Honorius
«يكْفِي المرءَ فكرةٌ واحدة، أو ذِكْرى مُفردة، أو عاطفةٌ وحيدة، أو زفرةٌ تنهض من باطنه — حتى يُمَدّ بينه وبين مَن يلتفّ به من رِفاق ضاحكين ولاهِجِين ما بين سلاسِل الجبال ولُجَج البِحار. وحسْبك في أيّما مجلسٍ ضَمَّك وكنتَ فيه أنْ تُحَدِّثَ نفسَك: هُوَ ذا ضوءُ…
*بخصوص ريش النعش: لعله إشارة إلى ما كان يوضع من ريش نعام على العربة التي حملت نعش الميت في بريطانيا الڤكتورية.
❤2
«إننا لَمُبْتَلون أبدًا ما دامت أنفاسنا، فعلى المكاره سنُدَرَّب، وبالشداد سنُذَلّ، وبالامتحانات سنُجَرَّب، وبالنَّوَازِل سنُعَذَب. وما للفضيلة فينا من مَحَكّ إلا الصبر، فإنما واجبنا أن نحتمل الحياةَ حتى بعد تنطفئ الأوهام، وتنقضي الآمال، وأن نرضى بمقامِ الحربِ الدائمة هذا ونحن لا حُبَّ لنا إلا السِّلْم، وأن نَمْكُث في الدنيا صابرين حتى وإنْ نَفَّرَتْنا خِسَّة الخُلَّان، وبَدَتْ حَلْبَةً تعجُّ بوضيع الأهواء، وأنْ نَثْبت على إيماننا من دون أن نقطع مع أتباع الزائف من الآلهة، وأنْ لا نتلَّمس مهربًا من مارِستان الإنسان، صابرين فيه ومتجَلِّدين طويلًا كأيُّوب فوق الدِّمْنة. فإنْ خَلَتِ الحياة من ما تعدنا به، ظلَّت ضرْبًا من التكليف، وكان اسمها الأصدق ’المِحْنة‘».
—Amiel, Journal Intime, 29 Jan., 1866.
—Amiel, Journal Intime, 29 Jan., 1866.
❤12👏2
محاولة تَصَيُّد معلومة أو تفصيلة أو جزئيَّة واحدة، فتَتَقافَزُ من أجلها بين كتاب وكتاب، وفصل ومقال، ورسالة وبَيَان، وتُؤخَذ من يدك إلى جزئية ثانية وثالثة وتاسعة، فتَرَى الساعات قُضِيت دونما كَلَل وشعور — هذه نِعْمة وغِبْطة عَزّ أن يبلغ شأوَها إلا النادر من الأشياء.
❤24👍2
https://www.youtube.com/watch?v=PK7NZ3KLPWk
متى ما استمعتَ إلى مقطوعة دينية (مقدَّسة) لباخ، شعرتَ أن الدنيا كلها لا تليق، وأن الأفعال كلها سافلة، وأن الأجدر بالإنسان أن يتخذ له بقعة في العَرَاء يقضي فيها سائر حياته بحال من الخشوع والعبادة وتَوْقٍ إلى وُجود من نوع آخر.
متى ما استمعتَ إلى مقطوعة دينية (مقدَّسة) لباخ، شعرتَ أن الدنيا كلها لا تليق، وأن الأفعال كلها سافلة، وأن الأجدر بالإنسان أن يتخذ له بقعة في العَرَاء يقضي فيها سائر حياته بحال من الخشوع والعبادة وتَوْقٍ إلى وُجود من نوع آخر.
❤11
Honorius
https://www.youtube.com/watch?v=PK7NZ3KLPWk متى ما استمعتَ إلى مقطوعة دينية (مقدَّسة) لباخ، شعرتَ أن الدنيا كلها لا تليق، وأن الأفعال كلها سافلة، وأن الأجدر بالإنسان أن يتخذ له بقعة في العَرَاء يقضي فيها سائر حياته بحال من الخشوع والعبادة وتَوْقٍ إلى وُجود…
“Komm, süßer Tod, komm selge Ruh!
