على لِسان داريوش شايغان، كان العلامةُ الطباطبائيّ شديدَ الإعجاب بالحكمة الصينية، لاسيما الطاوية، إذ قال عن إحدى رسائل "لاوتسه" التي ترجمها شايغان مع سيد حسين نصر أنها أهم رسالةٍ قرأها في حياتهِ.
❤6
” الحريّة مفهومٌ جميلٌ ومُحبّب عند جميع الناس... يعتقد البعض أنّ المراد من الحريّة هو إطلاق سراح عصفور مثلًا بعدما كان مسجونًا في قفصه، أو الإفراج عن رجلٍ بعدما كان قابعًا في السجن الانفرادي.
وإنّ تصوّرَ هؤلاء عن الحريّة محدودٌ جدًّا، ومع ذلك فإنّ لفظ الحريّة محبّبٌ إلى درجة تجعل حتّى هذا المعنى المحدود منه مطلوبًا للإنسان بطبعه.
في أدبيّاتنا الدينيّة تُستعمل كلمة الحريّة في واحد من مصاديقها، والذي يشير إلى أنّ الإنسان الحرّ هو [ المتحرّر من قيود الدنيا] وتُعتبر الحريّة من القيم الأخلاقيّة الرفيعة حتّى اعتبرها بعض أعاظم الأخلاق أصل تمام الفضائل.
وتُطالعنا في كلمات المعصومين عليهم السلام عباراتٌ كثيرةٌ في هذا المجال، حيث يقول أمير المؤمنين عليه السلام:[ أَلا حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اللُّماظَةَ لِأَهْلِها، إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلّا الْجَنَّةَ فَلا تَبيعوها إِلّا بِها.] حيث يُشبّه أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكلام الدنيا بالبضاعة البخسة الرديئة، ويقول: ألا يوجد حرٌّ يترك هذه الدنيا لأهلها ولا يكترث لها! فوفقَ كلام أمير المؤمنين عليه السلام الحرُّ هو من يحرّر نفسه من أسر هذه الدنيا والتعلّق بها.
وكذلك الإمام الحسين عليه السلام حيث قال للحرّ بن يزيد الرياحيّ إجلالًا وتكريمًا له عند استشهاده:[ أنتَ حرٌّ كما سمّيتَ في الدنيا والآخرة] “
~ الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، جلاء البصيرة.
وإنّ تصوّرَ هؤلاء عن الحريّة محدودٌ جدًّا، ومع ذلك فإنّ لفظ الحريّة محبّبٌ إلى درجة تجعل حتّى هذا المعنى المحدود منه مطلوبًا للإنسان بطبعه.
في أدبيّاتنا الدينيّة تُستعمل كلمة الحريّة في واحد من مصاديقها، والذي يشير إلى أنّ الإنسان الحرّ هو [ المتحرّر من قيود الدنيا] وتُعتبر الحريّة من القيم الأخلاقيّة الرفيعة حتّى اعتبرها بعض أعاظم الأخلاق أصل تمام الفضائل.
وتُطالعنا في كلمات المعصومين عليهم السلام عباراتٌ كثيرةٌ في هذا المجال، حيث يقول أمير المؤمنين عليه السلام:[ أَلا حُرٌّ يَدَعُ هَذِهِ اللُّماظَةَ لِأَهْلِها، إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلّا الْجَنَّةَ فَلا تَبيعوها إِلّا بِها.] حيث يُشبّه أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكلام الدنيا بالبضاعة البخسة الرديئة، ويقول: ألا يوجد حرٌّ يترك هذه الدنيا لأهلها ولا يكترث لها! فوفقَ كلام أمير المؤمنين عليه السلام الحرُّ هو من يحرّر نفسه من أسر هذه الدنيا والتعلّق بها.
وكذلك الإمام الحسين عليه السلام حيث قال للحرّ بن يزيد الرياحيّ إجلالًا وتكريمًا له عند استشهاده:[ أنتَ حرٌّ كما سمّيتَ في الدنيا والآخرة] “
~ الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، جلاء البصيرة.
❤3👍1
” إن مآثر الجرأة والمخاطرة والغزو، فضلاً عن انضباطات الجسد والحواس والإرادة التي تُمارس في قمم الجبال الثابتة والعظيمة والرمزية، تقود الإنسان إلى إدراك أن كل ما في الإنسان يتجاوز نفسه. إن نتيجة ديمقراطية "افعل ما تريد" هي تسمم الجزء الأكبر من السكان غير القادرين على التمييز لأنفسهم، والذين، عندما لا يسترشدون بالسلطة والمثل الأعلى، يفقدون بسهولة الإحساس بهويتهم الخاصة “
~يوليوس إيفولا.
