الذي يظهر في الصورة هو آية الشهيد السيد محمد بهشتي، أحد الأعمدة الفكرية والتنظيمية في المرحلة التأسيسية للثورة الإسلامية في إيران، وركنٌ أساسي في تشكّل بنية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد انتصارها، ولا يقل شأنًا عن قائد الثورة نفسها [ الإمام الخميني ]
أغتيل السيد بهشتي سنة 1981 - أي بعد سنيتن من انتصار الثورة - في التفجير الذي استهدف مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، وأسفر عن خسارة عدد كبير من قيادات الصف الأول، وجاء في لحظة كانت فيها الجمهورية الإسلامية تواجه ضغطًا مركّبًا: حربًا شاملة مفروضة من الخارج [ الحرب الإيرانية العراقية ] وحصارًا سياسيًا واقتصاديًا، ومحاولات اختراق داخلي اعتمدت الاغتيال المنهجي وسيلة لإحداث تفكك بنيوي في الدولة الناشئة. وقد تلا ذلك اغتيال رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنمر، ما مثّل ذروة الاستهداف المباشر لهرم السلطة.
ورغم كل هذه الضربات القاسية، إلا أن الوقائع تكشف عن نمط خاص من التكوين السياسي، تميّزت به الجمهورية الإسلامية منذ عهد الإمام السيد الخميني، الأمر الذي أبقاها صامدة، فالنظام الجديد لم يُبنَ على مركزية الفرد بوصفه عنصرًا مستقلًا، وإنما على مركزية المرجعية العقائدية التي تنتظم ضمنها الأدوار والمؤسسات. وبهذا المعنى، فإن موت القادة، على جسامته، لم يؤدِّ إلى تعطيل المسار العام، بل أعاد تفعيله ضمن نفس الإطار القيمي.
لقد تشكّل الجيل الثوري الأول على أساس فهمٍ واضح لمعنى التكليف، حيث جرى دمج البعد الديني بالبعد السياسي ضمن رؤية واحدة. وفي هذا السياق، لم تُفهم الشهادة أو اغتيال القادة بوصفها خسارة تشغيلية، بل باعتبارها جزءًا من منطق الاستمرار، الأمر الذي أتاح للنظام إعادة إنتاج النخب القيادية دون انقطاع وظيفي أو اهتزاز شرعي.
إن استمرار الجمهورية الإسلامية بعد كل الضربات المكثّفة لا يمكن تفسيره بالمعايير الإجرائية للدولة الحديثة وحدها، بل يتطلب إدراجه ضمن منطق الثورة الإسلامية بوصفها حركة ذات أساس اعتقادي. فالتماسك الذي أظهره النظام كان نتيجة انسجام داخلي بين المرجعية، والمؤسسات، والقاعدة الشعبية، وهو انسجام تعزّز بفكر الإمام الخميني الذي ربط الشرعية السياسية بالالتزام بمشروع الثورة.
أغتيل السيد بهشتي سنة 1981 - أي بعد سنيتن من انتصار الثورة - في التفجير الذي استهدف مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، وأسفر عن خسارة عدد كبير من قيادات الصف الأول، وجاء في لحظة كانت فيها الجمهورية الإسلامية تواجه ضغطًا مركّبًا: حربًا شاملة مفروضة من الخارج [ الحرب الإيرانية العراقية ] وحصارًا سياسيًا واقتصاديًا، ومحاولات اختراق داخلي اعتمدت الاغتيال المنهجي وسيلة لإحداث تفكك بنيوي في الدولة الناشئة. وقد تلا ذلك اغتيال رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنمر، ما مثّل ذروة الاستهداف المباشر لهرم السلطة.
ورغم كل هذه الضربات القاسية، إلا أن الوقائع تكشف عن نمط خاص من التكوين السياسي، تميّزت به الجمهورية الإسلامية منذ عهد الإمام السيد الخميني، الأمر الذي أبقاها صامدة، فالنظام الجديد لم يُبنَ على مركزية الفرد بوصفه عنصرًا مستقلًا، وإنما على مركزية المرجعية العقائدية التي تنتظم ضمنها الأدوار والمؤسسات. وبهذا المعنى، فإن موت القادة، على جسامته، لم يؤدِّ إلى تعطيل المسار العام، بل أعاد تفعيله ضمن نفس الإطار القيمي.
لقد تشكّل الجيل الثوري الأول على أساس فهمٍ واضح لمعنى التكليف، حيث جرى دمج البعد الديني بالبعد السياسي ضمن رؤية واحدة. وفي هذا السياق، لم تُفهم الشهادة أو اغتيال القادة بوصفها خسارة تشغيلية، بل باعتبارها جزءًا من منطق الاستمرار، الأمر الذي أتاح للنظام إعادة إنتاج النخب القيادية دون انقطاع وظيفي أو اهتزاز شرعي.
إن استمرار الجمهورية الإسلامية بعد كل الضربات المكثّفة لا يمكن تفسيره بالمعايير الإجرائية للدولة الحديثة وحدها، بل يتطلب إدراجه ضمن منطق الثورة الإسلامية بوصفها حركة ذات أساس اعتقادي. فالتماسك الذي أظهره النظام كان نتيجة انسجام داخلي بين المرجعية، والمؤسسات، والقاعدة الشعبية، وهو انسجام تعزّز بفكر الإمام الخميني الذي ربط الشرعية السياسية بالالتزام بمشروع الثورة.
❤3
” إنّ تمامَ الخلق إنّما هو مقدّمةٌ لخلقِ الإنسانِ.
والإنسانُ مقدّمةٌ لِماذا؟
هو مقدّمةٌ لـ معرفةِ الله وعبادةِ اللّه.
وقد انتهتِ الخليقةُ إلى بعثةِ الأنبياء ليَتَحقّقَ هذا الغرضُ الجليل؛
غيرَ أنّ بعثاتِ الأنبياء كانت ناقصةً في تمام ثمرتها، حتى تَمَّتْ واكتملت بوجودِ النبيّ الخاتم ﷺ وآله؛ فهو الذي أتمّ ثمرةَ البعثة وبلّغها غايتها.
فالنتيجةُ أنَّ عُصارةَ العالم وخلاصةَ آدم هو النبيّ الخاتم ﷺ وآله. “
~الشيخُ وحِيد الخُراسَاني.