Komm führe mich in Friede,
weil ich der Welt bin müde,
ach komm! ich wart auf dich,
komm bald und führe mich,
drück mir die Augen zu.
Komm, selge Ruh! . . .”
Komm führe mich in Friede,
weil ich der Welt bin müde,
ach komm! ich wart auf dich,
komm bald und führe mich,
drück mir die Augen zu.
Komm, selge Ruh! . . .”
❤2😢2💘1
—On Stefan George, in: Wolf Lepenies, Between Literature and Science: The Rise of Sociology (Cambridge: Cambridge University Press, 1988), 258-9.
Honorius
Photo
Lepenies is an extremely interesting scholar, even though you only seldom find him mentioned here or there. The original title of that work of his is actually The Three Cultures: Sociology between Literature and Science. Regarding sociology, he has another edited four-volume History of Sociology (Geschichte der Soziologie), with the fuller title being, History of Sociology: Studies on the Cognitive, Social, and Historical Identity of a Discipline (Geschichte der Soziologie: Studien zur kognitiven, sozialen und historischen Identität einer Disziplin).
But this is only an impression not fully ripe.
But this is only an impression not fully ripe.
❤3
Honorius
جورج إِلْيِت عن أعلى غاية في التربية، وعن أحكم المُرَبِّين، وعن أشدّ الكُتَّاب تأثيرًا (تجهيزًا لكلامها على توماس كارلايل). —George Eliot, “Thomas Carlyle,” in Essays of George Eliot, ed. Thomas Pinney (London: Routledge and Kegan Paul, 1963), 213.
إلى مَنْ لم ‹يعجبه› الكلام فأعطاه إبهامًا مقلوبًا: كِدتُ أقتبسُ وصْفًا لحالك أبياتًا تهجوكَ هجاءً مُرًّا كالعلقم، لكنني أمْسَكتُ عن هذا تعَقُّلًا.
(نقصد هذا بشيء من المزاح، وإلا فالأمر هيِّنٌ ولا نلقي إليه ببال).
(نقصد هذا بشيء من المزاح، وإلا فالأمر هيِّنٌ ولا نلقي إليه ببال).
🤡6👍3👎3❤2🥰1
«كل أذن تأخذ مما تسمع على قدْر طبع صاحبها وعلمه، يعني أن الجاهل إذا سمع شيئًا لم يفهَمْهُ ولم يعلمْهُ، وكلّ أحدٍ على قدر علمه وطبعه يعلم ما يسمع، وإذا عابَ إنسانٌ قولًا صحيحًا فذلك لأنه لم يفهمه ولم يقف عليه، والقريحة أوّل ما ينبع من الماء، وقريحة الرجل طبيعته، والمعنى أن أذن كلّ أحدٍ تدرك من الكلام ما ينبّهه عليه طبعه».
—فريدرِخ ديتريصي، ديوان أبي الطيب المتنبي وفي أثناء متنه شرح الإمام العلّامة الواحديّ (برلين المحروسة: 1861)، 339.
—فريدرِخ ديتريصي، ديوان أبي الطيب المتنبي وفي أثناء متنه شرح الإمام العلّامة الواحديّ (برلين المحروسة: 1861)، 339.
❤10💯2
—في ما يلي فِقرات عن مفارقة تحوُّل ما يُظَنّ أنه ’’تحرُّر للفكر‘‘ عند الأقلية إلى قصور نظر وضيق أفق وجُمود رأي عند الأكثرية يُحيل ’’الشخصيّ‘‘ مسألة وجودية وأخلاقية ويحاول مَحْقَ الجميع:
«من أهم ما أسهمت فيه حركة الإصلاح في فلسفة الحرية في القرن الثامن عشر هو ’حقّ التفسير الفردي‘، إذ غدا الإنجيل الإنجليزي في يد الإنسان العاديّ ميثاقًا للحرية، فأوْقَدَ هذا في الفرد وعيًا أعمقَ بالذات وقاد إلى استقلالٍ جديد في الحُكْم، فأخذَ الإنسانُ يشعر بأنه مسؤول عن مصيره، وأن في مكنته تحدّي سلطة القساوسة على عقله وضميره، فضلًا عن أنه تَمَلَّك بيده ما يستند إليه الآن في نقد أفعال مَن يتقدّمونه ويَعْلُون عليه في المجتمع، وفي الجهْر بآرائه في شؤونٍ لطالما عُدَّت خارجةً عن دائرة معرفته. [...]
