مِن أفضال الله العزيز عليّ، أنّني أعيش في قريةٍ تمنحني، بأشجارها الحانية لطيفةِ المعشر، تربية روحيّة تربّي فيَّ القدرة على الصّبر وتجعلني سالمة في وجودي، وتمنحني، بتعاقب أحوالها، دروساً تخدمني في تحرير روحي وإدراك حكمة وجودي، وبها أهتدي إلى سلامة الإصغاء وبُطء التّلقّي، وفهم حكمة التّوقّف والنّماء والفناء؛ هنا أعرف ضروباً من الهداية وتفتُّح البصيرة!
* تُظهر الصّورة بعضاً من امتداد غابةٍ في قريتي
* تُظهر الصّورة بعضاً من امتداد غابةٍ في قريتي
ما أدلِّل به على خطورة اللّغة وتأثيرها، أنّ القرآن العظيم ينظّم اللّسان الإنسانيّ، ويجعل من الدقّة في القول مسلكاً تعبّديّاً، ومن الانضباط اللّغويّ مظهراً من مظاهر الوعي الإيمانيّ. فالقرآن، في بنيته الخطابيّة، يُربّي الإنسان على أن تكون كلماته امتداداً صادقاً لشعوره وأحواله، فلا يقول إلّا ما يُطابق حال قلبه.
ومن شواهد ذلك أنّه حين تنزل بالمؤمن مصيبة، يُؤمَر أن يقول: «إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعون»، لا أن يحمد الله على مصيبته، لأنّ الحمد يستدعي الزّيادة، والشّكر يورِث الكثرة حتّى في المصائب؛ «لئِن شكرتُم لأزيدنَّكم»، وهذه سنّة كونيّة لا تستثني نوع الحدث؛ خيراً كان أم بلاءً. وأكاد أجزم أنّ توالي معظم البليّات يتأتّى من اللّغة المستخدَمة للتّعبير عنها!
ومن ثمّ، فإنّ الخلط بين مواضع الألفاظ، هنا، ليس مجرّد هفوة بيانيّة، وإنّما هو انحراف في منطق العلاقة بين الشّعور واللّغة المُنتَجة. ولعلّ القول المتداوَل بكثرةٍ: "الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه" مثالٌ بيّن على التباس الوعي اللّغويّ بالعقيدة، إذ يحمل اضطراباً عقديّاً ولغويّاً معاً؛ ذلك أنّه يتضمّن نسبة المكروه إلى الله، وهي نسبة تُخِلّ بمقام التّنزيه الإلهيّ، والحمد لا يُقال على ما يُستكرَه فطرةً، لأنّ الإنسان، في تكوينه الإنسانيّ، مائلٌ إلى النّفور من البلايا لا إلى استحسانها.
ومن هنا، يغدو الانحراف اللّسانيّ دالّاً على انفصال الوعي اللّغويّ عن الشّعور الإيمانيّ، ويكمن الخطر اللّغويّ هنا أنّ الكلمة قد تُصبح، في منطق الخطاب القرآنيّ، نوعاً من الكذب؛ كذبٍ على النّفس وعلى الله، «يقولونَ بأفواهِهم ما ليسَ في قلوبِهم واللهُ أعلمُ بما يكتمونَ».
ومن شواهد ذلك أنّه حين تنزل بالمؤمن مصيبة، يُؤمَر أن يقول: «إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعون»، لا أن يحمد الله على مصيبته، لأنّ الحمد يستدعي الزّيادة، والشّكر يورِث الكثرة حتّى في المصائب؛ «لئِن شكرتُم لأزيدنَّكم»، وهذه سنّة كونيّة لا تستثني نوع الحدث؛ خيراً كان أم بلاءً. وأكاد أجزم أنّ توالي معظم البليّات يتأتّى من اللّغة المستخدَمة للتّعبير عنها!
ومن ثمّ، فإنّ الخلط بين مواضع الألفاظ، هنا، ليس مجرّد هفوة بيانيّة، وإنّما هو انحراف في منطق العلاقة بين الشّعور واللّغة المُنتَجة. ولعلّ القول المتداوَل بكثرةٍ: "الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه" مثالٌ بيّن على التباس الوعي اللّغويّ بالعقيدة، إذ يحمل اضطراباً عقديّاً ولغويّاً معاً؛ ذلك أنّه يتضمّن نسبة المكروه إلى الله، وهي نسبة تُخِلّ بمقام التّنزيه الإلهيّ، والحمد لا يُقال على ما يُستكرَه فطرةً، لأنّ الإنسان، في تكوينه الإنسانيّ، مائلٌ إلى النّفور من البلايا لا إلى استحسانها.
