الفلسفة الإلهية في جوهرها، ليست ضربًا من الترف الفكري، ولا متاهةً من المجادلات النظرية، بل هي سفرٌ في مدارج الوجود، ارتحالٌ من غربة الظاهر إلى وطن الباطن، من ضيق الأكوان إلى فسحة النور. إنها النشيد الذي يردده القلب وهو يشقُّ طريق العودة، والضياء الذي يهتدي به السالك حين تعييه المسالك.
ليس الإنسان كائنًا من طين فحسب، بل هو قبسٌ من عالم الملكوت، نفخةٌ نورانية هبطت إلى عالم التراب، لا لتبقى فيه، بل لتعرفه، فتجاوز حدوده، ثم تعود إلى موطنها الأول، موطن الصفاء والنور. غير أن العودة ليست عودة الجسد إلى العدم، بل عروج الروح إلى مقامها الأرفع، حيث لا يبقى إلا الحق، ولا يسمع إلا نشيد الوجود.
غاية الإنسان ليست أن يجمع العلوم كما تُجمع الأحجار، ولا أن يراكم المعارف كما تُحصى الأموال، بل أن يتحول هو نفسه إلى علم، إلى نور، إلى مرآة تعكس الحقيقة الإلهية. والكمال ليس محطةً يصل إليها العابر، بل هو سفرٌ لا ينتهي، حيث كل درجة هي بداية لما هو أرقى، وكل شهودٍ هو مدخلٌ لشهود أعظم.
وهذا السفر يتمُّ على ثلاث كمالاتٍ:
كمال العقل، حين يصبح الفكر مصباحًا يُبصر به صاحبه حقيقة الوجود، فلا يرى الأشياء على ما تبدو، بل على ما هي في جوهرها، نورًا في نور. هنا، لا يكون العلم مجرد تصور، بل شهودًا، ولا تكون المعرفة محصورة في الكتب، بل محفورة في القلب.
وكمال القلب، حين ينخلع السالك عن أهوائه، فتنجلي مرآة روحه، ويصبح قابلاً لتلقي الأنوار. عندها، لا يرى في الكون إلا تجليات الأسماء الإلهية، ولا يسمع في الأشياء إلا نداء الحق.
وكمال الوجود، حين يصبح العبد هو الآية، هو البرهان، هو الحكمة الناطقة. هنا، لا يكون السالك مجرد سالك، بل يصبح هو الدليل على الطريق، بل يصبح هو الطريق ذاته.
وإذا كان لكلِّ عودةٍ سبيل، فإن سبيل العودة إلى الملكوت يبدأ بالعقل، لكنه لا ينتهي به. فلا بدَّ من تطهير السرّ، وكشف الغطاء، والذوبان في العشق الإلهي، حتى يصبح السالك منجذبًا إلى النور كما تنجذب القطرة إلى البحر، فتفنى فيه، وتبقى به.
وحين يكتمل السفر، لا يعود السالك فردًا من أفراد البشر، بل يصبح كونًا قائمًا بذاته، نسخةً جامعةً لكل الكمالات، مرآةً يتجلى فيها السرّ الأعظم. عندها، لا يكون في الإنسان إلا الحكمة، ولا يكون في الحكمة إلا النور، ولا يكون في النور إلا الحق.
هنا، يكون العبد قد عاد، لكن ليس كما بدأ، بل وقد صار أكمل مما كان، إذ لم يعد مجرد شعاعٍ من نور، بل أصبح هو النور الذي يُستضاء به، هو الحقيقة التي تشرق بها الأكوان.
ليس الإنسان كائنًا من طين فحسب، بل هو قبسٌ من عالم الملكوت، نفخةٌ نورانية هبطت إلى عالم التراب، لا لتبقى فيه، بل لتعرفه، فتجاوز حدوده، ثم تعود إلى موطنها الأول، موطن الصفاء والنور. غير أن العودة ليست عودة الجسد إلى العدم، بل عروج الروح إلى مقامها الأرفع، حيث لا يبقى إلا الحق، ولا يسمع إلا نشيد الوجود.
غاية الإنسان ليست أن يجمع العلوم كما تُجمع الأحجار، ولا أن يراكم المعارف كما تُحصى الأموال، بل أن يتحول هو نفسه إلى علم، إلى نور، إلى مرآة تعكس الحقيقة الإلهية. والكمال ليس محطةً يصل إليها العابر، بل هو سفرٌ لا ينتهي، حيث كل درجة هي بداية لما هو أرقى، وكل شهودٍ هو مدخلٌ لشهود أعظم.
وهذا السفر يتمُّ على ثلاث كمالاتٍ:
كمال العقل، حين يصبح الفكر مصباحًا يُبصر به صاحبه حقيقة الوجود، فلا يرى الأشياء على ما تبدو، بل على ما هي في جوهرها، نورًا في نور. هنا، لا يكون العلم مجرد تصور، بل شهودًا، ولا تكون المعرفة محصورة في الكتب، بل محفورة في القلب.
وكمال القلب، حين ينخلع السالك عن أهوائه، فتنجلي مرآة روحه، ويصبح قابلاً لتلقي الأنوار. عندها، لا يرى في الكون إلا تجليات الأسماء الإلهية، ولا يسمع في الأشياء إلا نداء الحق.
وكمال الوجود، حين يصبح العبد هو الآية، هو البرهان، هو الحكمة الناطقة. هنا، لا يكون السالك مجرد سالك، بل يصبح هو الدليل على الطريق، بل يصبح هو الطريق ذاته.
وإذا كان لكلِّ عودةٍ سبيل، فإن سبيل العودة إلى الملكوت يبدأ بالعقل، لكنه لا ينتهي به. فلا بدَّ من تطهير السرّ، وكشف الغطاء، والذوبان في العشق الإلهي، حتى يصبح السالك منجذبًا إلى النور كما تنجذب القطرة إلى البحر، فتفنى فيه، وتبقى به.
وحين يكتمل السفر، لا يعود السالك فردًا من أفراد البشر، بل يصبح كونًا قائمًا بذاته، نسخةً جامعةً لكل الكمالات، مرآةً يتجلى فيها السرّ الأعظم. عندها، لا يكون في الإنسان إلا الحكمة، ولا يكون في الحكمة إلا النور، ولا يكون في النور إلا الحق.
هنا، يكون العبد قد عاد، لكن ليس كما بدأ، بل وقد صار أكمل مما كان، إذ لم يعد مجرد شعاعٍ من نور، بل أصبح هو النور الذي يُستضاء به، هو الحقيقة التي تشرق بها الأكوان.
