فكر أهل البيت عليهم السلام
2.18K subscribers
118 photos
17 videos
37 files
140 links
نشر فكر أهل البيت عليهم السلام
Download Telegram
إن ملا صدرا أراد أن يتخلص من بعض لوازم القول باتحاد العاقل بالمعقول فلجأ للتخلص من ذلك بـ : (بسيط الحقيقة) أي أن اعتقاده به لم يكن منبثقاً من اتحاد العاقل بالمعقول وإنما كان اعتقاده به مستقلاً فاستعان به في هذا المطلب.
ولكن الشيخ جعفر السبحاني يرى أن الملا أراد التخلص من المحاذير التي تلزم من اتحاد العاقل بالمعقول ـــ مثل تغير ذات الله جل وعلا عند علمه بالأشياء ـــ دفعه إلى القول بـ : (بسيط الحقيقة)

يقول السبحاني : (كيف يكون شيء واحد بسيط غاية الوحدة ، والبساطة صورة علمية لأَشياء مختلفة ؟ ثم إنه أثبت القاعدة المشهورة وهي أن بسيط الحقيقة كل الأَشياء وليس بشيء منها).تذكرة الأعيان،ج1،ص316.

والصحيح ما ذكرته أن اعتقاد الملا في بسيط الحقيقة كل الأشياء كان تبعاً للصوفية وابن عربي الذي يقول : (خلق الأشياء وهو عينها) وأقر صدرا كلامه.
إن شاء الله تمام التفصيل في مقال : (بسيط الحقيقة).
يقول الشيخ مصباح اليزدي في كيفية علم الله تعالى ـــ الذي حل غوامه ملا صدرا من خلال بسيط الحقيقة كما يدعي صدرا ـــ : (هذه المسألة هي من أغمض المسائل الحكمية ، وقد بذل كبار الفلاسفة والمتكلمين جهوداً وافرة لتبيينها ، وعقدوا مسائل كثيرة في باب العلم تمهيداً لحلها ، كالعقل الإجمالي ، والعلم الكلي الحاصل من الأسباب قبل تحقق مسبباتها ، وغيرها مما ركز عليه الشيخ في كتبه ، ويكفيك نموذجاً جلياً لهذه الجهود ما ترى في كتاب التعليقات ، حيث عالج هذه المسألة مرة بعد أخرى ، مما يشكّل قسماً من هذا الكتاب . ولهم أقوال عديدة ، ومباحثات طويلة ، ومناقشات عنيفة ، تعرّض لبعضها صدر المتألهين وتصدى للمحاكمة بينها ، وقد مهد نفسه مقدمات لتوضيح ما اختاره من العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي ، مما يعد أروع منتوج للتفكير الفلسفي ، وأبدع منسوج للعقل البشري ، وإن كان حقيقة المقصود أرفع ممّا يحلّق إليه طائر الذهن الإنساني)([1]).

عندما ترى ما بذله الفلاسفة من جهود في حل هذه المسألة ستجد نفسك أمام مجهود كبير يستحق الثناء والإكبار خصوصاً مع ثناء مصباح اليزيدي على تلك الجهود في هذا البحث.ولكن هذا فيما لو كنت عديم المعرفة في هذا المجال.ولو كان لديك معرفة بأن الكلام في كيفية عِلم الله تعالى لا جدوى منه وأنه من التفكر في الذات الذي لا يزيد صاحبه إلا حيرةً وانحرافاً لما كان لك إلا انتقاد مثل هذه البحوث والتحذير منها. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) تعليقة على نهاية الحكمة،ص443.
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (6)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين

إن ما يرد على ما يسمى بـ : (برهان الصديقين) من إشكالات وقيمته المعرفية يمكن تلخيصها إجمالا في أمور :

الأمر الأول :

إن برهان الصديقين لا يعدو عن كونه برهاناً إنياً أي أنه استدلال من المعلول على الخالق جل وعلا (العلة) ؛ لأن مفهوم الوجود لا تحقق له في الخارج ، وإنما هو منتزع من الموجودات ، وهو على أحسن الأحوال لم تختلف قيمته المعرفية عن قانون العلية أي الاستدلال من المعلول (المخلوق) على الخالق سبحانه نظير برهان الإمكان والوجوب وإن اختلفت صياغته وتعددت ألفاظه إذ القيمة المعرفية له تبقى في دلالة المعلول على الواجد له.

وبعبارة أخرى : القول بأن هنالك موجوداً ما ، وأن من مصاديقه موجوداً غير معلول ، هما منتزعان من موجود ما ، وهما من الملازمات التي لا مصداق لها غير موجود ما ،  والوجود هو منتزع من الموجودات (الممكنات) التي شاهدناها وانتزعنا منها مفهوم الوجود  ؛ فلم يخرج برهان الصديقين عن كونه برهاناً إنياً.

وبعبارة أوضح : إن الوجود الذي نستدل به عليه تعالى ليس إلا ما شاهدناه وانتزعناه من (المخلوقات) الممكنات الموجودة ، ولذا يكون الاستدلال عليه - تعالى - بالبرهان الإني الذي هو الاستدلال من المعلول على العلة.