ومن هنا، يغدو الانحراف اللّسانيّ دالّاً على انفصال الوعي اللّغويّ عن الشّعور الإيمانيّ، ويكمن الخطر اللّغويّ هنا أنّ الكلمة قد تُصبح، في منطق الخطاب القرآنيّ، نوعاً من الكذب؛ كذبٍ على النّفس وعلى الله، «يقولونَ بأفواهِهم ما ليسَ في قلوبِهم واللهُ أعلمُ بما يكتمونَ».
كلّما استعصى عليَّ فهمُ شيءٍ من أشياء الكون، أيقنتُ أنّ العجز عن الفهم إنما هو قصورٌ في معرفتي لذاتي، فرفعتُ يدي بقول: "ربّي، لا تحجب عنّي معرفة نفسي؛ فإنّ مَن لم يتطهّر باطنُه بنور معرفة ذاته، عجز عن النفاذ إلى معرفة الكلّ، ربّي طهّر قلبي من كلّ ما يحجبني عن فهم ذاتي، وقرّبني من معرفة نفسي دون غشاوة أو وهم".
للمهتمّين بسطوة اللغة وتجلِّياتها في الفكر وتشكُّل العالم، استمعتُ اليوم إلى سلسلة حلقات للدكتور عدنان إبراهيم بعنوان "سطوة الكلمات"، وأنصح بالاستماع إليها والتفكُّر في الكيفيّة التي تُعيد بها الكلمات تقعيد مسارات التفكير، وفي الأبعاد التداوليّة للغة بوصفها سُلطةً ترسم الواقع وتؤطّر إمكاناتنا التأويليّة.
وتوضّح الحلقات الثلاثة علاقة الفكرة بالإدراك الحسيّ، وكيف يمارس الكلام فعلَه الخفيّ في إعادة هندسة الواقع داخل الوعي قبل أن يتبدّى في الخارج.
https://youtu.be/CrEMaSEIp4s?si=4fLLXu-2L8RY9ENK
وتوضّح الحلقات الثلاثة علاقة الفكرة بالإدراك الحسيّ، وكيف يمارس الكلام فعلَه الخفيّ في إعادة هندسة الواقع داخل الوعي قبل أن يتبدّى في الخارج.
https://youtu.be/CrEMaSEIp4s?si=4fLLXu-2L8RY9ENK
الإنسان الحديث بدلاً من أن يحاول رفع نفسه إلى الحقيقة، يسعى إلى خفض الحقيقة إلى مستواه الخاصّ!
رينيه غينون، أزمة العالم الحديث (بتصرُّف)
رينيه غينون، أزمة العالم الحديث (بتصرُّف)
لا أميل إلى تحميل الدلالة القرآنيّة ما يجاوز أفقها الدلاليّ المشروع، ولا إلى استنطاق الآية بما لم تَسعْه بنيتها النصّيّة، ومع ذلك، لا يمكنني قراءة قول الله -عزّ وجلّ-: {أفلَمْ يَسيرُوا في الأرضِ فتكونَ لهُم قلوبٌ يعقِلونَ بها أو آذانٌ يسمعونَ بها؛ فإنَّها لا تعمى الأبصارُ ولكنْ تعمى القلوبُ التي في الصُّدورِ}، دون استحضار أنّ المشي هو إمكان للمعرفة، وشرط نوعيّ لإنتاج فكرٍ مُغاير، وأنّ الأفكار المتولّدة في حال الحركة ليست من جنس الأفكار التي ينتجها الرُّكود.
والأهمّ، أنّ سيرَ المشيِ، وفق الآية، هو سبيل التعقّل وتفقُّه القلوب؛ ما يعني أنّ القلب لا يعقل إلّا إذا مشى صاحبه، أي المشي هنا يُعَدّ فعلاً تفكيكيّاً للبلادة المعرفيّة، وسبيل لإعادة ترتيب العلاقة بين الحواسّ والقلب، والتجربة الحسيّة، والتعقّل.
