Forwarded from آراءُ أهل الحكمةِ
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
يقول الكاتب والمؤرخ الانجليزي مايكل اكسوورثي إن أكثر شيء حيره على باب الطائرة الفرنسية قبل إقلاع السيّد الخميني من باريس الى طهران عام 1979 هو عندما سأله صحفي فرنسي ما هو شعورك؟ قال له: لا أشعر بشيء !
كيف لا يشعر بشيء؟ ربما يتم استهداف الطائرة وتسقط في المحيط، ربما الملايين بانتظاره في المطار كيف لا يشعر بشيء؟
تذكر أكسوورثي أن السيّد الخميني عرفانيٌّ و[ الانسان الكامل] بحسب الشيخ الأكبر ابن عربي هو الذي يتغلب على الشعور الشخصي، يقوم بكل ما يلزم للتغلب على الذات ثم حين يصل الى [ الكمال] يصبح العالم كله تحت تصرفه، لهذا لم يتفاجئ السيّد الخميني حين حملت الجماهير سيارته الى مقبرة شهداء الثورة في بهشت زهرا فور وصوله.
كيف لا يشعر بشيء؟ ربما يتم استهداف الطائرة وتسقط في المحيط، ربما الملايين بانتظاره في المطار كيف لا يشعر بشيء؟
تذكر أكسوورثي أن السيّد الخميني عرفانيٌّ و[ الانسان الكامل] بحسب الشيخ الأكبر ابن عربي هو الذي يتغلب على الشعور الشخصي، يقوم بكل ما يلزم للتغلب على الذات ثم حين يصل الى [ الكمال] يصبح العالم كله تحت تصرفه، لهذا لم يتفاجئ السيّد الخميني حين حملت الجماهير سيارته الى مقبرة شهداء الثورة في بهشت زهرا فور وصوله.
❤7🕊1
الجمالُ في الفلسفة الإلهية:
إنّ من أعظم موارد الاشتباه في فهم الدين أن يُجعل الحسّ ميزانًا للحقيقة، وأن تُقاس القيم الوجودية بما تلذّه الطباع أو تنفر منه المشاعر.
وهذا الاشتباه هو بعينه ما جاءت الهداية الإلهية لرفعه، لا لتكريسه.
فإنّ الجمال – في النظر الديني القرآني– ليس وصفًا حسّيًا تابعًا للصورة، ولا أثرًا نفسيًا تابعًا للذة، بل هو مرتبة وجودية تتبع القرب من الحق أو البعد عنه.
وما كان أقرب إلى الحق كان أجمل في نفسه، وإن استقبحه الحسّ، وما كان أبعد عنه كان أقبح في حقيقته، وإن استلذّه الطبع.
ومن هنا، لم تكن الدنيا في منطق الوحي دار استقرار للجمال، بل دار امتحان لمعاييره؛ إذ يُعرض على الإنسان فيها ما تأنف منه نفسه، ليكون عند الله في أعلى مراتب القبول، ويُزيَّن له فيها ما تميل إليه شهوته، ليكون في الميزان الإلهي من أبغض الأشياء.
ولهذا قيل في ريح فم الصائم – وهو أمرٌ تنفر منه الحواس – إنه أطيب عند الله من المسك، لا لأن القبح صار جمالًا حسّيًا، بل لأن الميزان قد تبدّل: فلم يعد الحُسن حُسنَ صورة، بل حُسنَ طاعة، ولم يعد القبح قبحَ هيئة، بل قبحَ مخالفة.
وكذلك البكاء من خشية الله، فالبكاءُ في ظاهر الحسّ انكسار وضعف،. وفي باطن الحقيقة تجلٍّ للنفس عند مقام العبودية، ولا جمال أعلى من انكشاف العبد لحقيقته بين يدي ربه.
وكذلك السجود، وهو أخفض هيئة للجسد، وأعلى مرتبة للروح، إذ لا يرتفع الإنسان عند الله إلا بمقدار ما يسقط عن دعوى الاستقلال.
وكذلك الزهد، فإنه في ظاهر الدنيا حرمان، وفي باطنه تحرّر، ولا جمال للنفس مع التعلّق، كما لا قبح لها مع الانفكاك.
وكذلك العفّة، فإن الشهوة قد تلبس لباس الجمال الحسي، لكنها إذا خرجت عن حدّها صارت تشويهًا للوجود الإنساني، بينما ضبطها – وإن بدا قسرًا – هو عين التناسق الباطني.
فليس كل ما لذّ جميلًا، ولا كل ما آلم قبيحًا، وإنما الجميل ما وافق الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها.
ومن هنا يظهر أن الجمال الأخروي ليس امتدادًا للجمال الدنيوي الحسي، بل هو انكشاف لحقيقته بعد سقوط الحجاب، وأن الحسّ إنما هو أداة امتحان، لا معيار حكم.
فالعقل إذا اقتصر على الحسّ ضاق عن إدراك الحكمة، وإذا استنار بالوحي أدرك أن للجمال باطنًا كما للوجود باطنًا، وأن ما عند الله لا يُقاس بما عند الناس.
وهذه هي النقلة الكبرى التي أحدثها الإسلام: أن نقل الإنسان من عبادة الصورة إلى شهود المعنى، ومن الانقياد للذوق إلى الانقياد للحق.
إنّ من أعظم موارد الاشتباه في فهم الدين أن يُجعل الحسّ ميزانًا للحقيقة، وأن تُقاس القيم الوجودية بما تلذّه الطباع أو تنفر منه المشاعر.
وهذا الاشتباه هو بعينه ما جاءت الهداية الإلهية لرفعه، لا لتكريسه.
فإنّ الجمال – في النظر الديني القرآني– ليس وصفًا حسّيًا تابعًا للصورة، ولا أثرًا نفسيًا تابعًا للذة، بل هو مرتبة وجودية تتبع القرب من الحق أو البعد عنه.
وما كان أقرب إلى الحق كان أجمل في نفسه، وإن استقبحه الحسّ، وما كان أبعد عنه كان أقبح في حقيقته، وإن استلذّه الطبع.
ومن هنا، لم تكن الدنيا في منطق الوحي دار استقرار للجمال، بل دار امتحان لمعاييره؛ إذ يُعرض على الإنسان فيها ما تأنف منه نفسه، ليكون عند الله في أعلى مراتب القبول، ويُزيَّن له فيها ما تميل إليه شهوته، ليكون في الميزان الإلهي من أبغض الأشياء.