ولذا أُشكل على برهان الصديقين بأنه برهان إني يسير من المعلول إلى العلة ولا ميزة له تميزه عن البرهان الإني ، وهذا ما أشار إليه ملا صدرا من الاعتراض على برهان الصديقين : (قيل عليهم ألستم قد أخذتم في الدليل وجود الممكن لما يشاهد من عدمه بعد وجوده أو قبله)([1]).

ثم ذكر رد المتبنين للبرهان على الإشكال : (فأجابوا بان هذا البرهان غير متوقف إلا على وجود موجود ما فإن كان واجباً فهو المرام وإن كان ممكناً فلا بد أن يستند إلى الواجب)([2]).

وهذا الجواب عين ما ذكره الدواني (ت:908هـ) ولكن بصيغة أخرى : (ليس الاستدلال على وجود الواجب في نفسه بل على انتسابه إلى هذا المفهوم وثبوته له على نحو ما ذكره الشيخ في الاستدلال بوجود المؤلّف على وجود ذي المؤلّف فوجود الواجب في نفسه علة لغيره مطلقاً وانتسابه إلى هذا المفهوم معلول له وقد يكون الشيء علة لشيء وفي وجوده عند آخر معلولاً له)([3]).

إن الاستدلال على وجود الله سواء كان لذات المستدل ، أو لغيره يكون الاستدلال من خلال المعلول أولى وأجلى بما جاء به الفلاسفة ، ولا يغرنك نعته بأنه استدلال بالله عليه فلا واقع لهذا يميزه عن برهان العلة والمعلول على أفضل الأحوال. لأن البرهان اللمي وهو الذي يسلك فيه من العلة إلى المعلول ، ولا علة لمطلق الوجود الشامل للواجب والممكن حقيقةً.

وما ذُكر من أجوبة تخرجه عن البرهان الإني فيها تكلف وتعسف ، ولا وجود حقيقي لها في الخارج ـــ سوى تغيير في الألفاظ لا تبدل من قيمته المعرفية ـــ ولهذا اختار الملا صدرا كون برهان الصديقن من البرهان الشبيه باللمي وأيضاً اختاره عبد الرزاق اللاهيجي السيد الطباطبائي كما يأتي ذكر كلامهم في الأمر السادس إن شاء الله تعالى . وهو أيضاً لا يخلو من تكلف ونظر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.

[2] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.

[3] ) سبع رسائل،ص120.
مطلب (بسيط الحقيقة كل الأشياء) من الوساوس الشيطانية لدى ملا صدرا.ولا يغرنك قوله بأنه مما اختص الله به، وأن لديه برهان عرشي عليه، وأنه لا يعرف على وجه الأرض من له علم به؛فهذه كلها من الوساوس الشيطانية والنفس الصوفية عند ما يسمى بصدر المتألهين!
س : هل يوجد في الأحاديث ما يدل على حدوث العالم؟
ج : توجد أحاديث كثيرة تدل على حدوث العالم من ضمنها ما رواه الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد أن رجلاً سأل الإمام الرضا عليه السلام : يا بن رسول الله ما الدليل على حدث العالم ؟ فقال عليه السلام : (أنت لم تكن ثم كنت ، وقد علمت أنك لم تُكون نفسك ، ولا كونك من هو مثلك).التوحيد،ص293.
يقول حسن زاده آملي : (بسيط الحقيقة هو كل الأشياء التي يحسب في بادئ النظر أنها تحته فإن ذلك البسيط ليس إلا تلك الأشياء وهي ليست إلا ذلك البسيط وهو محيط بها لا عليها كإحاطة الهواء على الأرض مثلاً قال سبحانه :  وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً)([1]).

الله سبحانه بكل شيء محيط بمعنى أن علمه وقدرته تعالى محيطان بكل شيء. وهذا ما يدل عليه العرف اللغوي والأسلوب البلاغي للقرآن الكريم ، ناهيك عما روي في المأثور في الدلالة على ذلك . وأما تفسير الآية وجعلها تدل على أن الله تعالى كل الأشياء ، وكل الأشياء هو ؛ فهذا من تأويل النصوص وصرفها في تأييد أوهام الصوفية . وما كنت محيداً عن الحق لو نعته بالتلاعب في النصوص من غير تقيد بحدود الشرع!

