الحمدُ للهِ الأوَّلِ بلا ابتداء، والآخِرِ بلا انقضاء، المُنزَّهِ عن الحُدودِ والغايات، المُقدَّسِ عن الأشباهِ والجهات، الذي دلَّ على وجودِه بحدوثِ مصنوعاته، وشهدت له الأكوانُ بإحكامِ آياته، فلا تُدركُه الأوهامُ بالتكييف، ولا تُحيطُ به العقولُ بالتعريف، بل غايةُ العارفِ أن يعلمَ عجزَه، ومنتهى البصيرِ أن يشهدَ قصورَ نظرِه عند عزِّ جلالِه وكبريائِه. أحمدُهُ حمدَ من انكسرتْ بين يديه يقينياتُه الموهومة، فالتجأ من ظلمةِ التقليدِ إلى نورِ السؤال، ومن ضيقِ الموروثِ الجامدِ إلى فسحةِ النظرِ والاستدلال.
أمَّا بعد:
فإنِّي قد دخلتُ في مرحلةٍ ما ظننتُ يومًا أنَّني بالغُها، مرحلةٍ تتكسَّرُ فيها الأصنامُ الذهنيةُ التي أقمتُها في داخلي طويلًا، وتتداعى فيها المسلَّماتُ التي حسبتُها فوقَ النقدِ والامتحان. فما كنتُ أَدِينُ اللهَ به بالأمسِ على وجهِ الجزمِ والطمأنينة، قد صرتُ اليومَ أُقلبُهُ على جمرِ السؤالِ والتفتيش؛ لا استخفافًا بالدِّين، ولا تمرُّدًا على الحقِّ، ولكن خوفًا من أن ألقى اللهَ بعقيدةٍ ورثتُها بلا تحقيق، أو دافعتُ عنها بلا تبصُّر.
لقد كنتُ أظنُّ أنَّ اليقينَ شيءٌ يُورثُ كما تُورثُ الأسماءُ والدِّيار، حتى اكتشفتُ أنَّ أكثرَ ما يسكنُ العقولَ ليس يقينًا، بل أُلفةٌ طال عليها الزمانُ حتى ظُنَّ أنها من الضرورات. وكم من فكرةٍ كنتُ أذبُّ عنها ذبَّ المحاربِ عن حصنه، ثم إذا بها عند أوَّلِ امتحانٍ تتهاوى كتَهافُتِ الزجاجِ إذا صدمتهُ مطارقُ النظرِ والاعتراض.
فصرتُ أُثيرُ الإشكالَ على ما كنتُ أعتقدُه، وأناقشُ ما كنتُ أُسلِّمُ به، لا شهوةً في الجدلِ العقيم، ولا رغبةً في التشغيبِ والمراء، بل لأنَّ النفسَ إذا ذاقتْ قلقَ الشكِّ، لم تَعُد تُخدعُ بزينةِ العبارات، ولا تسكنُ إلى دفءِ التلقين، بل تطلبُ يقينًا يُقاومُ العاصفة، ويثبتُ إذا اضطربتِ الأرضُ تحتَ القدمين.
ولقد علمتُ في هذه الرحلةِ أنَّ أخوفَ الناسِ من السؤالِ هم أكثرُهم هشاشةً في الباطن، وأنَّ كثيرًا من اليقينِ المدَّعى ليس إلا خوفًا مُقنَّعًا من انهيارِ الصورةِ القديمة. أمَّا الذي صدقَ في طلبِ الحقِّ، فإنَّهُ يُلقي عقلَه في أتونِ الامتحان، ولو احترقَتْ في الطريقِ ألفُ مسلَّمةٍ ومسلَّمة، لأنَّه يعلمُ أنَّ الحقَّ لا يخشى البحث، وأنَّ اليقينَ الذي يولدُ بعدَ المعاناةِ، ليس كاليقينِ الذي صنعتهُ العادةُ وصاغتهُ البيئة.
وها أنا ذا قائمٌ بين عالمين: عالمٍ قديمٍ يتداعى في داخلي حجرًا حجرًا، وعالمٍ جديدٍ لم تتَّضحْ معالمُه بعد. فلا أنا مُطمئنٌّ إلى ما مضى، ولا أنا واصلٌ إلى ما أرجو، بل كأنِّي سائرٌ في بيداءِ الفكرِ وحدي، تتجاذبني أسئلةُ العقل، وتستنزفني مخاوفُ الروح، وأخشى أن أضلَّ الطريقَ وأنا أبحثُ عن الطريق.
لكنِّي -رغمَ هذا الاضطرابِ كلِّه- لا أزالُ أؤمنُ أنَّ للحقِّ نورًا، وأنَّ اللهَ لا يخذلُ عبدًا صدقَ في طلبه، ولا يُسلمُ قلبًا أخلصَ في التماسِ الهدايةِ إليه. فما خرجتُ أطلبُ الشبهةَ لذاتِها، ولا عشقتُ الحيرةَ لعينِها، ولكنِّي تعبتُ من يقينٍ هشٍّ تُزلزلهُ أولُ عاصفة، وأطمحُ إلى يقينٍ إذا استقرَّ في القلبِ صار أثبتَ من الجبالِ الرواسي، لا تُحرِّكهُ الشُّبهات، ولا تُطفئُهُ رياحُ الاضطراب.
فاللهمَّ يا مَن بيدِه هدايةُ الحائرين، وكشفُ لُبسِ المتحيِّرين، يا مَن لا يضلُّ من استرشدَ به، ولا يشقى من احتمى بجنابِه؛ إنِّي عبدٌ أرهقتْهُ الأسئلة، وأضناهُ التقلُّبُ بين الظنونِ والاحتمالات، فخذ بيدي إلى الحقِّ أخذَ الرحيمِ بالضعيف، وافتحْ عليَّ فتوحَ العارفين، ولا تجعلني ممَّن أضلَّهُ ذكاؤه، أو أغواهُ كِبرُه، أو أتلفَهُ اضطرابُه.
أمَّا بعد:
فإنِّي قد دخلتُ في مرحلةٍ ما ظننتُ يومًا أنَّني بالغُها، مرحلةٍ تتكسَّرُ فيها الأصنامُ الذهنيةُ التي أقمتُها في داخلي طويلًا، وتتداعى فيها المسلَّماتُ التي حسبتُها فوقَ النقدِ والامتحان. فما كنتُ أَدِينُ اللهَ به بالأمسِ على وجهِ الجزمِ والطمأنينة، قد صرتُ اليومَ أُقلبُهُ على جمرِ السؤالِ والتفتيش؛ لا استخفافًا بالدِّين، ولا تمرُّدًا على الحقِّ، ولكن خوفًا من أن ألقى اللهَ بعقيدةٍ ورثتُها بلا تحقيق، أو دافعتُ عنها بلا تبصُّر.
لقد كنتُ أظنُّ أنَّ اليقينَ شيءٌ يُورثُ كما تُورثُ الأسماءُ والدِّيار، حتى اكتشفتُ أنَّ أكثرَ ما يسكنُ العقولَ ليس يقينًا، بل أُلفةٌ طال عليها الزمانُ حتى ظُنَّ أنها من الضرورات. وكم من فكرةٍ كنتُ أذبُّ عنها ذبَّ المحاربِ عن حصنه، ثم إذا بها عند أوَّلِ امتحانٍ تتهاوى كتَهافُتِ الزجاجِ إذا صدمتهُ مطارقُ النظرِ والاعتراض.
فصرتُ أُثيرُ الإشكالَ على ما كنتُ أعتقدُه، وأناقشُ ما كنتُ أُسلِّمُ به، لا شهوةً في الجدلِ العقيم، ولا رغبةً في التشغيبِ والمراء، بل لأنَّ النفسَ إذا ذاقتْ قلقَ الشكِّ، لم تَعُد تُخدعُ بزينةِ العبارات، ولا تسكنُ إلى دفءِ التلقين، بل تطلبُ يقينًا يُقاومُ العاصفة، ويثبتُ إذا اضطربتِ الأرضُ تحتَ القدمين.
ولقد علمتُ في هذه الرحلةِ أنَّ أخوفَ الناسِ من السؤالِ هم أكثرُهم هشاشةً في الباطن، وأنَّ كثيرًا من اليقينِ المدَّعى ليس إلا خوفًا مُقنَّعًا من انهيارِ الصورةِ القديمة. أمَّا الذي صدقَ في طلبِ الحقِّ، فإنَّهُ يُلقي عقلَه في أتونِ الامتحان، ولو احترقَتْ في الطريقِ ألفُ مسلَّمةٍ ومسلَّمة، لأنَّه يعلمُ أنَّ الحقَّ لا يخشى البحث، وأنَّ اليقينَ الذي يولدُ بعدَ المعاناةِ، ليس كاليقينِ الذي صنعتهُ العادةُ وصاغتهُ البيئة.
وها أنا ذا قائمٌ بين عالمين: عالمٍ قديمٍ يتداعى في داخلي حجرًا حجرًا، وعالمٍ جديدٍ لم تتَّضحْ معالمُه بعد. فلا أنا مُطمئنٌّ إلى ما مضى، ولا أنا واصلٌ إلى ما أرجو، بل كأنِّي سائرٌ في بيداءِ الفكرِ وحدي، تتجاذبني أسئلةُ العقل، وتستنزفني مخاوفُ الروح، وأخشى أن أضلَّ الطريقَ وأنا أبحثُ عن الطريق.
لكنِّي -رغمَ هذا الاضطرابِ كلِّه- لا أزالُ أؤمنُ أنَّ للحقِّ نورًا، وأنَّ اللهَ لا يخذلُ عبدًا صدقَ في طلبه، ولا يُسلمُ قلبًا أخلصَ في التماسِ الهدايةِ إليه. فما خرجتُ أطلبُ الشبهةَ لذاتِها، ولا عشقتُ الحيرةَ لعينِها، ولكنِّي تعبتُ من يقينٍ هشٍّ تُزلزلهُ أولُ عاصفة، وأطمحُ إلى يقينٍ إذا استقرَّ في القلبِ صار أثبتَ من الجبالِ الرواسي، لا تُحرِّكهُ الشُّبهات، ولا تُطفئُهُ رياحُ الاضطراب.
فاللهمَّ يا مَن بيدِه هدايةُ الحائرين، وكشفُ لُبسِ المتحيِّرين، يا مَن لا يضلُّ من استرشدَ به، ولا يشقى من احتمى بجنابِه؛ إنِّي عبدٌ أرهقتْهُ الأسئلة، وأضناهُ التقلُّبُ بين الظنونِ والاحتمالات، فخذ بيدي إلى الحقِّ أخذَ الرحيمِ بالضعيف، وافتحْ عليَّ فتوحَ العارفين، ولا تجعلني ممَّن أضلَّهُ ذكاؤه، أو أغواهُ كِبرُه، أو أتلفَهُ اضطرابُه.
❤2
وإذا سكنَ مني موضعٌ هاجَ آخر، وإن هدأتْ ثائرةُ وجعٍ قامتْ أُخرى، حتى صار بدني كمدينةٍ منكوبةٍ تتعاقبُ عليها جحافلُ الخراب، لا ينجلي عنها دخانُ نكبةٍ إلا أظلَّتها راياتُ نكبةٍ أُخرى
😢2
لقد رأيتُ في منامي كأنّي أُعيدُ الكَرّةَ على مسألةِ الجَبْرِ التي لطالما نافحتُ عنها، وأرهفتُ في الذبِّ دونها لساني؛ حتى صارت كالعُقْدةِ المُستحكَمةِ في سويداءِ الفؤاد، لا تنحلُّ إلا بانحلالِ الرُّوحِ عن الجسد، ولا تنفكُّ إلا انفكاكَ الأسيرِ عن القَيْدِ المُصفَّد.