ولهذا قيل في ريح فم الصائم – وهو أمرٌ تنفر منه الحواس – إنه أطيب عند الله من المسك، لا لأن القبح صار جمالًا حسّيًا، بل لأن الميزان قد تبدّل: فلم يعد الحُسن حُسنَ صورة، بل حُسنَ طاعة، ولم يعد القبح قبحَ هيئة، بل قبحَ مخالفة.
وكذلك البكاء من خشية الله، فالبكاءُ في ظاهر الحسّ انكسار وضعف،. وفي باطن الحقيقة تجلٍّ للنفس عند مقام العبودية، ولا جمال أعلى من انكشاف العبد لحقيقته بين يدي ربه.
وكذلك السجود، وهو أخفض هيئة للجسد، وأعلى مرتبة للروح، إذ لا يرتفع الإنسان عند الله إلا بمقدار ما يسقط عن دعوى الاستقلال.
وكذلك الزهد، فإنه في ظاهر الدنيا حرمان، وفي باطنه تحرّر، ولا جمال للنفس مع التعلّق، كما لا قبح لها مع الانفكاك.
وكذلك العفّة، فإن الشهوة قد تلبس لباس الجمال الحسي، لكنها إذا خرجت عن حدّها صارت تشويهًا للوجود الإنساني، بينما ضبطها – وإن بدا قسرًا – هو عين التناسق الباطني.
فليس كل ما لذّ جميلًا، ولا كل ما آلم قبيحًا، وإنما الجميل ما وافق الغاية التي خُلق الإنسان لأجلها.
ومن هنا يظهر أن الجمال الأخروي ليس امتدادًا للجمال الدنيوي الحسي، بل هو انكشاف لحقيقته بعد سقوط الحجاب، وأن الحسّ إنما هو أداة امتحان، لا معيار حكم.
فالعقل إذا اقتصر على الحسّ ضاق عن إدراك الحكمة، وإذا استنار بالوحي أدرك أن للجمال باطنًا كما للوجود باطنًا، وأن ما عند الله لا يُقاس بما عند الناس.
وهذه هي النقلة الكبرى التي أحدثها الإسلام: أن نقل الإنسان من عبادة الصورة إلى شهود المعنى، ومن الانقياد للذوق إلى الانقياد للحق.
❤11👏1🕊1🫡1
” النقطةُ التي أشار إليها أميرُ المؤمنينَ(ع) في خطبةٍ له في نهجِ البلاغةِ وهي أنّ سبب بعثة النبيّ والأنبياء العظام الإلهيّين هو: "ليستأدوهم ميثاق فطرتهِ ويذكّروهم منسيّ نعمته ... ويثيروا لهم دفائن العقول".
فأشارَ إلى ضرورةِ إرجاعِ البشر إلى الفطرةِ الإنسانيّة، وأصل الخلقةِ المتلازمةِ مع الشّرف والكرامة؛ ويذكّرونهم تلك النّعم الإلهيّة التي نُسيت، ويبعثون ما دُفن من العقول من جديد. “
~السيّد علي الحسينيّ الخامنئي
فأشارَ إلى ضرورةِ إرجاعِ البشر إلى الفطرةِ الإنسانيّة، وأصل الخلقةِ المتلازمةِ مع الشّرف والكرامة؛ ويذكّرونهم تلك النّعم الإلهيّة التي نُسيت، ويبعثون ما دُفن من العقول من جديد. “
~السيّد علي الحسينيّ الخامنئي
❤10
يمكن التأمل في مسار الفكر الإنساني لنجد أن ما يعتريه من انحراف أو تشويه يرجع في كثير من الأحيان إلى تغيّر موقعه ووظيفته، لا إلى خللٍ في حقيقته. فالفكر حين يُستدعى ليؤدي دور التزيين والتبرير يفقد قدرته على الكشف والهداية، ويغدو تابعًا للواقع بعد أن كان ميزانًا له. وهذه الظاهرة تتكرر في التاريخ كلما طُلب من العقل أن ينسجم مع القائم من الشؤون، لا أن يقف حياله موقف المحاسبة والتقويم.
والعقل، كما تبيّنه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يظهر بوصفه نورًا به تُدرك الحقائق، وبه تقوم الحجة على الإنسان، وبه يتمايز الحق عن الباطل. فهو القوة التي يتحدد بها معنى المسؤولية، وتتأسس بها أهلية التكليف. وقد عبّرت النصوص عن هذه الحقيقة بقولها إن العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان، في إشارة إلى أن العقل متصل بالغاية الوجودية للإنسان، ومتجه بطبيعته نحو الحق والكمال.
ومن هذا المنظار يتضح أن العقل مرتبط بالقيم والكليات العليا ارتباطًا ذاتيًا، وأن عمله لا يستقيم إلا في ضوئها. فإذا انقطع عن هذا الأفق تحوّل إلى رأي، والرأي يعكس حركة عقلية تدور مع الجزئيات والظروف، وتقيس الأمور بمقاييس المنفعة والملاءمة الآنية. وهذا هو المعنى الذي استهدفته النصوص الناقدة للرأي، حيث تناولت هذا اللون من التفكير الذي يفقد ثباته ومعياريته، ولا تعرّضت للعقل من حيث هو عقل وحجة.
ويظهر من ذلك أن العقل الممدوح هو الذي يجعل الحق معيارًا للواقع، ويقيس الوقائع بمقياس العدل، ولا يمنح الشرعية لمجرد الغلبة أو الشيوع. فالعقل في هذا الأفق يملك وظيفة نقدية، تحفظ له استقلاله، وتمنحه القدرة على المساءلة. وبهذا المعنى تتحدد العلاقة بين العقل والسلطة، حيث تكون علاقة تقويم ومحاسبة، تقوم على تقديم المعيار على المصاديق، والحق على الأشخاص، والمعنى على الصورة.
ويمتد دور العقل، في هذا الفهم، إلى ما هو أعمق من تنظيم الشأن الاجتماعي أو السياسي، إذ ينفتح على أفق وجودي تتكشف فيه مراتب الأشياء. فالعقل المستنير بالوحي يدرك أن للظواهر وجوهًا باطنة، وأن القيم لا تُقاس بما تستحسنه الحواس أو تنفر منه الطباع. ومن هنا يمكن أن يظهر الفعل في صورة غير محبوبة حسًّا، بينما يحمل في باطنه قيمة عالية ومعنى راقيًا، كما يمكن أن تخفى حكمة بعض الأحكام عن الإدراك التفصيلي، مع اندراجها في نظام كلي محكم.
