Honorius
Photo
—في ما يلي فِقرات يكتبها لنا صموئيل جونسن عن التعلُّم ونُشدان المعرفة وما قد يثبّط الإنسان من كسل وفتور همّة فيصرفاه عن قصد كهذا:
«من المألوف أن يُرى الشبابُ متوقِّدِي الهمة ومجتهدي العزيمة في طلب المعارف، غير أن دروب الحياة غالبًا ما تفضي بهم إلى التراخي وفُتور الاهتمام، وما هذا شأن مَن لهمُ الحرية في اختيار أعمالهم ومَلَاهيهم فقط، بل يشمل أيضًا من فرضت عليهم مهنهم دراسة الأدب والتبحر في بحوثه، فيقضون الجزء الأخير من أعمارهم بلا نفع يُرجى، ولا تجويد يُسْتَتَمّ، ويُضيعون النهار في سوى ما كان ممكنًا أن يَجِدوه بين كتبهم.
ويُعزى أحيانًا هذا الخفوت في شدّة الفضول إلى قُصور المعرفة، فيُحمَل الرجال على الظنّ أن الأجدر بهم التحلُّلَ من ما يُمارسونه من كَدّ لِما يجدونه من ضياع أعمالهم سدًى، وعلى التوقف عن طلب الحق والحكمة لِما يصيبهم من يأس من نَوَالِهما في نهاية الأمر.
ولكن هذا السبب إنما يُقَرَّر في الغالب تخرُّصًا وبما يجانب الصواب، إذ يُقال في شأن التعلُّم كما في شأن الفضيلة إنهما يُكرَّمَان ويُهملان في آن واحد، ومَن تَرَك التعلُّم لا يفتأ يلتفت إليه بنظرةِ شوقٍ، وينوح على الفَقْد الذي لم يجتهد في تقويمه، ويشتهي الخير الذي يعجز عن الإمساك به والحفاظ عليه لافتقاره إلى ما يُحتَاج إليه من عَزْم. أما العاطل المُتَبَطِّل فَلا يُثني على تَبَطُّل نفسه، ولا ترى أحدًا يندم على اجتهاده وجِدّه في شبابه. [...]
إن من أجَلِّ ما يمنح التعلُّم فضلًا على غيره أنه لا يستَمِدُّ إلا قليلًا من الزمان أو المكان، فهو لا يُقيَّد بفصلٍ ولا بمناخ، ولا يُحبَس في المدن ولا يُحَدّ بالريف، بل يُنَمَّى ويُستمتع به حيثُ تنقطع سائر اللذائذ وتُحجب المَسَرّات. غير أن هذه الخَصْلة التي تُكوّن معظم قيمته قد تغدو هي بعينها سببًا في إهماله، إذ ما كان يُمكن فعله في كل حينٍ على السواء، يُؤجَّل من يومٍ إلى يوم، حتى تألفَ النفسُ التَّرْكَ رويدًا رويدًا، وتطمئنّ إلى التقصير، فتنصرف العناية إلى شواغلَ أُخَر. كذا يستحكم التبطُّل الذي يأخذ صورة العادة، فيَعْسُر قَهْرُه، وتنكمش النفسُ من مجرد فكرةِ الكدّ العقليّ وشدّة التأمل.
ولا سبيل إلى نُكران أنَّ الذين يزعمون خدمة التعلُّم قد لا تكون ثمرة خدمتهم إلا الصدّ عنه، فتناسل الكُتب وتكاثر تصنيفها يُورِث الخيبة في التقصِّي فضلًا عنه أنه يُضاعف الحيرة في الاختيار، ثم إن الرجل الذي ملأ ذهنه بصور المعاني وأمثلتها بشيء من الاعتدال، قلَّ أن يجد بين الكُتَّاب جديدًا يُغريه، فما يضيفه هؤلاء إلى الرصيد العام من العلم يكون غالبًا مدفونًا تحت ركام من المقولات المكرورة، حتى كأنّه فضّةٌ ممزوجة برصاصٍ خامٍ لا يستحثّ القَدْر اليسير منها المرء على بذل عناء التنقية والاستخلاص، ومَن طال عليه الخداع بوعودٍ تحمل عليه لقبًا ما، ملَّ أخيرًا التفتيشَ والمراجعة، واستسلم لتوهُّم أنّ الكُلَّ باطلٌ في باطل.