والإنسانُ مقدّمةٌ لِماذا؟
هو مقدّمةٌ لـ معرفةِ الله وعبادةِ اللّه.
وقد انتهتِ الخليقةُ إلى بعثةِ الأنبياء ليَتَحقّقَ هذا الغرضُ الجليل؛
غيرَ أنّ بعثاتِ الأنبياء كانت ناقصةً في تمام ثمرتها، حتى تَمَّتْ واكتملت بوجودِ النبيّ الخاتم ﷺ وآله؛ فهو الذي أتمّ ثمرةَ البعثة وبلّغها غايتها.
فالنتيجةُ أنَّ عُصارةَ العالم وخلاصةَ آدم هو النبيّ الخاتم ﷺ وآله. “
~الشيخُ وحِيد الخُراسَاني.
❤6🕊5
إنّ القلب في لسان القرآن حقيقةٌ باطنية بها يدرك الإنسان ربَّه، لا مجرد موضعٍ للانفعال. وهو محلّ الهداية إذا صفا، ومحلّ العمى إذا تراكمت عليه أدران الهوى، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾. ومن هنا كان تطهير القلب شرطًا لكلّ معرفةٍ إلهية، فإنّ النفس ما لم تُنزَّه من التعلّقات الباطلة لا تكون قابلة لنور الحق.
وأمّا العقل الذي وصفته الروايات الشريفةُ بأنّه حجّة الله الباطنة، فهو نورٌ مودَع في الإنسان، غير أنّ إشراقه موقوف على سلامة القلب الذي يتلقى آثاره. فالعقل يهدي من طريق البرهان، والقلب يشهد من طريق الحضور، ولا يستقيم أحدهما إلا بالآخر. فإذا ازداد القلب صفاءً، انكشفت له حقائق كان العقل يدركها بنورٍ أضعف؛ وإذا تكدّر، ضعف نور العقل وإن بقيت آلته.
ومن هنا صحّت كلمة أهل المعرفة [ طهّر قلبك ثمّ اتّبعه ] لأنّ القلب بعد التزكية يصير محلًّا لظهور نور العقل، وواسطةً لاهتداء الإنسان إلى مقام العبودية الذي يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾. فإذا استقر هذا الفهم زالت الأوهام التي تنشأ منها الأنانيات الضيقة، وبرزت للإنسان ذاته الحقيقية المتصلة بربّها اتصالًا لا يقطعه هوى ولا تعصّب.
وأمّا العقل الذي وصفته الروايات الشريفةُ بأنّه حجّة الله الباطنة، فهو نورٌ مودَع في الإنسان، غير أنّ إشراقه موقوف على سلامة القلب الذي يتلقى آثاره. فالعقل يهدي من طريق البرهان، والقلب يشهد من طريق الحضور، ولا يستقيم أحدهما إلا بالآخر. فإذا ازداد القلب صفاءً، انكشفت له حقائق كان العقل يدركها بنورٍ أضعف؛ وإذا تكدّر، ضعف نور العقل وإن بقيت آلته.
ومن هنا صحّت كلمة أهل المعرفة [ طهّر قلبك ثمّ اتّبعه ] لأنّ القلب بعد التزكية يصير محلًّا لظهور نور العقل، وواسطةً لاهتداء الإنسان إلى مقام العبودية الذي يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾. فإذا استقر هذا الفهم زالت الأوهام التي تنشأ منها الأنانيات الضيقة، وبرزت للإنسان ذاته الحقيقية المتصلة بربّها اتصالًا لا يقطعه هوى ولا تعصّب.
❤10
إنّ التأمّل في التحوّلات التي يشهدها المجتمع الإنساني في هذا العصر، ولا سيّما ما يتّصل منها بمفهوم الأسرة والجنسيّة والهوية، يُظهر أنّ هذه التحوّلات ترجع في حقيقتها إلى تصوّرٍ مخصوص عن الإنسان، وإلى رؤيةٍ تحاول إعادة تحديد موقعه في نظام الوجود. فقد ظهرت في البداية دعواتٌ تحت عنوان النسويّة، ثم تدرّج الخطاب إلى إقرار زواج المثليّين والتحوّل الجنسي، في سياقٍ واحدٍ تتتابع حلقاته، ويقود في مجموعه إلى إضعاف المعنى الفطري الذي تقوم عليه حقيقة الإنسان.
والإنسان، كما يبيّنه القرآن، موجودٌ مخلوق على نظامٍ متّزن، تتكامل فيه الخِلقة مع الهداية، ويقوم على فطرةٍ أودعها الله فيه لتكون ميزانًا لمعرفة ما به صلاح حياته الفرديّة والاجتماعيّة. وهذه الفطرة ليست أمرًا اعتباريًا متغيّرًا، بل هي سنّة تكوينيّة ثابتة، دلّ عليها قوله تعالى { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}
فكان في الآية الكريمة إشارة إلى أنّ انتظام حياة الإنسان مشروط ببقاء هذا الأصل محفوظًا من التحريف.
ومن هذا المنطلق، فإنّ إعادة تعريف الذكورة والأنوثة بوصفهما معطيين قابلين للإلغاء، والنظر إلى الأسرة على أنّها تركيبٌ قابل للتفكيك، يؤدّي بطبيعته إلى زعزعة الأساس الذي تنتظم به العلاقات الإنسانيّة. ومع زوال هذا الأساس، تتبدّل المعايير التي يُقاس بها السلوك، ويتحوّل الإنسان إلى كائنٍ يتلقّى تعريفه من الخارج، بحسب ما تفرضه الثقافة الغالبة أو الرغبات السائدة.
وقد نبّه القرآن إلى هذا المسار حين ذكر أنّ من آثار الضلال التصرّف في الخِلقة على وجهٍ يُخرجها عن غاياتها
{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}
والتغيير الوارد في الآية شاملٌ للصورة والمعنى معًا، إذ إنّ العبث بالمفاهيم المؤسِّسة للوجود الإنساني يُفضي في نهايته إلى اضطرابٍ في إدراك الإنسان لنفسه ولمكانته في العالم.