وعلى هذا الأساس يُفهم أن عدم الإحاطة بعلل بعض التشريعات يشير إلى حدود النظر الجزئي، ولا يدل على فراغ هذه التشريعات من الحكمة. كما يتضح أن حصر الحكمة في التعليلات الظاهرة، الطبية أو الاجتماعية، يكشف جانبًا محدودًا من الحكم، دون أن ينفذ إلى أثرها الأعمق، حيث تتكوّن الملكات النفسية، ويُعاد بناء الإنسان من الداخل وفق نظام قيمي متكامل.
وتتجلّى المأساة الفكرية حين يُنزَع العقل من هذا الموقع، ويُعاد توظيفه في خدمة الواقع القائم، فيتحول من أداة كشف إلى وسيلة تبرير. فإحياء العقل يتحقق بإعادته إلى موضعه الطبيعي بوصفه حجة وميزانًا، وقوة هداية تتجه نحو الكليات العليا، وتستمد فاعليتها من اتصالها بالحق الذي به يقوم المعنى والوجود.
والعقل، كما تبيّنه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يظهر بوصفه نورًا به تُدرك الحقائق، وبه تقوم الحجة على الإنسان، وبه يتمايز الحق عن الباطل. فهو القوة التي يتحدد بها معنى المسؤولية، وتتأسس بها أهلية التكليف. وقد عبّرت النصوص عن هذه الحقيقة بقولها إن العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان، في إشارة إلى أن العقل متصل بالغاية الوجودية للإنسان، ومتجه بطبيعته نحو الحق والكمال.
ومن هذا المنظار يتضح أن العقل مرتبط بالقيم والكليات العليا ارتباطًا ذاتيًا، وأن عمله لا يستقيم إلا في ضوئها. فإذا انقطع عن هذا الأفق تحوّل إلى رأي، والرأي يعكس حركة عقلية تدور مع الجزئيات والظروف، وتقيس الأمور بمقاييس المنفعة والملاءمة الآنية. وهذا هو المعنى الذي استهدفته النصوص الناقدة للرأي، حيث تناولت هذا اللون من التفكير الذي يفقد ثباته ومعياريته، ولا تعرّضت للعقل من حيث هو عقل وحجة.
ويظهر من ذلك أن العقل الممدوح هو الذي يجعل الحق معيارًا للواقع، ويقيس الوقائع بمقياس العدل، ولا يمنح الشرعية لمجرد الغلبة أو الشيوع. فالعقل في هذا الأفق يملك وظيفة نقدية، تحفظ له استقلاله، وتمنحه القدرة على المساءلة. وبهذا المعنى تتحدد العلاقة بين العقل والسلطة، حيث تكون علاقة تقويم ومحاسبة، تقوم على تقديم المعيار على المصاديق، والحق على الأشخاص، والمعنى على الصورة.
ويمتد دور العقل، في هذا الفهم، إلى ما هو أعمق من تنظيم الشأن الاجتماعي أو السياسي، إذ ينفتح على أفق وجودي تتكشف فيه مراتب الأشياء. فالعقل المستنير بالوحي يدرك أن للظواهر وجوهًا باطنة، وأن القيم لا تُقاس بما تستحسنه الحواس أو تنفر منه الطباع. ومن هنا يمكن أن يظهر الفعل في صورة غير محبوبة حسًّا، بينما يحمل في باطنه قيمة عالية ومعنى راقيًا، كما يمكن أن تخفى حكمة بعض الأحكام عن الإدراك التفصيلي، مع اندراجها في نظام كلي محكم.
وعلى هذا الأساس يُفهم أن عدم الإحاطة بعلل بعض التشريعات يشير إلى حدود النظر الجزئي، ولا يدل على فراغ هذه التشريعات من الحكمة. كما يتضح أن حصر الحكمة في التعليلات الظاهرة، الطبية أو الاجتماعية، يكشف جانبًا محدودًا من الحكم، دون أن ينفذ إلى أثرها الأعمق، حيث تتكوّن الملكات النفسية، ويُعاد بناء الإنسان من الداخل وفق نظام قيمي متكامل.
وتتجلّى المأساة الفكرية حين يُنزَع العقل من هذا الموقع، ويُعاد توظيفه في خدمة الواقع القائم، فيتحول من أداة كشف إلى وسيلة تبرير. فإحياء العقل يتحقق بإعادته إلى موضعه الطبيعي بوصفه حجة وميزانًا، وقوة هداية تتجه نحو الكليات العليا، وتستمد فاعليتها من اتصالها بالحق الذي به يقوم المعنى والوجود.
❤5🕊1
” فالظاهر أن مرض القلب في عُرف القرآن هو الشك والريب المستولي على إدراك الإنسان فيما يتعلق بالله وآياته، وعدم تمكّن القلب من العقد على عقيدة دينية.
فالذين في قلوبهم مرضٌ، بحسب طبع المعنى، هم ضعفاء الإيمان الذين يُصغون إلى كل ناعق، ويميلون مع كل ريح، دون المنافقين الذين أظهروا الإيمان واستبطنوا الكفر رعاية لمصالحهم الدنيوية ليستدرّوا المؤمنين بظاهر إيمانهم والكفّار بباطن كفرهم. “
~العلامة السيّد الطباطبائي.
فالذين في قلوبهم مرضٌ، بحسب طبع المعنى، هم ضعفاء الإيمان الذين يُصغون إلى كل ناعق، ويميلون مع كل ريح، دون المنافقين الذين أظهروا الإيمان واستبطنوا الكفر رعاية لمصالحهم الدنيوية ليستدرّوا المؤمنين بظاهر إيمانهم والكفّار بباطن كفرهم. “
~العلامة السيّد الطباطبائي.
❤15
” يَا ابْنَ جُنْدَبٍ، الْمَاشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَاضِي حَاجَتِهِ كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَمَا عَذَّبَ اللَّهُ أُمَّةً إِلَّا عِنْدَ اسْتِهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ.“
~ من وصيّة الإمامِ الصادقِ (ع) لابن جُندُب.
~ من وصيّة الإمامِ الصادقِ (ع) لابن جُندُب.