❤8👏2🕊1
Forwarded from آراءُ أهل الحكمةِ
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
” من قوي هواهُ، ضعُفَ عَزمُهُ“
~الإمام علي (ع)
~الإمام علي (ع)
❤9
” ماهية الفلسفة لا يمكن أن تتحدد إلا من خلال علاقتها بالحقيقة الأصيلة للموجود بكليتهِ، ولما كانت الماهية الكاملة للحقيقة تتضمن قبل كل شيء على صورة الحجب أو الإخفاء؛ فإن الفلسفة بوصفها التساؤل عن هذه الحقيقة لا بُدَّ أن تكون منقسمة على ذاتها، إن فكرها هو الاتزان اللين[ المرن] الذي لا يتمنع على تحجب الموجود بكليتهِ، وفكرها كذلك هو التشدد المتفتح، الذي لا يدمر التعجب، وإنما ينقله-مع الحفاظ على طبيعته-إلى وضوح الممثل وبهذا يلزمه بأن يتجلى في حقيقته الخاصة. نجد الفلسفة في هذا الإتزان المرن وهذه المرونة المتزنة اللذين يقيدان للموجود أن يوجد بما هو كذلك وبكليتهِ؛ تنمو وتتحول إلى تساؤل، أنه إذا لم يستطع أن يقصر علاقته على الموجود وحده؛ فإنه لا يحتمل أدنى تسلط عليه من الخارج. وقد شعر كانط بهذه المحنة الباطنية للفكر، إذ يقول عن الفلسفة: الواقع أننا هنا في موقف عصيب، ولقد كان ينبغي لهذا الموقف أن يكون ثابتا، ولو أنه لا يجد في الأرض ولا في السماء ما يتعلق به أو يستند إليه، إن عليها أن تقيم البرهان على نقائها بأن تجعل من نفسها حارسة على قوانينها [أو مدبرة لها] بدلًا من تبشيرها. “
~ مارتن هايديجر، نداء الحقيقة.
~ مارتن هايديجر، نداء الحقيقة.
آدم لم يسقط... بل نزل... ولم يُطرد بل دُعي إلى الاستخلاف. كان في الجنة، لكنه لم يكن يعرف الجنة، كان في النور، لكنه لم يدرك النور، حتى ذاق الطين بيديه، وعرف الألم بوجوده، ففُتح له بابٌ ما كان ليُفتح لولا هذا الهبوط. لم تكن خطيئته لعنة، بل كانت الخطوة الأولى في رحلة الإكتمال. ولو بقي في عليائه، لما عَرَف، ولما اشتاق، ولما بحث، ولما عاد.
وهكذا ابن آدم في هذا الوجود، منقذفٌ فيه بغير اختيار، يولد دون أن يُسأل، يُلقى في عالمٍ مزدحمٍ بالأصوات، بالأوامر، بالعادات، بالطرق المعبدة سلفًا، فلا يرى نفسه، بل يرى ما تريد الجماعة أن يراه. لكن، كما أن سقوط آدم كان طريقه إلى المعرفة، فإن هذا الإنقذاف في العالم هو الفرصة الوحيدة للإنسان كي يستيقظ ويختار أن يكون هو، لا أن يكون ما صُنع له أن يكون.
تقول فلسفة هايدغر الوجوديّة أن الإنسان مُلقى في العالم. لكنها لم تقل ذلك ليحزنَ الإنسان، بل لتوقظه، لتقول له: أنت هنا، لكنك لم تكن شيئًا قبل أن تدرك أين أنتَ، ولم تصبح أحدًا قبل أن تواجه وجودك وتقررَ أن تحياه بصدقٍ. كما أن آدم لم يُدرك حقيقةَ النور حتى وجد نفسه في الظلِ، فإن الإنسانَ لا يمكنه أن يعرف ذاتهُ إلا حين يواجه غربته، وحين يأتي ذلك القلق العميق، ذلك النداء الخفي الذي يسأله: من أنت؟ ولماذا أنت هنا؟.
ليس كلُ من سقطَ ضلّ، وليس كل من انقذف تاه. هناك سقوطٌ لا ينتهي إلا بالعودة، واغترابٌ لا يُثمر إلا معرفةً، وضياعٌ هو في حقيقته بدايةُ الطريق. فالسالك ليس من لم يسقط، بل من سقط ثم عرف كيف يعودُ، لا إلى حيث كان، بل إلى حيث ينبغي أن يكون.
وهكذا ابن آدم في هذا الوجود، منقذفٌ فيه بغير اختيار، يولد دون أن يُسأل، يُلقى في عالمٍ مزدحمٍ بالأصوات، بالأوامر، بالعادات، بالطرق المعبدة سلفًا، فلا يرى نفسه، بل يرى ما تريد الجماعة أن يراه. لكن، كما أن سقوط آدم كان طريقه إلى المعرفة، فإن هذا الإنقذاف في العالم هو الفرصة الوحيدة للإنسان كي يستيقظ ويختار أن يكون هو، لا أن يكون ما صُنع له أن يكون.
تقول فلسفة هايدغر الوجوديّة أن الإنسان مُلقى في العالم. لكنها لم تقل ذلك ليحزنَ الإنسان، بل لتوقظه، لتقول له: أنت هنا، لكنك لم تكن شيئًا قبل أن تدرك أين أنتَ، ولم تصبح أحدًا قبل أن تواجه وجودك وتقررَ أن تحياه بصدقٍ. كما أن آدم لم يُدرك حقيقةَ النور حتى وجد نفسه في الظلِ، فإن الإنسانَ لا يمكنه أن يعرف ذاتهُ إلا حين يواجه غربته، وحين يأتي ذلك القلق العميق، ذلك النداء الخفي الذي يسأله: من أنت؟ ولماذا أنت هنا؟.
ليس كلُ من سقطَ ضلّ، وليس كل من انقذف تاه. هناك سقوطٌ لا ينتهي إلا بالعودة، واغترابٌ لا يُثمر إلا معرفةً، وضياعٌ هو في حقيقته بدايةُ الطريق. فالسالك ليس من لم يسقط، بل من سقط ثم عرف كيف يعودُ، لا إلى حيث كان، بل إلى حيث ينبغي أن يكون.
❤6🫡1
آراءُ أهل الحكمةِ
آدم لم يسقط... بل نزل... ولم يُطرد بل دُعي إلى الاستخلاف. كان في الجنة، لكنه لم يكن يعرف الجنة، كان في النور، لكنه لم يدرك النور، حتى ذاق الطين بيديه، وعرف الألم بوجوده، ففُتح له بابٌ ما كان ليُفتح لولا هذا الهبوط. لم تكن خطيئته لعنة، بل كانت الخطوة الأولى…
في البدء، كان آدم في مقام الصفاء، لا يفرق بين ذاته والعالم، ولا بين اليوم والغد. كان كل شيء في حضوره ممتزجًا بالنور، لا يسأل، ولا يعترض، ولا يرى في الوجود سوى وحدة متناغمة. لم يكن هناك ماضٍ يثقل كاهله، ولا مستقبل يخيفه، بل كان في مقام الطمأنينة، حيث لا حاجة للبحث، ولا قلق من المجهول.
لكن شيئًا ما تغيّر. كأن نارًا خفية اشتعلت في روحه، فألقت به في دوامة السؤال: من أنا؟ وما هذا العالم؟ وما معنى أن أكون؟ حينها، رأى الأشياء لأول مرة بوضوح مغاير، لم تعد الجنة جنة، بل صارت فضاءً ضيقًا لا يتسع لسؤاله المتوهج. لم تعد الشجرة مجرد شجرة، بل بوابة نحو معرفة لا رجوع بعدها.
وحين مدّ يده وأكل، لم يكن ذلك مجرد فعل جسدي، بل كان حدثًا وجوديًا عظيمًا. لقد اخترق حجاب الجهل، وتفتحت عيناه على ثنائية الخير والشر، النور والظلمة، الجمال والنقص. لقد ذاق الطعم الذي جعل منه إنسانًا بحق: كائنًا مسؤولًا عن اختياره، مدركًا لمعنى الفقد، مشدودًا إلى رحلة البحث عن الحقيقة.
