الأثر الفلسفي والعرفاني عند ابن أبي جمهور الأحسائي(42)
الفلاسفة أفضل الخلق!
يرى ابن أبي جمهور الفلاسفة الذي ينعتهم بالحكماء أنهم أفضل الخلق عند حديثه في معرفة حقيقة النفس : (إن الحكماء الذين هم أفضل الخلق يعجز أكثرهم عن إدراك حقيقة نفسه)([1]).
إن الفلاسفة كانوا من المُعرِضين عن الأنبياء عليهم السلام ، وعلى مر العصور كانوا على خلاف خط المتشرعة ، وفلسفتهم في قبال شريعة السماء كما بينتُ ذلك بشيء من التفصيل في : (الأوهام الفلسفية) ؛ فمن الشيء الغريب جعلهم أفضل الخلق . ولا يقول بذلك إلا من كان ذا نزعة وتأثر بالغ في الفلسفة وما أوضح هذا الكلام على أثره الفلسفي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) مجلي مرآة المنجي،ج2،ص545.
الفلاسفة أفضل الخلق!
يرى ابن أبي جمهور الفلاسفة الذي ينعتهم بالحكماء أنهم أفضل الخلق عند حديثه في معرفة حقيقة النفس : (إن الحكماء الذين هم أفضل الخلق يعجز أكثرهم عن إدراك حقيقة نفسه)([1]).
إن الفلاسفة كانوا من المُعرِضين عن الأنبياء عليهم السلام ، وعلى مر العصور كانوا على خلاف خط المتشرعة ، وفلسفتهم في قبال شريعة السماء كما بينتُ ذلك بشيء من التفصيل في : (الأوهام الفلسفية) ؛ فمن الشيء الغريب جعلهم أفضل الخلق . ولا يقول بذلك إلا من كان ذا نزعة وتأثر بالغ في الفلسفة وما أوضح هذا الكلام على أثره الفلسفي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) مجلي مرآة المنجي،ج2،ص545.
الأثر الفلسفي والعرفاني عند ابن أبي جمهور الأحسائي 43 (آخر المقالات في هذا الخصوص)
تأثر الأحسائي بالصوفي حيدر الآملي
إن من دلائل تأثر ابن أبي جمهور الأحسائي بالتصوف تأثره في كلام السيد حيدر الآملي ، والثناء عليه في أكثر من موضع في كتاب المجلي ، فمثلاً نقل كلامه في قلب العارف تحت عنوان : (كلام الآملي في أسرار القلب) حيث يقول : (قال الفاضل المتأخر : المراد بالاتساع ليس مجرد النظر فقط بل المراد قابلية اتصاف القلب بصفاته وأسمائه وأفعاله وعلى الجملة للقلب قابلية اتصافه بما اتصفت ذاته الجامعة للكل...)([1]).
ووصفه بالعلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي : (السيد العلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي)([2]).
وقد أشار الخوانساري في روضات الجنات إلى ثناء ابن أبي جمهور الأحسائي على السيد حيدر الآملي عند ترجمته للآملي : (سيد أفاضل المتألهين حيدر بن علي العبيدي الحسيني الآملي هو من أجلة علماء الظاهر ، والباطن ، وأعاظم فضلاء البارز ، والكامن ذكره ابن أبي جمهور الأحسائي الفقيه العارف المشهور بعنوان السيد العلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي)([3]).
إن السيد حيدر الآملي عليه مؤاخذات كثيرة([4]) بسبب تبنيه معتقدات الصوفية . بل هو من أبرز صوفية الشيعة المدافعين عن التصوف ومعتقداته .
ومن هنا لك أن تعرف أن بعض الثناء والتقييم في كتب السير وأحوال العلماء لا واقع له وغير مستند إلى أسس ورؤية معرفية صحيحة ، مثل ثناء وتقييم الخوانساري في روضات الجنات للصوفي حيدر الآملي.
