Honorius
Photo
Lepenies is an extremely interesting scholar, even though you only seldom find him mentioned here or there. The original title of that work of his is actually The Three Cultures: Sociology between Literature and Science. Regarding sociology, he has another edited four-volume History of Sociology (Geschichte der Soziologie), with the fuller title being, History of Sociology: Studies on the Cognitive, Social, and Historical Identity of a Discipline (Geschichte der Soziologie: Studien zur kognitiven, sozialen und historischen Identität einer Disziplin).
But this is only an impression not fully ripe.
But this is only an impression not fully ripe.
❤3
Honorius
جورج إِلْيِت عن أعلى غاية في التربية، وعن أحكم المُرَبِّين، وعن أشدّ الكُتَّاب تأثيرًا (تجهيزًا لكلامها على توماس كارلايل). —George Eliot, “Thomas Carlyle,” in Essays of George Eliot, ed. Thomas Pinney (London: Routledge and Kegan Paul, 1963), 213.
إلى مَنْ لم ‹يعجبه› الكلام فأعطاه إبهامًا مقلوبًا: كِدتُ أقتبسُ وصْفًا لحالك أبياتًا تهجوكَ هجاءً مُرًّا كالعلقم، لكنني أمْسَكتُ عن هذا تعَقُّلًا.
(نقصد هذا بشيء من المزاح، وإلا فالأمر هيِّنٌ ولا نلقي إليه ببال).
(نقصد هذا بشيء من المزاح، وإلا فالأمر هيِّنٌ ولا نلقي إليه ببال).
🤡6👍3👎3❤2🥰1
«كل أذن تأخذ مما تسمع على قدْر طبع صاحبها وعلمه، يعني أن الجاهل إذا سمع شيئًا لم يفهَمْهُ ولم يعلمْهُ، وكلّ أحدٍ على قدر علمه وطبعه يعلم ما يسمع، وإذا عابَ إنسانٌ قولًا صحيحًا فذلك لأنه لم يفهمه ولم يقف عليه، والقريحة أوّل ما ينبع من الماء، وقريحة الرجل طبيعته، والمعنى أن أذن كلّ أحدٍ تدرك من الكلام ما ينبّهه عليه طبعه».
—فريدرِخ ديتريصي، ديوان أبي الطيب المتنبي وفي أثناء متنه شرح الإمام العلّامة الواحديّ (برلين المحروسة: 1861)، 339.
—فريدرِخ ديتريصي، ديوان أبي الطيب المتنبي وفي أثناء متنه شرح الإمام العلّامة الواحديّ (برلين المحروسة: 1861)، 339.
❤10💯2
—في ما يلي فِقرات عن مفارقة تحوُّل ما يُظَنّ أنه ’’تحرُّر للفكر‘‘ عند الأقلية إلى قصور نظر وضيق أفق وجُمود رأي عند الأكثرية يُحيل ’’الشخصيّ‘‘ مسألة وجودية وأخلاقية ويحاول مَحْقَ الجميع:
«من أهم ما أسهمت فيه حركة الإصلاح في فلسفة الحرية في القرن الثامن عشر هو ’حقّ التفسير الفردي‘، إذ غدا الإنجيل الإنجليزي في يد الإنسان العاديّ ميثاقًا للحرية، فأوْقَدَ هذا في الفرد وعيًا أعمقَ بالذات وقاد إلى استقلالٍ جديد في الحُكْم، فأخذَ الإنسانُ يشعر بأنه مسؤول عن مصيره، وأن في مكنته تحدّي سلطة القساوسة على عقله وضميره، فضلًا عن أنه تَمَلَّك بيده ما يستند إليه الآن في نقد أفعال مَن يتقدّمونه ويَعْلُون عليه في المجتمع، وفي الجهْر بآرائه في شؤونٍ لطالما عُدَّت خارجةً عن دائرة معرفته. [...]
ولا رَيْبَ في أن عقائد الإيمان قدَّمت تفسيراتٍ رسمية، ولكن إذ تضاعفت الانقسامات المذهبية تَبِعها في هذا تكاثر تلك العقائد الإيمانية، فأصبح للفرد أن يختار بينها، ولكنّ الاختيار يقتضي النَّقْدَ ضِمْنًا، ومِنَ النَّقْدِ تُشْرَعُ السبيلُ نحو الاستقلال التامّ للفكر، ونحو ليبرالية (أو نزعة تحرُّرية) دينية متحررة شبيهة بما نجد عند هيوم وجيفرسن و[توماس] بين. لقد خضع الإنجيل أولًا للتفسير الشعبي، ثم جرَت محاولاتٌ لعَقْلَنته وتبديد غوامضه ووِجدان عللٍ طبيعية تفسِّر معجزاته المزعومة، ومن ثَمّ عُرِّضَ أخيرًا للنقد والتحليل البَحْثِيّ، ومن هنا بَزَغَ عقلٌ حديثٌ خالِصُ العَلْمَنة، تجاوَزَ الحاجة إلى السلطة والعِصْمة من الخطأ والتَّخْطيء، وغَدا السعيُ إلى الحقيقة منفتحًا، ومنَزَّهًا عن الهوى، وعارِيًا من كلّ مصلحة ليستْ في محلِّها، وصِرْتَ ترى أن أيّ تدخُّل خارجيّ يُعيق تقدُّم المعرفة، أو أي رقابة على نشرها، عُدَّ عدوانًا على الحرية ونُقِمَ عليه. [بقولٍ آخر:] استعادَ العقلُ البشري مغامَرَته الفكريّة — وإنِ اقْتَصَرَ هذا على قِلّة من الناس.