ـــــــــــــــــــ

[1] ) عيون مسائل النفس،ص336.
غرضي من انتقاد الفلسفة والعرفان الصوفي هو لكي لا يضيع أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في متاهات الغي والضلال.
س : برهان الإمكان والوجوب قائم على إبطال التسلسل فما هو الدليل على بطلان التسلسل؟
ج : إن مفاد برهان الإمكان أن ممكن الوجود (المخلوق) لا بد أن ينتهي إلى علة مستغنية عن العلة . وإلا لزم التسلسل إلى ما لا نهاية. وبعبارة أخرى : إذا لم يكن للمكن علة أوجدت ذاتها بذاتها لتوقف (أ) على (ب) ، و (ب) على (ج) ...وهكذا يتسلسل إلى ما لا نهاية وهو باطل قطعاً .
ومن أفضل الردود على بطلان التسلسل هو البداهة العقلية التي تقضي باستحالة التسلسل ولا بد أن تنتهي العلل إلى علة موجدة مستغنية عن كل علة ، وإلا ينتفي وجود علة في الوجود كانت بداية لظهور سلسلة العلل وهذا ضروري البطلان.
إذا أردت أن تشتغل في التحقيق فعليك في تحقيق الكتب المفيدة . ولا تشغل نفسك في تحقيق الكتب التي لا تعود على القارئ بالمعرفة الدينية السليمة فتتحمل وزرها وتزيد من وزر مصنفيها بتحقيقها ونشرها مثل كتاب (بسيط الحقيقة كل الأشياء) للملا علي النوري المازندراني المملوء بالهذيان وأمور لا جدوى منها ناهيك عما فيه من أباطيل وانحرافات.
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (7)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين
الأمر الثاني :

إذا لم يمكن عد برهان الصديقين من البراهين الإنية ، ويكون برهاناً لمياً يُستدل من خلال الله تعالى (العلة) على المعلول لم يكن برهاناً في إثبات وجود الخالق ، وإنما هو استدلال به على مخلوقاته ؛ فحينئذٍ عده من البراهين على إثبات الله تعالى كما ترى.

وبعبارة أخرى : إذا كان برهان الصديقين لمياً من حيث الاستدلال بوجود الله تعالى على المخلوقات ـــ كما ذكر بعضهم في تفسير لميته([1]) ـــ لا يُعد من الأدلة في إثبات وجود الله تعالى .

وهو برهان مضطرب في صياغته ، ومختلف في لميته وإنيته . بل وقع الخلاف حتى في تفسير لميته . ولشدة غموضه جعله بعضهم غير لمي وغير إني وإنما هو شبيه باللمي ، كما يأتي التعرض لذلك إن شاء الله تعالى عند عنوان : (برهان الصديقين وما في لميته وإنيته) ؛ فلا يخلو إما عده برهاناً إنياً من المعلول للعلة ، وهو بذلك لا يختلف عن دليل العلية الذي هو مختار المتكلمين وغيرهم ولا ميزة للفلاسفة لهم فيه ، أو عده من الاستدلال بالخالق على خلقه ، وبذلك يخرج عن كونه من البراهين المدللة على إثبات الخالق تعالى. أي الاستشهاد به تعالى على خلقه لا عليه ، كما يقول ابن سينا : (إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه)([2])

ويقول عبد الرزاق اللاهيجي في برهان الصديقين هم يستشهدون بالحق لا عليه : (إن هذا المنهج - أعني منهج الإلهيين - هو أوثق المناهج وأقواها وأتمها وأهداها ، وأقلها مؤونة وأكثرها معونة ، ويشبه أن يكون طريق الصديقين الذين هم يستشهدون بالحق لا عليه ، لكونه نظراً في الوجود ، وهو عين حقيقته تعالى فيغني غناء البراهين اللمية ، ويمكن الوصول به إلى معرفته تعالى وإن لم ينظر إلى موجود بالفعل بعد ما فرض إمكان وجوده)([3]).

وأما ما ذكره اللاهيجي من إمكان الوصول به إلى معرفته تعالى وإن لم ينظر إلى موجود بالفعل فهذا لا واقع له ؛ لأنه من غير النظر إلى الموجودات لم ننتزع مفهوم الوجود ومن ثم يقع الاستدلال به على وجود الخالق جل وعلا كما يأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله في الأمر السابع والثامن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) انظر عنوان : (برهان الصديقين وما في لميته وإنيته) حيث فسر بعضهم لميته من حيث الاستدلال بالخالق على خلقه.وقد فسر بعضهم اللمية بمعنى آخر ذكرته هناك.

[2] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.

[3] ) شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام،ج5،ص68.
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (8)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين
الأمر الثالث :

إن صياغة البرهان وما يفرضه الذهن من تقسيمات هي من التنظير ما بعد الوقوع ، أي التنظير للمعتقد وفرضه بعد الإيمان به ، ولا يمكن عده من الأدلة على إثبات الخالق ؛ إذ العقل مجرداً عن الإيمان بالخالق لا يمكنه أن يدرك معنى الأشد والأضعف في حقيقة الوجود ، وأن حقيقة واحده ــ أي حقيقة الوجود ــ  مختلفة بالكمال والنقص ، وما به الفقر هو معلول لغيره . وهذا الإشكال أشار إليه الملا صدرا إلا أنه لم يرتضه ، وانحاز إلى ما ذهب إليه قومه من الدفاع عنه ، ورمى خصومه بذهولهم عن بعض المقدمات إذ يقول : (الباحثين من المتأخرين لذهولهم عن بعض مقدمات هذا البرهان أو ضعف عقولهم عن إدراك معنى الأشد والأضعف في حقيقة الوجود ربما يقع بينهم الاعتراض على هذا المنهج تارة بأنه لا معنى لكون حقيقة واحده مختلفة بالكمال والنقص بحسب أصل تلك الحقيقة حتى يكون ما به الاتفاق وما به الاختلاف معنى واحدا)([1]).

