آراءُ أهل الحكمةِ
895 subscribers
542 photos
37 videos
70 files
6 links
واعلم أيِّدكَ اللَّه أنَّ وَادي الحِكمةِ يَتقدسُ عن أنْ يَلجهُ من كان مرتدياً لنعليِّ الشهوةِ والغضبِ.
Download Telegram
” أمريكا قويةٌ لسببينِ فقط: تبحثُ عن خونةِ وطنِها فتعاقِبهم، وتبحثُ عن خَونة الدُولِ الأُخرَى فتَستثمِرهُم. “

~هينري كيسنجر.
9👏5🔥1
” إنّ الإنسان ما دام يعتمد على نفسه، يخاف، ويتردد، ويضعف، ويحسب للمستقبل ألف حساب؛ لأنه يعرف أن قوته محدودة، وأن عمره قصير، وأن قلبه يتقلب. أما إذا فوّض أمره إلى الله حقًا، لا لفظًا، رأى من اللطف ما يحيّر العقول، ومن الفتح ما يبدل الأحوال، ومن السكينة ما يطمئن به قلبه في أشد الظروف.
وكل بلاء أصاب الإنسان فهو من اعتماده على نفسه، وكل فرج نزل عليه فهو من اعتماده على ربه. فمن عرف هذه الحقيقة، عاش مطمئنًا، ولو كان في وسط العواصف، ومَن جهلها عاش قلقًا ولو كان في قصور الدنيا.
واجعل لنفسك وردًا من القرآن، فإنّ القرآن دواء للقلوب، ومنبع للطمأنينة، وسراج يبدد ظلمات الحياةِ. أهل الدنيا إذا ضاقت بهم الأحوال لجأوا إلى النوم، وأهل الله إذا ضاقت بهم الأحوال لجأوا إلى القرآن، فوجدوا فيه السلوى والشفاء والجبر. “

~ الشيخ العارف محمد تقيّ بهجت.
19
إن التأمل في تاريخ ما يُسمّى بـ النظام الدولي يكشف بوضوح أن هذا النظام لم يقم في أي طور من أطواره على أصلٍ ثابتٍ أو مبدأٍ كليٍّ من مبادئ العدالة، بل نشأ وتحوّل تبعًا لغلبة القوة وتشكل المصالح، ثم أُلبس لباس القانون بعد تحقق الواقع لا قبله.
فالنظام الويستفالي، الذي جُعل أساسًا لسيادة الدولة القومية، لم يكن نتيجة إدراكٍ نظري لمعنى السيادة، بل ثمرة توازنٍ خاصٍّ بين قوى أوروبية متنازعة. ومن هنا، فإن السيادة لم تكن حقيقةً واحدةً شاملة، بل كانت مقسومة واقعًا: سيادة فعلية للقوى الكبرى، واعترافًا لفظيًا لغيرها. وهذا التفريق بين الصورة والحقيقة لازم هذا النظام منذ نشأته.
وحين حاولت عصبة الأمم الانتقال من واقع الغلبة إلى مبدأ القانون، ظهر التناقض الجوهري بين الدعوى والمصداق؛ إذ لا يقوم القانون، في منطق الاجتماع البشري، إلا على قوة تحفظه أو على مبدأ تتفق عليه النفوس. ولما لم يتوفر هذا ولا ذاك، انهار البناء عند أول اختبار تاريخي، وعادت العلاقات الدولية إلى أصلها القهري، حيث حُسمت الأمور بالقوة المؤدلجة لا بالقاعدة القانونية.
وفي هذا السياق، انتقلت السيادة من كونها صفةً للدولة إلى كونها صفةً للأيديولوجيا، فتشكّلت ثلاثة معسكرات كبرى، كلٌّ منها يدّعي تمثيل الحقيقة النهائية للتاريخ. ولم تكن الحرب العالمية الثانية إلا فصلًا من فصول التنازع بين هذه التصورات الكلية، انتهى بإقصاء أحدها، لا بإعادة الاعتبار لمبدأ قانوني متعالٍ.
أما النظام الذي أُقيم بعد الحرب، ممثلًا في الأمم المتحدة، فقد حافظ على صورة السيادة، لكنه فرّغها من مضمونها، إذ أصبحت الدول تابعة في واقعها لأحد قطبين متقابلين. فكان القانون موجودًا في اللفظ، وغائبًا في الفعل، واستمر هذا الوضع ما دامت الثنائية القطبية قائمة.