لا ريب أنّ في التكرار ما يُباح على الدوام، وبخاصة ما كان منه لا يُوقِعُ في خداع. ومن هذا مثلًا أن مَنْ يكتب في أخبار الأزمان الماضية إنما يتكفّل بتزيين الوقائع المعروفة بالجديد من حُسن المنهج أو رونق الأسلوب، وقد يزيدها بيانًا بما يُبديه من تأملاته ونظراته. وصاحبُ نَسَقٍ من الأنساق، سواء أكان في الأخلاق أم في الطبيعيات، لا يُطلب منه أكثر من إحكام الاختيار واطّراد الترتيب. ولكن يوجد آخرون ينتحلون اسمَ المؤلفين ليَشِينُوه، ويملؤون الدنيا بتآليفَ ومجلّدات لا يُراد بها إلا أن تُوَارِي الحروفَ تحت ركامِ غَثاثتهم وزُبَالتهم، فذاك الرحّالة الذي يُسطِّر في مجلد ضخمٍ مُبَهرج أنّه رأى البانثيون في روما، وتمثال فينوس المِديتشي في إفلورنسة، ومؤرخ الطبيعة ذاك الذي يصف خيرات جزيرة صغيرة، ثم يسرد ما تشترك فيه مع سائر أقاليم الأرض بدلًا من ما يخصّها، وذاك الجامع للآثار الذي يَعُدّ كلَّ ما تُلقيه أنقاضُ هِرْكُلانِيُوم آيةً فريدة، ولو كان مجرَّد أداةٍ مألُوفة عُرضت في ألف متحف، أو كأسًا يشرب بها القديمُ والحديثُ وسائر الناس — هؤلاء جميعًا أحقّ أن يُذمّوا بوصفهم البُغَاةَ على طلاب العلم، وسارقي الزمن الذي لا يُستردُّ أبدًا».
—Samuel Johnson, The Idler, Obstructions of Learning, No. 94. Saturday, Feb. 2, 1760.
«من المألوف أن يُرى الشبابُ متوقِّدِي الهمة ومجتهدي العزيمة في طلب المعارف، غير أن دروب الحياة غالبًا ما تفضي بهم إلى التراخي وفُتور الاهتمام، وما هذا شأن مَن لهمُ الحرية في اختيار أعمالهم ومَلَاهيهم فقط، بل يشمل أيضًا من فرضت عليهم مهنهم دراسة الأدب والتبحر في بحوثه، فيقضون الجزء الأخير من أعمارهم بلا نفع يُرجى، ولا تجويد يُسْتَتَمّ، ويُضيعون النهار في سوى ما كان ممكنًا أن يَجِدوه بين كتبهم.
ويُعزى أحيانًا هذا الخفوت في شدّة الفضول إلى قُصور المعرفة، فيُحمَل الرجال على الظنّ أن الأجدر بهم التحلُّلَ من ما يُمارسونه من كَدّ لِما يجدونه من ضياع أعمالهم سدًى، وعلى التوقف عن طلب الحق والحكمة لِما يصيبهم من يأس من نَوَالِهما في نهاية الأمر.
ولكن هذا السبب إنما يُقَرَّر في الغالب تخرُّصًا وبما يجانب الصواب، إذ يُقال في شأن التعلُّم كما في شأن الفضيلة إنهما يُكرَّمَان ويُهملان في آن واحد، ومَن تَرَك التعلُّم لا يفتأ يلتفت إليه بنظرةِ شوقٍ، وينوح على الفَقْد الذي لم يجتهد في تقويمه، ويشتهي الخير الذي يعجز عن الإمساك به والحفاظ عليه لافتقاره إلى ما يُحتَاج إليه من عَزْم. أما العاطل المُتَبَطِّل فَلا يُثني على تَبَطُّل نفسه، ولا ترى أحدًا يندم على اجتهاده وجِدّه في شبابه. [...]
إن من أجَلِّ ما يمنح التعلُّم فضلًا على غيره أنه لا يستَمِدُّ إلا قليلًا من الزمان أو المكان، فهو لا يُقيَّد بفصلٍ ولا بمناخ، ولا يُحبَس في المدن ولا يُحَدّ بالريف، بل يُنَمَّى ويُستمتع به حيثُ تنقطع سائر اللذائذ وتُحجب المَسَرّات. غير أن هذه الخَصْلة التي تُكوّن معظم قيمته قد تغدو هي بعينها سببًا في إهماله، إذ ما كان يُمكن فعله في كل حينٍ على السواء، يُؤجَّل من يومٍ إلى يوم، حتى تألفَ النفسُ التَّرْكَ رويدًا رويدًا، وتطمئنّ إلى التقصير، فتنصرف العناية إلى شواغلَ أُخَر. كذا يستحكم التبطُّل الذي يأخذ صورة العادة، فيَعْسُر قَهْرُه، وتنكمش النفسُ من مجرد فكرةِ الكدّ العقليّ وشدّة التأمل.
ولا سبيل إلى نُكران أنَّ الذين يزعمون خدمة التعلُّم قد لا تكون ثمرة خدمتهم إلا الصدّ عنه، فتناسل الكُتب وتكاثر تصنيفها يُورِث الخيبة في التقصِّي فضلًا عنه أنه يُضاعف الحيرة في الاختيار، ثم إن الرجل الذي ملأ ذهنه بصور المعاني وأمثلتها بشيء من الاعتدال، قلَّ أن يجد بين الكُتَّاب جديدًا يُغريه، فما يضيفه هؤلاء إلى الرصيد العام من العلم يكون غالبًا مدفونًا تحت ركام من المقولات المكرورة، حتى كأنّه فضّةٌ ممزوجة برصاصٍ خامٍ لا يستحثّ القَدْر اليسير منها المرء على بذل عناء التنقية والاستخلاص، ومَن طال عليه الخداع بوعودٍ تحمل عليه لقبًا ما، ملَّ أخيرًا التفتيشَ والمراجعة، واستسلم لتوهُّم أنّ الكُلَّ باطلٌ في باطل.
