آراءُ أهل الحكمةِ
896 subscribers
542 photos
37 videos
70 files
6 links
واعلم أيِّدكَ اللَّه أنَّ وَادي الحِكمةِ يَتقدسُ عن أنْ يَلجهُ من كان مرتدياً لنعليِّ الشهوةِ والغضبِ.
Download Telegram
لا يخفى أن الحكم بثبوت الكليات الذهنية، وإن كان مما لا مناص منه في بناء العلوم النظرية، وابتناء القوانين العقلية، غير أنه في التحقيق أن هذه الكليات إنما هي أمور اعتبارية منتزعة من موارد وجودية جزئية، لا أنها تعبر عن حقيقة الوجود بما له من البساطة والشمول.
فإن حقيقة الوجود المحض، لما كانت واحدة بسيطة لا تكثر فيها من جهة ذاتها، كانت أوسع نطاقًا من أن يحيط بها تصور ذهني أو يحصرها حد عقلي. والكليات بما هي مفاهيم محدودة، ليست إلا اعتبارات ذهنية، تنتزعها القوة العاقلة من موارد متعددة، فهي تشير إلى الوجود إشارة إجمالية، ولا تكشف عنه كشفًا تامًا.
ولأجل ذلك ذهب طائفة من أرباب الكشف والشهود، من أهل العرفان وأتباع الحكمة الإشراقية، إلى أن العلم التصوري بالكليات لا يكفي في معرفة الوجود الحقيقي، بل هو حجاب بين القلب وبين شهود الحقيقة.
وقد قالوا: إن حقيقة الوجود لا تدرك إلا بمكاشفة قلبية ذوقية، بعد تجرد النفس عن علائق الطبيعة، وزوال الحجب الظلمانية والنورية، فلا يحيط العقل النظري بحقيقته، وإن أدرك آثاره ورسومه.
ومن هنا يظهر أن الاعتماد على المفاهيم الكلية إنما يفيد في حدود العلم الكسبي، ولا يغني عن مقام العلم الحضوري والشهودي، حيث ينكشف الوجود بنفسه للنفس، لا عبر صورة ذهنية أو حد منطقي.
فالحق أن الكليات ضرورية للنظر العلمي، لكنها قاصرة عن إدراك لبّ الوجود، وأن للوجود ظهورًا خاصًا للنفس عند كمال صفائها، لا يمازجه حد ولا رسم.
6
” ولا يكون لأيِّ عملٍ أو ذِكرٍ أثرٌ مهمٌّ ما لم يُلتزم بتكراره أربعينَ مرةً، وقد صرَّحت الآياتُ الكريمةُ والأحاديثُ الشريفةُ بخصوصية الأربعينَ في ظهور الفعلية وتجلي الاستعداد وخروج ما بالقوة إلى مرحلة الفعل وحصول الملكة. كما رُويت في الجوامع الحديثية أحاديثُ عن أهل بيت العصمة والوحي تحثُّ على الاستمرار على العمل لمدة سنةٍ كاملةٍ. “

~ الشيخ حسن زاده آملي.