فلما انهار أحد القطبين، لم يظهر نظام قانوني جديد، بل برزت أحادية قهرية ادّعت الكونية، وسعت إلى فرض نموذج واحد للإنسان والمجتمع والسياسة، باسم الحرية تارة، وباسم النظام العالمي تارة أخرى. وفي هذا الإطار، لم تعد الدولة القومية غاية، ولا الأمم المتحدة مرجعًا، بل أصبحتا أدوات مرحلية في مشروع يتجاوزهما.
غير أن هذا المسار لم يبلغ غايته، لأن سنن التاريخ لا تجري على خط مستقيم. فقد ظهر من جديد تعدد في مراكز القوة، يستند لا إلى المصالح وحدها، بل إلى اختلافات حضارية عميقة، أعادت طرح سؤال النظام العالمي من أساسه. إلا أن هذا التعدد، وإن تحقق في الخارج، لم يُصَغ بعد في صورة مبدأٍ منظم أو قانون جامع.
ومن هنا نشأ الوضع الراهن، حيث تتراكب عدة تصورات متناقضة للشرعية والسيادة، دون أن يهيمن واحد منها هيمنة تامة. وهذا التراكب لا يدل على التوازن، بل على مرحلة انتقال واضطراب، يكون فيها الصراع أقرب إلى القاعدة منه إلى الاستثناء.
والخلاصة أن العالم اليوم لا يفتقر إلى القوانين من حيث الكثرة، بل يفتقر إلى قانونٍ ذي أصل، يستند إلى رؤية واضحة للإنسان والعالم والتاريخ. ومن لم يؤسس نظامه على هذا الأصل، فإنه — بحكم السنن — سيقع تحت نظام غيره، لا عن اختيار، بل عن ضرورة.
فالقضية، في جوهرها، ليست قضية سياسة دولية فحسب، بل قضية تصور كوني للوجود الإنساني: هل هو واحدٌ يُفرض بالقوة، أم متعددٌ تُنظمه الحكمة؟
وعلى الجواب عن هذا السؤال يتوقف شكل العالم القادم.
5👏2
” الخلقُ حِجابُك عن نفسِك، ونفسُك حجابُك عن ربِك. ما دُمت ترى الخَلق لا ترى نفسَك، وما دُمت ترى نفسَك لا تَرى ربَّك. “

~ الشيخُ عبد القَادر الجيِلاني.
10🕊7
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
مقتطفٌ من لقاءٍ للمُفكر الروسيّ ألكسندر دوغين...
يتحدثُ فيه عن نظام ولاية الفقيهِ الحاكمِ في الجمهورية الإسلامية في إيران، واصفًا إياهُ بالنظام السياسي العرفانيّ [ mystical system]
3
يمكن وصف الاحتجاجات التي تحدث في الجمهورية الاسلامية في إيران؛ خاصة تلك التي اتخذت طابعًا تخريبيًا، بأنها لا تندرج ضمن الديناميات الاجتماعية الطبيعية للاعتراض، بل تتقاطع مع مشاريع سياسية خارجية واضحة تسعى إلى إضعاف بنية الدولة الإيرانية نفسها، لا إلى إصلاحها.
من الناحية السوسيولوجية والسياسية، يبرز حضور تيارات شاهنشاهية قومية فارسية داخل هذه التحركات، وهي تيارات تحمل تصورًا للدولة يستند إلى الحنين إلى الملكية المركزية المتحالفة تاريخيًا مع الغرب. هذا التيار لا يمتلك قاعدة اجتماعية واسعة داخل إيران، لكنه يحظى بدعم إعلامي وسياسي خارجي، خصوصًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، بوصفه أداة ضغط وظيفية أكثر منه بديلًا حقيقيًا للحكم.
إعادة طرح حفيد الشاه في هذا السياق تؤكد هذا البعد الوظيفي، إذ يُقدَّم كشخصية رمزية منزوعة السيادة، منسجمة مع الرؤية الصهيونية ـ الأمريكية للمنطقة.