أما إنْ جِئْنَا إلى الأكثرية، فإن حقَّ التفسير الفرديّ كانَ ذا أثر معاكِس، وأوْرَثَ هذه الأكثرية ضِيقَ أفق وشِدَّةً في التعصُّب (illiberality of mind)، فضلًا عن أنه عَزَّز الجهْلَ بإشاعةِ وهْمِ العِصْمة [عند الإنسان العاديّ الذي ينتسب إلى الأكثرية]، وأحاطَ نَظْرَةَ كثيرٍ من الناس بنزعة حَرْفِية (literalism) جامدة تفتقر إلى الخيال، وسَوَّغَ إرادة القوَّة عند الجماهير أو نزوعهم إلى حيازة السلطة، وجَعَلَ مُمْكِنًا استعمالَ الإنجيل سلاحًا لمقاومة انتشار الأفكار الحرَّة. هذا، وليسَ الإنجيل —كما يتصوَّر بعضهم— بذاك الكتاب البسيط الذي يسهل على الجميع فهمه، فإنْ جَلَبَتْ قراءتُه بضربٍ من الإيمان بسيط العزاءَ لكثيرين، فإنها أورثتْ كذلكَ نزاعًا وسوء فهم، فليسَ عسيرًا على الناس أن يُسقِطوا معانيهم هُم على الإنجيل، ثمّ يُعلنوا ما فهموه على أنه كلمة الإله المُلْزِمة لكلّ إنسان. وقد عَنَى التفسير الفرديّ أن أي جماعة من الناس، مهما بلغ بها الجهلُ من شأو، لا تحتاج إلا إلى أن تكون قادرةً على قراءة الإنجيل لتزعم لنفسها حيازة الحقيقة المطلقة التي ليس إلى نُكرانها من سبيل في كلّ مسألة كُبرى من مسائل حياة الإنسان، وهكذا غدا طلبُ الحقيقة عند كثيرين لا يتجاوز التنقيب عن نصوصٍ في كُتُب الدين تؤيِّد معتقداتهم المتحزِّبة. غير أن ’’حقائقَ‘‘ تُكتَسَب بهذه السهولة، وبعقولٍ لم تتهذَّب بآثار القراءة الواسعة ولا بصبر التمحيص في ضروب التعميمات كافَّة، إنما هي حقائق بالغة الخطورة، فهي تُوَلِّد تعصُّبًا ضيِّقًا، وتُغَذِّي في الناس عادةَ التسرُّع في الأحكام، وإذ يتيقَّن أصحاب هذه الحقائق بأنهم على صواب، يستعصي عليهم التعلُّم ويُكَابِرون ويميلون إلى فرضِ حقائقهم قسرًا على الآخرين. كذا تُحَصَّن شَتَّى الأهواء والتحيُّزات الشعبية وتُرَسَّخ، وتصير الخلافات في الرأي على اختلاف مواضيعها مسائل أخلاقية، ويُعَدّ نقدُ المؤمن الحقيقي أيًّا كان إثْمًا، ويصير مَنْ يُعارضه سيِّئًا فضلًا عن كونه مخطِئًا. تُستَخرَجُ بعد هذا العقوبات لتَسْويغ الأحقاد التي تميل إليها الجُمُوع بطبعها على تنوُّع ضروبها، ثم تنتقل هذه الوضعية النفسية والمسالك من دائرة المسائل الدينية لتغدو الروحَ الذي تصطبغ به الجماهير الديمقراطية في معالجتها قضايا الشأن العام كافَّة.
إنّ الجماهير الغَفِيرة من الناس، في الثورات التي خُتِم بها القرن الثامن عشر، حُرِّرَت قبل أن يُحَرَّرَ فِكْرُها فتُلَبْرَل (became liberated before they were liberalized) [...]».
—Everett Dean Martin, Liberty (New York: W. W. Norton & Company, 1930), 123-125.
«من أهم ما أسهمت فيه حركة الإصلاح في فلسفة الحرية في القرن الثامن عشر هو ’حقّ التفسير الفردي‘، إذ غدا الإنجيل الإنجليزي في يد الإنسان العاديّ ميثاقًا للحرية، فأوْقَدَ هذا في الفرد وعيًا أعمقَ بالذات وقاد إلى استقلالٍ جديد في الحُكْم، فأخذَ الإنسانُ يشعر بأنه مسؤول عن مصيره، وأن في مكنته تحدّي سلطة القساوسة على عقله وضميره، فضلًا عن أنه تَمَلَّك بيده ما يستند إليه الآن في نقد أفعال مَن يتقدّمونه ويَعْلُون عليه في المجتمع، وفي الجهْر بآرائه في شؤونٍ لطالما عُدَّت خارجةً عن دائرة معرفته. [...]
ولا رَيْبَ في أن عقائد الإيمان قدَّمت تفسيراتٍ رسمية، ولكن إذ تضاعفت الانقسامات المذهبية تَبِعها في هذا تكاثر تلك العقائد الإيمانية، فأصبح للفرد أن يختار بينها، ولكنّ الاختيار يقتضي النَّقْدَ ضِمْنًا، ومِنَ النَّقْدِ تُشْرَعُ السبيلُ نحو الاستقلال التامّ للفكر، ونحو ليبرالية (أو نزعة تحرُّرية) دينية متحررة شبيهة بما نجد عند هيوم وجيفرسن و[توماس] بين. لقد خضع الإنجيل أولًا للتفسير الشعبي، ثم جرَت محاولاتٌ لعَقْلَنته وتبديد غوامضه ووِجدان عللٍ طبيعية تفسِّر معجزاته المزعومة، ومن ثَمّ عُرِّضَ أخيرًا للنقد والتحليل البَحْثِيّ، ومن هنا بَزَغَ عقلٌ حديثٌ خالِصُ العَلْمَنة، تجاوَزَ الحاجة إلى السلطة والعِصْمة من الخطأ والتَّخْطيء، وغَدا السعيُ إلى الحقيقة منفتحًا، ومنَزَّهًا عن الهوى، وعارِيًا من كلّ مصلحة ليستْ في محلِّها، وصِرْتَ ترى أن أيّ تدخُّل خارجيّ يُعيق تقدُّم المعرفة، أو أي رقابة على نشرها، عُدَّ عدوانًا على الحرية ونُقِمَ عليه. [بقولٍ آخر:] استعادَ العقلُ البشري مغامَرَته الفكريّة — وإنِ اقْتَصَرَ هذا على قِلّة من الناس.