لم يكن الهبوط طردًا، بل انتقالًا من الطفولة الوجودية إلى النضج الروحي. لم يكن عقوبة، بل دعوة للإنطلاقِ في طريق الإكتمالِ. صار عليه أن يمشي في الأرض، أن يواجه الألم والفرحَ، أن يسعى ويضلّ ويعود، حتى يكتشف طريق الرجوع لا كعودة إلى البداية، بل كصعودٍ إلى مقام أعلى، مقام من وعى وعرف وامتحن، ثم عاد إلى الحق بوعيٍ أصفى ونورٍ أكمل.
وهكذا، بدأ الإنسانِ رحلته الكبرى، لا كمن سقط إلى حضيضٍ، بل كمن دُفع إلى ساحة الاختبارِ، حيث يُصنع الإنسان الحق، وحيث تتجلى حقيقة الأسماء التي علّمه الله إياها.
لكن شيئًا ما تغيّر. كأن نارًا خفية اشتعلت في روحه، فألقت به في دوامة السؤال: من أنا؟ وما هذا العالم؟ وما معنى أن أكون؟ حينها، رأى الأشياء لأول مرة بوضوح مغاير، لم تعد الجنة جنة، بل صارت فضاءً ضيقًا لا يتسع لسؤاله المتوهج. لم تعد الشجرة مجرد شجرة، بل بوابة نحو معرفة لا رجوع بعدها.
وحين مدّ يده وأكل، لم يكن ذلك مجرد فعل جسدي، بل كان حدثًا وجوديًا عظيمًا. لقد اخترق حجاب الجهل، وتفتحت عيناه على ثنائية الخير والشر، النور والظلمة، الجمال والنقص. لقد ذاق الطعم الذي جعل منه إنسانًا بحق: كائنًا مسؤولًا عن اختياره، مدركًا لمعنى الفقد، مشدودًا إلى رحلة البحث عن الحقيقة.
لم يكن الهبوط طردًا، بل انتقالًا من الطفولة الوجودية إلى النضج الروحي. لم يكن عقوبة، بل دعوة للإنطلاقِ في طريق الإكتمالِ. صار عليه أن يمشي في الأرض، أن يواجه الألم والفرحَ، أن يسعى ويضلّ ويعود، حتى يكتشف طريق الرجوع لا كعودة إلى البداية، بل كصعودٍ إلى مقام أعلى، مقام من وعى وعرف وامتحن، ثم عاد إلى الحق بوعيٍ أصفى ونورٍ أكمل.
وهكذا، بدأ الإنسانِ رحلته الكبرى، لا كمن سقط إلى حضيضٍ، بل كمن دُفع إلى ساحة الاختبارِ، حيث يُصنع الإنسان الحق، وحيث تتجلى حقيقة الأسماء التي علّمه الله إياها.
❤4👏1
”أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ.“
~الإمامُ علي (ع).
~الإمامُ علي (ع).
❤11
” وأما طريق العلاج العملي فهو التعامل بالضدّ. فإذا كان متعلّقًا بالمال والمنال، فليقطع جذورها من القلب ببسط اليد والصدقات الواجبة والمستحبّة.
وإنّ من أسرار الصدقات تقليل التعلّق بالدنيا، ولهذا يستحبّ للإنسان أن يتصدّق بالشيء الذي يحبّه ويتعلّق قلبه به، كما قال تعالىٰ في كتابه الكريم:
{لَنْ تَنَالُواْ البِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}
وإن كان متعلّقًا بالتفاخر والتفوّق علىٰ غيره والرئاسة والإستطالة، فليعمل ضدها ويرغم أنف النفس بالتراب حتىٰ تصير إلىٰ الصلاح.“
~ السيّد روحُ اللّه الخمينيّ.
وإنّ من أسرار الصدقات تقليل التعلّق بالدنيا، ولهذا يستحبّ للإنسان أن يتصدّق بالشيء الذي يحبّه ويتعلّق قلبه به، كما قال تعالىٰ في كتابه الكريم:
{لَنْ تَنَالُواْ البِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}
وإن كان متعلّقًا بالتفاخر والتفوّق علىٰ غيره والرئاسة والإستطالة، فليعمل ضدها ويرغم أنف النفس بالتراب حتىٰ تصير إلىٰ الصلاح.“
~ السيّد روحُ اللّه الخمينيّ.
❤14🕊1
يمكن فهم العلمنة ليس فقط كنظام سياسي يفصل الدين عن الدولة، بل كحالةٍ وجودية، كتحوّلٍ عميق في وعي الإنسان بالعالم ونظرته إلى نفسه وإلى الحقيقة. إنها ليست مجرد فصلٍ بين المجال الديني والدنيوي، بل هي قطعٌ للصلة بين الظاهر والباطن، بين المادة والروح، بين العالم والمعنى.
كان الإنسان القديم يرى العالم ممتلئًا بالمعنى، مغمورًا بالنور الإلهي، وكان كل شيءٍ في الكون رمزًا ودليلًا، له وجهٌ ظاهر ووجهٌ خفيّ. الأشجار كانت تمتد بين الأرض والسماء، جذرها في التراب وفرعها في العلو. الشمس لم تكن مجرد كرةٍ نارية، بل كانت رمزًا للنور والفيض الإلهي.
وحتى الحروف والكلمات كانت تملك أسرارًا وطاقاتٍ خفية.
ثم جاءت الحداثة بعقلانيتها فنزعت عن الأشياء روحها، وجعلت الكونَ مجرد مادة، والوجود مجرد ميكانيكا. أصبحت الشمس مجرد كتلةٍ من الغازات، وأصبحت الحياة ظاهرةً كيميائية، وأصبح الإنسان مجرد تطورٍ بيولوجي بلا مقصد. وهكذا، تمّ تجريد العالم من حضوره القدسي، ونفيُ الغيب من قلب الحضور.
إذا كان سقوط آدم من الجنة هو بداية انفتاح وعيه على الكثرة، وعلى الثنائياتِ بين الخير والشر، بين الجسد والروح، بين المادة والمعنى، فإن العلمنةَ تمثل سقوطًا آخر، لكنه سقوطٌ من نوعٍ مختلف: سقوطٌ من الوعي بأن الوجود له بُعدٌ قدسيّ. سقوطٌ من الإحساس بأن كل شيءٍ له صلةٌ بالحقّ. سقوطٌ من وحدة المعرفة إلى تجزئتها إلى علومٍ ماديةٍ بحتة.
وهكذا، أصبحت الحقيقة مقتصرةً على ما هو ماديّ، وصار ما لا يُقاس ولا يُحسب غير موجود. أصبح الإنسان محصورًا في عالم الحسّ، مقطوعًا عن الأصل، محبوسًا في قفصٍ من الحديد، فاقدًا للبوصلة التي تشير إلى النور.
العلمنة لم تكن مجرد مؤامرة ضد الدين، بل كانت استجابةً لانحرافٍ آخر، هو تحوّل الدين نفسه إلى أداةٍ للسلطة والقهر. حين أصبحت الكنيسة في أوروبا مؤسسةً دنيويةً تتاجر بالقداسة، وحين تحولت النصوص إلى قيود، والعلم إلى محرمات، جاء الردّ بإسقاط الدين من المجال العام، ليُترك الإنسان لمصيره وحده. لكن الحلّ لم يكن متوازنًا. بدل أن يُطهَّر الدين من الإنحرافات، تم التخلي عنه بالكامل. وبدل أن يُعاد فهم المقدّس، تم إلغاؤه من الوجود.
وهكذا، أصبح الإنسان أكثر حريةً في الظاهر، لكنه أكثر اغترابًا في العمق، إذ وجد نفسه وحيدًا في كونٍ بلا معنى.
