
تعتبر إمبراطورية كانم برنو أول مملكة إسلامية قامت في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وبسطت نفوذها السياسي والثقافي في السودان الأوسط، في فترة ما بين عامي 800م و1600م، وقد عمرت هذه الإمبراطورية أكثر من تسعة قرون، وأية دولة تقضي هذه المدّة الطويلة رغم ما يعرض لها من صعاب وكوارث هي من غير شك دولة وطيدة الأركان ثابتة الدعائم، والمحقّق أن مملكة كانم برنو لم تبلغ ما بلغت من عظمة وقوة وسعة، إلا بعد أن صارت دولة إسلامية، فقد أضحى الدين الإسلامي عصب قوتها الروحية والمادية، كما صارت اللغة العربية لغتها الرسمية في شتى مناحي الحياة.
هذا، وإن دولة برنو الإسلامية مشهورة في التاريخ بما صدر عنها من مصنفات في شتى فنون العلوم الإسلامية، بيد أن معظمها ضاع خلال الفتح الفلاني لبلاد الهوسا في القرن التاسع عشر الميلادي، وخلال حركات الصراع القومي الإفريقي ضدّ المستعمر الأوربي الغربي، إلا أن ما بقي أو نجا من هذه المصنفات البرنوية العربية كافٍ لدراسة المنطقة في جوانبها المختلفة . يقول أوكافور: "عند ما جاء المستعمر الأوربي إلى غرب إفريقيا في القرن التاسع عشر، كان المثقفون الإفريقيون يكتبون باللغة العربية، وكانت جميع المدونات والسجلات التاريخية عن غربي إفريقيا وهي التي عثر عليها المستعمرون، كانت جميعها مكتوبة باللغة العربية" .
أدبيّة التأليف العربي الكانمي البرنوي
لقد أسلفت أن الغرض الأساسي في هذه الدراسة هو تسليط الضوء على أدبية التراث العربي البرنوي، وأعنى بذلك تتبع الظواهر الفنية الكامنة في التراث العربي البرنوي منذ أن عرفت الإمبراطورية الكانمية البرنوية نور الإسلام والتعليم العربي، وقبل الشروع في هذا الموضوع، فإنه من المستحسن أن نطرح على أنفسنا بعض التساؤلات، لأن الإجابة الصحيحة عنها تعطينا صورة واضحة عن المعلومات التي نسعى للتوصل إليها في هذا الموضوع.
- هل لعلماء مملكة كانم برنو تراث عربي؟
- هل بلغ ذاك التراث درجة النضوج الأدبي؟
- ما مدى أدبية التراث العربي البرنوي من الناحية الفكرية والقيمة الفنية؟
- ما العوامل التي أدت إلى الضعف والجمود الفنّي لهذا التراث؟
كما أن اللغة العربية جزء لا يتجزأ من الإسلام، فإن الأدب العربي لم يكن مستقلاًّ بذاته في إفريقيا الغربية، بل كان جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية، ولم يزل العلماء يدلون بدلوهم في التراث العربي ويسهمون بما لا يستهان به بعد ما عكفوا على اللغة العربية وتعلّموها لغة وأدبا كما سبق الذكر. ومن ثم يمكن الإجابة عن بعض التساؤلات السابقة بأن لعلماء كانم برنو تراثا عربي
ا، حيث أجادوا اللغة العربية وتذوّقوا سحرها وبلاغتها واتخذوها أداة للتعبير عما يعتريهم من خلجات نفسية، ثم خلفوا الشعر والنثر اللذين أسهموا في أغراضهما المختلفة، إلا أن هذه الجهود لم تكن هي الغاية بل كانت وسيلة لفهم دينهم لا غير، ولذلك كان أكثرهم علماء وفقهاء في الدرجة الأولى كما يظهر في إبداعاتهم العربية.
أما من ناحية الشعر، فكان العلماء يسيرون على الدرب المعروف في العصور الأدبية الغابرة حيث كانت موضوعات شعرهم – مثلا – لا تختلف عن الموضوعات والأغراض الشعرية المألوفة التي هي المدح، والرثاء، والهجاء وغيرها، إلا أنهم ليسوا شعراء على هذا المفهوم، بل إنهم علماء وقد قاموا بدور الشعراء فقط لإتقانهم للغة العربية، فقد أجادوها وعالجوا بها مختلف القضايا وعبّروا بها عن مشاعرهم على نمط شعراء العرب، مستخدمين البحور الشعرية الموروثة، ولعلّ تضلعهم الشديد في العربية هو ما حفزهم لقول شعرهم التعليمي، فقد درسوا كثيرا من المؤلفات العلمية كألفية ابن مالك في النحو، وألفية العراقي في الحديث، والعشرينيات لأبي عبد الرحمن أحمد يخلفتن الفازازي في مدح النبي .
اشتهر في مملكة برنو عدد كبير من العلماء الذين خلفوا أشعارا رائعة، إلا أن بداية ظهور الإبداعات الأدبية في الدولة يكتنفها الكثير من الغموض، لكن الذي لا شك فيه هو أن ظهور الشعر العربي يرجع إلى ما قبل الحركة الفودية الإصلاحية بفترة طويلة، ولربما يعدّ من أقدم التراث العربي الشعري في هذه المنطقة ما قاله أبو إسحاق إبراهيم الكانمي (ت1212م)، والذي قال في مدح المنصور الموحدي أحد ملوك دولة الموحدين في شمال إفريقية ما نصّه:
أزال حجابه عنّي وعـيني تراه من المهابة في حجاب
وقرّبـني تفضّلــه ولكن
بعدت مهابة عند اقترابي
لقد أكثر علماء برنو من نظم القصائد وطرقوا عدّة أغراض شعرية، وكان المدح يأخذ نصيب الأسد مما تناولوه من الموضوعات، حيث كانوا يمدحون الرسول صلى الله عليه وسلّم والعلماء والرؤساء ومشايخ الصوفية . ولعل خير مثال على مدحهم للعلماء والرؤساء ما قاله الشيخ طاهر الفلاتي بن إبراهيم فيرمّا الذي كان من النخب الزكيّة التي خرجت من الرعيل الأول من العلماء الشعراء في هذه البلاد، فقد نظم هذه القصيدة في مدح الماي دوناما، وهذه بعض أبيات من القصيدة:
الحمد لله الـذي أنـامـا بروح ظـلّ عـدله الأنـاما
يأمر بالعـدل والإحـسان
ينـهى عن المنكـر والطغيان
يعمّر البـلاد بالعدالـه وأنفُ ذي الجور على الجداله
صلّ وسلّم على الذي أتى
وظلمة الظلـم على الحق عَتَى
فانجلت الظلمـة بالضيـاء وبالدوا والـداء ذو العيـاء
وآله وصحبـه العـدول
أولى النهى النهـاة عن عدول
وأعـدل الملوك عند المولى أجلّهم مرتبة وأولى
لأنـه خليفـة الـزمـان
وظلّه الظليـل ذو الأمان
كان عماد الشرع فوق الأرض** وتحت ظلّ العرش يوم العرض
ومن روائع الشعر العربي البرنوي القصيدة الجيمية في مدح النبي للشيخ يوسف القرغري الذي له عدد من التآليف العربية القيّمة، ومنها قصيدة رثائية رثى بها الشيخ محمد الأمين الكانمي بعام 1837م. ولا بأس من عرض قصيدته في مدح النبي صلى الله عليه وسلم كنموذج من شعره على ما يلي:
صلّى الإله علـى النبي الأبهـج ما صاب صيـب كـلّ غيم زعبج
ولد النبي وكـان نـور جبينـه
بـدرا تبلـج فوق ليـل دعلـج
فتضوعت أرجـاء مكة منـدلا وقت الـولاد بعـرفه المتـأرج
والشهب دانت والهواتف بشرت
أن بات عند الكون صدر الحرفج
الحور في غـرف الحنان تبـاشرت** بولاد من قد حاز عظم كسبج
وبـه يفـوح شيبـة إذ أتـى طفـلا يفوح شذاه فوق الأفوج
أكـرم بشهـر شـأنه متـوقل
كـسيت مفاحزه ملابس زبرج
إلى أن قال:
هذا وإني قد مدحتُ مقالتي بمحمد ذي الحجاب المتزحج