أما إنْ جِئْنَا إلى الأكثرية، فإن حقَّ التفسير الفرديّ كانَ ذا أثر معاكِس، وأوْرَثَ هذه الأكثرية ضِيقَ أفق وشِدَّةً في التعصُّب (illiberality of mind)، فضلًا عن أنه عَزَّز الجهْلَ بإشاعةِ وهْمِ العِصْمة [عند الإنسان العاديّ الذي ينتسب إلى الأكثرية]، وأحاطَ نَظْرَةَ كثيرٍ من الناس بنزعة حَرْفِية (literalism) جامدة تفتقر إلى الخيال، وسَوَّغَ إرادة القوَّة عند الجماهير أو نزوعهم إلى حيازة السلطة، وجَعَلَ مُمْكِنًا استعمالَ الإنجيل سلاحًا لمقاومة انتشار الأفكار الحرَّة. هذا، وليسَ الإنجيل —كما يتصوَّر بعضهم— بذاك الكتاب البسيط الذي يسهل على الجميع فهمه، فإنْ جَلَبَتْ قراءتُه بضربٍ من الإيمان بسيط العزاءَ لكثيرين، فإنها أورثتْ كذلكَ نزاعًا وسوء فهم، فليسَ عسيرًا على الناس أن يُسقِطوا معانيهم هُم على الإنجيل، ثمّ يُعلنوا ما فهموه على أنه كلمة الإله المُلْزِمة لكلّ إنسان. وقد عَنَى التفسير الفرديّ أن أي جماعة من الناس، مهما بلغ بها الجهلُ من شأو، لا تحتاج إلا إلى أن تكون قادرةً على قراءة الإنجيل لتزعم لنفسها حيازة الحقيقة المطلقة التي ليس إلى نُكرانها من سبيل في كلّ مسألة كُبرى من مسائل حياة الإنسان، وهكذا غدا طلبُ الحقيقة عند كثيرين لا يتجاوز التنقيب عن نصوصٍ في كُتُب الدين تؤيِّد معتقداتهم المتحزِّبة. غير أن ’’حقائقَ‘‘ تُكتَسَب بهذه السهولة، وبعقولٍ لم تتهذَّب بآثار القراءة الواسعة ولا بصبر التمحيص في ضروب التعميمات كافَّة، إنما هي حقائق بالغة الخطورة، فهي تُوَلِّد تعصُّبًا ضيِّقًا، وتُغَذِّي في الناس عادةَ التسرُّع في الأحكام، وإذ يتيقَّن أصحاب هذه الحقائق بأنهم على صواب، يستعصي عليهم التعلُّم ويُكَابِرون ويميلون إلى فرضِ حقائقهم قسرًا على الآخرين. كذا تُحَصَّن شَتَّى الأهواء والتحيُّزات الشعبية وتُرَسَّخ، وتصير الخلافات في الرأي على اختلاف مواضيعها مسائل أخلاقية، ويُعَدّ نقدُ المؤمن الحقيقي أيًّا كان إثْمًا، ويصير مَنْ يُعارضه سيِّئًا فضلًا عن كونه مخطِئًا. تُستَخرَجُ بعد هذا العقوبات لتَسْويغ الأحقاد التي تميل إليها الجُمُوع بطبعها على تنوُّع ضروبها، ثم تنتقل هذه الوضعية النفسية والمسالك من دائرة المسائل الدينية لتغدو الروحَ الذي تصطبغ به الجماهير الديمقراطية في معالجتها قضايا الشأن العام كافَّة.
إنّ الجماهير الغَفِيرة من الناس، في الثورات التي خُتِم بها القرن الثامن عشر، حُرِّرَت قبل أن يُحَرَّرَ فِكْرُها فتُلَبْرَل (became liberated before they were liberalized) [...]».
—Everett Dean Martin, Liberty (New York: W. W. Norton & Company, 1930), 123-125.
❤5
Honorius
Photo
«في الناس قلّةٌ فقط ليست تعي أنّ كلَّ طَبْعٍ لا يبلغ ذروته من النَّجَابة ما لم يكن فيه روحُ توقيرٍ وإجلال، فمن بين ضروب الخير الأخلاقيّ كافَّة، لا يصحّ إلا على روح التوقير هذا كخُلُق أن يُوصَف بنَعْتِ الجميل بأصدق ما له من معنًى... إنّه يزدهر في تلكم المرحلة من الحياة السياسية التي تكون فيها العاطفة الغالبة هي الولاء أو التوقير لصاحب السيادة، وحين تتشعّب الأرستقراطية من عرش السيادة مُفْشِيَةً في كل قريةٍ عاداتِ الأدب والخضوع، وحين يكون الروح الثوريّ والديمقراطيّ والشكّيّ جميعًا مجهولًا بعدُ وما له من حضور.
فكلُّ تحوّلٍ عظيمٍ في العقيدة أو في الأحوال على السواء، يأتي لا محالةَ بتحوّلٍ في العواطف. إنّ المجاهرةَ بالحرية بذاتها وتأكيدَها، وتسويةَ الديمقراطية للطبقات، ومِبضَعَ النقد [الذي يأتي على كل شيء بالتحليل]، والثوراتِ الاقتصاديةَ التي تُحوِّل العلاقات بين الطبقات إلى عقودٍ محضة، واحتشاد السكان [في المدن]، وسهولةَ التنقّل التي قَطَّعت أوصال كثير من الروابط القديمة — كلُّ ذلك يتنافى مع ضَرْبِ الفضيلة التي قامت ووُجِدت قبل أن تُكسَر شَوكة التقليد، وقبل أن تُدنَّس عِفّةُ الإيمان.
لقد نمت حولنا خِصالٌ جديدة، كالإحسان، والاستقامة، والجَرَاءة، وصدق الفكر، وحبّ الحرية، وبُغض الخرافة، غير أنَّا نفتّش بلا طائل عن ذلك الطبع البديع الجَمَال من ماضي الأزمان: المترفّعِ عن الثقة بنفسه، والواثقِ بغيره أيّما ثقة، والبسيطِ المتواضعِ الورِع، الذي كان وإنْ أُولِعَ —كإكْسِيُون— بسحابةٍ من الأوهام، يجعل من أوهامه ذاتِها مصدرًا لبعضِ أطهر فضائل طبيعتنا كبشر.
وفي قِلّةٍ من العقول وحدها يُحدثُ التأمّلُ في نظام الطبيعة السَّامي شعورًا بالخشوع والإجلال، أمّا بالنسبة إلى جمهور الناس فالحقيقةُ المؤلمة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي أنّ اكتشافَ القوانين الثابتة المُتحكّمة في الكون قد نزع عن الظواهر معناها الأخلاقي، وأنّ أكثرَ الميادين الاجتماعية والسياسية التي كان يُنَمَّى فيها روحُ التوقير قد زالت.
ولا تجد أبدعَ مظاهر هذا الخُلُق في أممٍ كالفرنسيين المحدثين أو الأمريكيين، الذين ألقَوْا بأنفسهم كلَّ الإلقاء في نَزَعَات هذا العصر، بل تراها في الأصقاع المنعزلة، كهضاب شتايرمارك أو تيرول. وأمّا التعبير عنه فنيًّا فلا نجده في آثار العبقرية الحديثة، بل في الكاتدرائية القوطية القروسطية، التي لم يَنَل منها الزمانُ في شيء إلا أنْ صَقَلها وعَتَّقَها، فما زالت تُطلّ علينا بجمالها الخالد من خَلَلِ قرون الماضي.
إن للعصر المملوء بالخرافة، كسائر أطوار التاريخ الإنسانيّ، فضائلَه الخاصة، ولا بدّ أن تَذْوي هذه قبل أن تُفسَح السبيل لمرحلةٍ جديدةٍ من التقدّم».
—William Edward Lecky, History of European Morals From Augustus to Charlemagne, vol. I. (3rd edt.; New York: D. Appleton and Company, 1897), ch. 1., The Natural History of Morals, 141–43.