من أخلص لله أربعين يوماً ظهرت ينابيعُ الحكمةِ من قلبه على لسانهِ

~ عن النبي الأعظم وآلـﷺـه، في الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي.
10
آراءُ أهل الحكمةِ
يؤكّد الباحث الياباني في الدراسات الإسلامية [ توشيهيكو إزوتسو ] أن القرآن الكريم أحدث تغييرا جذريا في مفهوم الكلمات التي تداولت في العصر الجاهليّ، وأنه قد تم في دمجها بمنظومة مفهومية جديده لها تركيبها الخاص وحقلها المركزي الخاص لأنّ الكلمات القرانية قد استعملت…
يتميّز مشروع الباحث الياباني في الدراسات الإسلامية توشيهيكو إيزوتسو في دراسته للمفاهيم القرآنية بمنهج لغوي–فلسفي مقارن، يتجاوز حدود تفسير الكلمات إلى تفكيك البنية الدلالية العميقة التي تنتج المعنى داخل النصوص الدينية. لم يكن هدفه مجرد شرح الألفاظ، بل الكشف عن الأنظمة المفاهيمية التي تعبّر عنها هذه الكلمات في ضوء الرؤية الكونية التي تنتمي إليها كل لغة دينية. فكل مصطلح ديني، بحسب إيزوتسو، لا يُفهم على نحو تام إلا إذا وُضع ضمن نسقه الثقافي والدلالي الخاص، الذي يتداخل فيه اللاهوتي بالفلسفي، والروحي بالتاريخي.
من هذا المنطلق، قام إيزوتسو بمقارنة عدد من المفاهيم القرآنية مع نظيراتها في لغات دينية أخرى، أبرزها العبرية التوراتية. فعلى سبيل المثال، يُترجم مفهوم "الوحي" في العبرية بكلمة "توراة" [ תּוֹרָה ] وهي تحمل دلالة على التعليم والتشريع المرتبط بالعهد بين الله وبني إسرائيل، مع تركيز على الطابع القانوني والتعاقدي. أما "الوحي" في القرآن، فهو أكثر شمولاً واتساعًا، إذ يتضمن الإلهام لغير البشر كما في وحي النحل، والكلام الإلهي المباشر كما في خطاب الله لموسى، والرؤيا الصادقة، مما يعكس طيفًا دلاليًا أعرض لا يختزل في الجانب التشريعي فقط.
وبالمثل، فإن مفهوم "العدل" في التوراة يرتبط غالبًا بمصطلح "تزيديك" [ צדק ] الذي يشير إلى برّ تعاقدي ضمن شروط العهد الإلهي. أما في القرآن، فالعدل مبدأ كوني شامل، يتجاوز الانتماءات الجماعية أو الدينية، ويُلزم المؤمن بالإنصاف حتى مع الأعداء، كما في قوله تعالى: { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا }.
وعندما قارن إيزوتسو بين المفاهيم القرآنية والفلسفة اليونانية، ظهرت فروقات جذرية في التصور الميتافيزيقي والمعرفي. فالوجود عند أرسطو ينقسم إلى جوهر وعرض، وهو تقسيم عقلاني صارم يميز بين ما هو قائم بذاته وما يقوم في غيره. أما القرآن، فلا يعالج الوجود بهذا التفصيل، بل يقدمه من خلال ثنائية "الظاهر والباطن"، وهي ثنائية لا تهدف إلى التجريد، بل إلى تعميق الشعور بحضور الله في العالم، باعتباره ظاهراً في خلقه وباطناً عن إدراك العقول.
أما المعرفة، فهي في الفلسفة اليونانية عبارة عن "إبستيميه" [ ἐπιστήμη ] أي معرفة عقلية منظمة ومجردة. في حين أن "العلم" في القرآن يتسع ليشمل المعرفة القلبية والروحية، إضافة إلى المعرفة الحسية والعقلية، مما يجعله أكثر تركيبًا وتكاملاً من المفهوم اليوناني الكلاسيكي.
وفي السياق الفارسي الصوفي، لاحظ إيزوتسو أن كلمة "عشق" المأخوذة من [ إيشك ] تُستخدم للدلالة على حب إلهي متجاوز، غالبًا ما يؤدي إلى ذوبان العاشق في المعشوق. لكن هذا التوحّد الرومانسي لا نجده في القرآن، الذي يستعمل مفهوم "المحبة" بوصفه علاقة تبادلية تقوم على التمييز بين الخالق والمخلوق، كما في قوله تعالى: { يحبهم ويحبونه} وهو حب يحفظ لله جلاله، وللعبد عبوديته.