❤8
اعلم وفّقك الله لمراتب الفهم أنّ الإنسان لم يُخلق تامّ الصورة الإنسانيًة دفعةً واحدة، ولا استغنى بما أُعطي من الفطرة عن سائر الأسباب، بل جُعل في أوّل أمره بالقوّة، ليصير بالفعل على مهلٍ وبحسب ما يتهيّأ له من العلل. فإنّ صورة الإنسان الحقّة ليست هذه الهيئة المشهودة، بل هي صورةٌ عقليّةٌ روحيّة، لا تتمّ إلا إذا انتظمت أسبابها، وتساندت عللها، كما تنتظم الصناعات الدقيقة ولا تُستخرج إلا باجتماع الآلات.
فمن تلك الأسباب استعداد النفس وقابليّتها، فإنّ النفوس متفاوتة في القبول، كما تتفاوت الأراضي في الإنبات. فمنها ما يقبل اليسير فيثمر كثيرًا، ومنها ما لا يُثمر إلا بعد طول معالجة. وليس ذلك لنقصٍ في أصل الخِلقة، بل لاختلاف الأمزجة الباطنة، وما يعرض للنفس من علائق وشواغل. فمن لم يُهيّئ نفسه بالسكينة والصبر، لم تثبت فيها صورةُ كمال، وإن كثرت الأسباب من خارج.
ومنها العادة والتكرار، فإنّ النفس تُنقش بالدوام لا بالطارئ. فالمعاني التي تُعرض مرّةً ثم تُهجر، لا تصير صورةً راسخة، أمّا التي تُلازم الفكر، وتُعاد على التأمّل، فإنّها تنقلب من علمٍ إلى خُلُق، ومن إدراكٍ إلى هيئة. ولهذا كانت التربيةُ عند الحكماء قائمةً على الإلف والتدرّج، لا على المفاجأة والإكراه.
ومنها المثال الحيّ، فإنّ النفوس تتعلّم بالمشاهدة كما تتعلّم بالقول. وقد ترى إنسانًا لم يُكثر من الكلام، لكنّ أفعاله صارت تعليمًا، وسيرته صارت حُجّة. فالصورة الإنسانيّة تنتقل أحيانًا بالاقتداء أكثر ممّا تنتقل بالبرهان، لأنّ النفس تُحبّ ما تراه متحقّقًا، وتنفر ممّا يبقى مجرّد دعوى.
ومنها الابتلاء والمحنة، فإنّ الكمال لا يظهر في حال السعة كما يظهر في حال الضيق. والمحن تُخرج ما في النفوس من قوى، وتكشف حقيقة الصور الراسخة فيها. فكثيرٌ ممّن ظُنّ كماله لمّا عُرض على الشدائد تبيّن نقصه، وكثيرٌ ممّن لم يُعرف فضله لمّا امتحنه الزمان ظهر جوهره. وبذلك تُصقل النفس، وتتهيّأ لقبول مراتب أتمّ من الصورة الإنسانيّة.
ومنها التوجّه إلى المعنى الأعلى، فإنّ النفس إذا انقطعت غايتها عند الحسّ، بقيت أسيرة الصور الجزئيّة، ولم تصعد إلى الكلّيّات. أمّا إذا تعلّقت بالمعاني العليا، وطلبت النظام والحكمة، انجذبت إلى العالم العقلي، وتشبّهت به على قدر طاقتها. وبهذا التوجّه وحده تخرج النفس من ضيق الجزئي إلى سعة الإنسانيّة.
فاعلم أنّ إفاضة صورة الإنسان على الإنسان لا تحصل بسببٍ واحد، ولا تُنال بطريقٍ واحد، بل هي نتيجة استعدادٍ، ودوامٍ، ومثالٍ، وابتلاءٍ، وتوجّهٍ إلى الغاية القصوى. فإذا اجتمعت هذه الأسباب، صارت النفوس متعاونة على الترقي، وتحقّق فيها معنى الأخوّة التي قصدها الحكماء، إذ يكون كلّ إنسان سببًا في تمام إنسانيّة أخيه، وذلك هو المقصود الأسمى من الاجتماع البشري في ميزان الحكمةِ.
فمن تلك الأسباب استعداد النفس وقابليّتها، فإنّ النفوس متفاوتة في القبول، كما تتفاوت الأراضي في الإنبات. فمنها ما يقبل اليسير فيثمر كثيرًا، ومنها ما لا يُثمر إلا بعد طول معالجة. وليس ذلك لنقصٍ في أصل الخِلقة، بل لاختلاف الأمزجة الباطنة، وما يعرض للنفس من علائق وشواغل. فمن لم يُهيّئ نفسه بالسكينة والصبر، لم تثبت فيها صورةُ كمال، وإن كثرت الأسباب من خارج.
ومنها العادة والتكرار، فإنّ النفس تُنقش بالدوام لا بالطارئ. فالمعاني التي تُعرض مرّةً ثم تُهجر، لا تصير صورةً راسخة، أمّا التي تُلازم الفكر، وتُعاد على التأمّل، فإنّها تنقلب من علمٍ إلى خُلُق، ومن إدراكٍ إلى هيئة. ولهذا كانت التربيةُ عند الحكماء قائمةً على الإلف والتدرّج، لا على المفاجأة والإكراه.
ومنها المثال الحيّ، فإنّ النفوس تتعلّم بالمشاهدة كما تتعلّم بالقول. وقد ترى إنسانًا لم يُكثر من الكلام، لكنّ أفعاله صارت تعليمًا، وسيرته صارت حُجّة. فالصورة الإنسانيّة تنتقل أحيانًا بالاقتداء أكثر ممّا تنتقل بالبرهان، لأنّ النفس تُحبّ ما تراه متحقّقًا، وتنفر ممّا يبقى مجرّد دعوى.
ومنها الابتلاء والمحنة، فإنّ الكمال لا يظهر في حال السعة كما يظهر في حال الضيق. والمحن تُخرج ما في النفوس من قوى، وتكشف حقيقة الصور الراسخة فيها. فكثيرٌ ممّن ظُنّ كماله لمّا عُرض على الشدائد تبيّن نقصه، وكثيرٌ ممّن لم يُعرف فضله لمّا امتحنه الزمان ظهر جوهره. وبذلك تُصقل النفس، وتتهيّأ لقبول مراتب أتمّ من الصورة الإنسانيّة.
