آراءُ أهل الحكمةِ
897 subscribers
542 photos
37 videos
70 files
6 links
واعلم أيِّدكَ اللَّه أنَّ وَادي الحِكمةِ يَتقدسُ عن أنْ يَلجهُ من كان مرتدياً لنعليِّ الشهوةِ والغضبِ.
Download Telegram
” قَدرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدرِ هِمَّتِهِ، وَصِدقُهُ عَلَى قَدرِ مُرُوءَتِهِ، وَشَجَاعَتُهُ عَلَى قَدرِ أَنَفَتِهِ، عِفَّتُهُ عَلَى قَدرِ غَيرَتِهِ.“

~الإمَامُ عليّ (ع)، نَهجُ البلاَغةِ.
13🔥2
إنّ النزعة الفلسفية في الحضارة الغربية الحديثة قائمةٌ على جعل الإنسان محورًا للوجود، حيث يُنظر إلى العالم الخارجي لا بوصفه نظامًا موضوعيًا ذا غايةٍ مستقلّة، بل باعتباره مادةً قابلةً للتشكّل وفقًا لإرادة الإنسان ورغباته. ومن هنا، فإنّ حركة الفكر الغربي منذ عصر النهضة قد انطلقت من مبدأ إخضاع الطبيعة وتسخيرها لمنافع الإنسان، وهو ما انعكس في النزعة العلمية والتكنولوجية التي لا تأنف من تغيير نواميس الطبيعة وتسخيرها لتحقيق حاجات البشر المتزايدة.
وأمّا الفلسفات الشرقية، فإنّها تقوم على أصلٍ آخر، وهو أنّ العالم نظامٌ متناسقٌ ذو سننٍ ثابتةٍ، وأنّ الإنسان إنما يجد كماله في التكيف مع هذه السنن، لا في محاولة الانقلاب عليها. فالفرق الجوهري بين النظرتين أنّ الفلسفة الحديثة جعلت الإنسان في مقام الفاعل المستقل الذي ينبغي أن يُكيّف الوجود وفقًا لإرادته، بينما ترى الفلسفات الشرقية أن الإنسان ليس إلا جزءًا من نظامٍ أحكمته يد العناية الإلهية، وأن كماله يتحقق في السير وفق هذا النظام لا في مقاومته أو تغييره بما يتنافى مع غايته الأصلية.
ولكن ما تشير إليه الحكمة الإلهية والفطرة الإنسانية. هو أن الإنسان ليس مجرد كائنٍ منفعل يستسلم للواقع كما هو، ولا هو كائنٌ مطلق الإرادة يستطيع أن يفرض على الوجود قوانينه كيفما شاء، بل هو بين هذين الحدّين، يسعى في تغيير الواقع بما يتناسب مع حاجاته ومصالحه، وفي ذات الوقت يعمل على تهذيب نفسه وتكييفها وفق السنن الكونية والشرعية.
وهذا هو المعنى الذي يجمع بين التسخير والإستخلاف في الرؤية الإسلامية؛ فالإنسان مستخلفٌ في الأرض ليُعمرها، لكنه في الوقت ذاته مكلَّفٌ بتهذيب نفسه وإتباع السنن الإلهية في وجوده. فإذا غلبت نزعة التغيير الخارجي دون التغيير النفسي، وقع الإنسان في الطغيان، وإذا اقتصر على التغيير الداخلي دون السعي في إصلاح الواقع، وقع في العجز والخمول.
وهذا التوازن هو عين ما تشير إليه الآية {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} أي أن تغيير الواقع لا يكون مثمرًا إلا إذا كان مصحوبًا بتغيير داخلي، والعكس صحيح.
👏31🕊1
” في رأيي المتواضع، إن الفيزياء العرفانيّة هي واحدة من المسارات الجوهرية لعالم الطبيعة. لا أنويِ الوصول إلىٰ اللّه من خلالِ الفيزياءِ، لأن الوصولَ إلى اللهِ غير ممكنٍ بالفلسفةِ أو الفيزياءِ. إلّا أنني مع الفيزياءِ، أكتشف مظاهرَ الجمالِ لحضرة الحقِ، آنس بها ليزداد إيمانيّ بإذن اللّه. “

~الشهيدُ محسِن فخري زاده.
21
اعلم أيدكَ الله بنوره أن حقيقة العيدِ ليست في حلّة تلبسها، ولا في مائدة تُبسط لك، بل في قلبٍ يُشرق بنور الرضا، وفي روحٍ تفيض بمعرفة الحق، فتكون للعيد معنًى في وجودك، ويكون وجودك عيدًا في حضرة ربك.