فكلُّ تحوّلٍ عظيمٍ في العقيدة أو في الأحوال على السواء، يأتي لا محالةَ بتحوّلٍ في العواطف. إنّ المجاهرةَ بالحرية بذاتها وتأكيدَها، وتسويةَ الديمقراطية للطبقات، ومِبضَعَ النقد [الذي يأتي على كل شيء بالتحليل]، والثوراتِ الاقتصاديةَ التي تُحوِّل العلاقات بين الطبقات إلى عقودٍ محضة، واحتشاد السكان [في المدن]، وسهولةَ التنقّل التي قَطَّعت أوصال كثير من الروابط القديمة — كلُّ ذلك يتنافى مع ضَرْبِ الفضيلة التي قامت ووُجِدت قبل أن تُكسَر شَوكة التقليد، وقبل أن تُدنَّس عِفّةُ الإيمان.
لقد نمت حولنا خِصالٌ جديدة، كالإحسان، والاستقامة، والجَرَاءة، وصدق الفكر، وحبّ الحرية، وبُغض الخرافة، غير أنَّا نفتّش بلا طائل عن ذلك الطبع البديع الجَمَال من ماضي الأزمان: المترفّعِ عن الثقة بنفسه، والواثقِ بغيره أيّما ثقة، والبسيطِ المتواضعِ الورِع، الذي كان وإنْ أُولِعَ —كإكْسِيُون— بسحابةٍ من الأوهام، يجعل من أوهامه ذاتِها مصدرًا لبعضِ أطهر فضائل طبيعتنا كبشر.
وفي قِلّةٍ من العقول وحدها يُحدثُ التأمّلُ في نظام الطبيعة السَّامي شعورًا بالخشوع والإجلال، أمّا بالنسبة إلى جمهور الناس فالحقيقةُ المؤلمة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي أنّ اكتشافَ القوانين الثابتة المُتحكّمة في الكون قد نزع عن الظواهر معناها الأخلاقي، وأنّ أكثرَ الميادين الاجتماعية والسياسية التي كان يُنَمَّى فيها روحُ التوقير قد زالت.
ولا تجد أبدعَ مظاهر هذا الخُلُق في أممٍ كالفرنسيين المحدثين أو الأمريكيين، الذين ألقَوْا بأنفسهم كلَّ الإلقاء في نَزَعَات هذا العصر، بل تراها في الأصقاع المنعزلة، كهضاب شتايرمارك أو تيرول. وأمّا التعبير عنه فنيًّا فلا نجده في آثار العبقرية الحديثة، بل في الكاتدرائية القوطية القروسطية، التي لم يَنَل منها الزمانُ في شيء إلا أنْ صَقَلها وعَتَّقَها، فما زالت تُطلّ علينا بجمالها الخالد من خَلَلِ قرون الماضي.
إن للعصر المملوء بالخرافة، كسائر أطوار التاريخ الإنسانيّ، فضائلَه الخاصة، ولا بدّ أن تَذْوي هذه قبل أن تُفسَح السبيل لمرحلةٍ جديدةٍ من التقدّم».
—William Edward Lecky, History of European Morals From Augustus to Charlemagne, vol. I. (3rd edt.; New York: D. Appleton and Company, 1897), ch. 1., The Natural History of Morals, 141–43.
1❤5
Honorius
Photo
—في ما يلي فِقرات يكتبها لنا صموئيل جونسن عن التعلُّم ونُشدان المعرفة وما قد يثبّط الإنسان من كسل وفتور همّة فيصرفاه عن قصد كهذا:
«من المألوف أن يُرى الشبابُ متوقِّدِي الهمة ومجتهدي العزيمة في طلب المعارف، غير أن دروب الحياة غالبًا ما تفضي بهم إلى التراخي وفُتور الاهتمام، وما هذا شأن مَن لهمُ الحرية في اختيار أعمالهم ومَلَاهيهم فقط، بل يشمل أيضًا من فرضت عليهم مهنهم دراسة الأدب والتبحر في بحوثه، فيقضون الجزء الأخير من أعمارهم بلا نفع يُرجى، ولا تجويد يُسْتَتَمّ، ويُضيعون النهار في سوى ما كان ممكنًا أن يَجِدوه بين كتبهم.
ويُعزى أحيانًا هذا الخفوت في شدّة الفضول إلى قُصور المعرفة، فيُحمَل الرجال على الظنّ أن الأجدر بهم التحلُّلَ من ما يُمارسونه من كَدّ لِما يجدونه من ضياع أعمالهم سدًى، وعلى التوقف عن طلب الحق والحكمة لِما يصيبهم من يأس من نَوَالِهما في نهاية الأمر.
ولكن هذا السبب إنما يُقَرَّر في الغالب تخرُّصًا وبما يجانب الصواب، إذ يُقال في شأن التعلُّم كما في شأن الفضيلة إنهما يُكرَّمَان ويُهملان في آن واحد، ومَن تَرَك التعلُّم لا يفتأ يلتفت إليه بنظرةِ شوقٍ، وينوح على الفَقْد الذي لم يجتهد في تقويمه، ويشتهي الخير الذي يعجز عن الإمساك به والحفاظ عليه لافتقاره إلى ما يُحتَاج إليه من عَزْم. أما العاطل المُتَبَطِّل فَلا يُثني على تَبَطُّل نفسه، ولا ترى أحدًا يندم على اجتهاده وجِدّه في شبابه. [...]
إن من أجَلِّ ما يمنح التعلُّم فضلًا على غيره أنه لا يستَمِدُّ إلا قليلًا من الزمان أو المكان، فهو لا يُقيَّد بفصلٍ ولا بمناخ، ولا يُحبَس في المدن ولا يُحَدّ بالريف، بل يُنَمَّى ويُستمتع به حيثُ تنقطع سائر اللذائذ وتُحجب المَسَرّات. غير أن هذه الخَصْلة التي تُكوّن معظم قيمته قد تغدو هي بعينها سببًا في إهماله، إذ ما كان يُمكن فعله في كل حينٍ على السواء، يُؤجَّل من يومٍ إلى يوم، حتى تألفَ النفسُ التَّرْكَ رويدًا رويدًا، وتطمئنّ إلى التقصير، فتنصرف العناية إلى شواغلَ أُخَر. كذا يستحكم التبطُّل الذي يأخذ صورة العادة، فيَعْسُر قَهْرُه، وتنكمش النفسُ من مجرد فكرةِ الكدّ العقليّ وشدّة التأمل.
