آراءُ أهل الحكمةِ
896 subscribers
542 photos
37 videos
70 files
6 links
واعلم أيِّدكَ اللَّه أنَّ وَادي الحِكمةِ يَتقدسُ عن أنْ يَلجهُ من كان مرتدياً لنعليِّ الشهوةِ والغضبِ.
Download Telegram
أحمدُ بن خليلٍ الفراهيِديّ عن أميرِ المُؤمنينَ (ع): ” احتياجُ الكلّ إليه، واستغناؤه عن الكلّ،
دليل على أنّه إمام الكلّ. “

~مُحمد الريشَهري، مَوسوعةُ الإمامِ عليٍّ بن أبي طَالبٍ.
17
في مطلع عصر النهضة العلمية، نظر الفلاسفة إلى الكون على أنه آلة ضخمة، كل جزء فيها يتحرك بدقة متناهية وفق قوانين صارمة لا تحيد عن مسارها. ديكارت رسم صورة الكون كآلة متقنة، حيث كل حركة مسبوقة بأخرى، وكل تأثير ينتج عنه نتيجة محددة. ثم جاء نيوتن، وأكد أن مسار الكواكب، وسقوط التفاح، وحتى المد والجزر، كله محكوم بحتمية رياضية. كان العقل البشري يشعر عندها بأن كل شيء قابل للفهم من الداخل، وأن الميتافيزيقا، في ما يخص أصل الكون، قد تصبح زائدة عن الحاجة.
لكن هذا الوهم استمر حتى القرن العشرين، حين كشفت [ ميكانيكا الكم ] عن طبيعة الكون الغريبة والمدهشة: الجسيمات ليست ثابتة، ولا تسير على مسارات محددة، بل تتصرف وفق احتمالات رياضية دقيقة. الإلكترونات قد تتواجد في أكثر من مكان في الوقت نفسه، والواقع نفسه لا يتجسد إلا عند عملية القياس. الحتمية التي كانت تُطمئن العقل قد تلاشت، وظهر أن الطبيعة ليست آلة ميكانيكية مغلقة، بل مجال من الإمكانات المتعددة، تتكشف وفق قوانين احتمالية.
لكن مع هذا الاكتشاف جاء تحدٍ أكبر: الاحتمالات نفسها، والقوانين التي تحددها، والحالة الكمومية الأولى التي ينبثق منها الكون، كلها تحتاج إلى أصل. ميكانيكا الكم تصف كيف يعمل الكون، لكنها لا تفسر لماذا توجد هذه الاحتمالات، ولماذا توجد القوانين، ولماذا يوجد الكون نفسه. هنا تظهر فجوة العلم التجريبي، حيث يصبح السؤال: “لماذا يوجد شيء بدل لا شيء؟” أكثر إلحاحًا.
هنا تتجلى أهمية الفلسفة الإلهية فهي وحدها تعالج أصل الوجود والواجب الوجود الذي يجعل الإمكانات تتحقق. الاحتمالات الكمومية لا تلغي العقل الأول؛ بل تؤكد الحاجة إليه، لأنها تُظهر أن الواقع ليس مكتفيًا بحكم ذاتي داخلي، بل يتطلب مبدأ أعمق يفسر وجوده وقوانينه واحتمالاته.
هكذا، ينتهي الطريق إلى الحقيقة الكبرى: العلم التجريبي يصف الظواهر ويحسب الاحتمالات، لكنه عاجز عن تفسير أصل كل شيء. ومن هنا، تصبح الفلسفة الإلهية ضرورة لا اختيارًا وصرخة العقل البشري في مواجهة حدود المعرفة، لتقول: حتى إذا كان الكون احتماليًا، فلا بد لوجوده من أصل أولي يخرج الممكن من العدم إلى الوجود.
3
” إن قانونَ الوجود البشري بأكملهِ يتمثل في أن يكونَ الإنسانُ قادراً على الانحناء أمام شيءٍ عظيم بلا حدودٍ. إذا حُرم الإنسان من هذا الشيءِ العظيم اللامتناهي فسوفَ يرفضُ العيشَ ويموتُ في اليأسِ. “

~ فيودور دوستويفسكي.