عيدُكم مبارك وكلّ عامٍ وأنتم بخيرٍ.
14
” يا هِشام، إن لكل شيءٍ دليلًا، ودليلُ العاقلِ التفكر، ودليلُ التفكر الصمتُ، ولكل شيءٍ مطية، ومطيةُ العقلِ التواضُع، وكفى بكَ جهلاً أن تركبَ ما نُهيت عنه.“

~ من وصيّة الإمام موسى الكاظم (ع) لهشام بن الحكم.
28
” يريد بعض الناسِ أن يروا اللّه بأعينهم كما يرون البقرة، وأن يحبوه كما يحبون البقرة، من أجل الحليبِ والجبن والمكاسبِ التي تجلبها لهم. هكذا هو حال أولئكَ الذين يحبونَ الّله من أجلِ الثروة الخارجيّة أو الراحةِ الداخليّة.
إنهم لا يحبونَ الله حبًا صادقًا عندما يحبونهُ لمصلحتهِم الخاصَة.“

~مايستر إيكهارت [ meister eckhart ]
19😢2
” ليس الله بعيدًا عنك، لكنك أنت من ابتعدت عنه، بابتعادك عن ذاتك الحقيقية.“

~مايستر إيكهارت.
12
في زمن اليوم، لم يعد العلم وسيلة لفهم الكون أو تحقيق التوازن مع النظام المقدس للوجود.
لقد تحوّل إلى أداة للهيمنة والتفكيك، إلى قناع يُخفي فراغ الإنسان الحديث.
إنّ أزمتنا اليوم ليست أزمة نقصٍ في المعلومات أو التكنولوجيا، بل أزمة فقدان العقل- العقل بمعناه الأصيل- ذلك الذي يتصل بالحقيقة العليا، باللوغوس الكوني، بالعقل الكلي الذي يمنح لكل شيء موضعه وغايته.
إن وفرة المعارف العلمية لا تساوي شيئًا حين تنفصل عن الحكمة. بل هي طريق مباشر نحو العدم.
العلم المنفصل عن الحكمة يصبح وحشًا يتغذى على وجود الإنسان ذاته.
لم يعد الإنسان يتحكم في أدواته؛ بل الأدوات صارت تتحكم به، تدفعه إلى هاوية الفوضى والدمار.
العقل، كما فهمته التقاليد الكبرى، هو إدراك التناسب الكوني، وضبط القوى الحيوانية في النفس، ووضع كل شيء في مكانه الصحيح وفق ترتيب وجودي أعلى.
أما العقل الحديث، فليس سوى آلة صمّاء لتحليل الظواهر، خادم أعمى للرغبة والسوق والنظام التقني الشيطاني.
وهكذا، لم يعد الإنسان سيد نفسه، بل صار ذرة تائهة في إعصار اللامعنى.
لقد خان الإنسان رسالته الكونية، وانحرف عن مسار العودة إلى الأصل.
العالم اليوم يفيض علمًا، ولكنه ينهار عقلًا وروحًا.
17
إن الوجود بما هو حقيقة واحدة، مترابطة الأجزاء، محكمة النظام، لا يمكن أن يكون قائماً بذاته من غير علة موجدة، إذ إن كل ما فيه من ممكنات حادثة لا تستقل بذاتها، بل تتوقف في قوامها على مبدأ يمنحها الوجود. وهذا المبدأ هو الواجب الوجود، الذي لا حد لذاته، ولا تركيب فيها، بل هو صرف الوجود، غير محتاج إلى غيره، ولا يقبل التعدد، لأن الكثرة تستلزم المحدودية، والمحدود محتاج إلى غيره، فيكون ممكناً، لا واجباً.
والحكمة تقتضي أن يكون فعله متقناً، فليس في صنعه عبث، وإنما يجري على سنن العناية الإلهية. وإذا كان الفعل الإلهي حكيماً، فإن وجود الإنسان، بما فيه من إدراك وإرادة، ليس إلا سبيلاً إلى كمال يليق بحقيقته، وكمال الممكن لا يكون إلا بالعلم والعمل، فغاية الإنسان هي السلوك إلى الحق، والتكامل في المعرفة والتقرب إلى مبدأ الوجود، كما يقتضيه نظام العلية.
وهذا التكامل، لما كان أمراً متعذراً على العقول القاصرة أن تدركه استقلالاً، احتيج إلى الهداية الإلهية، فكان الوحي ضرورة، والشرائع الإلهية بياناً للسبيل، فالإسلام بما هو آخر الشرائع المحفوظة، قد جاء ليكمل ما سبقه، وهو المتضمن للتوحيد الحق، والعدل، وصراط القرب من الله سبحانه.