~يوليوس إيفولا.
❤5
” في التَّقليد الإسلاميُّ، ثمَّة دَرَجَةُ اِمْتِيازٍ بينَ حربين قُدّوسَتين، الحربُ المُقدَّسة الكُبرىٰ [ الجهاد الأكبرُ ]، وحربٌ مُقدَّسةٌ صُغرىٰ [ الجهاد الأصغر ] بَرَأَت منزلةُ التَّميُّز هٰتِه مِن قول الحَديث النَّبويُّ، الَّذي قال فيهِ حينما عادَ مِن وِجهةِ إحدىٰ حَمْلَاتهِ الحَربِيّة: رجعتُ مِن الجهاد الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ. إنَّ الحرب المُقدَّسة الكُبرىٰ ذاتُ طبيعةٍ باطِنيَّة ورُوحانِيَّة؛ أمَّا الْأُخْرَى فهي حربٌ ماديَّة تُشنُّ ظاهِرِيًّا ضدَّ الفئة الباغيَّة بغرضٍ معلومٌ أمرهُ، إجْتِلابُ الفِئة ”الكافِرة“ تَحت حُكم شريعة اللّٰه [ الإسلام ] إنَّ الآصِرَة بينَ ”الحَرب المُقدَّسة الكُبرىٰ“ و”الحرب المُقدَّسة الصُغرىٰ“، إنّما تَعكس الآصِرَةَ بينَ الرُّوح والجُسمانِ؛ مِن أجل فهم ذا التنسُّك البطوليُّ أو [ سُنَن التَّدْبِير ] مِن الضَّروريُّ فهم الكَيْفِيّة الَّتي يتناغمُ فيها النَّجدانِ، حيثُ تصيرُ الحرب المُقدَّسة الصُغرىٰ الوسيلة الَّتي يتمُّ من خِلالها شنُّ الحرب المُقدَّسة الكُبرىٰ، والعكس بالعكس: حيث تصبحُ الحرب المُقدَّسة الصُغرىٰ، أو الظّاهريّة، شَعِيرَةً تُعبِّر عن حقيقةِ الحرب الأوَّلى وتشهدُ عليها. ...الحربُ المُقدَّسة الكُبرىٰ هي جِهَاد الإنسان ضدَّ الأعداء المنطوينَ فيهِ. بِالأحْرَى، إنَّهُ جِهادُ عَقِيدَة الإِنسان الأعلىٰ ضدَّ كلُّ ما هو إنسانيُّ فيهِ، وضدَّ طبيعتهِ السُّفلِيَّة وضدَّ النَّزوَاتِ الفَوضويَّة وكلَّ أنواع الأهواء الماديَّة. ... العدوّ الَّذي يُنابِذنا والكافِر الَّذي بداخِلنا علينا كَظمُهُ وتَسليلُهُ بالسلاسِل.“
~ يوليوس إِيِفولا.
~ يوليوس إِيِفولا.
❤7
” إنَّ الحجَّة الأقطع ضدَّ الديمقراطيِّة تتلخَّص ببضع كلمات: لا يمكن أنّ يصدر الأعلى عن الأدنى، لأنَّ الأكثر لا يمكن أنّ يخرج من الأقلّ، وهذا يتميِّز بدقَّة رياضيِّة [ rigueur mathématique ] مطلقة، لا يمكن أنّ يفوقها شيءٌ قيمةً، تجدر الملاحظة أنَّ هذه الحجَّة بالذات، عند تطبيقها في سياق آخر، تصلح أيضاً ضدّ الماديّة؛ لا شيءَ مفاجئاً في هذا التلازم [ concordance]، والأمران هما أشدّ ترابطاً بكثير مما يمكن أنّ يتراءى من أوَّل وهلة، من الواضح جدّاً أنَّ الشعب لا يمكنه أنّ يمنح سلطةً لا يملكها هو نفسه؛ إنَّ السلطة الحقيقيِّة لا يمكن أنّ تأتي إلاّ من فوق، لذلك نقول، بشكل عابر، أنَّها لا يمكن أنّ تكتسب الشرعيِّة إلاّ عبر تصديقٍ من قبل شيءٍ ما أعلى من المستوى الإجتماعيّ، أيّ مِنْ قِبَل سلطة روحانيّة؛ أما إذا كان الأمر مغايراً لذلك، فلن يكون، بَعْدُ، إلاّ تزويراً للسُّلطة، أمرًا واقعًا غيرَ مبرَّر لفقدان المبدأِ، وحيث لا يمكن أنّ يُوجَدَ غيرُ فوضى وحيرة.“
~ ريني غينون، أزمة العالم الحديث.