وليس اعتباطيّاً أن يُعلَّق التعقّل على السّير تعليق العلّة على المعلول، ليصبح المشي شرطاً قبليّاً لانفتاح القلب على الفهم، فتكون الآية مؤسِّسة لفكرة أنّ المشي ممارسة انكشافيّة تحرّر القلب من الفكر المُتكلّس.
والأهمّ، أنّ سيرَ المشيِ، وفق الآية، هو سبيل التعقّل وتفقُّه القلوب؛ ما يعني أنّ القلب لا يعقل إلّا إذا مشى صاحبه، أي المشي هنا يُعَدّ فعلاً تفكيكيّاً للبلادة المعرفيّة، وسبيل لإعادة ترتيب العلاقة بين الحواسّ والقلب، والتجربة الحسيّة، والتعقّل.
وليس اعتباطيّاً أن يُعلَّق التعقّل على السّير تعليق العلّة على المعلول، ليصبح المشي شرطاً قبليّاً لانفتاح القلب على الفهم، فتكون الآية مؤسِّسة لفكرة أنّ المشي ممارسة انكشافيّة تحرّر القلب من الفكر المُتكلّس.
لم تكن مسألة القوميّات يوماً مدار انشغالي الفكريّ، ولا وجدتُ في التصنيف القوميّ مسوِّغاً معرفيّاً يرقى إلى الاهتمام، إذ إنّ معياري في النظر إلى الإنسان يتأسّس على وحدة النفس الإنسانيّة التي تسبق كلّ ازدواجيّة عِرقيّة، وتتجاوز منطق التعدّد والتفاضل وفق الانتماء.
غير أنّ هذا الموقف المبدئيّ لم يمنعني من تعميق شعوري تجاه قوميّتي الكرديّة التي عانت، عبر تاريخها الطويل، أنماطاً متُكرّرة من الإبادة والاقتلاع والتهجير القسريّ، كثيرٌ منها صدر من قوى رفعتْ لافتة الانتماء إلى الإسلام على شعب، في غالبيّته الساحقة، مسلم، أسهم في الفتوحات، ودافع عن الجغرافيا الإسلاميّة، وأنجب علماء وقادة ومفكّرين، ومع ذلك لم يشفع له هذا الانتماء الدينيّ من الوقوع ضحيّة سياسات الإقصاء والإنكار والمحو المنهجيّ.
وإنّ ما يخفّف على قلبي وطأة هذا الإرث المُثقَل بالألم يقينٌ إيمانيّ راسخ أنّ سنن الله في التاريخ لا تتبدَّل، وأنّ استمرار الجذور وانتصار الهويّة على محاولات الاجتثاث، إنّما يمثّلان في جوهرهما شكلاً من أشكال النصر الإلهيّ؛ ذلك أنّ جذور الكرد، بوصفهم شعباً وتاريخاً وثقافةً، أقدم من كلّ الكيانات الطارئة التي سعت إلى اقتلاعهم أو تذويبهم.
وقد ظلّت لغتهم حيّة، ووعيهم الجمعيّ متماسكاً، رغم قرون من القمع والإنكار. وإنّ هذا البقاء في ذاته صورة من صور العناية الإلهيّة التي تتجلّى في صبر الشعوب.
ويتّصل بهذا مشهدٌ شخصيٌّ يتجدّد في ذاكرتي، أنَّ في اليوم الذي تخرّجتُ فيه "الأولى" في دفعتي الجامعيّة في الأردنّ، قال لي أستاذ رافق مسيرتي العلميّة حتّى الدراسات العليا، دون سابق تمهيد، ومن باب الإيمان بالإنسان الكرديّ: "شمس كردستان ستكون الأولى يوماً ما، لأنَّ أبناءها كذلك".
غير أنّ هذا الموقف المبدئيّ لم يمنعني من تعميق شعوري تجاه قوميّتي الكرديّة التي عانت، عبر تاريخها الطويل، أنماطاً متُكرّرة من الإبادة والاقتلاع والتهجير القسريّ، كثيرٌ منها صدر من قوى رفعتْ لافتة الانتماء إلى الإسلام على شعب، في غالبيّته الساحقة، مسلم، أسهم في الفتوحات، ودافع عن الجغرافيا الإسلاميّة، وأنجب علماء وقادة ومفكّرين، ومع ذلك لم يشفع له هذا الانتماء الدينيّ من الوقوع ضحيّة سياسات الإقصاء والإنكار والمحو المنهجيّ.