وعند مقارنته مع اللاهوت المسيحي السرياني، وجد إيزوتسو أن مفهوم "الكلمة" أو "لوغوس" يختلف جوهريًا بين النصين. ففي السريانية، يُستخدم مصطلح "ملثا" للدلالة على الكلمة المتجسدة في يسوع، ما يعكس لاهوت التجسد. أما في القرآن، فإن "كلمة الله" لا تشير إلى تجسيد أو اتحاد وجودي، بل إلى أمر تكويني أو وعد إلهي، كما في قوله: { كلمة ربك صدقًا وعدلًا }.
وفي المقارنة مع اللغة السنسكريتية والفكر الهندوسي، وجد أن مفهوم "الخلود" يُفهم في ضوء فكرة "موكشا"، أي التحرر من دورة الولادة والموت [ السامسارا] حيث يسعى الفرد إلى الاندماج في المطلق. بينما في القرآن، فإن الخلود متصل بمفهوم الجزاء الأخروي، حيث يُخلّد الإنسان في الجنة أو النار، دون أن يُلغى تمييزه الفردي أو يتحوّل إلى جزء من كيان كوني غير شخصي.
من نتائج هذه المقارنات أن إيزوتسو شدد على استحالة الترجمة الحرفية الدقيقة للمفاهيم القرآنية، لأن كل ترجمة تُنتج تشويهًا للدلالة الأصلية. فعلى سبيل المثال، ترجمة "التقوى" بـ [ piety ] أو fear of God تغفل البعد الوجودي والسلوكي المترابط في المصطلح القرآني، الذي يجمع بين الوعي بالخالق، والالتزام الأخلاقي، والخشية القلبية.
وقد أبرزت هذه المقارنات أيضًا فرادة النظام المفاهيمي القرآني، الذي يجمع بين الوضوح التشريعي كما في العبرية، والعمق الفلسفي كما في اليونانية، والرمزية الروحية كما في الفارسية. وقد قدّم إيزوتسو أمثلة تطبيقية على هذا الجمع في تحليله لمفهوم "الأمة"، الذي في العبرية يعني شعبًا [ עם ] ذا رابطة نسبية وعرقية، بينما في القرآن يدل على جماعة دينية مؤمنة مبنية على العقيدة لا العِرق. وكذلك في مفهوم "النور"، الذي في الأفلاطونية يدل على نور العقل، بينما في القرآن يحمل معنى وجوديًا وروحيًا يشير إلى هداية الله ونوره في الوجود.
3
آراءُ أهل الحكمةِ
يؤكّد الباحث الياباني في الدراسات الإسلامية [ توشيهيكو إزوتسو ] أن القرآن الكريم أحدث تغييرا جذريا في مفهوم الكلمات التي تداولت في العصر الجاهليّ، وأنه قد تم في دمجها بمنظومة مفهومية جديده لها تركيبها الخاص وحقلها المركزي الخاص لأنّ الكلمات القرانية قد استعملت…
تكمن أهمية هذه المقارنات في قدرتها على كشف الخصوصية الحضارية للنص القرآني، وتفادي الخلط بين المفاهيم المتقاربة لفظيًا لكنها مختلفة جذريًا، كما هو الحال بين "الفناء" الصوفي و"النيرفانا" البوذية. كما تساعد على إبراز عبقرية القرآن اللغوية في توظيف أدوات العربية لإنتاج نظام ديني شمولي ومتجاوز.
في المحصلة، يبين إيزوتسو أن دراسة المفاهيم القرآنية ليست تمرينًا لغويًا فحسب، بل هي كشف عن أنظمة فكرية وروحية كاملة. فالقرآن، في نظره، أعاد تشكيل اللغة العربية لتكون أداة قادرة على التعبير عن تصور جديد للإنسان والعالم والإله. وبهذا المعنى، فإن اللغة الدينية التي شيدها القرآن تجمع بين دقة الفلسفة اليونانية، وعمق الروحانية الفارسية، وصلابة التشريع العبري، لتكون لغة رؤيوية شاملة لا مثيل لها.
2
” إلهِي لَوْلا الْواجِبُ مِنْ قَبُولِ أمْرِكَ لَنَزَّهْتُكَ مِنْ ذِكْرِي إيَّاكَ، عَلى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي، لا بِقَدْرِكَ، وَما عَسى أَنْ يَبْلُغَ مِقْدارِي، حَتّى أُجْعَلَ مَحَلاًّ لِتَقْدِيسِكَ. “

