في القرنين السادس عشر والسابع عشر انطلق عصر النهضة في أوروبا وفي هذا العصر تم الاعتراف بالعلم كقوة
[ فرانسيس بيكون] وأضحى الإنسان سيّدًا ومالكًا للعالم [ ديكارت]. ولما كما كانت محورية الكون سمة التفكير اليوناني، ومحورية الله - الإنسان سمة التكفير المسيحي، فقد أضحت محورية الإنسان هي السمة الغالبة على الممارسة الفكرية في العصر الحديث، حيث تختزل الفلسفة إلى معرفة الإنسان.
منذ ذلك الحين فصاعدا شغل التفكير العلمي التقني المنبثق عن العلوم الطبيعية مكان المعرفة التأويلية والعرفانية التي حافظت على القيم الشامخة حتى ذلك الحين وأهلتها لتسهيل التواصل العميق بين شتى الحضارات وهكذا يختل التوازن بأفظع صورة..
الفكر الأوروبي الغربي تلقى موروثين كبيرين : الفلسفة اليونانية والثقافة الدينية المسيحية واليهـ ودية، ورغم كل المساعي المتعاقبة خلال القرون الوسطى، إلا أن هذين الموروثين لم يستطيعا أن يتلاقحا ويندمجا، وبقيت التركيبة التي حاولت التوحيد بين الفكر اليوناني القائم على أساس محورية الكون، وبين الديانة المسيحية المتركزة على محورية الإنسان - الله، والتي سعت أيضا إلى الجمع بين الدين والفلسفة في وحدة لا تتجزأ، بقيت هذه التركيبة مهزوزة هشة، ولم تستطع الصمود أمام المعارضين المطالبين بالانفصال، وبالتالي فقد انهارت نهائيا عقب آخر المساعي التي أبداها توما الإكويني ...
[ فرانسيس بيكون] وأضحى الإنسان سيّدًا ومالكًا للعالم [ ديكارت]. ولما كما كانت محورية الكون سمة التفكير اليوناني، ومحورية الله - الإنسان سمة التكفير المسيحي، فقد أضحت محورية الإنسان هي السمة الغالبة على الممارسة الفكرية في العصر الحديث، حيث تختزل الفلسفة إلى معرفة الإنسان.
منذ ذلك الحين فصاعدا شغل التفكير العلمي التقني المنبثق عن العلوم الطبيعية مكان المعرفة التأويلية والعرفانية التي حافظت على القيم الشامخة حتى ذلك الحين وأهلتها لتسهيل التواصل العميق بين شتى الحضارات وهكذا يختل التوازن بأفظع صورة..
الفكر الأوروبي الغربي تلقى موروثين كبيرين : الفلسفة اليونانية والثقافة الدينية المسيحية واليهـ ودية، ورغم كل المساعي المتعاقبة خلال القرون الوسطى، إلا أن هذين الموروثين لم يستطيعا أن يتلاقحا ويندمجا، وبقيت التركيبة التي حاولت التوحيد بين الفكر اليوناني القائم على أساس محورية الكون، وبين الديانة المسيحية المتركزة على محورية الإنسان - الله، والتي سعت أيضا إلى الجمع بين الدين والفلسفة في وحدة لا تتجزأ، بقيت هذه التركيبة مهزوزة هشة، ولم تستطع الصمود أمام المعارضين المطالبين بالانفصال، وبالتالي فقد انهارت نهائيا عقب آخر المساعي التي أبداها توما الإكويني ...
❤3
” إنّ هناك قانون يحكم جميع المخلوقات، والفرق بيني وبين شجرة التفاح أن هذه الأخيرة استثناها الله من السعي لتكون شجرة تفاح فهي لها شريعتها الخاصة واستنادا إليها تكون شجرة تفاح. أما أنا- الإنسان- فقد مُنحت الحرية ليس لأكون ذاتي بل لأتمرد. نحن لدينا الحرية للوصول إلى الله لكن لدينا أيضا الحرية لشنق أنفسنا. وهنا تكمن عظمة وخطورة أن تكون إنسانا.