فرأيتني -وقد أحدق بي الضِّيقُ إحْداقَ الطَّوْقِ بالعنق، واستولتْ عليَّ الكآبةُ استيلاءَ الليلِ على الأفق- أكادُ أتبرّمُ بهذا المذهبِ تبرُّمَ السقيمِ بعِلّته، وأتبرّأُ منه تبرُّؤَ المَلْدوغِ من موضعِ السُّمِّ في جسده؛ إذ كنتُ أجدُ في نفسي من وحشةِ القولِ به ما يصدعُ القلبَ صدعًا، ويستفرغُ من الروحِ سكينتَها استفراغًا.
ثم كأنّي خرجتُ على الناسِ ضاربًا بهذا الاعتقادِ عرْضَ الحائط، ناكثًا عُقَدَه، نافضًا عن نفسي غُبارَه، كأنّي أفلتُّ من قَبْضَةِ معنىً كان يُطاردُني مُطاردةَ الظلِّ لصاحبه، أو نجوتُ من سجنِ خاطرٍ استعبدني حتى صار انفكاكي عنه أعسرَ من انفكاكِ العبدِ من سيّدِه، أو الروحِ من مُهجتها.
ولعلّ الذي كان يحولُ بيني وبين الإفصاحِ عن تمامِ اعتقادي: أنّ آثارَ هذا القولِ لم تزلْ عالقةً بالنفسِ تعلُّقَ الدُّخانِ بالثوب، تُنغِّصُ عليَّ العيشَ تنغيصًا، وتورثُ القلبَ من التحيّرِ ما يُكدِّرُ صفوَ الإدراك، حتى كأنّي بين جاذبَيْن: جاذبِ المألوفِ الذي استحكمَ سلطانُه، وجاذبِ الفطرةِ التي تستصرخُ العقلَ أن يفيءَ إلى سَكينةِ النظرِ وعدلِ الاعتبار.
فاللهمَّ يا مُقلّبَ القلوبِ بين أصابعِ القهرِ واللطف، ويا صارفَ الأرواحِ بين ظلماتِ الوَهْمِ وأنوارِ الكشف، افتحْ لنا أبوابَ الرحمةِ فتحًا لا يُغلق، وأفضْ علينا بأنوارِ الهدايةِ ما تنقشعُ به سُحُبُ الشُّبَهِ والارتياب، وارزقنا حسنَ الاعتقادِ، وسلامةَ القصد، ونقاءَ السريرة.
فرأيتني -وقد أحدق بي الضِّيقُ إحْداقَ الطَّوْقِ بالعنق، واستولتْ عليَّ الكآبةُ استيلاءَ الليلِ على الأفق- أكادُ أتبرّمُ بهذا المذهبِ تبرُّمَ السقيمِ بعِلّته، وأتبرّأُ منه تبرُّؤَ المَلْدوغِ من موضعِ السُّمِّ في جسده؛ إذ كنتُ أجدُ في نفسي من وحشةِ القولِ به ما يصدعُ القلبَ صدعًا، ويستفرغُ من الروحِ سكينتَها استفراغًا.
ثم كأنّي خرجتُ على الناسِ ضاربًا بهذا الاعتقادِ عرْضَ الحائط، ناكثًا عُقَدَه، نافضًا عن نفسي غُبارَه، كأنّي أفلتُّ من قَبْضَةِ معنىً كان يُطاردُني مُطاردةَ الظلِّ لصاحبه، أو نجوتُ من سجنِ خاطرٍ استعبدني حتى صار انفكاكي عنه أعسرَ من انفكاكِ العبدِ من سيّدِه، أو الروحِ من مُهجتها.
ولعلّ الذي كان يحولُ بيني وبين الإفصاحِ عن تمامِ اعتقادي: أنّ آثارَ هذا القولِ لم تزلْ عالقةً بالنفسِ تعلُّقَ الدُّخانِ بالثوب، تُنغِّصُ عليَّ العيشَ تنغيصًا، وتورثُ القلبَ من التحيّرِ ما يُكدِّرُ صفوَ الإدراك، حتى كأنّي بين جاذبَيْن: جاذبِ المألوفِ الذي استحكمَ سلطانُه، وجاذبِ الفطرةِ التي تستصرخُ العقلَ أن يفيءَ إلى سَكينةِ النظرِ وعدلِ الاعتبار.
فاللهمَّ يا مُقلّبَ القلوبِ بين أصابعِ القهرِ واللطف، ويا صارفَ الأرواحِ بين ظلماتِ الوَهْمِ وأنوارِ الكشف، افتحْ لنا أبوابَ الرحمةِ فتحًا لا يُغلق، وأفضْ علينا بأنوارِ الهدايةِ ما تنقشعُ به سُحُبُ الشُّبَهِ والارتياب، وارزقنا حسنَ الاعتقادِ، وسلامةَ القصد، ونقاءَ السريرة.
❤1
الحمدُ للهِ الذي تتقاصرُ عن دركِ كنهِ جلالِه أوهامُ المتكلّمين، وتتحيّرُ في بيداءِ كبريائه أفهامُ النُّظّار والمستدلّين، فلا يحيطُ بحقيقةِ أمرِه عقلٌ، ولا يستقلُّ ببلوغِ غايةِ معرفتِه نظرٌ، بل غايةُ ما ينتهي إليه المُحقِّقون: الاعترافُ بالعجزِ عن الإحاطة، والإقرارُ بأنّ العقولَ -وإن جلَّت مداركُها- فمحدودةُ المدى، متناهيةُ القُوى، يعتريها من غوائلِ الوهم، وعوارضِ التخييل، وآفاتِ الألفة والعادة، ما يصدُّ كثيرًا من الخلق عن التجرُّد للحق إذا خالف المألوف، أو نازع الموروث، أو هدَّ ما استقرَّ في النفوس من رسومِ الانتماء والعصبيّة.
ثم إنّ الناظرَ إذا استرسل مع داعيةِ الإنصاف، وخلعَ ربقةَ التقليد، واستفرغَ الوسعَ في تقليبِ الأدلّة، وتصفُّحِ المآخذ، واستقراء مواردِ الإيراد والإلزام، آل به الأمرُ -لا محالة- إلى أحدِ منزلتين: إمّا طمأنينةٌ يرسو بها إلى شاطئ اليقين، وإمّا قلقٌ يزلزلُ عروشَ المألوفات، ويقتلعُ من القلبِ جذورَ التلقّي المجرّد عن البرهان. وعند تلك المقاماتِ العسيرة تظهرُ حقائقُ الرجال؛ إذ ليس الشأنُ في أن ينتصرَ المرءُ لما ورثه، بل الشأنُ كلُّ الشأن أن يصدعَ بما غلب على ظنّه أنّه الحق، ولو تفرّقت عنه الجموع، واستوحشَتْ منه الوجوه، وانفضَّ من حوله الخِلّانُ والقرناء.
أمّا بعد:
فإنّي ما كنتُ -مذ عقلتُ طرائقَ النُّظّار، وعاينتُ تخالُفَ المقالات، وتدافعَ الدعاوى والإلزامات- ممّن يستخفُّ بالدين استخفافَ اللاعب، ولا ممّن يتّخذُ التقلُّبَ بين المذاهب ضَرْبًا من ضروب التلوُّنِ أو سُلَّمًا إلى اجتلابِ الحُشود واستنزالِ التصفيق؛ بل لبثتُ برهةً من الدهر مُنتحلًا مذهبَ الأشاعرة، معروفًا بذلك عند الموافق والمخالف، مُنافحًا عنه في المحافل، مُكاثِرًا بسواده في المواطن، حتى غدا انتسابي إليه أشهرَ من أن يُعرَّف، وأظهرَ من أن يُوصف.
ثم إنّي لم أزلْ أُديرُ رحى النظر بين الأصول والفروع، وأُجيلُ قوادحَ الفكر في مضايق الكلام، وأستقرئُ مآخذَ الخصوم، وأستفصِلُ معاقدَ الإلزامات، وأقلبُ الدليلَ على وجوهه تقليبَ من يخشى أن يلقى اللهَ وقد دان بما لم يثبتْ له عليه برهانٌ ناهض، ولا سلطانٌ واضح.
فخضتُ من المناظرات ما تتكسَّرُ عنده عُصَبُ التقليد، وتتصدّعُ به جدرانُ المألوف، وعاينتُ من تهافتِ كثيرٍ من المسالك، وتدافعِ اللوازم، وتشعُّبِ المآخذ، وتكلُّفِ الأجوبة، ما أورثني قلقًا لا يسكن، وارتيابًا لا يفتر، حتى انتهى بي النظرُ -بعد طولِ المباحثة، واستفراغِ الوُسع، واستقصاءِ الإيراد والاعتراض- إلى مفارقةِ هذا المذهب، لا جُبنًا عن البحث، ولا خورًا عن المناظرة، بل فرارًا بديني من أن أُقيمَ على ما غلب على ظنّي اضطرابُه، واستبان لي اختلالُ كثيرٍ من بنيانه.
وواللهِ ما كان ذلك التحوُّلُ طَلَبًا لصيتٍ يُذاع، ولا تشوُّفًا إلى رياسةٍ تُنال، ولا استكثارًا بسوادِ قومٍ على قوم؛ بل لقد كان انقلابًا جرَّ عليَّ من الوحشة ما اللهُ به عليم، وأورثني من انفضاضِ الخِلّان، وتنكُّرِ الإخوان، ما لو كان مرادي حظوظَ النفس لما أقدمتُ عليه طرفةَ عين. فما ربحتُ بانقلابي هذا جاهًا، ولا اتّسعتْ به دائرةُ مودّتي، بل خسرتُ بسببه نفرًا كانوا من أخصِّ الناس بي، وأشدِّهم التصاقًا بودّي، حتى لم يبقَ حولي إلا القليل،
غير أنّي رأيتُ احتمالَ وَحشةِ الخلق أهونَ من احتمالِ وَحشةِ الضمير، ورأيتُ مصادمةَ العوائد أيسرَ من مصادمةِ ما غلب على الظنِّ أنّه مقتضى الدليل.
وإنّ أقبحَ ما يُبتلى به الناظرُ أن يستبينَ له وجهُ الاعتراض، ثم يحمله الهوى على الإقامةِ على المألوف خشيةَ سقوطِ المنزلة أو انقطاعِ الصحبة؛ فإنّ ذلك عبوديّةٌ مستكنّةٌ للخلق، وإن تسمّتْ باسمِ الثباتِ أو الوفاءِ للمذهب. وما المذاهبُ -عند ذوي البصائر- إلا طرائقُ يُتوصل بها إلى الحق، لا أوثانٌ تُعبد، ولا شعاراتٌ يُفاصَل عليها في الولاء والبراء.
وأنا ما خلعتُ ربقةَ مذهبٍ لأعتصمَ بربقةِ الهوى، ولا فارقتُ قومًا شغفًا بالخلاف، ولكنّها محنةُ العقل إذا تجاذبتْه المألوفاتُ من جانب، ومقتضياتُ النظر من جانب؛ فإمّا أن يؤثرَ السلامةَ فيصطنعَ العمى، وإمّا أن يقتحمَ لُجّةَ الوحشةِ مُستمسكًا بما غلب على ظنّه أنّه الحق.