ومن هنا يظهر أنّ السؤال المتكرّر في الفكر المعاصر عن حقيقة الإنسان نابعٌ من فقدان المرجعيّة التي كانت تضبط هذا المفهوم. فالإنسان، حين تنقطع صلته بالمبدأ الذي صدر عنه، يفقد وضوح غايته، ويغدو وجوده مفتوحًا على احتمالاتٍ متناقضة. وقد ربط القرآن كرامة الإنسان بتحمّله لأمانة الخلافة، فقال تعالى {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}
وقال { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}
فكانت الكرامة متفرّعة عن هذا الموقع الوجودي، لا عن مجرّد الامتلاك أو القدرة.
وعلى هذا، فإنّ المسار الذي ينتهي إلى تمييع الحدود الإنسانيّة، وإلى التشكيك في معنى الفطرة، يقود تدريجيًا إلى تفريغ الإنسان من خصوصيّته التي خُصّ بها. ومع هذا التفريغ، تتراجع معاني المسؤولية والمعنى والغاية، ويحلّ محلّها تصوّرٌ وجوديّ مضطرب، يعكس في جوهره صراعًا مع الحقيقة التي أُسِّس عليها نظام الخلق، ومع القصة الأولى للإنسان حين خُلق على معرفةٍ بربّه، وعلى عهدٍ يحفظ له إنسانيّته.
والإنسان، كما يبيّنه القرآن، موجودٌ مخلوق على نظامٍ متّزن، تتكامل فيه الخِلقة مع الهداية، ويقوم على فطرةٍ أودعها الله فيه لتكون ميزانًا لمعرفة ما به صلاح حياته الفرديّة والاجتماعيّة. وهذه الفطرة ليست أمرًا اعتباريًا متغيّرًا، بل هي سنّة تكوينيّة ثابتة، دلّ عليها قوله تعالى { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}
فكان في الآية الكريمة إشارة إلى أنّ انتظام حياة الإنسان مشروط ببقاء هذا الأصل محفوظًا من التحريف.
ومن هذا المنطلق، فإنّ إعادة تعريف الذكورة والأنوثة بوصفهما معطيين قابلين للإلغاء، والنظر إلى الأسرة على أنّها تركيبٌ قابل للتفكيك، يؤدّي بطبيعته إلى زعزعة الأساس الذي تنتظم به العلاقات الإنسانيّة. ومع زوال هذا الأساس، تتبدّل المعايير التي يُقاس بها السلوك، ويتحوّل الإنسان إلى كائنٍ يتلقّى تعريفه من الخارج، بحسب ما تفرضه الثقافة الغالبة أو الرغبات السائدة.
وقد نبّه القرآن إلى هذا المسار حين ذكر أنّ من آثار الضلال التصرّف في الخِلقة على وجهٍ يُخرجها عن غاياتها
{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}
والتغيير الوارد في الآية شاملٌ للصورة والمعنى معًا، إذ إنّ العبث بالمفاهيم المؤسِّسة للوجود الإنساني يُفضي في نهايته إلى اضطرابٍ في إدراك الإنسان لنفسه ولمكانته في العالم.
ومن هنا يظهر أنّ السؤال المتكرّر في الفكر المعاصر عن حقيقة الإنسان نابعٌ من فقدان المرجعيّة التي كانت تضبط هذا المفهوم. فالإنسان، حين تنقطع صلته بالمبدأ الذي صدر عنه، يفقد وضوح غايته، ويغدو وجوده مفتوحًا على احتمالاتٍ متناقضة. وقد ربط القرآن كرامة الإنسان بتحمّله لأمانة الخلافة، فقال تعالى {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}
وقال { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}
فكانت الكرامة متفرّعة عن هذا الموقع الوجودي، لا عن مجرّد الامتلاك أو القدرة.
وعلى هذا، فإنّ المسار الذي ينتهي إلى تمييع الحدود الإنسانيّة، وإلى التشكيك في معنى الفطرة، يقود تدريجيًا إلى تفريغ الإنسان من خصوصيّته التي خُصّ بها. ومع هذا التفريغ، تتراجع معاني المسؤولية والمعنى والغاية، ويحلّ محلّها تصوّرٌ وجوديّ مضطرب، يعكس في جوهره صراعًا مع الحقيقة التي أُسِّس عليها نظام الخلق، ومع القصة الأولى للإنسان حين خُلق على معرفةٍ بربّه، وعلى عهدٍ يحفظ له إنسانيّته.
❤6👏1
إنّ المتأمّل في لغة الوحي يجد أنّ الإنسان قد خُلق على هيئة تشتمل على قابلية واسعة للترقي في مدارج الوجود. فالقرآن حين يذكر أنّ آدم قد أُسجدت له الملائكة، وحين يخبر أنه تعلّم الأسماء كلها، وحين ينصّ على أنّ الإنسان حُمل بالأمانة التي امتنعت عنها السموات والأرض، فإنما يشير إلى بنية مخصوصة أودعها الله في هذا الكائن، تجعله مهيأً لأن يكون موضع ظهورٍ لحقائق عالية تتجاوز عالم الطبيعة المحسوسة.
وهذه القابلية التي نصّت عليها الآيات لا تُدرك على أنّها خصائص منفصلة، بل هي وجه واحد من حقيقة الإنسان بما هو موجود ممتدّ بين عالمي الغيب والشهود. فالإنسان مرتبط بعالم الحس من جهة جسده، وممتدّ بعالم الأمر من جهة الروح التي نسب الله إيجادها إلى نفسه بقوله:{ونفختُ فيه من روحي}. وفي هذا الامتداد تتّسع دائرة وجوده، فيتلقّى من الحقائق العليا بقدر ما يتطهّر باطنه، وتُكشف له من الأسماء الإلهية بقدر ما يتهيّأ لها.
هذا الأصل الوجودي يحدّد معنى الكمال الإنساني. فالكمال، بحسب النظر الدقيق، هو تمام انكشاف الحقيقة الإنسانية في مراتبها الصاعدة، واتّساع قابليتها لتلقي صور العلم والمعرفة والعمل الصالح على وجه ينسجم مع الفطرة الأولى التي فُطر عليها. ومن لوازم هذا المعنى أن يكون للكمال وجهان: أحدهما ذاتي يرجع إلى أصل النفس وما هي عليه من فطرة ووجود، والآخر فعليّ يظهر بالتحصيل والتربية وتهذيب النفس واكتساب المعارف.