ومنها التوجّه إلى المعنى الأعلى، فإنّ النفس إذا انقطعت غايتها عند الحسّ، بقيت أسيرة الصور الجزئيّة، ولم تصعد إلى الكلّيّات. أمّا إذا تعلّقت بالمعاني العليا، وطلبت النظام والحكمة، انجذبت إلى العالم العقلي، وتشبّهت به على قدر طاقتها. وبهذا التوجّه وحده تخرج النفس من ضيق الجزئي إلى سعة الإنسانيّة.
فاعلم أنّ إفاضة صورة الإنسان على الإنسان لا تحصل بسببٍ واحد، ولا تُنال بطريقٍ واحد، بل هي نتيجة استعدادٍ، ودوامٍ، ومثالٍ، وابتلاءٍ، وتوجّهٍ إلى الغاية القصوى. فإذا اجتمعت هذه الأسباب، صارت النفوس متعاونة على الترقي، وتحقّق فيها معنى الأخوّة التي قصدها الحكماء، إذ يكون كلّ إنسان سببًا في تمام إنسانيّة أخيه، وذلك هو المقصود الأسمى من الاجتماع البشري في ميزان الحكمةِ.
❤5
إن لكل أمة نسقًا معرفيًا يحكم طريقة فهمها للعالم، فإذا تصدّع النسق، تصدّع البناء الحضاري. ولذلك رأينا كيف أثّر الجدل الكلامي في مسار الحضارة الإسلامية: ازدهارًا حين كان الحوار علميًا منضبطًا، وفتنةً حين تحوّل إلى صراع سياسي.
فالعبرة ليست في الانتصار لمذهب، بل في إدراك أن وحدة المرجعية، وتكامل النسق، شرطٌ لنهضة حضارية متماسكة.
فالعبرة ليست في الانتصار لمذهب، بل في إدراك أن وحدة المرجعية، وتكامل النسق، شرطٌ لنهضة حضارية متماسكة.
❤8
” قُلُوبُ اَلْعِبَادِ اَلطَّاهِرَةُ مَوَاضِعُ نَظَرِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ فَمَنْ طَهَّرَ قَلْبَهُ نَظَرَ إِلَيْهِ. “
الإمامُ عليّ (ع)
الإمامُ عليّ (ع)
❤9😢1
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
القلبُ في اصطلاح السالكينَ ليس اللحم الصنوبريّ، بل هو اللطيفة الربانية التي بها يَعرف الإنسان ربّه. فإذا امتلأ القلبُ بصورِ الدنيا ضاقَ، وإذا تطهّر من التعلّق بغير الحق اتّسع شهودًا.
ومن هنا جاء قولُ الإمام جعفر الصادق (ع):
” القلب حرمُ اللّه، فلا تُسكِن حرم الله غير اللّه. “
ومن هنا جاء قولُ الإمام جعفر الصادق (ع):
” القلب حرمُ اللّه، فلا تُسكِن حرم الله غير اللّه. “
❤8😢1
إنَّ القوى الشهوية والغضبية في الإنسان تشكل حجاباً كثيفاً يمنع العقل من إدراك الحقائق كما هي. وفي المأثور عن الإمام الصادق (ع):{ الصومُ جُنَّةٌ} أي وقاية وساتر. وهذه السترة هي التي تحول بين النفس وبين طغيان الأنا.
إنَّ الجوع والظمأ في مدرسة أهل البيت (ع) ليس غرضاً لذاته، بل هو وسيلةٌ لكسر حدّة [ النفس الأمارة ] فإذا خمدت نيران الشهوة، أشرقت شمس البصيرة.
إنَّ الصائم بامتناعه عن الأكل والشرب والنكاح، يخرجُ مؤقتاً من حكم الحيوانية ليدخل في حكم الملائكية. هو نوعٌ من التجريد الوجودي، حيث يتشبه العبد بصفات الحق الذي { يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ}.
يقول الإمام علي (ع) في حكمة الصيام { ابتلاءً لإخلاص الخلق } فالإخلاص هو تجريد العمل لله، والصيام عبادة خفية لا يراها إلا الله، فهي تضرب في جذر الأنانيّة والرياء، لتُثمر روحاً خفيفةً طاهرةً لا تجد في الوجود مراداً إلا وجهه الكريم.
إنَّ الجوع والظمأ في مدرسة أهل البيت (ع) ليس غرضاً لذاته، بل هو وسيلةٌ لكسر حدّة [ النفس الأمارة ] فإذا خمدت نيران الشهوة، أشرقت شمس البصيرة.
إنَّ الصائم بامتناعه عن الأكل والشرب والنكاح، يخرجُ مؤقتاً من حكم الحيوانية ليدخل في حكم الملائكية. هو نوعٌ من التجريد الوجودي، حيث يتشبه العبد بصفات الحق الذي { يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ}.
يقول الإمام علي (ع) في حكمة الصيام { ابتلاءً لإخلاص الخلق } فالإخلاص هو تجريد العمل لله، والصيام عبادة خفية لا يراها إلا الله، فهي تضرب في جذر الأنانيّة والرياء، لتُثمر روحاً خفيفةً طاهرةً لا تجد في الوجود مراداً إلا وجهه الكريم.
❤8😢1
إنّ النظر في التاريخ على نحوين: نظرٍ يقف عند ظاهر الحوادث وتتابع الوقائع، ونظرٍ ينفذ إلى باطنها ويطلب سننها الجارية في مراتب أعمق من عالم الحسّ. والفرق بينهما كالفرق بين من ينظر إلى الظلّ على الجدار، ومن يلتفت إلى الشيء الذي ألقى ذلك الظلّ.
فالتاريخ بما هو تعاقب أيامٍ ووقائع إنما يجري في عالم المُلك، وهو عالم الشهادة والتدرّج والزمان. غير أنّ هذا العالم ليس قائمًا بنفسه استقلالًا، بل هو مرتبة نازلة من مراتب الوجود، وله أصلٌ في عالمٍ أعلى منه رتبةً وأشدّ إحاطة، وهو عالم الملكوت؛ قال تعالى:{ وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } فدلّ على أنّ للأشياء جهةً ملكوتية وراء جهتها المُلكية.
وإذا كان لكلّ موجودٍ وجهان: وجهٌ إلى الخلق يظهر في الزمان، ووجهٌ إلى الحقّ يقوم به وجوده، فالحوادث التاريخية كذلك. فما نراه من قيام دولةٍ وسقوط أخرى، أو ابتلاء أمةٍ بنعمةٍ أو نقمة، ليس إلا صورةً زمانية لسننٍ ثابتة في نظام أوسع، هي سنن الله في عباده، التي لا تتبدّل ولا تتحوّل.