ولا رَيْبَ في أن عقائد الإيمان قدَّمت تفسيراتٍ رسمية، ولكن إذ تضاعفت الانقسامات المذهبية تَبِعها في هذا تكاثر تلك العقائد الإيمانية، فأصبح للفرد أن يختار بينها، ولكنّ الاختيار يقتضي النَّقْدَ ضِمْنًا، ومِنَ النَّقْدِ تُشْرَعُ السبيلُ نحو الاستقلال التامّ للفكر، ونحو ليبرالية (أو نزعة تحرُّرية) دينية متحررة شبيهة بما نجد عند هيوم وجيفرسن و[توماس] بين. لقد خضع الإنجيل أولًا للتفسير الشعبي، ثم جرَت محاولاتٌ لعَقْلَنته وتبديد غوامضه ووِجدان عللٍ طبيعية تفسِّر معجزاته المزعومة، ومن ثَمّ عُرِّضَ أخيرًا للنقد والتحليل البَحْثِيّ، ومن هنا بَزَغَ عقلٌ حديثٌ خالِصُ العَلْمَنة، تجاوَزَ الحاجة إلى السلطة والعِصْمة من الخطأ والتَّخْطيء، وغَدا السعيُ إلى الحقيقة منفتحًا، ومنَزَّهًا عن الهوى، وعارِيًا من كلّ مصلحة ليستْ في محلِّها، وصِرْتَ ترى أن أيّ تدخُّل خارجيّ يُعيق تقدُّم المعرفة، أو أي رقابة على نشرها، عُدَّ عدوانًا على الحرية ونُقِمَ عليه. [بقولٍ آخر:] استعادَ العقلُ البشري مغامَرَته الفكريّة — وإنِ اقْتَصَرَ هذا على قِلّة من الناس.
أما إنْ جِئْنَا إلى الأكثرية، فإن حقَّ التفسير الفرديّ كانَ ذا أثر معاكِس، وأوْرَثَ هذه الأكثرية ضِيقَ أفق وشِدَّةً في التعصُّب (illiberality of mind)، فضلًا عن أنه عَزَّز الجهْلَ بإشاعةِ وهْمِ العِصْمة [عند الإنسان العاديّ الذي ينتسب إلى الأكثرية]، وأحاطَ نَظْرَةَ كثيرٍ من الناس بنزعة حَرْفِية (literalism) جامدة تفتقر إلى الخيال، وسَوَّغَ إرادة القوَّة عند الجماهير أو نزوعهم إلى حيازة السلطة، وجَعَلَ مُمْكِنًا استعمالَ الإنجيل سلاحًا لمقاومة انتشار الأفكار الحرَّة. هذا، وليسَ الإنجيل —كما يتصوَّر بعضهم— بذاك الكتاب البسيط الذي يسهل على الجميع فهمه، فإنْ جَلَبَتْ قراءتُه بضربٍ من الإيمان بسيط العزاءَ لكثيرين، فإنها أورثتْ كذلكَ نزاعًا وسوء فهم، فليسَ عسيرًا على الناس أن يُسقِطوا معانيهم هُم على الإنجيل، ثمّ يُعلنوا ما فهموه على أنه كلمة الإله المُلْزِمة لكلّ إنسان. وقد عَنَى التفسير الفرديّ أن أي جماعة من الناس، مهما بلغ بها الجهلُ من شأو، لا تحتاج إلا إلى أن تكون قادرةً على قراءة الإنجيل لتزعم لنفسها حيازة الحقيقة المطلقة التي ليس إلى نُكرانها من سبيل في كلّ مسألة كُبرى من مسائل حياة الإنسان، وهكذا غدا طلبُ الحقيقة عند كثيرين لا يتجاوز التنقيب عن نصوصٍ في كُتُب الدين تؤيِّد معتقداتهم المتحزِّبة. غير أن ’’حقائقَ‘‘ تُكتَسَب بهذه السهولة، وبعقولٍ لم تتهذَّب بآثار القراءة الواسعة ولا بصبر التمحيص في ضروب التعميمات كافَّة، إنما هي حقائق بالغة الخطورة، فهي تُوَلِّد تعصُّبًا ضيِّقًا، وتُغَذِّي في الناس عادةَ التسرُّع في