سعي الإنسان لكي يكون إنسانًا من الأشياء التي لا تتوقف عن إثارة دهشتي. قابليته المطاطة للارتقاء والانحطاط تجعل سعيه هذا مكابدة لأنه سعيٌ في مساحة لا حدود لها، حتى عندما يتصور هو نفسه أنه لم يعد في وسعه أن ينحط أكثر مما انحط أو أن يرتقي أكثر مما ارتقى سيجد نفسه يوما ما في مواجهة ظرف يكشف له عن أبعاد ما زال يستطيع الوصول إليها. ومن بين أسباب تمدد مساحة سعيه سرعة تعوّده على الأشياء التي تخلق طابعا لانهائيا لرغباته، لذلك قال الزُّهاد أن الإكثار من المباح يقود إلى فعل المكروه والإكثار من المكروه يقود إلى فعل الحرام. والإنسان يميل في الأغلب إلى الانحطاط أكثر من الارتقاء نظرا لكون الأخير يستوجب فهم النفس ومقاومتها أما الأول فسهل جدا لأنه محفوف باللذة ووهم الإشباع. من هنا نشأت معضلة حاجته إلى القيود لكي يبقى حرًا، فاستسلامه للملل وإهماله لما هو مألوف لديه يحيلانه إلى شجرة تفاح ملعونة بتمدد جذورها إلى ما لا نهاية ولا تملك من أمرها أن تقرر الوقوف عند حد.
يعاني الكثير منا من إلحاح سؤال: "ما الهدف من وجودنا؟ لمَ نحن هنا؟ ويبدو سؤالا عبثيًا نظرا لاستحالة وجود إجابة حاسمة تستبدل علامة الاستفهام في نهايته بنقطة. وربما ليس هناك ما هو أكثر تناغما مع انعدام حدود مساحة السعي الإنساني من أسئلته التي ما أن يجيب على أحدها حتى ينتقل إلى سؤال آخر. ففرّت منه الإجابات على الأسئلة الكبرى لتحميه من نهم المواصلة، فاحتجبت لترسم الحدود التي لا يستطيع رسمها بنفسه. لهذا فهو محكومٌ بأن يحاول التأويل دون أن يصل، ليتخير في النهاية تأويلا يطمئن إليه قلبه حتى وإن كان فيه ثغرات يتسرب إليه الشك من خلالها. وأحد التأويلات أن ينظر إلى الوجود الثقيل القاسي كهدية أُخرِج من العدم لينالها: أن يشهدَ بنفسه تحوّلات ذاته ويتلذذ رغم الألم والصعوبة بارتقائه من مقام إلى آخر. لكنه لن يتمكن أبدا من تمزيق غلاف الهدية إذا استمر في الركض في مساحة لامحدودة. لن تخفّ وطأة الوجود على نفسه إن لجمها، فالكثير منا ينظر إلى حال من يجاهد نفسه ويكبح جماحها ليجده مشابها لحالنا في الظاهر؛ فهو أيضا له نصيب من التعب والهموم والمرض والخيبات، بالتالي لن يرى أي جدوى في المقاومة. الوجود مرهق للمقاوم والمستسلم..للمرتقي والمنحط..لكن المقاوم يملك أدوات الاستمرار والفهم ورصد ما وراء الأشياء والأحداث وهذا مما يعينه على الصمود بدلا من الانزلاق إلى السخط والقلق والغضب الذي تفجره أصغر العراقيل. إن صبا إلى ما هو أكبر منه، قرّت عينه وسكنت نفسه. وإن أصرّ على الانزلاق، أصبح شجرةً عاجزة عن تقطيع العُرى بينها وبين قانون يحرم عليها أن تكون شيئا آخر...“
~سيّد حسين نصر، بتصرف
سعي الإنسان لكي يكون إنسانًا من الأشياء التي لا تتوقف عن إثارة دهشتي. قابليته المطاطة للارتقاء والانحطاط تجعل سعيه هذا مكابدة لأنه سعيٌ في مساحة لا حدود لها، حتى عندما يتصور هو نفسه أنه لم يعد في وسعه أن ينحط أكثر مما انحط أو أن يرتقي أكثر مما ارتقى سيجد نفسه يوما ما في مواجهة ظرف يكشف له عن أبعاد ما زال يستطيع الوصول إليها. ومن بين أسباب تمدد مساحة سعيه سرعة تعوّده على الأشياء التي تخلق طابعا لانهائيا لرغباته، لذلك قال الزُّهاد أن الإكثار من المباح يقود إلى فعل المكروه والإكثار من المكروه يقود إلى فعل الحرام. والإنسان يميل في الأغلب إلى الانحطاط أكثر من الارتقاء نظرا لكون الأخير يستوجب فهم النفس ومقاومتها أما الأول فسهل جدا لأنه محفوف باللذة ووهم الإشباع. من هنا نشأت معضلة حاجته إلى القيود لكي يبقى حرًا، فاستسلامه للملل وإهماله لما هو مألوف لديه يحيلانه إلى شجرة تفاح ملعونة بتمدد جذورها إلى ما لا نهاية ولا تملك من أمرها أن تقرر الوقوف عند حد.