وقد كان السيد حيدر الآملي شديد التأثر في ابن عربي ومصنفاته مثل الفتوحات والفصوص . بل هو متأثر حتى في مكاشفاته التي أخذها على نحو المسلمات . وعندما تطالع ثناءه على ابن عربي ومصنفاته تحسبه فاق حد الغلو ، وغلب سكر التصوف على دينه وعقله ؛ فمن تصديقه في مكاشفاته وثنائه على الفتوحات المكية يقول : (إن مكة كما صارت موجب الفتح للفتوحات المكية على قلب الشيخ الأعظم بليلة واحدة والمدينة سبب الفتوحات المدنية كذلك وعلى قلوب أمثاله من عباد اللّه تعالى كثيرا ، صار المشهد المقدس الغروي الذي هو مشهد مولانا وسيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موجب الفتح للفتوحات الغيبية على قلبي إجمالاً ثم تفصيلاً منها : (تأويل القرآن الكريم) وغيره من الكتب كما سبق بيانها في الفهرست ومنها (حقائق فصوص الحكم ومعانيه ومعارفه) هذه على ما ينبغي من غير عمل سابق ولا سبب لاحق بل لمجرد التوجه إلى جنابه والاستدعاء من حضرة جلت قدرته وعظمت منته)([5]).
تأثر الأحسائي بالصوفي حيدر الآملي
إن من دلائل تأثر ابن أبي جمهور الأحسائي بالتصوف تأثره في كلام السيد حيدر الآملي ، والثناء عليه في أكثر من موضع في كتاب المجلي ، فمثلاً نقل كلامه في قلب العارف تحت عنوان : (كلام الآملي في أسرار القلب) حيث يقول : (قال الفاضل المتأخر : المراد بالاتساع ليس مجرد النظر فقط بل المراد قابلية اتصاف القلب بصفاته وأسمائه وأفعاله وعلى الجملة للقلب قابلية اتصافه بما اتصفت ذاته الجامعة للكل...)([1]).
ووصفه بالعلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي : (السيد العلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي)([2]).
وقد أشار الخوانساري في روضات الجنات إلى ثناء ابن أبي جمهور الأحسائي على السيد حيدر الآملي عند ترجمته للآملي : (سيد أفاضل المتألهين حيدر بن علي العبيدي الحسيني الآملي هو من أجلة علماء الظاهر ، والباطن ، وأعاظم فضلاء البارز ، والكامن ذكره ابن أبي جمهور الأحسائي الفقيه العارف المشهور بعنوان السيد العلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي)([3]).
إن السيد حيدر الآملي عليه مؤاخذات كثيرة([4]) بسبب تبنيه معتقدات الصوفية . بل هو من أبرز صوفية الشيعة المدافعين عن التصوف ومعتقداته .
ومن هنا لك أن تعرف أن بعض الثناء والتقييم في كتب السير وأحوال العلماء لا واقع له وغير مستند إلى أسس ورؤية معرفية صحيحة ، مثل ثناء وتقييم الخوانساري في روضات الجنات للصوفي حيدر الآملي.
وقد كان السيد حيدر الآملي شديد التأثر في ابن عربي ومصنفاته مثل الفتوحات والفصوص . بل هو متأثر حتى في مكاشفاته التي أخذها على نحو المسلمات . وعندما تطالع ثناءه على ابن عربي ومصنفاته تحسبه فاق حد الغلو ، وغلب سكر التصوف على دينه وعقله ؛ فمن تصديقه في مكاشفاته وثنائه على الفتوحات المكية يقول : (إن مكة كما صارت موجب الفتح للفتوحات المكية على قلب الشيخ الأعظم بليلة واحدة والمدينة سبب الفتوحات المدنية كذلك وعلى قلوب أمثاله من عباد اللّه تعالى كثيرا ، صار المشهد المقدس الغروي الذي هو مشهد مولانا وسيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موجب الفتح للفتوحات الغيبية على قلبي إجمالاً ثم تفصيلاً منها : (تأويل القرآن الكريم) وغيره من الكتب كما سبق بيانها في الفهرست ومنها (حقائق فصوص الحكم ومعانيه ومعارفه) هذه على ما ينبغي من غير عمل سابق ولا سبب لاحق بل لمجرد التوجه إلى جنابه والاستدعاء من حضرة جلت قدرته وعظمت منته)([5]).