وإنّ ما يخفّف على قلبي وطأة هذا الإرث المُثقَل بالألم يقينٌ إيمانيّ راسخ أنّ سنن الله في التاريخ لا تتبدَّل، وأنّ استمرار الجذور وانتصار الهويّة على محاولات الاجتثاث، إنّما يمثّلان في جوهرهما شكلاً من أشكال النصر الإلهيّ؛ ذلك أنّ جذور الكرد، بوصفهم شعباً وتاريخاً وثقافةً، أقدم من كلّ الكيانات الطارئة التي سعت إلى اقتلاعهم أو تذويبهم.
وقد ظلّت لغتهم حيّة، ووعيهم الجمعيّ متماسكاً، رغم قرون من القمع والإنكار. وإنّ هذا البقاء في ذاته صورة من صور العناية الإلهيّة التي تتجلّى في صبر الشعوب.
ويتّصل بهذا مشهدٌ شخصيٌّ يتجدّد في ذاكرتي، أنَّ في اليوم الذي تخرّجتُ فيه "الأولى" في دفعتي الجامعيّة في الأردنّ، قال لي أستاذ رافق مسيرتي العلميّة حتّى الدراسات العليا، دون سابق تمهيد، ومن باب الإيمان بالإنسان الكرديّ: "شمس كردستان ستكون الأولى يوماً ما، لأنَّ أبناءها كذلك".
حين أستبصر جانباً من سيرة النبيّ إبراهيم، تتكشّف لي جوانب معرفيّة أخرى تؤكّد أنّ حضور ذكره في القرآن ما هو إلّا تأسيس لمنهج تفكير ينبغي لكلّ مسلم اتّباعه، بدءاً من شكّه ومساءلة مُسلّماته، ونقده، وتحطيم أصنامه المعرفيّة، واستقرائه العقليّ، وسعيه المتواصل إلى الحقيقة، إلى أن يرتقي إلى مرتبة الأُمّة، بالاستقلال المعرفيّ، ورفض التلقّي الآليّ والتكرار المتوارَث.
وبتتبُّع المنهجيّة الذهنيّة الإبراهيميّة في القرآن الصالحة لكلّ زمان ومكان، نعرف أنّ ذكر تحطيم الأصنام لا يكون حدثاً تاريخيّاً ساكناً متجمّداً عند أصنام عصر النبوّة الحجريّة، إنّما هو رمز متجدّد الدلالة، فلكلّ عصر أصنامه الخاصة التي لا تلبث أن تتعقّد وتتلّون وتُعاد برمجتها بما يلائم زمنها، حتى تبلغ عصرنا الراهن في صور أكثر حضوراً وثباتاً وتوارثاً تحجب الرؤية الحقّة.
وهنا تبرز ضرورة امتلاك "الفأس" المعرفيّة والروحيّة لتحطيم كلّ ما يعترض طريق البصيرة، ومن ثَم إعادة ضبط البوصلة نحو الحقيقة المطلَقة: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.
وفي هذا الإطار، علّل بعض مُحلِّلي الرسم القرآنيّ اختلافَ رسم اسم النبيّ إبراهيم في القرآن في سياقات ذكره، وأعزوه إلى تباين تحوّلات النفس الإبراهيميّة في رحلتها وترقّيها؛ وهذا تعليل جميل.
وبتتبُّع المنهجيّة الذهنيّة الإبراهيميّة في القرآن الصالحة لكلّ زمان ومكان، نعرف أنّ ذكر تحطيم الأصنام لا يكون حدثاً تاريخيّاً ساكناً متجمّداً عند أصنام عصر النبوّة الحجريّة، إنّما هو رمز متجدّد الدلالة، فلكلّ عصر أصنامه الخاصة التي لا تلبث أن تتعقّد وتتلّون وتُعاد برمجتها بما يلائم زمنها، حتى تبلغ عصرنا الراهن في صور أكثر حضوراً وثباتاً وتوارثاً تحجب الرؤية الحقّة.
