آراءُ أهل الحكمةِ
895 subscribers
543 photos
37 videos
70 files
6 links
واعلم أيِّدكَ اللَّه أنَّ وَادي الحِكمةِ يَتقدسُ عن أنْ يَلجهُ من كان مرتدياً لنعليِّ الشهوةِ والغضبِ.
Download Telegram
آراءُ أهل الحكمةِ
Photo
يعتبرُ الفن في فلسفة أوزوالد شبينجلر، مؤشرًا هامًا على نمو وانحطاط الحضارات، إذ يرى أن كل حضارةٍ بشريّة تمتلك فنًا يعكس روحها وثقافتها ويعبر عن مرحلتها التاريخية. كل حضارة بحسبِ شبنجلر تمتلك أسلوبًا فنيًا مميزًا يتجسد في رمزية فريدة تعبر عن رؤيتها للعالم.
فالحضارة المصرّية ركزت على الفن الموجه نحو الأبديّة، مثل الأهرامات والتوابيت، ما يعبر عن رؤيتها للحياة كرحلة أبديّة واستمراريّة الحياة بعد الموتِ
وما يسميها بالحضارة الكلاسيكية [ اليونانية/الرومانية] ركز فنها على الشكل المادي والتوازن والوضوح، ما يعبر عن رؤيتها العقلانية والمحسوسة. مثل التماثيل ذات النسب المثالية، والهندسة المعمارية التي تركز على التوازن والتماثل [المعابد اليونانية]
والحضارة الغربية ركز فنها على اللا نهائية، مما يعبر عن سعيها نحو ما هو غير محدود والغامض، والتطلع الدائم إلى المستقبل، والتوسع، واكتشاف المجهول. مثل العمارة القوطيّة، والتي تعكس ارتفاع المباني نحو السماء، واللوحات التي تعبر عن العمق والفضاء غير المحدود.
وأما الحضارة الهنديّة، فقد ركزت على الاستبطان والبحث عن الحقيقة في النفس البشرية بدلاً من العالم الخارجي. لهذا فنها يعبر عن هذه الروح الثقافيّة بالمعابد والتصاميم التي تعكس الانسجام الداخلي والتأمل الروحي.
ويرى شبينجلر أن الحضارة الإسلاميّة تركز على الفضاء الداخلي المغلق مثل الكهف، في تعبيرها عن الحياة والروح. والوحدة الإلهية والانسجام بين العالم الخارجي والباطني. لهذا كان فنها عبارة عن الزخارف الهندسية والخط العربي، ما يعكس التركيز على الروح بدلاً من الشكل المادي.
وبالنسبة للحضارةِ الصينيّة، فالروح الثقافية لديها تركزُ على انسجام الإنسان مع الطبيعة وسير الأمور وفق نظام كوني طبيعي. والسعيّ لتحقيق التوازن مع الكون من خلال الطاعة للنظام الطبيعيّ. لهذا يغلبُ على فنها البساطة والتوازن، ويظهر ذلك جليًّا في الحدائق والمباني التقليديّة.
في طور ازدهار الحضارة، يُبدع الفن أساليب جديدة تتميز بالابتكار والإبداع، لهذا يُعتبر الفن في هذا الطورِ تعبيرًا عن التوازن بين الروحانية والتجربة المادية للحضارة.
ومع دخول الحضارة في مرحلة الشيخوخة، يتحول الفن إلى مجرد محاكاة لما سبق، ويفقد ارتباطه بالروح العميقة للحضارة.
فيظهر ما يسميه بالفن الميكانيكي والتجريدي، الذي يُعبر عن تفكك الروابط الثقافية والروحية.
على سبيل المثال، اعتبر شبينجلر أن الفنون الحديثة [ مثل التكعيبية والتجريدية] علامة على انحطاط الغرب، حيث فقد الفن وظيفته الروحيّة وأصبح تجاريًا وماديًا.
إن كل شكلٍ فني عند شبنجلر ينتمي لمرحلة زمنية محددة من دورة الحضارة. وعندما تصل الحضارة إلى ذروتها، يتحول الفن من التعبير العميق عن الروح إلى سلعة تفقد معناها الأصيل.
لهذا كانت دراسة الفن في أي حضارة تكشف عن مستقبلها،
فعندما يتحول الفن من الإبداع إلى التقليد ومن الروح إلى المادة، يكون ذلك مؤشرًا على دخول الحضارة في مرحلة الانحطاط.