فنسألُ اللهَ الذي إليه مقاديرُ العقول، وبه تستضيءُ مصابيحُ الهداية، أن يُرينا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتّباعه، وأن يعصمنا من أسرِ التقليد، وربقةِ العصبيّة، وغوايةِ الانتصارِ للنِّحل والأسماء؛ فإنّ الحقَّ أجلُّ من الرجال، وأبقى من المذاهب، واللهُ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
ثم إنّ الناظرَ إذا استرسل مع داعيةِ الإنصاف، وخلعَ ربقةَ التقليد، واستفرغَ الوسعَ في تقليبِ الأدلّة، وتصفُّحِ المآخذ، واستقراء مواردِ الإيراد والإلزام، آل به الأمرُ -لا محالة- إلى أحدِ منزلتين: إمّا طمأنينةٌ يرسو بها إلى شاطئ اليقين، وإمّا قلقٌ يزلزلُ عروشَ المألوفات، ويقتلعُ من القلبِ جذورَ التلقّي المجرّد عن البرهان. وعند تلك المقاماتِ العسيرة تظهرُ حقائقُ الرجال؛ إذ ليس الشأنُ في أن ينتصرَ المرءُ لما ورثه، بل الشأنُ كلُّ الشأن أن يصدعَ بما غلب على ظنّه أنّه الحق، ولو تفرّقت عنه الجموع، واستوحشَتْ منه الوجوه، وانفضَّ من حوله الخِلّانُ والقرناء.
أمّا بعد:
فإنّي ما كنتُ -مذ عقلتُ طرائقَ النُّظّار، وعاينتُ تخالُفَ المقالات، وتدافعَ الدعاوى والإلزامات- ممّن يستخفُّ بالدين استخفافَ اللاعب، ولا ممّن يتّخذُ التقلُّبَ بين المذاهب ضَرْبًا من ضروب التلوُّنِ أو سُلَّمًا إلى اجتلابِ الحُشود واستنزالِ التصفيق؛ بل لبثتُ برهةً من الدهر مُنتحلًا مذهبَ الأشاعرة، معروفًا بذلك عند الموافق والمخالف، مُنافحًا عنه في المحافل، مُكاثِرًا بسواده في المواطن، حتى غدا انتسابي إليه أشهرَ من أن يُعرَّف، وأظهرَ من أن يُوصف.
ثم إنّي لم أزلْ أُديرُ رحى النظر بين الأصول والفروع، وأُجيلُ قوادحَ الفكر في مضايق الكلام، وأستقرئُ مآخذَ الخصوم، وأستفصِلُ معاقدَ الإلزامات، وأقلبُ الدليلَ على وجوهه تقليبَ من يخشى أن يلقى اللهَ وقد دان بما لم يثبتْ له عليه برهانٌ ناهض، ولا سلطانٌ واضح.
فخضتُ من المناظرات ما تتكسَّرُ عنده عُصَبُ التقليد، وتتصدّعُ به جدرانُ المألوف، وعاينتُ من تهافتِ كثيرٍ من المسالك، وتدافعِ اللوازم، وتشعُّبِ المآخذ، وتكلُّفِ الأجوبة، ما أورثني قلقًا لا يسكن، وارتيابًا لا يفتر، حتى انتهى بي النظرُ -بعد طولِ المباحثة، واستفراغِ الوُسع، واستقصاءِ الإيراد والاعتراض- إلى مفارقةِ هذا المذهب، لا جُبنًا عن البحث، ولا خورًا عن المناظرة، بل فرارًا بديني من أن أُقيمَ على ما غلب على ظنّي اضطرابُه، واستبان لي اختلالُ كثيرٍ من بنيانه.
وواللهِ ما كان ذلك التحوُّلُ طَلَبًا لصيتٍ يُذاع، ولا تشوُّفًا إلى رياسةٍ تُنال، ولا استكثارًا بسوادِ قومٍ على قوم؛ بل لقد كان انقلابًا جرَّ عليَّ من الوحشة ما اللهُ به عليم، وأورثني من انفضاضِ الخِلّان، وتنكُّرِ الإخوان، ما لو كان مرادي حظوظَ النفس لما أقدمتُ عليه طرفةَ عين. فما ربحتُ بانقلابي هذا جاهًا، ولا اتّسعتْ به دائرةُ مودّتي، بل خسرتُ بسببه نفرًا كانوا من أخصِّ الناس بي، وأشدِّهم التصاقًا بودّي، حتى لم يبقَ حولي إلا القليل،
غير أنّي رأيتُ احتمالَ وَحشةِ الخلق أهونَ من احتمالِ وَحشةِ الضمير، ورأيتُ مصادمةَ العوائد أيسرَ من مصادمةِ ما غلب على الظنِّ أنّه مقتضى الدليل.
وإنّ أقبحَ ما يُبتلى به الناظرُ أن يستبينَ له وجهُ الاعتراض، ثم يحمله الهوى على الإقامةِ على المألوف خشيةَ سقوطِ المنزلة أو انقطاعِ الصحبة؛ فإنّ ذلك عبوديّةٌ مستكنّةٌ للخلق، وإن تسمّتْ باسمِ الثباتِ أو الوفاءِ للمذهب. وما المذاهبُ -عند ذوي البصائر- إلا طرائقُ يُتوصل بها إلى الحق، لا أوثانٌ تُعبد، ولا شعاراتٌ يُفاصَل عليها في الولاء والبراء.
وأنا ما خلعتُ ربقةَ مذهبٍ لأعتصمَ بربقةِ الهوى، ولا فارقتُ قومًا شغفًا بالخلاف، ولكنّها محنةُ العقل إذا تجاذبتْه المألوفاتُ من جانب، ومقتضياتُ النظر من جانب؛ فإمّا أن يؤثرَ السلامةَ فيصطنعَ العمى، وإمّا أن يقتحمَ لُجّةَ الوحشةِ مُستمسكًا بما غلب على ظنّه أنّه الحق.
فنسألُ اللهَ الذي إليه مقاديرُ العقول، وبه تستضيءُ مصابيحُ الهداية، أن يُرينا الحقَّ حقًّا ويرزقنا اتّباعه، وأن يعصمنا من أسرِ التقليد، وربقةِ العصبيّة، وغوايةِ الانتصارِ للنِّحل والأسماء؛ فإنّ الحقَّ أجلُّ من الرجال، وأبقى من المذاهب، واللهُ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
❤1
مُحمَّد نَصْر الدين pinned «الحمدُ للهِ الذي تتقاصرُ عن دركِ كنهِ جلالِه أوهامُ المتكلّمين، وتتحيّرُ في بيداءِ كبريائه أفهامُ النُّظّار والمستدلّين، فلا يحيطُ بحقيقةِ أمرِه عقلٌ، ولا يستقلُّ ببلوغِ غايةِ معرفتِه نظرٌ، بل غايةُ ما ينتهي إليه المُحقِّقون: الاعترافُ بالعجزِ عن الإحاطة،…»
وكاد يطفأ أسفًا، وصار لا يأنس بغير الوحدة، ولا يلجأ إلا إلى الزفير والوجوم.
ابن حزم
ابن حزم
ما زال أهلُ الإثباتِ الأشاعرة يتعلقون بمتشابهاتِ الآي تعلقَ الغريقِ بخشبٍ نخِر، يظنون أنَّ مجردَ إيرادِ الظاهر يُغني عن تحكيمِ المعقول، وأنَّ كلَّ ما أُضيف إلى البصرِ وجب حملُه على الرؤيةِ، ولو أدَّى ذلك إلى نقضِ أصولِ التوحيد، وإثباتِ لوازمِ الأجسامِ للمعبود.
ثم إذا أُلزموا بما تقتضيه الرؤيةُ من جهةٍ ومقابلةٍ وتحيُّزٍ، فرُّوا إلى قولهم المبتدع: “تُرى لا في جهة”، فكأنهم أثبتوا رؤيةً لا حقيقةَ لها، واسمًا لا مدلولَ تحته، إذ الرؤيةُ المعقولةُ في بدائهِ العقولِ لا تكونُ إلا لمقابلٍ مختصٍّ بجهة، فصار مذهبُهم جمعًا بين النقيضين: إثباتًا للرؤيةِ مع هدمِ حقيقتها.
تعلّقوا بقوله تعالى:
{رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}.
فقالوا: لو كانت الرؤيةُ مستحيلةً لما سألها موسى، إذ الأنبياءُ لا يجهلون المحالات.
ونحن نردُّ عليهم من وجوه:
أحدها: أنَّا لا نسلِّم أنَّ موسى سأل الرؤيةَ لنفسه أصلًا، بل يجوز أن يكون سألها حكايةً عن قومه الذين قالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}، فأراد أن يُسمعهم الجوابَ الإلهيَّ بالنفي، ليكونَ أبلغَ في التبكيتِ وأقطعَ للشبهة.
فإن قيل: قد أضاف السؤالَ إلى نفسه فقال: {أرني}.
قلنا: إضافةُ السؤالِ إلى السفيرِ لا تدلُّ على اختصاصِه بالمطلوب، كما يقول الرسولُ عن الجماعة: “أعطني”، وإنما يريدُ قومه، فكان موسى مخاطبًا عنهم لا معتقدًا صحةَ مطلوبهم.
ثم نقول: لو كان موسى معتقدًا جوازَ الرؤية، فما معنى قوله بعد ذلك: {تبتُ إليك}؟!
وأيُّ وجهٍ للتوبةِ من سؤالِ جائزٍ؟! وإنما حسنتِ التوبةُ لأنه سأل ما لا يجوزُ في نفسِه، وإن كان سؤالُه لإقامةِ الحجة.
ثم تعلّقوا بقوله تعالى:
{فإن استقر مكانه فسوف تراني}.
وقالوا: تعليقُ الشيءِ على شرطٍ ممكن دليلُ إمكانِه، إذ المحالُ لا يُعلَّق.
وهذا من أفسدِ ما يُحتجُّ به؛ لأنَّ التعليقَ قد يُرادُ به بيانُ الاستحالةِ لا الإمكان، كما يقول القائل: “أعطيك هذا إذا دخل الجملُ في سمِّ الخياط”، وليس مرادُه إثباتَ إمكانِ الدخول، بل تحقيقَ الامتناع.
وكذلك ههنا؛ لأنَّ الله علّق الرؤيةَ على استقرارِ الجبلِ حالَ التجلي، والجبلُ لم يستقر، بل اندكَّ واضطربَ وصار دكًّا، فكان الشرطُ منتفيًا، وانتفاءُ المشروطِ بانتفائِه لازمًا.
بل نقول زيادةً في الإلزام: إنَّ استقرارَ الجبلِ حالَ اندكاكِه جمعٌ بين السكونِ والحركة، والجمعُ بينهما محالٌ بضرورةِ العقل، فصار الشرطُ نفسُه محالًا، وتعليقُ الرؤيةِ عليه دليلًا على استحالتِها لا إمكانِها.
فانقلبَ استدلالُهم عليهم، وصارت الآيةُ من أصرحِ الحججِ للمعتزلةِ لا لهم.
ثم تعلّقوا بقوله تعالى:
{وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ إلى ربها ناظرة}.
فقالوا: النظرُ إذا عُدِّي بـ(إلى) اقتضى الرؤيةَ بالبصر.