وهنا تبرز ضرورة امتلاك "الفأس" المعرفيّة والروحيّة لتحطيم كلّ ما يعترض طريق البصيرة، ومن ثَم إعادة ضبط البوصلة نحو الحقيقة المطلَقة: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}.
وفي هذا الإطار، علّل بعض مُحلِّلي الرسم القرآنيّ اختلافَ رسم اسم النبيّ إبراهيم في القرآن في سياقات ذكره، وأعزوه إلى تباين تحوّلات النفس الإبراهيميّة في رحلتها وترقّيها؛ وهذا تعليل جميل.
مشغولٌ قلبي هذه الأيّام بتركيب "الله الصمد"، وكلّما تجاوزت هذا التركيب إلى غيره أعود إليه ألمّ معانيه وأجعل منه مركزيّة وجودي وتجاوزي كثيراً من شتات فكري وتفرُّقه.
فالاتصال بصمديّة الله يعني لي إعادة توجيه قصدي وطريقي، وقطع الالتفاتات عن الوسائط جميعها، فتجتمع بأنوار هذا الاسم الفريد قوى نفسي وتكفّ عن التشتّت والتبعثر في مرايا الأسباب، فأصمد أمام عوارض الاحتمالات، وأسدّ تصدّعاتي وثغرات نفسي، وأكسر كلّ صنم ذهنيّ نشأ عندي من قصور الإدراك عن حقيقة وحدانيّة الصمد؛ فسبحانك ربّي صمداً تذوب في جلاله كلّ الالتفاتات، ومَن عرفك سكن بعد اضطراب، وفنيَ عن نفسه في ديمومة بقائك، وإذا لاح نور اسمك في الأركان، تكسّرت من هيبته الأصنام الخفيّة، وتساقطت من القلب علائق الأغيار.
فالاتصال بصمديّة الله يعني لي إعادة توجيه قصدي وطريقي، وقطع الالتفاتات عن الوسائط جميعها، فتجتمع بأنوار هذا الاسم الفريد قوى نفسي وتكفّ عن التشتّت والتبعثر في مرايا الأسباب، فأصمد أمام عوارض الاحتمالات، وأسدّ تصدّعاتي وثغرات نفسي، وأكسر كلّ صنم ذهنيّ نشأ عندي من قصور الإدراك عن حقيقة وحدانيّة الصمد؛ فسبحانك ربّي صمداً تذوب في جلاله كلّ الالتفاتات، ومَن عرفك سكن بعد اضطراب، وفنيَ عن نفسه في ديمومة بقائك، وإذا لاح نور اسمك في الأركان، تكسّرت من هيبته الأصنام الخفيّة، وتساقطت من القلب علائق الأغيار.
من القوانين والسنن التي لا يمكن تبدّلها يوماً: أنَّ الاستعداد شرط الإمداد، ولا يمكن صبُّ الماء في كأس ممتلئة، وأنّ أيّ تحليق يلزمه تخفيف، فلا ينهض لمعاريج الله من أثقلته أوزار الطّين؛ لذا أفهم رمضان أنّه شهر إزالة لامتلاء جديد، وتمهيد لارتفاع روحيّ مستمرّ، فأستقبله بنيّة إفساح مساحة وتفريغ حيّزي الشعوريّ من الأغيار والحُجب التي كثّفتها العادات وغذّتها الغفلات.
وبتتبّع آثار المدد الإلهيّ في القرآن والسنّة، نجد أنَّ الفيض غير ضنين، والوهّاب لا يمنع نواله، وإنما العائق في قابليّة القابل، وليس في فاعليّة الفاعل؛ فبقدر ما يتّسع الفراغ الباطنيّ، ينسكب النور المشهوديّ، وبقدر ما يخفّ حِمل الجسم، يتسارع عروج الروح في فضاءات القرب!
كلّ عام وأنتم بفيوضات أُنس الله الواحد الصمد، وبخفّة تُعلي مراتبكم في معاريج القرب الإلهيّ.
وبتتبّع آثار المدد الإلهيّ في القرآن والسنّة، نجد أنَّ الفيض غير ضنين، والوهّاب لا يمنع نواله، وإنما العائق في قابليّة القابل، وليس في فاعليّة الفاعل؛ فبقدر ما يتّسع الفراغ الباطنيّ، ينسكب النور المشهوديّ، وبقدر ما يخفّ حِمل الجسم، يتسارع عروج الروح في فضاءات القرب!