العلمنة جعلت الإنسان حرًّا لكنه تائه، قويًّا في المادة لكنه ضعيفٌ في الروح. الحلّ ليس في العودة إلى الظلام باسم الدين، ولا في رفض العقل باسم الروح، بل في استعادة التوازنِ، في رؤية الحقيقة من جديد كوحدةٍ تجمع بين العقل والقلب، بين العلم والقداسة، بين المادة والروح.
العالم ليس جمادًا، بل هو مسرحٌ للتجلّي الإلهي. والإنسان ليس مجرد جسدٍ بيولوجي، بل هو كائنٌ يحمل في داخله سرّ الخليفة.
المعرفة ليست فقط حساباتٍ وتجارب، بل هي شهودٌ واتصالٌ بالحقيقة.
إعادة القداسة إلى العالم لا تعني إنكار العلم، بل إعادة العلم إلى سياقه الأوسع، حيث يكون أداةً لكشف الحقيقة، لا لحجبها.
كان الإنسان القديم يرى العالم ممتلئًا بالمعنى، مغمورًا بالنور الإلهي، وكان كل شيءٍ في الكون رمزًا ودليلًا، له وجهٌ ظاهر ووجهٌ خفيّ. الأشجار كانت تمتد بين الأرض والسماء، جذرها في التراب وفرعها في العلو. الشمس لم تكن مجرد كرةٍ نارية، بل كانت رمزًا للنور والفيض الإلهي.
وحتى الحروف والكلمات كانت تملك أسرارًا وطاقاتٍ خفية.
ثم جاءت الحداثة بعقلانيتها فنزعت عن الأشياء روحها، وجعلت الكونَ مجرد مادة، والوجود مجرد ميكانيكا. أصبحت الشمس مجرد كتلةٍ من الغازات، وأصبحت الحياة ظاهرةً كيميائية، وأصبح الإنسان مجرد تطورٍ بيولوجي بلا مقصد. وهكذا، تمّ تجريد العالم من حضوره القدسي، ونفيُ الغيب من قلب الحضور.
إذا كان سقوط آدم من الجنة هو بداية انفتاح وعيه على الكثرة، وعلى الثنائياتِ بين الخير والشر، بين الجسد والروح، بين المادة والمعنى، فإن العلمنةَ تمثل سقوطًا آخر، لكنه سقوطٌ من نوعٍ مختلف: سقوطٌ من الوعي بأن الوجود له بُعدٌ قدسيّ. سقوطٌ من الإحساس بأن كل شيءٍ له صلةٌ بالحقّ. سقوطٌ من وحدة المعرفة إلى تجزئتها إلى علومٍ ماديةٍ بحتة.
وهكذا، أصبحت الحقيقة مقتصرةً على ما هو ماديّ، وصار ما لا يُقاس ولا يُحسب غير موجود. أصبح الإنسان محصورًا في عالم الحسّ، مقطوعًا عن الأصل، محبوسًا في قفصٍ من الحديد، فاقدًا للبوصلة التي تشير إلى النور.
العلمنة لم تكن مجرد مؤامرة ضد الدين، بل كانت استجابةً لانحرافٍ آخر، هو تحوّل الدين نفسه إلى أداةٍ للسلطة والقهر. حين أصبحت الكنيسة في أوروبا مؤسسةً دنيويةً تتاجر بالقداسة، وحين تحولت النصوص إلى قيود، والعلم إلى محرمات، جاء الردّ بإسقاط الدين من المجال العام، ليُترك الإنسان لمصيره وحده. لكن الحلّ لم يكن متوازنًا. بدل أن يُطهَّر الدين من الإنحرافات، تم التخلي عنه بالكامل. وبدل أن يُعاد فهم المقدّس، تم إلغاؤه من الوجود.
وهكذا، أصبح الإنسان أكثر حريةً في الظاهر، لكنه أكثر اغترابًا في العمق، إذ وجد نفسه وحيدًا في كونٍ بلا معنى.
العلمنة جعلت الإنسان حرًّا لكنه تائه، قويًّا في المادة لكنه ضعيفٌ في الروح. الحلّ ليس في العودة إلى الظلام باسم الدين، ولا في رفض العقل باسم الروح، بل في استعادة التوازنِ، في رؤية الحقيقة من جديد كوحدةٍ تجمع بين العقل والقلب، بين العلم والقداسة، بين المادة والروح.
العالم ليس جمادًا، بل هو مسرحٌ للتجلّي الإلهي. والإنسان ليس مجرد جسدٍ بيولوجي، بل هو كائنٌ يحمل في داخله سرّ الخليفة.
المعرفة ليست فقط حساباتٍ وتجارب، بل هي شهودٌ واتصالٌ بالحقيقة.
إعادة القداسة إلى العالم لا تعني إنكار العلم، بل إعادة العلم إلى سياقه الأوسع، حيث يكون أداةً لكشف الحقيقة، لا لحجبها.
👏2
” قال { ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألف شهرٍ} ولم يقل مثل ألفِ شهر ولم يبيّن لنا مقدار الخيريّة لذلك لا يعلمُ أحدٌ قدرها إلا اللّه تعالى، وكذلك رويَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قالَ {لمبارزةُ عليّ عليه السّلام مع عمرو بن عبد ود العامري أفضل من عملِ أمتي إلى يومِ القيامة}، فلم يقُل مثل عمل أمتيِ إلى يوم القيامة ولم يبيّن لنا مقدار الأفضليّة لذلك لا يعلم فضلَ علي إلا الله تعالى ورسولهُ... “
~ فخرُ الدين الرازيّ، التفسير الكبير
~ فخرُ الدين الرازيّ، التفسير الكبير
❤21
” يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَـهَا، وَلا تَظْلِمْ كَمَا لا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَـهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلا تَقُلْ مَا لا تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تعْلَمُ، وَلا تَقُلْ مَا لا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ.
وَاعْلَمْ، أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَآفَةُ الأَلْبَابِ، فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ، وَلا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ.“
~من وَصيّة الإمام عليّ لابنه الحسنِ- عليهما السّلام-
وَاعْلَمْ، أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَآفَةُ الأَلْبَابِ، فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ، وَلا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ.“
~من وَصيّة الإمام عليّ لابنه الحسنِ- عليهما السّلام-
❤21👏1
يمضي الإنسان في رحلته الوجودية كمسافر أبدي، يبدأ من براءة لا تعرف السؤال، ثم يغوص في دوامة القلق، حتى يجد نفسه في مواجهة الحقيقة العظمى. بين الطفولة الفكريّة والنضج الروحي، تتخلل رحلته مراحل من الشك والتجربة، من السقوط والنهوض، حتى يبلغ ذروة الوعي، حيث تتماهى ذاته مع الوجود دون أن تفقد فرادتها.
في البدء، يولد الإنسان على الفطرة، صافياً كنهر لم يخض معركة مع الصخور بعد. يرى الأشياء بلا تصنيف أو تعليل، يعيش منقاداً لغرائزه، كما تنقاد الأشجار للريح، لا يسأل لماذا تشرق الشمس، ولا يبحث عن معنى وجوده، بل يكتفي بالوجود نفسه. إنها تلك الطفولة العقلية التي ينعم فيها بالكمال غير المدرك، تماماً كالكائنات الأخرى التي لم تُثقلها المعرفة بعد.