في المقابل، يمكن توصيف الجمهورية الإسلامية كنموذج دولة سيادية ذات أيديولوجيا مؤسسة، تجمع بين الشرعية الثورية، والدعم الشعبي الدوري عبر الانتخابات، وبنية مؤسساتية مستقرة نسبيًا. ورغم التحديات الاقتصادية الواضحة، فإن النظام استطاع خلال عقود الحصار تطوير قدرات استراتيجية في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا، والتصنيع، ما جعله فاعلًا إقليميًا مستقل القرار.
العقوبات الأمريكية، وفق هذا المنظور، لا تُفسَّر كرد فعل على إخفاق داخلي، بل كأداة لاحتواء نموذج سياسي يرفض الاندماج في النظام الدولي الغربي بشروط التبعية.
الفرق الجوهري بين النظام الشاهنشاهي السابق والنظام الإسلامي الحالي لا يكمن فقط في الشكل السياسي [ ملكية مقابل جمهورية ] بل في طبيعة العلاقة مع الخارج. فالشاهنشاهية كانت تقوم على الاندماج التام في المنظومة الغربية، مع دور أمني إقليمي محدد، في حين يقوم النظام الحالي على مبدأ الاستقلال الاستراتيجي ورفض الوصاية، حتى وإن كان ذلك على حساب النمو الاقتصادي السريع. هذا الخيار أنتج كلفة اجتماعية واقتصادية، لكنه في الوقت نفسه حافظ على تماسك الدولة ووحدتها.
إن قيادة السيد علي الخامنئي يمكن فهمها في هذا السياق بوصفها عامل استمرارية للنموذج، لا مجرد إدارة سياسية آنية. فدوره يتمثل في ضبط التوازن بين متطلبات البقاء الداخلي وضغوط البيئة الدولية، مع الحفاظ على الخطوط الحمراء المتعلقة بالسيادة والأمن القومي. وهذا ما يفسر قدرة النظام على امتصاص الأزمات المتكررة دون انهيار بنيوي.
أما سيناريو سقوطه - لا سمح الله- فهو سيناريو كارثي ليس على البلد فحسب، بل على المنطقة ككل. فإيران دولة متعددة القوميات والأقاليم، وأي تفكيك للسلطة المركزية مع عدم وجود بديل مؤسسي قوي سيؤدي إلى تفكك داخلي وصراعات أهلية، مع تداعيات مباشرة على الشرق الأوسط بأكمله. لذلك، فإن بقاء الجمهورية الإسلامية لا يُقرأ فقط كخيار أيديولوجي، بل كعامل استقرار نسبي في معادلة إقليمية شديدة الحساسية.
👏65
الذي يظهر في الصورة هو آية الشهيد السيد محمد بهشتي، أحد الأعمدة الفكرية والتنظيمية في المرحلة التأسيسية للثورة الإسلامية في إيران، وركنٌ أساسي في تشكّل بنية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد انتصارها، ولا يقل شأنًا عن قائد الثورة نفسها [ الإمام الخميني ]
أغتيل السيد بهشتي سنة 1981 - أي بعد سنيتن من انتصار الثورة - في التفجير الذي استهدف مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، وأسفر عن خسارة عدد كبير من قيادات الصف الأول، وجاء في لحظة كانت فيها الجمهورية الإسلامية تواجه ضغطًا مركّبًا: حربًا شاملة مفروضة من الخارج [ الحرب الإيرانية العراقية ] وحصارًا سياسيًا واقتصاديًا، ومحاولات اختراق داخلي اعتمدت الاغتيال المنهجي وسيلة لإحداث تفكك بنيوي في الدولة الناشئة. وقد تلا ذلك اغتيال رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنمر، ما مثّل ذروة الاستهداف المباشر لهرم السلطة.
ورغم كل هذه الضربات القاسية، إلا أن الوقائع تكشف عن نمط خاص من التكوين السياسي، تميّزت به الجمهورية الإسلامية منذ عهد الإمام السيد الخميني، الأمر الذي أبقاها صامدة، فالنظام الجديد لم يُبنَ على مركزية الفرد بوصفه عنصرًا مستقلًا، وإنما على مركزية المرجعية العقائدية التي تنتظم ضمنها الأدوار والمؤسسات. وبهذا المعنى، فإن موت القادة، على جسامته، لم يؤدِّ إلى تعطيل المسار العام، بل أعاد تفعيله ضمن نفس الإطار القيمي.