ومن ضمن تصديقه بمكاشفات ابن عربي وثنائه على فصوصه : (كان للنبي صلى الله عليه وآله كتابان : النازل عليه والصادر منه . أما الكتاب النازل فالقرآن وأما الكتاب الصادر فالفصوص وبينا أنهما عديما المثال والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما وأما الشيخ الأعظم فقد بينا أيضاً أن له كتابين : الواصل إليه والصادر منه . أما الكتاب الواصل إليه ، فالفصوص وأما الكتاب الصادر منه فالفتوحات . وبينا أنهما عديما المثال والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما . وأما الذي لنا فذلك أيضاً كتابان : الفائض علينا والصادر منا أما الكتاب الفائض علينا فهو التأويلات للقرآن الكريم المشتمل على العلوم والمعارف الإلهية القرآنية من أنفسها وأشرفها المحتوي على الرموز والكنايات المصطفوية والدقائق والحقائق المحمدية الصادق عليها ما قال الحق في حق بعض عبيده الخاصين : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ومن ثم صار هذا الكتاب موسوما بالمحيط الأعظم والطود الأشم في تأويل كتاب اللّه العزيز المحكم . وصار مرتباً على مجلدات سبعة كبار تبركاً بسبعة من الأنبياء الكبار وبسبعة من الأقطاب وبسبعة من الأبدال بحيث تكون مقدماته مع الفاتحة مجلداً واحداً وكل سدس منه أي من القرآن الكريم مجلد آخر وهذا كالفصوص بالنسبة إلى الشيخ الأعظم وكالقرآن بالنسبة إلى النبي وترتيبه أنه مرتب على تسعة عشر من المقدمات والدوائر لأن المقدمات سبعة والدوائر اثنا عشر تطبيقاً أي مطابقة بالعالم الصوري والمعنوي والكتاب (29 ألف) الأنفسي والكتاب القرآني فإن كل واحد واحد من هذه العوالم والكتب منحصر في تسعة عشر مرتبة لقوله تعالى:[عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ]([6]) وتحقيق هذه الأمور كلها يعرف من الاطلاع عليه يعني على هذا الكتاب وعلى ما في ضمنه . وأما الكتاب الصادر منا فهذا الشرح وإن لم يخل من الفيض فإنه أيضاً جامع لعلوم كثيرة ومعارف جمة . وهو مرتب كما بيناه على سبعة وعشرين دائرة مجدولة وعلى أبواب وفصول متنوعة وأنواع وأقسام متعددة وهو بإزاء الفصوص بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وبإزاء الفتوحات بالنسبة إلى الشيخ الأعظم ولذلك وقعا عديمي المثل والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما ككتابيهما وكما صار أساس فضيلة نبينا صلى الله عليه وآله مبنياً على الكتابين المذكورين صار أساس فضيلة الشيخ الأعظم مبنياً على الكتابين المذكورين صار أساس فضيلتنا مبنياً على الكتابين المذكورين)([7]).
إن الوهم والخرافات بلغت منتهاها في هذه الأسطر المعدودة مما تجعل العاقل متعجباً متحيراً من أمر كاتبها ، ولكن الواقع يحتم علينا أن لا نعجب من الصوفية وأفعالهم الفظيعة وأقوالهم الغريبة وإن كانوا ينتمون لدائرة أتباع أهل البيت عليهم السلام .
ولا يتأثر أحد في السيد حيدر الآملي وينقل متبنياته إلا من كان لديه تأثر واضح في التصوف فتنبه ولا تغفل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) مجلي مرآة المنجي،ج5،ص1728.
[2] ) مجلي مرآة المنجي،ج4،ص1262.
[3] ) روضات الجنات،ج2،ص377
[4] ) أشرتُ إلى بعضها في كتاب التصوف والعرفان تحت عنوان : (وقفات مع السيد حيدر الآملي) .
[5] ) نص النصوص،ص646.
[6] ) سورة المدثر :30 .
[7] ) نص النصوص،ص148.
إن الوهم والخرافات بلغت منتهاها في هذه الأسطر المعدودة مما تجعل العاقل متعجباً متحيراً من أمر كاتبها ، ولكن الواقع يحتم علينا أن لا نعجب من الصوفية وأفعالهم الفظيعة وأقوالهم الغريبة وإن كانوا ينتمون لدائرة أتباع أهل البيت عليهم السلام .