الفنّ في فهم شبنجلر ليس مجرد تعبير جماليّ، بل هو وثيقة تاريخية وروحية تُظهر مراحل نمو الحضاراتِ واحتضارها. في ذروة الحضارة، يكون الفن نابضًا بالحياة والروحانية، بينما في مرحلة الانحطاط، يصبح الفن فارغًا وماديًا، مما يعكس تفكك الروح الجماعية للحضارة.
1
” قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}
الرياضةُ لغةً: هي منع الفرس عن مطلوبه من الحركات المضطَربة، وجعله بحيث تصير طاعته لمولاه ملكةً له.
والمراد بها هنا هو منع النفس الحيوانيّة من المطاوعة والانقياد لقوّتي الشهوة والغضب وما يتعلّق بهما، ومنع النفس الناطقة من مطاوعة القوى الحيوانيّة، ومن رذائل الأخلاق والأعمال كالحرص على جمع المال واقتناء الجاه وتوابعهما من الحيلة والمكر والخديعة والغيبة والتعصُّب والغضب والحقد والحسد والفجور والانهماك في الشرور
وردّها عن غيّها، وجعل طاعة النفس للعقل العمليّ ملكةً لها على وجه يوصلها إلى كمالها الإيمانيّ الممكن.
والنفس، إذا تابعت القوّة الشهوانيّة، تُسمّى نفساً بهيميّةً، وإذا تابعت القوّة الغضبيّة، تُسمّى نفساً سبعيّةً، وإنْ جعلت رذائل الأخلاق ملكةً لها، تُسمّى نفساً شيطانيّةً.
ويُسمّي الله تعالى مجموع هذه الرذائل في التنزيل [النفس الأمّارة]، أي الأمّارة بالسوء إنْ كانت رذائلها ثابتةً.
وإنْ لم تكن ثابتةً بل تكون مائلةً إلى الشرِّ تارةً وإلى الخير أخرى، وتندم على الشرِّ وتلوم نفسها يُسمّيها [اللوَّامَةِ].
وإن كانت منقادةً للعقل وصار الانقياد ملكةً لها، يُسمّيها [مُطْمَئِنَّةً].
والغرض من الرياضة ثلاثة أشياء:
أوّلها: رفع الموانع عن طريق الوصول إلى الحقّ، وهي الشواغل الظاهرة والباطنة.
وثانيها: جعل النفس الحيوانيّة مطيعةً للعقل العمليّ الباعث على طلب الكمال.
وثالثها: جعل النفس مستعدّة لقبول فيض الحقّ لتصل إلى كمالها الممكن لها.“

~ الخواجة نصير الدين الطوسي، أوصافُ الأشراف.
🔥21
أعجبُ من تلك الفئة من الناسِ الذين يستنكرونَ حكومةَ الظلمِ والجورِ [ وهذا أصلٌ مطلوبٌ ] لكن في الوقتِ ذاتهِ يرون بعينِ التبجيل لشخصياتٍ من التاريخِ عرفوا بسياستهم الجائرةِ وأفعالهمُ الشنيعة، بل ويفخرونَ بالإنتماء لهم. وخيرُ مصداقٍ لهذه الفئة أولئك الذين يسمونَ أنفسهم بـ الأمويين الجدد
يفخرون بيزيدٍ شارب الخمر قاتل النفس المحرمةِ، المتلاعب بالدين، الذي كان من آثار قيادته وقوعُ أعظم مصاب في تاريخ الإسلام بقتله الإمام الحسين (ع) في فاجعة الطف وما لاحقها من سبي لبنات النبيّ الأكرم (ص)، ثم انتهك حرمة المدينة المنورة وأباحها لجنده يعيثون فيها فساداً منقطع النظير. ورمى الكعبة المكرمة بالمنجنيق في مواجهته لابن الزبير.
ويفخرونَ بمروان بن الحكم الذي بدأ خلافته بالتهديد بالسيف وكان أول من بايعه من الناس أهل الأردن، وقد بايعوه كرهًا خشية من حد السيف، وتبعهم في ذلك أهل الشام، ثم حاصر مصر وقاتلهم حتى دخلوا في طاعته.
ويفخرون بـ عبد الملك بن مروان الذي لاقى المسلمون منه الويل، وسالت في عهده أنهر الدم، وكان شعار عبد الملك وهو الفكر السياسي السائد في بني أمية، هو قوله عندما حج بالناس وخطبهم في المدينة قائلاً :« فإني لست بالخليفة المتضعف [يعني عثمان] ولا الخليفة المداهن [يعني معاوية] ولا بالخليفة المأفون [يعني يزيد] ألا وإني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم».