لا ريب أنّ في التكرار ما يُباح على الدوام، وبخاصة ما كان منه لا يُوقِعُ في خداع. ومن هذا مثلًا أن مَنْ يكتب في أخبار الأزمان الماضية إنما يتكفّل بتزيين الوقائع المعروفة بالجديد من حُسن المنهج أو رونق الأسلوب، وقد يزيدها بيانًا بما يُبديه من تأملاته ونظراته. وصاحبُ نَسَقٍ من الأنساق، سواء أكان في الأخلاق أم في الطبيعيات، لا يُطلب منه أكثر من إحكام الاختيار واطّراد الترتيب. ولكن يوجد آخرون ينتحلون اسمَ المؤلفين ليَشِينُوه، ويملؤون الدنيا بتآليفَ ومجلّدات لا يُراد بها إلا أن تُوَارِي الحروفَ تحت ركامِ غَثاثتهم وزُبَالتهم، فذاك الرحّالة الذي يُسطِّر في مجلد ضخمٍ مُبَهرج أنّه رأى البانثيون في روما، وتمثال فينوس المِديتشي في إفلورنسة، ومؤرخ الطبيعة ذاك الذي يصف خيرات جزيرة صغيرة، ثم يسرد ما تشترك فيه مع سائر أقاليم الأرض بدلًا من ما يخصّها، وذاك الجامع للآثار الذي يَعُدّ كلَّ ما تُلقيه أنقاضُ هِرْكُلانِيُوم آيةً فريدة، ولو كان مجرَّد أداةٍ مألُوفة عُرضت في ألف متحف، أو كأسًا يشرب بها القديمُ والحديثُ وسائر الناس — هؤلاء جميعًا أحقّ أن يُذمّوا بوصفهم البُغَاةَ على طلاب العلم، وسارقي الزمن الذي لا يُستردُّ أبدًا».
—Samuel Johnson, The Idler, Obstructions of Learning, No. 94. Saturday, Feb. 2, 1760.
❤14👏3
لا تكْتَرث بفراق أوطانِ الصِّبَا
فعَسَى تَنالُ بغيرهنّ سُعُودَا
فالدُّرُّ يُنْظَم عند فَقْدِ بِحَاره
بجَمِيل أجْيَاد الحِسَانِ عُقُودَا
—بيتَان منسوبان إلى ابن ميمون القرطبيّ يقتبسهما المقرّي التلمساني في كتابه نَفْح الطِّيب من غصن الأندلس الرَّطِيب، تح. محمد محيي الدين عبد الحميد (ط1؛ مصر: مطبعة السعادة، 1949)، ج1، 43.
ينسب البيتان أنفسهما لويس شيخو خطأً (في كتابه شعراء النصرانية بعد الإسلام) إلى ابن الإفرنجية.
فعَسَى تَنالُ بغيرهنّ سُعُودَا
فالدُّرُّ يُنْظَم عند فَقْدِ بِحَاره
بجَمِيل أجْيَاد الحِسَانِ عُقُودَا
—بيتَان منسوبان إلى ابن ميمون القرطبيّ يقتبسهما المقرّي التلمساني في كتابه نَفْح الطِّيب من غصن الأندلس الرَّطِيب، تح. محمد محيي الدين عبد الحميد (ط1؛ مصر: مطبعة السعادة، 1949)، ج1، 43.
ينسب البيتان أنفسهما لويس شيخو خطأً (في كتابه شعراء النصرانية بعد الإسلام) إلى ابن الإفرنجية.
❤18
—دونك فِقرات ثاقبات ومختارات نترجمهنّ بشيء من التصرف عن ’الإنسان المتوسِّط‘ (mediocre man)، وسنقول «الرجل» بدلًا من الإنسان:
«يُكِنّ الرجل المتوسِّط أعمقَ احترام لمن اشتَهر، أيًّا كان سبب شهرته، ولمن كَثُر المطبوعُ له من كتب، وتراه يسعى إلى التقرُّب من ألَدِّ أعدائه إنْ ذاعَ صيتُه، أما أوفى أصدقائه فلا يُقيم له وزْنًا إنْ لم يلْهَجِ الناسُ بذِكْره.
ولا يخطر ببالِ الإنسان المتوسِّط أن إنسانًا ما زال مغمورًا أو مجهولًا، فقيرًا، يُزاحَمُ في الطريق، ويُعامَلُ بلا تكلُّف ولا كِيَاسة، ويُخاطَبُ دونما توقير، قد يكون رجلًا عبقريًّا في حقيقة الأمر... ولا يجرؤ الإنسان المتوسِّط على المبادرة في أي شيء، فإعجاباته حذِرة، وإنْ تَحَمَّس بَدَا بمظهر رسميّ، وهو إلى هذا يحتقر الشباب، لكنّ الدنيا متى ما أقَرَّت لكَ بعظمتك، رأيتَه يصيح قائلًا: «تنبَّأتُ بهذا أصلًا!»، أما أن يقولَ بإزاء فَجْرِ إنسانٍ لم يجرِ ذِكْرُه بين الناس بعدُ: «هنا المجدُ والمستقبل!»، فهذا ما لا يفعله أبدًا. متى ما وجدتَ إنسانًا يستطيع أن يقول لعامِلٍ مجهول: «أَيَا بني، إنك عبقريّ!»، فهذا مَن يستحقّ الخلودَ الذي يَعِدُ به، وقد قالَ رَفَايِلّو في هذا: «أن تفهَمَ يعني أن تكون نظيرًا».