~ ريني غينون، أزمة العالم الحديث.
❤8🔥2
” لَا غِنَى كَالعَقلِ، وَلَا فَقرَ كَالجَهلِ، وَلَا مِيرَاثَ كَالأَدَبِ، وَلَا ظَهِيرَ كَالمُشَاوَرَةِ.“
~الإمام علي (ع)، نهج البلاغة.
~الإمام علي (ع)، نهج البلاغة.
❤8
” إنّه من خلال حكم التاريخ القطعي وبشهادة القرآن وبحكم القرائن التّاريخيّة الكثيرة نعلم أنّ لَوح ضمير النبي كان مبرءاً من التعلم من بشر، إنّه لم يتعلم إلاّ في ظلّ تعليم إلهيّ، ولم يستق إلاّ من الحقّ-تعالى- إنّه زهرة لم ترعها إلاّ يد الواجب جل وعلا، وأنّه رغم عدم تعامله مع القلم والقرطاس والحبر والقراءة والكتابة، رغم ذلك يقسم كتابه المقدس بالقلم وآثاره كأمر مقدس «ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ» ويؤمر بالقراءة في أوّل رسالة إلهيّة إليه وعبر عن صناعة استعمال القلم بأنّها أعظم نعمة تأتي بعد نعمة الخلق «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ »، وهكذا رأينا ذلك الإنسان الذي لم يمسك بقلم قط، رأيناه عند دخوله المدينة يبعث نهضة القلم، رأينا ذلك الإنسان الذي لم ير معلماً قط ولم يدخل جامعة أبداً، يعلم الإنسانية وينشيء الجامعات والجامعات عبر التّاريخ.“
~ الشَّيهيد مُرْتَضَى مُطَهَرِيّ.
~ الشَّيهيد مُرْتَضَى مُطَهَرِيّ.
❤8
” ولو لم تكن المدارك ضعيفةٌ قاصرةٌ عن إدراك الأشياءِ على ما هي عليه، لكان ينبغي أن يكون ما وجوده أكملُ وأقوى ظهوره على القوى المدركةِ، وحضوره لديها أتمّ وأجلى، ولما كانَ واجبُ الوجودِ من فضيلةِ الوجودِ أظهرُ الأشياء عندنا وحيثُ نجد أن الأمرَ على خلافِ ذلك، علمًا أن ذلك ليسَ من جهتهِ،إذ هو في غاية العظمةِ والاحاطة والسطوعِ والجلاءِ والبلوغ والكبرياءِ، لضعفِ عقولنا وانغماسها في المادةِ وملابستها للأعدامِ والظلمَات تعتاض عن إدراكهِ، ولا نتمكّن أن نعقلهُ على ما هو عليه في الوجودِ، فإن إفراط كمالهِ يبهرها لضعفهِا وبعدها عن منبع الوجود ومعدن النّور والظهورِ، من قبل سنخ ذاتها لا من قبله، فإن لعظمته وسعةِ رحمته وشدّة نوره النافذ وعدم تناهيه أقربُ إلينا من كلّ الأشياء كما أشار إليه بقوله تعالى { ونحنُ أقربُ إليه من حبلِ الوريدِ} وبقوله {وإذا سألكَ عباديِ عني فإني قريبٌ}... فثبتَ أن بطونه من جهة ظهوره، فهو باطنٌ من حيث هو ظاهرٌ، فكلما كان المدركُ أصحّ إدراكا، وعن الملابس الحسية والغواشي الماديّة أبعد درجة؛ كان ظهورُ أنوار الحق عليه وتجليات جماله وجلاله له أشدّ وأكثر، ومع ذلك لا يعرفهُ حق المعرفةِ، ولا يدركهُ حقّ الإدراك لتناهي القوى والمدارك، وعدم تناهيه في الوجودِ والنوريةِ { وعنت الوجود للحي القيوم} “
~صدر المتألهين الشيرازي، الأسفار.
~صدر المتألهين الشيرازي، الأسفار.