ومن هنا يظهر قولنا أن التاريخ في عالم المُلك ظلٌّ لحركةٍ في عالم الملكوت ليس تشبيهًا أدبيًا، بل إشارة إلى حقيقةٍ وجودية؛ فإنّ الظلّ تابعٌ لذي الظلّ، لا يقوم إلا به، ولا يتحرّك إلا بحركته. فكما أنّ حركة الأصل تستلزم حركة الظلّ، كذلك ما يجري في باطن النظام الوجودي من تقديرٍ وتدبيرٍ ينعكس في عالم الشهادة على صورة أحداثٍ متعاقبة.
وهذا المعنى يتجلّى بأوضح بيانٍ في قصة سيدنا موسى (ع) مع سيدنا الخضر (ع).
فإنّ موسى عليه السلام كان ينظر إلى الأفعال من حيث جهتها المُلكية، أعني من حيث ما يقتضيه ظاهر الشريعة والعدل المشهود، فكان يرى في خرق السفينة إفسادًا، وفي قتل الغلام اعتداءً، وفي إقامة الجدار من غير أجرٍ عملًا لا موجب له بحسب الظاهر. وهذا نظرٌ حقّ في مرتبته، إذ الشريعة إنما تخاطب الناس في أفق عالم الشهادة.
وأما الخضر عليه السلام فكان يتحرّك بعلمٍ لدنيٍّ أُوتيه من عند الله، وهو علمٌ بجهة الأشياء الملكوتية، أي بما تؤول إليه في نظام التقدير. فلم يكن فعله صادرًا عن اندفاعٍ آنٍ، ولا عن مصلحةٍ ظاهرة، بل عن إدراكٍ لسننٍ باطنةٍ متقدمة على وقوع الحادثة في الزمان. فخرق السفينة حفظٌ لها في مآلها، وقتل الغلام دفعٌ لفسادٍ سيقع في مستقبلٍ لم يحضر بعد، وإقامة الجدار صيانةٌ لحقٍّ مودَعٍ في نظامٍ أوسع من تلك القرية.
فالفعل في عالم المُلك كان أثرًا لعلمٍ سابقٍ في عالم الملكوت. ولم يكن ذلك إبطالًا للأسباب الظاهرة، بل كشفًا لمرتبةٍ أعمق منها. فكما أن الأسباب الطبيعية مجاري لفيض القدرة الإلهية، كذلك الحوادث التاريخية مجاري لسننٍ معنويةٍ تجري في الاجتماع البشري.
وعلى هذا، فالتاريخ ليس مجموعة وقائع منقطعة، ولا صراع قوى عمياء، بل هو مسارٌ تجري فيه السنن الإلهية على وفق قابلية الأمم وأحوالها الباطنة. فما يظهر من النصر أو الهزيمة، والتمكين أو الزوال، إنما هو نتيجة لتبدّلٍ سابقٍ في باطن الجماعة: في إيمانها، وعدلها، وفسادها، واستعدادها لقبول الفيض أو لرده. فإذا تغيّرت تلك الجهة الباطنة، تغيّرت تبعًا لها صورتها الظاهرة.
فحكمة التاريخ، على هذا البيان، هي إدراك ارتباط الظاهر بالباطن، والزمنيّ بالمتجاوز للزمان، ورؤية الحوادث على أنها آياتٌ تكشف عن نظامٍ أعمق. ومن اقتصر على الظاهر كان نظره كنظر سيدنا موسى قبل البيان، حقًّا في مرتبته، لكنه غير محيطٍ بجميع جهات الأمر. ومن فُتح له باب الملكوت رأى أن ما يجري في الأيام إنما هو تجلٍّ لسننٍ ثابتةٍ في علم الله، وأنّ التاريخ، في حقيقته، حركةُ معنىً يتنزّل في صورة حدث.
فالتاريخ بما هو تعاقب أيامٍ ووقائع إنما يجري في عالم المُلك، وهو عالم الشهادة والتدرّج والزمان. غير أنّ هذا العالم ليس قائمًا بنفسه استقلالًا، بل هو مرتبة نازلة من مراتب الوجود، وله أصلٌ في عالمٍ أعلى منه رتبةً وأشدّ إحاطة، وهو عالم الملكوت؛ قال تعالى:{ وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } فدلّ على أنّ للأشياء جهةً ملكوتية وراء جهتها المُلكية.
وإذا كان لكلّ موجودٍ وجهان: وجهٌ إلى الخلق يظهر في الزمان، ووجهٌ إلى الحقّ يقوم به وجوده، فالحوادث التاريخية كذلك. فما نراه من قيام دولةٍ وسقوط أخرى، أو ابتلاء أمةٍ بنعمةٍ أو نقمة، ليس إلا صورةً زمانية لسننٍ ثابتة في نظام أوسع، هي سنن الله في عباده، التي لا تتبدّل ولا تتحوّل.
ومن هنا يظهر قولنا أن التاريخ في عالم المُلك ظلٌّ لحركةٍ في عالم الملكوت ليس تشبيهًا أدبيًا، بل إشارة إلى حقيقةٍ وجودية؛ فإنّ الظلّ تابعٌ لذي الظلّ، لا يقوم إلا به، ولا يتحرّك إلا بحركته. فكما أنّ حركة الأصل تستلزم حركة الظلّ، كذلك ما يجري في باطن النظام الوجودي من تقديرٍ وتدبيرٍ ينعكس في عالم الشهادة على صورة أحداثٍ متعاقبة.
وهذا المعنى يتجلّى بأوضح بيانٍ في قصة سيدنا موسى (ع) مع سيدنا الخضر (ع).
فإنّ موسى عليه السلام كان ينظر إلى الأفعال من حيث جهتها المُلكية، أعني من حيث ما يقتضيه ظاهر الشريعة والعدل المشهود، فكان يرى في خرق السفينة إفسادًا، وفي قتل الغلام اعتداءً، وفي إقامة الجدار من غير أجرٍ عملًا لا موجب له بحسب الظاهر. وهذا نظرٌ حقّ في مرتبته، إذ الشريعة إنما تخاطب الناس في أفق عالم الشهادة.