لقد تشكّل الجيل الثوري الأول على أساس فهمٍ واضح لمعنى التكليف، حيث جرى دمج البعد الديني بالبعد السياسي ضمن رؤية واحدة. وفي هذا السياق، لم تُفهم الشهادة أو اغتيال القادة بوصفها خسارة تشغيلية، بل باعتبارها جزءًا من منطق الاستمرار، الأمر الذي أتاح للنظام إعادة إنتاج النخب القيادية دون انقطاع وظيفي أو اهتزاز شرعي.
إن استمرار الجمهورية الإسلامية بعد كل الضربات المكثّفة لا يمكن تفسيره بالمعايير الإجرائية للدولة الحديثة وحدها، بل يتطلب إدراجه ضمن منطق الثورة الإسلامية بوصفها حركة ذات أساس اعتقادي. فالتماسك الذي أظهره النظام كان نتيجة انسجام داخلي بين المرجعية، والمؤسسات، والقاعدة الشعبية، وهو انسجام تعزّز بفكر الإمام الخميني الذي ربط الشرعية السياسية بالالتزام بمشروع الثورة.
3
” فَهَبْني صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ، فَكَيْفَ أصْبِرُ عَلى فِراقِك “
12😢1
” يَا هِشَامُ قَالَ اَللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَعَظَمَتِي وَقُدْرَتِي وَبَهَائِي وَعُلُوِّي فِي مَكَانِي لاَ يُؤْثِرُ عَبْدٌ هَوَايَ عَلَى هَوَاهُ إِلاَّ جَعَلْتُ اَلْغِنَى فِي نَفْسِهِ وَهَمَّهُ فِي آخِرَتِهِ“

~ من وصيّة الإمام موسى الكاظم (ع) لهِشام بن الحَكم.
15😢1
” إنّ تمامَ الخلق إنّما هو مقدّمةٌ لخلقِ الإنسانِ.
والإنسانُ مقدّمةٌ لِماذا؟
هو مقدّمةٌ لـ معرفةِ الله وعبادةِ اللّه.
وقد انتهتِ الخليقةُ إلى بعثةِ الأنبياء ليَتَحقّقَ هذا الغرضُ الجليل؛
غيرَ أنّ بعثاتِ الأنبياء كانت ناقصةً في تمام ثمرتها، حتى تَمَّتْ واكتملت بوجودِ النبيّ الخاتم ﷺ وآله؛ فهو الذي أتمّ ثمرةَ البعثة وبلّغها غايتها.
فالنتيجةُ أنَّ عُصارةَ العالم وخلاصةَ آدم هو النبيّ الخاتم ﷺ وآله. “


~الشيخُ وحِيد الخُراسَاني.
6🕊5
” سأقولُ لك لمَاذا تبتسمُ الوردةُ الطَلقةُ؟ لأنّ صَلاتها مُستَجابةٌ منَ الرّبيعِ“

~ فريدُ الدّينِ العَطار.
11
” إذا فازَ رجلٌ في معركةٍ ألفَ رجل وأستَطاع رجلٌ آخرَ أن يهزِم نفسَه، فسيكونُ الفائزُ الأكبر ُهو الثَاني"

~ من حِكمة الزِن.
17
إنّ القلب في لسان القرآن حقيقةٌ باطنية بها يدرك الإنسان ربَّه، لا مجرد موضعٍ للانفعال. وهو محلّ الهداية إذا صفا، ومحلّ العمى إذا تراكمت عليه أدران الهوى، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾. ومن هنا كان تطهير القلب شرطًا لكلّ معرفةٍ إلهية، فإنّ النفس ما لم تُنزَّه من التعلّقات الباطلة لا تكون قابلة لنور الحق.
وأمّا العقل الذي وصفته الروايات الشريفةُ بأنّه حجّة الله الباطنة، فهو نورٌ مودَع في الإنسان، غير أنّ إشراقه موقوف على سلامة القلب الذي يتلقى آثاره. فالعقل يهدي من طريق البرهان، والقلب يشهد من طريق الحضور، ولا يستقيم أحدهما إلا بالآخر. فإذا ازداد القلب صفاءً، انكشفت له حقائق كان العقل يدركها بنورٍ أضعف؛ وإذا تكدّر، ضعف نور العقل وإن بقيت آلته.
