فكر أهل البيت عليهم السلام
2.18K subscribers
118 photos
17 videos
37 files
140 links
نشر فكر أهل البيت عليهم السلام
Download Telegram
إذا لم تكن المناجاة الخمس عشرة من الصحيفة السجادية فلا يعني ذلك عدم نسبتها للإمام السجاد عليه السلام فلا بد من التفريق بين الأمرين.
ما في المناجاة من كلام في سندها ونسبتها للإمام السجاد عليه السلام بحثته في كتاب (مخاض المعرفة في تتمة دعاء عرفة) من ص42 إلى ص 58. لمن يرغب في الاطلاع على هذا الموضوع بسبب الجدل الحاصل الآن.
https://hisham-alkhafaji.com/?product=%d9%85%d8%ae%d8%a7%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%aa%d9%85%d8%a9-%d8%af%d8%b9%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%a9
س : ما هو معنى الرحمن على العرش استوى ؟
ج : سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل : [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى]
فقال عليه السلام : استوى من كل شيء ، فليس شيء أقرب إليه من شيء.
الهداية للشيخ الصدوق،ص16
أتذكر الأستاذ الذي حضرت عنده كفاية ومكاسب كان في بعض الأحيان يلقي كلمة إرشادية في المجال التربوي أو المجال العلمي قبل الدرس وتارة بعده.في أحد الأيام تحدث عن أهمية الكتابة والبحث بالنسبة لطالب الحوزة . ثم قال وجهة نظري الخاصة : طالب الحوزة إذا لم يكتب بحثاً في كل شهر لا أعده طالباً أو شيء من هذا القبيل لا أتذكر عبارته بالدقة لأن الكلام قبل خمس عشرة سنة .
وفي وقتها لم أقتنع بكلامه وما زلت أرى فيه شيئاً من المبالغة . ولكن أتفق معه على أهمية البحث بالنسبة للطالب لأنه من غير بحث تكون معلوماته مبعثرة وغير مستندة إلى ركن وثيق وقد يعد بعضها على أنها نهاية التحقيق مع أنها لم تمثل الحقيقة وليست من الموازين العلمية في شيء .وخذ على سبيل المثال المناجاة الخمس عشرة للإمام السجاد (عليه السلام) لربما يقرأ أو يسمع معلومة تقول لم تكن من الصحيفة السجادية ، أو يقرأ خلوها من الصلاة على محمد وآله فتجده مسرعاً لهذا أو ذاك ينفي نسبتها للإمام (عليه السلام) ولو أنه بحث الموضوع جيداً لتأنى وتثبت بنحو ما ناهيك فيما إذا غير وجهة نظره وأن الموضوع لم يكن بهذه النظرة العابرة.
ولا أعني من ذلك أن يكون لديه بحث مكتوب أو أنه يفكر في طبعه وغير ذلك وإنما أقصد اطلاعه وإلمامه في حيثيات الموضوع.
إن من أراد ذكر الله سبحانه يمكنه أن يختار ما شاء من الأذكار والأدعية وهي كثيرة ، وكالتسبيح والتهليل والتكبير وغيرها ، وله أن يكررها ما شاء . ولا يتطلب أخذها من أشخاص ، لأن ذلك من مخترعات الصوفية والتأثر بهم . ثم لا يكون بعد ذلك مجرد أذكار ، وإنما الانجرار نحو التصوف ، أي الاستدراج من خلال الأذكار والترغيب في نتائجها.
س : ما هو الفرق بين الإسلام والإيمان ؟
ج : الإسلام هو الإقرار بالشهادتين . والإيمان هو الإقرار باللسان ، وعقد بالقلب ، وعمل بالجوارح كما يقول الشيخ الصدوق : (الإسلام هو الإقرار بالشهادتين ، وهو الذي يحقن به الدماء والأموال ، ومن قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد حقن ماله ودمه إلا بحقيهما ، وعلى الله حسابه .والإيمان هو الإقرار باللسان ، وعقد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، وإنه يزيد بالأعمال ، وينقص بتركها .وكل مؤمن مسلم ، وليس كل مسلم مؤمن ، ومثل ذلك مثل الكعبة والمسجد ، فمن دخل الكعبة فقد دخل المسجد ، وليس كل من دخل المسجد دخل الكعبة).الهداية،ص54.
اكتمل بتوفيق الله تعالى الجزء الأول من (أربعمائة سؤال وجواب في التصوف والعرفان) ويضم مائة سؤال وجواب في هذا المجال.
يتصور البعض أن أصحاب الفلسفة والعرفان الصوفي هم أهل التخصص في القرآن ومعارف الدين أكثر من الفقهاء !! مع أن الفقهاء أكثر تبصراً ودرايةً بمعارف الدين من هؤلاء ؛ لما لديهم من انضباط وتقيد بالنص الديني ، بخلاف أصحاب الاتجاهات الدخيلة على الإسلام ، الذين يُحمِّلون النصوص الدينية آراءهم وأوهامهم التي لا تمت إلى النص الديني بصلة .
روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : (عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار والدعاء فأما الدعاء فيدفع عنكم البلاء وأما الاستغفار فتمحى به ذنوبكم). من لا يحضره الفقيه،ج2،ص108.
(101) س : هل جاء لفظ العارف في الروايات ؟
ج : قد روي لفظ العارف في بعض الأخبار النادرة. ولكن هذا لا يمنع من إطلاق لفظ (العارف) على الصوفي والعكس ، أي لا يمنع من الاستعمال الشائع لدى الصوفية.
وبعبارة أخرى المراد من العارف في الأخبار هو غير المعنى الشائع والمستعمل لدى الصوفية ؛ فلا يشتبه عليك الحال بين ما ورد في بعض الأخبار وما شاع استعماله لدى الصوفية.
وللإيضاح أكثر ليست المعضلة في الاستعمال ، وإنما أصل الكلام والمعضلة الأساسية وهي أن الصوفي كان يُسمى بالعارف ، وشاع هذا الاسم لدى هذه الجماعة ؛ مما يعني ــ والذي هو محل الكلام ــ أنه لا يوجد فرق بين التصوف والعرفان ، ولا بين العارف والصوفي منذ زمن الأئمة عليهم السلام ــ إن لم نقل قبل ذلك ــ وإلى زماننا هذا ؛ إذ نجد العرفاء يُسمون بالصوفية ، والصوفية يُسمون بالعرفاء . ولم يتعارف إطلاق لفظ (العارف) على من يتقيد بما روي عن أهل البيت عليهم السلام.وقد تقدم في الجزء الأول تحت عنوان : (هل يوجد فرق بين التصوف والعرفان) نقل كلمات بعض عرفاء الشيعة ممن صرّح بعدم وجود مائز حقيقي ما بين التصوف والعرفان.
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (20)
تنويه