وأطلق عبد الملك يد الحجاج في المسلمينَ حتى رمى حجاجُ بيت الله الحرامِ بالمنجنيقِ وهم يطوفونَ بالكعبة. وتقولُ المصادر التاريخية أنه بلغ عدد من قتلهمُ الحجاج صبراً ـ سوى من قتلوا في حروبهِ وعلى أيدي جندهِ ـ مئة وعشرين ألفاً. وبعد هلاكه وُجد في سجونه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، ويكفي ما قاله عنهُ عمر بن عبد العزيز :« لو جاءت كلّ أمةٍ بخبثهَا وجئنا بالحجّاج لغلبناهم ».
والكلامُ في هذا الشأنِ لا يكاد ينتهي. وكل حاكمٍ أمويٍ أو واليا من ولاتهم يحتاج لوحده عدة دفاترٍ لنقلِ صورةٍ من صورِ سياسة الظلم وسفك الدماء المحرمةِ التي انتهجوها.
طبعًا هم يفخرون بهم لأن دولة المسلمين في وقتهم كانت عزيزةً على حد اعتقادهم، ومظهرُ ذلك كثرة الفتوحات والغنائم والسبيّ، وانتشار الإسلام في الأمصارِ التي كانت تحت سلطتهم، وإقامة نظمٍ إداريّة وتعريبهم للدواوينَ وصكهم لأول عملة عربية إسلاميّة، وصونهم للثغور وغيرها من مظاهر قوة المُلكِ.
طبعًا لا شكّ في أن دولة المسلمينَ في عصرهم كانت عزيزةً على أهل الكفرِ، والذين كانوا يرابطون في الثغورِ دفاعًا عن بيضة الإسلام ليس بالضرورةِ أنهم كانوا راضينَ عن السلطةِ، بل كان الإشتراك فيها مظهرًا من مظاهر الهروب من الواقع السياسيّ الداخليّ وحفاظاً على النفس من الوقوعِ فريسة للإجراءات الجائرةِ أو الفتن الدائرة، ولنا في أبي ذرٍ الغفاري (رض) خيرٌ مثال، حيثُ لجأ فترة من الزمان للبقاء في الثغور هرباً من السلطةِ. ومن المعلومِ أن الثغور وأماكن الرباط كانت أبعد النقاط في ذلكَ الزمن عن أماكنِ الرفاه والراحةِ، واختيار البعض لتلك الجهات البعيدة كان لأجلِ ابتعادهم عن التورطات التي انغمس فيها أهل المدنِ في داخل البلاد. لهذا كانت في ما بعد مقصدًا للمتصوفةِ الذين كانوا يرغبون في الزهدِ والإبتعاد عن مظاهر الترف والمجونِ التي عرفها المجتمع خصوصًا في العصر العباسيّ.
إن من كانَ في أدبياتهم الدينيّة تبجيلاً لسيرِ الحُكام الأوائل لعلةِ عزة الإسلام في عهدهم، رُغم ما قاموا به من ظلمٍ وجورٍ وسفكٍ للدماءِ، حتى وإن تمكنوا من إزالةِ ظلمٍ؛ سيساهمونَ في إقامةٍ حكومةٍ ظلم أخرى. ومن كان سلفُه في السياسة والتدبيرِ أُناسٌ مثل مروان وهشام والحجاج، ويرى نفسه أنه سليلهم، لا ينتظر منه أفضل مما قام به سلفهُ. ولنا في التاريخِ عبرة.
8
” من ظنّ أنه كاملٌ، فقد ضلّ الطريقَ،
فالماءُ لا يتدفقُ إلاّ إلى الواديِ المُنخفضِ.
كُن صغيرًا كالنقطةِ،
حتىٰ ترى بحرَ المحبوبِ العظيمِ.“

~حافظُ الشيرازيّ.
17👏1
إن العلم في القديمِ كان مرتبط بـ الحكمة والأخلاق، حيث ينظر العلماء إلى العلم على أنه وسيلة لتحقيق الخير والصلاح للمجتمع، وكانت القيم الأخلاقيّة جزءاً لا يتجزأ من صورتهم.
في ذلك الوقت، كان يُنظر إلى العالِم على أنه مثالٌ يُحتذى به، ليس فقط بمعرفته، بل أيضاً بأخلاقه وسيرته الحسنة، وهو ما انعكس في الثقافات القديمة والدين حيث كانت الأخلاق والعلم مترابطين.