ونحن نقول: هذا جهلٌ بمذاهبِ اللسان؛ فإنَّ “النظر” في العربيةِ مشتركُ المعاني، يأتي بمعنى الانتظار، كما في قولِهم: “أنا أنظرُ فلانًا”، أي أترقبُه.
فيكون معنى الآية:
“منتظرةٌ ثوابَ ربها وكرامتَه”.
فإن قالوا: دخولُ (إلى) يمنعُ هذا التأويل.
قلنا: لا نسلِّم؛ لأنَّ حذفَ المضافِ كثيرٌ في القرآن ولسانِ العرب، فيكون التقدير: “إلى ثوابِ ربها ناظرة مثلا”.
ثم نقول لهم: لو حملتم النظرَ على الرؤيةِ الحسية، لزمكم إثباتُ الجهةِ ضرورة؛ لأنَّ الرؤيةَ لا تُعقل إلا مع المقابلةِ أو حكمِها، وكلُّ مرئيٍّ فلا بدَّ أن يكونَ مختصًّا بجهة، وما لا جهةَ له لا يُتصور وقوعُ البصرِ عليه.
فإن قلتم: يُرى لا في جهة.
قيل لكم: هذا نفيٌ للرؤيةِ في الحقيقة؛ لأنكم أثبتم لفظًا ونفيتم جميعَ معانيه ولوازمه، فصار قولُكم بمنزلةِ من يقول: “جسمٌ لا كالأجسام” ثم ينفي عنه الطولَ والعرضَ والتركيبَ، فلا يبقى من الجسميةِ إلا مجردُ الاسم.
ثم العجبُ كلُّ العجبِ من قومٍ فرُّوا من التجسيمِ لفظًا، ثم أثبتوا من المعاني ما لا يقومُ إلا به، فصاروا بين تشبيهٍ مستورٍ وتعطيلٍ مقهور.
ونحن لا ننكرُ ما جاء به السمع، وإنما ننكرُ تحميلَ النصوصِ ما يُفضي إلى نقضِ أصلِ التوحيد، إذ لو جازت الرؤيةُ لجاز الاختصاصُ بالجهة، ولو جاز الاختصاصُ بها لجاز التحيز، ولو جاز التحيزُ لجازت الحدودُ والمقادير، ومن جازت عليه الحدودُ والمقاديرُ كان محدثًا مصنوعًا لا إلهًا قديمًا عندكم كأشاعرة.
فثبت أنَّ القولَ بالرؤيةِ أصلُ التشبيه، وإن تلطفَ أصحابُه في العبارات، وأنَّ التنزيهَ الحقَّ هو نفيُ كلِّ ما يوجبُ الحدَّ والجهةَ والاختصاص، سبحانه وتعالى عمّا يصفُ المشبهةُ علوًّا كبيرًا.
ثم إذا أُلزموا بما تقتضيه الرؤيةُ من جهةٍ ومقابلةٍ وتحيُّزٍ، فرُّوا إلى قولهم المبتدع: “تُرى لا في جهة”، فكأنهم أثبتوا رؤيةً لا حقيقةَ لها، واسمًا لا مدلولَ تحته، إذ الرؤيةُ المعقولةُ في بدائهِ العقولِ لا تكونُ إلا لمقابلٍ مختصٍّ بجهة، فصار مذهبُهم جمعًا بين النقيضين: إثباتًا للرؤيةِ مع هدمِ حقيقتها.
تعلّقوا بقوله تعالى:
{رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}.
فقالوا: لو كانت الرؤيةُ مستحيلةً لما سألها موسى، إذ الأنبياءُ لا يجهلون المحالات.
ونحن نردُّ عليهم من وجوه:
أحدها: أنَّا لا نسلِّم أنَّ موسى سأل الرؤيةَ لنفسه أصلًا، بل يجوز أن يكون سألها حكايةً عن قومه الذين قالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}، فأراد أن يُسمعهم الجوابَ الإلهيَّ بالنفي، ليكونَ أبلغَ في التبكيتِ وأقطعَ للشبهة.
فإن قيل: قد أضاف السؤالَ إلى نفسه فقال: {أرني}.
قلنا: إضافةُ السؤالِ إلى السفيرِ لا تدلُّ على اختصاصِه بالمطلوب، كما يقول الرسولُ عن الجماعة: “أعطني”، وإنما يريدُ قومه، فكان موسى مخاطبًا عنهم لا معتقدًا صحةَ مطلوبهم.
ثم نقول: لو كان موسى معتقدًا جوازَ الرؤية، فما معنى قوله بعد ذلك: {تبتُ إليك}؟!
وأيُّ وجهٍ للتوبةِ من سؤالِ جائزٍ؟! وإنما حسنتِ التوبةُ لأنه سأل ما لا يجوزُ في نفسِه، وإن كان سؤالُه لإقامةِ الحجة.
ثم تعلّقوا بقوله تعالى:
{فإن استقر مكانه فسوف تراني}.
وقالوا: تعليقُ الشيءِ على شرطٍ ممكن دليلُ إمكانِه، إذ المحالُ لا يُعلَّق.
وهذا من أفسدِ ما يُحتجُّ به؛ لأنَّ التعليقَ قد يُرادُ به بيانُ الاستحالةِ لا الإمكان، كما يقول القائل: “أعطيك هذا إذا دخل الجملُ في سمِّ الخياط”، وليس مرادُه إثباتَ إمكانِ الدخول، بل تحقيقَ الامتناع.
وكذلك ههنا؛ لأنَّ الله علّق الرؤيةَ على استقرارِ الجبلِ حالَ التجلي، والجبلُ لم يستقر، بل اندكَّ واضطربَ وصار دكًّا، فكان الشرطُ منتفيًا، وانتفاءُ المشروطِ بانتفائِه لازمًا.
بل نقول زيادةً في الإلزام: إنَّ استقرارَ الجبلِ حالَ اندكاكِه جمعٌ بين السكونِ والحركة، والجمعُ بينهما محالٌ بضرورةِ العقل، فصار الشرطُ نفسُه محالًا، وتعليقُ الرؤيةِ عليه دليلًا على استحالتِها لا إمكانِها.
فانقلبَ استدلالُهم عليهم، وصارت الآيةُ من أصرحِ الحججِ للمعتزلةِ لا لهم.
ثم تعلّقوا بقوله تعالى:
{وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ إلى ربها ناظرة}.
فقالوا: النظرُ إذا عُدِّي بـ(إلى) اقتضى الرؤيةَ بالبصر.
ونحن نقول: هذا جهلٌ بمذاهبِ اللسان؛ فإنَّ “النظر” في العربيةِ مشتركُ المعاني، يأتي بمعنى الانتظار، كما في قولِهم: “أنا أنظرُ فلانًا”، أي أترقبُه.
فيكون معنى الآية:
“منتظرةٌ ثوابَ ربها وكرامتَه”.
فإن قالوا: دخولُ (إلى) يمنعُ هذا التأويل.
قلنا: لا نسلِّم؛ لأنَّ حذفَ المضافِ كثيرٌ في القرآن ولسانِ العرب، فيكون التقدير: “إلى ثوابِ ربها ناظرة مثلا”.
ثم نقول لهم: لو حملتم النظرَ على الرؤيةِ الحسية، لزمكم إثباتُ الجهةِ ضرورة؛ لأنَّ الرؤيةَ لا تُعقل إلا مع المقابلةِ أو حكمِها، وكلُّ مرئيٍّ فلا بدَّ أن يكونَ مختصًّا بجهة، وما لا جهةَ له لا يُتصور وقوعُ البصرِ عليه.
فإن قلتم: يُرى لا في جهة.
قيل لكم: هذا نفيٌ للرؤيةِ في الحقيقة؛ لأنكم أثبتم لفظًا ونفيتم جميعَ معانيه ولوازمه، فصار قولُكم بمنزلةِ من يقول: “جسمٌ لا كالأجسام” ثم ينفي عنه الطولَ والعرضَ والتركيبَ، فلا يبقى من الجسميةِ إلا مجردُ الاسم.
ثم العجبُ كلُّ العجبِ من قومٍ فرُّوا من التجسيمِ لفظًا، ثم أثبتوا من المعاني ما لا يقومُ إلا به، فصاروا بين تشبيهٍ مستورٍ وتعطيلٍ مقهور.
ونحن لا ننكرُ ما جاء به السمع، وإنما ننكرُ تحميلَ النصوصِ ما يُفضي إلى نقضِ أصلِ التوحيد، إذ لو جازت الرؤيةُ لجاز الاختصاصُ بالجهة، ولو جاز الاختصاصُ بها لجاز التحيز، ولو جاز التحيزُ لجازت الحدودُ والمقادير، ومن جازت عليه الحدودُ والمقاديرُ كان محدثًا مصنوعًا لا إلهًا قديمًا عندكم كأشاعرة.
فثبت أنَّ القولَ بالرؤيةِ أصلُ التشبيه، وإن تلطفَ أصحابُه في العبارات، وأنَّ التنزيهَ الحقَّ هو نفيُ كلِّ ما يوجبُ الحدَّ والجهةَ والاختصاص، سبحانه وتعالى عمّا يصفُ المشبهةُ علوًّا كبيرًا.
❤1
ولعلَّ مِن أدهى ما قاسيتُه في مَهاوي النظر، وأمضِّ ما اكتنفتْ به نفسي من ضيقٍ مُعضِلٍ لا يكادُ ينفكُّ عن الفؤادِ انفكاكَ الظلِّ عن الجسد، تعلُّقي دهرًا بمقالةِ الجبر؛ تلك المقالةِ التي ما زلتُ أراها -وإن زخرفها أربابُ الكلامِ بألفاظِ “الكسب” و”تعلُّقِ القدرةِ القديمة”- أصلَ البلاءِ في بابِ العدل، ومنشأَ الاضطرابِ في معاقلِ التوحيد.
وكنتُ كلما حاولتُ أن أستقرَّ عليها استقرارَ المطمئنِّ إلى البرهان، رأيتُ نفسي كأنها تُساقُ إلى مكابرةِ الضروراتِ الأوليّة، ومنازعةِ الفطرةِ في أظهرِ ما استقرَّ فيها من العلوم.
إذ كيف يستقيمُ في صريحِ المعقول أن يُقهَر العبدُ على الفعلِ قهرًا، ثم يُنصبُ له بعد ذلك ميزانُ المؤاخذةِ والعقاب؟!
وكيف يلتئمُ في بدائهِ العقول أن يكونَ الإنسانُ بمنزلةِ الريشةِ في مهابِّ القضاء، لا أثرَ له ولا اختيار، ثم يُقالُ له: لِمَ عصيتَ؟! ولِمَ جارحتَ؟! ولِمَ كفرتَ؟!
بل كيف تُتصوَّرُ حقيقةُ التكليفِ مع نفيِ الاختيار، والتكليفُ فرعُ التمكُّن، لا صورةٌ جوفاءُ تُلقى على مَن لا استطاعةَ له إلا كاستطاعةِ المرتعشِ في ارتعاشِه، والمحمومِ في اضطرابِه؟!
ثم رأيتُ الجبريةَ إذا أُلزموا هذا الإلزامَ الذي تخرُّ له معاقلُ مذهبِهم، أووا إلى كلمةٍ حسبوها حصنًا حصينًا، وهي قولُهم:
“الظلمُ هو التصرفُ في ملكِ الغير بغيرِ حق، والله مالكُ الخلق، فلا يتصورُ في حقِّه ظلم.”