إن بعض البراهين متفرعة ومتكثرة من خلال برهان الإمكان والوجوب ؛ إذ هي تستند في مقدماتها إلى لوازم وخصائص الممكن ، ولذا لم تكن محل اهتمام كبرهان الإمكان والوجوب ، يقول الفياضي في برهان الحركة والنفس : (هذا البرهان وما يتلوه يرجعان إلى برهان الإمكان والوجوب ، حيث إن الحركة والنفس من مصاديق الممكن . فتارة يستدل بوجود الممكن من غير تعيين لمصداق الممكن ، فيكون برهان الإمكان والوجوب ، وأخرى يستدل بمصداق معيّن منه بعد إثبات مصداقيته ، كما في برهان الحركة والنفس)([1]).

دليل الصديقين متفرع من برهان الإمكان والوجوب

إن أصحاب الاتجاه الفلسفي جعلوا برهان الصديقين أفضل من برهان الإمكان والوجوب ، وأضافوا له مزايا واعتباراتٍ تجعله أكثر وثاقةً وتميزاً منه . وهي لا تستند إلى الواقع والقيمة المعرفية ،وإنما إلى صياغة العبارات ، والتغيير في المفردات .

وعند التأمل جيدا يتضح أن برهان الصديقين متفرع من برهان الإمكان والوجوب ؛ لأن الوجود هو منتزع من الممكنات . وبعبارة أخرى : إن مفهوم الوجود لا حقيقة له في الخارج ، وإنما يؤخذ وينتزع من الموجودات الخارجية فلولاها لما انتزع مفهوم الوجود ،ولما فرعوا عليه برهان  الصديقين.

ولذا انبثق برهان  الصديقين  من برهان الإمكان والوجوب ، أو قل كان مقدمةً له . والتعبير الدقيق هو أن قيمته المعرفية ترجع إليه .

مبالغات في برهان الصديقين

ذكر بعض المؤيدين لبرهان الصديقين إن البرهان يثبت وجود الله تعالى من غير استناد إلى وجود المخلوقات ، وأن إنكارها لا يخل في هذا البرهان : (إن برهان الصدِيقين يدور مدار الموجود، إذ يثبت وجود الله عن طريق ملاحظة الوجود نفسه وحقيقته فقط، ولا يستند إلى وجود المخلوقات أبدًا؛ لذا فإن إنكار المخلوقات لا يخل في إثبات وجود الله في هذا الطريق، ولكن إن برهان الإمكان والوجوب يدور مدار المخلوق، إذ إن إنكار المخلوقات أو الممكنات يمنع من إثبات وجود الله في هذا الطريق).

وهذه من المبالغات الواضحة في هذا البرهان ، وهي لا تستند إلى أسس واقعية . ولا بأس بالإشارة إلى بعض المؤاخذات عليه ضمن عدة نقاط :

 النقطة الأولى : 

إن بعض الاصطلاحات والمفاهيم لا وجود لها إلا في الذهن مثل عدم اجتماع النقيضين والإمكان والوجوب ، ومفهوم الوجود ، والعلة والمعلول ، والوحدة والكثرة . لأنها مفاهيم ذهنية تنتزع من الواقع وتحاكي الحقائق الخارجية ، أي أن اتصافها وحقيقتها في الخارج  ، وعروضها في الذهن ؛ فلو لم تكن حقائق (مخلوقات) في الخارج لما كان لها من عروض ووجود في الذهن ، ومن ثم انتزع مفهوم الوجود وصنفه إلى ممكن وواجب  .