❤3
” (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)
عندما يتراجع البشر، ويتخلون عن دعوتهم العليا وينحدرون إلى مستوى الحيوانات، فمن المناسب أن يصبحوا حيوانات، حتى لو بقيت على المستوى الحرفي، لا يمكنك الهروب من هذا الاستنتاج الواضح. القرآن لا يمكن أن يكون أكثر وضوحاً في هذه النقطة. ثم اقتبس [ أي إيفولا] من الشاعر دانتي أليغييري خطاب أوديسيوس من الملحمة الإغريقية لأصدقائه قبل المغامرة الملحمية الأخيرة خارج الحدود الخارجية للعالم: “لم يُخلق البشر ليعيشوا مثل الحيوانات، ويستسلموا لطبيعتهم الدنيا، بل ليتبعوا المعرفة والحكمة" وبصيرة الشاعر الجليلة تتفق مع القرآن.“
~ يوليوس إيڤولا.
عندما يتراجع البشر، ويتخلون عن دعوتهم العليا وينحدرون إلى مستوى الحيوانات، فمن المناسب أن يصبحوا حيوانات، حتى لو بقيت على المستوى الحرفي، لا يمكنك الهروب من هذا الاستنتاج الواضح. القرآن لا يمكن أن يكون أكثر وضوحاً في هذه النقطة. ثم اقتبس [ أي إيفولا] من الشاعر دانتي أليغييري خطاب أوديسيوس من الملحمة الإغريقية لأصدقائه قبل المغامرة الملحمية الأخيرة خارج الحدود الخارجية للعالم: “لم يُخلق البشر ليعيشوا مثل الحيوانات، ويستسلموا لطبيعتهم الدنيا، بل ليتبعوا المعرفة والحكمة" وبصيرة الشاعر الجليلة تتفق مع القرآن.“
~ يوليوس إيڤولا.
❤2
ورد في الحديث النبوي [ تخلّقوا بأخلاق الله] كما ورد [ إنّ لله تسعة وتسعين اسماً، فمن أحصاها دخل الجنة]، أي تخلّق بصفات تلك الأسماء المشتقة منها؛ فيتصف بالرحمة في تعامله مع العباد والرحمة مشتقة من الرحيم، ويتصف بالكرم، وهي صفة مشتقة من اسم الكريم، ويتخلق بالعزة عما في أيدي الناس، وهي مشتقة من اسم العزيز، ويتصف بالعلم المشتق من اسم العليم، ويتخلق بالحلم المشتق من اسم الحليم، ويعفو عن الناس المشتق من اسم العفو، وهكذا بقية المكارم والفضائل المشتقة من أسماء الله تعالى، وقد ورد [ أنّ أقربكم إلى الله أحسنكم خلقاً] وهذا معنى الاتصاف والتخلق بأخلاق الله تعالى وصفاته من قسم صفات الفعل.
وقد ورد في قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}. وفي قوله تعالى { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى }. فقد أسند فعل النبي صلى الله عليه وآله إلى فعله تعالى لكون النبي صلى الله عليه وآله كما قال تعالى{وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}.
وقد ورد في الحديث النبوي [ لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها]
وورد في قرب الفرائض [ إنّ العبد يكون يد الله وعين الله وسمع الله] وليس المراد من ذلك الحلول الباطل ونحوه بل يكون العبد مظهر مشيئات الله تعالى الفعلية.
وقد ورد نظير ذلك في الموت وقبض الأرواح فتارة أسنده إليه تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } وأخرى أسنده إلى ملك الموت { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ }. وثالثة أسنده إلى الملائكة أعوان ملك الموت {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ} ففعل ملك الموت بعد كون من إقدار الله تعالى وكون الملائكة عباد مكرمون لا يفعلون الا ما يؤمرون أي أن إرادتهم منطلقة من إرادة الله تعالى، صح إسناد فعلهم إليه تعالى.
فكيف بثلة طهّرهم الله تعالى، واذهب عنهم الرجس، وأبعد عنهم الدنس، وطهرهم تطهير { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} فهم لا يشاؤون إلا ما شاء الله تعالى، فمن ثمّ ورد عن النبي صلى الله عليه وآله [ إنّ الله يرضى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها].
وقد ورد في قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}. وفي قوله تعالى { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى }. فقد أسند فعل النبي صلى الله عليه وآله إلى فعله تعالى لكون النبي صلى الله عليه وآله كما قال تعالى{وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}.
وقد ورد في الحديث النبوي [ لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها]
وورد في قرب الفرائض [ إنّ العبد يكون يد الله وعين الله وسمع الله] وليس المراد من ذلك الحلول الباطل ونحوه بل يكون العبد مظهر مشيئات الله تعالى الفعلية.