وهذه الكلمةُ -لعمري- من أفسدِ ما شغبوا به على العقول، إذ ظنوا أنَّهم بمحضِ الدعوى قد رفعوا قبحَ الظلمِ عن مقالتهم، وما دروا أنَّهم إنما ناقضوا اللغةَ والضرورةَ والمعقولَ جميعًا.
وذلك أنَّ الظلمَ في أصلِ اللسانِ ليس هو مجردَ التصرُّفِ في ملكِ الغير، بل حقيقتُه:
وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، ومجاوزةُ الحدِّ الذي تقتضيه الحكمةُ والاستقامة.
ولهذا قالتِ العرب:
“ظلمَ السيلُ الوادي” إذا جاوزَ حدَّه.
وقالوا:
“مَن أشبه أباه فما ظلم”،
أي ما وضعَ الشبهَ في غيرِ موضعِه.
فثبتَ أنَّ مدارَ الظلمِ في أصلِ اللغةِ على الانحرافِ عن جهةِ السداد، لا على خصوصِ التعدِّي في الأملاك.
ثم نقولُ لهم: لو كان الظلمُ لا يتحققُ إلا في ملكِ الغير، لكان مَن قتلَ أبناءَه، أو عذَّبَ عبيدَه، أو أحرقَ أموالَه عبثًا وسفهًا، غيرَ ظالمٍ؛ لأنه متصرِّفٌ في ملكِه!
وهذا ممّا تتقزَّزُ منه العقولُ السليمة، ويضحكُ من فساده صبيانُ الكتاتيب فضلًا عن النُّظارِ والمتكلمين.
بل لو جازَ أن يُحوِّل الملكُ القبيحَ حسنًا، لكان كلُّ سفهٍ يصدرُ من المالكِ عدلًا وحكمة، ولكان ذبحُ الأطفالِ، وتعذيبُ الأبرياءِ، وإيلامُ من لا جرمَ له، حسنًا لا قبحَ فيه، ما دام الفاعلُ “مالكًا”!
وهذا هدمٌ لمعاني الحسنِ والقبحِ من أصلِها، وإبطالٌ لما استقرَّ في الضروراتِ من الفرقِ بين العدلِ والجور.
فإنَّا نعلمُ بالاضطرارِ لا بالنظرِ أنَّ العدلَ حسنٌ، وأنَّ الظلمَ قبيحٌ، كما نعلمُ أنَّ الكلَّ أعظمُ من الجزء، وأنَّ النقيضين لا يجتمعان.
ولهذا تجدُ الإنسانَ لو ضُربَ بغيرِ جرم، أو أُهينَ بغيرِ استحقاق، انقدحَ في نفسِه العلمُ بقبحِ ذلك ضرورةً، قبلَ أن يسمعَ بكتابٍ أو رسول.
فلو كان قبحُ الظلمِ موقوفًا على مجردِ التعدِّي في الملك، لما صحَّ هذا الإدراكُ الضروريُّ أصلًا.
ثم إنَّا نعلمُ بالضرورةِ أيضًا حسنَ مدحِ المحسنِ وذمِّ المسيءِ.
فلو كان الإنسانُ مجبورًا لا فعلَ له في الحقيقة، لكان مدحُ الكريمِ كمدحِ الشجرةِ إذا أثمرت، وذمُّ القاتلِ كذمِّ النارِ إذا أحرقت، إذ لا فرقَ حينئذٍ بين حركةِ المختارِ واضطرابِ الجماد.
بل أحدُنا يزجرُ غيرَه، ويؤنِّبه، ويتوعَّده، ويستميلُه بالترغيبِ والترهيب، وكلُّ ذلك شاهدٌ بأنَّ العلمَ بكونِ الإنسانِ فاعلًا مختارًا علمٌ ضروريٌّ مستقرٌّ في الجِبلَّة.
ولهذا لا يلتفتُ العاقلُ إلى حائطٍ انهدمَ عليه فيقول: “لِمَ فعلت؟!”، ولا يخاصمُ الريحَ إذا صدمته، لأنه يعلمُ بالبداهةِ أنَّ الذمَّ والمدحَ لا يتعلقانِ إلا بمَن قام به معنى القصدِ والاختيار.
بل هذا العلمُ أصلا حاصلٌ للصبيانِ والبهائم.
فالطفلُ إذا رماه إنسانٌ بحجرٍ؛ غضبَ من الرامي لا من الحجر، والحمارُ يفرُّ ممن يقصدُ أذاه دون الحائطِ والنخلة، لأنَّ معنى الاختيارِ قد تقررَ في الفطرِ تقررًا لا تُزيلُه شُبَهُ المتكلفين.
والله تعالى أعلم، ونسبةُ العلم إليه أسلم.
وكنتُ كلما حاولتُ أن أستقرَّ عليها استقرارَ المطمئنِّ إلى البرهان، رأيتُ نفسي كأنها تُساقُ إلى مكابرةِ الضروراتِ الأوليّة، ومنازعةِ الفطرةِ في أظهرِ ما استقرَّ فيها من العلوم.
إذ كيف يستقيمُ في صريحِ المعقول أن يُقهَر العبدُ على الفعلِ قهرًا، ثم يُنصبُ له بعد ذلك ميزانُ المؤاخذةِ والعقاب؟!
وكيف يلتئمُ في بدائهِ العقول أن يكونَ الإنسانُ بمنزلةِ الريشةِ في مهابِّ القضاء، لا أثرَ له ولا اختيار، ثم يُقالُ له: لِمَ عصيتَ؟! ولِمَ جارحتَ؟! ولِمَ كفرتَ؟!
بل كيف تُتصوَّرُ حقيقةُ التكليفِ مع نفيِ الاختيار، والتكليفُ فرعُ التمكُّن، لا صورةٌ جوفاءُ تُلقى على مَن لا استطاعةَ له إلا كاستطاعةِ المرتعشِ في ارتعاشِه، والمحمومِ في اضطرابِه؟!
ثم رأيتُ الجبريةَ إذا أُلزموا هذا الإلزامَ الذي تخرُّ له معاقلُ مذهبِهم، أووا إلى كلمةٍ حسبوها حصنًا حصينًا، وهي قولُهم:
“الظلمُ هو التصرفُ في ملكِ الغير بغيرِ حق، والله مالكُ الخلق، فلا يتصورُ في حقِّه ظلم.”
وهذه الكلمةُ -لعمري- من أفسدِ ما شغبوا به على العقول، إذ ظنوا أنَّهم بمحضِ الدعوى قد رفعوا قبحَ الظلمِ عن مقالتهم، وما دروا أنَّهم إنما ناقضوا اللغةَ والضرورةَ والمعقولَ جميعًا.
وذلك أنَّ الظلمَ في أصلِ اللسانِ ليس هو مجردَ التصرُّفِ في ملكِ الغير، بل حقيقتُه:
وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، ومجاوزةُ الحدِّ الذي تقتضيه الحكمةُ والاستقامة.
ولهذا قالتِ العرب:
“ظلمَ السيلُ الوادي” إذا جاوزَ حدَّه.
وقالوا:
“مَن أشبه أباه فما ظلم”،
أي ما وضعَ الشبهَ في غيرِ موضعِه.
فثبتَ أنَّ مدارَ الظلمِ في أصلِ اللغةِ على الانحرافِ عن جهةِ السداد، لا على خصوصِ التعدِّي في الأملاك.
ثم نقولُ لهم: لو كان الظلمُ لا يتحققُ إلا في ملكِ الغير، لكان مَن قتلَ أبناءَه، أو عذَّبَ عبيدَه، أو أحرقَ أموالَه عبثًا وسفهًا، غيرَ ظالمٍ؛ لأنه متصرِّفٌ في ملكِه!
وهذا ممّا تتقزَّزُ منه العقولُ السليمة، ويضحكُ من فساده صبيانُ الكتاتيب فضلًا عن النُّظارِ والمتكلمين.
بل لو جازَ أن يُحوِّل الملكُ القبيحَ حسنًا، لكان كلُّ سفهٍ يصدرُ من المالكِ عدلًا وحكمة، ولكان ذبحُ الأطفالِ، وتعذيبُ الأبرياءِ، وإيلامُ من لا جرمَ له، حسنًا لا قبحَ فيه، ما دام الفاعلُ “مالكًا”!
وهذا هدمٌ لمعاني الحسنِ والقبحِ من أصلِها، وإبطالٌ لما استقرَّ في الضروراتِ من الفرقِ بين العدلِ والجور.
فإنَّا نعلمُ بالاضطرارِ لا بالنظرِ أنَّ العدلَ حسنٌ، وأنَّ الظلمَ قبيحٌ، كما نعلمُ أنَّ الكلَّ أعظمُ من الجزء، وأنَّ النقيضين لا يجتمعان.
ولهذا تجدُ الإنسانَ لو ضُربَ بغيرِ جرم، أو أُهينَ بغيرِ استحقاق، انقدحَ في نفسِه العلمُ بقبحِ ذلك ضرورةً، قبلَ أن يسمعَ بكتابٍ أو رسول.
فلو كان قبحُ الظلمِ موقوفًا على مجردِ التعدِّي في الملك، لما صحَّ هذا الإدراكُ الضروريُّ أصلًا.
ثم إنَّا نعلمُ بالضرورةِ أيضًا حسنَ مدحِ المحسنِ وذمِّ المسيءِ.
فلو كان الإنسانُ مجبورًا لا فعلَ له في الحقيقة، لكان مدحُ الكريمِ كمدحِ الشجرةِ إذا أثمرت، وذمُّ القاتلِ كذمِّ النارِ إذا أحرقت، إذ لا فرقَ حينئذٍ بين حركةِ المختارِ واضطرابِ الجماد.
بل أحدُنا يزجرُ غيرَه، ويؤنِّبه، ويتوعَّده، ويستميلُه بالترغيبِ والترهيب، وكلُّ ذلك شاهدٌ بأنَّ العلمَ بكونِ الإنسانِ فاعلًا مختارًا علمٌ ضروريٌّ مستقرٌّ في الجِبلَّة.
ولهذا لا يلتفتُ العاقلُ إلى حائطٍ انهدمَ عليه فيقول: “لِمَ فعلت؟!”، ولا يخاصمُ الريحَ إذا صدمته، لأنه يعلمُ بالبداهةِ أنَّ الذمَّ والمدحَ لا يتعلقانِ إلا بمَن قام به معنى القصدِ والاختيار.
بل هذا العلمُ أصلا حاصلٌ للصبيانِ والبهائم.
فالطفلُ إذا رماه إنسانٌ بحجرٍ؛ غضبَ من الرامي لا من الحجر، والحمارُ يفرُّ ممن يقصدُ أذاه دون الحائطِ والنخلة، لأنَّ معنى الاختيارِ قد تقررَ في الفطرِ تقررًا لا تُزيلُه شُبَهُ المتكلفين.
والله تعالى أعلم، ونسبةُ العلم إليه أسلم.
❤1
(تهافتُ القولِ بأنَّ اللهَ يفعلُ بلا غرض)
من ظنّوا أنّهم نزّهوا الباريَ عن النقصِ بنفيِ الغرض، فإذا هم قد نزّهوه عن العقلِ نفسِه، وفرّوا من إثباتِ الغرض فوقعوا في حضيضِ العبث، وهربوا من التعليلِ فاستقرّوا في مستنقعِ الاعتباط، ثم حسبوا أنّ زخارفَ الألفاظِ تُغنيهم عن فاقةِ البرهان.