أما اليوم، ومع تطور العلوم وارتباطها بالصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد، أصبحت الأولوية تُعطى للنتائج الملموسة والمنتجات القابلة للتسويق. وفي هذا السياق، يُغفل عن الأخلاق الشخصيّة للعالِم إذا كان ما ينتجه يُحقق أرباحاً أو يُساهم في التقدم التكنولوجي.
طبعًا هذا التوجه أثار جدلاً كبيراً حول الأخلاقيات في العلم، خاصة مع ظهور قضايا مثل التغير المناخي، والهندسة الوراثية، واستخدام الذكاء الاصطناعي...ألخ. ولذلك، نجد دومًا دعوات مستمرة لإعادة التركيز على الأخلاقيات في العلم لضمان أن يُستخدم العلم لخدمة الإنسانية بدلاً من استغلاله لمصالح ضيقة.
في الثقافة الصينية القديمة، خصوصاً في تعاليم كونفوشيوس، كان العالِم أو المثقف يُعرف بـ[ الجِنزِي] أي الشخص النبيل، وهو من يتحلى بفضائل مثل الإخلاص، التواضع، وحب الخير.
والمعرفة عندهم لم تكن غاية في ذاتها، بل وسيلة لتحسين الذات والمجتمع. فـ العالم الحكيم هو من يُكرس علمه لتحقيق التناغم بين البشر والطبيعة. ويُنظر إلى العالم على أنه قدوة أخلاقية، يتجاوز دوره الإنتاج أو الاكتشاف إلى الإرشاد وقيادة المجتمع نحو الفضيلة.
ركزت الطاوية والكونفوشيوسية على أن الحكمة هي التي تمنح الإنسان القدرة على العيش بانسجام مع الكون. والأخلاق كانت شرطاً لتحقيق المعرفة الحقيقية، لأن العلم دون فضيلةٍ يمكن أن يؤدي إلى اضطراب اجتماعي.
كثيرا ما كان العلماء في الحضارة الصينيّة القديمة هم المسؤولون الحكوميون المثقفون، وكانوا يُختارون وفق نظام امتحانات صارم، ولم يكن الذكاء وحده كافياً، بل كان يُشترط أن تكون لديهم شخصيّة أخلاقية عالية وموقفٌ أخلاقي قوي.
وأما في الثقافة الإسلاميّة يعتبرُ العلم عبادةً [حديث النبي (ص) عن طلب العلم] وكان العلم يُطلب لوجه الله ولخدمة المجتمع قبل كلّ شيءٍ، فـ العالم المسلم كان يُعرف بتقواه وأخلاقه، إذ إن العلم بلا أخلاق يُعتبر خطراً. وهذا ما أكد عليه علماء مثل الشيخ الغزالي على أن العلم إذا لم يقترن بالعمل الصالح يمكن أن يؤدي إلى فساد النفسِ والمجتمع. ولهذا نجدُ أن كثيرًا من العلماء المسلمين، مثل الشيخ الرئيس ابن سينا وابن رشد، ابنُ الهيثم وغيرهم؛ جمعوا بين المعرفة العلميّة [ الطب، الفلسفة، الرياضيات... ألخ] والتقوى والالتزام الأخلاقيّ، مما جعلهم قدوة في المجتمعِ.
العلم في الثقافة الإسلاميّة كان يُطلب لتحقيق مقاصد نبيلةٍ، مثل جلب المنفعة ودرء المفسدةِ. والهدف من المعرفة أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة والرحمة في المجتمع وهي مهمة الأنبياء،
لهذا فإن العلماء في الإسلام يُعرفون بأنهم ورثة الأنبياء، ما يعني أن العلم يحمل مسؤولية أخلاقية عُظمى. ولا يقتصرُ العلمُ فقط على العلوم والمعارف الدينية مثل الفقه، بل يشمل كل المعارفِ وإن كان أشرفهَا في الإسلام العلوم الدينية. ولذلك كانت سيرتهم- أي العلماء- وأخلاقهم موضع اهتمام كبير.
العلم في الثقافة السائدة اليومُ مختلفٌ عن الثقافات القديمة لكونه أصبح مرتبطًا بشكل كبير بالإنتاج، الصناعة، والتكنولوجيا، وغالبًا ما يركز على الابتكار من أجل الربح أو الهيمنة الاقتصادية والسياسية. فـ الأخلاق ليست دائمًا جزءًا من معايير التقييم. ويُنظر إلى العالِم على أنه مجردُ منتج أكثر من كونه قدوة، ونجاحه يُقاس بعدد الأبحاث أو الاختراعات بغض النظر عن أثرها الأخلاقي.