لا أنني أطربتُه بمديحتي
إذ مدحـي فيه مثـل الزجرج
وقد بلغ عدد أبيات هذه القصيدة بالذات أربعمائة وسبعا وخمسين بيتاً . ومن قصيدته في رثاء الشيخ محمد الأمين الكانمي ما مطلعها:
أيا عين جودي بدمع هطول يسيل على الخد مثل السيول
ويجري على الفور بعد التلول
أيا قلب حزنا لفقد الوصول
مربّي المساكين عزّ الذليل
إلى أن قال:
بدا بدرنا في سماء العـلاء فبـان الدليـل لـدانٍ ونـاءٍ
على أنه في ازدياد البهـاء
بعـام شفـوقٍ تلى حرف باء
نما سعدُ عصر صفي كالجديل
فهذه نبذة من شعرهم في المدح والرثاء، وقد استخدم علماء برنو هذا الفن الأدبي للتعبير عن شعورهم في جوانب حياتهم المختلفة، وإن الإبداع الشعري هو أكثر ما أنتجته قرائحهم، ويعود سبب ذلك إلى سهولة نظمه وسرعة فهمه ، وكان من أبرز العلماء الذين نشطوا في هذا المجال الشيخ أبوبكر الباركوم الذي قال عنه محمّد بللو: "إنه كان نسيج وحده، عالما بالمنقول والمعقول صالحا تقيًا بارعًا، والحاصل أنه بلغ مبلغ الرجال، نشأ بموضع يقال له ذات بقر" . له قصائد في الحكم نظمها على السنوسية الكبرى وشرح السنوسية وغيرها من القصائد في نصح الأمراء والحكام والعتاب.
بناء على الفنّ الشع
ري لدى أولئك العلماء الشعراء في برنو، فإنّ المتصفح لتاريخ اللغة العربية وآدابها في هذه البلاد يعرف أن بعض العلماء والرجال على مرّ العصور قد نهضوا لترقية وتطوير العربية، وتركوا أنواعا كثيرة من الكتابة، أمثال الرسائل الديوانية بين العلماء، والوثائق الرسمية بين رجال الحكومة، وبعض الوثائق التاريخية. ومن الممكن تقسيم هذا الفن الأدبي – النثر – الذي أنتجه علماء هذه الديار إلى فنيّ وعلميّ، فالأول هو الذي استعملوه في رسائلهم والثاني ما كانوا يستعملوه في تأليفهم
أما النثر الفني فخير مثال على ذلك تلك الرسائل المتبادلة بين أهل الفودي وبين فارس الكانم الشيخ محمد الأمين الكانمي، ونورد هنا نصًّا من رسالته إلى الزعيم الفلاني الشيخ عثمان بن فودي على النحو الآتي: -
"من المتعفر بتراب الذنوب، والمتدثر بجلباب العيوب، العبد الذليل محمد الأمين بن محمد الكانمي إلى العلماء الفلانيين ورؤسائهم. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فالباعث لرسم هذا المزبور، إنه لما ساقني المقادير لهذا الإقليم وجدتُ نار الفتن بينكم وبين أهل الوطن موقودة، فسألتُ عن السبب، فقيل: بغى وقيل: سنة، وتحيرنا في الأمر، فكتبتُ لإخوانكم المجاورين لنا وثيقة طلبتُ منهم بيان السبب والدليل على الجواز، فأجابوني بجواب ركيك لا يصدر عن عاقل فضلا عن عالم، فضلا عن مجدّد، وعدوا فيه أسماء كتب لنا اطلاع على بعضها، لكن لم نفهم منها ما فهموه..."إنا نحبّ الشيخ والحقّ ما اتفقا، فإذا ما اختلفا كان الحقّ أولى" أعاذنا الله من أن نكون ممن قال الله تعالى فيهم:" هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" والسلام أهـ
ومن أمثلة الرسائل الديوانية كذلك رسالة ملك برنو إلى السلطان الظاهر البرقوق في القارة حوالي سنة 894هـ والتي ورد فيها ما يلي:
"بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما: الحمد لله الذي جعل الخط تراسلا بين الأباعد، وترجمانا بين الأقارب، ومصافحة بين الأحباب، ومؤنسا بين العلماء وموحشا بين الجهال، ولولا ذلك لبطلت الكلمات وفسدت الحاجات. ومن المتوكّل على الله تعالى، الملك الأجلّ المستنصر بالله، المنصور في كلّ حين وأوان ودهر وزمان، الملك العادل، الزاهد التقي النقي، الأبجد والأمجد الغشمشم فخر الدين زين الإسلام، قطب الجلالة سلالة الكرماء كهف الصدور، مصباح الظلام أبي عمرو عثمان الملك ابن إدريس الحاج أمير المؤمنين المرحوم كرم الله ضريحه وأدام ذرية هذا ملكه، إلى ملك المصر الجليل أرض الله المباركة أم الدنيا سلام عليكم أعطر من المسك الأذفر، وأعذب من ماء الغمام وأليم زاد الله ملككم وسلطانكم والسلام على جلسائكم وفقهائكم وعلمائكم الذين يدرسون القرآن والعلوم وجماعتكم وأهل طاعتكم أجمعين،
وبعد، ذلك، فإنا قد أرسلنا إليكم رسولنا وهو عمّي واسمه إدريس ابن محمد من أجل الجائحة التي وجدناها وملوكنا، فإن الأعراب الذين يسمّون جذاما وغيرهم قد سبوا أحرارنا من النساء والصبيان وضعاف الرجال وقرابتنا من المسلمين...
فهذه نبذة من النثر الفني الذي خلفه العلماء البرنويون في تلك الحقبة من الزمن، وهي تمثّل التراث العربي الفنّي. وعلاوة على ذلك، فإن هناك عددًا من التراث العربي العلمي كما سبق الذكر، ومن أشهر هذا النوع الوثائق التاريخية، مثل تاريخ الماي إدريس ألوما وغزواته، وكتاب ديوان سلاطين برنو، وأصل فلاتي برنو وغيرها من المكتوبات العربية.
وإذا ألقينا نظرة على ما قد أوردناها من الإنتاجات العربية لعلماء كانم برنو في العصر البرنوي، يتضح أن هؤلاء العلماء قد أسهموا بقدر الإمكان في التأليف العربي وتناولوا فيه مواضيع شتى، إلا أنه من الأحسن أن ننتبه إلى نقطة مهمة وهي السؤال الذي قد يطرح نفسه على الدارس المدقق، وهو أنه إذا كان من البديهي أن لعلماء كانم برنو تراثا عربيا فهل يبلغ ذلك التراث العربي درجة النضوج الأدبي الذي يؤهله لأن نطلق عليه التراث العربي الفنّي؟
إذا كان من الممكن إثبات أن للعلماء البرنويين تراثًا عربيًّا، فإنه ليس من السهل القول بكلّ صراحة إن كلّ هذا التراث يبلغ درجة النضوج الأدبي، فعلى حسب رأي الأستاذ الدكتور يحيى مثلا فإن توافر الإنتاج العربي لا يعني بالضرورة نضوجه ، فكما أن عددا غير يسير من الإنتاج العربي البرنوي – الشعر بالذات – بلغ أوج الرقيّ والنضوج إلا أن بعضه الآخر لا يخلو من الضعف والركاكة مما يجعله لا يستحق الدراسة الأدبية الحصيفة. هذا، ولا ينبغي أن ننسى ما سبق ذكره أن العلماء الذين قاموا بإبداع هذا التراث ليسوا شعراء محترفين، بل هم علماء بالدرجة الأولى وشعراء بالدرجة الثانية، فقد اتخذوا قرض القصائد – مثلا – وسيلة لتعليم العلوم والأفكار، كما أن بعضهم طلبة كانوا يمارسون كتابة الشعر رغبة في إتقان عمله...
لقد أصدر بعض دارسي الأدب العربي الإفريقي أحكاما عامة على درجة فنية الأعمال الأدبية البرنوية، فلا يرون فيها إلا الضعف والجمود، فقد ورد
عند الألوري بشأن هذه الإنتاجات مثلا: "... لكن الإنتاج الأدبي فيه ضعيف وقليل لأنه دور الدعوة إلى الدين الجديد ودور التأسيس والتوطيد للثقافة الجديدة، ولا يمكن أن يرتقى فيه الأدب إلى درجة الإنتاج .