كلّ عام وأنتم بفيوضات أُنس الله الواحد الصمد، وبخفّة تُعلي مراتبكم في معاريج القرب الإلهيّ.
سبحانك ربّي، الفيض منك مدرار لا ينقطع، فوسِّع في قلبي قابليّة قبول القرب منك، واجعلني وعاءً صالحاً لتلقّي أنوارك، وخفّف عنّي أحمال الطين لأرتفع، وأزل عن بصري حُجب العادة لأبصر، واجعل صومي تخلية من كلّ دنس، ليتحقّق فيَّ سرّ الوصل، وتشرق في ليل غفلتي شمس القرب.
أنتَ الغمامة التي حجبتْ شمسك، والعقدة التي أوثقتْ سرّك؛ فحلَّ عِقاد نفسك عن نفسك، تنجلِ لك حقيقتك!
إشارة مستوحاة من ابن عربي في كتابه (الفتوحات المكيّة)، بتصرّف واسع
إشارة مستوحاة من ابن عربي في كتابه (الفتوحات المكيّة)، بتصرّف واسع
بما أنّني كثيرة الاهتمام بأوجه قراءة النصّ القرآنيّ وتدبّره، فإنّ من الأشياء التي تسلّي ذهني كثيراً أنّني أطرح على تطبيقات الذكاء الاصطناعيّ مجموعة من الأسئلة المتعلّقة بسورة معيّنة لديّ بعض العلم بجوابها، مع توجيهها للإجابة وفق منهج واحد محدّد من مناهج تدبّر القرآن وتفسيره. وليس الأمر عندي أكثر من تجربة معرفيّة، فلا أبني عليه ثوابت عقديّة أو فكريّة. وأحياناً، تفضي الأسئلة والجوابات إلى نتائج دلاليّة تشغل فكري، لا سيّما إذا راقبت مدى التزام الذكاء الآليّ بالمنهج وعدم السماح له بالخروج عن مقتضياته.
وما يثير دهشتي في هذه التجربة هو قدرة هذه الآلات على توليد روابط دلاليّة غير مطروقة، وصياغة تساؤلات تفتح آفاقاً جديدة للتدبّر، خاصّة أنّني أميل في تدبّري اليوميّ إلى فرضيّة وحدة السورة ومرجعيّتها الذاتيّة أو مرجعيّتها على مساحة النصّ القرآنيّ كلّه؛ وهذه تجربة جميلة للمهتمّين تتيح الوقوف على الكيفيّة التي يتعامل بها الذكاء الاصطناعيّ مع النصّ القرآنيّ، مع الانتباه إلى حُسن صياغة الأوامر الموجَّهة وانضباطها المنهجيّ النقديّ.
وما يثير دهشتي في هذه التجربة هو قدرة هذه الآلات على توليد روابط دلاليّة غير مطروقة، وصياغة تساؤلات تفتح آفاقاً جديدة للتدبّر، خاصّة أنّني أميل في تدبّري اليوميّ إلى فرضيّة وحدة السورة ومرجعيّتها الذاتيّة أو مرجعيّتها على مساحة النصّ القرآنيّ كلّه؛ وهذه تجربة جميلة للمهتمّين تتيح الوقوف على الكيفيّة التي يتعامل بها الذكاء الاصطناعيّ مع النصّ القرآنيّ، مع الانتباه إلى حُسن صياغة الأوامر الموجَّهة وانضباطها المنهجيّ النقديّ.
المحبّة الحقّة سيرٌ من عتمات النفس إلى إشراق الصفاء؛ لذا كلّ محبّة لا تكشف لك سرّاً من أسرارك، أو تصفّي لك كدراً، إنّما هي ميلٌ موهوم.
أمّا الهاء، فهو حرف يخرج من أقصى الحلق، وهو مبدأ المخارج، ويشير إلى كونه تعالى مبدأً للموجودات. وأمّا الواو، فهو دائرة الشفتين وخَتْمُ المخارج، يجمع ما تفرّق ويضمّ ما انتشر، فيشير إلى منتهى السير وتمام الرجوع، وإلى أن الحقّ تعالى هو الآخِر كما كان الأوّل؛ به البداية وإليه النهاية، وفيه يلتقي الابتداء بالانتهاء.