وحتى لو كانَ للرجل المتوسِّط شيءٌ من المهارة، أو وُهِبَ شيئًا من الموهبة، فإنّ الحدْسَ يظلُّ محرَّمًا عليه، فهو معدوم البصيرة (seconde vue)، ولن يتوفَّر له منها شيءٌ أبدًا، وحتى لو تعلَّم، فإنه لا ينفذ إلى الأشياء ولا يستطيع التنبؤ بها، ولو أقَرَّ بفكرة لم يتتبَّعها في مختلِف وجوه تطبيقها، وإنْ عُرِضت عليه بعبارتٍ أخرى جَهلَها ورَدَّها، أمَّا إنْ سَلَّمَ بمبدأ ما فستراه يقول لك متى ما جِئته بنتائجه المنطقية: «إنَّك تُغَالِي!».
... والرجل المتوسِّط يمقت الكاثوليكية، إذ يَراهَا مبالغًا فيها أيضًا، ويفضِّل عليها البروتستانتية ظانًّا أنها دينُ الاعتدال. إنه صديقٌ لكل مبدأ كما أنه صديق لكلّ ما يناقضه.
ولقد يُجِلّ الرجل المتوسِّط أهلَ الفضيلة وأصحاب المواهب، ولكنه لا يحمل سوى الخوف والاشمئزاز نحو القدِّيسين والعباقرة، فهو يراهم أهل غلوّ.
... هذا ولا يمكن الإنسان الذي أحَبَّ حقًّا أن يكون متوسِّطًا يومًا ما. أما مَن كان متوسِّطًا على الحقيقة فإنه يُعجَب قليلًا بكلّ شيء، ويرْعَوِي عن الإعجاب بأيّ شيء بحرارة صادقة، وإنْ عَرَضْتَ عليه أفكارَهُ نفسَها مَصُوغةً بقَدر من الحماسة، ألْفَيْتَهُ وقد استاء منك وقال إنك تُغَالي مرةً أخرى، وهو بحاله هذه يُؤْثِر أعداءَه إنْ كانوا باردين على أصدقائه إن أظهروا شيئًا من الحرارة. لا يكره الإنسانُ المتوسِّط شيئًا ككرهه الحرارة.
... ويحبّ الرجل المتوسِّط الكُتَّابَ الذين لا يقولون في أي مسألة «نعم» أو «لا»، ولا يُثْبِتون شيئًا، ويسمحون بالآراء المتناقضة كافَّة، ولهذا قد يُعجَب في الآن نفسه بڤولتير وروسّو وبوسويه، ويرى في كلّ تقريرٍ وقاحة وغطرسة، لا لشيء إلا لأن كل تقرير يقتضي إقصاء نقيضه، أما إنْ كنتَ قليل العداوة وقليل الصداقة تجاه كل شيء، عَدَّكَ حكيمًا مُحتَاطًا وأُعجِبَ برهافة فِكْرك وقال إنك تمتلك موهبة التنقُّل بين الأمور وتمييز الدقائق. [...] وإنْ حَمَل المرءُ شكًّا في شيء، لمْ يَجُز أن يُسَمَّى باسمه، بل عليه أن يُلَبَّسَ بتسمية ’الرأي المتواضع‘ الذي يُدِيم لنقيضه حقَّه، وهو إنْ بَدَا يقول شيئًا ذا بال فإنه لا يقول شيئًا ألبتة في واقع الأمر. وكذا يُطلَب منا أن نضيف إلى كل عبارة حشْوًا تلطيفيًّا: «يبدو لي»، و«إنْ صَحَّ القول»، و«إنْ جازَ التعبير».
... وإنْ أرادَ الرجل المتوسِّط أن يحكمَ على كتاب، تعلَّقت أول كلمة ينطق بها بتفصيل صغير دائمًا، غالبًا ما يكون تفصيلًا في الأسلوب. ومتى ما قال «إنه مكتوب جيدًا»، كان الأسلوب سَلِسًا، فاتِرًا، عديم اللون خائر الجرأة، أما إنْ دَبَّتِ الحياةُ في عملك، وأنشأتَ لغتَكَ وأنت تتكلم، وعبَّرتَ عن أفكارك بذلك العنفوان الذي هو صَفَاء الكاتب وخُلُوصه (franchise)، قال «إنَّ كتابتَك رديئة».