يعاني الكثير منا من إلحاح سؤال: "ما الهدف من وجودنا؟ لمَ نحن هنا؟ ويبدو سؤالا عبثيًا نظرا لاستحالة وجود إجابة حاسمة تستبدل علامة الاستفهام في نهايته بنقطة. وربما ليس هناك ما هو أكثر تناغما مع انعدام حدود مساحة السعي الإنساني من أسئلته التي ما أن يجيب على أحدها حتى ينتقل إلى سؤال آخر. ففرّت منه الإجابات على الأسئلة الكبرى لتحميه من نهم المواصلة، فاحتجبت لترسم الحدود التي لا يستطيع رسمها بنفسه. لهذا فهو محكومٌ بأن يحاول التأويل دون أن يصل، ليتخير في النهاية تأويلا يطمئن إليه قلبه حتى وإن كان فيه ثغرات يتسرب إليه الشك من خلالها. وأحد التأويلات أن ينظر إلى الوجود الثقيل القاسي كهدية أُخرِج من العدم لينالها: أن يشهدَ بنفسه تحوّلات ذاته ويتلذذ رغم الألم والصعوبة بارتقائه من مقام إلى آخر. لكنه لن يتمكن أبدا من تمزيق غلاف الهدية إذا استمر في الركض في مساحة لامحدودة. لن تخفّ وطأة الوجود على نفسه إن لجمها، فالكثير منا ينظر إلى حال من يجاهد نفسه ويكبح جماحها ليجده مشابها لحالنا في الظاهر؛ فهو أيضا له نصيب من التعب والهموم والمرض والخيبات، بالتالي لن يرى أي جدوى في المقاومة. الوجود مرهق للمقاوم والمستسلم..للمرتقي والمنحط..لكن المقاوم يملك أدوات الاستمرار والفهم ورصد ما وراء الأشياء والأحداث وهذا مما يعينه على الصمود بدلا من الانزلاق إلى السخط والقلق والغضب الذي تفجره أصغر العراقيل. إن صبا إلى ما هو أكبر منه، قرّت عينه وسكنت نفسه. وإن أصرّ على الانزلاق، أصبح شجرةً عاجزة عن تقطيع العُرى بينها وبين قانون يحرم عليها أن تكون شيئا آخر...“
~سيّد حسين نصر، بتصرف
❤2
” نحن نعيش بين الأنقاض في عالم مات فيه "الله" كما قال نيتشه. والمثل العليا اليوم هي الراحة، والنفع، والمعرفة السطحية، وتجاهل تراث الأجداد وتقاليدهم، وتلبية أدنى معايير الذوق والذكاء، وتأليه الأشياء المثيرة للشفقة، واكتناز الأشياء والممتلكات المادية، وعدم احترام كل ما هو أعلى بطبيعته و أفضل - بعبارة أخرى انعكاس كامل للقيم والمثل الحقيقية، ورفع راية انتصار الجهل وراية الانحطاط. في مثل هذا الوقت، ينتشر الانحطاط الاجتماعي على نطاق واسع لدرجة أنه يبدو كمكون طبيعي لجميع المؤسسات السياسية. الأزمات التي تهيمن على الحياة اليومية لمجتمعاتنا هي جزء من حرب غامضة سرية لإزالة دعم القيم الروحية والتقليدية من أجل تحويل الإنسان إلى أداة سلبية للقوى المظلمة.“
~ سيّد حسين نصر.
~ سيّد حسين نصر.