9
لو قُرئ الإسلام عبر نموذج كربلاء، ينهار الإتهام النيتشوي للدين بشكل عام بأنه أخلاقُ ضعفٍ.
فالإمام الحسين (ع) لم يكن ضعيفًا ولم يكن قطيعيًا [ من القطيع ] ولم يكن هاربًا من الحياة؛ بل جسّد القوة في الرفض، والعزة في الهزيمة الظاهرية، والإرادة الحرة أمام السلطان [هيهات منّا الذلة ]
هذا الشعار وحدهُ هو اختصارٌ لفلسفة نيتشه، إلا أنه إلهيّ الغاية.
15
” ليكن مباركاً إيمانُ الرجال الذين يجرؤُون على تجديدِ شكلِ العالمِ وفقاً للمٌثل التي يعتزون بها.“

~ بيير دريو لاروشيل.
13🫡5🕊2
العينُ ترىٰ ما هُو كائنٌ
والقلبُ يَشهدُ ما يَنبغي أَن يَكُونَ.
11
” الجندي في علاقتهِ بالموت، في التخلي عن شخصيتهِ من أجل فكرةٍ، لا يعرف الكثير عن الفلاسفةِ وقيمهم. لكن في شخصهِ وأفعاله، تتجلى الحياةُ بأبلغ وأعمق أثرٍ من أي كتابٍ. ومرارًا وتكرارًا، على الرغم من كل العبثيّة والجنون في الأحداث الخارجية، تظلُ حقيقة واحدة مُشرقة معه: الموت في سبيلِ قناعةٍ هو أسمى غايةٍ. إنه اعترافٌ، وعمل، وتحقيقٌ، وإيمان، وحب، وأمل، وهدف؛ في هذا العالم الناقصِ، هو الكمالُ، والكمالُ المطلق. “


~ إرنست يونغر، الحرب كتجربة داخلية [ 1922]
9
” باطنُ القبلةِ هو عليٌّ (ع)
ولكنّ أهل المادةِ لا يرونَ من الكعبةِ سوى حِجارتها، في حينٍ إنّ تمامَ الدينِ وكمالهِ هُو هذا الإمَام.. الذي بقيّ وحيدًا..“

~السيّد مرتضى آوينيِ.
12
إن حصر الفشل الكامل في الفساد الذي يوجد داخل الأنظمة السياسية في دولٍ مثل إيران وفنزويلا بمعزل عن السياق الجيوسياسي الذي تعيش داخله ليس إلا تكرارا ميكانيكيّا لخطاب ليبراليٍّ مهيمنٍ صُمِّم سلفًا ليخدم مركز القوة العالمية. فهذا الخطاب لا يرى العالم إلا من منظور القطب الواحد، حيث تُعرَّف الشرعية بمدى الخضوع، ويُقاس النجاح بمدى الاندماج في المنظومة الأطلسية.
إن الولايات المتحدة لا تواجه هذه الدول لأنها فاسدة أو لأنها تريد الخير لشعوبها، فالفَساد سمةٌ بنيوية للنظام العالمي برمّته، بل لأنها تمثل انحرافًا وجوديًا عن النموذج الليبرالي الشامل. وترفض، بدرجات متفاوتة، أن تتحول إلى وحداتٍ وظيفية داخل الإمبراطورية العالمية، ولذلك تُوضَع تحت الحصار، وتُحاصَر اقتصاديًا، وتُخنَق اجتماعيًا، بوصفه آلية تطويع حضاري.
العقوبات ليست إجراءات إقتصادية فحسب، بل هي سلاح أنطولوجي وأداة لإعادة تشكيل وعي الشعوب قبل إعادة تشكيل اقتصادها. إنها تهدف إلى كسر الإرادة، وتجفيف الأمل، وإقناع المجتمع بأن مقاومة المركز العالمي قدرٌ عبثي. وحين تنجح هذه السياسة في إضعاف البنى المعيشية، يُعاد تقديم نتائجها بوصفها دليلًا على فشل النموذج البديل، في مفارقةٍ فجة تُنتج الأزمة ثم تُدين الضحية بها.