إنّكم لمّا أُلزمتم بأنّ تخصيصَ أحدِ الممكنين دونَ الآخر لا بدّ له من مرجّح، وأنّ وقوعَ أحدِ المتساويين دونَ مقابله بلا مقتضٍ هو عينُ الترجيحِ بلا مرجّح، لم تجدوا مهربًا إلا أن تعتصموا بكلمةٍ لو وُزنتْ بميزانِ التحقيق لكانت أخفَّ من جناحِ بعوضة، فقلتم:
“الإرادةُ من ذاتياتها التخصيص، والذاتيُّ لا يُعلَّل.”
فيا للهِ ما أوقحَ هذه الدعوى، وما أعرى أصحابَها من فهمِ محلِّ النزاع!
فإنّا -يا أهلَ التمويه- لا نسألكم:
لِمَ كانت الإرادةُ مريدة؟
ولا: لِمَ كان شأنُها التخصيص؟
فهذا سؤالٌ عن ماهيةِ الصفة، ومن سأل عنه هنا فقد خلط خلطَ السكران.
ولكنّا نسألكم سؤالًا لو نزل على أصولكم نزولَ المنجنيقِ على الزجاج، لما أبقى لها من قرار، فنقول:
لِمَ تعلّقت الإرادةُ بهذا الممكنِ المعيَّن دونَ غيره، مع استواءِ الجميعِ في حيّز الإمكان؟
أتراها تعلّقت به:
لوجهٍ اقتضى تخصيصَه؟ أم بلا وجهٍ أصلًا؟
فإن قلتم:
بل لوجهٍ اقتضاه، وحكمةٍ رجّحته، وداعٍ خصّه؛ فقد أثبتم الغرضَ الذي فررتم منه دهورًا، وسقط أصلُكم سقوطَ الورقِ اليابس تحت أقدامِ البرهان.
وإن قلتم:
بل تعلّقت به لا لمعنى، ولا لحكمة، ولا لداعٍ، ولا لوجهٍ يقتضي تخصيصَه؛ فقد أثبتم أنّ أحدَ المتماثلين ترجّح على الآخر لا لمرجّح، وهذا هو الذي تسمّيه العقلاءُ كلُّها: اعتباطًا محضًا.
ثم إذا قيل لكم:
هذا ترجيحٌ بلا مرجّح؛ انتفختم كزقٍّ منفوخٍ بالهواء، وقلتم:
“الإرادةُ خصّصت لأنّ من شأنها التخصيص!”
فياللهِ للعقولِ كيف تُبتلى بمثلِ هذا التهافت!
فإنّ قولكم هذا لا يزيد على قولِ من سُئل:
لِمَ رجحت إحدى الكفّتين؟
فقال: لأنّ الميزانَ من شأنه الترجيح.
أو كقولِ من سُئل:
لِمَ حكم القاضي لهذا دونَ ذاك؟
فقال: لأنّ القاضيَ من شأنه الحكم.
أو كقولِ من سُئل:
لِمَ اختير هذا الطريقُ دونَ سواه؟
فقال: لأنّ المختارَ من شأنه الاختيار.
فهل يَعُدُّ هذا عاقلٌ تفسيرًا؟
أم هو إعادةُ عينِ الدعوى في ثوبٍ جديد؟
إنّكم خلطتم -خلطَ الأعمى بين الشمسِ والسراب- بين: كونِ الإرادةِ قابلةً للتخصيص،
وبين تفسيرِ وقوعِ تخصيصٍ معيّنٍ دونَ غيره.
فنحن نسلّم أنّ الإرادةَ شأنُها التخصيص، لكنّ هذا لا يفسّر: لِمَ كان التخصيصُ لهذا دونَ ذاك؟
ولِمَ وقع هذا العالمُ على هذا النظامِ دونَ ما لا نهاية له من الأنظمةِ الممكنة؟
فإن قلتم:
“لا لشيء.”
فقد جعلتم الفعلَ الإلهيَّ صادرًا عن إرادةٍ عمياءَ لا فرقَ عندها بين: الصدقِ والكذب،
والعدلِ والظلم، والإحسانِ والعبث،
وإرسالِ الأنبياءِ أو إظهارِ المعجزاتِ على أيدي الكذّابين.
إذ الجميعُ عندكم سواءٌ في الإمكان، ولا مرجّحَ لأحدِها إلا تعلّقُ إرادةٍ لا لحكمةٍ ولا لمعنى.
وههنا انكشفت سوأتُكم، وظهر أنّكم لم تنزّهوا اللهَ عن القبيح، بل عطّلتم معنى القبح أصلًا حتى لا تُفضَحوا بلوازمِ مذهبكم.
فقلتم:
“لا يقبحُ من الله شيء.” لا لأنّ الظلمَ صار عدلًا، ولا لأنّ الكذبَ صار صدقًا، بل لأنّكم لو أثبتم قبحَ شيءٍ عقلًا لقيل لكم: لِمَ لا يفعله الله؟
فإن قلتم: لأنّه قبيح.
ثبت أنّ هناك حكمةً تمنعُ تعلّقَ الإرادةِ به، وبطل أصلُكم.
فهربتم من القبحِ بإعدامِ معناه، كما يهربُ الجبانُ من خصمه بقلعِ عينيه حتى لا يراه.
ثم انظروا إلى الطامّةِ التي لا يبقى معها دينٌ ولا نبوّة:
إذا جاز أن تتعلّق الإرادةُ بلا حكمة، فما الذي يمنع أن يُظهر اللهُ المعجزةَ على يدِ كذّاب؟
فإن قلتم:
“لأنّ ذلك قبيح.”
عدتم إلى قولِ المعتزلة أذلّةً صاغرين.
وإن قلتم:
“لا يقبحُ عليه شيء.”
فقد سوّيتم بين النبيِّ والمتنبئ، وسقط الوثوقُ بالشرائعِ جملةً، وصارت النبوّةُ لعبةً في يدِ إرادةٍ عمياءَ لا يُدرى لِمَ تعلّقت، ولا لِمَ خصّت، ولا لِمَ رجّحت.
فيا ليت شعري:
أيُّ فرقٍ بقي عندكم بين الحكيمِ والعابث، إذا كان كلاهما يفعل لا لوجهٍ ولا لغايةٍ ولا لمعنى؟
بل أيُّ معنى للحكمة أصلًا إذا كان كلُّ ما يفعله الفاعلُ يُسمّى حكمةً لمجرّد أنّه فعله؟
إنّ هذا ليس إثباتًا للحكمة، بل هو دفنٌ لمعناها تحت ركامِ الألفاظ، وتحويلٌ للعدلِ والعبثِ إلى ألفاظٍ مترادفةٍ لا فارق بينها إلا تحكّمُ الهوى.
من ظنّوا أنّهم نزّهوا الباريَ عن النقصِ بنفيِ الغرض، فإذا هم قد نزّهوه عن العقلِ نفسِه، وفرّوا من إثباتِ الغرض فوقعوا في حضيضِ العبث، وهربوا من التعليلِ فاستقرّوا في مستنقعِ الاعتباط، ثم حسبوا أنّ زخارفَ الألفاظِ تُغنيهم عن فاقةِ البرهان.
إنّكم لمّا أُلزمتم بأنّ تخصيصَ أحدِ الممكنين دونَ الآخر لا بدّ له من مرجّح، وأنّ وقوعَ أحدِ المتساويين دونَ مقابله بلا مقتضٍ هو عينُ الترجيحِ بلا مرجّح، لم تجدوا مهربًا إلا أن تعتصموا بكلمةٍ لو وُزنتْ بميزانِ التحقيق لكانت أخفَّ من جناحِ بعوضة، فقلتم:
“الإرادةُ من ذاتياتها التخصيص، والذاتيُّ لا يُعلَّل.”
فيا للهِ ما أوقحَ هذه الدعوى، وما أعرى أصحابَها من فهمِ محلِّ النزاع!
فإنّا -يا أهلَ التمويه- لا نسألكم:
لِمَ كانت الإرادةُ مريدة؟
ولا: لِمَ كان شأنُها التخصيص؟
فهذا سؤالٌ عن ماهيةِ الصفة، ومن سأل عنه هنا فقد خلط خلطَ السكران.
ولكنّا نسألكم سؤالًا لو نزل على أصولكم نزولَ المنجنيقِ على الزجاج، لما أبقى لها من قرار، فنقول:
لِمَ تعلّقت الإرادةُ بهذا الممكنِ المعيَّن دونَ غيره، مع استواءِ الجميعِ في حيّز الإمكان؟
أتراها تعلّقت به:
لوجهٍ اقتضى تخصيصَه؟ أم بلا وجهٍ أصلًا؟
فإن قلتم:
بل لوجهٍ اقتضاه، وحكمةٍ رجّحته، وداعٍ خصّه؛ فقد أثبتم الغرضَ الذي فررتم منه دهورًا، وسقط أصلُكم سقوطَ الورقِ اليابس تحت أقدامِ البرهان.
وإن قلتم:
بل تعلّقت به لا لمعنى، ولا لحكمة، ولا لداعٍ، ولا لوجهٍ يقتضي تخصيصَه؛ فقد أثبتم أنّ أحدَ المتماثلين ترجّح على الآخر لا لمرجّح، وهذا هو الذي تسمّيه العقلاءُ كلُّها: اعتباطًا محضًا.
ثم إذا قيل لكم:
هذا ترجيحٌ بلا مرجّح؛ انتفختم كزقٍّ منفوخٍ بالهواء، وقلتم:
“الإرادةُ خصّصت لأنّ من شأنها التخصيص!”
فياللهِ للعقولِ كيف تُبتلى بمثلِ هذا التهافت!
فإنّ قولكم هذا لا يزيد على قولِ من سُئل:
لِمَ رجحت إحدى الكفّتين؟
فقال: لأنّ الميزانَ من شأنه الترجيح.
أو كقولِ من سُئل:
لِمَ حكم القاضي لهذا دونَ ذاك؟
فقال: لأنّ القاضيَ من شأنه الحكم.
أو كقولِ من سُئل:
لِمَ اختير هذا الطريقُ دونَ سواه؟
فقال: لأنّ المختارَ من شأنه الاختيار.
فهل يَعُدُّ هذا عاقلٌ تفسيرًا؟
أم هو إعادةُ عينِ الدعوى في ثوبٍ جديد؟
إنّكم خلطتم -خلطَ الأعمى بين الشمسِ والسراب- بين: كونِ الإرادةِ قابلةً للتخصيص،
وبين تفسيرِ وقوعِ تخصيصٍ معيّنٍ دونَ غيره.
فنحن نسلّم أنّ الإرادةَ شأنُها التخصيص، لكنّ هذا لا يفسّر: لِمَ كان التخصيصُ لهذا دونَ ذاك؟
ولِمَ وقع هذا العالمُ على هذا النظامِ دونَ ما لا نهاية له من الأنظمةِ الممكنة؟
فإن قلتم:
“لا لشيء.”
فقد جعلتم الفعلَ الإلهيَّ صادرًا عن إرادةٍ عمياءَ لا فرقَ عندها بين: الصدقِ والكذب،
والعدلِ والظلم، والإحسانِ والعبث،
وإرسالِ الأنبياءِ أو إظهارِ المعجزاتِ على أيدي الكذّابين.
إذ الجميعُ عندكم سواءٌ في الإمكان، ولا مرجّحَ لأحدِها إلا تعلّقُ إرادةٍ لا لحكمةٍ ولا لمعنى.