وقد ورد نظير ذلك في الموت وقبض الأرواح فتارة أسنده إليه تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } وأخرى أسنده إلى ملك الموت { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ }. وثالثة أسنده إلى الملائكة أعوان ملك الموت {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ} ففعل ملك الموت بعد كون من إقدار الله تعالى وكون الملائكة عباد مكرمون لا يفعلون الا ما يؤمرون أي أن إرادتهم منطلقة من إرادة الله تعالى، صح إسناد فعلهم إليه تعالى.
فكيف بثلة طهّرهم الله تعالى، واذهب عنهم الرجس، وأبعد عنهم الدنس، وطهرهم تطهير { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} فهم لا يشاؤون إلا ما شاء الله تعالى، فمن ثمّ ورد عن النبي صلى الله عليه وآله [ إنّ الله يرضى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها].
❤2
” الحق مطلوب لذاته، فليس يعني طالبه غير وجوده، ووجود الحق صعب، والطريق إليه وعر، والحقائق منغمسه في الشبهات، وحسن الظن بالعلماء في طباع جميع الناس، فالناظر في كتب العلماء إذا استرسل مع طبعه، وجعل غرضه فيهم ما ذكروه وغاية ما أوردوه، حصلت الحقائق عنده هي المعاني التي قصدوا لها والغايات التي أشاروا إليها، وما عم الله العلماء من الذلل ولا حمى علمهم من التقصير والخلل، ولو كان كذلك ما اختلف العلماء في شيء من العلوم ولا تقرفت آراؤهم في شيء من حقائق الأمور.
والوجود بخلاف ذلك، فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترتسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم المتوقف فيما يفهمه عنهم المتبع الحجه والبرهان، لا أقول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلته بضروب الخلل والنقصان، والواجب على الناظر في كتب العلوم اذا كان غرضه معرفه الحقائق، أن يجعل نفسه خصما لكل ما يتصل فيه، ويجيل فكره في متنه وحواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضا نفسه عند خصمه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه، فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشبه.“
~ ابن الهيثم، الشكوك على بطلميوس.
والوجود بخلاف ذلك، فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترتسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم المتوقف فيما يفهمه عنهم المتبع الحجه والبرهان، لا أقول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلته بضروب الخلل والنقصان، والواجب على الناظر في كتب العلوم اذا كان غرضه معرفه الحقائق، أن يجعل نفسه خصما لكل ما يتصل فيه، ويجيل فكره في متنه وحواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضا نفسه عند خصمه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه، فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشبه.“
~ ابن الهيثم، الشكوك على بطلميوس.
❤2
” تتضمن الخبرة الأساسية للوجود التي وصفتْها الفلسفةُ التي تُعْرَف الآن بـ الوجودية شعورًا عامًّا بالعزلة والهَجْر [ Geworfenheit] أي الانقذاف في عالم لا ينصاع لرغبات الإنسان الأصلية. إن الاعتراف بأن رغبة الإنسان الأولى أو الأولية هي في تحقيق أو ترسيخ ذات أو "أنا" عيانية [ فرد مستقلٍّ ومنفصل موجود ومستمر وسط فيض الواقع الزمني والخارجي وجريانه] يؤدي إلى إدراكٍ مزعج بأن العالم ليس متجانسًا مع الكائن البشري؛ إذ إن هذا العالم على ما يبدو يتبع مسلكه الخاص، المسلك المخطَّط له والمحرَّك مسبقًا قبل مجيء الوعي البشري بوقت طويل. لا بل إن النشاط الأساسي للإنسان – أي تحقيق ذات مستقلة ضمن العالم – يُنفَّذ على