ولما كانت النفس في انتقالها الدائم من القوة إلى الفعل تحتاج إلى معينٍ يدلّها على طريقها، كان المرشد الكامل ركناً في سير الإنسان نحو غايته. إذ إنّ النفس الناقصة إذا واجهت المعارف العالية دون تهيّؤ وقابلية، انقلب ما تتلقّاه إلى صور مشوّشة، وربما أضافت إلى ضعفها ضعفًا آخر. أما النفس المستعدة فإنّ إشراق تلك المعارف فيها يوجب انفتاح أبواب جديدة من الوجود، وتتكشّف لها معانٍ مطابقة لفطرتها واستعدادها.
وعلى ضوء ذلك، يظهر أنّ الكمال لا ينفصل عن الجمال، لأنّ الجمال عند التحقيق هو كمال الظهور وتوافق مراتب الوجود على نحو ينسجم فيه الباطن مع الظاهر. فكلما ازداد ظهور حقيقة الشيء وتمام انسجامه في نظام الوجود، كان نصيبه من الجمال أعظم. ومن هنا وصف القرآن خلق الله بالحُسن والإتقان، ونبّه على أنّ كل ما في العالم من آية أو مشهد هو تجلٍّ لاسم من أسماء الله الحسنى.
وهذا الارتباط بين الجمال والكمال هو نفسه الذي تقوم عليه نظريّة التجلّي عند العرفاء والحكماء. فإنّ فعل الله تعالى فعل صادر عن ذات بسيطة غير مركبة، فلا يتطرق إليه نقص ولا يتجزّأ بتجزّؤ الآثار. وحيث إنّ الذات الإلهية واجبة الوجود، قائمة بذاتها، لا حدّ فيها ولا جهة، فإنّ أثرها الأول هو الوجود المنبسط المتصل الذي يعبّر عنه بعضهم بالحقيقة المحمدية أو العقل الأول. وهذا الأثر الأول هو أقرب الموجودات إلى مبدأ الوجود، وفيه تتجلّى أعظم الأسماء الإلهية بنحو الوحدة والتمام.
ومن هذا الأصل يتدرّج الوجود في مراتبه المختلفة. والعالم بكلّ ما فيه ليس حادثًا عبثيًا، بل هو نظام قائم على الحكمة، تسري في أجزائه سنن ثابتة، وتجمعه ربوبية واحدة. وقد تنبّه بعض الحكماء إلى أنّ العالم على ما هو عليه يجري على مقتضى ذلك النظام الكامل، وأنّ تصوّر عالم آخر أشدّ إحكاماً من هذا العالم يتنافى مع كون الفاعل هو الله الكامل من كل وجه. فإذا كان الوجود ممكنًا في صورة أكمل من صورته الحاضرة لكان عدم ظهوره دليلاً على عدم تمامية الفيض أو القابل، وكلاهما محال.
وفي هذا المقام يظهر موقع الإنسان الكامل، وهو الإنسان الذي بلغ الغاية القصوى من ظهور حقيقة الإنسانية، حتى صار مرآةً صافية تنعكس فيها الأسماء الإلهية على نحو جامع. وهذا الإنسان هو التجلي الأوضح للفيض الأول، وهو قطب دائرة الوجود الإنساني. وقد عبّر القرآن عن هذا المقام بلسان النبوّة والاصطفاء، فجعل النبيّ هو شاهد الأمة ونورها وربّانها إلى الله، وجعل علمه وهدايته مظهراً للعلم الإلهي والهداية الربانية.
وبهذا الاعتبار، يظهر أن الخلافة الإلهية، وحمل الأمانة، وكون الإنسان هو المخلوق المكرّم، ليست معاني اعتبارية أو أوصافًا عارضة، بل هي إشارات إلى مقام الإنسانية حين تبلغ كمالها الخاص الذي أراده الله. والذي يقوم بهذا المقام إنما هو الإنسان الكامل، لأنه وحده الذي تجتمع فيه مراتب الوجود على نحو تنسجم فيه الصورة الإنسانية مع غايتها العليا.
وهكذا تتضح الصلة بين العرفان والقرآن: فكلاهما يتحدث عن إنسان له قابلية فطرية للترقي، وغايةٌ تؤهله لأن يكون آيةً من آيات الله. ومن خلال هذا الفهم يتبيّن أنّ بقاء الشريعة وهداية الناس وتكميلهم مرتبط بوجود من يجسّد هذا المقام ويتلقّى الحقائق في أعلى درجاتها، فيكون حجّة الله على خلقه، ودليلاً لهم في سلوكهم إلى ربهم، ومظهراً لحقيقة الكمال الإنساني كما أرادها الله تعالى.
وهذه القابلية التي نصّت عليها الآيات لا تُدرك على أنّها خصائص منفصلة، بل هي وجه واحد من حقيقة الإنسان بما هو موجود ممتدّ بين عالمي الغيب والشهود. فالإنسان مرتبط بعالم الحس من جهة جسده، وممتدّ بعالم الأمر من جهة الروح التي نسب الله إيجادها إلى نفسه بقوله:{ونفختُ فيه من روحي}. وفي هذا الامتداد تتّسع دائرة وجوده، فيتلقّى من الحقائق العليا بقدر ما يتطهّر باطنه، وتُكشف له من الأسماء الإلهية بقدر ما يتهيّأ لها.
هذا الأصل الوجودي يحدّد معنى الكمال الإنساني. فالكمال، بحسب النظر الدقيق، هو تمام انكشاف الحقيقة الإنسانية في مراتبها الصاعدة، واتّساع قابليتها لتلقي صور العلم والمعرفة والعمل الصالح على وجه ينسجم مع الفطرة الأولى التي فُطر عليها. ومن لوازم هذا المعنى أن يكون للكمال وجهان: أحدهما ذاتي يرجع إلى أصل النفس وما هي عليه من فطرة ووجود، والآخر فعليّ يظهر بالتحصيل والتربية وتهذيب النفس واكتساب المعارف.