ويحبّ الرجل المتوسِّط الأدبَ المفتقر إلى أيّ شخصية (impersonnelle)، ويكره الكتبَ التي تجبره على التفكير. إنه يحبّ الكتب التي تشبه سائر سواها، وتُناسِب عاداته، ولا تفكِّك قوالبه، ولا تخرُج عن أفقه، أي تلك التي تُعرَف على ظهر القلب قبل أن تُقرَأ، لكونها لا تختلف عن سائر الكتب التي قرأها المرءُ مذ تعلَّم القراءة. [...]
يقول الرجل المتوسِّط إن في كل شيء خيرًا وشرًّا، وإن علينا أن لا نكون أصحابَ أحكامٍ مطلَقة، وهكذا دواليك، فإذا أكَّدتَ الحقيقة بشيء من الجَزْم، قال إنك تثق بنفسك أكثر من اللازم، وهو على ما فيه من كِبرياء (orgueil) لا يدري حقًّا ما الكبرياء، فيجمعها مع التواضع، ويخضع لڤولتير، ويتمرَّد على الكنيسة متخذًا شعارًا صرخة يُوآب [يومَ وصفَ الشعب العبريّ في تراجيديا راسين أتالي]: ’’جريءٌ على الله وحده!‘‘».
«يُكِنّ الرجل المتوسِّط أعمقَ احترام لمن اشتَهر، أيًّا كان سبب شهرته، ولمن كَثُر المطبوعُ له من كتب، وتراه يسعى إلى التقرُّب من ألَدِّ أعدائه إنْ ذاعَ صيتُه، أما أوفى أصدقائه فلا يُقيم له وزْنًا إنْ لم يلْهَجِ الناسُ بذِكْره.
ولا يخطر ببالِ الإنسان المتوسِّط أن إنسانًا ما زال مغمورًا أو مجهولًا، فقيرًا، يُزاحَمُ في الطريق، ويُعامَلُ بلا تكلُّف ولا كِيَاسة، ويُخاطَبُ دونما توقير، قد يكون رجلًا عبقريًّا في حقيقة الأمر... ولا يجرؤ الإنسان المتوسِّط على المبادرة في أي شيء، فإعجاباته حذِرة، وإنْ تَحَمَّس بَدَا بمظهر رسميّ، وهو إلى هذا يحتقر الشباب، لكنّ الدنيا متى ما أقَرَّت لكَ بعظمتك، رأيتَه يصيح قائلًا: «تنبَّأتُ بهذا أصلًا!»، أما أن يقولَ بإزاء فَجْرِ إنسانٍ لم يجرِ ذِكْرُه بين الناس بعدُ: «هنا المجدُ والمستقبل!»، فهذا ما لا يفعله أبدًا. متى ما وجدتَ إنسانًا يستطيع أن يقول لعامِلٍ مجهول: «أَيَا بني، إنك عبقريّ!»، فهذا مَن يستحقّ الخلودَ الذي يَعِدُ به، وقد قالَ رَفَايِلّو في هذا: «أن تفهَمَ يعني أن تكون نظيرًا».
وحتى لو كانَ للرجل المتوسِّط شيءٌ من المهارة، أو وُهِبَ شيئًا من الموهبة، فإنّ الحدْسَ يظلُّ محرَّمًا عليه، فهو معدوم البصيرة (seconde vue)، ولن يتوفَّر له منها شيءٌ أبدًا، وحتى لو تعلَّم، فإنه لا ينفذ إلى الأشياء ولا يستطيع التنبؤ بها، ولو أقَرَّ بفكرة لم يتتبَّعها في مختلِف وجوه تطبيقها، وإنْ عُرِضت عليه بعبارتٍ أخرى جَهلَها ورَدَّها، أمَّا إنْ سَلَّمَ بمبدأ ما فستراه يقول لك متى ما جِئته بنتائجه المنطقية: «إنَّك تُغَالِي!».
... والرجل المتوسِّط يمقت الكاثوليكية، إذ يَراهَا مبالغًا فيها أيضًا، ويفضِّل عليها البروتستانتية ظانًّا أنها دينُ الاعتدال. إنه صديقٌ لكل مبدأ كما أنه صديق لكلّ ما يناقضه.
ولقد يُجِلّ الرجل المتوسِّط أهلَ الفضيلة وأصحاب المواهب، ولكنه لا يحمل سوى الخوف والاشمئزاز نحو القدِّيسين والعباقرة، فهو يراهم أهل غلوّ.
... هذا ولا يمكن الإنسان الذي أحَبَّ حقًّا أن يكون متوسِّطًا يومًا ما. أما مَن كان متوسِّطًا على الحقيقة فإنه يُعجَب قليلًا بكلّ شيء، ويرْعَوِي عن الإعجاب بأيّ شيء بحرارة صادقة، وإنْ عَرَضْتَ عليه أفكارَهُ نفسَها مَصُوغةً بقَدر من الحماسة، ألْفَيْتَهُ وقد استاء منك وقال إنك تُغَالي مرةً أخرى، وهو بحاله هذه يُؤْثِر أعداءَه إنْ كانوا باردين على أصدقائه إن أظهروا شيئًا من الحرارة. لا يكره الإنسانُ المتوسِّط شيئًا ككرهه الحرارة.