~ مُناجاة الذاكرين.
13
الخيالُ بوابةُ الملكوتِ، فإذا امتلأَ بصورِ الشهواتِ سُدَّت أمامهُ أنوار الحقِ.
18😢3
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
” كل مسارِ حياة الإنسان بين الولادةِ والمَمات هو مسارُ جعل المعرفةِ الحقّة معرفةٌ مستقرّة في النفسِ“

اللقاء مع الأستاذ محمد ناصر كاملًا:
https://youtu.be/Gv3Ar_C9dbc?si=WXqjyeCy0YjniXu_
5
” كمالُ الجانبِ النزوعيّ عندَ الانسانِ هو الكمالُ الأعلى رتبةً بحيث بنُقصانِه ينقصُ ما غيرَه منَ الكمَالاتِ، فهوَ مؤثرٌ في كلِ كمالٍ آخَر. “

~ الأستاذ محمد ناصر
7
” الوجود خيرية، وكمال الوجود خيرية الوجود، والوجود الذي لا يقارنه عدم، لا عدم جوهر، ولا عدم شيء للجوهر؛ بل هو دائم بالفعل، فهو خيرٌ محض. والممكن الوجود بذاته ليس خيرًا محضًا؛ لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود، فذاته بذاته تحتمل العدم، وما احتمل العدم بوجهٍ ما فليس من جميع جهاته بريئًا من الشر والنقص؛ فإذن ليس الخير المحض إلا الواجب الوجود.“

~ الشيخُ الرئيس ابن سينَا.
9
” قال بعضُ الحُكماءِ :حق الأستاذِ أوكدُ من حق الوالدِ، فإن الوالدَ وسيلةُ فيضان صورة الإنسانِ، والأستاذُ وسيلةُ التّحقُق بحَقيقةِ كمالِ الإنسانُ.“

~ الجلال الدواني، انموذجُ العلوم.
14
إنّ المبادئ الأولى التي هي عللٌ لسائر الموجودات، والتي لا تنالها التغيرات ولا يعرضها الفسادُ، هي أولى بالبحثِ وأحق بالتحقيق، لأنها منبع الحقيقةِ في غيرها، بل هي الحقُّ في أعلى مراتبهِ، وهي العلة لما سواها، وليست معلولةً لغيرها.
فالمعرفة بهذه المبادِئ- أي الموجودات التي لا يُعلَّل وجودها - هي غاية المسير العقليّ، وهي الحكمة الحقيقية التي بها يكمل الإنسان، فإنها المعرفةُ التي تنتهي إلى الله سبحانه، مبدأ الموجودات وعلّتها الأولى.
8
” أقوىَ الناسِ عقلاً وأزكاهم نفساً من يكّلمُ الناسَ على قدرِ عقُولهم. “