ولا سبيل إلى نُكران أنَّ الذين يزعمون خدمة التعلُّم قد لا تكون ثمرة خدمتهم إلا الصدّ عنه، فتناسل الكُتب وتكاثر تصنيفها يُورِث الخيبة في التقصِّي فضلًا عنه أنه يُضاعف الحيرة في الاختيار، ثم إن الرجل الذي ملأ ذهنه بصور المعاني وأمثلتها بشيء من الاعتدال، قلَّ أن يجد بين الكُتَّاب جديدًا يُغريه، فما يضيفه هؤلاء إلى الرصيد العام من العلم يكون غالبًا مدفونًا تحت ركام من المقولات المكرورة، حتى كأنّه فضّةٌ ممزوجة برصاصٍ خامٍ لا يستحثّ القَدْر اليسير منها المرء على بذل عناء التنقية والاستخلاص، ومَن طال عليه الخداع بوعودٍ تحمل عليه لقبًا ما، ملَّ أخيرًا التفتيشَ والمراجعة، واستسلم لتوهُّم أنّ الكُلَّ باطلٌ في باطل.
لا ريب أنّ في التكرار ما يُباح على الدوام، وبخاصة ما كان منه لا يُوقِعُ في خداع. ومن هذا مثلًا أن مَنْ يكتب في أخبار الأزمان الماضية إنما يتكفّل بتزيين الوقائع المعروفة بالجديد من حُسن المنهج أو رونق الأسلوب، وقد يزيدها بيانًا بما يُبديه من تأملاته ونظراته. وصاحبُ نَسَقٍ من الأنساق، سواء أكان في الأخلاق أم في الطبيعيات، لا يُطلب منه أكثر من إحكام الاختيار واطّراد الترتيب. ولكن يوجد آخرون ينتحلون اسمَ المؤلفين ليَشِينُوه، ويملؤون الدنيا بتآليفَ ومجلّدات لا يُراد بها إلا أن تُوَارِي الحروفَ تحت ركامِ غَثاثتهم وزُبَالتهم، فذاك الرحّالة الذي يُسطِّر في مجلد ضخمٍ مُبَهرج أنّه رأى البانثيون في روما، وتمثال فينوس المِديتشي في إفلورنسة، ومؤرخ الطبيعة ذاك الذي يصف خيرات جزيرة صغيرة، ثم يسرد ما تشترك فيه مع سائر أقاليم الأرض بدلًا من ما يخصّها، وذاك الجامع للآثار الذي يَعُدّ كلَّ ما تُلقيه أنقاضُ هِرْكُلانِيُوم آيةً فريدة، ولو كان مجرَّد أداةٍ مألُوفة عُرضت في ألف متحف، أو كأسًا يشرب بها القديمُ والحديثُ وسائر الناس — هؤلاء جميعًا أحقّ أن يُذمّوا بوصفهم البُغَاةَ على طلاب العلم، وسارقي الزمن الذي لا يُستردُّ أبدًا».
—Samuel Johnson, The Idler, Obstructions of Learning, No. 94. Saturday, Feb. 2, 1760.
«من المألوف أن يُرى الشبابُ متوقِّدِي الهمة ومجتهدي العزيمة في طلب المعارف، غير أن دروب الحياة غالبًا ما تفضي بهم إلى التراخي وفُتور الاهتمام، وما هذا شأن مَن لهمُ الحرية في اختيار أعمالهم ومَلَاهيهم فقط، بل يشمل أيضًا من فرضت عليهم مهنهم دراسة الأدب والتبحر في بحوثه، فيقضون الجزء الأخير من أعمارهم بلا نفع يُرجى، ولا تجويد يُسْتَتَمّ، ويُضيعون النهار في سوى ما كان ممكنًا أن يَجِدوه بين كتبهم.
ويُعزى أحيانًا هذا الخفوت في شدّة الفضول إلى قُصور المعرفة، فيُحمَل الرجال على الظنّ أن الأجدر بهم التحلُّلَ من ما يُمارسونه من كَدّ لِما يجدونه من ضياع أعمالهم سدًى، وعلى التوقف عن طلب الحق والحكمة لِما يصيبهم من يأس من نَوَالِهما في نهاية الأمر.
ولكن هذا السبب إنما يُقَرَّر في الغالب تخرُّصًا وبما يجانب الصواب، إذ يُقال في شأن التعلُّم كما في شأن الفضيلة إنهما يُكرَّمَان ويُهملان في آن واحد، ومَن تَرَك التعلُّم لا يفتأ يلتفت إليه بنظرةِ شوقٍ، وينوح على الفَقْد الذي لم يجتهد في تقويمه، ويشتهي الخير الذي يعجز عن الإمساك به والحفاظ عليه لافتقاره إلى ما يُحتَاج إليه من عَزْم. أما العاطل المُتَبَطِّل فَلا يُثني على تَبَطُّل نفسه، ولا ترى أحدًا يندم على اجتهاده وجِدّه في شبابه. [...]
إن من أجَلِّ ما يمنح التعلُّم فضلًا على غيره أنه لا يستَمِدُّ إلا قليلًا من الزمان أو المكان، فهو لا يُقيَّد بفصلٍ ولا بمناخ، ولا يُحبَس في المدن ولا يُحَدّ بالريف، بل يُنَمَّى ويُستمتع به حيثُ تنقطع سائر اللذائذ وتُحجب المَسَرّات. غير أن هذه الخَصْلة التي تُكوّن معظم قيمته قد تغدو هي بعينها سببًا في إهماله، إذ ما كان يُمكن فعله في كل حينٍ على السواء، يُؤجَّل من يومٍ إلى يوم، حتى تألفَ النفسُ التَّرْكَ رويدًا رويدًا، وتطمئنّ إلى التقصير، فتنصرف العناية إلى شواغلَ أُخَر. كذا يستحكم التبطُّل الذي يأخذ صورة العادة، فيَعْسُر قَهْرُه، وتنكمش النفسُ من مجرد فكرةِ الكدّ العقليّ وشدّة التأمل.
ولا سبيل إلى نُكران أنَّ الذين يزعمون خدمة التعلُّم قد لا تكون ثمرة خدمتهم إلا الصدّ عنه، فتناسل الكُتب وتكاثر تصنيفها يُورِث الخيبة في التقصِّي فضلًا عنه أنه يُضاعف الحيرة في الاختيار، ثم إن الرجل الذي ملأ ذهنه بصور المعاني وأمثلتها بشيء من الاعتدال، قلَّ أن يجد بين الكُتَّاب جديدًا يُغريه، فما يضيفه هؤلاء إلى الرصيد العام من العلم يكون غالبًا مدفونًا تحت ركام من المقولات المكرورة، حتى كأنّه فضّةٌ ممزوجة برصاصٍ خامٍ لا يستحثّ القَدْر اليسير منها المرء على بذل عناء التنقية والاستخلاص، ومَن طال عليه الخداع بوعودٍ تحمل عليه لقبًا ما، ملَّ أخيرًا التفتيشَ والمراجعة، واستسلم لتوهُّم أنّ الكُلَّ باطلٌ في باطل.