وأما الخضر عليه السلام فكان يتحرّك بعلمٍ لدنيٍّ أُوتيه من عند الله، وهو علمٌ بجهة الأشياء الملكوتية، أي بما تؤول إليه في نظام التقدير. فلم يكن فعله صادرًا عن اندفاعٍ آنٍ، ولا عن مصلحةٍ ظاهرة، بل عن إدراكٍ لسننٍ باطنةٍ متقدمة على وقوع الحادثة في الزمان. فخرق السفينة حفظٌ لها في مآلها، وقتل الغلام دفعٌ لفسادٍ سيقع في مستقبلٍ لم يحضر بعد، وإقامة الجدار صيانةٌ لحقٍّ مودَعٍ في نظامٍ أوسع من تلك القرية.
فالفعل في عالم المُلك كان أثرًا لعلمٍ سابقٍ في عالم الملكوت. ولم يكن ذلك إبطالًا للأسباب الظاهرة، بل كشفًا لمرتبةٍ أعمق منها. فكما أن الأسباب الطبيعية مجاري لفيض القدرة الإلهية، كذلك الحوادث التاريخية مجاري لسننٍ معنويةٍ تجري في الاجتماع البشري.
وعلى هذا، فالتاريخ ليس مجموعة وقائع منقطعة، ولا صراع قوى عمياء، بل هو مسارٌ تجري فيه السنن الإلهية على وفق قابلية الأمم وأحوالها الباطنة. فما يظهر من النصر أو الهزيمة، والتمكين أو الزوال، إنما هو نتيجة لتبدّلٍ سابقٍ في باطن الجماعة: في إيمانها، وعدلها، وفسادها، واستعدادها لقبول الفيض أو لرده. فإذا تغيّرت تلك الجهة الباطنة، تغيّرت تبعًا لها صورتها الظاهرة.
فحكمة التاريخ، على هذا البيان، هي إدراك ارتباط الظاهر بالباطن، والزمنيّ بالمتجاوز للزمان، ورؤية الحوادث على أنها آياتٌ تكشف عن نظامٍ أعمق. ومن اقتصر على الظاهر كان نظره كنظر سيدنا موسى قبل البيان، حقًّا في مرتبته، لكنه غير محيطٍ بجميع جهات الأمر. ومن فُتح له باب الملكوت رأى أن ما يجري في الأيام إنما هو تجلٍّ لسننٍ ثابتةٍ في علم الله، وأنّ التاريخ، في حقيقته، حركةُ معنىً يتنزّل في صورة حدث.
❤7
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
” أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طويلٌ.
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾. فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفِ خوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ، وَمَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ. “
~ الإمام علي (ع)، من خُطبِ نهج البلاغةِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾. فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفِ خوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ.
أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ، وَمَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ. “
~ الإمام علي (ع)، من خُطبِ نهج البلاغةِ.
🕊2
آراءُ أهل الحكمةِ
” أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طويلٌ. أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَالسُّخْطُ، وَإِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ…
في كلامِ أمير المؤمنين (ع) هذا كشفٌ عن قانونٍ يجري في باطن التاريخ؛ فإنّ الجماعة قد لا تباشر الفعل بيدها، غير أنّ رضاها به يربطها بحقيقته، فيدخلها في حكمه. فالقرآن الكريم يعرضُ خبرَ ثمودٍ في عقر الناقة، وينسب الفعل إلى الجَميع مع أنّ المباشر واحدٌ، لقيام الرضا في نفوسهم. فالحسابُ في نِظام المَلكوت يتعلّق بالانتماء القلبيّ كما يتعلّق بالمباشرةِ الحسيّة.
وعلى هذا الأساس يُفهم سقوط أممٍ امتلكت أسباب القوّة المادية، إذ كان الخَلل متحققًا في الجهة المعنويّة من وجودها. فإذا شاعَ الرضا بالظُلم، واستقرّ السخط على العدلِ، تبدّلت قابليّة الجماعة، وجرت السنّة الإلهية على وفق ما في باطنها. فالتاريخُ في هذه المرتبة محكومٌ بما تنعقد عليه القلوبُ، وتكون الوقائع الظاهرة تجلّيًا لذلك الانعقاد الباطنيّ.
وعلى هذا الأساس يُفهم سقوط أممٍ امتلكت أسباب القوّة المادية، إذ كان الخَلل متحققًا في الجهة المعنويّة من وجودها. فإذا شاعَ الرضا بالظُلم، واستقرّ السخط على العدلِ، تبدّلت قابليّة الجماعة، وجرت السنّة الإلهية على وفق ما في باطنها. فالتاريخُ في هذه المرتبة محكومٌ بما تنعقد عليه القلوبُ، وتكون الوقائع الظاهرة تجلّيًا لذلك الانعقاد الباطنيّ.
❤4
إنّ قول الإمام علي (ع) في عهده إلى مالك الأشتر {الناس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق} يتضمّن أصلًا كليًّا في النظر إلى الإنسان، ويضع ميزانًا جامعًا في تقويم العلاقات الاجتماعية والإنسانية.
فإنّ الإمام يجعل رابطة الدين جهةً مخصوصة من جهات الارتباط، ويجعل رابطة الخلق جهةً أخرى عامة تشمل كلّ إنسان. وبهذا يثبت للإنسان بما هو إنسان حرمةً واعتبارًا سابقين على كلّ انتماءٍ عارض. فالخلق فعل الله، ومن انتسب إلى الخلق انتسب إلى صنعته تعالى، وفي ذلك كفاية لإثبات أصل الكرامة.
ومن هنا يظهر أنّ التفاضل بين الناس لا يُدرك بإطلاقٍ بسيطٍ يُرجع كلّ القيم إلى عنوانٍ واحد، بل هو أمرٌ مركّبٌ من جهاتٍ متعدّدة. فالإيمان جهةٌ كمالية في الإنسان، والمعصية جهة نقص، كما أنّ العدل والإحسان جهتان كماليتان في السلوك، والظلم والعدوان جهتا نقص. وكلّ إنسانٍ يُنظر إليه من حيث مجموع هذه الجهات، لا من حيث جهةٍ واحدةٍ تُغفل سائر ما يقابلها.
فإذا قيل إنّ المسلم العاصي خيرٌ مطلقًا من غيره لمجرّد انتسابه إلى الإسلام، كان في ذلك إغفالٌ لجهة العمل والسلوك، مع أنّ القرآن الكريم قد ربط الكرامة بالتقوى، وجعل معيار القرب من الله قائمًا على صفاء النفس واستقامة الفعل. وقد قال تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فجعل مناط الكرامة أمرًا وجوديًّا يتعلّق بحال النفس، لا مجرد عنوانٍ لفظيّ.