~الشيخُ الرئيس ابن سينَا.
15🫡1
نحن نعيش اليوم داخل ما يمكن تسميتُه بـالمنظومةِ العولميةِ الشاملة، وهي ليست مجرَّد تبادلٍ تجاريٍّ أو ثقافيّ، بل هي إطارٌ مرجعيٌّ مُهَيْمِن، يُعيد تشكيل الإنسان والمجتمع والدولة، وفقَ نَمطٍ ماديٍّ أُداتيٍّ يُقصي المعنى والغائيّة، ويحوّل الإنسانَ إلى كائنٍ وظيفيٍّ يَستهلك ويُستهلَك.
الغذاءُ، والدواءُ، والطاقةُ، والمواصلاتُ، والإعلامُ، والمعرفةُ، والترفيهُ، وغيرها؛ كلُّها أدواتٌ يتم عبرَها إحكامُ السيطرةِ على الأطراف.
وهذا يعني أنّ الاندماجَ في هذه المنظومة ليس قرارًا محايدًا، بل هو دخولٌ في شبكةِ علاقاتٍ غيرِ متكافئة، تُحدَّد فيها المراكزُ ـ مثل واشنطن ـ القواعدَ، بينما تُطالَبُ الأطرافُ بالامتثال.
لذا، فإنّنا نُلاحظ أنَّ الدولَ التي ارتمت بالكامل في أحضان هذا النظام، مثل الإمارات وتركيا في نُسختها النيوليبرالية، قد حصلت على مستوىً عالٍ من الرفاهِ الماديّ، لكنها فقدت جزءًا من سيادتها واستقلالِ قرارِها. فالتمدُّنُ هنا ليس نابعًا من الذات، بل مفروضٌ من الخارج.
في المقابل، فإنّ الدولَ التي قرّرت الانفصالَ عن هذه المنظومة، دونَ بديلٍ حضاريٍّ أو اقتصاديٍّ واضح، كأفغانستان أو كوريا الشمالية أو اليمن أو سوريا البعث سابقًا، تجد نفسَها في مواجهةِ العُزلةِ والحرمان؛ لأنَّ البنيةَ التحتيةَ للعيشِ قد أُعيد تشكيلُها ضمنَ هذا النظامِ العالميّ، ولم يَعُد ممكنًا الخروجُ منه إلا بثمنٍ باهظٍ.
أمّا الدولُ التي تُحاول أن تُنافِسَ داخلَ المنظومةِ دون أن تذوب فيها، مثل الصين وروسيا، فهي تُمارس نوعًا من التمرُّدِ الواعي، مستفيدةً من أدواتِ العولمةِ لتفكيكِ مركزيتِها، في محاولةٍ لإعادةِ التوازنِ وبناءِ نظامٍ متعدِّدِ الأقطاب، وهو ما يفتحُ البابَ أمامَ رؤيةٍ شاملةٍ بديلة.
وهنا نصلُ إلى النتيجةِ الجوهريّة، وهي أنَّ أيَّ كيانٍ لا يَملِكُ منظومتَهُ المرجعيةَ المستقلةَ ثقافيًا، معرفيًا، اقتصاديًا، فهو تابعٌ لمنظومةِ غيرِه، شاء أم أبى. وهذا قانونٌ تاريخيٌّ لا يستثني أحدًا.
في الواقع، نحن نعيش في عالمٍ تُحدَّد فيه الخريطةُ الجيوسياسية لا فقط بالجغرافيا أو الموارد، بل بمن يَملِكُ القدرةَ على تحديدِ المعنى، وتوزيعِ الحاجات، وضبطِ التطلّعات.
ولهذا سالت الدماءُ، وسقطت الدولُ، ونُسِفَت الهويّات، من أجلِ تثبيتِ مركزٍ وخلقِ هوامشَ دائمةٍ.
إنَّ المطلوبَ ليس العُزلة، ولا الذوبان، بل إعادةُ تعريفِ علاقتِنا بالعالم، من موقعِ الفاعلِ لا المفعولِ به، عبر مشروعٍ إنسانيٍّ حضاريّ، يرفُض أن يُختَزلَ الإنسانُ في مجردِ مستهلكٍ عابرٍ، ضمنَ سوقٍ لا يرى إلا الكمَّ والربح.
8👏1
‏” إن الدّين لا يدعُو الإنسانَ إلا إلى نيلِ الحقائقِ الإلهيّة بشعورهِ الإستدلاليّ، الذي جهزَ به، وهذا هو بالذَات ما يُعبر عنه بـ الفلسفة الإلهية. “