وطبعًا لا يمكن إنكار أن هذه الأنظمة تعاني من اختلالات داخلية، ومن فسادٍ وبيروقراطيةٍ وجمودٍ سياسي، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل هذه الأنظمة مثالية؟ بل: هل سُمح لها أصلًا أن تكون طبيعية؟ إن الدولة الواقعة تحت حصار دائم لا تتحرك ضمن منطق الدولة، بل ضمن منطق القلعة المحاصَرة، حيث تتغير الأولويات، ويُعاد تعريف السياسة بوصفها إدارة للبقاء لا مشروعًا للتقدّم.
إن الخطاب الذي يعزل الفقر عن الحصار، والانهيار عن العقوبات، والضعف عن التطويق، هو خطابٌ يُسهم – عن قصد أو عن غفلة – في إدامة الهيمنة الليبرالية، لأنه ينزع عنها طابعها العدواني، ويحوّلها إلى نظام عالمي محايد، في حين أنها في حقيقتها إمبراطورية كونية لا تقبل التعدد ولا تسمح بالاختلاف.
ومن ثمّ، فإن الدفاع عن هذه الشعوب لا يعني الدفاع عن أنظمتها، بل الدفاع عن حقّ العالم في التعدّد الحضاري، في أن توجد مسارات تاريخية أخرى غير المسار الليبرالي الغربي. فالقضية، في عمقها، ليست قضية اقتصاد أو إدارة، بل قضية معنى: هل يحق لشعبٍ ما أن يختار طريقه، حتى لو كان هذا الطريق محفوفًا بالأخطاء، أم أن الخطأ الوحيد غير المغفور هو الخروج عن إرادة المركز؟
هنا، يصبح النقد الحقيقي هو نقد النظام العالمي ذاته، لا الاكتفاء بإدانة الأطراف التي تجرأت على رفضه.
👏112
” أمريكا قويةٌ لسببينِ فقط: تبحثُ عن خونةِ وطنِها فتعاقِبهم، وتبحثُ عن خَونة الدُولِ الأُخرَى فتَستثمِرهُم. “

~هينري كيسنجر.
9👏5🔥1
” إنّ الإنسان ما دام يعتمد على نفسه، يخاف، ويتردد، ويضعف، ويحسب للمستقبل ألف حساب؛ لأنه يعرف أن قوته محدودة، وأن عمره قصير، وأن قلبه يتقلب. أما إذا فوّض أمره إلى الله حقًا، لا لفظًا، رأى من اللطف ما يحيّر العقول، ومن الفتح ما يبدل الأحوال، ومن السكينة ما يطمئن به قلبه في أشد الظروف.
وكل بلاء أصاب الإنسان فهو من اعتماده على نفسه، وكل فرج نزل عليه فهو من اعتماده على ربه. فمن عرف هذه الحقيقة، عاش مطمئنًا، ولو كان في وسط العواصف، ومَن جهلها عاش قلقًا ولو كان في قصور الدنيا.
واجعل لنفسك وردًا من القرآن، فإنّ القرآن دواء للقلوب، ومنبع للطمأنينة، وسراج يبدد ظلمات الحياةِ. أهل الدنيا إذا ضاقت بهم الأحوال لجأوا إلى النوم، وأهل الله إذا ضاقت بهم الأحوال لجأوا إلى القرآن، فوجدوا فيه السلوى والشفاء والجبر. “

~ الشيخ العارف محمد تقيّ بهجت.
19
إن التأمل في تاريخ ما يُسمّى بـ النظام الدولي يكشف بوضوح أن هذا النظام لم يقم في أي طور من أطواره على أصلٍ ثابتٍ أو مبدأٍ كليٍّ من مبادئ العدالة، بل نشأ وتحوّل تبعًا لغلبة القوة وتشكل المصالح، ثم أُلبس لباس القانون بعد تحقق الواقع لا قبله.