الأحكام، وإذ يتيقَّن أصحاب هذه الحقائق بأنهم على صواب، يستعصي عليهم التعلُّم ويُكَابِرون ويميلون إلى فرضِ حقائقهم قسرًا على الآخرين. كذا تُحَصَّن شَتَّى الأهواء والتحيُّزات الشعبية وتُرَسَّخ، وتصير الخلافات في الرأي على اختلاف مواضيعها مسائل أخلاقية، ويُعَدّ نقدُ المؤمن الحقيقي أيًّا كان إثْمًا، ويصير مَنْ يُعارضه سيِّئًا فضلًا عن كونه مخطِئًا. تُستَخرَجُ بعد هذا العقوبات لتَسْويغ الأحقاد التي تميل إليها الجُمُوع بطبعها على تنوُّع ضروبها، ثم تنتقل هذه الوضعية النفسية والمسالك من دائرة المسائل الدينية لتغدو الروحَ الذي تصطبغ به الجماهير الديمقراطية في معالجتها قضايا الشأن العام كافَّة.
إنّ الجماهير الغَفِيرة من الناس، في الثورات التي خُتِم بها القرن الثامن عشر، حُرِّرَت قبل أن يُحَرَّرَ فِكْرُها فتُلَبْرَل (became liberated before they were liberalized) [...]».
—Everett Dean Martin, Liberty (New York: W. W. Norton & Company, 1930), 123-125.
«من أهم ما أسهمت فيه حركة الإصلاح في فلسفة الحرية في القرن الثامن عشر هو ’حقّ التفسير الفردي‘، إذ غدا الإنجيل الإنجليزي في يد الإنسان العاديّ ميثاقًا للحرية، فأوْقَدَ هذا في الفرد وعيًا أعمقَ بالذات وقاد إلى استقلالٍ جديد في الحُكْم، فأخذَ الإنسانُ يشعر بأنه مسؤول عن مصيره، وأن في مكنته تحدّي سلطة القساوسة على عقله وضميره، فضلًا عن أنه تَمَلَّك بيده ما يستند إليه الآن في نقد أفعال مَن يتقدّمونه ويَعْلُون عليه في المجتمع، وفي الجهْر بآرائه في شؤونٍ لطالما عُدَّت خارجةً عن دائرة معرفته. [...]
ولا رَيْبَ في أن عقائد الإيمان قدَّمت تفسيراتٍ رسمية، ولكن إذ تضاعفت الانقسامات المذهبية تَبِعها في هذا تكاثر تلك العقائد الإيمانية، فأصبح للفرد أن يختار بينها، ولكنّ الاختيار يقتضي النَّقْدَ ضِمْنًا، ومِنَ النَّقْدِ تُشْرَعُ السبيلُ نحو الاستقلال التامّ للفكر، ونحو ليبرالية (أو نزعة تحرُّرية) دينية متحررة شبيهة بما نجد عند هيوم وجيفرسن و[توماس] بين. لقد خضع الإنجيل أولًا للتفسير الشعبي، ثم جرَت محاولاتٌ لعَقْلَنته وتبديد غوامضه ووِجدان عللٍ طبيعية تفسِّر معجزاته المزعومة، ومن ثَمّ عُرِّضَ أخيرًا للنقد والتحليل البَحْثِيّ، ومن هنا بَزَغَ عقلٌ حديثٌ خالِصُ العَلْمَنة، تجاوَزَ الحاجة إلى السلطة والعِصْمة من الخطأ والتَّخْطيء، وغَدا السعيُ إلى الحقيقة منفتحًا، ومنَزَّهًا عن الهوى، وعارِيًا من كلّ مصلحة ليستْ في محلِّها، وصِرْتَ ترى أن أيّ تدخُّل خارجيّ يُعيق تقدُّم المعرفة، أو أي رقابة على نشرها، عُدَّ عدوانًا على الحرية ونُقِمَ عليه. [بقولٍ آخر:] استعادَ العقلُ البشري مغامَرَته الفكريّة — وإنِ اقْتَصَرَ هذا على قِلّة من الناس.