... ويحبّ الرجل المتوسِّط الكُتَّابَ الذين لا يقولون في أي مسألة «نعم» أو «لا»، ولا يُثْبِتون شيئًا، ويسمحون بالآراء المتناقضة كافَّة، ولهذا قد يُعجَب في الآن نفسه بڤولتير وروسّو وبوسويه، ويرى في كلّ تقريرٍ وقاحة وغطرسة، لا لشيء إلا لأن كل تقرير يقتضي إقصاء نقيضه، أما إنْ كنتَ قليل العداوة وقليل الصداقة تجاه كل شيء، عَدَّكَ حكيمًا مُحتَاطًا وأُعجِبَ برهافة فِكْرك وقال إنك تمتلك موهبة التنقُّل بين الأمور وتمييز الدقائق. [...] وإنْ حَمَل المرءُ شكًّا في شيء، لمْ يَجُز أن يُسَمَّى باسمه، بل عليه أن يُلَبَّسَ بتسمية ’الرأي المتواضع‘ الذي يُدِيم لنقيضه حقَّه، وهو إنْ بَدَا يقول شيئًا ذا بال فإنه لا يقول شيئًا ألبتة في واقع الأمر. وكذا يُطلَب منا أن نضيف إلى كل عبارة حشْوًا تلطيفيًّا: «يبدو لي»، و«إنْ صَحَّ القول»، و«إنْ جازَ التعبير».
... وإنْ أرادَ الرجل المتوسِّط أن يحكمَ على كتاب، تعلَّقت أول كلمة ينطق بها بتفصيل صغير دائمًا، غالبًا ما يكون تفصيلًا في الأسلوب. ومتى ما قال «إنه مكتوب جيدًا»، كان الأسلوب سَلِسًا، فاتِرًا، عديم اللون خائر الجرأة، أما إنْ دَبَّتِ الحياةُ في عملك، وأنشأتَ لغتَكَ وأنت تتكلم، وعبَّرتَ عن أفكارك بذلك العنفوان الذي هو صَفَاء الكاتب وخُلُوصه (franchise)، قال «إنَّ كتابتَك رديئة».
ويحبّ الرجل المتوسِّط الأدبَ المفتقر إلى أيّ شخصية (impersonnelle)، ويكره الكتبَ التي تجبره على التفكير. إنه يحبّ الكتب التي تشبه سائر سواها، وتُناسِب عاداته، ولا تفكِّك قوالبه، ولا تخرُج عن أفقه، أي تلك التي تُعرَف على ظهر القلب قبل أن تُقرَأ، لكونها لا تختلف عن سائر الكتب التي قرأها المرءُ مذ تعلَّم القراءة. [...]
يقول الرجل المتوسِّط إن في كل شيء خيرًا وشرًّا، وإن علينا أن لا نكون أصحابَ أحكامٍ مطلَقة، وهكذا دواليك، فإذا أكَّدتَ الحقيقة بشيء من الجَزْم، قال إنك تثق بنفسك أكثر من اللازم، وهو على ما فيه من كِبرياء (orgueil) لا يدري حقًّا ما الكبرياء، فيجمعها مع التواضع، ويخضع لڤولتير، ويتمرَّد على الكنيسة متخذًا شعارًا صرخة يُوآب [يومَ وصفَ الشعب العبريّ في تراجيديا راسين أتالي]: ’’جريءٌ على الله وحده!‘‘».
❤9👍2
Honorius
—دونك فِقرات ثاقبات ومختارات نترجمهنّ بشيء من التصرف عن ’الإنسان المتوسِّط‘ (mediocre man)، وسنقول «الرجل» بدلًا من الإنسان: «يُكِنّ الرجل المتوسِّط أعمقَ احترام لمن اشتَهر، أيًّا كان سبب شهرته، ولمن كَثُر المطبوعُ له من كتب، وتراه يسعى إلى التقرُّب من ألَدِّ…
—Ernest Hello, L'homme: la vie—la science—l'art (7th edt.; Paris: Librairie Académique Didier, 1903), L'homme médiocre, 58-61.
(قد أترجم مزيدًا من فصْل إرنست إيلو هذا لاحقًا، فهو بديع).
(قد أترجم مزيدًا من فصْل إرنست إيلو هذا لاحقًا، فهو بديع).
❤8👍1
Honorius
—دونك فِقرات ثاقبات ومختارات نترجمهنّ بشيء من التصرف عن ’الإنسان المتوسِّط‘ (mediocre man)، وسنقول «الرجل» بدلًا من الإنسان: «يُكِنّ الرجل المتوسِّط أعمقَ احترام لمن اشتَهر، أيًّا كان سبب شهرته، ولمن كَثُر المطبوعُ له من كتب، وتراه يسعى إلى التقرُّب من ألَدِّ…
يذكّرني هذا الفصل بكتاب منسيّ —ضدّ الدهماء— ذي نبرة أحَدّ ولعلها أمْتَع بكثير لمؤلِّف لا يكاد يتذكره ولا يعرفه أحد اليوم: روبير بوليه.