وعلى هذا انتزاع مفهوم الوجود يتوقف على وجود الممكنات ، ومن ثم الاستدلال به على وجود الخالق . وانتزاع مفهوم الوجود من غير وجود الممكنات مجرد مكابرة لا واقع لها.

النقطة الثانية :

إن برهان الصديقين قائم على طرفي الواجب والممكن والانتهاء من خلال الممكن إلى الواجب أو من خلال حصة من الوجود ثبت لها ضرورة الوجوب ؛ فعند إنكار الممكن لا يتسنى الاستدلال على الواجب.

النقطة الثالثة :

بعد القول باحتياج برهان الإمكان والحدوث إلى وجود الممكنات ، وتوقفه عليها يثبت احتياجه في برهان الصديقين من باب أولى ، لأنه متفرع من برهان الإمكان والحدوث كما تقدمت الإشارة إلى ذلك تحت عنوان : (دليل الصديقين متفرع من برهان الإمكان والوجوب) فما قيل من أن برهان الصديقين غير متوقف على وجود المخلوقات لا واقع له.

وقد يقال أن المراد في الاستدلال هو أخذ مفهوم الموجود مع غض النظر عن انتزاعه من الممكنات الخارجية . ويرِدُ عليه أن هذا لا قيمة معرفية له في إثبات الخالق ، وإنما مجرد تغيير في الألفاظ ؛ إذ لولا المخلوقات لما انتزعنا مفهوم الوجود ، ومن ثم اسُتدل على حصة واجبة منه . وهذا ما تم التنويه إليه سابقاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) نهاية الحكمة (تعليق الفياضي)،ج4،ص1057.برهان الحركة والنفس كما قرره السيد الطباطبائي : (إن النفس الإنسانية مجردة عن المادة ذاتاً ، حادثة بما هي نفس بحدوث البدن ، لامتناع التمايز بدون الأبدان واستحالة التناسخ ، كما بيّن في محله ، فهي ممكنة مفتقرة إلى علة غير جسم ولا جسمانية . أما عدم كونها جسماً  ، فلأنها لو كانت جسماً ، كان كل جسم ذا نفس ، وليس كذلك . وأما عدم كونها جسمانية ، فلأنها لو كانت جسمانية سواء كانت نفساً أخرى ، أو صورة جسمية ، أو عرضاً جسمانياً كان تأثيرها بتوسط الوضع ، ولا وضع للنفس مع كونها مجردة . على أن النفس لتجردها أقوى تجوهراً وأشرف وجوداً من كل جسم وجسماني ، ولا معنى لعلّية الأضعف الأخس للأقوى الأشرف . فالسبب الموجد للنفس أمر وراء عالم الطبيعة ؛ وهو الواجب تعالى ، بلا واسطة ، أو بواسطة علل مترتبة تنتهي إليه). نهاية الحكمة (تعليق الفياضي)،ج4،ص1058.
س : ما هو صافي الصفا ؟
ج : روى الديلمي في إرشاد القلوب : (روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان إذا أراد الخلوة بنفسه أتى إلى طرف الغري فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف وإذا برجل قد أقبل من البرية راكباً على ناقة وقدمه جنازة فحين رأى عليا عليه السلام قصده حتى وصل إليه وسلم عليه فرد علي عليه السلام وقال له من أين قال من اليمن قال وما هذه الجنازة التي معك قال جنازة أبي أتيت لأدفنها في هذه الأرض فقال له علي عليه السلام لم لا دفنته في أرضكم قال أوصى إلي بذلك وقال إنه يدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر فقال له علي أتعرف ذلك الرجل قال لا فقال عليه السلام أنا والله ذلك الرجل أنا والله ذلك الرجل أنا والله ذلك الرجل قم فادفن أباك فقام فدفن أباه).إرشاد القلوب،ج2،ص440.

ويقول العلامة المجلسي : (وجدت في بعض مؤلفات أصحابنا أن أمير المؤمنين عليه السلام كان ذات يوم يصلي بالغري إذ أقبل رجلان معهما تابوت على ناقة فحطا التابوت وأقبلا إليه ، فسلما عليه فقال : من أين أقبلتما قالا : من اليمن ، قال : وما هذه الجنازة ؟ قالا : كان لنا أب شيخ كبير ، فلما أدركته الوفاة أوصى إلينا أن نحمله وندفنه في الغري ، فقلنا يا أبانا إنه موضع شاسع بعيد عن بلدنا ، وما الذي تريد بذلك ؟ فقال : إنه سيدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : الله أكبر الله أكبر أنا والله ذلك الرجل ، ثم قام فصلى عليه ، ودفناه ومضيا من حيث أقبلا).بحار الأنوار،ج42،ص333.