ومن هنا صحّت كلمة أهل المعرفة [ طهّر قلبك ثمّ اتّبعه ] لأنّ القلب بعد التزكية يصير محلًّا لظهور نور العقل، وواسطةً لاهتداء الإنسان إلى مقام العبودية الذي يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾. فإذا استقر هذا الفهم زالت الأوهام التي تنشأ منها الأنانيات الضيقة، وبرزت للإنسان ذاته الحقيقية المتصلة بربّها اتصالًا لا يقطعه هوى ولا تعصّب.
10
”أيها النّاسُ، إنّ اللّهَ جلّ ذِكرهُ ما خَلقَ العِباد إلا ليَعرِفوه، فإِذَا عَرفُوه عبَدوهُ، فإذا عَبدوهُ اسْتَغنُوا بعبَادتِهِ عَن عِبادةِ من سِواهُ. “

~الإمام الحسين (ع).
19
إنّ التأمّل في التحوّلات التي يشهدها المجتمع الإنساني في هذا العصر، ولا سيّما ما يتّصل منها بمفهوم الأسرة والجنسيّة والهوية، يُظهر أنّ هذه التحوّلات ترجع في حقيقتها إلى تصوّرٍ مخصوص عن الإنسان، وإلى رؤيةٍ تحاول إعادة تحديد موقعه في نظام الوجود. فقد ظهرت في البداية دعواتٌ تحت عنوان النسويّة، ثم تدرّج الخطاب إلى إقرار زواج المثليّين والتحوّل الجنسي، في سياقٍ واحدٍ تتتابع حلقاته، ويقود في مجموعه إلى إضعاف المعنى الفطري الذي تقوم عليه حقيقة الإنسان.
والإنسان، كما يبيّنه القرآن، موجودٌ مخلوق على نظامٍ متّزن، تتكامل فيه الخِلقة مع الهداية، ويقوم على فطرةٍ أودعها الله فيه لتكون ميزانًا لمعرفة ما به صلاح حياته الفرديّة والاجتماعيّة. وهذه الفطرة ليست أمرًا اعتباريًا متغيّرًا، بل هي سنّة تكوينيّة ثابتة، دلّ عليها قوله تعالى { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}
فكان في الآية الكريمة إشارة إلى أنّ انتظام حياة الإنسان مشروط ببقاء هذا الأصل محفوظًا من التحريف.
ومن هذا المنطلق، فإنّ إعادة تعريف الذكورة والأنوثة بوصفهما معطيين قابلين للإلغاء، والنظر إلى الأسرة على أنّها تركيبٌ قابل للتفكيك، يؤدّي بطبيعته إلى زعزعة الأساس الذي تنتظم به العلاقات الإنسانيّة. ومع زوال هذا الأساس، تتبدّل المعايير التي يُقاس بها السلوك، ويتحوّل الإنسان إلى كائنٍ يتلقّى تعريفه من الخارج، بحسب ما تفرضه الثقافة الغالبة أو الرغبات السائدة.
وقد نبّه القرآن إلى هذا المسار حين ذكر أنّ من آثار الضلال التصرّف في الخِلقة على وجهٍ يُخرجها عن غاياتها
{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}
والتغيير الوارد في الآية شاملٌ للصورة والمعنى معًا، إذ إنّ العبث بالمفاهيم المؤسِّسة للوجود الإنساني يُفضي في نهايته إلى اضطرابٍ في إدراك الإنسان لنفسه ولمكانته في العالم.
ومن هنا يظهر أنّ السؤال المتكرّر في الفكر المعاصر عن حقيقة الإنسان نابعٌ من فقدان المرجعيّة التي كانت تضبط هذا المفهوم. فالإنسان، حين تنقطع صلته بالمبدأ الذي صدر عنه، يفقد وضوح غايته، ويغدو وجوده مفتوحًا على احتمالاتٍ متناقضة. وقد ربط القرآن كرامة الإنسان بتحمّله لأمانة الخلافة، فقال تعالى {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}
وقال { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}
فكانت الكرامة متفرّعة عن هذا الموقع الوجودي، لا عن مجرّد الامتلاك أو القدرة.