هكذا هاجم الألوري ما خلّفه العلماء البرنويون من النثر الفني، ووصف عملهم الأدبي بالضعف، إلا أنه ربط هذا الرأي بالأسباب التي أدت إليه. وغير بعيد عن هذا الرأي ما قاله عبد الرحيم عيسى الأول في مستوى الإنتاج الأدبي في برنو، إلا أن ملاحظته ترتكز على فن النثر دون الشعر، يقول عيسى الأول: " وإذا نظرنا إلى النثر العربي في نيجيريا عبر العصور، أدركنا أنه كان نثرا عاديا، لم يبلغ درجة الإنتاج الأدبي في القرن الخامس الهجري في مملكة برنو التي كانت أول المملكة الإسلامية فيما عرف بنيجيريا اليوم، استخدم النثر العربي في المملكة للتخاطب بين التجار وكتابة الرسائل والوثائق الرسمية بين رجال الحكومة، ولم يتجاوز النثر العربي هذا الحدّ في ذلك العصر الغابر، ومنذ ذلك العصر كان النثر العربي يتطوّر تطوّرا بطيئا إلى أن قام الشيخ عثمان بن فودي بثورته الإصلاحية في القرن التاسع عشر الميلادي"
ويذهب صاحب تاريخ السودان عبد الرحمن السعدي المذهب نفسه حين قال: "أما في الأدب فإنها كانت ضعيفة، بحيث إنها لم تعط نتاجا يذكر لا في مجال الشعر ولا في مجال النثر، وما وجد من أشعار لا يتجاوز القليل من القصائد أو الأبيات الشعرية، أو شيئا من الرجز غير الموزون على القافية. وخلاصة القول أنه مع علوّ قدر النثر والشعر في هذا العصر فإنه لم يبلغ مبلغ أن نسمّيه تراثا فنّيًّا.
الظواهر الفنيّة في التراث العربي البرنوي
إذا ألقينا نظرة فاحصة على ما خلّفه العلماء البرنويون من الآثار العربية، ندرك بدون أدنى شك أنهم قد أدّوا دورا ملموسا في نشر التراث العربي الإسلامي في المنطقة، برغم أن اللغة العربية التي اتخذوها وسيلة في إنتاجهم الأدبي شعرا كان أو نثرا لم تكن لغة الأمّ بالنسبة لهم، وإنما تعلّموها تعلّما. وقد ظهر في أعمالهم الأدبية قوة ملكتهم في اللغة العربية وسعة باعهم فيها مع أن هذه اللغة بالنسبة لهم لغة كتابة وليست لغة تفاهم، وأعني بذلك أنهم لم يكونوا يتحدّثونها سليقة، وكانت بيئتهم أعجمية تختلف عن تلك البيئة العربية الصرفة.
ينحصر الجانب الأدبي للتراث العربي في بلاد كانم برنو في العصر البرنوي في الشعر العربي الذي يمثّله إنتاج بعض العلماء كما ينحصر هذا الجانب الأدبي في النثر الفنّي والنثر التعليمي العادي كما سبق الذكر، وقد كان حظهم في هذا الجانب الأخير كبيرًا إلا أنه قد امتدّت إليه يد الضياع، ولذلك لا يجد المتصفح لتاريخ الأدب العربي النيجيري الكثير من هذه الإنتاجات العربية الأدبية، ولا يمكن لهم دراسة الإنتاج الأدبي كما كان الأمر في شأن التراث العربي الفودي. ومع ذلك، لقد حاول بعض الباحثين إخراج هذا التراث العربي البرنوي، ودرسوه دراسة حصيفة على أحواله المتنوّعة في فتراته المختلفة.
لقد مرّ هذا التراث العربي البرنوي بفترات مختلفة وبأحوال متنوّعة حيث تطوّر حينا وانخفض حينا آخر، وندرك ذلك إذا درسنا التراث العربي البرنوي من حيث أحواله المتنوّعة عبر العصور، ثم ندرك أن العلماء تركوا ما يبلغ أوج النضوج الأدبي من الإنتاج العربي غير أن عددا منه لا يخلو من ظواهر الضعف والجمود، الأمر الذي جعل بعض الدارسين يميلون إلى أن التراث العربي البرنوي برمته يتصف بالضعف والجمود كما سبق، وقد اختلف هذا التراث عن تلك الآثار العربية البرنوية في العصر الفلاني الذي يُعدُّ عصر النهضة الأدبية في هذه الديار.
ولتحقيق مدى أدبية الإبداعات البرنوية العربية التي قدّمنا عنها بعض النماذج، يلزم إعادة النظر في قِيَمِها الفنيّة، وذلك يعيننا كثيرا على إصدار الأحكام بالدقّة.
تقوم دراستنا لهذا الإنتاج على نماذج شعرية ونثرية، ابتداء من العصر البرنوي الذي قد ينقسم إلى الفترة السيفية والفترة الكانمية، متمثلة في إحدى قصائد القرن الخامس عشر الميلادي، وهي قصيدة المدح التي قالها الشيخ طاهر بن إبراهيم الفلاتي فيرمّا أحد أعمدة الأدب العربي في تلك الحقبة من الزمن، وقد نظم هذه القصيدة ( التى استعرضت من قبل ) في مدح الملك علي بن دوناما على ما يلي:
الحمد لله الذي أنـاما بـروح ظـلّ عدلـه الأنـاما
يأمر بالعدل والإحسان
ينهـى عـن المنكـر والطغيان
يعمّر البلاد بالعدالـه وأنفُ ذي الجور علـى الجـداله
صلّ وسلّم على الذي أتى
وظلمة الظلم على الحق عَـتَى
فانجلت الظلمة بالضياء وبالـدواء والـداء ذو العيـاء
وآله وصحبه العـدول
أولى النهـى النهـاه عن عدول
وأعدل الملوك عند المولـى أجلّهـم مرتبـة وأولـى
لأنـه خليفـة الزمـان
وظلّـه الظليـل ذو الأمـان
كان عماد الشرع فوق الأرض** وتحت ظلّ العرش يوم العرض
هكذا مدح الفلاتي الملك علي بن دوناما في ما لا يقلّ عن مائتي بيتٍ، والثابت أن هذا الشيخ عالم كبير ماهر في فنون العلم والمعرفة وله مؤلفات كثير
ة في شتى فنون العلم، ومن أشهر مؤلفاته قصيدة في مدح دوناما التي كنا بصددها، وقصيدة البوّاب التي بلغ عدد أبياتها ثلاثة وعشرين قالها هجاءً لحساده، حين لقي الكثير من الأضرار، خاصة حين أراد الدخول على السلطان، فصدّه البواب ومنعه من الدخول وأغلق الباب دونه، وكان ذلك بإيعاز من السلطان نفسه.
ومنها قصيدة خبر الباسور التي بلغ عدد أبياتها واحدا وسبعين في علامات وعلاج مرض الباسور، ومنها قصيدة الدرر اللوامع في علم الصرف في لاميات الأفعال لابن مالك، وقد بلغت أبياتها ستّة وتسعين وسبعمائة بيت، كما أن له منظومات في الحكم، كان بعضها شرحا على السنوسية الكبرى وبعضها شرحا على السنوسية .
أراد الشيخ طاهر الفلاتي مدح السلطان علي بن دوناما في هذه القصيدة رمزًا لقرابته أو اقترابه من قصر الملك. عند ما سمع الملك علي بن دوناما بشهرة الشيخ والتفاف الناس حوله، استقدمه إلى البلاط وأسكنه بجواره إلا أن هذا الاقتراب قد أثار نار الفتن بينه وبين الناس في البلد حتى اضطر الشيخ للسفر إلى البلاد المجاورة، ولم يلبث أن استقدمه الملك مرة ثانية، وأقنعه بالمحافظة على عرضه ونفسه، إلا أن الوضع ازداد سوءا، فكثر حساده حتى حيكت ضدّه الدسائس لدى السلطان.
استهلّ الشيخ القصيدة بما اعتاد عليه العلماء الشعراء في هذه البلاد من استفتاح القصيدة بحمد الله والصلاة على النبي، فقد استبدلوا هذا الاستفتاح بسنّة الشعراء العرب في النسيب والوقوف على الأطلال، وقد استغرقت هذه الحمدلة والصلاة الأبيات الستّة الأولى قبل الخوض في صميم الموضوع، حيث وصف ممدوحه بمجموعة من الصفات الحميدة لما أسدى إليه من أثر محمودٍ.