ولما كانت النفس في انتقالها الدائم من القوة إلى الفعل تحتاج إلى معينٍ يدلّها على طريقها، كان المرشد الكامل ركناً في سير الإنسان نحو غايته. إذ إنّ النفس الناقصة إذا واجهت المعارف العالية دون تهيّؤ وقابلية، انقلب ما تتلقّاه إلى صور مشوّشة، وربما أضافت إلى ضعفها ضعفًا آخر. أما النفس المستعدة فإنّ إشراق تلك المعارف فيها يوجب انفتاح أبواب جديدة من الوجود، وتتكشّف لها معانٍ مطابقة لفطرتها واستعدادها.
وعلى ضوء ذلك، يظهر أنّ الكمال لا ينفصل عن الجمال، لأنّ الجمال عند التحقيق هو كمال الظهور وتوافق مراتب الوجود على نحو ينسجم فيه الباطن مع الظاهر. فكلما ازداد ظهور حقيقة الشيء وتمام انسجامه في نظام الوجود، كان نصيبه من الجمال أعظم. ومن هنا وصف القرآن خلق الله بالحُسن والإتقان، ونبّه على أنّ كل ما في العالم من آية أو مشهد هو تجلٍّ لاسم من أسماء الله الحسنى.
وهذا الارتباط بين الجمال والكمال هو نفسه الذي تقوم عليه نظريّة التجلّي عند العرفاء والحكماء. فإنّ فعل الله تعالى فعل صادر عن ذات بسيطة غير مركبة، فلا يتطرق إليه نقص ولا يتجزّأ بتجزّؤ الآثار. وحيث إنّ الذات الإلهية واجبة الوجود، قائمة بذاتها، لا حدّ فيها ولا جهة، فإنّ أثرها الأول هو الوجود المنبسط المتصل الذي يعبّر عنه بعضهم بالحقيقة المحمدية أو العقل الأول. وهذا الأثر الأول هو أقرب الموجودات إلى مبدأ الوجود، وفيه تتجلّى أعظم الأسماء الإلهية بنحو الوحدة والتمام.
ومن هذا الأصل يتدرّج الوجود في مراتبه المختلفة. والعالم بكلّ ما فيه ليس حادثًا عبثيًا، بل هو نظام قائم على الحكمة، تسري في أجزائه سنن ثابتة، وتجمعه ربوبية واحدة. وقد تنبّه بعض الحكماء إلى أنّ العالم على ما هو عليه يجري على مقتضى ذلك النظام الكامل، وأنّ تصوّر عالم آخر أشدّ إحكاماً من هذا العالم يتنافى مع كون الفاعل هو الله الكامل من كل وجه. فإذا كان الوجود ممكنًا في صورة أكمل من صورته الحاضرة لكان عدم ظهوره دليلاً على عدم تمامية الفيض أو القابل، وكلاهما محال.
وفي هذا المقام يظهر موقع الإنسان الكامل، وهو الإنسان الذي بلغ الغاية القصوى من ظهور حقيقة الإنسانية، حتى صار مرآةً صافية تنعكس فيها الأسماء الإلهية على نحو جامع. وهذا الإنسان هو التجلي الأوضح للفيض الأول، وهو قطب دائرة الوجود الإنساني. وقد عبّر القرآن عن هذا المقام بلسان النبوّة والاصطفاء، فجعل النبيّ هو شاهد الأمة ونورها وربّانها إلى الله، وجعل علمه وهدايته مظهراً للعلم الإلهي والهداية الربانية.
وبهذا الاعتبار، يظهر أن الخلافة الإلهية، وحمل الأمانة، وكون الإنسان هو المخلوق المكرّم، ليست معاني اعتبارية أو أوصافًا عارضة، بل هي إشارات إلى مقام الإنسانية حين تبلغ كمالها الخاص الذي أراده الله. والذي يقوم بهذا المقام إنما هو الإنسان الكامل، لأنه وحده الذي تجتمع فيه مراتب الوجود على نحو تنسجم فيه الصورة الإنسانية مع غايتها العليا.
وهكذا تتضح الصلة بين العرفان والقرآن: فكلاهما يتحدث عن إنسان له قابلية فطرية للترقي، وغايةٌ تؤهله لأن يكون آيةً من آيات الله. ومن خلال هذا الفهم يتبيّن أنّ بقاء الشريعة وهداية الناس وتكميلهم مرتبط بوجود من يجسّد هذا المقام ويتلقّى الحقائق في أعلى درجاتها، فيكون حجّة الله على خلقه، ودليلاً لهم في سلوكهم إلى ربهم، ومظهراً لحقيقة الكمال الإنساني كما أرادها الله تعالى.
❤10
” فللمعاشرةِ أحكام، وللصداقة أحكام، وللخلّة أحكام، و لكلّ من المحبّة والعشق والوجد والوله وما يسمّى فناء، أحكام اخرى؛ وكلّ حكم مختصٌ بمرتبة نفسه، لا يتعدّاها إلى غيرها أبدا.
والمحصل أنّ الشرايع الإلهية، وخاصة الشريعة الإسلامية، تروم فى جميعِ جزئيات الأمور وكلّيّاتها، نحو غرضها المذكور؛ وهو توجيهُ وجهِ الإنسان للّه، وصرفه إليه -سبحانه-.
وذلك بتكوين الملكاتِ والأحوال المُناسبة لذلك، بواسطةِ الدعوة الى الإعتقادات الحقّة، والأعمال المولدةِ للحالاتِ الزاكية النفسانيّة الموصلة الى الملكات المقدسةِ.“
~العلامة الطباطبائي، رسالةُ الولايةِ.
والمحصل أنّ الشرايع الإلهية، وخاصة الشريعة الإسلامية، تروم فى جميعِ جزئيات الأمور وكلّيّاتها، نحو غرضها المذكور؛ وهو توجيهُ وجهِ الإنسان للّه، وصرفه إليه -سبحانه-.
وذلك بتكوين الملكاتِ والأحوال المُناسبة لذلك، بواسطةِ الدعوة الى الإعتقادات الحقّة، والأعمال المولدةِ للحالاتِ الزاكية النفسانيّة الموصلة الى الملكات المقدسةِ.“
~العلامة الطباطبائي، رسالةُ الولايةِ.