ولا يتأثر أحد في السيد حيدر الآملي وينقل متبنياته إلا من كان لديه تأثر واضح في التصوف فتنبه ولا تغفل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) مجلي مرآة المنجي،ج5،ص1728.
[2] ) مجلي مرآة المنجي،ج4،ص1262.
[3] ) روضات الجنات،ج2،ص377
[4] ) أشرتُ إلى بعضها في كتاب التصوف والعرفان تحت عنوان : (وقفات مع السيد حيدر الآملي) .
[5] ) نص النصوص،ص646.
[6] ) سورة المدثر :30 .
[7] ) نص النصوص،ص148.
لا ينبغي للمؤمن الغيور على دينه أن يحترم الصوفية لاسيما المروجين للتصوف منهم.
من الأوهام التي جاء بها الفلاسفة وصدَّق بها الكثير من الخواص فضلاً عن غيرهم ما يسمى ببرهان الصديقين وحسبوه أفضل البراهين مع أن قيمته المعرفية لا تختلف عن برهان العلة والمعلول على أحسن وجه.
تلقاه هؤلاء الخواص بالقبول ولو أنهم تأملوا جيداً في قيمته المعرفية لما فضلوه عن برهان العلية ولما حسبوه أوثق البراهين.
وما جاءوا به من نصوص في تأييده والتدليل من خلاها عليه كنت أعرفها جيداً من التأويل ولا شأن لها في هذا البرهان .
ولكن كيف لي أن أقنع هؤلاء بأن هذه النصوص لا شأن لها به،وما ذكروه تأويلاً لا يخفى على ذي عين؟!
وكنت أبحث ُعن قول يؤيد كلامي ويزيد من إقناع المغلوب على أمرهم بأن النصوص المذكورة وقع عليها التأويل ولا تصلح هنا كدليل.
ومن الشيء الحسن أن قادني ثنايا البحث إلى الوقوف على كلام الشيخ جعفر السبحاني الذي صرح بوضوح في تأويل النصوص وأنها بعيده عن المعنى المذكور.
ومن الطرائف التي ذكرها بعض من تبنى برهان الصديقين هو القول بلميته وأنه استدلال من العلة على المعلول.
وكيف لي أن أقنع بعض الدارسين بأن هذا من الطرائف وتغيير في الألفاظ الذي لا يغير من الواقع شيئاً وهم تلقوه بالتسليم من دون أدنى تفكير؟!
والحمد لله أن وقفت على كلام بعض أصحاب الاتجاه الفلسفي ممن أبطل لميته وجعل القول بلميته تكلف وتعسف بغير حق.
إن شاء الله قريباً : (دليل الصديقين ما بين الدلالة والإدعاء) في حلقات على قناة التلكرام.
تلقاه هؤلاء الخواص بالقبول ولو أنهم تأملوا جيداً في قيمته المعرفية لما فضلوه عن برهان العلية ولما حسبوه أوثق البراهين.
وما جاءوا به من نصوص في تأييده والتدليل من خلاها عليه كنت أعرفها جيداً من التأويل ولا شأن لها في هذا البرهان .
ولكن كيف لي أن أقنع هؤلاء بأن هذه النصوص لا شأن لها به،وما ذكروه تأويلاً لا يخفى على ذي عين؟!
وكنت أبحث ُعن قول يؤيد كلامي ويزيد من إقناع المغلوب على أمرهم بأن النصوص المذكورة وقع عليها التأويل ولا تصلح هنا كدليل.
ومن الشيء الحسن أن قادني ثنايا البحث إلى الوقوف على كلام الشيخ جعفر السبحاني الذي صرح بوضوح في تأويل النصوص وأنها بعيده عن المعنى المذكور.
ومن الطرائف التي ذكرها بعض من تبنى برهان الصديقين هو القول بلميته وأنه استدلال من العلة على المعلول.
وكيف لي أن أقنع بعض الدارسين بأن هذا من الطرائف وتغيير في الألفاظ الذي لا يغير من الواقع شيئاً وهم تلقوه بالتسليم من دون أدنى تفكير؟!