لكن ما إن تبدأ جذوة الوعي في الإشتعالِ حتى يتحطم هذا الإنسجامُ الفطري، كما لو أن الإنسان طُرد من جنة البساطةِ إلى أرض التساؤلِ. فجأة، تتسلل إليه أسئلة لم يعرفها من قبل: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ ما الذي ينتظرني؟ وكأنما أكلَ من شجرة المعرفةِ المحرمة، فاكتشف أنه ليس جزءاً بسيطاً من الطبيعة، بل كائنٌ منفصل عنها كذلك، محكومٌ عليه بالتفكير الأبديّ. هنا يبدأ القلق الوجوديّ، لحظة السقوط من فردوس البساطةِ إلى متاهة البحثِ.
وفي مواجهة هذا التيه، لا يجد الإنسان سلاحاً سوى عقله، فيحاول بناء عالمه من جديد عبر التجربةِ والتحليل. يشرع في تفكيك الكون، يدرس حركته، يقيس أبعاده، يحصي ذراته، وكأنه بذلك يسعى لإعادة ترتيبِ الوجود بعد أن سقط في دوامة الأسئلة. إنه عصرُ العقل، حيث تسودّ الفلسفات الوضعية، وحيث يحكم العلم بقبضته، راسماً العالم كما لو كان آلة ميكانيكية محكومة بقوانين صارمةٍ. لكن شيئاً فشيئاً، يبدأ الإنسان في إدراك أن العقل، مهما بلغ من سطوة، لا يستطيع أن يملأ الفراغ الذي يسكن روحه.
عند هذه النقطة، يعود السؤال القديم ليطل برأسه من جديدٍ: ثم ماذا؟ ماذا بعد أن عرفنا قوانين الحركة، وقياسات الزمن، وتكوين الذرات؟ هل هذه المعرفة تكفي لسد الجوعِ العميق إلى المعنى؟ هنا تبدأ رحلة البحث عن الحكمةِ، حيث يدرك الإنسان أن الكون ليس مجرد معادلاتٍ صماء، وأن وراء الظواهر عللاً لا تدركها الحسابات. ينجذب إلى التصوف، إلى الفلسفات الروحيّة، إلى كل ما يجاوز حدود المنطق الجافِ. إنه الحنين إلى شيء أعمق، إلى معنى لا تدركه العقول وحدها، بل يكشفه القلب حين يتسع.
وفي قمة هذه الرحلةِ، يصل الإنسان إلى مرحلة الكشف، لكنه لا يعود إلى براءته الأولى، بل يرتقي إلى وعي أكثر صفاءً ونضجاً. لم يعد يرى الوجود كعدوٍ أو لغز معقد، بل كحقيقة يتناغم معها بوعي جديد. لم يعد السؤال عبئاً، بل صار بوابة للسكينةِ. هنا، حيث كان الحلاج يرى في نفسه الحقّ، وحيث كان ابن عربي يدرك أن الكون مرايا تتجلى فيها الحقيقة، وحيث صار بوذا يبتسم تحت شجرته، هناك فقط تتحقق الغاية من كل هذا السفر العقلي والروحي.
إنها رحلة الإنسان الكبرى، حيث يبدأ كحيوان لا يعرف إلا حاجاته، ثم يتحول إلى مفكر حائر، قبل أن يصل، إن كان محظوظاً، إلى مقام العارف الذي يرى الحقيقة، لا بعيني العقل فقط، بل بعين القلب أيضاً.
في البدء، يولد الإنسان على الفطرة، صافياً كنهر لم يخض معركة مع الصخور بعد. يرى الأشياء بلا تصنيف أو تعليل، يعيش منقاداً لغرائزه، كما تنقاد الأشجار للريح، لا يسأل لماذا تشرق الشمس، ولا يبحث عن معنى وجوده، بل يكتفي بالوجود نفسه. إنها تلك الطفولة العقلية التي ينعم فيها بالكمال غير المدرك، تماماً كالكائنات الأخرى التي لم تُثقلها المعرفة بعد.
لكن ما إن تبدأ جذوة الوعي في الإشتعالِ حتى يتحطم هذا الإنسجامُ الفطري، كما لو أن الإنسان طُرد من جنة البساطةِ إلى أرض التساؤلِ. فجأة، تتسلل إليه أسئلة لم يعرفها من قبل: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ ما الذي ينتظرني؟ وكأنما أكلَ من شجرة المعرفةِ المحرمة، فاكتشف أنه ليس جزءاً بسيطاً من الطبيعة، بل كائنٌ منفصل عنها كذلك، محكومٌ عليه بالتفكير الأبديّ. هنا يبدأ القلق الوجوديّ، لحظة السقوط من فردوس البساطةِ إلى متاهة البحثِ.
وفي مواجهة هذا التيه، لا يجد الإنسان سلاحاً سوى عقله، فيحاول بناء عالمه من جديد عبر التجربةِ والتحليل. يشرع في تفكيك الكون، يدرس حركته، يقيس أبعاده، يحصي ذراته، وكأنه بذلك يسعى لإعادة ترتيبِ الوجود بعد أن سقط في دوامة الأسئلة. إنه عصرُ العقل، حيث تسودّ الفلسفات الوضعية، وحيث يحكم العلم بقبضته، راسماً العالم كما لو كان آلة ميكانيكية محكومة بقوانين صارمةٍ. لكن شيئاً فشيئاً، يبدأ الإنسان في إدراك أن العقل، مهما بلغ من سطوة، لا يستطيع أن يملأ الفراغ الذي يسكن روحه.
عند هذه النقطة، يعود السؤال القديم ليطل برأسه من جديدٍ: ثم ماذا؟ ماذا بعد أن عرفنا قوانين الحركة، وقياسات الزمن، وتكوين الذرات؟ هل هذه المعرفة تكفي لسد الجوعِ العميق إلى المعنى؟ هنا تبدأ رحلة البحث عن الحكمةِ، حيث يدرك الإنسان أن الكون ليس مجرد معادلاتٍ صماء، وأن وراء الظواهر عللاً لا تدركها الحسابات. ينجذب إلى التصوف، إلى الفلسفات الروحيّة، إلى كل ما يجاوز حدود المنطق الجافِ. إنه الحنين إلى شيء أعمق، إلى معنى لا تدركه العقول وحدها، بل يكشفه القلب حين يتسع.
وفي قمة هذه الرحلةِ، يصل الإنسان إلى مرحلة الكشف، لكنه لا يعود إلى براءته الأولى، بل يرتقي إلى وعي أكثر صفاءً ونضجاً. لم يعد يرى الوجود كعدوٍ أو لغز معقد، بل كحقيقة يتناغم معها بوعي جديد. لم يعد السؤال عبئاً، بل صار بوابة للسكينةِ. هنا، حيث كان الحلاج يرى في نفسه الحقّ، وحيث كان ابن عربي يدرك أن الكون مرايا تتجلى فيها الحقيقة، وحيث صار بوذا يبتسم تحت شجرته، هناك فقط تتحقق الغاية من كل هذا السفر العقلي والروحي.
إنها رحلة الإنسان الكبرى، حيث يبدأ كحيوان لا يعرف إلا حاجاته، ثم يتحول إلى مفكر حائر، قبل أن يصل، إن كان محظوظاً، إلى مقام العارف الذي يرى الحقيقة، لا بعيني العقل فقط، بل بعين القلب أيضاً.