❤4👍2
أي مدرسة فلسفية تركت أثرها فيكم أكثر من غيرها؟
إن تحقيقاتي وأبحاثي العلمية تدور حول ثلاثة أشخاص هم ابن سينا والسهروردي وصدر المتألهين. إلاّ إن مدرستين فلسفيتين قد أثّرتا فـيَّ أكثر من غيرهما، وهما مدرسة صدر المتألهين في الفلسفة ومدرسة ابن عربي في العرفان. ويجدر بي أن أذكر أن الغزالي ومولانا جلال الدين الرومي كان لهما أثر كبير في حياتي. حينما كنت أعيش فترة أزمة الفكر، فالغزالي عاش في عصره أزمة فكريّة تشبه الى حد بعيد هذه الازمة التي يعيشها كثير من المفكرين اليوم، وبعبارة أخرى فإن الغزالي نتيجة لمطالعاته العلمية والفلسفيّة اعترته شكوك في الدين هزّت كيانه، وما عادت لهذا الرجل المستقيم القدرة على الحياة، وفعلا فقد اعتلّت صحته ومرض، وماكان منه إلاّ أن يتّجه الى العرفان والتصوّف ليجد ثانية [ اليقين] الذي افتقده.
~مقتبس من حوار للفيلسوف سيد حسين نصر.
إن تحقيقاتي وأبحاثي العلمية تدور حول ثلاثة أشخاص هم ابن سينا والسهروردي وصدر المتألهين. إلاّ إن مدرستين فلسفيتين قد أثّرتا فـيَّ أكثر من غيرهما، وهما مدرسة صدر المتألهين في الفلسفة ومدرسة ابن عربي في العرفان. ويجدر بي أن أذكر أن الغزالي ومولانا جلال الدين الرومي كان لهما أثر كبير في حياتي. حينما كنت أعيش فترة أزمة الفكر، فالغزالي عاش في عصره أزمة فكريّة تشبه الى حد بعيد هذه الازمة التي يعيشها كثير من المفكرين اليوم، وبعبارة أخرى فإن الغزالي نتيجة لمطالعاته العلمية والفلسفيّة اعترته شكوك في الدين هزّت كيانه، وما عادت لهذا الرجل المستقيم القدرة على الحياة، وفعلا فقد اعتلّت صحته ومرض، وماكان منه إلاّ أن يتّجه الى العرفان والتصوّف ليجد ثانية [ اليقين] الذي افتقده.
~مقتبس من حوار للفيلسوف سيد حسين نصر.
❤6
” لقد وضع الماديون في فلسفتهم تجاه قضايا الكون، "الحس" معيارا للمعرفة، فاعتبروا الشيئ غير المحسوس خارجا عن دائرة العلم، واعتبروا الوجود قرين المادة الملازم لها، فما لا مادة له لا وجود له. وعليه، اعتبروا طبعا أن عالم الغيب كوجود الله تبارك وتعالى والوحي والنبوة والمعاد ضرب من الأساطير. في حين أن معيار المعرفة في الفلسفة الإلهية يشمل "الحس والعقل" فيدخل [المعقول المدرك بالعقل] دائرة العلم حتى لو انعدم إدراكه بالحس، لذا فإن الوجود يشمل عالمي الغيب والشهادة، فبالإمكان أن يكون [لما لا مادة له] وجود، وكما أن الوجود المادي يستند إلى "المجرد"، كذلك حال المعرفة الحسية فهي مستندة الى المعرفة العقلية.
ومهما بلغ الإنسان من العلم وقيل له: إن هناك علوما أخرى، لمال مدفوعا بفطرته إلى تعلمها؛ إذاً فلا بد أن تكون هناك قوة مطلقة وعلم مطلق ليتعلق الإنسان بهما؛ وهذا هو [الله] تبارك وتعالى؛ الذي نتوجه إليه جميعا حتى لو كنا أنفسنا نجهل ذلك.
الإنسان يريد الوصول إلى "الحق المطلق" ويفنى فيه. إن هذا الشوق إلى الحياة الخالدة المتأصل في فطرة كل إنسان هو في الأساس دليل وجود عالم الخلود المنزّه عن الموت.“
~آية الله الخميني، في رسالته إلى غورباتشوف زعيم الإتحاد السوفياتي 1989.
ومهما بلغ الإنسان من العلم وقيل له: إن هناك علوما أخرى، لمال مدفوعا بفطرته إلى تعلمها؛ إذاً فلا بد أن تكون هناك قوة مطلقة وعلم مطلق ليتعلق الإنسان بهما؛ وهذا هو [الله] تبارك وتعالى؛ الذي نتوجه إليه جميعا حتى لو كنا أنفسنا نجهل ذلك.