يتم فصل العلم عن الأخلاق تحت ذريعة الحياديّة العلمية [ العلمويّة] ويُنظر إليه كأداة محايدة، والقرارات الأخلاقية تُترك للسياسيين أو المؤسسات. وهذا ما أدى إلى ظهور مشكلات أخلاقية مثل التجارب الجينية غير المنضبطة، مشاكل المناخ، والتكنولوجيا العسكرية...ألخ حيث يتم استخدام العلم لأغراض تضر البشريّة، وهذا ما شهدناه في حروب العالم الحديث التي تفننت في الفتك بأرواح الملايين، وآثارها الكارثيّة على البيئة.
ومع تغول المادية الرأسمالية جعلت العلم جزءًا من النظام الرأسمالي، حيث تُحدد الأولويات بناءً على المكاسب الماديّة والتجارية، ولهذا نجدُ أن الكثير من الأبحاث العلميّة تُمول من شركات خاصة أو حكومات تسعى لتحقيق مكاسب مادية أو استراتيجية، مع عدم اكتراثها بالمصلحة الإنسانيّة العامة. وهو ما يعكسُ ما يسميه شبنجلر بالروح الفاوستيّة التي تحكم الحضارة الحديثة، حيث غايتها الهيمنة والتوسع.
4
” كان السيد محمد حسين الطباطبائي يتعامل برقّة ورفق واحترام مع نصوص الديانات الآسيوية. يقول المفكر الإيراني داريوش شايغان:« العرفانُ أول ما يسترعي اهتمامي، أجد انشداداً قوياً إلى العرفان، أنا من عشاق المذهب الطاويّ، وأهوى [وانغ تزو] للغاية. قضينا دورة بأستاذية العلّامة الطباطبائي وكان يبدي رغبة اكيدةً في الاطّلاع على كتاباتهم. ولأنها لم تكن مترجمة عكفت أنا والبروفسور سيّد حسين نصر على ترجمتها. كان العلّامة يفسّرها وكأنه استاذٌ بالضبط، ويتركنا في حيرة من الأمر. فمثلاً كان هناك عبارة تنطوي على مفارقة { الذي يفهم لا يفهم، والذي لا يفهم يفهم} وقد فسّر الطباطبائي هذه العبارة وأجلى غشاوتها وحلّل مضمونها بنحوٍ أدهشني.
بعد ذلك ترجمتُ انا والدكتور سيد حسين نصر كتيباً صغيراً من تأليف [ لاوتسه] للفارسية وكان الكتيب كله مفارقات.. وحينما قرأه العلّامة قال: هذه أهم رسالة قرأتها في حياتي.» “

~ د. عبد الجبار الرفاعي
12🕊1
” قیل إن ما تناله النفس من العلوم ذاتیة لها موجودة فیها بالفعل في بدء کینونتها وما أورد علیهم أن ذلك ینافي الجهل المشهود من الإنسان ببعض العلوم والحاجة في فعلیتها إلی الاکتساب أجابوا بأنها ذاتیة فطریة لها لکن اشتغال النفس بتدبیر البدن أغفلها علومها وشغلها عن التوجه إلیها. وفیه أن نحو وجود النفس بما أنها نفس أنها صورة مدبرة للبدن فتدبیر البدنّ ذاتي لها حیثما فرضت نفسًا فلا یئول الجمع بین ذاتیة العلوم لها وبین شاغلیة تدبیر البدن لها عن علومها إلا إلی المناقضة. نعم یتجه هذا القول بناء علی ما نسبَ إلی أفلاطون أن النفوسَ قدیمة زمانا والعلوم ذاتیة لها وقد سنح لها التعلق التدبیري بالأبدان فأنساها التدبیر علومها المرتکزة في ذواتها، لکنه فاسدٌ بما تحقق فی علم النفس من حدث النفوس بحدوث الأبدان علی ما هو المشهور أو بحرکة جواهر الأبدان بعد حدوثها و ربما وجه القول بقدمها بأن المراد به قدم نشأتها العقلیة المتقدمة علی نشأتها النفسانیة لکن لا یثبت بذلک أیضا أن حصول العلم بالذکر لا بالانتقال الفکري من الأسباب إلی المسببات أو من بعض اللوازم العامة إلی بعض آخر. “

~ العلّامة السيّد الطباطبائيّ، نهايةُ الحكمةِ
9