❤7
إنّ من البديهي أنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ، وأنّ الاجتماع البشريّ لا ينتظم إلّا بوجود نظامٍ شاملٍ يحدّد مسار الأفراد والجماعات، ويرسم لهم سبل تحقيق الغايات المطلوبة من وجودهم، غير أنّ هذا النظام قد يكون مستندًا إلى المبادئ الواقعيّة التي تكشف عن الحقائق الوجوديّة، وقد يكون ناشئًا عن أوهامٍ وظنونٍ زائفةٍ. فإنّ الحضارة التي تقوم على الأصول الميتافيزيقيّة، وتستند إلى معرفة العلل الأولى، هي الحضارة التي تسير وفق السنن التكوينيّة، وتجعل غاية الإنسان التحقّق بالكمال، فتحقّق بذلك العدل الحقيقيّ، وتنظّم شؤونها على أساس الحكمة، وتفتح للإنسان طريقًا إلى المعرفة العميقة التي تربطه بمبدأ الوجود.
وأمّا الحضارة التي أعرضت عن هذه الأصول، وقصرت نظرها على الظواهر الحسّيّة، فقد انفصلت عن الحقيقة، وأصبحت تائهةً في عالم الكثرات، لا تمتلك مبدأً ثابتًا، ولا غايةً واضحةً. فإنّها وإن بلغت ذروة التقدّم الصناعيّ، فإنّها تفتقر إلى المعنى الواقعيّ، إذ إنها لا تهدف إلّا إلى الاستزادة من اللذائذ المادّيّة، وجمع القوى الدنيويّة، دون نظرٍ إلى الغاية الحقيقيّة للإنسان، فكانت حركتها حركةً دائريّةً، تعيد نفسها دون أن تتقدّم نحو الكمال، كمن يدور حول محور الوهم، ويظنّ أنه يسير إلى الأمام. فهذه الحضارة، وإن بدت متلألئةً بظاهرها، فإنّها في حقيقتها بعيدةٌ عن فطرة الإنسان، غافلةٌ عن غايته الوجوديّة، ولا خلاص لها إلّا بالرجوع إلى المبادئ الإلهيّة، والالتزام بالسنن التكوينيّة، التي بها يكتمل الإنسان، وتتحقّق سعادته القصوى.
وأمّا الحضارة التي أعرضت عن هذه الأصول، وقصرت نظرها على الظواهر الحسّيّة، فقد انفصلت عن الحقيقة، وأصبحت تائهةً في عالم الكثرات، لا تمتلك مبدأً ثابتًا، ولا غايةً واضحةً. فإنّها وإن بلغت ذروة التقدّم الصناعيّ، فإنّها تفتقر إلى المعنى الواقعيّ، إذ إنها لا تهدف إلّا إلى الاستزادة من اللذائذ المادّيّة، وجمع القوى الدنيويّة، دون نظرٍ إلى الغاية الحقيقيّة للإنسان، فكانت حركتها حركةً دائريّةً، تعيد نفسها دون أن تتقدّم نحو الكمال، كمن يدور حول محور الوهم، ويظنّ أنه يسير إلى الأمام. فهذه الحضارة، وإن بدت متلألئةً بظاهرها، فإنّها في حقيقتها بعيدةٌ عن فطرة الإنسان، غافلةٌ عن غايته الوجوديّة، ولا خلاص لها إلّا بالرجوع إلى المبادئ الإلهيّة، والالتزام بالسنن التكوينيّة، التي بها يكتمل الإنسان، وتتحقّق سعادته القصوى.
❤5
في البدء، حين كان الإنسان يحدّق في السماء المرصّعة بالنجوم، كان قلبه عامرًا بالدهشة، يتساءل عن سرّ هذا الكون الذي يلفّه الغموض. كان العالم أمامه لغزًا مبهمًا، تسبح فيه قوى خفية، وتتشابك فيه الظلال بالنور. ومن هذه الدهشة الأولى، ولدت الأسطورة، ثم تحوّلت إلى تأمل، فإلى حكمة، ثم أصبحت فلسفة، ثم عرفانًا، ثم علمًا. إنّها رحلة الوعي، التي تبدأ من السؤال الأول ولا تنتهي، لأنها ليست مجرد سلسلة من الأفكار، بل هي صعود الروح نحو المطلق.
كان حكماء ما قبل سقراط كمن يسير في الضباب، يتلمّسون طريقهم وسط عالم من الرموز، يبحثون عن ذلك [الجوهر الأول] السرّ الكامن خلف ستار الوجود.
طاليس قال إن الماء هو أصل كل شيء، وهرقليطس رأى أن الكون نار متحركة، وفيثاغورس همس بأن الأعداد نفسها تختزن سرّ الوجود.
ثم جاء سقراط، فحمل الشعلة من أيدي السابقين، لكنّه لم يحدّق في السماء مثلهم، بل في قلب الإنسان نفسه. سأل: ماذا يعني أن نكون؟ من نحن؟
أجاب أفلاطون بأن الحقيقة ليست في هذا العالم، بل في عالم المُثُل، حيث كل شيء في أرقى صورة له. أما أرسطو، فقد أعاد الإنسان إلى الأرض، وقال إن الحقيقة تكمن هنا، في هذا العالم، في العقل والمنطق والتجربة.
لكن بين هذين الاتجاهين، بقي السؤال معلقًا: هل العالم الحقيقي هو العالم المادي أم عالم الروح؟
ثم جاءت مدرسة الأفلاطونية المحدثة، حيث جلس أفلوطين في صومعته، يتأمل في النور الأزلي، وقال بأن الغاية ليست المعرفة العقلية، بل الإتحاد بـ [المطلق]
في الهند، كان بوذا يخبر أتباعه بأن الخلاص لا يكون إلا بإطفاء الأنا، وفي الصين كان لاوتزه يتحدث عن [التاو] الطريق الخفي الذي ينساب في كل شيء.
هنا بدأ البحث عن الحقيقة يتخذ شكلاً جديدًا، لم تعد المعرفة مجرد فكر، بل أصبحت تجربة، ذوقًا، كشفًا.
عندما امتزجت الفلسفة الإغريقية بالروحانية الشرقية، وُلد فكرٌ جديد، أكثر عمقًا، أكثر صفاءً. قال السهروردي إن الحقيقة ليست مفاهيم، بل أنوارٌ متدرجة في الوجود.
أما ابن عربي، فقد نظر إلى الكون كله وقال: كل ما في الوجود هو تجلٍّ إلهي، كل شيء يسبح في بحر الوحدة. كان يرى أن العارف لا يكتفي بأن يفهم الوجود، بل يذوب فيه، يصير هو هو.
وفي فارس، جاء ملا صدرا وقال إن الوجود ليس ثابتًا، بل في حركة مستمرة نحو الكمال، وكل كائن يمكنه أن يرتقي في مراتب النور، حتى يصل إلى الحقيقة المطلقة.
ثم جاء زمنٌ جديد، زمن العقل والتجربة. رفع ديكارت شعاره { أنا أفكر، إذن أنا موجود} وجاء كانط ليقول إن العقل لا يمكنه إدراك الحقيقة المطلقة، لأن هناك دائمًا حجابًا يحول بيننا وبين الشيء في ذاته.
أما هيغل، فقد رأى أن التاريخ كله حركة روحية صاعدة نحو المطلق، بينما أعلن نيتشه [موت الإله] وقال إن الإنسان يجب أن يخلق قيمه بنفسه، لا أن ينتظر من السماء أن تنزلها إليه.