أما إنْ جِئْنَا إلى الأكثرية، فإن حقَّ التفسير الفرديّ كانَ ذا أثر معاكِس، وأوْرَثَ هذه الأكثرية ضِيقَ أفق وشِدَّةً في التعصُّب (illiberality of mind)، فضلًا عن أنه عَزَّز الجهْلَ بإشاعةِ وهْمِ العِصْمة [عند الإنسان العاديّ الذي ينتسب إلى الأكثرية]، وأحاطَ نَظْرَةَ كثيرٍ من الناس بنزعة حَرْفِية (literalism) جامدة تفتقر إلى الخيال، وسَوَّغَ إرادة القوَّة عند الجماهير أو نزوعهم إلى حيازة السلطة، وجَعَلَ مُمْكِنًا استعمالَ الإنجيل سلاحًا لمقاومة انتشار الأفكار الحرَّة. هذا، وليسَ الإنجيل —كما يتصوَّر بعضهم— بذاك الكتاب البسيط الذي يسهل على الجميع فهمه، فإنْ جَلَبَتْ قراءتُه بضربٍ من الإيمان بسيط العزاءَ لكثيرين، فإنها أورثتْ كذلكَ نزاعًا وسوء فهم، فليسَ عسيرًا على الناس أن يُسقِطوا معانيهم هُم على الإنجيل، ثمّ يُعلنوا ما فهموه على أنه كلمة الإله المُلْزِمة لكلّ إنسان. وقد عَنَى التفسير الفرديّ أن أي جماعة من الناس، مهما بلغ بها الجهلُ من شأو، لا تحتاج إلا إلى أن تكون قادرةً على قراءة الإنجيل لتزعم لنفسها حيازة الحقيقة المطلقة التي ليس إلى نُكرانها من سبيل في كلّ مسألة كُبرى من مسائل حياة الإنسان، وهكذا غدا طلبُ الحقيقة عند كثيرين لا يتجاوز التنقيب عن نصوصٍ في كُتُب الدين تؤيِّد معتقداتهم المتحزِّبة. غير أن ’’حقائقَ‘‘ تُكتَسَب بهذه السهولة، وبعقولٍ لم تتهذَّب بآثار القراءة الواسعة ولا بصبر التمحيص في ضروب التعميمات كافَّة، إنما هي حقائق بالغة الخطورة، فهي تُوَلِّد تعصُّبًا ضيِّقًا، وتُغَذِّي في الناس عادةَ التسرُّع في الأحكام، وإذ يتيقَّن أصحاب هذه الحقائق بأنهم على صواب، يستعصي عليهم التعلُّم ويُكَابِرون ويميلون إلى فرضِ حقائقهم قسرًا على الآخرين. كذا تُحَصَّن شَتَّى الأهواء والتحيُّزات الشعبية وتُرَسَّخ، وتصير الخلافات في الرأي على اختلاف مواضيعها مسائل أخلاقية، ويُعَدّ نقدُ المؤمن الحقيقي أيًّا كان إثْمًا، ويصير مَنْ يُعارضه سيِّئًا فضلًا عن كونه مخطِئًا. تُستَخرَجُ بعد هذا العقوبات لتَسْويغ الأحقاد التي تميل إليها الجُمُوع بطبعها على تنوُّع ضروبها، ثم تنتقل هذه الوضعية النفسية والمسالك من دائرة المسائل الدينية لتغدو الروحَ الذي تصطبغ به الجماهير الديمقراطية في معالجتها قضايا الشأن العام كافَّة.