لا ريب أنّ في التكرار ما يُباح على الدوام، وبخاصة ما كان منه لا يُوقِعُ في خداع. ومن هذا مثلًا أن مَنْ يكتب في أخبار الأزمان الماضية إنما يتكفّل بتزيين الوقائع المعروفة بالجديد من حُسن المنهج أو رونق الأسلوب، وقد يزيدها بيانًا بما يُبديه من تأملاته ونظراته. وصاحبُ نَسَقٍ من الأنساق، سواء أكان في الأخلاق أم في الطبيعيات، لا يُطلب منه أكثر من إحكام الاختيار واطّراد الترتيب. ولكن يوجد آخرون ينتحلون اسمَ المؤلفين ليَشِينُوه، ويملؤون الدنيا بتآليفَ ومجلّدات لا يُراد بها إلا أن تُوَارِي الحروفَ تحت ركامِ غَثاثتهم وزُبَالتهم، فذاك الرحّالة الذي يُسطِّر في مجلد ضخمٍ مُبَهرج أنّه رأى البانثيون في روما، وتمثال فينوس المِديتشي في إفلورنسة، ومؤرخ الطبيعة ذاك الذي يصف خيرات جزيرة صغيرة، ثم يسرد ما تشترك فيه مع سائر أقاليم الأرض بدلًا من ما يخصّها، وذاك الجامع للآثار الذي يَعُدّ كلَّ ما تُلقيه أنقاضُ هِرْكُلانِيُوم آيةً فريدة، ولو كان مجرَّد أداةٍ مألُوفة عُرضت في ألف متحف، أو كأسًا يشرب بها القديمُ والحديثُ وسائر الناس — هؤلاء جميعًا أحقّ أن يُذمّوا بوصفهم البُغَاةَ على طلاب العلم، وسارقي الزمن الذي لا يُستردُّ أبدًا».
—Samuel Johnson, The Idler, Obstructions of Learning, No. 94. Saturday, Feb. 2, 1760.
❤14👏3
لا تكْتَرث بفراق أوطانِ الصِّبَا
فعَسَى تَنالُ بغيرهنّ سُعُودَا
فالدُّرُّ يُنْظَم عند فَقْدِ بِحَاره
بجَمِيل أجْيَاد الحِسَانِ عُقُودَا
—بيتَان منسوبان إلى ابن ميمون القرطبيّ يقتبسهما المقرّي التلمساني في كتابه نَفْح الطِّيب من غصن الأندلس الرَّطِيب، تح. محمد محيي الدين عبد الحميد (ط1؛ مصر: مطبعة السعادة، 1949)، ج1، 43.
ينسب البيتان أنفسهما لويس شيخو خطأً (في كتابه شعراء النصرانية بعد الإسلام) إلى ابن الإفرنجية.
فعَسَى تَنالُ بغيرهنّ سُعُودَا
فالدُّرُّ يُنْظَم عند فَقْدِ بِحَاره
بجَمِيل أجْيَاد الحِسَانِ عُقُودَا
—بيتَان منسوبان إلى ابن ميمون القرطبيّ يقتبسهما المقرّي التلمساني في كتابه نَفْح الطِّيب من غصن الأندلس الرَّطِيب، تح. محمد محيي الدين عبد الحميد (ط1؛ مصر: مطبعة السعادة، 1949)، ج1، 43.
ينسب البيتان أنفسهما لويس شيخو خطأً (في كتابه شعراء النصرانية بعد الإسلام) إلى ابن الإفرنجية.
❤18
—دونك فِقرات ثاقبات ومختارات نترجمهنّ بشيء من التصرف عن ’الإنسان المتوسِّط‘ (mediocre man)، وسنقول «الرجل» بدلًا من الإنسان:
«يُكِنّ الرجل المتوسِّط أعمقَ احترام لمن اشتَهر، أيًّا كان سبب شهرته، ولمن كَثُر المطبوعُ له من كتب، وتراه يسعى إلى التقرُّب من ألَدِّ أعدائه إنْ ذاعَ صيتُه، أما أوفى أصدقائه فلا يُقيم له وزْنًا إنْ لم يلْهَجِ الناسُ بذِكْره.
ولا يخطر ببالِ الإنسان المتوسِّط أن إنسانًا ما زال مغمورًا أو مجهولًا، فقيرًا، يُزاحَمُ في الطريق، ويُعامَلُ بلا تكلُّف ولا كِيَاسة، ويُخاطَبُ دونما توقير، قد يكون رجلًا عبقريًّا في حقيقة الأمر... ولا يجرؤ الإنسان المتوسِّط على المبادرة في أي شيء، فإعجاباته حذِرة، وإنْ تَحَمَّس بَدَا بمظهر رسميّ، وهو إلى هذا يحتقر الشباب، لكنّ الدنيا متى ما أقَرَّت لكَ بعظمتك، رأيتَه يصيح قائلًا: «تنبَّأتُ بهذا أصلًا!»، أما أن يقولَ بإزاء فَجْرِ إنسانٍ لم يجرِ ذِكْرُه بين الناس بعدُ: «هنا المجدُ والمستقبل!»، فهذا ما لا يفعله أبدًا. متى ما وجدتَ إنسانًا يستطيع أن يقول لعامِلٍ مجهول: «أَيَا بني، إنك عبقريّ!»، فهذا مَن يستحقّ الخلودَ الذي يَعِدُ به، وقد قالَ رَفَايِلّو في هذا: «أن تفهَمَ يعني أن تكون نظيرًا».
وحتى لو كانَ للرجل المتوسِّط شيءٌ من المهارة، أو وُهِبَ شيئًا من الموهبة، فإنّ الحدْسَ يظلُّ محرَّمًا عليه، فهو معدوم البصيرة (seconde vue)، ولن يتوفَّر له منها شيءٌ أبدًا، وحتى لو تعلَّم، فإنه لا ينفذ إلى الأشياء ولا يستطيع التنبؤ بها، ولو أقَرَّ بفكرة لم يتتبَّعها في مختلِف وجوه تطبيقها، وإنْ عُرِضت عليه بعبارتٍ أخرى جَهلَها ورَدَّها، أمَّا إنْ سَلَّمَ بمبدأ ما فستراه يقول لك متى ما جِئته بنتائجه المنطقية: «إنَّك تُغَالِي!».
... والرجل المتوسِّط يمقت الكاثوليكية، إذ يَراهَا مبالغًا فيها أيضًا، ويفضِّل عليها البروتستانتية ظانًّا أنها دينُ الاعتدال. إنه صديقٌ لكل مبدأ كما أنه صديق لكلّ ما يناقضه.