1❤10
«ما دخلتُ جامِعَ المدينة مما يلي بابَ خُراسان منذ عشرين سنة، فلمَّا سُئِل: ولِمَهْ؟ قال: لأني دخلتُ يومًا فرأيتُ متحابَّيْنِ يتعاتبان، فلمَّا رأياني تفرَّقا، فآليتُ أن لا أدخلَ من بابٍ كنتُ فيه السبب في الفرقة بين متحابين!».
—هذا مرويّ عن أبي بكر محمد الأصفهاني (أو الأصبهاني) الظاهريّ، صاحب كتاب الزهرة، أنقله من: زكي مبارك، مدامع العشّاق (مصر: المطبعة الرحمانية، 1919؟)، 7.
—هذا مرويّ عن أبي بكر محمد الأصفهاني (أو الأصبهاني) الظاهريّ، صاحب كتاب الزهرة، أنقله من: زكي مبارك، مدامع العشّاق (مصر: المطبعة الرحمانية، 1919؟)، 7.
❤10❤🔥7😢3
It might get deleted sooner or later, so give it a watch erelong.
https://www.youtube.com/watch?v=sNhZtA_g2YI&t=123s
https://www.youtube.com/watch?v=sNhZtA_g2YI&t=123s
❤5
Honorius
Photo
يكتب أبو هلال العسكري في كيفية نَظْم الكلام: «فإنِ ابْتُليتَ بتكلُّف القول، وتَعَاطي الصناعة، ولمْ تَسمح لكَ الطبيعةُ في أوَّلِ وَهْلة، وتَعَصَّى عليكَ بعد إجالة الفِكرة، فلا تَعْجَل، ودَعْهُ سَحَابةَ يَوْمك ولا تَضْجَر، وأمْهِله سَوادَ ليلتك، وعاوِده عند نشاطك، فإنك لا تَعْدَمِ الإجابة والمُوَاتاة إنْ كانتْ هناك طبيعةٌ [تحوزها في نفسك] وجَرَيتَ من الصناعة على عَرَق».
قريبٌ من هذا ما قلتُه كثيرًا وكرَّرتْه على كلّ مَن سألني شيئًا يخصّ شَحْذَ القلم على البلاغة أو على اكتساب شيء منها، فكانَ همُّه مثلًا أن كلامه سيأتي متكلّفًا، ومعناه متقعِّرًا، وسَبْكه متهَلْهِلًا، وجَرْسه وحْشِيًّا، فيخلط الغُرَر بالعُرَر، وينحطّ من العالي إلى الداني، ولكنَّ مَن يسْلك سلوكًا كهذا ينسى أن الحَافِرة من الأمور لا يمكن أن تُضارع حالَ مَنْ كانتْ له في أيّ أمرٍ القُدْمة زَمَانًا وطُول الدُّرْبة طَلَبًا. ونحنُ إنْ كنَّا لا ننكر دَوْر الطبيعة التي يُشتَغل عليها بتعاطي الصناعة، فأنَّى لك أن تعرفَ حظَّكَ من هذه الطبيعة إنْ تَوَانَيْتَ عن المصَابَرة بالجَلَد، وعن مواصلة الدّأَب؟ فكما قال عبد الله بن وهب الراسبيّ للخوارج حين عقدوا له: «دعوا الرأي حتى يختمر، فلا خير في الرأي الفطير، والقول القصير»، فإن مؤلِّفنا العسكريّ يقتبس بيتًا نصُّه:
إذا ضَيَّعْتَ أوَّلَ كل أمرٍ أَبَتْ أعْجازُه إلَّا الْتِوَاءَ
وبِذَا لا بدَّ من «تَرْوِيح الخاطِر، وطولِ الإمْهال»، فاحْتَجِزْ دُونَك التهجُّم على الأشياء تهجُّمًا، واصْطَبِر عليها حتى تختمر، فإنْ كانتِ الرُّتَّة في الكلام مذمومة، فكذلك العَجَلة في التعلُّم مرذولة، والأمور إنْ أُخِذَت إلى أنْصافِها فقط لم تستبعد حالُها أن تكون أفضل لو أنها لم تُلْتَمَس فأُهْمِلَت أصلًا، وخيرٌ أن تجْهَلَ حينًا من أن تَجْهَل دهْرًا.
—الاقتباس: أبو هلال الحسن العسكري، كتاب الصِّنَاعتَيْن: الكِتابة والشِّعْر، تح. علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم (ط1؛ دار إحياء الكتب العربية، 1952)، 135.
(مُسِح خطأً، لذا تراني أُعِيد نشْره).