وعلى هذا، فإنّ المسار الذي ينتهي إلى تمييع الحدود الإنسانيّة، وإلى التشكيك في معنى الفطرة، يقود تدريجيًا إلى تفريغ الإنسان من خصوصيّته التي خُصّ بها. ومع هذا التفريغ، تتراجع معاني المسؤولية والمعنى والغاية، ويحلّ محلّها تصوّرٌ وجوديّ مضطرب، يعكس في جوهره صراعًا مع الحقيقة التي أُسِّس عليها نظام الخلق، ومع القصة الأولى للإنسان حين خُلق على معرفةٍ بربّه، وعلى عهدٍ يحفظ له إنسانيّته.
6👏1
”أفضلُ الحِكمةِ مَعرفةُ الإنسانِ نفسهُ ووُقُوفَه عندَ قدرِه.“

الإمامُ علي (ع)، ميزانُ الحِكمة.
19🕊1
إنّ المتأمّل في لغة الوحي يجد أنّ الإنسان قد خُلق على هيئة تشتمل على قابلية واسعة للترقي في مدارج الوجود. فالقرآن حين يذكر أنّ آدم قد أُسجدت له الملائكة، وحين يخبر أنه تعلّم الأسماء كلها، وحين ينصّ على أنّ الإنسان حُمل بالأمانة التي امتنعت عنها السموات والأرض، فإنما يشير إلى بنية مخصوصة أودعها الله في هذا الكائن، تجعله مهيأً لأن يكون موضع ظهورٍ لحقائق عالية تتجاوز عالم الطبيعة المحسوسة.
وهذه القابلية التي نصّت عليها الآيات لا تُدرك على أنّها خصائص منفصلة، بل هي وجه واحد من حقيقة الإنسان بما هو موجود ممتدّ بين عالمي الغيب والشهود. فالإنسان مرتبط بعالم الحس من جهة جسده، وممتدّ بعالم الأمر من جهة الروح التي نسب الله إيجادها إلى نفسه بقوله:{ونفختُ فيه من روحي}. وفي هذا الامتداد تتّسع دائرة وجوده، فيتلقّى من الحقائق العليا بقدر ما يتطهّر باطنه، وتُكشف له من الأسماء الإلهية بقدر ما يتهيّأ لها.
هذا الأصل الوجودي يحدّد معنى الكمال الإنساني. فالكمال، بحسب النظر الدقيق، هو تمام انكشاف الحقيقة الإنسانية في مراتبها الصاعدة، واتّساع قابليتها لتلقي صور العلم والمعرفة والعمل الصالح على وجه ينسجم مع الفطرة الأولى التي فُطر عليها. ومن لوازم هذا المعنى أن يكون للكمال وجهان: أحدهما ذاتي يرجع إلى أصل النفس وما هي عليه من فطرة ووجود، والآخر فعليّ يظهر بالتحصيل والتربية وتهذيب النفس واكتساب المعارف.
ولما كانت النفس في انتقالها الدائم من القوة إلى الفعل تحتاج إلى معينٍ يدلّها على طريقها، كان المرشد الكامل ركناً في سير الإنسان نحو غايته. إذ إنّ النفس الناقصة إذا واجهت المعارف العالية دون تهيّؤ وقابلية، انقلب ما تتلقّاه إلى صور مشوّشة، وربما أضافت إلى ضعفها ضعفًا آخر. أما النفس المستعدة فإنّ إشراق تلك المعارف فيها يوجب انفتاح أبواب جديدة من الوجود، وتتكشّف لها معانٍ مطابقة لفطرتها واستعدادها.
وعلى ضوء ذلك، يظهر أنّ الكمال لا ينفصل عن الجمال، لأنّ الجمال عند التحقيق هو كمال الظهور وتوافق مراتب الوجود على نحو ينسجم فيه الباطن مع الظاهر. فكلما ازداد ظهور حقيقة الشيء وتمام انسجامه في نظام الوجود، كان نصيبه من الجمال أعظم. ومن هنا وصف القرآن خلق الله بالحُسن والإتقان، ونبّه على أنّ كل ما في العالم من آية أو مشهد هو تجلٍّ لاسم من أسماء الله الحسنى.