ويظهر في القصيدة شيء من التجارب الشعرية التي هي مادة التعبير الأدبي، ونضرب مثالا بما كتبه الإمام أحمد البرنوي في "تاريخ مي إدريس ألوما" كما ورد في المكتوبات التاريخية لمؤلفه مسفرمة عمر بن عثمان، حيث أبى قلمه إلا أن يكثر الثناء على الملك، فإذا كان ما كتبه هذا المؤرخ الجليل يعبّر عن الملك تعبيرا قويًّا ويثير انفعال القارئ، فإن الحكاية نفسها في ما قرأناه في القصيدة التي كنا بصدد دراستها.
هذا، ولم تكن هذه القصيدة تفتقر أوتخلو من صدق العاطفة، فالقارئ يلمح فيها الانفعال الحقيقي، إلا أنّ وجود هذا الانفعال شيء وملكة التعبير عنه شيء آخر، أو بعبارة أدق لا وجود للتجربة الشعورية قبل أن يعبّر عنها في الصورة اللفظية، لأنها تبقى مضمرة في النفس إلى أن تأخذ صورتها اللفظية، ومن المعلوم أن العمل الأدبي وحدة مؤلفة من الشعور والتعبير ولا انفصام بينهما. كان للشيخ طاهر الفلاتي هذا الانطباع الشخصي عن الملك علي بن دوناما، كما كان يملك القدرة الفائقة على تصوير انفعاله والتعبير عنه في القصيدة، وهذا واضح إذا استعرضنا الصورة اللفظية التي وردت فيها، ونرى بيان ما تنقله هذه الصورة إلينا من حقائق ومشاعر، ومن هنا قيمة التعبير في العمل الأدبي.
كثيرا ما استعانت الظواهر الفنية باستعارة وتشبيه وغيرهما من الصور البيانية بالدقة، وهذه من القيم الأدبية التي نشير إليها في القصيدة، فقد استخدم الشاعر هذه الصور البيانية مثل التشبيه في البيت السابع والخمسين حيث يقول:
تراهم على ظهور الخيل ** مثل صخور في مجاري السيل
وجملة القول أن لهذه القصيدة قيمة أدبية، فالشاعر إلى جانب استعماله للأساليب البلاغية وغيرها من وسائل الصناعة الفنية، تمكن من تطويع قصيدته لتكون مادة دسمة للكنوز التاريخية.
و على رغم ظواهر الضعف والجمود البارزة في الأدب العربي البرنوي- على حد آراء بعض الدارسين، فإنك تجد بعض أنواع الكتابة الفنية الممتازة كالرسائل الديوانية عند هؤلاء العلماء، والتي تعدّ من روائع النثر الفنّي في التراث العربي البرنوي، مثل رسالة أحد فرسانه الشيخ محمد الأمين الكانمي التي سبق ذكرها، والتي أرسلها إلى زعيم الجهاد الفودي وأعوانه من الجماعة المسلمين، فهاك نصّ الرسالة:
"من المتعفر بتراب الذنوب، والمتدثر بجلباب العيوب، العبد الذليل محمد الأمين بن محمد الكانمي إلى العلماء الفلانيين ورؤسائهم. السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فالباعث لرسم هذا المزبور، إنه لما ساقني المقادير لهذا الإقليم وجدتُ نار الفتن بينكم وبين أهل الوطن موقودة، فسألتُ عن السبب، فقيل: بغى وقيل: سنة، وتحيرنا في الأمر، فكتبتُ لإخوانكم المجاورين لنا وثيقة طلبتُ منهم بيان السبب والدليل على الجواز، فأجابوني بجواب ركيك لا يصدر عن عاقل فضلا عن عالم، فضلا عن مجدّد، وعدوا فيه أسماء كتب لنا اطلاع على بعضها، لكن لم نفهم منها ما فهموه..."إنا نحبّ الشيخ والحقّ ما اتفقا، فإذا ما اختلفا كان الحقّ أولى" أعاذ الله من أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم:" هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" والسلام أهـ
هكذا استنكر الشيخ محمد الأمين الكانمي الجهاد الفودي ضدّ مملكة برنو كما استنكر بعض التصرفات التي نتجت عن القتال بين المجاهدين وأهل برنو، وفيها ع
إذ يضع تحت أعيننا ما قد جرى من حياة الأسلاف من أحاسيسهم وما أصابوا من حكمة وخبرة، ويرينا صور الحياة عندهم وكيف كانوا يعيشون، ويفكرون، ويتناولون الحياة ويستقبلون أحداثها.
وقبل الخوض في صميم الموضوع، فإن من المستحسن أن نضع في حسباننا نقطة مهمة، ألا وهي ما ذهب إليه بعض الدارسين الأوربيين في نظريتهم، حيث أكّدوا عدم وجود تاريخ إفريقيا مدوّنًا، الأمر الذي جعلهم يزعمون أن إفريقيا قارة مظلمة، مؤمنين بذلك أنها لا تاريخ لها. ومن أبرز القائلين بهذا الرأي السير ألان بونس Sir Allan Burns والبروفيسور روكيرس Rockers اللذان ذهبا إلى أن التاريخ إنما هو سجلّ للتغيرات الاجتماعية والإنجازات الإنسانية، وكلّ قوم لم يكن له تاريخ مدوّن فليس له تاريخ، وأن إفريقيا – على حدّ نظريتهم – تمثّل حالة راكدة، والحركة الوحيدة فيها هي توالد المتوحشين . وأنكر هؤلاء المؤرخون الاعتماد على ذاكرة الإنسان إيمانا بأنها ضعيفة ولا يمكن الثقة أو الاعتماد عليها، ومن ثمّ فهم لا يعترفون إلا بالوثائق المكتوبة، وكانت فكرتهم أن الإفريقي يتميّز بالجهل والعداء الغريزي.
ولعل هذا ما جعلهم يقسمون العصور التاريخية في العصر الزمني للدراسة التاريخية إلى عصور ما قبل التاريخ، ويقصد بذلك العصور الحجرية، وهي التي لم يتمكن الإنسان خلالها من اختراع الكتابة التي يدوّن بها أعماله، والعصور التاريخية، حين كان الإنسان قد اخترع الكتابة ودوّن بها أعماله حتى يومنا هذا.
لقد حفلت الإنتاجات الأدبية التي خلّفها العلماء الأفارقة بما يمكن التعويل عليه في تتبع التطوّر التاريخي في هذه الديار، حيث أسهمت الآثار العربية الأدبية الإفريقية في تطوّر تدوين التاريخ الإفريقي، وتعدّ هذه الآثار العربية وثائق تاريخية واجتماعية مهمّة، لما ينقل إلينا في العصر الراهن من أحوال أجدادنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نقلا مباشرا، ولعله من أجل ذلك كان الأدب عموما أدخل في الحقيقة في التاريخ، لأن التاريخ لا يُعطي الحقيقة مباشرة إلا نادرًا، إذ هو دائما موصول بالرواية، والرواية معرّضة للكذب والخطإ والتعصّب والهوى.
من المعلوم أن الدخول في الإسلام مثلا يعني بضرورة معرفة أبجديات اللغة العربية التي يمكن من خلالها معرفة أداء الشعائر الإسلامية، فيتعلّم الشعب المسلم اللغة العربية لكونها لغة القرآن ولا يصلح الدين إلا بها، وبطبيعة الحال لا تكاد قدم الإسلام تثبت في بلد حتى تتأثل الثقافة العربية فيه. دخلت اللغة العربية والإسلام في هذه المنطقة، وكانت وحدة الدين والدولة التي بوّأت العلماء مكانا مرموقا بين الأمة وساعدتهم في القيام بالجهاد الإسلامي مما دفع العلماء إلى تعليمهم اللغة العربية للإنتاج الأدبي حتى نبغوا فيه أيما نبوغ، واستطاعوا أن يخلفوا للأخلاف آثارا علمية وأدبية لا يستهان بها. ولا ينسى التاريخ ما سجّله العلماء في إمبراطورية كانم برنو وفي البلاد المجاورة من المكتوبات العربية الإسلامية. فإن المكتوبات والمؤلفات والوثائق المدوّنة التي سجّلها التاريخ الإفريقي في العصر الإسلامي الذهبي الذي سبق انتشار النفوذ الاستعماري الأوربي هي المخطوطات العربية التي دوّنها العرب والإفريقيون على السواء، سواء باللغة العربية أم باللغات الإفريقية المحلية المدوّنة بأحرف عربية