إنّ الجماهير الغَفِيرة من الناس، في الثورات التي خُتِم بها القرن الثامن عشر، حُرِّرَت قبل أن يُحَرَّرَ فِكْرُها فتُلَبْرَل (became liberated before they were liberalized) [...]».
—Everett Dean Martin, Liberty (New York: W. W. Norton & Company, 1930), 123-125.
❤5
Honorius
Photo
«في الناس قلّةٌ فقط ليست تعي أنّ كلَّ طَبْعٍ لا يبلغ ذروته من النَّجَابة ما لم يكن فيه روحُ توقيرٍ وإجلال، فمن بين ضروب الخير الأخلاقيّ كافَّة، لا يصحّ إلا على روح التوقير هذا كخُلُق أن يُوصَف بنَعْتِ الجميل بأصدق ما له من معنًى... إنّه يزدهر في تلكم المرحلة من الحياة السياسية التي تكون فيها العاطفة الغالبة هي الولاء أو التوقير لصاحب السيادة، وحين تتشعّب الأرستقراطية من عرش السيادة مُفْشِيَةً في كل قريةٍ عاداتِ الأدب والخضوع، وحين يكون الروح الثوريّ والديمقراطيّ والشكّيّ جميعًا مجهولًا بعدُ وما له من حضور.
فكلُّ تحوّلٍ عظيمٍ في العقيدة أو في الأحوال على السواء، يأتي لا محالةَ بتحوّلٍ في العواطف. إنّ المجاهرةَ بالحرية بذاتها وتأكيدَها، وتسويةَ الديمقراطية للطبقات، ومِبضَعَ النقد [الذي يأتي على كل شيء بالتحليل]، والثوراتِ الاقتصاديةَ التي تُحوِّل العلاقات بين الطبقات إلى عقودٍ محضة، واحتشاد السكان [في المدن]، وسهولةَ التنقّل التي قَطَّعت أوصال كثير من الروابط القديمة — كلُّ ذلك يتنافى مع ضَرْبِ الفضيلة التي قامت ووُجِدت قبل أن تُكسَر شَوكة التقليد، وقبل أن تُدنَّس عِفّةُ الإيمان.
لقد نمت حولنا خِصالٌ جديدة، كالإحسان، والاستقامة، والجَرَاءة، وصدق الفكر، وحبّ الحرية، وبُغض الخرافة، غير أنَّا نفتّش بلا طائل عن ذلك الطبع البديع الجَمَال من ماضي الأزمان: المترفّعِ عن الثقة بنفسه، والواثقِ بغيره أيّما ثقة، والبسيطِ المتواضعِ الورِع، الذي كان وإنْ أُولِعَ —كإكْسِيُون— بسحابةٍ من الأوهام، يجعل من أوهامه ذاتِها مصدرًا لبعضِ أطهر فضائل طبيعتنا كبشر.
وفي قِلّةٍ من العقول وحدها يُحدثُ التأمّلُ في نظام الطبيعة السَّامي شعورًا بالخشوع والإجلال، أمّا بالنسبة إلى جمهور الناس فالحقيقةُ المؤلمة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي أنّ اكتشافَ القوانين الثابتة المُتحكّمة في الكون قد نزع عن الظواهر معناها الأخلاقي، وأنّ أكثرَ الميادين الاجتماعية والسياسية التي كان يُنَمَّى فيها روحُ التوقير قد زالت.
ولا تجد أبدعَ مظاهر هذا الخُلُق في أممٍ كالفرنسيين المحدثين أو الأمريكيين، الذين ألقَوْا بأنفسهم كلَّ الإلقاء في نَزَعَات هذا العصر، بل تراها في الأصقاع المنعزلة، كهضاب شتايرمارك أو تيرول. وأمّا التعبير عنه فنيًّا فلا نجده في آثار العبقرية الحديثة، بل في الكاتدرائية القوطية القروسطية، التي لم يَنَل منها الزمانُ في شيء إلا أنْ صَقَلها وعَتَّقَها، فما زالت تُطلّ علينا بجمالها الخالد من خَلَلِ قرون الماضي.