والعدل الإلهي يقتضي ألا يترك الظلم دون قصاص، ولا العمل دون جزاء، فالحياة الآخرة استمرار لمسيرة التكامل، فمن بلغ الكمال، فهو في النعيم المقيم، ومن انحرف عن فطرته، فهو في شقاء ذاته، إذ لا يمكن أن تنال النفس ما لا تستعد له.
والخلق، بما هو فعل الفاعل التام، ليس على نحو الصدفة، بل هو إفاضة وجودية، فكل ما دون الواجب مفتقر إليه، لا يستقل بذاته. وما يجري من تدبير في العالم، فإنما هو بنظام الأسباب، فهناك وسائط روحانية تتولى إيصال الفيض الإلهي إلى الموجودات، وهي العقول المفارقة التي أقامها الله مراتب في نظام الوجود، غير أنها ليست مستقلة عن مبدأ الوجود، بل هي فيض منه، قائمة بأمره.
🫡21
في الأزمنة الغابرة، كان الإنسان متماهياً مع الإيقاع الأبدي للطبيعة. كان وجوده بسيطًا، لكنه ممتلئ بالمعنى، حياة تنبع من التراب، من الريحِ، من نور الشمسِ وظلمة الليل. لم تكن سعادتهُ ناتجة عن وفرة الأدواتِ أو وفرة الخيارات، بل كانت سعادة الوجود المتجذر، سعادة الإنغماس في كلِّيَّة الطبيعة.
غير أن الإنسان، وقد دبّت فيه الشرارة البروميثيوسية، راح يسعى لتطويعِ الواقع. شيئًا فشيئًا، بدأ مسار الإنفصال، إنفصالُ الإنسان عن الأرض، عن السماءِ، عن الآخر، بل عن ذاته الداخليّة. كانت كل قفزة حضارية تُولد من رغبة حارقة في حل مشكلة آنيّة، لكنها في الوقت نفسه كانت تؤسس لمشكلةٍ أكبر، أكثر تجذرًا، أكثر خبثًا.
لقد تحولت محاولات تذليلِ الواقع إلى مشروع كوني للسيطرةِ. لم يعد الإنسانُ يطلب من الطبيعة خبزًا ومأوى فقط؛ بل طلب منها الخضوعُ الكامل. وهكذا تشكلت الحضارةُ الحديثة، هذا السرطان الطفيليّ، الذي ينمو بإفراط على جسدِ الكوكب ويستهلكُه بلا رحمةٍ.
الإفراط في تسهيلِ الواقع لم يؤدِّ إلى تحرير الإنسانِ كما توهّم التنويريون، بل إلى استعباده لشبكاتٍ معقدةٍ من الآلات، والبيروقراطيات، والنظم الاقتصاديّة، والنزعات الفردانيّة الأنانية.
أصبح الإنسانُ الحديث كائناً هشًا، يلهث خلف شبح السعادة الحسيّة، بينما تغوصُ روحه أعمق في هاويةِ العدم.
اليوم، لا خلاص للإنسانِ إلا بإعادة تأسيس علاقةِ مقدسة مع الوجودِ. ليس بالإرتداد الساذجِ إلى بدائية عمياء، ولا بالغرق الأعمى في طوفان التقنيّة، بل بإحداث قطيعةٍ مع مسار الحداثة الماديّة، وبناء نمط وجودٍ جديد؛ وجودٌ ينطلق من الوعي بالحدودِ، بالبساطة، بالمعنى الأعلى.
ينبغي للإنسانِ أن يعود إلى جذوره الكونيّة، أن يحيي علاقةً قدسيّة مع الأرض، مع السماءِ، مع الزمن.
أن يستخدم أدواتهُ لا كغاية بذاتها، بل كوسيلةٍ للخدمة لا للهيمنة.
أن يحقق نوعاً من الزهد الواعي، في مواجهة الإغراءاتِ اللانهائية للحداثة المنحطةِ.
إن مصير الإنسانِ معلق اليوم بخياره الجوهريّ؛ إما أن يواصل السقوط في العبث الكوني، أو أن يختار بعث إنسانيته الحقيقيّة، من خلال ثورة وجوديةٍ شاملة، تعيد له مكانهُ الأصيل في نسيج الكينونةِ.
3
” إلهي... وضعُ الجبينِ على الترابِ سهلٌ، لكن رفعُ القلبِ من التُرابِ صعبٌ. “