وصافي الصفا يطلق على ذلك المكان الذي دفن فيه اليماني ، كما جاء في المفصل في تاريخ النجف الأشرف : (يقع قبر اليماني المعروف بصافي صفا في طرف العمارة ، ويجاور مقام الإمام زين العابدين عليه السلام ، ويطل على منطقة بحر النجف ، وكانت المحلة التي يقع فيها هذا القبر تسمى (محلة الشيلان) كما تحكيه الصكوك القديمة وقد أطلق الرحالة أبو طالب خان عام 1213 هـ / 1799 م لفظ (صفوة الصفوة). وكان يدعى أيضاً (صفة صفا) ولكن اشتهر عند النجفيين باسم (صافي صفا) ويقال أن هذه المنطقة الفسيحة قد اتخذتها القوافل محل استراحة وإناخة الإبل والجمال فدعيت (الصفاة) حسب مصطلح أهل نجد والبادية ، ولذلك سميت (صفاة الصفا) أي مناخة الصفا ومن المحتمل أن لفظ (صافي صفا) تصحيف من تلك التسمية ، وقد بنيت على المرقد قبة قديمة العهد معقودة بالصخر ، وفي هذا الموضع أيضا مقام الإمام علي عليه السّلام . وتعود عمارة المرقد إلى القرن الثامن الهجري ، وفي ساحته صخرتان مرقوم عليهما قصيدتان عربيتان ، يرجع تاريخهما إلى أوائل القرن الثاني عشر الهجري ومما يؤيد عمارة المرقد إلى القرن الثامن الهجري ، هو وجود صخرة أثرية مثبتة في قبة الصفا تشير إلى تجديد معالم (المقام والقبر) عام 759 هـ) . المفصل في تاريخ النجف الأشرف،ج3،ص56.
ولربما كانت التسمية نسبة لليماني كما نقل في المفصل في تاريخ النجف عن : (عنوان الشرف) للسماوي : (قول الشيخ محمد السماوي : وفيه مدفن الصفا أو الصفي * إذا جاء من صنعا لأرض النجف).المفصل في تاريخ النجف،ج3،ص61.

وذكر الشيخ محمد حرز الدين بأن قبر اليماني تارةً يُعرف بمقبرة الصفا : (اليماني هو الرجل الذي جيء بجنازته من اليمن إلى ظهر الكوفة ودفن في الغري ـــ النجف الأشرف بمحضر إمام المتقين علي بن أبي طالب (عليه السلام). مرقده في النجف الأشرف ـــ ويُعرف بقبر اليماني تارة، ومقبرة الصفا أُخرى، وصِفة الصفا متأخِراً، وكانت الدراويش تسكنه، وتسمي حرم قبره بالصفة، فإذا أضافوها يقولون: صفة الصفا، والعوام تقول: (صافي صفا)، ويقع على رأس الوادي في الحد الغربي لمدينة النجف الأشرف بين السورين عامر مشيد، يُعهد تاريخ بنائه القائم اليوم إلى القرن السابع الهجري.مراقد المعارف،ج2،ص382.

ولم يرد اسم اليماني في المصادر ؛ فلا يمكن الجزم بأن أصل التسمية بـ : (صافي صفا) تعود لأسمه أو لقبه ، ولا يمكن الجزم بأنها تعود للمكان الذي دفن فيه .
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (21)
تأويل النصوص لإثبات برهان الصديقين

إن بعض النصوص في الآيات والروايات وفقرات الأدعية والزيارات مجملة لا دلالة بيِّنة فيها فيُلتجأ في تفسيرها إلى ما يكتنفها من الفقرات في ذات النص ، أو يُستعان على تفسيرها من خلال سائر النصوص . وأما صرف النصوص المجملة إلى متبنيات مسبقة فليس من التفسير في شيء وإنما من التأويل لصرف النصوص وليِّها في تأييد تلك المتبنيات . 

وهذا ما حدث بشكل واضح فيما يسمى بـ : (برهان الصديقين) حيث عدوه من معرفة الله بالله من غير شاهد يُلتمس له من النصوص ولا دلالة توحي منها عليه ، وطبقوا النصوص التي تتحدث عن معرفة الله بالله عليه مع أن النصوص لا تنطبق على المعنى المذكور لبرهان الصديقين .

ولا يُغيِّر تسميتُه وعَدُّه من معرفة الله بالله من واقعه ومعناه وإن تأولوا النصوص لذلك.وإليك النصوص التي أولوها وحسبوها تدل عليه:

1 ــ على كل شيء شهيد :

قد استدلوا على برهان الصدقين بقوله تعالى :[أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([1]) . وقد استدل ابن سينا عليه بالآية المباركة إذ يقول (هذا الباب أوثق وأشرف ، أي : إذا اعتبرنا حال الوجود فشهد به الوجود من حيث هو وجود ، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود . وإلى مثل هذا أشير في الكتاب الإلهي : [سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]([2]).

ثم سار بعد ذلك مُقلّدة ابن سينا في الاستدلال عليه بنفس الآية المباركة !