قريبٌ من هذا ما قلتُه كثيرًا وكرَّرتْه على كلّ مَن سألني شيئًا يخصّ شَحْذَ القلم على البلاغة أو على اكتساب شيء منها، فكانَ همُّه مثلًا أن كلامه سيأتي متكلّفًا، ومعناه متقعِّرًا، وسَبْكه متهَلْهِلًا، وجَرْسه وحْشِيًّا، فيخلط الغُرَر بالعُرَر، وينحطّ من العالي إلى الداني، ولكنَّ مَن يسْلك سلوكًا كهذا ينسى أن الحَافِرة من الأمور لا يمكن أن تُضارع حالَ مَنْ كانتْ له في أيّ أمرٍ القُدْمة زَمَانًا وطُول الدُّرْبة طَلَبًا. ونحنُ إنْ كنَّا لا ننكر دَوْر الطبيعة التي يُشتَغل عليها بتعاطي الصناعة، فأنَّى لك أن تعرفَ حظَّكَ من هذه الطبيعة إنْ تَوَانَيْتَ عن المصَابَرة بالجَلَد، وعن مواصلة الدّأَب؟ فكما قال عبد الله بن وهب الراسبيّ للخوارج حين عقدوا له: «دعوا الرأي حتى يختمر، فلا خير في الرأي الفطير، والقول القصير»، فإن مؤلِّفنا العسكريّ يقتبس بيتًا نصُّه:
إذا ضَيَّعْتَ أوَّلَ كل أمرٍ أَبَتْ أعْجازُه إلَّا الْتِوَاءَ
وبِذَا لا بدَّ من «تَرْوِيح الخاطِر، وطولِ الإمْهال»، فاحْتَجِزْ دُونَك التهجُّم على الأشياء تهجُّمًا، واصْطَبِر عليها حتى تختمر، فإنْ كانتِ الرُّتَّة في الكلام مذمومة، فكذلك العَجَلة في التعلُّم مرذولة، والأمور إنْ أُخِذَت إلى أنْصافِها فقط لم تستبعد حالُها أن تكون أفضل لو أنها لم تُلْتَمَس فأُهْمِلَت أصلًا، وخيرٌ أن تجْهَلَ حينًا من أن تَجْهَل دهْرًا.
—الاقتباس: أبو هلال الحسن العسكري، كتاب الصِّنَاعتَيْن: الكِتابة والشِّعْر، تح. علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم (ط1؛ دار إحياء الكتب العربية، 1952)، 135.
(مُسِح خطأً، لذا تراني أُعِيد نشْره).
❤10👏1
من اللطائف التي تجدها في أغاني الأصفهاني (في أخبار الحطيئة)، أن الزِّبْرِقان بن بدر بن امرئ القيس التميميّ، وكان من سادات قومه بني تميم وشريفًا بينهم، لمَّا هَجَاه الحُطَيئة آلَمه بيتٌ (والأصفهاني يورِدُ اثني عشر بيتًا) بعينه نصُّه:
دَعِ المكارِمَ لا ترحلْ لبُغْيَتها
واقْعُد فإنَّكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي
فاسْتَعدى الزِّبْرِقانُ على الحطيئة عُمرَ بن الخطّاب وشكاه ذاكرًا له أنه هَجَاه بهذا البيت لا غَيْر، ومستنكرًا بالقول: «أَوَ مَا تبلغُ مروءتي إلَّا أن آكلُ وألْبَس!»، فكأنّي بالزِّبْرِقان وقد أحْفَظَه وأَمَضَّه أن يُختَزَل كرمُه وشرَفُه هكذا فيُجعَلَان داعيًا له إلى القعود وكفايةً عن إتيان المكارم والتفتيش عنها، وكأنه يقول: «إنّي وإنْ كنتُ سيِّدًا أو عربيًّا صَلِيبًا لا يُجْزِيني أنْ أُعرَف بما أتاحه لي هذا من مأكل وملبس، بل إنما هي فَعَالي التي أجْتَرحها مُختَارًا، فانْظُرها إنْ سُدْتُ بها أو دنَّسْتُ أصلي!».
لعلّي أحمِّل قول الزِّبْرِقان ما ليسَ فيه، لكن هذا ليس ببعيد ألبتة، والأخبار عن العرب من الكتب كثيرة في مَن رَفَضَ أن يُعرَف بشرَف نسبه فأراد أن يسود بفَعَاله.
دَعِ المكارِمَ لا ترحلْ لبُغْيَتها
واقْعُد فإنَّكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي
فاسْتَعدى الزِّبْرِقانُ على الحطيئة عُمرَ بن الخطّاب وشكاه ذاكرًا له أنه هَجَاه بهذا البيت لا غَيْر، ومستنكرًا بالقول: «أَوَ مَا تبلغُ مروءتي إلَّا أن آكلُ وألْبَس!»، فكأنّي بالزِّبْرِقان وقد أحْفَظَه وأَمَضَّه أن يُختَزَل كرمُه وشرَفُه هكذا فيُجعَلَان داعيًا له إلى القعود وكفايةً عن إتيان المكارم والتفتيش عنها، وكأنه يقول: «إنّي وإنْ كنتُ سيِّدًا أو عربيًّا صَلِيبًا لا يُجْزِيني أنْ أُعرَف بما أتاحه لي هذا من مأكل وملبس، بل إنما هي فَعَالي التي أجْتَرحها مُختَارًا، فانْظُرها إنْ سُدْتُ بها أو دنَّسْتُ أصلي!».
لعلّي أحمِّل قول الزِّبْرِقان ما ليسَ فيه، لكن هذا ليس ببعيد ألبتة، والأخبار عن العرب من الكتب كثيرة في مَن رَفَضَ أن يُعرَف بشرَف نسبه فأراد أن يسود بفَعَاله.
2❤13