لا شك أن للمؤلفات العربية البرنوية آثارًا علمية وأدبية في جوانب شتى، أمثال الدين والأدب والفلسفة والاجتماع والتاريخ، ومن الجدير بالذكر أن أكثر النصوص العربية الإسلامية في ذلك العصر كتبت لهدف نشر تعاليم الإسلام لا غير، ولا ينفي ذلك كون بعضها مؤلفة عن قصد لتسجيل الحقائق التاريخية، وتلك التي كتبت بغير قصد التاريخ أصبحت معلومات نافعة للتاريخ بشكل عفوي، وذلك باستنباط الحقائق التاريخية منها بطريقة غير مباشرة، فقد عوّل عليها المؤرخون الأوربيون الذين جاءوا بعدهم في أوائل القرن العشرين الميلادي ووجدوها نبراسا وضّاءً في تدوين التاريخ النيجيري بعد تنقيحها وتحقيقها وترجمتها إلى الإنجليزية.
وهذا الجانب من الدراسة مبني على استنباط الحقائق التاريخية عن المنطقة باستنطاق فنون التراث الأدبي العربي الذي أنتجته قرائح علماء البلاد.
الشعر العربي البرنوي ذو طابع تاريخي
الشعر فن من الفنون الأدبية يصوّر الحياة كما يراها الشاعر، كما أن التراث الشعري لأي أمّة من الأمم هو أهمّ جوانب تراثها تعبيرا عن خلجات نفوسها وتصويرا لحقائق حياتها. وإذا كان هذا كلّه خصائص التراث الشعري، فإنه من الممكن أن يكون الشعر مصوّرا ومحققا للحياة الإنسانية، خاصة إذا كان مدوّنًا ومسجّلا للجيل الناشئ.
يمكن للتاريخ أن يصبح عملا أدبيا إذا انفعل المؤرخ – مثلا – بالحوادث، وصوّرها حياة ممتزجة بالأحياء الذين اشتركوا فيها، كما لو كان يكتب قصّة كائن حيٍّ لا قصّة حادثة. والقصيدة عملٌ أدبيٌّ لأنها تصوّر انفعال وتجارب الأديب تجاه مؤثر ما، إذ يتوافر فيها عنصر التجربة الأدبية وتصير تاريخا للجيل الناشئ فيما بعد.
ولنضرب مثالا من أروع القص
قد مقارنة بين الوضع الاجتماعي والأخلاقي في مملكة برنو من جهة، وفي مصر من جهة أخرى بغرض الوصول إلى نتيجة أن بعض الاعتقادات المنافية لروح الإسلام لا ترقى إلى درجة التكفير...وكان من رأيه أنه كان حريًّا بالمجاهدين في صكوتو أن تقف دعواهم على مجرّد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير حمل الناس على القتال.
وإذا أمعنا النظر في هذه الرسالة، نجد أن الأسلوب المستخدم خال من الأخطاء النحوية ومتّسم بالرصانة ودقّة التعبير والاستدلال بآيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ولا شكّ أن مثل هذا النموذج من النثر الفنّي يحتل الصدارة من الجودة والكمال والنضوج، فكيف إذا أضفنا إلى ذلك تجرّده من الركاكة والتعقيدات والغرابة والتنافرات والتكلّف البديعي، وكذلك اتصافه بالسهولة والوضوح في الألفاظ والسلامة في المعاني مع تضلع الكاتب في الأساليب البلاغية الرائعة وغيرها. هذا، ويلاحظ أن الرسالة تمتاز بتحليل مسائل فقهية واستعمال تعابير متداولة في كتب الفقه، وهي أغلب خصائص أكثر رسائل هذه الفترة التي تسودها المناظرة الفقهية بين أهل الفودي والكانمي.
وخلال دراستنا لهذا التراث العربي البرنوي، نرى أنه برغم مظاهر الضعف والجمود التي يرميه بها طائفة من الدارسين، فإن الكانمي قد ارتقى بفنّه قمة الجمال الأدبي، ولعل السبب في ضعف نتاج غيره من المعاصرين – بغض النظر عن فروق الطبائع واختلاف المناهل والخلفيات الثقافية – راجع إلى جدة نشأة هذا التراث في أوائل العصر البرنوي، لذلك اتصف بعضه حينذاك بالضعف والجمود، وقلّما تجد الدارس يقوم بدراسته لتضاؤله من حيث الروح الفنيّة. ولعل خير مثال على الإنتاجات التي من هذا القبيل الرسالة الآتية التي بعث بها ملك برنو إلى السلطان الظاهر البرقوق في القاهرة، (تم ذكرها من قبل ):
"بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما: الحمد لله الذي جعل الخط تراسلا بين الأباعد، وترجمانا بين الأقارب، ومصافحة بين الأحباب، ومؤنسا بين العلماء وموحشا بين الجهال، ولولا ذلك لبطلت الكلمات وفسدت الحاجات. ومن المتوكّل على الله تعالى، الملك الأجلّ المستنصر بالله، المنصور في كلّ حين وأوان ودهر وزمان، الملك العادل، الزاهد التقي النقي، الأبجد والأمجد الغشمشم فخر الدين زين الإسلام، قطب الجلالة سلالة الكرماء كهف الصدور، مصباح الظلام أبي عمرو عثمان الملك ابن إدريس الحاج أمير المؤمنين المرحوم كرم الله ضريحه وأدام ذرية هذا ملكه، إلى ملك المصر الجليل أرض الله المباركة أم الدنيا سلام عليكم أعطر من المسك الأذفر، وأعذب من ماء الغمام وأليم زاد الله ملككم وسلطانكم والسلام على جلسائكم وفقهائكم وعلمائكم الذين يدرسون القرآن والعلوم وجماعتكم وأهل طاعتكم أجمعين.
وبعد ذلك، فإنا قد أرسلنا إليكم رسولنا وهو ابن عمّي واسمه إدريس ابن محمد من أجل الجائحة التي وجدناها وملوكنا، فإن الأعراب الذين يسمّون جذاما وغيرهم قد سبّوا أحرارنا من النساء والصبيان وضعاف الرجال وقرابتنا من المسلمين..
يتّضح في هذه الرسالة أن اللغة العربية فيها لا تزال في عنفوان شبابها لكثرة الإطناب والمترادفات في القطعة، إضافة إلى تكلّف المحسنات دلالة على تقليدية الأسلوب، وقد وصف القلقشندي نصّا من الرسالة التي وردت من سلطان كانم أنها في ورق مربّع، السطر إلى السطر بخطّ مغربي، وليس له هامش في أعلاه ولا إلى جانبه، وتتمّة الكتاب على ظهره من ذيل الكتاب. كما انتقد العبارة التي اختتم بها الكاتب الرسالة أي "السلام على من اتبع الهدى" وأشار إلى جهل الكاتب بصناعة الإنشاء بتلك العبارة، وأن ذلك جهل من الكاتب بمقاصد صناعة الإنشاء في كتابة الرسالة الديوانية.
الحقائق التاريخية في التراث العربي البرنوي
لقد حاولنا بقدر الاستطاعة تسليط الأضواء على أدبية التراث العربي البرنوي، ورأينا كيف ارتفعت درجته حينا وانخفضت حينا آخر، وقد آن الأوان أن نلقي ضوءًا على القيمة التاريخية لهذا التراث الضخم، ونناقشه من حيث الجانب التاريخي، وندرك بذلك مدى تاريخية تلك المخلفات الأدبية العربية.