الإنسان يريد الوصول إلى "الحق المطلق" ويفنى فيه. إن هذا الشوق إلى الحياة الخالدة المتأصل في فطرة كل إنسان هو في الأساس دليل وجود عالم الخلود المنزّه عن الموت.“
~آية الله الخميني، في رسالته إلى غورباتشوف زعيم الإتحاد السوفياتي 1989.
❤4
إذا ألقينا نظرة على العلاقة بين المسيحية والفلسفة الأرسطية والقيمة التي قدمتها هذه الفلسفة للمسيحية، وسهمها في تعزيز موقع الكنيسة في العصور الوسطى، وبين الآفات اللاحقة التي تسبَّبَتْ بها الفلسفة للمسيحية، فسوف نحتاج إلى بحثٍ تحقيقي مسهب. ومن الواضح أن السقوط المدوّي لطبيعيات الفلسفة الأرسطية قد ترك بتأثيراته الماحقة على الديانة المسيحية، بحيث تحوّلت إلى مجرّد دين عاطفيّ لا شأن له بالفكر والمنطق من قريبٍ أو بعيد، وأخذ يُنْظَر إلى الدين لا بوصفه مفهوماً [ غير علميّ] فحَسْب، بل اعتبر أيضاً مقولة مخالفة [ للعلم والتعقُّل].
في حين كان سقوط الطبيعيات في الفلسفة الأرسطية لم يؤثِّر في الإسلام ذلك الأثر الذي تركه في المسيحية، رغم اعتقاد الفلاسفة المسلمين بتلك الطبيعيات الأرسطية، وكانوا يباشرون تعليمها وتدريسها، ولا يزالون أوفياء لها.
إن عنصر ثبات الإسلام في الحقيقة يكمن في [ تعاليم القرآن الكريم والسنة] التي تمّ تنظيمها حول محور الطبيعيّات والتي [ كانت المسيحية البولسية تفتقر إليها]. فقد كان الأرسطيون من المسلمين يتحدّثون على الدوام عن السماوات التسع [ الأفلاك التسع]، في حين أن المسلمين أنفسهم كانوا لا يتخلّون عن [السماوات السبع] الواردة في نصِّ قرآنهم.
لقد وجدت الطبيعيات في إطار العلوم الحديثة نفسها منسجمة مع الأصول المعلن عنها في الإسلام، وفي المقابل وجد الإسلام نفسه متناغماً مع هذه العلوم، وأكثر انسجاماً معها، بالقياس إلى الطبيعيات الأرسطية.
في حين كان سقوط الطبيعيات في الفلسفة الأرسطية لم يؤثِّر في الإسلام ذلك الأثر الذي تركه في المسيحية، رغم اعتقاد الفلاسفة المسلمين بتلك الطبيعيات الأرسطية، وكانوا يباشرون تعليمها وتدريسها، ولا يزالون أوفياء لها.
إن عنصر ثبات الإسلام في الحقيقة يكمن في [ تعاليم القرآن الكريم والسنة] التي تمّ تنظيمها حول محور الطبيعيّات والتي [ كانت المسيحية البولسية تفتقر إليها]. فقد كان الأرسطيون من المسلمين يتحدّثون على الدوام عن السماوات التسع [ الأفلاك التسع]، في حين أن المسلمين أنفسهم كانوا لا يتخلّون عن [السماوات السبع] الواردة في نصِّ قرآنهم.
لقد وجدت الطبيعيات في إطار العلوم الحديثة نفسها منسجمة مع الأصول المعلن عنها في الإسلام، وفي المقابل وجد الإسلام نفسه متناغماً مع هذه العلوم، وأكثر انسجاماً معها، بالقياس إلى الطبيعيات الأرسطية.
👍3
التأويل عند العلامة الطباطبائي يعني تلك الحقائق الواقعية التي تستند إليها الآيات القرآنية، وأنها تنبعث من مضامين هذه الآيات، وهذا هو عين موقف ابن تيمية من التأويل.
~ من مقدمة الجزء الاول من كتاب الميزان في تفسير القرآن العلامة الطباطبائي.
~ من مقدمة الجزء الاول من كتاب الميزان في تفسير القرآن العلامة الطباطبائي.