ثم رده بما يعتقد به من وجود غني ومفتقر أي أنه توسد في عقيدته في رد ما ذكروه . وما ذكره لا إشكال فيه ، إلا أن محل الخلاف ليس في ذلك ، وإنما في إدراك العقل من حقيقة الوجود ـــ مجردا عن الإيمان المسبق ـــ اشتراكه ما بين الشديد والضعيف ، حيث يقول : (كون الوجود حقيقة واحدة ليس ككون الإنسان مهية واحده لأن الوحدة في المهيات ليست مثل الوحدة في الوجود لأن تلك الوحدة ذهنية عارضه للكليات زائدة على ذاتها عارضه لها بعد حذف مشخصاتها فالتقسيم جار بعد عروض الوحدة إياها لأنه عبارة عن ضم قيود متخالفة بالمقسم الواحد بأن تلك المهية الواحدة إما كذا وإما كذا وإما الوجود فليس مهية كليه واحده في الجميع حتى يجرى فيها ما ذكروه من التقسيم كسائر الطبائع الكلية التي يجوز أن توجد في الذهن ويعرضها العموم والاشتراك حتى يرد عليه التقسيم المعتبر فيه الوحدة للمقسم من جنس وحدة الأقسام إن جنساً فجنساً وإن نوعاً فنوعاً وإن شخصاً فشخصاً وقد مر أن الوجود ليس بجنس ولا نوع ولا شخص تحت نوع أو جنس ووحده هذه الحقيقة واشتراكها بين الأفراد والآحاد ضرب آخر من الوحدة والاتحاد فهذا السؤال والاعتراض ساقط بالكلية لأن موضعه ما إذا كان المقسم طبيعة كليه . فإن أورد هذا الكلام في مفهوم الوجود المشترك العام بأنه إن اقتضى الواجبية كان جميع أفراده واجباً وإلا لم يكن في الوجود ما هو واجب بالذات . نجيب بان لفظ الوجود إن كان المراد به الحكاية عن حقيقة الوجود فالأمر كما قلنا وإن كان المراد هذا المفهوم المصدري فلا يقتضى شيئاً وهو كسائر الصفات من العوارض المفتقرة إلى غيرها وليس شيء منها واجب الوجود بل ولا من الموجودات الخارجية لأنه اعتبار عقلي نعم ربما يقال بأنه عين في الواجب زائد في الممكن بمعنى أن ذاته تعالى بذاته مع قطع النظر عن غيره مصداق للحكم بأنه موجود بخلاف الممكن إذ ليس كذلك إلا إذا لوحظ معه غيره)([2]).

ومما يُرد به ما ذكره صدرا هو أن ترجح موجود ما وأن من مصاديقه موجوداً غير معلول ، مفهومان منتزعان من موجود ما ، فهما من الملازمات العامة التي لا مصداق لها غير موجود ما ، وليس هناك أمران خارجاً حتى يكون أحدهما معلولاً والآخر علة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص17.

[2] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص18.
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (9)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين
 الأمر الرابع:

إن العقل مجرداً عن الإيمان المسبق حتى لو سُلِّم بأنه يدرك اشتراك حقيقة الوجود ، للوجود الشديد والضعيف إلا أنه لا يدرك الضعيف يقتضي المعلولية إلى ما به الكمال ، وهذا ما قرره وأشار إليه الملا صدرا : (لا نسلم أن الكمال مقتضي أصل الحقيقة وأن القصور يقتضي المعلولية والافتقار إلى ما هو الكامل فإن لأحد أن يقول لو اقتضى ذات الوجود وحقيقته الواجبية لكان كل وجود واجباً ولو اقتضى الإمكان والفقر لكان الكل ممكناً ولو لم يقتض شيئاً من الوجوب والإمكان لكان كل منهما معللاً بالغير فكان الواجب مفتقراً إلى علة وهو محال وبطلان التوالي بأسرها مستلزم لبطلان المقدم بأقسامه فكون الوجود حقيقة واحده متفاوتة بالكمال والنقص أمر محال)([1]).

وأيضا رده الملا بالإيمان المسبق ـــ الذي ذكرته في الأمر الثالث ـــ ولم يلتفت إلى أن الإسقاطات المسبقة لا شأن لها بإدراك العقل مجرداً عن ذلك.أي أن محل الكلام والإشكال هو في إدراك العقل لاشتراك الوجود ما بين الموجِد والموجَد فيما لو خلي مجرداً عن الإيمان المسبق . بمعنى أن غير المؤمن لا يؤمن ولا يتلفت إلى هكذا فرضيات وصياغات ذهنية بعيدة ، لا يدركها العقل مجرداً عن الإيمان ؛ ولهذا قال الملا هادي السبزواري في تعليقه على تقرير ملا صدرا لبرهان الصديقين : (المقدمات المأخوذة في هذه الحجة وإن كانت شامخة فيها مطالب عاليه إلا أن الاستكشاف عنها في أول الأمر ليس بلازم إذ تصير به كثيرة الدقة عسرة النيل وإن كان لازماً في مقام آخر كمقام البحث عن فياضيته)([2]).