فالنظام الويستفالي، الذي جُعل أساسًا لسيادة الدولة القومية، لم يكن نتيجة إدراكٍ نظري لمعنى السيادة، بل ثمرة توازنٍ خاصٍّ بين قوى أوروبية متنازعة. ومن هنا، فإن السيادة لم تكن حقيقةً واحدةً شاملة، بل كانت مقسومة واقعًا: سيادة فعلية للقوى الكبرى، واعترافًا لفظيًا لغيرها. وهذا التفريق بين الصورة والحقيقة لازم هذا النظام منذ نشأته.
وحين حاولت عصبة الأمم الانتقال من واقع الغلبة إلى مبدأ القانون، ظهر التناقض الجوهري بين الدعوى والمصداق؛ إذ لا يقوم القانون، في منطق الاجتماع البشري، إلا على قوة تحفظه أو على مبدأ تتفق عليه النفوس. ولما لم يتوفر هذا ولا ذاك، انهار البناء عند أول اختبار تاريخي، وعادت العلاقات الدولية إلى أصلها القهري، حيث حُسمت الأمور بالقوة المؤدلجة لا بالقاعدة القانونية.
وفي هذا السياق، انتقلت السيادة من كونها صفةً للدولة إلى كونها صفةً للأيديولوجيا، فتشكّلت ثلاثة معسكرات كبرى، كلٌّ منها يدّعي تمثيل الحقيقة النهائية للتاريخ. ولم تكن الحرب العالمية الثانية إلا فصلًا من فصول التنازع بين هذه التصورات الكلية، انتهى بإقصاء أحدها، لا بإعادة الاعتبار لمبدأ قانوني متعالٍ.
أما النظام الذي أُقيم بعد الحرب، ممثلًا في الأمم المتحدة، فقد حافظ على صورة السيادة، لكنه فرّغها من مضمونها، إذ أصبحت الدول تابعة في واقعها لأحد قطبين متقابلين. فكان القانون موجودًا في اللفظ، وغائبًا في الفعل، واستمر هذا الوضع ما دامت الثنائية القطبية قائمة.
فلما انهار أحد القطبين، لم يظهر نظام قانوني جديد، بل برزت أحادية قهرية ادّعت الكونية، وسعت إلى فرض نموذج واحد للإنسان والمجتمع والسياسة، باسم الحرية تارة، وباسم النظام العالمي تارة أخرى. وفي هذا الإطار، لم تعد الدولة القومية غاية، ولا الأمم المتحدة مرجعًا، بل أصبحتا أدوات مرحلية في مشروع يتجاوزهما.
غير أن هذا المسار لم يبلغ غايته، لأن سنن التاريخ لا تجري على خط مستقيم. فقد ظهر من جديد تعدد في مراكز القوة، يستند لا إلى المصالح وحدها، بل إلى اختلافات حضارية عميقة، أعادت طرح سؤال النظام العالمي من أساسه. إلا أن هذا التعدد، وإن تحقق في الخارج، لم يُصَغ بعد في صورة مبدأٍ منظم أو قانون جامع.
ومن هنا نشأ الوضع الراهن، حيث تتراكب عدة تصورات متناقضة للشرعية والسيادة، دون أن يهيمن واحد منها هيمنة تامة. وهذا التراكب لا يدل على التوازن، بل على مرحلة انتقال واضطراب، يكون فيها الصراع أقرب إلى القاعدة منه إلى الاستثناء.
والخلاصة أن العالم اليوم لا يفتقر إلى القوانين من حيث الكثرة، بل يفتقر إلى قانونٍ ذي أصل، يستند إلى رؤية واضحة للإنسان والعالم والتاريخ. ومن لم يؤسس نظامه على هذا الأصل، فإنه — بحكم السنن — سيقع تحت نظام غيره، لا عن اختيار، بل عن ضرورة.