~ الشيخُ حسن زادة آمليّ.
19😢2
” أرى أنّ أهم خصوصيّة تميّز السيد الشهيد الصدر هي جمعه بين العبقرية الفذّة والعقليّة الكبيرة، وبين الروح المتسامية والأخلاقية المتواضعة. فعادة عندما يتضخّم العقل تتراجع القيم الأخلاقية في نفس الإنسان؛ حيث يشعر المرء بعظمته وعلوّ شأنه، ويترتّب على هذه الحالة الشائعة استخفافٌ بالنمط الفكري لدى الطرف الآخر، والتسرّع في إصدار الحكم بشأنه وعدم إنصافه،بل واحتقاره والسخرية منه.
وعليه فإنّ الجمع بين العبقرية العقليّة والتواضع العلمي يعدّ أمراً في غاية التعقيد والصعوبة، كما أنّه في الوقت نفسه مؤثّر جداً في الإنتاج الصحيح للعلم...“

~ الدكتور حيدر حب الله.
19
إن الفلسفة النيتشوية، وإن بدت في ظاهرها دعوة للتمرد على القيم التقليدية، إلا أن جوهرها يدور حول فهم عميق لطبيعة الإنسان، الذي يُتَوقع منه أن يكون مبدعًا في وجوده، في مواقفه، وفي قيمه. لا يدعو نيتشه إلى تبني الفوضى أو التخلي عن أخلاقيات الحق، بل إنه يحث على خلق القيم التي تُناسب طبيعة الإنسان الأعلى، ذلك الإنسان الذي لا يرضى بالتسوية مع الواقع كما هو، بل يسعى إلى تصعيده وإعادة صياغته من خلال إرادته المستمرة في النمو والظهور.
الإنسان الأعلى عند نيتشه، هو الإنسان الذي يُجسد الإرادة الحرة، ويُدير شؤون حياته وفقًا لما يراه من قيمه الخاصة التي يخلقها بنفسه، لا تلك التي يفرضها عليه الآخرون أو يتوارثها بلا تفكير. هذا الإنسان هو الذي يسيطر على ذاته، فيكون فيها المربي والمعلم، فيتجاوز رغباته العميقة التي قد تعيقه عن الوصول إلى كماله.
إذا نظرنا إلى هذه الفكرة في إطار المفهوم العرفاني، نجد أن الفكرة تتقاطع مع الفهم العميق للوصول إلى مقام الإنسان الكامل. فكما أن الإنسان الكامل في المنظور العرفاني هو الذي يتجاوز شهواته ونزواته، ويحقق السيطرة على ذاته حتى يصبح مرآة للعالم العلوي، فإن الإنسان الأعلى عند نيتشه هو كذلك، يُظهر قوتَه وحريته، ويُحقق تكامل وجوده من خلال إرادته الفاعلة والمتجددة.
إن فلسفة نيتشه تتطلب من الإنسان أن يواجه التحديات والمصاعب بحكمة وقوة، وألا يستسلم للضعف أو للظروف العارضة. إنه ينظر إلى الألم والتحديات كفرص للتطور والنمو، وهذا ما يتماشى مع المفاهيم التي تحدث عنها العرفاء في سعيهم للوصول إلى الكمال الروحي. هناك، في صميم هذه الفلسفة، دعوة إلى تجاوز المحدودية والآلام التي يفرضها العالم المادي، وفتح الأفق نحو بناء قيمة جديدة للحياة، قيمة تكون أكثر توافقًا مع الكمال البشري.
إن الإنسان الأعلى عند نيتشه، كما الإنسان الكامل في الرؤية العرفانية، ليس فردًا يعيش في عزلة عن العالم، بل هو الذي يعي حقيقة وجوده ويُدرك أن الوجود الإنساني يقتضي الصراع والتطور. ولذا، فإن سعيه نحو الكمال يتطلب منه أن يكون صادقًا مع ذاته في المقام الأول، وأن يستفيد من كل تجربة، وكل تحدٍ، ليصبح أقرب إلى المثال الأعلى الذي يجسد معاني القوة، والحكمة، والسيطرة الكاملة على الوجود الداخلي.
8
”المرأة التي تعتقد أنها متساوية تماما مع الرجل، هي إمرأة لم تعد فخورة بأنوثتها، ولا تفهم تماما إمكانات حال الأنوثة الكامنة، وتشعر بالدونية في سعيها إلى أن تكون رجلا آخر فلا تملك له مطالا.
والمرأة التي تسعى إلى تقليد الرجل لن تتجاوز في أفضل الحالات رجلا من الدرجة الثانية، وقل مثل ذلك عن الرجل الذي يسعى إلى تقليد المرأة.
ويرى الإسلام الرجل والمرأة في حال تكامل لا تنافس، ولكنهما يقفان أمام الربّ بالتساوي، فعليهما القيام بالشعائر ذاتها، ويتحمل كل منهما مسؤولية أعماله.
وبالتالي علاقتهما متساوية في الحقيقة فوق الكونية، ولكنهما يتكاملان على مستوى وقائع الوجود الكوني الذي ينطوي على عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية.
والمجتمع الذي سحقت فيه الماكيناتُ إمكان النضج الإنساني للذكر والأنثى الذي جعل الرجل أقل رجولة والمرأة أقل أنوثة يمثل نقيضاً لمُثُل الإسلام.
وعندما يختلط أمر الجنسين يختل النظام الاجتماعي، وتُعتم الحياة الروحية، فلا يقترب الرجال ولا النساء من الرباني إذا لم يُخلصوا للصورة التي خُلقوا عليها قدرًا.“