❤18
Forwarded from آراءُ أهل الحكمةِ
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
يقول الكاتب والمؤرخ الانجليزي مايكل اكسوورثي إن أكثر شيء حيره على باب الطائرة الفرنسية قبل إقلاع السيّد الخميني من باريس الى طهران عام 1979 هو عندما سأله صحفي فرنسي ما هو شعورك؟ قال له: لا أشعر بشيء !
كيف لا يشعر بشيء؟ ربما يتم استهداف الطائرة وتسقط في المحيط، ربما الملايين بانتظاره في المطار كيف لا يشعر بشيء؟
تذكر أكسوورثي أن السيّد الخميني عرفانيٌّ و[ الانسان الكامل] بحسب الشيخ الأكبر ابن عربي هو الذي يتغلب على الشعور الشخصي، يقوم بكل ما يلزم للتغلب على الذات ثم حين يصل الى [ الكمال] يصبح العالم كله تحت تصرفه، لهذا لم يتفاجئ السيّد الخميني حين حملت الجماهير سيارته الى مقبرة شهداء الثورة في بهشت زهرا فور وصوله.
كيف لا يشعر بشيء؟ ربما يتم استهداف الطائرة وتسقط في المحيط، ربما الملايين بانتظاره في المطار كيف لا يشعر بشيء؟
تذكر أكسوورثي أن السيّد الخميني عرفانيٌّ و[ الانسان الكامل] بحسب الشيخ الأكبر ابن عربي هو الذي يتغلب على الشعور الشخصي، يقوم بكل ما يلزم للتغلب على الذات ثم حين يصل الى [ الكمال] يصبح العالم كله تحت تصرفه، لهذا لم يتفاجئ السيّد الخميني حين حملت الجماهير سيارته الى مقبرة شهداء الثورة في بهشت زهرا فور وصوله.
❤7🕊1
الجمالُ في الفلسفة الإلهية:
إنّ من أعظم موارد الاشتباه في فهم الدين أن يُجعل الحسّ ميزانًا للحقيقة، وأن تُقاس القيم الوجودية بما تلذّه الطباع أو تنفر منه المشاعر.
وهذا الاشتباه هو بعينه ما جاءت الهداية الإلهية لرفعه، لا لتكريسه.
فإنّ الجمال – في النظر الديني القرآني– ليس وصفًا حسّيًا تابعًا للصورة، ولا أثرًا نفسيًا تابعًا للذة، بل هو مرتبة وجودية تتبع القرب من الحق أو البعد عنه.
وما كان أقرب إلى الحق كان أجمل في نفسه، وإن استقبحه الحسّ، وما كان أبعد عنه كان أقبح في حقيقته، وإن استلذّه الطبع.
ومن هنا، لم تكن الدنيا في منطق الوحي دار استقرار للجمال، بل دار امتحان لمعاييره؛ إذ يُعرض على الإنسان فيها ما تأنف منه نفسه، ليكون عند الله في أعلى مراتب القبول، ويُزيَّن له فيها ما تميل إليه شهوته، ليكون في الميزان الإلهي من أبغض الأشياء.
ولهذا قيل في ريح فم الصائم – وهو أمرٌ تنفر منه الحواس – إنه أطيب عند الله من المسك، لا لأن القبح صار جمالًا حسّيًا، بل لأن الميزان قد تبدّل: فلم يعد الحُسن حُسنَ صورة، بل حُسنَ طاعة، ولم يعد القبح قبحَ هيئة، بل قبحَ مخالفة.
وكذلك البكاء من خشية الله، فالبكاءُ في ظاهر الحسّ انكسار وضعف،. وفي باطن الحقيقة تجلٍّ للنفس عند مقام العبودية، ولا جمال أعلى من انكشاف العبد لحقيقته بين يدي ربه.
وكذلك السجود، وهو أخفض هيئة للجسد، وأعلى مرتبة للروح، إذ لا يرتفع الإنسان عند الله إلا بمقدار ما يسقط عن دعوى الاستقلال.
وكذلك الزهد، فإنه في ظاهر الدنيا حرمان، وفي باطنه تحرّر، ولا جمال للنفس مع التعلّق، كما لا قبح لها مع الانفكاك.
وكذلك العفّة، فإن الشهوة قد تلبس لباس الجمال الحسي، لكنها إذا خرجت عن حدّها صارت تشويهًا للوجود الإنساني، بينما ضبطها – وإن بدا قسرًا – هو عين التناسق الباطني.
فليس كل ما لذّ جميلًا، ولا كل ما آلم قبيحًا، وإنما الجميل ما وافق الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها.
ومن هنا يظهر أن الجمال الأخروي ليس امتدادًا للجمال الدنيوي الحسي، بل هو انكشاف لحقيقته بعد سقوط الحجاب، وأن الحسّ إنما هو أداة امتحان، لا معيار حكم.
فالعقل إذا اقتصر على الحسّ ضاق عن إدراك الحكمة، وإذا استنار بالوحي أدرك أن للجمال باطنًا كما للوجود باطنًا، وأن ما عند الله لا يُقاس بما عند الناس.
وهذه هي النقلة الكبرى التي أحدثها الإسلام: أن نقل الإنسان من عبادة الصورة إلى شهود المعنى، ومن الانقياد للذوق إلى الانقياد للحق.
إنّ من أعظم موارد الاشتباه في فهم الدين أن يُجعل الحسّ ميزانًا للحقيقة، وأن تُقاس القيم الوجودية بما تلذّه الطباع أو تنفر منه المشاعر.
وهذا الاشتباه هو بعينه ما جاءت الهداية الإلهية لرفعه، لا لتكريسه.
فإنّ الجمال – في النظر الديني القرآني– ليس وصفًا حسّيًا تابعًا للصورة، ولا أثرًا نفسيًا تابعًا للذة، بل هو مرتبة وجودية تتبع القرب من الحق أو البعد عنه.
وما كان أقرب إلى الحق كان أجمل في نفسه، وإن استقبحه الحسّ، وما كان أبعد عنه كان أقبح في حقيقته، وإن استلذّه الطبع.