وههنا انكشفت سوأتُكم، وظهر أنّكم لم تنزّهوا اللهَ عن القبيح، بل عطّلتم معنى القبح أصلًا حتى لا تُفضَحوا بلوازمِ مذهبكم.
فقلتم:
“لا يقبحُ من الله شيء.” لا لأنّ الظلمَ صار عدلًا، ولا لأنّ الكذبَ صار صدقًا، بل لأنّكم لو أثبتم قبحَ شيءٍ عقلًا لقيل لكم: لِمَ لا يفعله الله؟
فإن قلتم: لأنّه قبيح.
ثبت أنّ هناك حكمةً تمنعُ تعلّقَ الإرادةِ به، وبطل أصلُكم.
فهربتم من القبحِ بإعدامِ معناه، كما يهربُ الجبانُ من خصمه بقلعِ عينيه حتى لا يراه.
ثم انظروا إلى الطامّةِ التي لا يبقى معها دينٌ ولا نبوّة:
إذا جاز أن تتعلّق الإرادةُ بلا حكمة، فما الذي يمنع أن يُظهر اللهُ المعجزةَ على يدِ كذّاب؟
فإن قلتم:
“لأنّ ذلك قبيح.”
عدتم إلى قولِ المعتزلة أذلّةً صاغرين.
وإن قلتم:
“لا يقبحُ عليه شيء.”
فقد سوّيتم بين النبيِّ والمتنبئ، وسقط الوثوقُ بالشرائعِ جملةً، وصارت النبوّةُ لعبةً في يدِ إرادةٍ عمياءَ لا يُدرى لِمَ تعلّقت، ولا لِمَ خصّت، ولا لِمَ رجّحت.
فيا ليت شعري:
أيُّ فرقٍ بقي عندكم بين الحكيمِ والعابث، إذا كان كلاهما يفعل لا لوجهٍ ولا لغايةٍ ولا لمعنى؟
بل أيُّ معنى للحكمة أصلًا إذا كان كلُّ ما يفعله الفاعلُ يُسمّى حكمةً لمجرّد أنّه فعله؟
إنّ هذا ليس إثباتًا للحكمة، بل هو دفنٌ لمعناها تحت ركامِ الألفاظ، وتحويلٌ للعدلِ والعبثِ إلى ألفاظٍ مترادفةٍ لا فارق بينها إلا تحكّمُ الهوى.
❤2
اللهُ أكبر اللهُ أكبر اللهُ أكبر، لا إله إلا الله..
اللهُ أكبر اللهُ أكبر وللهِ الحمد،
اللهُ أكبرُ كبيرًا والحمدُ للهِ كثيرًا وسُبحان اللهِ بُكرةً وأصيلًا ، لا إله إلا الله وحده، صدقَ وعده، ونَصر عبدَه، وأعزَ جنده، وهزمَ الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبدُ إلا إيَّاهُ ، مُخْلِصِين له الدين ولو كرهَ الكَافرون
اللهُ أكبر اللهُ أكبر وللهِ الحمد،
اللهُ أكبرُ كبيرًا والحمدُ للهِ كثيرًا وسُبحان اللهِ بُكرةً وأصيلًا ، لا إله إلا الله وحده، صدقَ وعده، ونَصر عبدَه، وأعزَ جنده، وهزمَ الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبدُ إلا إيَّاهُ ، مُخْلِصِين له الدين ولو كرهَ الكَافرون
❤2
رويدَكَ بالحياة؛ فإنها أرقُّ من أن تُستقبَلَ بحدِّ السِّنان، وألطفُ من أن تُعاشَ على هيئةِ مُتراسٍ لا يُنزَع، أو ساحةِ وَغىً لا تَخمد. فلا تجعل نفسكَ أبدًا بين منزلةِ المُغيرِ الكالحِ، أو المُدافعِ المستميتِ؛ فإنك ما نُقلتَ إلى هذه الدارِ لتُبارزَ الخلقَ في كلِّ منعطف، ولا جُعلَ لسانُكَ مِهرازًا تُهشَّمُ به القلوبُ إذا خاصمت، أو تُستأصلُ به الموداتُ إذا نازعت.
ولكن تخلَّق بالرِّفقِ؛ فإنه أكرمُ ظَهير، وتوشَّح بالرَّحمةِ؛ فإنها أبقى من الظَّفَرِ وأجدى من القهر. فكم من امرئٍ لانَ جانبُه فمالت إليه القلوبُ طائعةً، وكم من فظٍّ اشتدَّ عودُه فبقي وحيدًا وإن ازدحم حوله الناسُ ازدحامًا. فالخلقُ عيالُ الإحسان، وأسرى المعروف، ومن بذرَ في الأرواحِ رأفةً حصدَ منها وُدًّا وأُلْفةً، ومن سقَاها قسوةً أورثته جفاءً ونُفرة.
ثم إن ظننتَ يومًا أنك في معركةٍ، فاعلم أن ليس كلُّ وَغىً يُحمَدُ الانتصارُ فيه، ولا كلُّ غلبةٍ تُعَدُّ مكرمة. فإن من الخصوماتِ ما يكونُ الظفرُ بها خِسَّةً، والانكفاءُ عنها مروءةً، ومن المنازعاتِ ما يكونُ تركُها أرفعَ من خوضها، والإعراضُ عنها أشرفَ من حسمها.
فما كلُّ غالبٍ محمودٌ، ولا كلُّ مغلوبٍ مذموم؛ بل ربَّ هزيمةٍ ألبست صاحبَها ثوبَ الكرامة، وربَّ نصرٍ جرَّ على صاحبه أذيالَ المهانة. ولعمري، إنَّ من المعاركِ ما إذا عادَ منها المرءُ مُنتصرًا كان في حقيقةِ أمره منهزمًا؛ إذ ربحَ الجولةَ وخسرَ نفسَه، وكسرَ خصمَه وانكسرَت مروءتُه، وأعلى صوتَه وأخفضَ قدرَه.
فاجعل سلامَ قلبكَ أغلى من ضجيجِ الغلبة، وحفظَ وُدِّ الناسِ أولى من نشوةِ الانتصار؛ فإن أكرمَ الظفرِ ما لم يُسفكْ فيه وِداد، وأشرفَ الخسارةِ ما صانتْ لصاحبها إنسانيتَه ومروءتَه.
ولكن تخلَّق بالرِّفقِ؛ فإنه أكرمُ ظَهير، وتوشَّح بالرَّحمةِ؛ فإنها أبقى من الظَّفَرِ وأجدى من القهر. فكم من امرئٍ لانَ جانبُه فمالت إليه القلوبُ طائعةً، وكم من فظٍّ اشتدَّ عودُه فبقي وحيدًا وإن ازدحم حوله الناسُ ازدحامًا. فالخلقُ عيالُ الإحسان، وأسرى المعروف، ومن بذرَ في الأرواحِ رأفةً حصدَ منها وُدًّا وأُلْفةً، ومن سقَاها قسوةً أورثته جفاءً ونُفرة.
ثم إن ظننتَ يومًا أنك في معركةٍ، فاعلم أن ليس كلُّ وَغىً يُحمَدُ الانتصارُ فيه، ولا كلُّ غلبةٍ تُعَدُّ مكرمة. فإن من الخصوماتِ ما يكونُ الظفرُ بها خِسَّةً، والانكفاءُ عنها مروءةً، ومن المنازعاتِ ما يكونُ تركُها أرفعَ من خوضها، والإعراضُ عنها أشرفَ من حسمها.
فما كلُّ غالبٍ محمودٌ، ولا كلُّ مغلوبٍ مذموم؛ بل ربَّ هزيمةٍ ألبست صاحبَها ثوبَ الكرامة، وربَّ نصرٍ جرَّ على صاحبه أذيالَ المهانة. ولعمري، إنَّ من المعاركِ ما إذا عادَ منها المرءُ مُنتصرًا كان في حقيقةِ أمره منهزمًا؛ إذ ربحَ الجولةَ وخسرَ نفسَه، وكسرَ خصمَه وانكسرَت مروءتُه، وأعلى صوتَه وأخفضَ قدرَه.
فاجعل سلامَ قلبكَ أغلى من ضجيجِ الغلبة، وحفظَ وُدِّ الناسِ أولى من نشوةِ الانتصار؛ فإن أكرمَ الظفرِ ما لم يُسفكْ فيه وِداد، وأشرفَ الخسارةِ ما صانتْ لصاحبها إنسانيتَه ومروءتَه.
ليس الابنُ كائنًا يقتات الخبزَ وحده، ولا روحًا تُساق إلى مطالب المعاش سوقَ الدواب إلى مراعيها؛ بل هو قلبٌ يظمأ كما يظمأ الجسد، ونفسٌ تتشوَّف إلى الأنس كما يتشوَّف البدن إلى القوت، ومن أخصِّ ما تتعلَّق به الأرواح وتنعقد عليه آمالها المرأةُ التي يراها المرءُ سكنَ وحدته، وقرارَ غربته، وموئلَ عاطفته، ومستودعَ أحلامه.
ومن العجيب أن يبذل الأب لابنه أسبابَ التعليم حتى لا يجهل، وأسبابَ الرزق حتى لا يفتقر، ثم يضنّ عليه بسبب السعادة حتى لا يهنأ، كأنما رضي له أن يحيا عالمًا كئيبًا، أو غنيًّا منكسرًا، أو ناجحًا تتآكل في صدره حسرةٌ لا يجد لها دواء.
وما الأبوة في حقيقتها إلا ولايةُ رحمةٍ لا سطوةُ قهر، وأمانةُ رعايةٍ لا سلطانُ استبداد. وليس الأب مالكًا لقلب ابنه حتى يصرفه حيث شاء، وإنما هو مؤتمنٌ عليه، مأمورٌ بحفظه من الكسور الخفية التي لا تُرى بالعيون، ولكنها تنخر في الأرواح نخر السوس في العود الصلب حتى تتركه هشيمًا وهو في صورة الصحيح.
وإن من أفدح المظالم أن يهوِّن المرء من انكسار قلب ولده، فإن القلوب ليست حجارةً تُرمى ثم لا تحس، ولا أخشابًا تُكسر ثم لا تتألم؛ بل ربما أقام المرء عمره كله فوق صدعٍ أحدثه أقرب الناس إليه، فلا يلتئم منه إلا الظاهر، وأما الباطن فتبقى فيه شقوقٌ تنزف في صمت السنين.
إن من البرِّ بالأبناء أن تُيسِّروا لهم أبواب الحلال إذا استقامت وجوهه، وأن تكونوا لهم أعوانًا على بلوغ ما ترجوه نفوسهم، لا معاولَ تهدم ما بنته قلوبهم. فإن النفوس إذا أُعطيت مرادها في دائرة الحق سكنت، وإذا حُرمت ما تعلقت به بغير موجبٍ من عقلٍ أو شرعٍ اضطربت، وربما أورثها ذلك من اللوعة ما لا تبرؤ منه الأعوام.
فلا تكسروا قلوب أبنائكم ثم تطلبوا منهم صفاء المودة، ولا تطفئوا مصابيح أفراحهم ثم تعجبوا من ظلمة أرواحهم. فإن القلب إذا انصدع من جهة أبيه، فمن ذا الذي يجبره؟ وإذا جاءه الخذلان ممن كان ينتظر منه النصرة، فمن ذا الذي يعوضه؟
ولعمري، ما ربح أبٌ رأيًا خسر لأجله قلبَ ولده، وما ظفر بحكمٍ من الأحكام من أورثه ذلك جرحًا لا يندمل. وإنما الحكمة كل الحكمة أن يكون الأب لولده ظِلًّا إذا لفحته شمس الحياة، وجبرًا إذا أثقلته الأيام، وسندًا إذا ضاقت به السبل؛ فإن أعظم ما يُورَّث للأبناء ليس المال، بل قلبٌ لم تكسره يدُ أبيه.