~ سيّد حسين نصر.
19🫡2
” ما أَخْلَصَ العَبْدُ الإيمانَ باللهِ عَزَّ وجَلَّ أَرْبَعينَ يَوْمًا إِلّا زَهَّدَهُ اللهُ في الدُّنْيا، وَبَصَّرَهُ داءَها وَدَواءَها، وَأَثْبَتَ الحِكْمَةَ في قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِها لِسانَهُ.“

~ الإمامُ محمّد الباقِر (ع).
20😢1
ليس من المصادفة أن يعتزل الرهبان والمتصوفة وذوو الميول التأملية في الكهوف أو على قمم الجبال، فذلك ليس فعلًا ناتجًا عن نفور اجتماعي أو انطواء نفسي كما يتوهم الفكر الحديث، بل هو انعكاس لشعور داخلي أصيل بأن الارتقاء المكاني يرمز إلى ارتقاء في التراتب الكوني، أي الانتقال من السفلي إلى العلوي، من الكثيف إلى اللطيف، من الزماني إلى السرمدي. فالمكان في هذه الرؤية ليس مجرد حيّز مادي، بل حاملٌ للرمزية الكونية التي كانت حاضرة دائمًا في الذهنية التقليدية.
ففي أعالي الجبال، حيث يتضاءل ضجيج العالم، تصبح النفس أكثر استعدادًا لاستقبال الإشراقات العلوية، إذ تتلاشى شوائب الحس وتنكشف بعض من أستار العالم الأعلى. ولعلّ عبادة النبي محمد صلى الله عليه وآله في غار حراء، ليست إلا تعبيرًا نقيًا عن هذا المعنى، إذ لم تكن مجرد خلوة في مكان بعيد، بل كانت تهيؤًا أنطولوجيًا لتلقي الكلمة الإلهية. الغار نفسه، كمكان منغلق في أعلى الجبل، هو صورة عن القلب الساكن في القمة، الذي يُهيّأ لاستقبال الإلهام.
وقد ورد ذكر الجبال في النص القرآني ثلاثًا وثلاثين مرة، لا كعناصر طبيعية فقط، بل كمظاهر من مظاهر النظام الكوني، ودعائم رمزية للعالم الأرضي، وكنماذج للصمود والخشوع أمام الجلال الإلهي. الجبل، في حقيقته الباطنية، ليس جامدًا كما يُصوّر في نظرة مادية، بل هو كائن يسبّح، يخشع، ويتلقى من العوالم العليا ما لا يراه العابرون.
الصلاة في الطبيعة ليست استبدالًا لحيز بآخر، بل هي عودة إلى النمط التقليدي للعبادة، الذي ينفتح فيه الإنسان على الكونية الكبرى، إذ تصبح كل عناصر الطبيعة مشاهد رمزية لتجلّيات الواحد. تحت ظل شجرة، أو على شاطئ البحر، أو على ذروة جبل، تتناغم حركات الجسد مع نظام الوجود، ويعود الإنسان إلى مقامه الفطري، حيث لا تحجبه الأسقف ولا تحبسه الجدران، بل يصير جزءًا من النسيج الكوني المتجه دومًا إلى المطلق.
وفي مثل هذه اللحظات، لا تعود الصلاة فعلاً شكليًا، بل تتحول إلى صدى من أصداء الكلمة الأولى، إلى تموج صامت في بحر الوجود، وإلى ذكرٍ يلامس ما فوق العقل، حيث يصبح السجود انمحاءً لا مجازًا، ويصير الذكر رجعًا لصوت لم ينقطع منذ أن قال الحق: "كن".
12
من كلام الإمام علي (ع) { إِذا تَمَّ العَقْلُ نَقَصَ الكَلامُ }