لا شك أن التاريخ من أهمّ الميادين الفكرية التي اهتمّ بها الإنسان، فقد طالما فكر الإنسان في الكون المحيط به، وفكّر في الله وفي الخلود ودوّن ذلك كلّه مقترنا بما دوّن عن حاضره وأعماله ومنجزاته، ثم تحوّل الأمر إلى كتابة التاريخ في صورة يوميات وحوليات.
وإذا كان التاريخ هو الزمان وما وقع فيه من الحوادث، وكان موضوع التاريخ هو الحياة البشرية في امتدادها الزمني على الأرض، وما يحكم هذه الحياة من عوامل، فإن عملية تدوين التاريخ Historiography تفيد تسجيل الحوادث التاريخية، ونقلها من جيل إلى جيل آخر مع المحافظة عليها من أن تدفن في مقابر العدم أو ترمى في المخافي وتتلاعب بها عاصفة النسيان.
وقد يكون هذا التسجيل نظما أو نثرا أو شعرا، لأن كلّ واحد من هذه الفنون الأدبية يمثّل جزءا من التراث القومي ينبض بالحياة البشرية، ولعل التاريخ أكثر عناصر التراث حيوية،
ائد التي أنتجها العلماء البرنويون والتي لها طابع تاريخي، ومنها ما نظمتْ بدون قصد تسجيل التاريخ، ولكن نجد فيها ظواهر تاريخية وتمتّ إلى عملية تدوين التاريخ بصلة، فقد عثر العلماء الأوربيون على بعضها واحتفظوا بها كمادة مفيدة في تدوين التاريخ لهذه البلاد ثم ترجموها إلى الإنجليزية والفرنسية، وهي تتمثّل في قصيدة رثائية قالها الشيخ يوسف القرغري للشيخ محمد الأمين الكانمي التي ورد فيها:
أيا عين جودي بدمع هطول يسيل على الخد مثل السيول
ويجري على الفور بعد التلول
أيا قلب حزنا لفقد الوصول
مربّي المساكين عزّ الذليل
يمينا لقد حلّ بي كلّ كرب وزادت شجـوتي وتـبريع
وكرّ زماني عليّ بحـرب
ذكرت عيوني بدمع كمحرب
ونحت ولا نوح أم الهديل
لقد غيّب الغيب شمس العلوم** وطبّ الكلوم وضوء الخدوم
وأردف أعجاز كلّ الهمـوم وموت أمامي إمام القـروم
كثلم بدا في الحسام الصقيل
تبدّت مطالع سعد السعود
لعين الودود وعين الحسـود
لكن كان يدر الدجا في الوجود** ذراه له في مجالس جورد
مجال سجود لكلّ النزيل
إلى أن قال:
بدا بدرنا في سماء العلاء فبان الدليل لـدان ونـاء
على أنه في ازدياء البهاء
بعام شفوق تلى حرف باء
نما سعد عصر كالحديل
فالقيمة التاريخية واضحة في هذه القصيدة، خاصة في أسلوبه الإبداعي حيث سجّل تاريخ وفاة الشيخ محمّد الأمين الكانمي بالأسلوب الحسابي، وهذا من خصائص أسلوب العلماء الشعراء في هذه البلاد لا سيما في القرون المتأخرة، وقد شاع وانتشر بين الشعراء وتعينت أنواعه حتى إنه لم يجر في الأزمنة المتأخرة أمر ذو بال دون أن ينظم له بعض الشعراء تاريخًا ومثلا- يقول الشيخ يوسف:
بـدا بدرنا في سماء العلاء فبـان الدليل لدان وناء
على أنه في ازدياء البهاء
بعام شفوق تلى حرف باء
نما سعد عصر كالحديل
في هذا البيت بالذات أرّخ الشاعر لوفاة الشيخ محمد الأمين الكانمي بعام "شفوق تلي حرف باء" حيث إن هذا الرمز يشير إلى 1837م، وتحليله على النحو الآتي: ش=1000، ف=80، و=6، ق=100
ولعل خير مثال آخر من هذا النمط ما قاله الشيخ يوسف القرغري في مدح النبي، حيث ذكر تاريخ نهاية كتابة القصيدة، وهو 1256هـ هكذا كان وما زال الفن الرمزي في علم الحساب ينتشر ويُستعمل في ضبط الحوادث التاريخية، ويكون أسلوبًا من أساليب التعبير شاع في كتابات الصوفية، نثرها وشعرها، سواءً كانت هذه الكتابة في التصوّف أو في أدبه، لأنه أسلوب ألجأتهم إليه الحاجة، فهم يكتبون عن مشاهد لا عهد للغة بها، فمن الطبيعي إذن أن يلجأوا إلى هذا الأسلوب الذي يعينهم بعض الشيء على نقل أفكارهم وتصوير إحساساتهم..."
كان شعراء هذه البلاد يعتمدون دائما على هذه الرموز والإشارات ويتّخذون الحساب كالكتابة والقراءة – وسيلة يتوصلون بها إلى غايات العلوم والفنون، وأهمّ المواد الأساسية لبناء المعارف الأدبية والفلسفة والصناعة حتى كانوا خاصة وعامة يحتكرونه ويحرمون العامة من تعلّمه، ولا شكّ أن هذا الأسلوب الرائع ابتداع وابتكار في تسجيل التاريخ الذي يمكن أن نثق به، فضبط التاريخ مثلا كما أورده الشيخ يوسف القرغري في قصيدته الرثائية المذكورة أعلاه هو الذي أفاد علماء التاريخ المعاصر بتاريخ وفاة الشيخ محمد الأمين الكانمي الموثوق به...
ومن نافلة القول أن الشعر يصلح أن يكون مصدرا أوليًّا للتاريخ إلى حدّ ما، إذا كان الأديب – الشاعر – مثلا يعبّر في عمله الأدبي عن تجربته الصادقة ويجسّدها على الكلمة مسجّلا، فإنه مرآة صادقة تعكس على صفحتها صورة واضحة المعالم لحياتها المتعددة الجوانب، وتكشف عن حدّتها ولونها وسعادة أبناء المجتمع وشقائهم وانفعالاتهم.
فقد أجمع جلّ الباحثين والنقاد بل والمثقفين من القراء في هذا العصر على أن كلّ عمل أدبي عبارة عن حدث اجتماعي ما دام أن الشأن في كلّ إنتاج أن يكون طابعه الأساسي المميز له هو اتصال معنوي بين المؤلف والقراء أو بين الفرد ومجتمعه الذي يعيش فيه، فهذا العمل الأدبي بالدرجة الأولى يصوّر الحياة الإنسانية وبالدرجة الثانية ينقل هذه الحياة الإنسانية للجيل الناشئ على اختلاف صورها الاجتماعية والسياسية، كما يحمل للأخلاف حياة الأسلاف وأحاسيسهم ومشاعرهم وأفكارهم ودقائق حكمتهم وخبراتهم وكلّ ما عاشوه من خير وشرّ وعدل وظلم ويقين وشكّ ونعيم وشقاء
لم يكن الشعر يجسّد الماضي للحاضر فحسب، بل يجعل جيل الحاضر المعاصر كأنه يعيش ويشاهد كلّ ما مرّ بهم من أحداث وأحوال ويشاهد الواقع الملموس بكلّ علاقته وظروفه ومظاهره وصوره المتحرّكة؛ لأن الشاعر لا بدّ من أن يكون كالراوي بحيث يتمكن فيه من مشاهدة الحوادث مشاهدة صحيحة، وعلى سبيل المثال، فإن القصيدة التي مدح بها الشيخ طاهر الفلاتي الملك عليًّا بن دوناما تعطينا صورة واضحة، ولا تترك لنا أدنى شكّ أن الشيخ طاهر شاهد وعاصر هذا الملك الممدوح وسجل ما سجل له من الوصف وكان يفعل ذلك مباشرة. فروايته إذن واضحة بجلاء وبخاصة بالنسبة لطريقته في المشاهدة والتدوين.
ولقد أفاد العلماء الشعراء الب
رنويون ضبط التاريخ بشعرهم وأجادوا كما نرى في أسلوبهم الإبداعي المذكور أعلاه. وهذا لا يعني أن الشعر العربي البرنوي يصلح مصدرا أوليًّا للتاريخ مع وجود مصادر صحيحة أخرى، ولكن بما أن العلماء الشعراء قد ابتدعوا أسلوبا صحيحا في ضبط التاريخ، فإنه لا بأس باتخاذه من المصادر التاريخية الأصلية في تاريخ هذه البلاد، وهذا هي القيمة التاريخية لهذا التراث العربي.