وهذا الارتباط بين الجمال والكمال هو نفسه الذي تقوم عليه نظريّة التجلّي عند العرفاء والحكماء. فإنّ فعل الله تعالى فعل صادر عن ذات بسيطة غير مركبة، فلا يتطرق إليه نقص ولا يتجزّأ بتجزّؤ الآثار. وحيث إنّ الذات الإلهية واجبة الوجود، قائمة بذاتها، لا حدّ فيها ولا جهة، فإنّ أثرها الأول هو الوجود المنبسط المتصل الذي يعبّر عنه بعضهم بالحقيقة المحمدية أو العقل الأول. وهذا الأثر الأول هو أقرب الموجودات إلى مبدأ الوجود، وفيه تتجلّى أعظم الأسماء الإلهية بنحو الوحدة والتمام.
ومن هذا الأصل يتدرّج الوجود في مراتبه المختلفة. والعالم بكلّ ما فيه ليس حادثًا عبثيًا، بل هو نظام قائم على الحكمة، تسري في أجزائه سنن ثابتة، وتجمعه ربوبية واحدة. وقد تنبّه بعض الحكماء إلى أنّ العالم على ما هو عليه يجري على مقتضى ذلك النظام الكامل، وأنّ تصوّر عالم آخر أشدّ إحكاماً من هذا العالم يتنافى مع كون الفاعل هو الله الكامل من كل وجه. فإذا كان الوجود ممكنًا في صورة أكمل من صورته الحاضرة لكان عدم ظهوره دليلاً على عدم تمامية الفيض أو القابل، وكلاهما محال.
وفي هذا المقام يظهر موقع الإنسان الكامل، وهو الإنسان الذي بلغ الغاية القصوى من ظهور حقيقة الإنسانية، حتى صار مرآةً صافية تنعكس فيها الأسماء الإلهية على نحو جامع. وهذا الإنسان هو التجلي الأوضح للفيض الأول، وهو قطب دائرة الوجود الإنساني. وقد عبّر القرآن عن هذا المقام بلسان النبوّة والاصطفاء، فجعل النبيّ هو شاهد الأمة ونورها وربّانها إلى الله، وجعل علمه وهدايته مظهراً للعلم الإلهي والهداية الربانية.
وبهذا الاعتبار، يظهر أن الخلافة الإلهية، وحمل الأمانة، وكون الإنسان هو المخلوق المكرّم، ليست معاني اعتبارية أو أوصافًا عارضة، بل هي إشارات إلى مقام الإنسانية حين تبلغ كمالها الخاص الذي أراده الله. والذي يقوم بهذا المقام إنما هو الإنسان الكامل، لأنه وحده الذي تجتمع فيه مراتب الوجود على نحو تنسجم فيه الصورة الإنسانية مع غايتها العليا.
وهكذا تتضح الصلة بين العرفان والقرآن: فكلاهما يتحدث عن إنسان له قابلية فطرية للترقي، وغايةٌ تؤهله لأن يكون آيةً من آيات الله. ومن خلال هذا الفهم يتبيّن أنّ بقاء الشريعة وهداية الناس وتكميلهم مرتبط بوجود من يجسّد هذا المقام ويتلقّى الحقائق في أعلى درجاتها، فيكون حجّة الله على خلقه، ودليلاً لهم في سلوكهم إلى ربهم، ومظهراً لحقيقة الكمال الإنساني كما أرادها الله تعالى.
10
” فللمعاشرةِ أحكام، وللصداقة أحكام، وللخلّة أحكام، و لكلّ من المحبّة والعشق والوجد والوله وما يسمّى فناء، أحكام اخرى؛ وكلّ حكم مختصٌ بمرتبة نفسه، لا يتعدّاها إلى غيرها أبدا.
والمحصل أنّ الشرايع الإلهية، وخاصة الشريعة الإسلامية، تروم فى جميعِ جزئيات الأمور وكلّيّاتها، نحو غرضها المذكور؛ وهو توجيهُ وجهِ الإنسان للّه، وصرفه إليه -سبحانه-.
وذلك بتكوين الملكاتِ والأحوال المُناسبة لذلك، بواسطةِ الدعوة الى الإعتقادات الحقّة، والأعمال المولدةِ للحالاتِ الزاكية النفسانيّة الموصلة الى الملكات المقدسةِ.“

~العلامة الطباطبائي، رسالةُ الولايةِ.
18