” تمام العقل يستلزم كمال قوّته على ضبط القوى البدنيّة وتصريفها بمقتضى الآراء المحمودة الصالحة؛ ووزن ما يبرز إلى الوجود الخارجيّ عنها من الأقوال والأفعال بميزانِ الإعتبار وفى ذلك من الكلفة والشرائط ما يستلزم نقصان الكلام؛ بخلاف ما لا يوزن ولا يعتبر من الأقوال...

قالوا : إذا رأيتم الرجل يُطيل الصمت ويهربُ من الناسِ فاقربوا منه فإنه يَلقى الحكمةَ.“

~ الشيخ عباس القمي، شرح حكم نهج البلاغةِ.
15
{إنا عرضنَا الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ والجبال فأبينَ أن يحملنها وأشفقنَ منها وحَملها الإنسانَ إنه كانَ ظلومًا جَهولًا}

إن هذه الآية الكريمة تعبر عن واحدة من أعمق الحقائق في الميتافيزيقا الإسلامية، وهي المقام الفريد للإنسان في النسق الكوني. فـ[ الأمانة ] المشار إليها هنا ليست مجرد مسؤولية أخلاقية، بل هي رمز للوعي الإلهي المودَع في الإنسان، والذي يجعله قادرًا على إدراك مراتب الوجود، والسير نحو معرفة الله بمعناها الباطني الوجودي، لا فقط الذهني المفهومي.
إن [ العرض ] على السماوات والأرض والجبال لا يفهم إلا في ضوء اللغة الرمزية الكونية، حيث تمثل هذه الكيانات الوجودَ في تجلياته الكبرى. لكنها وإن كانت عظيمة الشأن من حيث الوجود، فإنها تفتقر إلى البعد التأملي-الذاتي الذي اختص به الإنسان، وهو ما يعبّر عنه بالقولِ: أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر.
فالإنسان، بحسب الرؤية الإسلامية الكونية هو الكائن الجامع لكل العوالم، ولهذا وحده أسندت إليه الأمانة، التي هي في جوهرها الاستعداد للتجلّي الذاتي للحق في مرآة الوعي الإنساني.
غير أن الإنسان، حين يغفل عن مركزه، ويفقد صلته بالسماء، يصبح { ظلوما جهولا } أي يسقط في الغفلة الوجودية [ الغفلة عن الله ] ويُستلب في عالم الكم والتجزئة، ويُبتلع في الحضارة التقنية التي تقطع الجذور المتعاليّة للإنسان.
لكن هذه الآية لا تخلو من رجاء، إذ إنها تُشير ضمناً إلى إمكان ارتقاء الإنسان إلى مقام الخلافة والتجلّي [ الخلافة الأسمائيّة ] متى ما عاد إلى فطرته، وسلك طريق التزكية والمعرفة، فأعاد ربط ذاته بالمبدأ، و[ حمل الأمانة ] على وجهها الحقيقي، أي أن يكون مرآة تعكس أسماء الله وصفاته، ومسرحًا لتجلي الحق في الوجود.
وهكذا، فالآية تمثل نصًا مفتاحيًا لفهم ماهية الإنسان في الإسلام، لا ككائن بيولوجي فحسب، بل كـ [واسطة بين السماء والأرض] كـ كائن رمزي ينفتح على ما فوقه وما تحته، وتكون نجاته في تحقيق هذه الأمانة لا في نسيانها.
8
4