لقد حفل الشعر العربي البرنوي ببعض الحقائق التاريخية التي تتعلق بالعصر البرنوي وما جرى فيه من الوقائع الاجتماعية والسياسية والدينية، وعلى سبيل المثال فقد أرفق الشيخ محمد الأمين الكانمي رسائله المتبادلة مع الجماعة الفودية بأبيات الشعر مفسّرًا ما ورد في نصّ الرسالة نثرًا، كما يلي:
ألا عم صباحا واحضر الذهن إنني حريص على من يقبل القـول بالفهم
فإني أرى نفسي على الحقّ والهدى
وما زُغْتُ يوما عن طريق ذوي العلم
وما كنتُ مختارا لما قـد سمعتمـو من الغزو والغارات والسفك للـدم
ولستُ بعاتٍ في قتالـي ومـعتدٍ
عليهـم ولكن دافـع الجور والظلم
كإنقاذ غرقى والحريق ومـن ظُلم** وذا واجب لا خـوف فيه مـن الإثم
وفي الصلح خير إن رضيتم جوابنا لننجـو مـن التأويل والقول بالرجم
ولكن جيراني الـذين يلونكـم
ذوو خبطٍ لا يرتضـون بـذا السلـم
فنسأل ربّ العـرش يجمع أمرنا** علـى البرّ والتقـوى ويحسن بالختم
كذلك أفادتنا قصيدة البواب التي قالها الشيخ أبوبكر الباركوم بالشؤون الاجتماعية في برنو وما قد جرى بينه وبين الملك البرنوي حينذاك، كما أفادتنا قصيدة المدح التي قالها الشيخ الطاهر الفلاتي للملك علي بن دوناما بمعلومات مهمة عن أمور سياسية واجتماعية ونفسية في الوقت ذاته.
كلّ هذه مما يشير إلى القيمة التاريخية للشعر العربي البرنوي. وبالرغم من هذه القيمة، فإن الشعر العربي البرنوي برمته لا يكفي لإعطاء مادة تاريخية كافية لكلّ فترات العصر البرنوي إلى سقوطه أولا على يد رابح فضل الله وعلى أيدي المستعمرين الأوروبيين، كذلك مما يجدر ذكره هنا أن هذه الأشعار على اختلاف أغراضها ليس مقصودًا للتاريخ البرنوي بدءًا، إنما جاء عفوا أن نستنبط منها المعلومات التاريخية المهمة، وأن الأشعار يمكن بالمصادفة الاستفادة منها في جانب تاريخ البلاد، شأنها في ذلك شأن الشعر العربي في عصوره المختلفة.
النثر العربي البرنوي وحقائق التاريخ
لا شكّ أن أكثر التراث البرنوي وبخاصة النثر العربي ذو طابع تاريخي، وكان التاريخ فيه مقصودًا في ذاته حيث أسهم العلماء البرنويون في تطوير تدوينه في هذه البلاد، فإسهاماتهم جليلة ملموسة في تسجيل بعض الحوادث وتاريخ بعض الأمراء والعلماء في الممالك والدولة، فأصبحت من أهمّ المراجع والمصادر الأصلية التي يرجع إليها في تاريخ بلاد إفريقيا الغربية سواء التي كتبها الوطنيون الأفارقة وغيرهم من الكُتَّاب والمؤرخين العرب.
ونريد أن نلفت النظر هنا إلى أن هذا التراث العربي البرنوي ينقسم إلى قسمين: أولاً الرسائل الديوانية والإخوانية ذات الطابع التاريخي، وثانيا الوثائق التاريخية. وسيجد القارئ الكريم عددا من هذه الرسائل في كتاب إنفاق الميسور لمؤلفه محمد بللو بن عثمان بن فودي، كما كانت بعضها موجودة في كتاب "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" للقلقشندي، فقد اشتمل هذا الكتاب بأجزائه المختلفة على أهمّ النصوص القديمة والخطابات التي تبادلها ملوك كانم برنو مع سلاطين مصر، ومن أبرزها رسالة الماي عثمان بن بري بن إدريس – سلطان كانم إلى السلطان أبي سعيد برقوق سلطان مصر (784-800م).
ومن المؤرخين المواطنين رجال أرّخوا لبلادهم بلغتهم العربية ولغة دينهم الإسلام الذي اعتنقوه وأخلصوا له، وكانت جلّ مؤلفاتهم أصابها الدمار والضياع، ومما وصل إلينا من كتبهم باللغة العربية كتاب "تاريخ مي إدريس ألوما وغزواته"، لمؤلفه أحمد بن فرتوا البرنوي، مؤرخ البلاط في إمبراطورية كانم، وقد كتب هذا التاريخ على حدّ قوله تبعًا لما يراه من تأليف الشيخ الفقيه مسفرمه عمر بن عثمان في عصر سلطانه الملك العادل ... وقد ترجمه المؤرخ الألماني بالمر Palmerإلى الإنجليزية، ومنها كتاب "ديوان سلاطين كانم" لمسفرمه عمر بن عثمان السابق الذكر.
يضمّ هذا الديوان أهمّ الوثائق وأسماء السلاطين في إمبراطورية كانم برنو الإسلامية القديمة، ومنها غزوات كانم وكتاب "أخبار أصل فلات برنوي" وغيرها. ومن أهمّ الوثائق التاريخية في البرنو الإسلامية المحارم وهي المراسيم التي كان يصدرها الحكام في حق العلماء، وقد استفاد المؤرخون منها، الأمر الذي جعل المؤرخ الألماني بالمر يترجمها إلى الإنجليزية في كتابه "صحارى برنو" The Borno Sahara، كما ترجم عددا غير يسير من الرسائل العربية البرنوية والمعاهدات، وبعض القصائد في كتابه الثاني تحت عنوان "مذكرات سودانية" Sudanese Memoirs الذي يقع في ثلاثة أجزاء.
فالقيمة التاريخية في هذه الآثار العربية البرنوية لا شكّ فيها، وإن تضاؤل هذه الآثار العربية النثرية في الإيفاء بشروط تدوين
التاريخ على حدّ مفهومها المعاصر لا يُخرج أولئك العلماء من كونهم مؤرخين؛ لأن الاستفادة مما خلفوا من المعلومات التاريخية المهمة ما تزال جارية إلى الجيل المعاصر. ومن هنا ندرك أن التفرقة بين التاريخ والأدب في بعض الأحايين تفرقة تعسفيّة، إذ إن كلا الأمرين مترابطان ترابط وجهي العملة الواحدة.
الخاتمة
وفي الأخير، لقد تناولت هذه الدراسة التراث العربي البرنوي من جوانب مختلفة، بدءا من إثبات أن هذه الإمبراطورية هي أولى الممالك الإفريقية القديمة التي عرفها الإسلام، وتوصلت إلى أن الآثار العربية البرنوية قد أدّتْ دورا عظيما في الجانبين الأدبي والتاريخي، رغم طعنه بالتخلف والجمود والضعف، وأثبتنا أن هذا التخلف والجمود يخص التراث العربي النثري في العصر البرنوي الأول دون الآثار العربية في الفترة المتأخرة من الزمن. وفي الجانب التاريخي، لقد أصبحت الآثار العربية البرنوية مظانا تاريخية يعوّل عليها المؤرخون المعاصرون كمصادر تاريخية لهذه البلاد. وقد كتبت هذه الوثائق وغيرها بقصد أو بغير قصد في تاريخ هذه الديار، إلا أن قيمتها التاريخية لم تكن على درجة النضوج بالنسبة لعملية التدوين التاريخي كما عرفناها اليوم. وبالرغم من ذلك، فإن ما خلفه أولئك العلماء في العصر الذي يتراوح بين القرن السادس عشر والتاسع عشر الميلاديين لا يستهان به في هذا المضمار.
ولقد حاولت في هذا البحث أن أمهّد الطريق لمن يريد البحث في هذا الميدان باحثا عن كنوزه حاولت أن أفتح شيئا من الطريق للبحث عنها ، ولكل وجهة هو مولّيها. ويستطيع من تتاح له الفرصة للغوص في هذا البحر أن يسلك الطريق الذي سلكتُ، لعل الله يوفّقه إلى ما هو خير مما قمت به من خدمة لغة الضاد في هذه المنطقة، وعلى الله قصد السبيل، وهو نعم المولى ونعم النصير.