وقد أشار الخواجة الطوسي إلى أن من عرف حقيقة الواجب والممكن عرف أن وجود الممكنات به . أي أن هذا التنظير والتفريع هو بعد المعرفة والاعتقاد ، ولم يكن قبله  : (كل من عرف حقيقة الواجب والممكن كما قلناه عرف بأدنى فكر أنه لو لم يكن في الوجود واجب لم يكن لشيء من الممكنات وجود أصلا ؛ لأن الموجودات حينئذ كلّها تكون ممكنة ، والممكن ليس له من نفسه وجود ولا لغيره عنه وجود ، فلا بد من وجود واجب ليحصل وجود الممكنات منه)([3]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص17.

[2] ) التعليق على الحكمة المتعالية،ج8،ص16.

[3] ) الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية (للخواجة الطوسي)،ص56.
نقل الميرزا النوري أن السيد عبد الله شبر الكاظمي رأى الإمام الكاظم عليه السلام في الرؤيا وأعطاه قلماً فوفق للكتابة : (الشيخ أسد اللّه الكاظمي أعلى اللّه مقامه دخل على العالم المؤيد السيد السند والركن المعتمد جناب السيد عبد اللّه شبر الكاظمي ، فتعجب من كثرة تصانيفه وقلة تصانيف نفسه مع ما كان عليه من الفهم والدقة والاطلاع والاستقامة بما لا مزيد عليه فسأله عن سر ذلك ؟ فقال رحمه الله : أما كثرة مؤلفاتي فمن توجه الإمام الهمام موسى بن جعفر عليه السلام ، فإني رأيته في المنام فأعطاني قلماً وقال : اكتب فمن ذلك الوقت وفقت لذلك فكل ما برز مني فمن بركة هذا القلم).دار السلام،ج2،ص277.
ولا ريب عندي في وقوع أمثال هذه الأمور.
عدم الشكر في بعض الأحيان لعدم القناعة واستصغار النعم وأحياناً بسبب تسويلات إبليس وصرفه عن الشكر : [ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ].
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (10)
القيمة المعرفية لبرهان الصديقين
 الأمر الخامس:

حتى لو كان برهان الصديقين برهاناً لمياً  ، ولم يكن إنياً إلا أن أحد شقيه إني ، أي كون ذلك الوجود المفروض واجباً بالغير ممكناً مستلزماً للواجب ، كما لو قلنا : هذا ممكن ، وكل ممكن يستلزم الواجب. هو سلوك من المعلول إلى العلة ، وهو مفاد البرهان الإني ، والنتيجة تابعة لأخس المقدمتين (الشقين) فيكون هذا البرهان إنياً . وبعبارة أخرى بعد ما كانت إحدى مقدمتيه إنية لا يمكن عده من البرهان اللمي ، وهذا مما أُشكل به على  برهان الصديقين وأشار إليه ملا صدرا : (ثم استشكلوا في كون البيان برهانا بأن الاحتجاج منحصر في الأني واللمي والواجب تعالى ليس معلولا لشيء أصلا بل هو علة لجميع ما عداه فكل ما يستدل به على وجوده يكون دليلا آنيا)([1]).

وقد ذكر الملا ما أجابوا به إلا أنه لم يرتضه واختار كونه شبيها باللم ، أي ثمة قسم ثالث ، وهو الشبيه باللم ـــ والذي هو سير من أحد المتلازمين العامّين إلى الآخر ـــ:(أجابوا عنه بان الاستدلال بحال مفهوم الموجود على أن بعضه واجب لا على وجود ذات الواجب في نفسه الذي هو علة كل شيء فكون مفهوم الموجود مشتملاً على فرد هو الواجب حال من أحواله التي اقتضاها فالاستدلال بحال تلك الطبيعة المشتركة على أخرى معلولة للحال الأولى([2]) وربما قرروا الجواب بأنه ليس الاستدلال على وجود الواجب في نفسه بل على انتسابه إلى هذا المفهوم وثبوته له على نحو ما ذكره الشيخ في الاستدلال بوجود المؤلف على وجود ذي المؤلف فوجود الواجب في نفسه علة لغيره مطلقاً وانتسابه إلى هذا المفهوم معلول له وقد يكون الشيء في نفسه علة لشيء وفي وجوده عند آخر معلولاً كما حقق في موضعه هذا خلاصه ما أفاده بعض المحققين من أهل البحث . وفيه ما لا يخفى من التكلف([3]) والحق كما سبق أن الواجب لا برهان عليه([4])  بالذات بل بالعرض([5]) وهناك برهان شبيه باللمي)([6]).