ثم إنّ نسبة الفعل إلى الجماعة في موارد كثيرة من القرآن إنما تكون باعتبار الرضا والسخط، كما في قصة ثمود، حيث نُسب عقر الناقة إلى القوم جميعًا مع أنّ المباشر واحد. وفي هذا إشارةٌ إلى أنّ الموقف القلبي داخلٌ في حقيقة العمل من حيث الأثر الملكوتي. فإذا شاع الرضا بالظلم، دخل الجميع في حكمه بحسب درجاتهم.
وعلى هذا الأساس، فإنّ من استقرّ في قلبه الإيمان، واقترن ذلك بفسقٍ أو عدوانٍ في سلوكه، يكون قد جمع بين جهة نورٍ وجهة ظلمة، ويُوزن بحسبهما. ومن خلا قلبه من الإيمان على نحو ما يراه الإسلام، واقترن سلوكه بعدلٍ أو إحسانٍ، فقد تحقّق فيه قدرٌ من الكمال الخلقي، وهو أمرٌ له حقيقته وآثاره في نظام الاجتماع.
فالقول بالإطلاق في أحد الطرفين يُنافي هذا الميزان المركّب، ويؤدّي إلى تعطيل جهةٍ من جهات التقييم التي أثبتها الوحي والعقل. وكلمة الإمام عليه السلام تؤكّد هذا المعنى، إذ جعلت غير المسلم نظيرًا في الخلق، وأمرت بالعدل والرحمة معه، فدلّ ذلك على أنّ الإنسانية بما هي هي ذات اعتبارٍ في نفسها، وأنّ الظلم لا يصير عدلًا بتبدّل الهوية، ولا تنقلب الرذيلة فضيلةً لمجرّد الانتساب.
فالتفاضل في حقيقته أمرٌ راجعٌ إلى ما يتحقّق في النفس من نور الهداية، وما يظهر في العمل من استقامةٍ أو انحراف. وإذا جُمعت هذه الجهات على نحوٍ متوازن، ظهر أن الميزان الذي أقامه الإمام عليه السلام يمنع إطلاق الأحكام على نحوٍ يلغي القيم الأخلاقية، ويثبت أنّ الكرامة والفضل يتقوّمان بما يقوم بالإنسان من إيمانٍ وعملٍ صالح، على وفق السنن الإلهية الجارية في عباده.
فإنّ الإمام يجعل رابطة الدين جهةً مخصوصة من جهات الارتباط، ويجعل رابطة الخلق جهةً أخرى عامة تشمل كلّ إنسان. وبهذا يثبت للإنسان بما هو إنسان حرمةً واعتبارًا سابقين على كلّ انتماءٍ عارض. فالخلق فعل الله، ومن انتسب إلى الخلق انتسب إلى صنعته تعالى، وفي ذلك كفاية لإثبات أصل الكرامة.
ومن هنا يظهر أنّ التفاضل بين الناس لا يُدرك بإطلاقٍ بسيطٍ يُرجع كلّ القيم إلى عنوانٍ واحد، بل هو أمرٌ مركّبٌ من جهاتٍ متعدّدة. فالإيمان جهةٌ كمالية في الإنسان، والمعصية جهة نقص، كما أنّ العدل والإحسان جهتان كماليتان في السلوك، والظلم والعدوان جهتا نقص. وكلّ إنسانٍ يُنظر إليه من حيث مجموع هذه الجهات، لا من حيث جهةٍ واحدةٍ تُغفل سائر ما يقابلها.
فإذا قيل إنّ المسلم العاصي خيرٌ مطلقًا من غيره لمجرّد انتسابه إلى الإسلام، كان في ذلك إغفالٌ لجهة العمل والسلوك، مع أنّ القرآن الكريم قد ربط الكرامة بالتقوى، وجعل معيار القرب من الله قائمًا على صفاء النفس واستقامة الفعل. وقد قال تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فجعل مناط الكرامة أمرًا وجوديًّا يتعلّق بحال النفس، لا مجرد عنوانٍ لفظيّ.
ثم إنّ نسبة الفعل إلى الجماعة في موارد كثيرة من القرآن إنما تكون باعتبار الرضا والسخط، كما في قصة ثمود، حيث نُسب عقر الناقة إلى القوم جميعًا مع أنّ المباشر واحد. وفي هذا إشارةٌ إلى أنّ الموقف القلبي داخلٌ في حقيقة العمل من حيث الأثر الملكوتي. فإذا شاع الرضا بالظلم، دخل الجميع في حكمه بحسب درجاتهم.
وعلى هذا الأساس، فإنّ من استقرّ في قلبه الإيمان، واقترن ذلك بفسقٍ أو عدوانٍ في سلوكه، يكون قد جمع بين جهة نورٍ وجهة ظلمة، ويُوزن بحسبهما. ومن خلا قلبه من الإيمان على نحو ما يراه الإسلام، واقترن سلوكه بعدلٍ أو إحسانٍ، فقد تحقّق فيه قدرٌ من الكمال الخلقي، وهو أمرٌ له حقيقته وآثاره في نظام الاجتماع.
فالقول بالإطلاق في أحد الطرفين يُنافي هذا الميزان المركّب، ويؤدّي إلى تعطيل جهةٍ من جهات التقييم التي أثبتها الوحي والعقل. وكلمة الإمام عليه السلام تؤكّد هذا المعنى، إذ جعلت غير المسلم نظيرًا في الخلق، وأمرت بالعدل والرحمة معه، فدلّ ذلك على أنّ الإنسانية بما هي هي ذات اعتبارٍ في نفسها، وأنّ الظلم لا يصير عدلًا بتبدّل الهوية، ولا تنقلب الرذيلة فضيلةً لمجرّد الانتساب.
فالتفاضل في حقيقته أمرٌ راجعٌ إلى ما يتحقّق في النفس من نور الهداية، وما يظهر في العمل من استقامةٍ أو انحراف. وإذا جُمعت هذه الجهات على نحوٍ متوازن، ظهر أن الميزان الذي أقامه الإمام عليه السلام يمنع إطلاق الأحكام على نحوٍ يلغي القيم الأخلاقية، ويثبت أنّ الكرامة والفضل يتقوّمان بما يقوم بالإنسان من إيمانٍ وعملٍ صالح، على وفق السنن الإلهية الجارية في عباده.
❤2👏1