تضادٍّ مع سلطان أو إرادة [قوة الطبيعة]، يبدو وكأنها تُحبِطُ هذا المسعى الإنساني بامتياز أو تُفسِده على الدوام، بما يقود إلى الإقرار بوجود قدرة مضادة للإنسان، وبالتالي مضادة للعقل؛ وهذه القدرة، بما أنها فاعلة على ما يبدو، موجودة حتمًا. غير أن حقيقة أن فعل تلك القدرة لا يتجلَّى كاتصال بين الإنسانية والطبيعة [ أو الموضوعية المحضة]، بل بالحري كسيرورة ميكانيكية للضرورة العمياء، في معزل عن المسعى البشري، تضع الكائن الإنساني في مقام أعلى. إذ على الرغم من أن قوة الطبيعة قد تمحق موجودًا فرديًّا بشريًّا ما محقًا اعتباطيًّا بالسهولة ذاتها التي توجِده بها، فإن هذه القوة الطبيعية ليست واعية بنشاطها. أما العقل البشري، فهو على العكس، واعٍ بما يفعل. وبهذا تحدث فجوةٌ أو صَدْع – كنتاج للانعكاس – قد يتمكَّن الإنسانُ من خلاله أن يوجِّه نفسه، لبرهة وجيزة، مع ونحو العالم الذي يوجد فيه ويستمر. وقد وصف مارتن هيدغِّر تلك البرهة الوجيزة من التوجُّه مع العالم وفيه- نحوه - بوصفها [ رعاية Sorge] هي دومًا رعاية واهتمام بـ [ اللحظة Augenblick] التي يحدث فيها كلُّ وجود. وهذه الرعاية [ الإنسان هو راعي الوجود ] تُفهَم بوصفها نتاجًا لإقرار الإنسانية بحتمية كينونتها نحو الموت. لكن هذا التوجُّه لا يكتمل أبدًا، من حيث إن النفس البشرية تكتشف أنها لا تستطيع تحقيق غايتها أو تحقُّقها التام ضمن الحدود التي وضعتْها الطبيعة. وفي حين أن الضرورة المقيِّدة للطبيعة هي حقيقة بسيطة غير قابلة للشكِّ في نَظَر الوجودي، فإنها، عند الغنوصيين، نتاجٌ لمخطَّطات خبيثة من وَضْع إله أدنى، هو [ الديميورغوس] تمَّ تنفيذُها عبر قانون هذا الإله الجاهل وبه. بعبارة أخرى، فإن الطبيعة، في نَظَر الوجودية الحديثة، لامبالية فقط، في حين أنها كانت عند الغنوصيين معادية بالفعل للمسعى الإنساني، إن القانون الكوني، الذي كان معبودًا ذات مرة كتعبير عن عقل يمكن لعقل الإنسان أن يتواصل معه في فعل التعرُّف، لا يُرى في حالتنا هذه إلا في مظهره القسري الذي يُجهِض حرية الإنسان. وبذلك يؤول الزمن والتاريخ إلى فهمهما كمنشأ للعقل البشري على الضدِّ من مفاهيم مثالية عبثية من نحو القانون nomos والنظام cosmos. المعرفة، من هذا المنطلق، تصير مسعى عيانيًّا – مهمة مخلِّصة للنفس يكلَّف بها الجنسُ البشري.
والذات، إذ تعي نفسها، تكتشف كذلك أنها ليست ملكًا لنفسها حقًّا، بل هي بالحري أشبه ما تكون بالمنفِّذ اللاإرادي لمخطَّطات كونية. والمعرفة [ الغنوص] قد تحرِّر الإنسان من هذه العبودية. ولكن، بما أن الكوسموس معاكِس للحياة وللروح، فإن المعرفة المُنجِيَة لا يمكن لها أن تهدف إلى الاندماج في الكلِّ الكوني وإلى الانصياع لقوانينه، فعند الغنوصيين لا بدَّ لغربة الإنسان عن العالم من أن تُعمَّق وتتسنَّم ذروتَها من أجل استخلاص الذات الباطنة التي لا يمكن لها أن تفوز بنفسها إلا على هذا النحو.
إذ ذاك يصير السؤال البيِّن من أين جئنا؟ أكثر معقولية في محاذاة وضمن السؤال الأكثر دينامية إلى أين نمضي؟. “
~إدوارد مور
والذات، إذ تعي نفسها، تكتشف كذلك أنها ليست ملكًا لنفسها حقًّا، بل هي بالحري أشبه ما تكون بالمنفِّذ اللاإرادي لمخطَّطات كونية. والمعرفة [ الغنوص] قد تحرِّر الإنسان من هذه العبودية. ولكن، بما أن الكوسموس معاكِس للحياة وللروح، فإن المعرفة المُنجِيَة لا يمكن لها أن تهدف إلى الاندماج في الكلِّ الكوني وإلى الانصياع لقوانينه، فعند الغنوصيين لا بدَّ لغربة الإنسان عن العالم من أن تُعمَّق وتتسنَّم ذروتَها من أجل استخلاص الذات الباطنة التي لا يمكن لها أن تفوز بنفسها إلا على هذا النحو.