” البراهين العقليّة ناهضة على أن استقلال المعلول وكل شأن من شؤونه إنّما هو بالعلّة، وإنّ كل ما له من كمال فهو من أظلال وجود علّته، فلو كان للحسن والجمال حقيقة في الوجود فكماله واستقلاله للواجب تعالى لأنّه العلّة التي ينتهي إليه جميع العلل، والثناء والحمد هو اظهار موجود ما بوجوده كمال موجود آخر وهو لا محالة علّته، وإذا كان كلُّ كمال ينتهي إليه تعالى فحقيقة كل ثناء وحمد تعود وتنتهى إليه تعالى، فالحمد لله رب العالمين.“

~ العلامة السيّد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن
6
” إِلَهِي لَوْلا الْواجِبُ مِنْ قَبُولِ أَمْرِكَ لَنَزَّهْتُكَ عَنْ ذِكْرِي إِيَّاكَ، عَلَى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي لا بِقَدْرِكَ، وَمَا عَسَى أَن يَّبْلُغَ مِقْدَارِي حَتَّى أُجْعَلَ مَحَلًّا لِّتَقْدِيسِكَ، وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْنَا جَرَيَانُ ذِكْرِكَ عَلَى أَلْسِنَتِنَا، وَإِذْنُكَ لَنَا بِدُعَائِكَ وَتَنْزِيهِكَ وَتَسْبِيحِكَ“

~الإمامُ عليٌّ زينُ العابِدينَ (ع)، الصَحيفَةُ السّجاديّةُ
9
” يتأسس الإقتصادُ الحاليّ على الإنتاج الأقصى وعلى الإستهلاكِ الأقصى. وعلى الرّغم من أن أغلبيةَ الناسِ في هذا النظامِ الاقتصاديّ يمتلكونَ أكثر مما هم في حاجة إليهِ، فإنهم يشعرونَ دوما بأنهم فقراء،ٌ لأنهم لا يسايرونَ سرعة وكثافةَ البضائعِ المصنوعة. وهكذا يقوىٰ المللُ والغيرةُ والحقدُ، وأخيراً الشعورُ الداخليّ بالضعفِ وعدم القدرةِ والدونيّة. إنّ الإنسانَ المُعاصر يحس بنفسهِ فقط من خلالِ ما يمتلكهُ، وليس من خلالِ ماهيتهِ. لقد أصبحَ رضيعًا ينتظرُ على الدوام، ويخيب ظنّه على الدوامِ. “

~ ايريك فروم، الإنسانُ المستلبُ وآفاقِ تحررهِ
😢421
في فلسفة رينيه غينون [ René Guénon] لا يعدُ الشيطان مجرد كائنٍ شريرٍ أو مفسد فحسب، بل يمثّل رمزًا للانحراف عن الحقيقة الإلهية، و[ نظامًا مقلوبًا ] يسعى إلى عزل الإنسانِ عن المصدر الأسمى للوجود، الذي هو الحق سبحانه وتعالى.
بحسب غينون فإنً الشيطان لا يعمل فقط على نشر الشر، بل يعملُ على خلق نظامٍ موازي يعكسُ الانفصالَ عن المبدأ الإلهي للوجودِ، ويغرقُ الإنسان في عالم التعدديّة الزائفة والتجزئة التي تُبعده عن الوحدة الحقيقية للوجودِ.
هذا النظام المقلوب لا يعني فقط الشر في صورة مادية أو نفسيّة، بل هو نظام فكريّ يُعرض على الإنسان كبديل زائف للحقيقة [ الوهم والباطل ]، في حين يقومُ النظامُ الإلهي على الوحدة الروحية، والاتصال بالمبدأ الكونيّ.
الشيطان ينعكسُ على النظام الحسيّ الماديّ الذي يعلي من شأن الظاهر والحسّ والنسبيّ على حساب الجوهر الروحيّ الأصيل والثابت. من خلال هذا، يُدفع الإنسان إلى التركيز على المظاهر الماديّة والحسيّة، مثل المال، والشهوة، بدلاً من السعيّ نحو المعنى الروحي الأعمق للحياةِ.
هذا النظامُ الشيطانيّ بحسبِ فلسفة غينون؛ يُغرق الإنسانَ في تعددية زائفة يُقسّم فيها العالم إلى عديدٍ من القوى المتناقضة، مما يُبعده عن وحدة الوجود في الفكر الإلهي، حيث أن كل شيء مرتبط في وحدة كونيّة، ولكن من خلال الشيطان، يفقد الإنسان الإحساس بهذه الوحدة.