إن ظاهر الآية بل صريحها يدل على أنه تعالى عليم بالأشياء شاهد لجميعها لا يغيب عنه شيء ، ولا دلالة للآية المباركة على المعنى المذكور لبرهان الصديقين ،  وما ذُكر له من صياغاتٍ متعددة.

2 ــ  (يا من دل بذاته على ذاته) :




إن من ضمن ما استُدل به على برهان الصديقين هذه الفقرة المروية عن أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء الصباح . وهذه الفقرة في دعاء الصباح تشبه ما ورد في دعاء أبي حمزة الثمالي : (بك عرفتك) التي توضحها الفقرات التالية لها : (وأنت دللتني عليك ودعوتني إليك ولولا أنت لم أدرِ ما أنت)

أما كيفية الدلالة بالذات على الذات وكيف أن الله تعالى دل عليه فلا بد من استحضار قوله تعالى : [سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] والرؤية في الآفاق تعني انتظام الكون وما فيه من عجائب الصنع والرؤية الأنفسية لما في النفس الإنسانية من دلائل وعلامات على عظيم خالقها.

وقد روي في تفسير القمي : (معنى في الآفاق الكسوف والزلازل وما يعرض في السماء من الآيات، وأما في أنفسهم فمرة بالجوع ومرة بالعطش ومرة يشبع ومرة يروى ومرة يمرض ومرة يصح ومرة يستغني ومرة يفتقر ومرة يرضى ومرة يغضب ومرة يخاف ومرة يأمن فهذا من عظيم دلالة الله على التوحيد)([3]).

 أي أن الله تعالى دل بذاته على ذاته من خلال انتظام الخلق وعظيم الصنع في الكون والخلق ؛ فلا دلالة فيها على برهان الصديقين.

3 ــ (بك عرفتك وأنت دللتني عليك) :

قد استدلوا بهذه النص المروي عن الإمام السجاد عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثمالي ، وقد تقدم الكلام فيه عند فقرة : (يا من دل بذاته على ذاته) وأنه لا دلالة فيه على معنى برهان الصديقين .

4 ــ فعرفوه به :

روي في تحف العقول أن الإمام الصادق عليه السلام سُئل : كيف سبيل التوحيد ؟ قال عليه السلام . باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود إن معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه . قيل : وكيف نعرف عين الشاهد قبل صفته ؟ قال عليه السلام : تعرفه وتعلم علمه وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك . وتعلم أن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف : إنك لأنت يوسف . قال : أنا يوسف وهذا أخي . فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب([4]).

فاستدلوا من خلال قوله عليه السلام : (فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره) على معرفة الله بالله وأنه يدل على برهان الصديقين . ولا ننفي معرفة الله بالله ، وإنما المراد بها معرفة الله من خلال أسمائه وصفاته ومما عرف به نفسه فلا تدل معرفة الله بالله على ما ذهبوا به لمعنى برهان الصديقين.

5 ـــ كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك:

روي عن الإمام الحسين عليه السلام في تتمة دعاء عرفة : (كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ)([5]).
إن هذه الفقرات من الدعاء لا تدل على المعنى المذكور لبرهان الصديقين، وليست ثمة دلالة صريحة عليه أو يمكن أن يُستظهر منها ، سوى كون وجوده تعالى أظهر من سواه ، لأن هذه الفقرات مجملة ولا يوجد فيها معنى واضح ، أو يمكن أن يُستظهر منها ، أي لا تدل على برهان الصديقين ولا على غيره . ولكن فقرة : (كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ) لا تنفي الاستدلال من المعلول على الخالق سبحانه ؛ لأن هذا أمر واضح في القرآن والحديث ، وهو وارد بكثرة ولا مجال لنفيه . وإنما يحتمل أنه أريد من خلالها المعنى الآخر ، أو قل الموضح لها هو الفقرة التي بعدها : (أَيكونُ لِغَيرِكَ مِنَ الظُهورِ ما لَيسَ لَكَ حَتّى يكونَ هُوَ الْمُظْهِرُ لَكَ).

ويمكن أن يستظهر منها مضافاً للمعنى المتقدم ــ هو أن وجوده تعالى أبين من سواه ــ هو كونه تعالى أظهر من كل شيء لأن كل شيء في الوجود يدل عليه أي من حيث افتقار خلقه إليه ودلالاتهم عليه هو أظهر من خلقه.

فلا تصلح فقرات الدعاء في الاستدلال على شيء منها على برهان الصديقين كما ادعي.

6 ــ اعرفوا الله بالله :

 روي عن الإمام الصادق عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام : (اعرفوا الله بالله والرسول بالرسالة وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان)([6]) .

وقد بيَّن معناه الشيخ الكليني حيث يقول : (معنى قوله عليه السلام : اعرفوا الله بالله يعني أن الله خلق الأشخاص والأنوار والجواهر والأعيان ، فالأعيان : الأبدان ، والجواهر : الأرواح ، وهو عز وجل لا يشبه جسما ولا روحا وليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر ولا سبب ، هو المتفرد بخلق الأرواح والأجسام فإذا نفى عنه الشبهين : شبه الأبدان وشبه الأرواح فقد عرف الله بالله وإذا شبهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله)([7]).