❤3
” أن النبوة وكذلك الوصاية موهبة فطرية إلهية غير مكسوبة، بحسب كون النفس الإنسانية مفطورة في جبلة جوهرها الملكوتي على أفضل ضروب القوة القدسية، والعصمة الإلهية باعتبار جهتيها: النظرية والعملية، من حيث قوتيها: العاقلة والعاملة في وسعان قبولها عن الجنبة العالية الربانية، وسلطان فعلها في الجنبة السافلة الجسدانية.
فالرسالة والنبوة قوة كمالية، في النفس الإنسانية، بحسب صفاء جوهرها وقداسة ذاتها يكون بها في منة النفس أن تجمع بين الكون في سواد عالم الطبيعة وفي أم قرى الحواس، والسير في رياض عالم القدس، واستيطان بطنان عرش التعقل معا، فيكون جوهر الروح العاقل حين تدبير دار الجسد، والتعلق الطبيعي بأرض الهيولى أكيد العلاقة جدا بقطنة عالم الأمر، شديد الاتصال بروح القدس، المعبر عنه في لسان حكمة ما فوق الطبيعة بالعقل الفعال، وواهب الصور بإذن ربه؛ ومن هناك يستوجب النبي أن يكون في جوهر نفسه العاقلة ذا خصائص ثلاث ألبتة:
أولاها: الاستغناء عن مؤن الاقتناص والتعلم؛ لكونه مؤيد النفس بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية إلى أن يشتعل حدسا وقبولا من روح القدس في كل شيء، فينعقد في ذهنه القياس بلا معلم، وتكون علومه وتعقلاته حدسيات، فتنطبع فيه الصور التي في العقل الفعال، ويحصل له ما يمكن أن يحصل لنوعه من العلوم بحسب الكم دفعة، أو قريبا من دفعة بحسب الكيف، لا ارتساما تقليديا، بل انطباعا من سبيل العقل المضاعف، بترتيب مشتمل على الحدود الوسطى؛ فإن التقليديات في أولات أسباب إنما تعرف بأسبابها، لا تكون عقلية يقينية، فهذا ضرب من النبوة بل أعلى قوى النبوة، ويسمى عقلا قدسيا وقوة قدسية، وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية في جانب الكمال.
وفي مقابلتها في جانب النقصان من لا حدس له منتهيا إلى عدم الحدس وفقد الاتقاد رأسا، كما مقابله ينتهي في طرف الزيادة إلى الحدس والاشتعال في كل المعقولات والمطلوبات أو أكثرها في أسرع وقت وأقصره، من دون تخريج مخرج، وتعليم معلم، بل بفضل من الله وتأييد من رحمته.
وثانيتها: أن يشتد لسره الاعتلاق والاتصال بذلك العالم، فيسمع كلام الله، ويتشبح له ملائكة الله، وقد تمثلت له على صورة يراها بإذن الله سبحانه، فيحدث له في سماعه صوت من قبل الله تعالى وروح القدس والملائكة، فيسمعه من غير أن يكون ذلك كلاما إنسانيا، وقولا بشريا، وصوتا من حيوان أرضي، بل هو إيحاء وتنزيل من لدن عزيز عليم به، صاحب الوحي والتنزيل، ذو معجزة قولية كريمة، وآيات علمية حكمية.
وثالثتها: أن تكون نفسه المقدسة الربانية - لقوتها القدسية - قوية بهية فعالة، كادت تكون متصرفة في العوالم الأسطقسية، تصرف النفوس في أبدانها، فتكاد هيولى عالم العناصر تطيعه بإذن الله تعالى، فيكون بذلك ذا معجزات فعلية، وأفاعيل خارجة عن طور العادة، خارقة لضوابط مذهب الطبيعة.
ثم مرتبة الوراثة والوصاية تجري في كمال جوهر النفس، واشتعال قوتها القدسية، وشدة إعتلاقها واتصالها، وتأكد علاقتها بذلك العالم مجرى مرتبة النبوة، وتستن بسنتها، وتتلو درجتها، وتنوب عنها منابها، إلا أنها ليست بمثابة تصحح للوصي تشبح الملائكة، وتمثل روح القدس له على صورة يراها ويعاينها، حتى يكون يتصحح له من ذلك سماع كلام الله تعالى بالوحي والإيحاء، على أن يكون هو الموحى إليه من دون توسيط الرسول، بل إنما الأوصياء والأئمة بعقولهم محدثون مفهمون - على البناء للمفعول من التحديث والتفهيم - فربما يسمعون الصوت ولكنهم لا يعاينون شخصا متشبحا...“
~الميرداماد محمد باقر الحسيني الأستر آبادي، الرواشح السماوية.