ولقد يُجِلّ الرجل المتوسِّط أهلَ الفضيلة وأصحاب المواهب، ولكنه لا يحمل سوى الخوف والاشمئزاز نحو القدِّيسين والعباقرة، فهو يراهم أهل غلوّ.
... هذا ولا يمكن الإنسان الذي أحَبَّ حقًّا أن يكون متوسِّطًا يومًا ما. أما مَن كان متوسِّطًا على الحقيقة فإنه يُعجَب قليلًا بكلّ شيء، ويرْعَوِي عن الإعجاب بأيّ شيء بحرارة صادقة، وإنْ عَرَضْتَ عليه أفكارَهُ نفسَها مَصُوغةً بقَدر من الحماسة، ألْفَيْتَهُ وقد استاء منك وقال إنك تُغَالي مرةً أخرى، وهو بحاله هذه يُؤْثِر أعداءَه إنْ كانوا باردين على أصدقائه إن أظهروا شيئًا من الحرارة. لا يكره الإنسانُ المتوسِّط شيئًا ككرهه الحرارة.
... ويحبّ الرجل المتوسِّط الكُتَّابَ الذين لا يقولون في أي مسألة «نعم» أو «لا»، ولا يُثْبِتون شيئًا، ويسمحون بالآراء المتناقضة كافَّة، ولهذا قد يُعجَب في الآن نفسه بڤولتير وروسّو وبوسويه، ويرى في كلّ تقريرٍ وقاحة وغطرسة، لا لشيء إلا لأن كل تقرير يقتضي إقصاء نقيضه، أما إنْ كنتَ قليل العداوة وقليل الصداقة تجاه كل شيء، عَدَّكَ حكيمًا مُحتَاطًا وأُعجِبَ برهافة فِكْرك وقال إنك تمتلك موهبة التنقُّل بين الأمور وتمييز الدقائق. [...] وإنْ حَمَل المرءُ شكًّا في شيء، لمْ يَجُز أن يُسَمَّى باسمه، بل عليه أن يُلَبَّسَ بتسمية ’الرأي المتواضع‘ الذي يُدِيم لنقيضه حقَّه، وهو إنْ بَدَا يقول شيئًا ذا بال فإنه لا يقول شيئًا ألبتة في واقع الأمر. وكذا يُطلَب منا أن نضيف إلى كل عبارة حشْوًا تلطيفيًّا: «يبدو لي»، و«إنْ صَحَّ القول»، و«إنْ جازَ التعبير».
... وإنْ أرادَ الرجل المتوسِّط أن يحكمَ على كتاب، تعلَّقت أول كلمة ينطق بها بتفصيل صغير دائمًا، غالبًا ما يكون تفصيلًا في الأسلوب. ومتى ما قال «إنه مكتوب جيدًا»، كان الأسلوب سَلِسًا، فاتِرًا، عديم اللون خائر الجرأة، أما إنْ دَبَّتِ الحياةُ في عملك، وأنشأتَ لغتَكَ وأنت تتكلم، وعبَّرتَ عن أفكارك بذلك العنفوان الذي هو صَفَاء الكاتب وخُلُوصه (franchise)، قال «إنَّ كتابتَك رديئة».
ويحبّ الرجل المتوسِّط الأدبَ المفتقر إلى أيّ شخصية (impersonnelle)، ويكره الكتبَ التي تجبره على التفكير. إنه يحبّ الكتب التي تشبه سائر سواها، وتُناسِب عاداته، ولا تفكِّك قوالبه، ولا تخرُج عن أفقه، أي تلك التي تُعرَف على ظهر القلب قبل أن تُقرَأ، لكونها لا تختلف عن سائر الكتب التي قرأها المرءُ مذ تعلَّم القراءة. [...]
يقول الرجل المتوسِّط إن في كل شيء خيرًا وشرًّا، وإن علينا أن لا نكون أصحابَ أحكامٍ مطلَقة، وهكذا دواليك، فإذا أكَّدتَ الحقيقة بشيء من الجَزْم، قال إنك تثق بنفسك أكثر من اللازم، وهو على ما فيه من كِبرياء (orgueil) لا يدري حقًّا ما الكبرياء، فيجمعها مع التواضع، ويخضع لڤولتير، ويتمرَّد على الكنيسة متخذًا شعارًا صرخة يُوآب [يومَ وصفَ الشعب العبريّ في تراجيديا راسين أتالي]: ’’جريءٌ على الله وحده!‘‘».
«يُكِنّ الرجل المتوسِّط أعمقَ احترام لمن اشتَهر، أيًّا كان سبب شهرته، ولمن كَثُر المطبوعُ له من كتب، وتراه يسعى إلى التقرُّب من ألَدِّ أعدائه إنْ ذاعَ صيتُه، أما أوفى أصدقائه فلا يُقيم له وزْنًا إنْ لم يلْهَجِ الناسُ بذِكْره.
ولا يخطر ببالِ الإنسان المتوسِّط أن إنسانًا ما زال مغمورًا أو مجهولًا، فقيرًا، يُزاحَمُ في الطريق، ويُعامَلُ بلا تكلُّف ولا كِيَاسة، ويُخاطَبُ دونما توقير، قد يكون رجلًا عبقريًّا في حقيقة الأمر... ولا يجرؤ الإنسان المتوسِّط على المبادرة في أي شيء، فإعجاباته حذِرة، وإنْ تَحَمَّس بَدَا بمظهر رسميّ، وهو إلى هذا يحتقر الشباب، لكنّ الدنيا متى ما أقَرَّت لكَ بعظمتك، رأيتَه يصيح قائلًا: «تنبَّأتُ بهذا أصلًا!»، أما أن يقولَ بإزاء فَجْرِ إنسانٍ لم يجرِ ذِكْرُه بين الناس بعدُ: «هنا المجدُ والمستقبل!»، فهذا ما لا يفعله أبدًا. متى ما وجدتَ إنسانًا يستطيع أن يقول لعامِلٍ مجهول: «أَيَا بني، إنك عبقريّ!»، فهذا مَن يستحقّ الخلودَ الذي يَعِدُ به، وقد قالَ رَفَايِلّو في هذا: «أن تفهَمَ يعني أن تكون نظيرًا».
وحتى لو كانَ للرجل المتوسِّط شيءٌ من المهارة، أو وُهِبَ شيئًا من الموهبة، فإنّ الحدْسَ يظلُّ محرَّمًا عليه، فهو معدوم البصيرة (seconde vue)، ولن يتوفَّر له منها شيءٌ أبدًا، وحتى لو تعلَّم، فإنه لا ينفذ إلى الأشياء ولا يستطيع التنبؤ بها، ولو أقَرَّ بفكرة لم يتتبَّعها في مختلِف وجوه تطبيقها، وإنْ عُرِضت عليه بعبارتٍ أخرى جَهلَها ورَدَّها، أمَّا إنْ سَلَّمَ بمبدأ ما فستراه يقول لك متى ما جِئته بنتائجه المنطقية: «إنَّك تُغَالِي!».