~ ‏العلامةُ السيّد الطباطبائيّ، عليٌ والفلسفةُ الإلهيّة
إنَّ الإنسانَ، بما هو كائنٌ ذُو شُعورٍ وإرادةٍ، يجدُ من نفسه حضورًا ذاتيًّا لا يقبَلُ الإنكار، وهو ما نُعبِّر عنه بـالوعي أو الإدراكِ الحضوريِّ. وهذا الإدراكُ ليس من سنخِ الصُّوَرِ المُنتَزَعَةِ من الخارجِ، بل هو تَعَلُّقُ النَّفسِ بذاتها، وبه تدركُ ذاتَها ومراتبَ كينونتها.
والإنسانُ في مقامِ التفاتهِ إلى نفسه، لا يجدُ ذاتَه مجرَّدَ تراكمٍ مادّيٍّ أو تفاعلاتٍ فيزيائيةٍ، بل يعي أنَّه فاعلٌ بالإرادةِ، مختارٌ في فعله، مريدٌ عن علمٍ، مدركٌ للمعاني الكليَّةِ من حقٍّ وعدلٍ وخيرٍ وجمالٍ. وهذه المعاني لا تُدركُ بالحسِّ ولا تُقاسُ بالمقدارِ، بل يتلقّاها العقلُ بما هو عقلٌ، فهي خارجةٌ عن نطاقِ الكمِّ والكيفِ، ومتعاليةٌ عن المادة.
ومن هنا يُعلمُ أنَّ حقيقةَ الإنسانِ ليست هي البدنُ ولا خصائصُه الفيزيائيةُ، بل هي ذلك الجوهر المجرد الذي يعي، ويقصد، ويعلم، ويُريدُ. وهذا الجوهرُ، لكونِه غيرَ ماديٍّ في فعلهِ وشعورهِ، لا يمكنُ أن يكون ناشئًا من المادةِ الصرفةِ العمياء الغيرُ واعيةٍ، لأنَّ فاقدَ الشيءِ لا يعطيه.
فالوجودُ الإنسانيُّ، بما فيه من شُعورٍ بالغاياتِ، وتوجهٍ نحو الكليّاتِ، وانجذابٍ إلى المعنى والحقِّ، يدل على أنَّ مبدأَه الأعلى لا يمكن أن يكون مادةً صماءً خاليةً من الإدراكِ، بل هو مبدأٌ عليٌّ، عاقلٌ، بل عِلمٌ محضٌ، هو أولى بالوجودِ ممّا سواه، ومنه انبعثت سائرُ الموجوداتِ.
وبالجملةِ، فليس في عالم المادة ما يُفسِّرُ حضورَ الوعي، ولا ما يُبرِّرُ الحريةَ، ولا ما يُعلِّلُ القيمَ. وهذه شواهدُ قائمةٌ في ذاتِ الإنسانِ تدلُّ، للعقلِ المنصفِ، على أنَّ وراء هذا العالمِ المشهودِ عالمًا أوسعَ، هو عالمُ المعنى، وعالمُ الغيبِ، وعالمُ المجرداتِ.
ومن أنكرَ ذلك، فقد أنكرَ ما به يُعلَمُ كلُّ شيءٍ، ألا وهو العقلُ.
13
” إِنَّ للَّه فِي عبادهِ آنية وَهوَ القَلب، فَأَحبّها إِليه؛ أَصفاهَا وأَصلبها وأَرقها: أَصلبها فِي دِينِ اللَّه، وأَصفاها مِن الذّنوب، وأَرقهَا عَلىٰ الإِخوان.“

~الإمامُ عليّ الرضَا (ع)
21
في عالمٍ انقطع عن مبدئه الأعلى، وغرق في ظلمات الكثرة والمادية، تقف إيران لا كدولة فحسب، بل كرمزٍ للممانعة الروحية في وجه حضارةٍ غربية ألغت المقدّس واستبدلته بالكمّ والمنفعة. الصراع معها ليس سياسياً فقط، بل وجودي؛ لأنها تذكّر، رغم تعقيداتها، بأن للدم كرامة، وللشهادة معنى، وللإنسان غاية أسمى من الاستهلاك واللذة.
شهداء الحرس الثوري والأمة الإيرانية ليسوا أرقاماً في حرب، بل شواهد على بقاء أثر المركز في زمن التفكك. دمهم يذكّر بأن الإنسان ما يزال قادراً أن يضحّي لأجل ما يتجاوز ذاته.
أما الغرب، فقد انفصل عن أصله، وأنتج حضارة ميكانيكية خاوية، حرّرت الإنسان من السماء لتلقي به في الفراغ. تلك الليبرالية التي تزعم الحرية، ليست سوى قيدٍ خفيّ يقطع الصلة بين الإنسان والمطلق.
لقد دخلنا زمناً حاسماً، فيه تُختبر الأمم: من تمسّ بما بقي من النور، يثبت، ومن غرق في الظواهر، يندثر.
14
” الناس مختلفون في السعادة الإنسانية ذلك أن الفقير يرى أن السعادة العظمى في الثروة واليسار، والمريض يرى أنها في الصحة والسلامة، والذليل يرى أنها في الجاه والسلطان، والخليع يرى أنها في التمكن من الشهوات كلها على اختلافها، والعاشق يرى أنها في الظفر بالمعشوق، والفاضل يرى أنها في إفاضة المعروف على المستحقين، والفيلسوف يرى أن هذه كلها إذا كانت مرتبة بحسب تقسيط العدل؛ أعني عند الحاجة وفي الوقت الذي يجب وكما يجب وعند من يجب، فهي سعادات كلها.“

~ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق.
23