ويؤيد ما ذكره الشيخ الصدوق ويدل عليه ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام : (اسم الله غيره ، وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله فأما ما عبرته الألسن أو عملت الأيدي ، فهو مخلوق ، والله غاية من غاياته والمغيى غير الغاية ، والغاية موصوفة وكل موصوف مصنوع وصانع الأشياء غير موصوف بحد([8]) مسمى ، لم يتكون فيعرف كينونيته بصنع غيره ، ولم يتناه إلى غاية إلا كانت غيره ، لا يزل([9]) من فهم هذا الحكم أبداً ، وهو التوحيد الخالص ، فارعوه وصدقوه وتفهموه بإذن الله من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأن حجابه ومثاله وصورته غيره وإنما هو واحد متوحد فكيف يوحده من زعم أنه عرفه بغيره،وإنما عرف الله من عرفه بالله ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنما يعرف غيره ، ليس بين الخالق والمخلوق شيء ، والله خالق الأشياء لا من شيء كان ، والله يسمى بأسمائه وهو غير أسمائه والأسماء غيره)([10]).

ويقول الشيخ الصدوق في بيان معناه : (القول الصواب في هذا الباب هو أن يقال : عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها ، وإن عرفناه عز وجل بأنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججاً ، وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها ، فبه عرفناه ، وقد قال الصادق عليه السلام : ( لولا الله ما عرفنا  ولولا نحن ما عرف الله) ومعناه لولا الحجج ما عرف الله حق معرفته ، ولولا الله ما عرف الحجج)([11]).