... والرجل المتوسِّط يمقت الكاثوليكية، إذ يَراهَا مبالغًا فيها أيضًا، ويفضِّل عليها البروتستانتية ظانًّا أنها دينُ الاعتدال. إنه صديقٌ لكل مبدأ كما أنه صديق لكلّ ما يناقضه.
ولقد يُجِلّ الرجل المتوسِّط أهلَ الفضيلة وأصحاب المواهب، ولكنه لا يحمل سوى الخوف والاشمئزاز نحو القدِّيسين والعباقرة، فهو يراهم أهل غلوّ.
... هذا ولا يمكن الإنسان الذي أحَبَّ حقًّا أن يكون متوسِّطًا يومًا ما. أما مَن كان متوسِّطًا على الحقيقة فإنه يُعجَب قليلًا بكلّ شيء، ويرْعَوِي عن الإعجاب بأيّ شيء بحرارة صادقة، وإنْ عَرَضْتَ عليه أفكارَهُ نفسَها مَصُوغةً بقَدر من الحماسة، ألْفَيْتَهُ وقد استاء منك وقال إنك تُغَالي مرةً أخرى، وهو بحاله هذه يُؤْثِر أعداءَه إنْ كانوا باردين على أصدقائه إن أظهروا شيئًا من الحرارة. لا يكره الإنسانُ المتوسِّط شيئًا ككرهه الحرارة.
... ويحبّ الرجل المتوسِّط الكُتَّابَ الذين لا يقولون في أي مسألة «نعم» أو «لا»، ولا يُثْبِتون شيئًا، ويسمحون بالآراء المتناقضة كافَّة، ولهذا قد يُعجَب في الآن نفسه بڤولتير وروسّو وبوسويه، ويرى في كلّ تقريرٍ وقاحة وغطرسة، لا لشيء إلا لأن كل تقرير يقتضي إقصاء نقيضه، أما إنْ كنتَ قليل العداوة وقليل الصداقة تجاه كل شيء، عَدَّكَ حكيمًا مُحتَاطًا وأُعجِبَ برهافة فِكْرك وقال إنك تمتلك موهبة التنقُّل بين الأمور وتمييز الدقائق. [...] وإنْ حَمَل المرءُ شكًّا في شيء، لمْ يَجُز أن يُسَمَّى باسمه، بل عليه أن يُلَبَّسَ بتسمية ’الرأي المتواضع‘ الذي يُدِيم لنقيضه حقَّه، وهو إنْ بَدَا يقول شيئًا ذا بال فإنه لا يقول شيئًا ألبتة في واقع الأمر. وكذا يُطلَب منا أن نضيف إلى كل عبارة حشْوًا تلطيفيًّا: «يبدو لي»، و«إنْ صَحَّ القول»، و«إنْ جازَ التعبير».
... وإنْ أرادَ الرجل المتوسِّط أن يحكمَ على كتاب، تعلَّقت أول كلمة ينطق بها بتفصيل صغير دائمًا، غالبًا ما يكون تفصيلًا في الأسلوب. ومتى ما قال «إنه مكتوب جيدًا»، كان الأسلوب سَلِسًا، فاتِرًا، عديم اللون خائر الجرأة، أما إنْ دَبَّتِ الحياةُ في عملك، وأنشأتَ لغتَكَ وأنت تتكلم، وعبَّرتَ عن أفكارك بذلك العنفوان الذي هو صَفَاء الكاتب وخُلُوصه (franchise)، قال «إنَّ كتابتَك رديئة».
ويحبّ الرجل المتوسِّط الأدبَ المفتقر إلى أيّ شخصية (impersonnelle)، ويكره الكتبَ التي تجبره على التفكير. إنه يحبّ الكتب التي تشبه سائر سواها، وتُناسِب عاداته، ولا تفكِّك قوالبه، ولا تخرُج عن أفقه، أي تلك التي تُعرَف على ظهر القلب قبل أن تُقرَأ، لكونها لا تختلف عن سائر الكتب التي قرأها المرءُ مذ تعلَّم القراءة. [...]
يقول الرجل المتوسِّط إن في كل شيء خيرًا وشرًّا، وإن علينا أن لا نكون أصحابَ أحكامٍ مطلَقة، وهكذا دواليك، فإذا أكَّدتَ الحقيقة بشيء من الجَزْم، قال إنك تثق بنفسك أكثر من اللازم، وهو على ما فيه من كِبرياء (orgueil) لا يدري حقًّا ما الكبرياء، فيجمعها مع التواضع، ويخضع لڤولتير، ويتمرَّد على الكنيسة متخذًا شعارًا صرخة يُوآب [يومَ وصفَ الشعب العبريّ في تراجيديا راسين أتالي]: ’’جريءٌ على الله وحده!‘‘».
❤9👍2
Honorius
—دونك فِقرات ثاقبات ومختارات نترجمهنّ بشيء من التصرف عن ’الإنسان المتوسِّط‘ (mediocre man)، وسنقول «الرجل» بدلًا من الإنسان: «يُكِنّ الرجل المتوسِّط أعمقَ احترام لمن اشتَهر، أيًّا كان سبب شهرته، ولمن كَثُر المطبوعُ له من كتب، وتراه يسعى إلى التقرُّب من ألَدِّ…
—Ernest Hello, L'homme: la vie—la science—l'art (7th edt.; Paris: Librairie Académique Didier, 1903), L'homme médiocre, 58-61.
(قد أترجم مزيدًا من فصْل إرنست إيلو هذا لاحقًا، فهو بديع).
(قد أترجم مزيدًا من فصْل إرنست إيلو هذا لاحقًا، فهو بديع).
❤8👍1
Honorius
—دونك فِقرات ثاقبات ومختارات نترجمهنّ بشيء من التصرف عن ’الإنسان المتوسِّط‘ (mediocre man)، وسنقول «الرجل» بدلًا من الإنسان: «يُكِنّ الرجل المتوسِّط أعمقَ احترام لمن اشتَهر، أيًّا كان سبب شهرته، ولمن كَثُر المطبوعُ له من كتب، وتراه يسعى إلى التقرُّب من ألَدِّ…
يذكّرني هذا الفصل بكتاب منسيّ —ضدّ الدهماء— ذي نبرة أحَدّ ولعلها أمْتَع بكثير لمؤلِّف لا يكاد يتذكره ولا يعرفه أحد اليوم: روبير بوليه.
1❤10