فالقضية، في جوهرها، ليست قضية سياسة دولية فحسب، بل قضية تصور كوني للوجود الإنساني: هل هو واحدٌ يُفرض بالقوة، أم متعددٌ تُنظمه الحكمة؟
وعلى الجواب عن هذا السؤال يتوقف شكل العالم القادم.
5👏2
” الخلقُ حِجابُك عن نفسِك، ونفسُك حجابُك عن ربِك. ما دُمت ترى الخَلق لا ترى نفسَك، وما دُمت ترى نفسَك لا تَرى ربَّك. “

~ الشيخُ عبد القَادر الجيِلاني.
10🕊7
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
مقتطفٌ من لقاءٍ للمُفكر الروسيّ ألكسندر دوغين...
يتحدثُ فيه عن نظام ولاية الفقيهِ الحاكمِ في الجمهورية الإسلامية في إيران، واصفًا إياهُ بالنظام السياسي العرفانيّ [ mystical system]
3
يمكن وصف الاحتجاجات التي تحدث في الجمهورية الاسلامية في إيران؛ خاصة تلك التي اتخذت طابعًا تخريبيًا، بأنها لا تندرج ضمن الديناميات الاجتماعية الطبيعية للاعتراض، بل تتقاطع مع مشاريع سياسية خارجية واضحة تسعى إلى إضعاف بنية الدولة الإيرانية نفسها، لا إلى إصلاحها.
من الناحية السوسيولوجية والسياسية، يبرز حضور تيارات شاهنشاهية قومية فارسية داخل هذه التحركات، وهي تيارات تحمل تصورًا للدولة يستند إلى الحنين إلى الملكية المركزية المتحالفة تاريخيًا مع الغرب. هذا التيار لا يمتلك قاعدة اجتماعية واسعة داخل إيران، لكنه يحظى بدعم إعلامي وسياسي خارجي، خصوصًا من الولايات المتحدة وإسرائيل، بوصفه أداة ضغط وظيفية أكثر منه بديلًا حقيقيًا للحكم.
إعادة طرح حفيد الشاه في هذا السياق تؤكد هذا البعد الوظيفي، إذ يُقدَّم كشخصية رمزية منزوعة السيادة، منسجمة مع الرؤية الصهيونية ـ الأمريكية للمنطقة.
في المقابل، يمكن توصيف الجمهورية الإسلامية كنموذج دولة سيادية ذات أيديولوجيا مؤسسة، تجمع بين الشرعية الثورية، والدعم الشعبي الدوري عبر الانتخابات، وبنية مؤسساتية مستقرة نسبيًا. ورغم التحديات الاقتصادية الواضحة، فإن النظام استطاع خلال عقود الحصار تطوير قدرات استراتيجية في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا، والتصنيع، ما جعله فاعلًا إقليميًا مستقل القرار.
العقوبات الأمريكية، وفق هذا المنظور، لا تُفسَّر كرد فعل على إخفاق داخلي، بل كأداة لاحتواء نموذج سياسي يرفض الاندماج في النظام الدولي الغربي بشروط التبعية.
الفرق الجوهري بين النظام الشاهنشاهي السابق والنظام الإسلامي الحالي لا يكمن فقط في الشكل السياسي [ ملكية مقابل جمهورية ] بل في طبيعة العلاقة مع الخارج. فالشاهنشاهية كانت تقوم على الاندماج التام في المنظومة الغربية، مع دور أمني إقليمي محدد، في حين يقوم النظام الحالي على مبدأ الاستقلال الاستراتيجي ورفض الوصاية، حتى وإن كان ذلك على حساب النمو الاقتصادي السريع. هذا الخيار أنتج كلفة اجتماعية واقتصادية، لكنه في الوقت نفسه حافظ على تماسك الدولة ووحدتها.