لوامع البيّنات، الرازي، بتصرّف شديد في تعليل الواو
لوامع البيّنات، الرازي، بتصرّف شديد في تعليل الواو
حين أفرغ من مهمّات عالم الكبار التي تحيطني من كلّ جانب، أستريح بإعادة مشاهدة مغامرات السندباد، بيد أنّني بتكرار مشاهدته صرت أستبصر جوانب تتجاوز مجرّد الترفيه الطفوليّ، وأبعاداً تتصل بالحقائق القرآنيّة، لا سيّما أنّني أعدّ القرآن الكريم خِزانة القوانين الكونيّة والنموذج الأعلى الذي تنهل منه العقول البشريّة قصصها الأولى.
فالسندباد البحريّ في الشاشة يمثّل توق الإنسان الفطريّ إلى السيادة على المادّة والأشياء، وهذا التوق، على مرّ الأزمان، لم يتحقّق إلا للنبيّ سليمان عليه السلام، فجاءت قصّة السندباد وجهاً من أوجه تجسيد الحكايا لقصّة النبيّ سليمان.
وياسمينة (الطّير) التي ترافق السندباد في رحلاته إنّما هي تجسيد لهدهد النبيّ سليمان الذي رافقه في اكتشاف عوالم غابت عن أنظار النبيّ.
وما يظهر في مغامرات السندباد من قدرة على تخطّي حواجز الزمان والمكان، ومحاولة فهم لغة الكائنات، والتعامل مع القوى غير المرئيّة، ليس إلّا صدىً بشريّاً لآيات منطق الطير وتسخير الريح وتذليل الجنّ.
ومن هنا، تغدو هذه القصص الشعبيّة الكرتونيّة وسيطاً رمزيّاً يبرهن على أن المخيال الإنسانيّ يظلّ يدور في فلك النموذج الذي صاغه القرآن للسيادة الكونيّة، إذ لا يمكن للعقل أن يتصوّر سُلطة على الطبيعة أو المادّة خارج الأطر التي رسمها الخالق في قصص أنبيائه؛ وبذلك، فإنّ ارتداد هذه الحكايات إلى مصدرها الأصيل يعيد النظر إلى مركزيّة النصّ القرآنيّ بوصفه المرجعيّة الأولى التي استمدّت منها البشريّة تصوّراتها عن الممكن والمستحيل، ليظلّ كلّ إبداع فنيّ مجرّد محاولة لاستعادة مشهد من مشاهد الحقّ التي فصّلها الذكر الحكيم.
فالسندباد البحريّ في الشاشة يمثّل توق الإنسان الفطريّ إلى السيادة على المادّة والأشياء، وهذا التوق، على مرّ الأزمان، لم يتحقّق إلا للنبيّ سليمان عليه السلام، فجاءت قصّة السندباد وجهاً من أوجه تجسيد الحكايا لقصّة النبيّ سليمان.
وياسمينة (الطّير) التي ترافق السندباد في رحلاته إنّما هي تجسيد لهدهد النبيّ سليمان الذي رافقه في اكتشاف عوالم غابت عن أنظار النبيّ.
وما يظهر في مغامرات السندباد من قدرة على تخطّي حواجز الزمان والمكان، ومحاولة فهم لغة الكائنات، والتعامل مع القوى غير المرئيّة، ليس إلّا صدىً بشريّاً لآيات منطق الطير وتسخير الريح وتذليل الجنّ.
ومن هنا، تغدو هذه القصص الشعبيّة الكرتونيّة وسيطاً رمزيّاً يبرهن على أن المخيال الإنسانيّ يظلّ يدور في فلك النموذج الذي صاغه القرآن للسيادة الكونيّة، إذ لا يمكن للعقل أن يتصوّر سُلطة على الطبيعة أو المادّة خارج الأطر التي رسمها الخالق في قصص أنبيائه؛ وبذلك، فإنّ ارتداد هذه الحكايات إلى مصدرها الأصيل يعيد النظر إلى مركزيّة النصّ القرآنيّ بوصفه المرجعيّة الأولى التي استمدّت منها البشريّة تصوّراتها عن الممكن والمستحيل، ليظلّ كلّ إبداع فنيّ مجرّد محاولة لاستعادة مشهد من مشاهد الحقّ التي فصّلها الذكر الحكيم.