إن للعصر المملوء بالخرافة، كسائر أطوار التاريخ الإنسانيّ، فضائلَه الخاصة، ولا بدّ أن تَذْوي هذه قبل أن تُفسَح السبيل لمرحلةٍ جديدةٍ من التقدّم».
—William Edward Lecky, History of European Morals From Augustus to Charlemagne, vol. I. (3rd edt.; New York: D. Appleton and Company, 1897), ch. 1., The Natural History of Morals, 141–43.
فكلُّ تحوّلٍ عظيمٍ في العقيدة أو في الأحوال على السواء، يأتي لا محالةَ بتحوّلٍ في العواطف. إنّ المجاهرةَ بالحرية بذاتها وتأكيدَها، وتسويةَ الديمقراطية للطبقات، ومِبضَعَ النقد [الذي يأتي على كل شيء بالتحليل]، والثوراتِ الاقتصاديةَ التي تُحوِّل العلاقات بين الطبقات إلى عقودٍ محضة، واحتشاد السكان [في المدن]، وسهولةَ التنقّل التي قَطَّعت أوصال كثير من الروابط القديمة — كلُّ ذلك يتنافى مع ضَرْبِ الفضيلة التي قامت ووُجِدت قبل أن تُكسَر شَوكة التقليد، وقبل أن تُدنَّس عِفّةُ الإيمان.
لقد نمت حولنا خِصالٌ جديدة، كالإحسان، والاستقامة، والجَرَاءة، وصدق الفكر، وحبّ الحرية، وبُغض الخرافة، غير أنَّا نفتّش بلا طائل عن ذلك الطبع البديع الجَمَال من ماضي الأزمان: المترفّعِ عن الثقة بنفسه، والواثقِ بغيره أيّما ثقة، والبسيطِ المتواضعِ الورِع، الذي كان وإنْ أُولِعَ —كإكْسِيُون— بسحابةٍ من الأوهام، يجعل من أوهامه ذاتِها مصدرًا لبعضِ أطهر فضائل طبيعتنا كبشر.
وفي قِلّةٍ من العقول وحدها يُحدثُ التأمّلُ في نظام الطبيعة السَّامي شعورًا بالخشوع والإجلال، أمّا بالنسبة إلى جمهور الناس فالحقيقةُ المؤلمة التي لا سبيل إلى إنكارها، هي أنّ اكتشافَ القوانين الثابتة المُتحكّمة في الكون قد نزع عن الظواهر معناها الأخلاقي، وأنّ أكثرَ الميادين الاجتماعية والسياسية التي كان يُنَمَّى فيها روحُ التوقير قد زالت.
ولا تجد أبدعَ مظاهر هذا الخُلُق في أممٍ كالفرنسيين المحدثين أو الأمريكيين، الذين ألقَوْا بأنفسهم كلَّ الإلقاء في نَزَعَات هذا العصر، بل تراها في الأصقاع المنعزلة، كهضاب شتايرمارك أو تيرول. وأمّا التعبير عنه فنيًّا فلا نجده في آثار العبقرية الحديثة، بل في الكاتدرائية القوطية القروسطية، التي لم يَنَل منها الزمانُ في شيء إلا أنْ صَقَلها وعَتَّقَها، فما زالت تُطلّ علينا بجمالها الخالد من خَلَلِ قرون الماضي.
إن للعصر المملوء بالخرافة، كسائر أطوار التاريخ الإنسانيّ، فضائلَه الخاصة، ولا بدّ أن تَذْوي هذه قبل أن تُفسَح السبيل لمرحلةٍ جديدةٍ من التقدّم».
—William Edward Lecky, History of European Morals From Augustus to Charlemagne, vol. I. (3rd edt.; New York: D. Appleton and Company, 1897), ch. 1., The Natural History of Morals, 141–43.
1❤5