لكن حين غرق الإنسان في المادية، بدأ يعود إلى السؤال الأول: من نحن؟ وما هذا الوجود؟
جاء كارل يونغ ليقول إن داخلنا لاوعيًا جمعيًا، حيث تتراكم الرموز الروحية عبر العصور. ثم جاءت فيزياء الكوانتم لتكشف أن المادة نفسها ليست صلبة، بل تذبذب واحتمالات، وكأن الوجود كله رقصةٌ بين العدم والكينونة.
واليوم، يقف الإنسان على حافة جديدة، بين العلم والعرفان، بين الفلسفة والروحانية، يبحث من جديد عن الحقيقة الكبرى.
إذا كان تاريخ الوعي رحلة، فإنها لم تنتهِ بعد. ربما ما زلنا في أول الطريق، وربما الحقيقة التي نسعى إليها ليست بعيدة، بل كانت دائمًا معنا، لكننا لم نكن مستعدين لرؤيتها.
كان حكماء ما قبل سقراط كمن يسير في الضباب، يتلمّسون طريقهم وسط عالم من الرموز، يبحثون عن ذلك [الجوهر الأول] السرّ الكامن خلف ستار الوجود.
طاليس قال إن الماء هو أصل كل شيء، وهرقليطس رأى أن الكون نار متحركة، وفيثاغورس همس بأن الأعداد نفسها تختزن سرّ الوجود.
ثم جاء سقراط، فحمل الشعلة من أيدي السابقين، لكنّه لم يحدّق في السماء مثلهم، بل في قلب الإنسان نفسه. سأل: ماذا يعني أن نكون؟ من نحن؟
أجاب أفلاطون بأن الحقيقة ليست في هذا العالم، بل في عالم المُثُل، حيث كل شيء في أرقى صورة له. أما أرسطو، فقد أعاد الإنسان إلى الأرض، وقال إن الحقيقة تكمن هنا، في هذا العالم، في العقل والمنطق والتجربة.
لكن بين هذين الاتجاهين، بقي السؤال معلقًا: هل العالم الحقيقي هو العالم المادي أم عالم الروح؟
ثم جاءت مدرسة الأفلاطونية المحدثة، حيث جلس أفلوطين في صومعته، يتأمل في النور الأزلي، وقال بأن الغاية ليست المعرفة العقلية، بل الإتحاد بـ [المطلق]
في الهند، كان بوذا يخبر أتباعه بأن الخلاص لا يكون إلا بإطفاء الأنا، وفي الصين كان لاوتزه يتحدث عن [التاو] الطريق الخفي الذي ينساب في كل شيء.
هنا بدأ البحث عن الحقيقة يتخذ شكلاً جديدًا، لم تعد المعرفة مجرد فكر، بل أصبحت تجربة، ذوقًا، كشفًا.
عندما امتزجت الفلسفة الإغريقية بالروحانية الشرقية، وُلد فكرٌ جديد، أكثر عمقًا، أكثر صفاءً. قال السهروردي إن الحقيقة ليست مفاهيم، بل أنوارٌ متدرجة في الوجود.
أما ابن عربي، فقد نظر إلى الكون كله وقال: كل ما في الوجود هو تجلٍّ إلهي، كل شيء يسبح في بحر الوحدة. كان يرى أن العارف لا يكتفي بأن يفهم الوجود، بل يذوب فيه، يصير هو هو.
وفي فارس، جاء ملا صدرا وقال إن الوجود ليس ثابتًا، بل في حركة مستمرة نحو الكمال، وكل كائن يمكنه أن يرتقي في مراتب النور، حتى يصل إلى الحقيقة المطلقة.
ثم جاء زمنٌ جديد، زمن العقل والتجربة. رفع ديكارت شعاره { أنا أفكر، إذن أنا موجود} وجاء كانط ليقول إن العقل لا يمكنه إدراك الحقيقة المطلقة، لأن هناك دائمًا حجابًا يحول بيننا وبين الشيء في ذاته.
أما هيغل، فقد رأى أن التاريخ كله حركة روحية صاعدة نحو المطلق، بينما أعلن نيتشه [موت الإله] وقال إن الإنسان يجب أن يخلق قيمه بنفسه، لا أن ينتظر من السماء أن تنزلها إليه.
لكن حين غرق الإنسان في المادية، بدأ يعود إلى السؤال الأول: من نحن؟ وما هذا الوجود؟
جاء كارل يونغ ليقول إن داخلنا لاوعيًا جمعيًا، حيث تتراكم الرموز الروحية عبر العصور. ثم جاءت فيزياء الكوانتم لتكشف أن المادة نفسها ليست صلبة، بل تذبذب واحتمالات، وكأن الوجود كله رقصةٌ بين العدم والكينونة.
واليوم، يقف الإنسان على حافة جديدة، بين العلم والعرفان، بين الفلسفة والروحانية، يبحث من جديد عن الحقيقة الكبرى.
إذا كان تاريخ الوعي رحلة، فإنها لم تنتهِ بعد. ربما ما زلنا في أول الطريق، وربما الحقيقة التي نسعى إليها ليست بعيدة، بل كانت دائمًا معنا، لكننا لم نكن مستعدين لرؤيتها.
❤8
” إِنَّ لِلْقُلُوبِ شَهْوَةً وَإِقْبَالًا وَإِدْبَاراً فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَإِقْبَالِهَا فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا أُكْرِهَ عَمِيَ.“
~ الإمامُ عليّ (ع)، نهجُ البَلاغةِ
~ الإمامُ عليّ (ع)، نهجُ البَلاغةِ
❤10
” أفلاطون هو الأساس الميتافيزيقي لحضارتنا. ولكن هذا لا يعني أنه يجب التخلي عن أرسطو. وقد ضمّن بروكلس وسيمبليسيوس وغيرهما من الأفلاطونيين الجدد أرسطو في السياق الأفلاطوني. القراءة الصحيحة لأرسطو هي قراءة الإسكندر الأفروديسي وبرينتانو.
لذا فإن أرسطو هو الركيزة الثانية الأكثر أهمية في تراثنا الفكري. ومن خلال فقدان المعرفة العميقة والفهم لكليهما، فإننا نقطع جذور هويتنا الحضارية. لا يمكن فهم أي شيء في الفلسفة أو الدين أو الحياة نفسها بشكل صحيح بدون هذين الاثنين...
بدأت الحداثة وانحدار الغرب بالتخلي عن أفلاطون وأرسطو وتراثهما. وهنا ظهر ديمقريطس من جديد. كانت الذرية والخارجية أو المادية بمثابة بدع فلسفية يونانية تم إحياؤها من الماضي ما قبل سقراط.
الحداثة مضادة لأفلاطون وأرسطو. ولكن مؤيد لديمقريطس. ديمقريطس هو الجذر المشترك للشيوعية والليبرالية. لذا فإن البديل للشيوعية والليبرالية لا يمكن أن يعود إلا إلى أفلاطون وأرسطو. ولهذا السبب فإن الأفلاطونية السياسية مهمة جدًا. “
~ألكسندر دوغين.
لذا فإن أرسطو هو الركيزة الثانية الأكثر أهمية في تراثنا الفكري. ومن خلال فقدان المعرفة العميقة والفهم لكليهما، فإننا نقطع جذور هويتنا الحضارية. لا يمكن فهم أي شيء في الفلسفة أو الدين أو الحياة نفسها بشكل صحيح بدون هذين الاثنين...
بدأت الحداثة وانحدار الغرب بالتخلي عن أفلاطون وأرسطو وتراثهما. وهنا ظهر ديمقريطس من جديد. كانت الذرية والخارجية أو المادية بمثابة بدع فلسفية يونانية تم إحياؤها من الماضي ما قبل سقراط.