وعند انتفاء كون برهان الصديقين برهاناً لمياً ينتفي وجه تفضيله على سائر البراهين المقامة على إثبات الخالق جل وعلا ، ومن عده أفضل البراهين ونحو ذلك من المبالغات في هذا البرهان الفلسفي . والتي لا واقع ولا دلالة تشهد بأحقيتها عند التأمل والتدقيق جيداً.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.

[2] ) علَّق عليه السيد الطباطبائي في حاشيته على الأسفار بأن تلك الطبيعة ملازمة للحال الأولى لا معلولة لها : (الحق أنها ملازمة للحال الأولى لا معلولة لها ولا هما معلولتا علة ثالثه لأنهما من اللوازم العامة المساوية للوجود ولا علة له). الحكمة المتعالية،ج8،ص28.

[3] ) بيَّن الملا هادي السبزواري في حاشيته على الأسفار أوجه ذلك التكلف : (أما أولاً فلأنه لم يكن البرهان حينئذ لمياً بل مصحوب اللم .وأما ثانياً فلأنه يجرى في سائر الطرق مثلاً يقال استدل بحال مفهوم المحدث وإنه ذو فرد حادث محتاج إلى العلة على حال أخرى له وهو إنه ذو فرد غير حادث هو الواجب لا على ذات الواجب وكذا الاستدلال بحال مفهوم المحرك وهو كونه ذا فرد متحرك محتاج إلى محرك آخر غيره على حال أخرى له وهو كونه ذا فرد غير متحرك هو الواجب لا على ذات الواجب وأما ثالثاً فلأن الاستدلال بوجود المؤلف على وجود ذي المؤلف ليس بأدنى من عكسه ولا من استنادهما إلى علة ثالثه هي الواجب فالحق أن يقال إن الشيخ وهؤلاء وكذا من قال إن كون العالم مصنوعاً ومجعولاً وعلة لكون الواجب صانع العالم لا لذاته المتعالية ومرواً إلى مقام ظهور الحق تعالى على الأشياء فإن له تعالى ظهوراً في مقام ذاته وهو ظهوره بذاته على ذاته وهو عين مقام الخفاء على مخلوقاته وظهوراً على ما عدا ذاته في مقام فعله وهو الظهور في مظاهر ذاته ومجالي صفاته).الحكمة المتعالية،ج8،ص28

[4] ) وعلَّق عليه السيد الطباطبائي بأن البرهان الذي لا يمكن إقامته على الله تعالى هو البرهان اللمي : (المراد بالبرهان البرهان المصطلح عليه في الفلسفة وهو البرهان اللمي وهو الذي يسلك فيه من العلة إلى المعلول إذ لا علة لمطلق الوجود الشامل للواجب والممكن المبحوث عنه في الفلسفة وليس المراد به ما هو مصطلح المنطقي الشامل للآني واللمي كيف وجميع البراهين المستعملة في الفلسفة ومنها القائمة على وجود الواجب براهين آنية كما عرفت فيسلك فيها من بعض لوازم الوجود ككونه حقيقة ثابتة بذاتها أو علة أولى إلى بعض آخر ككونه واجبا لذاته والدليل على إرادة ما ذكرنا قوله وهناك برهان شبيه باللمي فقد اعترف بوجود برهان هناك ونفى عنه اللمية ولا يبقى حينئذ إلا الآني).الحكمة المتعالية،ج8،ص29.

[5] ) من حواشي ملا هادي السبزواري على الأسفار : (له معنيان أحدهما ما ذكرنا من الاستتباع واللزوم في توجيه كلامهم وثانيهما أنه كما أن وجود الجوهر جوهر بالعرض ووجود العرض عرض بالعرض لماهيتهما كذلك البرهان على الوجود).الحكمة المتعالية،ج8،ص29
[6] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.من حواشي الملا هادي السبزواري : (هذا وجه آخر غير ما ذكر مما بالعرض إذ في الأول التزم انه برهان لمي إلا أنه على حال مفهوم الموجود أو على وجوده تعالى الرابطي بالذات وعلى وجوده النفسي بالعرض وفي الثاني لا يلتزم أنه برهان لمى بل شبيه باللمي لكن على أنه فوق اللمي لا أنه دونه أما انه ليس بلمي حقيقة فهو ظاهر إذ ليس هو تعالى معلولاً وأما أن الاستدلال من حقيقة الوجود على الوجوب فوق اللم فلأن كل لم مستعير في الإنارة من نور حقيقة الوجود).
مجادلة الملحدين تتطلب المعرفة بعلم الخلاف أي الإلمام في مواطن الخلاف وما لديهم من شبهات على المذهب ونحو ذلك.
وعجباً لم يدعِ أصحاب الفلسفة ويقولوا إن مجادلة المخالفين تتوقف على الفلسفة!
الشيخ الصدوق لم يقل بسهو النبي والأئمة (عليهم السلام) . وإنما قال بالإسهاء أي أن الله تعالى أسهاهم ولم يقل بالسهو ، بمعنى لم يقل أن سهو النبي والأئمة كسهو سائر البشر : (ليس سهو النبي صلى الله عليه وآله كسهونا لأن سهوه من الله عز وجل وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ رباً معبوداً دونه ، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا ، وسهونا من الشيطان وليس للشيطان على النبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم سلطان).من لا يحضره الفقيه،ج1،ص360.
وهذا يعني أن الإسهاء للنبي والأئمة (عليهم السلام) كان في موارد نادرة معدودة وليست طبيعة فيهم كطبيعة سائر البشر.
والذي ذكره الشيخ الصدوق هو بحسب فهمه ورأيه ولم يمثل رأي المذهب ولم يرتض قوله الشيخ المفيد كما هو معروف.
ومن الغريب جداً نسبة القول بالسهو للشيخ الصدوق مع أن كلامه واضح بالإسهاء وليس بالسهو ، والفرق كبير بينهما .
الشيخ المفيد يتفق مع الشيخ الصدوق بنفي السهو ، ويختلفان في الإسهاء الذي قال به الشيخ الصدوق دون الشيخ المفيد.
احتفظ بهذا جيداً
الشيخ محمد تقي الشريعتمدار ينقلب على أصحاب مدرسة الحكمة المتعالية!