إذ ذاك يصير السؤال البيِّن من أين جئنا؟ أكثر معقولية في محاذاة وضمن السؤال الأكثر دينامية إلى أين نمضي؟. “
~إدوارد مور
❤1👏1
” في سياق التفكير الإغريقي القديم، غالبًا ما تلازمتْ كلمةُ hermēneia [ تأويل] مع كلمة tekhnē [ فن]، فيما عُرَف بـ tekhnē hermēneutikē، أو [ فن التأويل]، الذي ناقشه أرسطو في رسالته في التأويل Peri Hermēneias. والتأويل، بحسب أرسطو، لا يقودنا إلى معرفة مباشرة لمعنى الأشياء، بل إلى مجرد فهمٍ للكيفية التي تؤوْل بها الأشياءُ إلى الظهور أمامنا، وبذلك يزوِّدنا بمنهاج إلى المعرفة التجريبية، إذا جاز التعبير: علاوة على ذلك، يُعَدُّ الخطابُ تأويلاً لأن العبارة الخطابية إنما هي قبضٌ على التعبير المعنوي الحقيقي، وليست طائفة من الانطباعات المزعومة القادمة من الأشياء ذاتها.
بهذا المعنى، يجوز أن نقول إن "فنَّ التأويل" طريقةٌ تاريخية بامتياز لفهم الواقع أو للتفاهم معه. بعبارة أخرى، بما أن تعبيرنا هو دومًا طرح، أي خروج من الأشكال أو النماذج الجاهزة للواقع باتجاه استعمال حيٍّ لتلك النماذج مع الحياة وفيها، إذ ذاك فإننا، بوصفنا كائنات إنسانية مستمرة في عالم الصيرورة، مسؤولون، في التحليل الأخير، ليس عن الحقائق الأبدية أو الأشياء في ذاتها، بل فقط عن الصور التي تتخذها تلك الأشياء ضمن سياق وجودٍ حيٍّ ومفكِّر. إذن، فالمعرفة أو الفهم لا يتناولان الأشياء السرمدية والأبدية في ذاتها، بل بالحري السيرورة التي تنكشف من خلالها الأشياءُ – أي الأفكار والموضوعات والأحداث والأشخاص... إلخ – ضمن السيرورة الوجودية أو الأونطولوجية للصيرورة المعرفية. فالانتباه إلى السيرورة وإلى انبثاق المعنى يحدث على المستوى الاختباري الأكثر مباشرة للوجود البشري؛ وبالتالي فهو لا يتصف بأية صفة ميتافيزيقية. غير أن ولادة الميتافيزيقا قد تتعيَّن ضمن البِنية الأصلية أو الظاهرية للخبرة الأساسية الخام، إذ إن العقل البشري مفطور على تنظيم معطياته وترتيبها بحسب مبادئ عقلانية.
بيد أن السؤال الذي سينطرح حتمًا هو عن أصل اشتقاق تلك المبادئ العقلانية: أهي نتاج مشتق من العالم الظاهري للتجربة؟ أم أنها، على نحو ما، مستوطِنة للعقل البشري بما هو كذلك، وبالتالي أزلية؟ إذا اتخذنا السؤال الأول إجابةً نصل إلى الفينومينولوجيا، التي تكتشف، بدلاً من ذات مثالية محبوسة ضمن منظومة من المعاني، كائنًا حيًّا اتخذ منذ الأزل عالَمًا – العالمَ – أفقًا لكلِّ مقاصده. وبحسب الصياغة العامة المعاصرة أو ما بعد الحداثية، فإن مثل هذا الكائن الحي مقود دائمًا وفقط، بشكل مقصود، نحو عالَم أو فلك تعددي، حيث النشاط البشري نفسه يصير الهدف الأوحد للمعرفة، في معزل عن أية مُثُل أو ترسيمات ميتافيزيقية متعالية. من جانب آخر، فإن [ الغنوصيين] الذين اشتغلوا ضمن السؤال الثاني وعليه وأعطوا عنه جوابًا إيجابيًّا، وإن يكن مشوبًا بشيء من الشاعرية الميثولوجية؛ يذهبون إلى أن المبادئ العقلانية، التي تبدو وكأنها مستمَدة من مجرد التَّماس مع الواقع المحسوس، تُعَدُّ تذكيرات بوجودٍ موحَّد هو إمكانية أبدية، مُتاحة لأيِّ فرد قادر على التسامي فوق عالم التجربة والسيرورة هذا – أي عالم التاريخ – لا بل على خَرْقه. وهذا الاختراق عبارة عن فعل موازنة النفس ضمن التاريخ وفيه، وعن توجيه النفس نحوه، بوصفه نَوَسانًا بين الماضي والحاضر، فيه يتمالك الفردُ نفسَه للأخذ بأحد خيارين: إما الخضوع لفيض وجريان وجود كوني خارج عن مركزه بالدرجة الأولى، أو الكفاح في سبيل إعادة الاندماج في الألوهة، التي يكاد ألا يستذكرها والتي هي أشد إبهامًا من الإدراكات المباشرة للواقع.“