الحداثة مضادة لأفلاطون وأرسطو. ولكن مؤيد لديمقريطس. ديمقريطس هو الجذر المشترك للشيوعية والليبرالية. لذا فإن البديل للشيوعية والليبرالية لا يمكن أن يعود إلا إلى أفلاطون وأرسطو. ولهذا السبب فإن الأفلاطونية السياسية مهمة جدًا. “
~ألكسندر دوغين.
👏4
إنّ من المباحث التي تستدعي النظر الدقيق والتأمل العميق في الفقه الإسلامي هو البحث عن العلاقة بين ظواهر الأحكام ومقاصدها الكلية، فإنّ الشريعة المقدسة لم تأتِ بأحكامها لمحض التكليف والاختبار، بل جاءت حاملةً لحقائق تتعلق بالنظام الوجودي، ومتكفّلةً بإرشاد الإنسان نحو الكمال الذي يلائمه في مسيره التكاملي نحو الله تعالى.
ومن المعلوم أن الأحكام الشرعية ترتبط بحقيقة وجودية، لا على نحو الجعل الإعتباري الصرف، بل على نحو الكشف عن مصالح ومفاسد مترتبة في متن الواقع، فإنّ ما يحرّمه الشارع الحكيم ليس إلا أمرًا فيه مفسدة حقيقيّة تعود على الإنسان والمجتمع، وما يأمر به فهو مما فيه مصلحةٌ وكمالٌ. وهذا المعنى، وإن كان قد يُدرك جزئيًا بالإعتبارات الظاهرية، إلّا أنّه في حقيقته ينتمي إلى النظام الأتمّ للوجود.
ومن هنا، نجد أن التشريعات الإلهيّة ليست إلا انعكاسًا لحكمة أعلى، تشابه ما أشار إليه الحكماء في نظام الفيض، حيث تتدرج مراتب الوجود من العقل الأول إلى بقية العقول حتى تصل إلى عالم المادة. وبذلك، فإنّ الحدود والقصاصَ والجهاد، وكلّ ما سنّه الشارع المقدس، ليس منفكًا عن غايات وجودية، بل هي في حقيقتها تجليات لموازين العدل المطلق، الذي يضمن للإنسانيّة حفظ نظامها وسيرها وفق السنن الإلهية.
ومن هذا الباب، كان على المجتهد أن لا يقف عند الألفاظ الظاهرة للنصوص، بل أن ينفذ بعقله إلى أعماق التشريع، ليدرك معالم الهداية الإلهية فيه، فلا يُقتصر على ظواهر الحدود بوصفها عقوبات انتقاميّة، بل ينظر إليها كوسائل إصلاحية تحفظ التوازن الوجودي للمجتمع، ولا يُنظر إلى الجهاد بوصفه نزاعًا بشريًا، بل باعتباره صراعًا بين الحق والباطل، يتجلّى في عالم الشهود كما هو متحقق في عالم المعنى.
وهذا المنهج في فهم الشريعة، الذي يستند إلى الجمع بين الظاهر والباطن، لا يتعارض مع أحكام الدين، بل يؤكدها، إذ أن النصوص نفسها تشير إلى أن الأحكام لها عللٌ ومقاصد، كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام { إنّ الله فرض الفرائض لإتمام الحجة وإيجاب الطاعة ونفع الخلق}. ومن هذا المنطلقِ، كان النظر المقاصدي الذي تبناه بعض الفقهاءُ ليس مجرد استحسانٍ عقلي، بل هو امتداد لحقيقة التشريع الإلهي التي تسري في جميع مراتب الوجود.
فإذا تبين ذلك، ظهر أن الفقه، كما هو ظاهرٌ في نصوصه، ينبغي أن يُفهم في ضوء الحكمة الإلهيّة، بحيث يكون التشريع انعكاسًا للسنن الكونية، وهو عين ما أشار إليه الحكماء في تنظيرهم لنظام العقول والمثل الأفلاطونية، التي تتنزل منها الصور الكماليّة إلى عالم المادة، تمامًا كما تتنزل الأحكام من مصدرها الإلهي إلى المجتمع الإنساني، لتنظّم سلوكه وفق ميزانِ العدل والرحمةِ.
ومن المعلوم أن الأحكام الشرعية ترتبط بحقيقة وجودية، لا على نحو الجعل الإعتباري الصرف، بل على نحو الكشف عن مصالح ومفاسد مترتبة في متن الواقع، فإنّ ما يحرّمه الشارع الحكيم ليس إلا أمرًا فيه مفسدة حقيقيّة تعود على الإنسان والمجتمع، وما يأمر به فهو مما فيه مصلحةٌ وكمالٌ. وهذا المعنى، وإن كان قد يُدرك جزئيًا بالإعتبارات الظاهرية، إلّا أنّه في حقيقته ينتمي إلى النظام الأتمّ للوجود.
ومن هنا، نجد أن التشريعات الإلهيّة ليست إلا انعكاسًا لحكمة أعلى، تشابه ما أشار إليه الحكماء في نظام الفيض، حيث تتدرج مراتب الوجود من العقل الأول إلى بقية العقول حتى تصل إلى عالم المادة. وبذلك، فإنّ الحدود والقصاصَ والجهاد، وكلّ ما سنّه الشارع المقدس، ليس منفكًا عن غايات وجودية، بل هي في حقيقتها تجليات لموازين العدل المطلق، الذي يضمن للإنسانيّة حفظ نظامها وسيرها وفق السنن الإلهية.
ومن هذا الباب، كان على المجتهد أن لا يقف عند الألفاظ الظاهرة للنصوص، بل أن ينفذ بعقله إلى أعماق التشريع، ليدرك معالم الهداية الإلهية فيه، فلا يُقتصر على ظواهر الحدود بوصفها عقوبات انتقاميّة، بل ينظر إليها كوسائل إصلاحية تحفظ التوازن الوجودي للمجتمع، ولا يُنظر إلى الجهاد بوصفه نزاعًا بشريًا، بل باعتباره صراعًا بين الحق والباطل، يتجلّى في عالم الشهود كما هو متحقق في عالم المعنى.
وهذا المنهج في فهم الشريعة، الذي يستند إلى الجمع بين الظاهر والباطن، لا يتعارض مع أحكام الدين، بل يؤكدها، إذ أن النصوص نفسها تشير إلى أن الأحكام لها عللٌ ومقاصد، كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام { إنّ الله فرض الفرائض لإتمام الحجة وإيجاب الطاعة ونفع الخلق}. ومن هذا المنطلقِ، كان النظر المقاصدي الذي تبناه بعض الفقهاءُ ليس مجرد استحسانٍ عقلي، بل هو امتداد لحقيقة التشريع الإلهي التي تسري في جميع مراتب الوجود.
فإذا تبين ذلك، ظهر أن الفقه، كما هو ظاهرٌ في نصوصه، ينبغي أن يُفهم في ضوء الحكمة الإلهيّة، بحيث يكون التشريع انعكاسًا للسنن الكونية، وهو عين ما أشار إليه الحكماء في تنظيرهم لنظام العقول والمثل الأفلاطونية، التي تتنزل منها الصور الكماليّة إلى عالم المادة، تمامًا كما تتنزل الأحكام من مصدرها الإلهي إلى المجتمع الإنساني، لتنظّم سلوكه وفق ميزانِ العدل والرحمةِ.
❤3👏1