وقال الفيض الكاشاني في شرحه  : (قوله عليه السلام (اعرفوا اللَّه بالله) معناه انظروا في الأشياء إلى وجوهها التي إلى اللَّه سبحانه بعد ما أثبتم أن لها رباً صانعاً .فاطلبوا معرفته بآثاره فيها من حيث تدبيره لها وقيوميته إياها وتسخيره لها وإحاطته بها وقهره عليها حتى تعرفوا اللَّه بهذه الصفات القائمة به ولا تنظروا إلى وجوهها التي إلى أنفسها أعني من حيث أنها أشياء لها ماهيات لا يمكن أن توجد بذواتها بل مفتقرة إلى موجد يوجدها فإنكم إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم اللَّه بالأشياء فلن تعرفوه إذن حق المعرفة فإن معرفة مجرد كون الشيء مفتقراً إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة في الحقيقة على أن ذلك غير محتاج إليه لما عرفت أنها فطرية بخلاف النظر الأول فإنكم تنظرون في الأشياء أولاً إلى اللَّه عز وجل وآثاره من حيث هي آثاره ثم إلى الأشياء وافتقارها في أنفسها فإنا إذا عزمنا على أمر مثلاً وسعينا في إمضائه غاية السعي فلم يكن علمنا أن في الوجود شيئاً غير مرئي الذات يمنعنا عن ذلك ويحول بيننا وبين ذلك . وعلمنا أنه غالب على أمره وأنه مسخر للأشياء على حسب مشيته ومدبر لها بحسب إرادته وأنه منزه عن صفات أمثالنا وهذه صفات بها يعرف صاحبها حق المعرفة فإذا عرفنا اللَّه عز وجل بهذا النظر فقد عرفنا اللَّه بالله وإلى مثل هذه المعرفة أشير في غير موضع من القرآن المجيد بالآيات حيث قيل [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ]([12]). وأمثال ذلك من نظائره)([13]).
والعلامة المجلسي ذكر للخبر وجوهاً أشار إليها بعض الأفاضل كما نوه لذلك في خاتمة كلامه : (اعلم أن هذه الأخبار لاسيما هذا الخبر تحتمل وجوهاً : الأول أن يكون المراد بالمعرف به ما يعرف الشيء به بأنه هو هو ، فمعنى اعرفوا الله بالله ، اعرفوه بأنه هو الله مسلوباً عنه جميع ما يعرف به الخلق من الجواهر والأعراض ومشابهة شيء منها ، وهذا هو الذي ذكره الكليني (ره) وعلى هذا فمعنى قوله والرسول بالرسالة " إلخ " معرفة الرسول بأنه أرسل بهذه الشريعة ، وهذه الأحكام ، وهذا الدين وهذا الكتاب ومعرفة كل من أولي الأمر بأنه الآمر بالمعروف والعالم العامل به ، وبالعدل أي لزوم الطريقة الوسطى في كل شيء والإحسان أي الشفقة على خلق الله والتفضل عليهم ، ورفع الظلم عنهم ، أو المعنى اعرفوا الله بالله ، أي بما يناسب ألوهيته من التنزيه والتقديس ، والرسول بما يناسب رسالته من العصمة والفضل والكمال ، وأولي الأمر بما يناسب تلك الدرجة القصوى به من العلم والعصمة والفضل والمزية على من سواه ، ويحتمل أن يكون الغرض ترك الخوض في معرفته تعالى ورسوله وحججه بالعقول الناقصة فينتهي إلى نسبة ما لا يليق به تعالى إليه وإلى الغلو في أمر الرسول والأئمة صلوات الله عليهم ، وعلى هذا يحتمل وجهين : الأول أن يكون المراد اعرفوا الله بعقولكم بمحض أنه خالق إله والرسول بأنه رسول أرسله الله إلى الخلق ، وأولي الأمر بأنه المحتاج إليه لا قامة المعروف والعدل والإحسان ، ثم عولوا في صفاته تعالى وصفات حججه عليهم السلام على ما بينوا ووصفوا لكم من ذلك ولا تخوضوا فيها بعقولكم . والثاني : أن يكون المعنى : اعرفوا الله بما وصف لكم في كتابه وعلى لسان نبيه ، والرسول بما أوضح لكم من وصفه في رسالته إليكم ، والإمام بما بين لكم من المعروف والعدل والإحسان ، كيف اتصف بتلك الأوصاف والأخلاق الحسنة ، ويحتمل الأخيران وجهاً ثالثاً وهو أن يكون المراد لا تعرفوا الرسول بما يخرج به عن الرسالة إلى درجة الألوهية ، وكذا الإمام . الثاني : أن يكون المراد بما يعرف به ما يعرف باستعانته من قوي النفس العاقلة والمدركة وما يكون بمنزلتها ، ويقوم مقامها ، فمعنى اعرفوا الله بالله ، اعرفوه بنور الله المشرق على القلوب بالتوسل إليه والتقرب به ، فإن العقول لا تهتدي إليه إلا بأنوار فيضه تعالى ، واعرفوا الرسول بتكميله إياكم برسالته ، وبمتابعته فيما يؤدي إليكم من طاعة ربكم فإنها توجب الروابط المعنوية بينكم وبينه ، وعلى قدر ذلك يتيسر لكم من معرفته ، وكذا معرفة أولي الأمر إنما تحصل بمتابعتهم في المعروف والعدل والإحسان ، وباستكمال العقل بها ، وروى الصدوق في التوحيد بإسناده عن هشام بن سالم قال : حضرت محمد بن النعمان الأحول وقام إليه رجل فقال له : بما عرفت ربك ؟ قال : بتوفيقه وإرشاده وتعريفه وهدايته ، قال : فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له : ما أقول لمن يسألني فيقول لي : بم عرفت ربك ؟ فقال : إن سأل سائل فقال : بم عرفت ربك ؟ قلت : عرفت الله جل جلاله بنفسي لأنها أقرب الأشياء إلى ، وذلك لأني أجدها أبعاضاً مجتمعة وأجزاء مؤتلفة ظاهرة التركيب ، مبينة الصنعة مبنية على ضروب من التخطيط والتصوير ، زائدة من بعد نقصان وناقصة بعد زيادة قد أنشأ لها حواس مختلفة وجوارح متباينة من بصر وسمع وشام وذائق ولامس ، محصولة على الضعف والنقص والمهانة ، لا تدرك واحدة منها مدرك صاحبتها ، ولا تقوى على ذلك ، عاجزة عن اجتلاب المنافع إليها ، ودفع المضار ، واستحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له ، وثبات صورة لا مصور لها ، فعلمت أن لها خالقاً خلقها ومصوراً صورها مخالفاً في جميع جهاتها ، قال الله تعالى : [وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ] . الثالث أن يكون المراد ما يعرف بها من الأدلة والحجج ، فمعنى اعرفوا الله بالله أنه إنما تتأتى معرفته لكم بالتفكر فيما أظهر لكم ، من آثار صنعه وقدرته وحكمته بتوفيقه وهدايته ، لا بما أرسل به الرسول من الآيات والمعجزات فإن معرفتها إنما تحصل بعد معرفته تعالى ، واعرفوا الرسول بالرسالة ، أي بما أرسل به من المعجزات والدلائل أو بالشريعة المستقيمة التي بعث بها فإنها لانطباقها على قانون العدل والحكمة يحكم العقل بحقيقة من أرسل بها ، واعرفوا أولي الأمر بعلمهم بالمعروف وإقامة العدل والإحسان وإتيانهم بها على وجهها ، وهذا أقرب الوجوه ، ويؤيده خبر ابن حازم .
ويؤيده ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى وما سأل عنه أبا بكر فلم يجبه ثم أرشد إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن مسائل فأجاب عنها ، وكان فيما سأله أن قال له : أخبرني عرفت الله بمحمد أم عرفت محمدا بالله عز وجل ؟ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام : ما عرفت الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وآله ، ولكن عرفت محمدا بالله عز وجل حين خلقه وأحدث فيه الحدود من طول وعرض ، فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال وإلهام منه وإرادة كما ألهم الملائكة طاعته ، وعرفهم نفسه بلا شبه ولا كيف ، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة . أقول : قال الصدوق (ره) بعد إيراد خبر المتن وهذا الخبر وغيرهما : القول الصواب في هذا الباب ، هو أن يقال : عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز وجل واهبها وإن عرفناه عز وجل بأنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام فهو عز وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججا ، وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها ، فبه عرفناه وقد قال الصادق عليه السلام : لولا الله ما عرفناه ، ولولا نحن ما عرف الله ، ومعناه لولا الحجج ما عرف الله حق معرفته ، ولولا الله ما عرف الحجج . إلى آخر ما ذكره (ره) وحاصل كلامه أن جميع ما يعرف الله به ينتهي إليه سبحانه ، ويرد عليه أنه على هذا تكون معرفة الرسول وأولي الأمر أيضاً بالله فما الفرق بينهما وبين معرفة الله ذلك ؟ وأيضاً لا يلائمه قوله اعرفوا الله بالله ، إلا أن يقال : الفرق باعتبار أصناف المعرفة فالمعرفة بالرسالة صنف من المعرفة بالله ، والمعرفة بالمعروف صنف آخر منها ، ومعرفة الله فيها أصناف لا اختصاص لها بصنف والمراد باعرفوا الله بالله حصلوا معرفة الله التي تحصل بالله ، هكذا حققه بعض الأفاضل)([14]).