ومن هنا، لم تكن الدنيا في منطق الوحي دار استقرار للجمال، بل دار امتحان لمعاييره؛ إذ يُعرض على الإنسان فيها ما تأنف منه نفسه، ليكون عند الله في أعلى مراتب القبول، ويُزيَّن له فيها ما تميل إليه شهوته، ليكون في الميزان الإلهي من أبغض الأشياء.
ولهذا قيل في ريح فم الصائم – وهو أمرٌ تنفر منه الحواس – إنه أطيب عند الله من المسك، لا لأن القبح صار جمالًا حسّيًا، بل لأن الميزان قد تبدّل: فلم يعد الحُسن حُسنَ صورة، بل حُسنَ طاعة، ولم يعد القبح قبحَ هيئة، بل قبحَ مخالفة.
وكذلك البكاء من خشية الله، فالبكاءُ في ظاهر الحسّ انكسار وضعف،. وفي باطن الحقيقة تجلٍّ للنفس عند مقام العبودية، ولا جمال أعلى من انكشاف العبد لحقيقته بين يدي ربه.
وكذلك السجود، وهو أخفض هيئة للجسد، وأعلى مرتبة للروح، إذ لا يرتفع الإنسان عند الله إلا بمقدار ما يسقط عن دعوى الاستقلال.
وكذلك الزهد، فإنه في ظاهر الدنيا حرمان، وفي باطنه تحرّر، ولا جمال للنفس مع التعلّق، كما لا قبح لها مع الانفكاك.
وكذلك العفّة، فإن الشهوة قد تلبس لباس الجمال الحسي، لكنها إذا خرجت عن حدّها صارت تشويهًا للوجود الإنساني، بينما ضبطها – وإن بدا قسرًا – هو عين التناسق الباطني.
فليس كل ما لذّ جميلًا، ولا كل ما آلم قبيحًا، وإنما الجميل ما وافق الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها.
ومن هنا يظهر أن الجمال الأخروي ليس امتدادًا للجمال الدنيوي الحسي، بل هو انكشاف لحقيقته بعد سقوط الحجاب، وأن الحسّ إنما هو أداة امتحان، لا معيار حكم.
فالعقل إذا اقتصر على الحسّ ضاق عن إدراك الحكمة، وإذا استنار بالوحي أدرك أن للجمال باطنًا كما للوجود باطنًا، وأن ما عند الله لا يُقاس بما عند الناس.
وهذه هي النقلة الكبرى التي أحدثها الإسلام: أن نقل الإنسان من عبادة الصورة إلى شهود المعنى، ومن الانقياد للذوق إلى الانقياد للحق.
❤11👏1🕊1🫡1
” النقطةُ التي أشار إليها أميرُ المؤمنينَ(ع) في خطبةٍ له في نهجِ البلاغةِ وهي أنّ سبب بعثة النبيّ والأنبياء العظام الإلهيّين هو: "ليستأدوهم ميثاق فطرتهِ ويذكّروهم منسيّ نعمته ... ويثيروا لهم دفائن العقول".
فأشارَ إلى ضرورةِ إرجاعِ البشر إلى الفطرةِ الإنسانيّة، وأصل الخلقةِ المتلازمةِ مع الشّرف والكرامة؛ ويذكّرونهم تلك النّعم الإلهيّة التي نُسيت، ويبعثون ما دُفن من العقول من جديد. “
~السيّد علي الحسينيّ الخامنئي
فأشارَ إلى ضرورةِ إرجاعِ البشر إلى الفطرةِ الإنسانيّة، وأصل الخلقةِ المتلازمةِ مع الشّرف والكرامة؛ ويذكّرونهم تلك النّعم الإلهيّة التي نُسيت، ويبعثون ما دُفن من العقول من جديد. “
~السيّد علي الحسينيّ الخامنئي
❤10
يمكن التأمل في مسار الفكر الإنساني لنجد أن ما يعتريه من انحراف أو تشويه يرجع في كثير من الأحيان إلى تغيّر موقعه ووظيفته، لا إلى خللٍ في حقيقته. فالفكر حين يُستدعى ليؤدي دور التزيين والتبرير يفقد قدرته على الكشف والهداية، ويغدو تابعًا للواقع بعد أن كان ميزانًا له. وهذه الظاهرة تتكرر في التاريخ كلما طُلب من العقل أن ينسجم مع القائم من الشؤون، لا أن يقف حياله موقف المحاسبة والتقويم.
والعقل، كما تبيّنه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يظهر بوصفه نورًا به تُدرك الحقائق، وبه تقوم الحجة على الإنسان، وبه يتمايز الحق عن الباطل. فهو القوة التي يتحدد بها معنى المسؤولية، وتتأسس بها أهلية التكليف. وقد عبّرت النصوص عن هذه الحقيقة بقولها إن العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان، في إشارة إلى أن العقل متصل بالغاية الوجودية للإنسان، ومتجه بطبيعته نحو الحق والكمال.
ومن هذا المنظار يتضح أن العقل مرتبط بالقيم والكليات العليا ارتباطًا ذاتيًا، وأن عمله لا يستقيم إلا في ضوئها. فإذا انقطع عن هذا الأفق تحوّل إلى رأي، والرأي يعكس حركة عقلية تدور مع الجزئيات والظروف، وتقيس الأمور بمقاييس المنفعة والملاءمة الآنية. وهذا هو المعنى الذي استهدفته النصوص الناقدة للرأي، حيث تناولت هذا اللون من التفكير الذي يفقد ثباته ومعياريته، ولا تعرّضت للعقل من حيث هو عقل وحجة.
ويظهر من ذلك أن العقل الممدوح هو الذي يجعل الحق معيارًا للواقع، ويقيس الوقائع بمقياس العدل، ولا يمنح الشرعية لمجرد الغلبة أو الشيوع. فالعقل في هذا الأفق يملك وظيفة نقدية، تحفظ له استقلاله، وتمنحه القدرة على المساءلة. وبهذا المعنى تتحدد العلاقة بين العقل والسلطة، حيث تكون علاقة تقويم ومحاسبة، تقوم على تقديم المعيار على المصاديق، والحق على الأشخاص، والمعنى على الصورة.