فالرسالة والنبوة قوة كمالية، في النفس الإنسانية، بحسب صفاء جوهرها وقداسة ذاتها يكون بها في منة النفس أن تجمع بين الكون في سواد عالم الطبيعة وفي أم قرى الحواس، والسير في رياض عالم القدس، واستيطان بطنان عرش التعقل معا، فيكون جوهر الروح العاقل حين تدبير دار الجسد، والتعلق الطبيعي بأرض الهيولى أكيد العلاقة جدا بقطنة عالم الأمر، شديد الاتصال بروح القدس، المعبر عنه في لسان حكمة ما فوق الطبيعة بالعقل الفعال، وواهب الصور بإذن ربه؛ ومن هناك يستوجب النبي أن يكون في جوهر نفسه العاقلة ذا خصائص ثلاث ألبتة:
أولاها: الاستغناء عن مؤن الاقتناص والتعلم؛ لكونه مؤيد النفس بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية إلى أن يشتعل حدسا وقبولا من روح القدس في كل شيء، فينعقد في ذهنه القياس بلا معلم، وتكون علومه وتعقلاته حدسيات، فتنطبع فيه الصور التي في العقل الفعال، ويحصل له ما يمكن أن يحصل لنوعه من العلوم بحسب الكم دفعة، أو قريبا من دفعة بحسب الكيف، لا ارتساما تقليديا، بل انطباعا من سبيل العقل المضاعف، بترتيب مشتمل على الحدود الوسطى؛ فإن التقليديات في أولات أسباب إنما تعرف بأسبابها، لا تكون عقلية يقينية، فهذا ضرب من النبوة بل أعلى قوى النبوة، ويسمى عقلا قدسيا وقوة قدسية، وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية في جانب الكمال.
وفي مقابلتها في جانب النقصان من لا حدس له منتهيا إلى عدم الحدس وفقد الاتقاد رأسا، كما مقابله ينتهي في طرف الزيادة إلى الحدس والاشتعال في كل المعقولات والمطلوبات أو أكثرها في أسرع وقت وأقصره، من دون تخريج مخرج، وتعليم معلم، بل بفضل من الله وتأييد من رحمته.
وثانيتها: أن يشتد لسره الاعتلاق والاتصال بذلك العالم، فيسمع كلام الله، ويتشبح له ملائكة الله، وقد تمثلت له على صورة يراها بإذن الله سبحانه، فيحدث له في سماعه صوت من قبل الله تعالى وروح القدس والملائكة، فيسمعه من غير أن يكون ذلك كلاما إنسانيا، وقولا بشريا، وصوتا من حيوان أرضي، بل هو إيحاء وتنزيل من لدن عزيز عليم به، صاحب الوحي والتنزيل، ذو معجزة قولية كريمة، وآيات علمية حكمية.
وثالثتها: أن تكون نفسه المقدسة الربانية - لقوتها القدسية - قوية بهية فعالة، كادت تكون متصرفة في العوالم الأسطقسية، تصرف النفوس في أبدانها، فتكاد هيولى عالم العناصر تطيعه بإذن الله تعالى، فيكون بذلك ذا معجزات فعلية، وأفاعيل خارجة عن طور العادة، خارقة لضوابط مذهب الطبيعة.
ثم مرتبة الوراثة والوصاية تجري في كمال جوهر النفس، واشتعال قوتها القدسية، وشدة إعتلاقها واتصالها، وتأكد علاقتها بذلك العالم مجرى مرتبة النبوة، وتستن بسنتها، وتتلو درجتها، وتنوب عنها منابها، إلا أنها ليست بمثابة تصحح للوصي تشبح الملائكة، وتمثل روح القدس له على صورة يراها ويعاينها، حتى يكون يتصحح له من ذلك سماع كلام الله تعالى بالوحي والإيحاء، على أن يكون هو الموحى إليه من دون توسيط الرسول، بل إنما الأوصياء والأئمة بعقولهم محدثون مفهمون - على البناء للمفعول من التحديث والتفهيم - فربما يسمعون الصوت ولكنهم لا يعاينون شخصا متشبحا...“
~الميرداماد محمد باقر الحسيني الأستر آبادي، الرواشح السماوية.