إن الشيخ محمد تقي الشريعتمدار الذي حضر دروس الفلسفة والتصوف عند المعروفين في زمانه مثل أبي الحسن الشعراني ، وأبي الحسن الرفيعي القزويني ، ومرتضى مطهري ، وأثنى عليه الأخير . قد تنبه لمخاطر هذه الاتجاهات ،  وأقر بأن : (بسيط الحقيقة كل الأشياء) من التفكر في الذات : (كنت في عنفوان شبابي ساعياً في طلب المعارف مجداً في تحصيلها عن الأدلة الشافية والبراهين الكافية وقد كان اشتهر علماء الفلسفة بالعقل والتحقيق والاستدلال والتدقيق ولم يوجد في علماء الدين من يدرس أصول الدين ومعارفها بالآيات والروايات المأثورة عن المعصومين عليهم السلام والتدبر فيها والاستنباط عنها فكان قد خلا الجو لأهل الفلسفة ولم يكن بد لمن يطلب البرهان إلا أن يعكف على أبوابهم و يشرب من مشاربهم. فحضرت درس جماعة من أساتذة ذلك الفن مثل الأستاذ البارع الحاج ميرزا أبو الحسن الشعراني وآية الله السيد أبو الحسن الرفيعي القزويني والمتوغل في العرفان الحاج ميرزا مهدي الآشتياني .

والذي كان أكثر استفاداتي منه هو الأستاذ الشهيد والفيلسوف المفكر الشيخ مرتضى المطهري تغمده الله بعفوه ومغفرته فكان يدرّس في المدرسة العلمية مدرسة المروى شرح المنظومة للسبزواري . فحضرت درسه واستعذبت بيانه و تقريره فكتبت ما ألقاه و قيّدت بالكتابة ما  اصطفاه ثم عرضت عليه ما جمعته فاستصوبه وارتضاه وأطرى عليّ. ثم إني تنبهت بلطف الله وهدايته أن كثيراً من مطالبهم لا يلائم ظواهر الآيات والروايات القطعية فيلتجئون إلى تأويلها وتطبيقها على ما اعتقدوه فشككت في صحة قواعدهم وأصولهم سيما مع تذكر أن شرعنا مستقل بإقامة الأدلة والبيان ويتطلب التعقل والتفكر والإتيان بالبرهان فيذم أقواماً اتبعوا آبائهم واقتدوا بهم من غير هدى ولا علم فقال تعالى : [قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ‏]. وقال عزّ من قائل : [قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا]. وقال عزّ شأنه:[إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذينَ لا يَعْقِلُون‏]. ويمدح الذين يتفكرون في آيات الله ويتدبرون فيها، فعلمت أن من المحال أن لا ينصب مثل هذا الدين دليلاً على مقاصده ولا يقيم برهاناً على مطالبه أو يكون دليلٌ أسدّ من دلائله وبرهان أتقن من براهينه أهمله الكتاب ومعلّموه واستنبطه غيرهم . فأعدت النظر في المعارف وأدلتها وعرفت مواضع الخلل في كلمات أهل الفلسفة وقد ألهمت بفضل الله دقائق في رد أصولهم فأثبتها ذيل ما قرره الأستاذ في تحكيم مبانيهم . ثم إني أتعجب كثيراً من جماعة من العلماء الأتقياء مالوا إلى بعض مطالبهم وإن صرحوا ببطلان بعضها الآخر. فزعموا صحة القول بالوحدة المشكّكة للوجود وإن أبطلوا القول بالوحدة المحضة وقد انجذبوا إلى القول بالوحدة انجذاباً شديداً حتى أغمضوا عن زلات مبدعه وقالوا أنه لا يجازف في القول مع تفوهه بخلاف صريح القرآن الكريم كثيرا ...فلننبهك على أمور :الأول : أن إحاطة الله تعالى بكل شيء وقيوميته المطلقة وأنه لا يجري في ملكه إلا ما أذن وأن لا حول ولا قوة إلا به وأمثال هذه المطالب مما لا ريب فيه وقد تعلمنا هذه الحقائق من القرآن الكريم وروايات الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين لكنّا لا نعرف كيفية هذه الإحاطة والقيومية ولا نقول أنها بالسريان أو الاتحاد والعينية فلا نقول (أنه خلق الأشياء وهو عينها) ولا نعدو العبارات التي صدرت عن الأئمة الهداة الدعاة والقادة الهداة والسادة الولاة... ‎وبقية الله وخيرته وحزبه وعيبة علمه وحجته وصراطه ونوره وبرهانه.وكيف نعدو تعاليمهم وقد جعلهم الله حججاً على عباده وحفظة لسره وخزنة لعلمه ومستودعاً لحكمته وتراجمة لوحيه وأركاناً لتوحيده . فنحن نسلم لهم حيث قالوا : لا تتكلموا في ذات الله وإذا انتهى الكلام إلى الله فأمسكوا.  فكيف نجترأ أن نقول : (بسيط الحقيقة كل الأشياء) . وبالجملة معرفتنا بالله تعالى معرفة إجمالية . نعلم إحاطته تعالى بكل شيء ومعيته مع كل شيء ولكن لا نعلم كيفية ذلك ، كما نعلم أن الجبر باطل والتفويض باطل، ولا نتكلف تعيين المنزلة بين المنزلتين ولكن نؤمن بها إجمالاً)([1]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) تقريرات شرح المنظومة لمطهري مع تعليق الشريعتمداري،المجلد الأول،ص13.وله كلام طويل في ذلك يعرب فيه عن جملة من متبنيات الفلاسفة والصوفية الباطلة وكيف أنهم أولوا النصوص لأجل تأييدها ونحو ذلك.
(21) س : ما هو معنى بسيط الحقيقة كل الأشياء وهل يتعارض مع الدين ؟
https://hisham-alkhafaji.com/?p=1616
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (11)