إن قيادة السيد علي الخامنئي يمكن فهمها في هذا السياق بوصفها عامل استمرارية للنموذج، لا مجرد إدارة سياسية آنية. فدوره يتمثل في ضبط التوازن بين متطلبات البقاء الداخلي وضغوط البيئة الدولية، مع الحفاظ على الخطوط الحمراء المتعلقة بالسيادة والأمن القومي. وهذا ما يفسر قدرة النظام على امتصاص الأزمات المتكررة دون انهيار بنيوي.
أما سيناريو سقوطه - لا سمح الله- فهو سيناريو كارثي ليس على البلد فحسب، بل على المنطقة ككل. فإيران دولة متعددة القوميات والأقاليم، وأي تفكيك للسلطة المركزية مع عدم وجود بديل مؤسسي قوي سيؤدي إلى تفكك داخلي وصراعات أهلية، مع تداعيات مباشرة على الشرق الأوسط بأكمله. لذلك، فإن بقاء الجمهورية الإسلامية لا يُقرأ فقط كخيار أيديولوجي، بل كعامل استقرار نسبي في معادلة إقليمية شديدة الحساسية.
👏65
الذي يظهر في الصورة هو آية الشهيد السيد محمد بهشتي، أحد الأعمدة الفكرية والتنظيمية في المرحلة التأسيسية للثورة الإسلامية في إيران، وركنٌ أساسي في تشكّل بنية الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد انتصارها، ولا يقل شأنًا عن قائد الثورة نفسها [ الإمام الخميني ]
أغتيل السيد بهشتي سنة 1981 - أي بعد سنيتن من انتصار الثورة - في التفجير الذي استهدف مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، وأسفر عن خسارة عدد كبير من قيادات الصف الأول، وجاء في لحظة كانت فيها الجمهورية الإسلامية تواجه ضغطًا مركّبًا: حربًا شاملة مفروضة من الخارج [ الحرب الإيرانية العراقية ] وحصارًا سياسيًا واقتصاديًا، ومحاولات اختراق داخلي اعتمدت الاغتيال المنهجي وسيلة لإحداث تفكك بنيوي في الدولة الناشئة. وقد تلا ذلك اغتيال رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنمر، ما مثّل ذروة الاستهداف المباشر لهرم السلطة.
ورغم كل هذه الضربات القاسية، إلا أن الوقائع تكشف عن نمط خاص من التكوين السياسي، تميّزت به الجمهورية الإسلامية منذ عهد الإمام السيد الخميني، الأمر الذي أبقاها صامدة، فالنظام الجديد لم يُبنَ على مركزية الفرد بوصفه عنصرًا مستقلًا، وإنما على مركزية المرجعية العقائدية التي تنتظم ضمنها الأدوار والمؤسسات. وبهذا المعنى، فإن موت القادة، على جسامته، لم يؤدِّ إلى تعطيل المسار العام، بل أعاد تفعيله ضمن نفس الإطار القيمي.
لقد تشكّل الجيل الثوري الأول على أساس فهمٍ واضح لمعنى التكليف، حيث جرى دمج البعد الديني بالبعد السياسي ضمن رؤية واحدة. وفي هذا السياق، لم تُفهم الشهادة أو اغتيال القادة بوصفها خسارة تشغيلية، بل باعتبارها جزءًا من منطق الاستمرار، الأمر الذي أتاح للنظام إعادة إنتاج النخب القيادية دون انقطاع وظيفي أو اهتزاز شرعي.
إن استمرار الجمهورية الإسلامية بعد كل الضربات المكثّفة لا يمكن تفسيره بالمعايير الإجرائية للدولة الحديثة وحدها، بل يتطلب إدراجه ضمن منطق الثورة الإسلامية بوصفها حركة ذات أساس اعتقادي. فالتماسك الذي أظهره النظام كان نتيجة انسجام داخلي بين المرجعية، والمؤسسات، والقاعدة الشعبية، وهو انسجام تعزّز بفكر الإمام الخميني الذي ربط الشرعية السياسية بالالتزام بمشروع الثورة.
3
” فَهَبْني صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ، فَكَيْفَ أصْبِرُ عَلى فِراقِك “
12😢1