هذا الانفصال عن المبدأ الكوني يؤدي إلى حالة من الفوضى الروحيّة في العالم، فيُجبر الإنسان على العيش في عالم من التناقضات. تتسببُ شعوره بوجوده ككيانٍ مستقلٍ، وعلى أنه مصدرٌ لكل حقيقة بعيدًا عن المبدأ الإلهيّ [ الأنا الديكارتيّة].
الشيطان في فهم غينون يدفع البشريّة لتبني أنماط حياة حسيّة وانفصاليُة [ انفصالٌ عن اللّه ] من خلال إغواءِ الإنسانِ بأن العالم المادي المحسوس هو الأهم، واستبدال المعاني الروحيّة الحقيقية بالمظاهر السطحيّة. وبهذا يتم دفع البشريّة نحو التحول من التوجه نحو الحقيقة الإلهيّة، إلى خداع زائف يعزز انفصاله عن أصل الوجود، ويقللّ من [ الحضورِ الإلهيّ في العالم].
يُؤكد غينون على أن العالم الحديث يعكس الطبيعة الشيطانيّة للنظام الذي يسيطر عليه. ففي هذا العالم، يتم تفضيل الحسّ والأنانية، وتُغلق الأبواب أمام الحقائق الروحية، والإرتقاء المعنويّ، والقيم الميتافيزية الجليلةِ. وتُعتبر العقلانية والعلمانيّة في العالم الحديث بمثابة أدوات للشيطانِ لترسيخ الانفصال عن المبدأ الروحيّ والأصل الإلهيّ.
يؤدي نظامُ العالم الحديثِ؛ من خلال التحكم والهيمنة على الأفراد عبر الأيديولوجيات الليبراليّة التي تركز على الاستقلاليّة والفردانيّة، إلى شعورِِ الإنسانِ بالانفصال عن كل شيء روحيّ، وبالتالي يعمق الفراغ الروحيّ في المجتمعات المعاصرة.
التركيز على الحسّ والرفاهيّة الدنيوية، والإستهلاك الماديّ؛ كلها تصيّرُ الإنسان عبدًا للأوهام التي يخلقها له هذا [ النظام المقلوب]. وتصبح المصلحة الشخصيّة والأنانية هي المبادئ الحاكمة، وتُفقد بذلك الغاية الحقيقيّة للوجود.
الإنسان في هذا النظام يصبح غارقًا في المتعة اللحظيّة واللهثِ وراءَ المكاسب الماديّة والإقتصاديّة على حساب الروحِِ.
هذا الانغماسُ في المظاهر السطحيّة والدنيويّة، يعكس المهمة الشيطانيّة التي يؤديها من خلال هذا النظام الملقوب الذي خلقهُ للإنسانِ، والذي حجبت فيه الحقائق الروحيّة، ومُسخ فيه الإنسانُ وأصبح مجرد عبدٍ للمتعِ والشهوات.
4
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
حاجةُ الإنسان المعاصرِِ إلى التجربةِ الروحيّة العرفانيّة.

~ الشيخ حيدر حب اللّهِ.
4
يقولُ المفكرُ الفرنسيّ هنريِ كوربان: لو أدركَ المفكرونَ المسيحيونَ نظرية التجليّ، لحُلَّت مشكلةُ التثليثِ.
نظريّة التجلي في السياق الإسلاميّ تعني ظهور الله سبحانه وتعالى وتجليه بصفاتهِ وأسمائه في عالمِ الإمكانِ [ التجلي المقدس] دون أن يختلط بذاته أو أن يتجسد في أي خلقٍ من مخلوقاتهِ؛ بمعنى أن اللّه سبحانه يظل منزَّهًا عن الحدود العقليّة والجسمانيّة، لكن وجوده وفعلهُ يمكن إدراكهُ عبر تجلياته المختلفةِ { كلّ يومٍ هو في شأنٍ}. هذه النظريّة تقوم على أساس التوحيد الخالصِ، حيثُ أن الأسماء والصفات تظهرُ في مظاهرٍ متنوعة، مما يجعلِ التنوع في العالمِ انعكاسًا لوحدة أسماء الحقّ وصفاته.
أما في العقيدةِ المسيحيّة القائمة على ما يعرفُ التثليثِ أو الثالوث المقدس، فإنه يعبرُ عن ثلاث أقانيمٍ [ الآب، الإبن، والروحُ القدسِ] في ذاتٍ إلهيّة واحدةٍ.