القيمة المعرفية لبرهان الصديقين
الأمر السادس :

قالوا إن برهان الصديقين هو الاستدلال من خلال الوجود على ذاته ولم يؤخذ فيه وجود الممكن ولهذا عدوه أشرف البراهين وأوثقها.

والملاحظ عليه هو أن الاستدلال لم يقع من خلال الوجود الخاص لله تعالى ، أي أن الاستدلال لم يكن من خلال وجود الله تعالى عليه.وإنما وقع (الاستدلال) من خلال الوجود المشاهد للممكنات.ومن ثم حكمنا لحصة من الوجود واجبة وأخرى ممكنة . أي بسبب وجود الممكنات وانتزاع مفهوم الوجود منها انتزعنا مفهوم الواجب لنفسه ولولا ذلك لما تعقلنا واستدللنا على وجوده تعالى.فما قيل من أن الاستدلال في برهان الصديقين من خلال وجوده تعالى على ذاته لا واقع له.

الأمر السابع :

  إن المتبنين لبرهان الصديقين ذكروا أن الاستدلال فيه يكون من وجود الواجب تعالى عليه([1]) . ويردهُ هو أننا ما عرفنا وجود الله تعالى إلا بعد الإقرار والإيمان به فما ذُكر مجرد زعم . والاستدلال إنما يقع من الموجود (الممكن) المعلوم المشاهد ، ولم يكن من طبيعة الوجود المنتزعة من ذات الله تعالى . والموجود المعلوم المشاهد ليس منتزعاً عن ذات الله تعالى ؛ لأن الاستدلال من الموجود المشاهد المعلوم ليس هو وجوده الخاص.ولولا وجوده (الممكن) لما عرفنا وجوده تعالى ، ولما استدللنا عليه . روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: (فهو الذي تشهد له أعلام الوجود . على إقرار قلب ذي الجحود)([2]).

وعنه عليه السلام: (وكل قائم في سواه معلول)([3]).أي كل ما لم يكن وجوده من ذاته فهو معلول لغيره أي تحقق وجوده من غيره .

وعن الإمام الرضا عليه السلام : (بصنع الله يستدل عليه)([4]).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) في الأمر السادس بناءً على أن الاستدلال من خلال مطلق الوجود الشامل للواجب والممكن ، وفي الأمر السابع بناءً على الاستدلال من خلال الوجود الخاص لله تعالى ، وفي كل منهما ادعاء لا واقع له ، لأن الاستدلال إنما هو من خلال الوجود المُنتزع من المعلولات ، أو قل من خلال المعلولات التي أُخذ وجودها في الدلالة عليه تعالى.

[2] ) نهج البلاغة،ج1،ص99.

[3] ) نهج البلاغة،ج2،ص119.

[4] ) توحيد الصدوق،ص35.