ومن العجيب أن يبذل الأب لابنه أسبابَ التعليم حتى لا يجهل، وأسبابَ الرزق حتى لا يفتقر، ثم يضنّ عليه بسبب السعادة حتى لا يهنأ، كأنما رضي له أن يحيا عالمًا كئيبًا، أو غنيًّا منكسرًا، أو ناجحًا تتآكل في صدره حسرةٌ لا يجد لها دواء.
وما الأبوة في حقيقتها إلا ولايةُ رحمةٍ لا سطوةُ قهر، وأمانةُ رعايةٍ لا سلطانُ استبداد. وليس الأب مالكًا لقلب ابنه حتى يصرفه حيث شاء، وإنما هو مؤتمنٌ عليه، مأمورٌ بحفظه من الكسور الخفية التي لا تُرى بالعيون، ولكنها تنخر في الأرواح نخر السوس في العود الصلب حتى تتركه هشيمًا وهو في صورة الصحيح.
وإن من أفدح المظالم أن يهوِّن المرء من انكسار قلب ولده، فإن القلوب ليست حجارةً تُرمى ثم لا تحس، ولا أخشابًا تُكسر ثم لا تتألم؛ بل ربما أقام المرء عمره كله فوق صدعٍ أحدثه أقرب الناس إليه، فلا يلتئم منه إلا الظاهر، وأما الباطن فتبقى فيه شقوقٌ تنزف في صمت السنين.
إن من البرِّ بالأبناء أن تُيسِّروا لهم أبواب الحلال إذا استقامت وجوهه، وأن تكونوا لهم أعوانًا على بلوغ ما ترجوه نفوسهم، لا معاولَ تهدم ما بنته قلوبهم. فإن النفوس إذا أُعطيت مرادها في دائرة الحق سكنت، وإذا حُرمت ما تعلقت به بغير موجبٍ من عقلٍ أو شرعٍ اضطربت، وربما أورثها ذلك من اللوعة ما لا تبرؤ منه الأعوام.
فلا تكسروا قلوب أبنائكم ثم تطلبوا منهم صفاء المودة، ولا تطفئوا مصابيح أفراحهم ثم تعجبوا من ظلمة أرواحهم. فإن القلب إذا انصدع من جهة أبيه، فمن ذا الذي يجبره؟ وإذا جاءه الخذلان ممن كان ينتظر منه النصرة، فمن ذا الذي يعوضه؟
ولعمري، ما ربح أبٌ رأيًا خسر لأجله قلبَ ولده، وما ظفر بحكمٍ من الأحكام من أورثه ذلك جرحًا لا يندمل. وإنما الحكمة كل الحكمة أن يكون الأب لولده ظِلًّا إذا لفحته شمس الحياة، وجبرًا إذا أثقلته الأيام، وسندًا إذا ضاقت به السبل؛ فإن أعظم ما يُورَّث للأبناء ليس المال، بل قلبٌ لم تكسره يدُ أبيه.
❤1
بالرغم من أنني قد أصبحتُ معتزليَّ الاعتقاد، فإن في قلبي لفخرِ الملة والدين الرازي محبةً لا يعلم مداها إلا الله عز وجل.
رجلٌ نادرُ المثال، فريدُ الطراز، متحررٌ من أغلال التقليد، متسامٍ على ضيق التعصب المذهبي، واسعُ الأفق، بعيدُ الغور، لا تكاد تجد في صفحات الدهر نظيرًا له. وفخرُ الدين صفحة من أبهى صفحات التراث العقلي الإسلامي، بل هو من روائع الزمان التي يقلُّ أن يجود بمثلها عصرٌ من العصور.
وإن اختلفتُ معه في الاعتقاد، فما استطاع الخلاف أن ينتزع من قلبي إجلالَه، ولا أن يُطفئ ما فيه من المحبة له؛ فإن للعبقريات الكبرى سلطانًا على النفوس يتجاوز حدود الاتفاق والخلاف، وللرجال العظام منزلةً لا تنالها الخصومات المذهبية ولا تمحوها تباينات الآراء.
رجلٌ نادرُ المثال، فريدُ الطراز، متحررٌ من أغلال التقليد، متسامٍ على ضيق التعصب المذهبي، واسعُ الأفق، بعيدُ الغور، لا تكاد تجد في صفحات الدهر نظيرًا له. وفخرُ الدين صفحة من أبهى صفحات التراث العقلي الإسلامي، بل هو من روائع الزمان التي يقلُّ أن يجود بمثلها عصرٌ من العصور.
وإن اختلفتُ معه في الاعتقاد، فما استطاع الخلاف أن ينتزع من قلبي إجلالَه، ولا أن يُطفئ ما فيه من المحبة له؛ فإن للعبقريات الكبرى سلطانًا على النفوس يتجاوز حدود الاتفاق والخلاف، وللرجال العظام منزلةً لا تنالها الخصومات المذهبية ولا تمحوها تباينات الآراء.
❤1👏1
قال ابن حزم في إثبات الصَّرفة:
"وقد ظن قوم أن عجز العرب ومن تلاهم من سائر البلغاء عن معارضة القرآن إنما هو لكون القرآن في أعلى طبقات البلاغة؛ وهذا خطأ شديد، ولو كان ذلك -وقد أبى الله أن يكون- لما كان حينئذ معجزة، لأن هذه صفة كل باسق في طبقته، والشيء الذي هو كذلك وإن كان قد سبق في وقت ما، فلا يُؤمَن أن يأتي في غد ما يقاربه، بل ما يفوقه، ولكنّ الإعجاز في ذلك إنما هو أن الله حال بين العباد وبين أن يأتوا بمثله ورفع عنهم القوة في ذلك جملة."
"وقد ظن قوم أن عجز العرب ومن تلاهم من سائر البلغاء عن معارضة القرآن إنما هو لكون القرآن في أعلى طبقات البلاغة؛ وهذا خطأ شديد، ولو كان ذلك -وقد أبى الله أن يكون- لما كان حينئذ معجزة، لأن هذه صفة كل باسق في طبقته، والشيء الذي هو كذلك وإن كان قد سبق في وقت ما، فلا يُؤمَن أن يأتي في غد ما يقاربه، بل ما يفوقه، ولكنّ الإعجاز في ذلك إنما هو أن الله حال بين العباد وبين أن يأتوا بمثله ورفع عنهم القوة في ذلك جملة."
❤1
ليس كلُّ من أُوذيَ صبر، ولا كلُّ من قَدَرَ عفا، ولا كلُّ من امتلأ صدرُه غيظًا استطاع أن يمسك لسانَه ويدَه وقلبَه.
ثم إنَّ كظمَ الغيظ ليس عجزًا، بل هو قوَّةٌ تُصارع صاحبَها في خفاءٍ لا يراه الناس. فما أسهلَ أن يثور المرءُ إذا غضب! وما أيسرَ أن ينتقم إذا قدر، ولكنَّ الشأن كلَّ الشأن أن يملك الإنسان نفسَه عند هيجانها، وأن يُطفئ نارَها وهي تتأجج بين أضلاعه.
ولذلك كان الكاظمون الغيظَ والعافون عن الناس والصابرون على أذاهم طائفةً قليلةً في الخلق، عظيمةً في الميزان. لا يبلغ هذه المنزلة كلُّ أحد؛ فإنَّ أكثر الناس إذا مُسَّت كرامتُه ثارت نفسه، وإذا جُرح كبرياؤه استعرت فيه نارُ الخصومة، وإذا ظفر بمن أساء إليه رأى الانتقامَ حقًّا لا يُفوِّته.
أمَّا أصحاب النفوس الكبيرة فإنهم أوسعُ صدورًا من أن تُضيِّقها زلَّة، وأعلى همَّةً من أن تستنزفها خصومة، وأغنى قلوبًا من أن تعيش أسيرةَ الأحقاد. تمرُّ عليهم الإساءةُ كما تمرُّ الريحُ على الجبل الراسخ؛ تُسمَعُ ولا تُزعزِع، وتُحَسُّ ولا تُسقِط.
ثم إنَّ الحقدَ يُثقِل الروح، والعفوَ يُحرِّرها. والانتقامَ يُشبه حملَ الجمر في الكفِّ انتظارًا لإلقائه على غيرك؛ فأولُ من يحترق به حاملُه. أمَّا الصفحُ فنسمةٌ باردةٌ تهبُّ على القلب بعد طول احتراق.
وما رأيتُ خُلُقًا أدلَّ على شرف النفس من رجلٍ كظم غيظه وهو قادر، وعفا وهو منتصر، وصبر وهو متألم. ذاك الذي غلب نفسَه قبل أن يغلب غيرَه، وفتح في قلبه بابًا للنور يوم أغلق الناس أبواب الرحمة.
ثم إنَّ كظمَ الغيظ ليس عجزًا، بل هو قوَّةٌ تُصارع صاحبَها في خفاءٍ لا يراه الناس. فما أسهلَ أن يثور المرءُ إذا غضب! وما أيسرَ أن ينتقم إذا قدر، ولكنَّ الشأن كلَّ الشأن أن يملك الإنسان نفسَه عند هيجانها، وأن يُطفئ نارَها وهي تتأجج بين أضلاعه.
ولذلك كان الكاظمون الغيظَ والعافون عن الناس والصابرون على أذاهم طائفةً قليلةً في الخلق، عظيمةً في الميزان. لا يبلغ هذه المنزلة كلُّ أحد؛ فإنَّ أكثر الناس إذا مُسَّت كرامتُه ثارت نفسه، وإذا جُرح كبرياؤه استعرت فيه نارُ الخصومة، وإذا ظفر بمن أساء إليه رأى الانتقامَ حقًّا لا يُفوِّته.
أمَّا أصحاب النفوس الكبيرة فإنهم أوسعُ صدورًا من أن تُضيِّقها زلَّة، وأعلى همَّةً من أن تستنزفها خصومة، وأغنى قلوبًا من أن تعيش أسيرةَ الأحقاد. تمرُّ عليهم الإساءةُ كما تمرُّ الريحُ على الجبل الراسخ؛ تُسمَعُ ولا تُزعزِع، وتُحَسُّ ولا تُسقِط.
ثم إنَّ الحقدَ يُثقِل الروح، والعفوَ يُحرِّرها. والانتقامَ يُشبه حملَ الجمر في الكفِّ انتظارًا لإلقائه على غيرك؛ فأولُ من يحترق به حاملُه. أمَّا الصفحُ فنسمةٌ باردةٌ تهبُّ على القلب بعد طول احتراق.
وما رأيتُ خُلُقًا أدلَّ على شرف النفس من رجلٍ كظم غيظه وهو قادر، وعفا وهو منتصر، وصبر وهو متألم. ذاك الذي غلب نفسَه قبل أن يغلب غيرَه، وفتح في قلبه بابًا للنور يوم أغلق الناس أبواب الرحمة.
قُلْتُ يا رسولَ اللهِ دُلَّني على عملٍ يُدخِلُني الجنَّةَ
قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
"لا تغضَبْ ولك الجنَّةُ"
قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
"لا تغضَبْ ولك الجنَّةُ"