https://t.me/Kanouri
#كانورى kanouri

تفا آمندي

-ما سر النجاح ؟
- اتخاذ القرارات الصحيحة

-كيف تُتخذ القرارات الصحيحة ؟
- بالخبرة !

- كيف تُكتسب الخبرة ؟
- باتخاذ قرارات خاطئة !


لن تفهم الحياة حتى تفهم هذا التناقض الظاهري .. التلازم بين الخطأ والصواب .. والشر والخير .

🍃❄️🍃❄️🍃❄️🍃❄️🍃❄️

رابط القناة
https://t.me/Kanouri
مكتبة جامِعة كامبريدج نشرَت هذه الصورة علىٰ صفحتَها مع التعلِيق الآتي :

‏We don't really mind how you read our books in the University Library (as long as you look after them!) We just want you to read them

"‏نحنُ لا نهتم حقاً بكيفية قراءتكَ للكُتب في المكتبة طالما أنت تهتم بهم ، نحن فقط نريدك أن تقرأهم"💛


https://t.me/Kanouri
🇸🇩🇸🇩إمارة_عموم_قبيلة_البرنو# 🇸🇩🇸🇩

#كتب_عن_البرنو
سلسلة المؤثرات : 1

💢 في محاولة متواضعة منّا نحاول ان نضع بين أيديكم ما كتبه الكُّتاب والمؤرخين عن #كانم_برنو نتمني لقرآءنا أبناء الكيان أن يتفحصوا ويستخلصوا الحقائق بأنفسهم لأن عملية كتابة التاريخ دائماً تترك المجال واسع للبحث والتنقيب ليس كل من يكتب يعبر من الحقائق التاريخية بشكل كامل لا سيما اذا كان الكاتب ليس من أبناء الكيان ولا مِن مَن عاصر تلك الحقبة ..

🔸️سوف نتناول معاً في أول تجربة كتاب 🔰
" المؤثرات الإسلامية في مملكة
برنو الأفريقية "
للدكتور : عمار مرضي علاوي الجبلي
كلية الاداب قسم التاريخ الجامعة الإسلامية

* كتاب مبسط ورائع تناول فيه الكاتب 5 محاور بشكل جميل وبسيط وهي كالتالي :-

📍 المقدمة
1️⃣ تاريخ البرنو .. الموقع الجغرافي
2️⃣ قيام الدولة والتقسيم الإدارى لها
3️⃣الاوضاع السياسية القائمة في برنو
4️⃣ الاحوال الإقتصادية والإجتماعية والعلمية لبرنو
5️⃣ العلاقات الخارجية

🔰 الخاتمة ثم الهوامش

🔰 المقدمة :-
تناول الكاتب مساحة افريقيا بشكل عام وعن تسمية المنطقة الغربية من القارة عند العرب حيث يسمونه ب { السودان الغربي والاوسط }
وفي العصور الوسطي وهي العصر الذهبي في تاريخ أفريقيا الغربية تحديداً غرب بحيرة تشاد حيث تقع "برنو" والتي ادت دور كبير بعد زوال " كانم " وتحدث الكاتب عن أهمية الموقع وكانت تعد مركزاً هاماً للتجارة نسبة لالتقاء طرق القوافل المارة بأفريقيا
*تحدث عن الممالك الاسلامية التي قامت في تلك المنطقة وبالأخص "مملكة برنو " موضوع الكتاب وكيف ساهمت مساهمه ايجابية في نقل حضارة التراث الاسلامي، وفضلاً عن الدور التي قامت به في تاريخ المنطقة اقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً .

♦️ نتمني أن تنال إعجابكم . إنها محاولة منا للتعرف عن كثب فيما كُتب عنا و ربما هذة المحاولة تفتح لأبناء الكيان في السودان الباب للبحث والنتقيب في التاريخ الخاص بالبرنو قد نختلف او نتقف مع الكاتب في السرد الا أننا سوف نستفيد من هذة الاطلالة . ..

والله من وراء القصد ،،،

* ونلتقي بعون الله كل ثلاثاء .
هذا منشورنا فصحة إمارة عموم قبيلة البرنو
علي الفيسبوك

https://t.me/Kanouri