~إدوارد مور
بهذا المعنى، يجوز أن نقول إن "فنَّ التأويل" طريقةٌ تاريخية بامتياز لفهم الواقع أو للتفاهم معه. بعبارة أخرى، بما أن تعبيرنا هو دومًا طرح، أي خروج من الأشكال أو النماذج الجاهزة للواقع باتجاه استعمال حيٍّ لتلك النماذج مع الحياة وفيها، إذ ذاك فإننا، بوصفنا كائنات إنسانية مستمرة في عالم الصيرورة، مسؤولون، في التحليل الأخير، ليس عن الحقائق الأبدية أو الأشياء في ذاتها، بل فقط عن الصور التي تتخذها تلك الأشياء ضمن سياق وجودٍ حيٍّ ومفكِّر. إذن، فالمعرفة أو الفهم لا يتناولان الأشياء السرمدية والأبدية في ذاتها، بل بالحري السيرورة التي تنكشف من خلالها الأشياءُ – أي الأفكار والموضوعات والأحداث والأشخاص... إلخ – ضمن السيرورة الوجودية أو الأونطولوجية للصيرورة المعرفية. فالانتباه إلى السيرورة وإلى انبثاق المعنى يحدث على المستوى الاختباري الأكثر مباشرة للوجود البشري؛ وبالتالي فهو لا يتصف بأية صفة ميتافيزيقية. غير أن ولادة الميتافيزيقا قد تتعيَّن ضمن البِنية الأصلية أو الظاهرية للخبرة الأساسية الخام، إذ إن العقل البشري مفطور على تنظيم معطياته وترتيبها بحسب مبادئ عقلانية.
بيد أن السؤال الذي سينطرح حتمًا هو عن أصل اشتقاق تلك المبادئ العقلانية: أهي نتاج مشتق من العالم الظاهري للتجربة؟ أم أنها، على نحو ما، مستوطِنة للعقل البشري بما هو كذلك، وبالتالي أزلية؟ إذا اتخذنا السؤال الأول إجابةً نصل إلى الفينومينولوجيا، التي تكتشف، بدلاً من ذات مثالية محبوسة ضمن منظومة من المعاني، كائنًا حيًّا اتخذ منذ الأزل عالَمًا – العالمَ – أفقًا لكلِّ مقاصده. وبحسب الصياغة العامة المعاصرة أو ما بعد الحداثية، فإن مثل هذا الكائن الحي مقود دائمًا وفقط، بشكل مقصود، نحو عالَم أو فلك تعددي، حيث النشاط البشري نفسه يصير الهدف الأوحد للمعرفة، في معزل عن أية مُثُل أو ترسيمات ميتافيزيقية متعالية. من جانب آخر، فإن [ الغنوصيين] الذين اشتغلوا ضمن السؤال الثاني وعليه وأعطوا عنه جوابًا إيجابيًّا، وإن يكن مشوبًا بشيء من الشاعرية الميثولوجية؛ يذهبون إلى أن المبادئ العقلانية، التي تبدو وكأنها مستمَدة من مجرد التَّماس مع الواقع المحسوس، تُعَدُّ تذكيرات بوجودٍ موحَّد هو إمكانية أبدية، مُتاحة لأيِّ فرد قادر على التسامي فوق عالم التجربة والسيرورة هذا – أي عالم التاريخ – لا بل على خَرْقه. وهذا الاختراق عبارة عن فعل موازنة النفس ضمن التاريخ وفيه، وعن توجيه النفس نحوه، بوصفه نَوَسانًا بين الماضي والحاضر، فيه يتمالك الفردُ نفسَه للأخذ بأحد خيارين: إما الخضوع لفيض وجريان وجود كوني خارج عن مركزه بالدرجة الأولى، أو الكفاح في سبيل إعادة الاندماج في الألوهة، التي يكاد ألا يستذكرها والتي هي أشد إبهامًا من الإدراكات المباشرة للواقع.“
~إدوارد مور
❤4