هذه النظريّة أثارت الكثير من الجدل اللاهوتي عبر تاريخ المسيحيّة، حيث حاول المفكرون المسيحيون التوفيق بين وحدة الذات الإلهية وتعدد الأقانيم، لكنّ كل هذه المحاولاتِ لم تنهيِ الجدلَ وتخرجُ المسيحيّة من وحلِ عقيدةِ الثالوثِ.
هنا نجدُ أن هنري كوربان يشير إلى أن نظريّة التجلي الإسلاميّة يمكن أن تعيد قراءة وتفسير التثليث بطريقةٍ تُحافظ على وحدة الذات الإلهيّة دون الوقوع في التجسيم أو الإنقسامٍ؛ أي أنّ التثليثُ يمكن تفسيرهُ كتجلياتٍ مختلفةٍ للإله الواحد، فالآب رمزُ الإرادة الإلهية المطلقة، والإبنُ رمزُ التجليّ الإلهي في صورةِ الإنسان [ خلقَ اللهُ آدم على صورتهِ] والروحُ القدسِ رمزُ فعل الإلهِ في النفوس البشرية والطبيعةِ.
من خلال هذه النظريّة، تصبح الأقانيم الثلاثة أوجهًا لتجلياتِ الإله الواحدِ، دون أن يؤدي ذلك إلى تصور تعدد الذواتِ الإلهيّة.
10
” الملكُ ظاهر الكون، والملكوتُ باطن الكون، والعقلُ لسان الروح. والبصيرة التي منها تنبعث أشعة الهدايةِ قلب الروح، واللسان ترجمان القلبِ، وكل ما ينطق به الترجمان معلومٌ عند من يترجم عنه، وليس كل ما عند من يترجم عنه يبرز إلى الترجمان، فلهذا المعنى حرم الواقفون مع مجرد العقول العارية عن نور الهداية، الذي هو موهبة الله تعالى عند الأنبياءِ واتباعهم الصواب، وأسبلَ دونهم الحجاب لوقوفهم مع الترجمان، وحرمانهم غاية التبيانِ. “

~شهابُ الدين عمر السهروردي، عوارفُ المعارفِ.
12
” حيث إنّ خَلقَ الإنسان هو من فعل الله [ الحكيم] فلا بّد أن يكون له من هَدَف وغرض، ونظراً إلى أن تركيب الكيان البشري ـ مضافاً إلى الغرائز التي هي مشتركة بينه وبين الحيوان ـ ينطوي على العَقل أيضاً- لهذا لابُدّ أنْ يكونَ لِخَلقه غرض عُقلائيٌ، وهَدَفٌ مَعْقولٌ. ومن جانب آخر، فإنّ عَقل الإنسان، وإنْ كان مؤثِّراً ومفيداً في سلوكه طريقَ الكمال، إلا أنّه غيرُ كاف لذلك.
إنَّ الّذين يَتصوَّرون أنّ في مقدور [ الهدايات العقليّة] أنّ تحلَّ محلّ [ الهدايات الإلهيّة السّماويّة] يجب أن يدركوا أمرين:
1 ـ إنّ العَقل والعلم البشريّين قاصران عن المعرفة الكاملة بالإنسان، وبمسيره في صعيد الماضي والمستقبل، في حين يعلم خالقُ البشر ـ بحكم كون كلّ صانع عارفاً بمصنوعه ـ بالإنسان، ومحيطٌ بأبعاده، وأسرار وجوده، إحاطةً كاملةً.
2 ـ إنّ الإنسان بمقتضى غريزة حبّ الذات المودَعة في كيانه، يحاول ـ عِلماً أو جهلاً ـ أن يُتابعَ منافِعَه الشخصيّة ويهتمّ بها، فيعجز ـ في تخطيطه وبرمجته ـ عن الخروج من دائرة منافعه الفرديّة أو الجماعية بشكل كامل.
ولهذا من الطبيعي أن لا تتسم البرامج البشرية بالجامعيّة والشموليّة الكاملة، ولكن برامج الأنبياء والمرسلين لكونها من جانب الله العالم، المحيط، الحق، المنزّه، مبرّأةٌ عن مِثل هذه النقيصة.
وبملاحظة هاتين النقطتين يمكن القولُ ـ على وَجه القطع واليقين، بأنّ البشر ليسوا في غنىً قط عن الهدايات الإلهيّة، وعن برامج الأنبياء، لا في الماضي، ولا في المستقبل إنما هو في حاجة مستمرة إليها.“

~ من مقالات الشيخ جعفر السبحاني حول الأدلّة على ضرورة النبوّة.
7