ويمتد دور العقل، في هذا الفهم، إلى ما هو أعمق من تنظيم الشأن الاجتماعي أو السياسي، إذ ينفتح على أفق وجودي تتكشف فيه مراتب الأشياء. فالعقل المستنير بالوحي يدرك أن للظواهر وجوهًا باطنة، وأن القيم لا تُقاس بما تستحسنه الحواس أو تنفر منه الطباع. ومن هنا يمكن أن يظهر الفعل في صورة غير محبوبة حسًّا، بينما يحمل في باطنه قيمة عالية ومعنى راقيًا، كما يمكن أن تخفى حكمة بعض الأحكام عن الإدراك التفصيلي، مع اندراجها في نظام كلي محكم.
وعلى هذا الأساس يُفهم أن عدم الإحاطة بعلل بعض التشريعات يشير إلى حدود النظر الجزئي، ولا يدل على فراغ هذه التشريعات من الحكمة. كما يتضح أن حصر الحكمة في التعليلات الظاهرة، الطبية أو الاجتماعية، يكشف جانبًا محدودًا من الحكم، دون أن ينفذ إلى أثرها الأعمق، حيث تتكوّن الملكات النفسية، ويُعاد بناء الإنسان من الداخل وفق نظام قيمي متكامل.
وتتجلّى المأساة الفكرية حين يُنزَع العقل من هذا الموقع، ويُعاد توظيفه في خدمة الواقع القائم، فيتحول من أداة كشف إلى وسيلة تبرير. فإحياء العقل يتحقق بإعادته إلى موضعه الطبيعي بوصفه حجة وميزانًا، وقوة هداية تتجه نحو الكليات العليا، وتستمد فاعليتها من اتصالها بالحق الذي به يقوم المعنى والوجود.
والعقل، كما تبيّنه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يظهر بوصفه نورًا به تُدرك الحقائق، وبه تقوم الحجة على الإنسان، وبه يتمايز الحق عن الباطل. فهو القوة التي يتحدد بها معنى المسؤولية، وتتأسس بها أهلية التكليف. وقد عبّرت النصوص عن هذه الحقيقة بقولها إن العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان، في إشارة إلى أن العقل متصل بالغاية الوجودية للإنسان، ومتجه بطبيعته نحو الحق والكمال.
ومن هذا المنظار يتضح أن العقل مرتبط بالقيم والكليات العليا ارتباطًا ذاتيًا، وأن عمله لا يستقيم إلا في ضوئها. فإذا انقطع عن هذا الأفق تحوّل إلى رأي، والرأي يعكس حركة عقلية تدور مع الجزئيات والظروف، وتقيس الأمور بمقاييس المنفعة والملاءمة الآنية. وهذا هو المعنى الذي استهدفته النصوص الناقدة للرأي، حيث تناولت هذا اللون من التفكير الذي يفقد ثباته ومعياريته، ولا تعرّضت للعقل من حيث هو عقل وحجة.
ويظهر من ذلك أن العقل الممدوح هو الذي يجعل الحق معيارًا للواقع، ويقيس الوقائع بمقياس العدل، ولا يمنح الشرعية لمجرد الغلبة أو الشيوع. فالعقل في هذا الأفق يملك وظيفة نقدية، تحفظ له استقلاله، وتمنحه القدرة على المساءلة. وبهذا المعنى تتحدد العلاقة بين العقل والسلطة، حيث تكون علاقة تقويم ومحاسبة، تقوم على تقديم المعيار على المصاديق، والحق على الأشخاص، والمعنى على الصورة.
ويمتد دور العقل، في هذا الفهم، إلى ما هو أعمق من تنظيم الشأن الاجتماعي أو السياسي، إذ ينفتح على أفق وجودي تتكشف فيه مراتب الأشياء. فالعقل المستنير بالوحي يدرك أن للظواهر وجوهًا باطنة، وأن القيم لا تُقاس بما تستحسنه الحواس أو تنفر منه الطباع. ومن هنا يمكن أن يظهر الفعل في صورة غير محبوبة حسًّا، بينما يحمل في باطنه قيمة عالية ومعنى راقيًا، كما يمكن أن تخفى حكمة بعض الأحكام عن الإدراك التفصيلي، مع اندراجها في نظام كلي محكم.
وعلى هذا الأساس يُفهم أن عدم الإحاطة بعلل بعض التشريعات يشير إلى حدود النظر الجزئي، ولا يدل على فراغ هذه التشريعات من الحكمة. كما يتضح أن حصر الحكمة في التعليلات الظاهرة، الطبية أو الاجتماعية، يكشف جانبًا محدودًا من الحكم، دون أن ينفذ إلى أثرها الأعمق، حيث تتكوّن الملكات النفسية، ويُعاد بناء الإنسان من الداخل وفق نظام قيمي متكامل.
وتتجلّى المأساة الفكرية حين يُنزَع العقل من هذا الموقع، ويُعاد توظيفه في خدمة الواقع القائم، فيتحول من أداة كشف إلى وسيلة تبرير. فإحياء العقل يتحقق بإعادته إلى موضعه الطبيعي بوصفه حجة وميزانًا، وقوة هداية تتجه نحو الكليات العليا، وتستمد فاعليتها من اتصالها بالحق الذي به يقوم المعنى والوجود.
❤5🕊1
” فالظاهر أن مرض القلب في عُرف القرآن هو الشك والريب المستولي على إدراك الإنسان فيما يتعلق بالله وآياته، وعدم تمكّن القلب من العقد على عقيدة دينية.
فالذين في قلوبهم مرضٌ، بحسب طبع المعنى، هم ضعفاء الإيمان الذين يُصغون إلى كل ناعق، ويميلون مع كل ريح، دون المنافقين الذين أظهروا الإيمان واستبطنوا الكفر رعاية لمصالحهم الدنيوية ليستدرّوا المؤمنين بظاهر إيمانهم والكفّار بباطن كفرهم. “
~العلامة السيّد الطباطبائي.
فالذين في قلوبهم مرضٌ، بحسب طبع المعنى، هم ضعفاء الإيمان الذين يُصغون إلى كل ناعق، ويميلون مع كل ريح، دون المنافقين الذين أظهروا الإيمان واستبطنوا الكفر رعاية لمصالحهم الدنيوية ليستدرّوا المؤمنين بظاهر إيمانهم والكفّار بباطن كفرهم. “
~العلامة السيّد الطباطبائي.
❤16