ربط مالك بن نبي بين الهوس الجمالي في النفسية الأوروبية وبين الموسيقى التي أُدخلت في الطقوس والشعائر الدينية المسيحية في أروربا، في كون هذه الأخيرة بحسبه مُلهما جماليًا طغى على نفسية الفرد الأوروبي.
وهذا ما أشار إليه المؤرخ الهولندي يوهان هويزنجا [ Johan Huizinga] حيث يذكر أن الهوس الجمالي الأوروبي ارتبط بكل شيء، إلا أنه تجلى أكثر في الموسيقى، لاسيما تلك حضرت في الممارسة الشعائرية الدينية المشبعة للغريزة الجمالية.
ويذكر هويزنجا أن آلة الأورغن [ organ] احتلت قيمة مركزية في الموسيقى الدينية الأوروبية، والتي تعبر عن الانفعال الجمالي.
في كتاب مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار القلوب لابن الدباغ الأنصاري القيرواني المالكي [ ت669ه] أشار إلى تأثيرات آلة الأورغن في معرض حديثه عن الجمال، حيث قال: ”... فأما تأثير الألحان والأنغام الموزونة فيعظم وقوعه في النفوس حتى أنّه يتعدى إلى أرواح الحيوان غير الناطق، فإنا نجد الجَمل على غلظ طباعه يحمل الأثقال العظيمة فإذا سمع صوت الحُداة قطع المسافة الطويلة في الزمن القصيرة، وكذلك الطيور تطرب لحسن النغم، والطفل الصغير يسكن ضجره عند التلحين ويهدأ كربه وينام، ويكفي في ذلك ما يحكى عن الآلة المسماة [ بالأرغن] وتأثيرها في النفوس من الأخلاق المختلفة، فميل النفوس إلى هذه الأمور المناسبة لها أمرٌ طبيعي فيها لا يُنكر ومحبتها لها إنما هي لذاتها لكونها مظهرًا للجمال... “
هامش: الحُداة أو الحُداء أو حُداء الإبل، هو فن عربي من جنس الشعر والغناء، تطرب به الإبل عند سماعه، قيل أن أول من سنّه مضرُ بن نزار.
وهذا ما أشار إليه المؤرخ الهولندي يوهان هويزنجا [ Johan Huizinga] حيث يذكر أن الهوس الجمالي الأوروبي ارتبط بكل شيء، إلا أنه تجلى أكثر في الموسيقى، لاسيما تلك حضرت في الممارسة الشعائرية الدينية المشبعة للغريزة الجمالية.
ويذكر هويزنجا أن آلة الأورغن [ organ] احتلت قيمة مركزية في الموسيقى الدينية الأوروبية، والتي تعبر عن الانفعال الجمالي.
في كتاب مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار القلوب لابن الدباغ الأنصاري القيرواني المالكي [ ت669ه] أشار إلى تأثيرات آلة الأورغن في معرض حديثه عن الجمال، حيث قال: ”... فأما تأثير الألحان والأنغام الموزونة فيعظم وقوعه في النفوس حتى أنّه يتعدى إلى أرواح الحيوان غير الناطق، فإنا نجد الجَمل على غلظ طباعه يحمل الأثقال العظيمة فإذا سمع صوت الحُداة قطع المسافة الطويلة في الزمن القصيرة، وكذلك الطيور تطرب لحسن النغم، والطفل الصغير يسكن ضجره عند التلحين ويهدأ كربه وينام، ويكفي في ذلك ما يحكى عن الآلة المسماة [ بالأرغن] وتأثيرها في النفوس من الأخلاق المختلفة، فميل النفوس إلى هذه الأمور المناسبة لها أمرٌ طبيعي فيها لا يُنكر ومحبتها لها إنما هي لذاتها لكونها مظهرًا للجمال... “
هامش: الحُداة أو الحُداء أو حُداء الإبل، هو فن عربي من جنس الشعر والغناء، تطرب به الإبل عند سماعه، قيل أن أول من سنّه مضرُ بن نزار.
❤5👍1