وهذه الوجوه المحتملة للخبر كلها أقرب من تطبيق الخبر على برهان الصديقين ، والغريب أنه لا توجد في هذا الخبر دلالة عليه ،  لا نصاً ولا ظهوراً .

وفي خبر آخر بيَّنَ أمير المؤمنين عليه السلام كيفية معرفة الله تعالى بما عرَّف به نفسه حيث سُئل عليه السلام : بم عرفت ربك ؟ قال : (بما عرفني نفسه ، قيل : وكيف عرفك نفسه ، قال : لا يشبهه صورة ولا يحس بالحواس ولا يقاس بالناس ، قريب في بعده ، بعيد في قربه ، فوق كل شيء ولا يقال شيء فوقه ، أمام كل شيء ولا يقال له أمام ، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء ، وخارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء ، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره ولكل شيء مبتدأ)([15]).

وهذا الخبر مما يشير ويفسر معنى معرفة الله بالله فما ادعوه في تطبيقه على برهان الصديقين مجرد زعم من التأويل والادعاء لا شاهد له من النصوص.

وبعد ذلك اتضح أن ما استدل به على برهان الصديقين من النصوص في هذا الخبر وغيره ادعاء وتطبيق للنص فيما تبنوه وليس فيها من دلالة وإشارة عليه ، وقد صرَّ الشيخ جعفر السبحاني أن مما استُدل به من النصوص على برهان الصديقين من التأويل البعيد عن الظاهر . وكان يقتضي أن يُعمم ذلك إلى جميع ما استدلوا به من النصوص على برهان الصديقين ؛ إذ إن كل ما استدلوا به هو من التأويل البعيد عن ظاهر الآيات ، وهذا نصُّ ما ذكره : (الآيات التي أتينا بها في مطلع هذا الفصل قابلة للتطبيق على هذا البرهان بنحو ما ، إذ لو تمكنا من ملاحظة الوجود نفسه ملاحظة دقيقة أمكن أن نصل إلى اللَّه وأمكن أن نعتبر قوله تعالى [أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([16]).ناظراً إلى هذا المعنى .أي أنه شاهد على كل شيء حتى نفسه وذاته ، أو مشهود لكل الأشياء عموماً وللإنسان المتفكر في الوجود خصوصاً .كما أنه يمكن أن يقال بأن شهادة اللَّه على وحدانيته على غرار شهادته على وجوده ، لا تعني إلا أن نطالع ونلاحظ نفس الوجود لنصل إلى هذه الحقيقة .إن ملاحظة نفس الوجود تشهد على وجود اللَّه ، وأما كيف تشهد على وحدانيته ، فسيوافيك بيانه في فصل التوحيد الذاتي . كما أن آية سورة النور ، لو قلنا بقابلية انطباقها على هذا البرهان يكون المقصود من أن : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]([17]).حينئذ أن وجود اللَّه هو واقع هذا العالم ، أو أنه واهب الواقعية للممكنات ومطالعة الوجود هي التي توصلنا إلى هذه الواقعية .والحق أن يقال : إن استخراج مثل هذا المراد من الآية المذكورة أخيراً ما هو إلا من قبيل التأويل ، أو اكتشاف بعد من أبعاد القرآن ، الكثيرة لا أنه تفسير لظاهر الآية .وعلى كل حال ، سواء أكان تطبيق مفاد الآيات المذكورة على هذا البرهان صحيحاً وصائباً أم كان من قبيل التأويل واكتشاف بعد جديد من أبعاد الآيات فإن برهان الصدّيقين في حد ذاته وعلى الطريقة السينائية برهان واضح ، وقابل للاعتماد عليه بل وجدير بالاهتمام)([18]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) سورة فصلت : 53.

[2] ) الإشارات والتنبيهات (تحقيق الزارعي)،ص276.

[3] ) تفسير القمي،ج2،ص267.

[4] ) تحف العقول،ص327.