والحمد لله أن وقفت على كلام بعض أصحاب الاتجاه الفلسفي ممن أبطل لميته وجعل القول بلميته تكلف وتعسف بغير حق.
إن شاء الله قريباً : (دليل الصديقين ما بين الدلالة والإدعاء) في حلقات على قناة التلكرام.
ترك الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) أفضل دليل على إثبات وجود الخالق وهو ما يسمى ببرهان الصديقين لكي يقيمه الفارابي وابن سينا!
هذا ما يحسبه إخوان اليونان
هذا ما يحسبه إخوان اليونان
Forwarded from البرهان في بيان أوهام الفلسفة والعرفان
(91) س : هل أهمية الاطلاع على الفلسفة والتصوف ومعرفة ما فيهما من مؤاخذات تقتصر على التفسير والعقائد؟
ج : ضرورة الاطلاع على الفلسفة والتصوف ومعرفة ما فيهما من مخالفات للدين لا يقتصر أهميته على التفسير والكلام ، وإنما في مجالات متعددة ؛ تصور لو أنك أردت أن تكتب في السير وتراجم الرجال ، أو تقرأ في ذلك ، ولم يكن لديك اطلاع على الفلسفة والتصوف ، وما عليهما من مؤاخذات ؛ فسوف تشبه كثيراً ، ويختلط عليك الرأي السديد بالقول الشنيع ، وتثني على الصوفي صاحب البدع والمعتقدات الفاسدة مثل حيدر الآملي ـــ وما أكثر ما لديه من أباطيل في تفسيره وشرحه لفصوص ابن عربي ـــ وتدفع الرأي السديد الذي شخص صاحب الأثر الفلسفي والصوفي مثل ما حدث مع ابن أبي جمهور الأحسائي ، الذي صرَّح الكثير من العلماء بتأثره بتلك الاتجاهات وإلى جنب ذلك يوجد من نفاها عنه من غير تبصر ومعرفة بحاله ، أو بسبب عدم معرفته بالمعتقدات الفلسفية الباطلة ، ولربما لو مر عليها لحسبها من الأسرار ومعارف الدين الحقة.
ج : ضرورة الاطلاع على الفلسفة والتصوف ومعرفة ما فيهما من مخالفات للدين لا يقتصر أهميته على التفسير والكلام ، وإنما في مجالات متعددة ؛ تصور لو أنك أردت أن تكتب في السير وتراجم الرجال ، أو تقرأ في ذلك ، ولم يكن لديك اطلاع على الفلسفة والتصوف ، وما عليهما من مؤاخذات ؛ فسوف تشبه كثيراً ، ويختلط عليك الرأي السديد بالقول الشنيع ، وتثني على الصوفي صاحب البدع والمعتقدات الفاسدة مثل حيدر الآملي ـــ وما أكثر ما لديه من أباطيل في تفسيره وشرحه لفصوص ابن عربي ـــ وتدفع الرأي السديد الذي شخص صاحب الأثر الفلسفي والصوفي مثل ما حدث مع ابن أبي جمهور الأحسائي ، الذي صرَّح الكثير من العلماء بتأثره بتلك الاتجاهات وإلى جنب ذلك يوجد من نفاها عنه من غير تبصر ومعرفة بحاله ، أو بسبب عدم معرفته بالمعتقدات الفلسفية الباطلة ، ولربما لو مر عليها لحسبها من الأسرار ومعارف الدين الحقة.
Forwarded from مركز الكلمة الطيبة/النجف الأشرف
س : من إشكالات بعض الملحدين : إذا كان لكل موجود علة فهذا يقتضي أن يكون لله علة . كيف نرد على هذا الإشكال؟
ج : إن كتب الكلام والأدلة المقامة على إثبات الخالق لم تقل لكل موجود علة،وإنما لكل ممكن علة؛فأصل الاعتراض غير صحيح.والله سبحانه هو الغني ولم يكن بحاجة إلى علة. وأما كيفية ذلك وتعقله فهو فوق إدراك البشر .
ثم مضافاً لذلك نفس الإشكال يرد على الملحدين ، حيث ادعى الملحدون أن المادة هي التي أوجدت العالم . فمن الموجد لتلك المادة؟!
ج : إن كتب الكلام والأدلة المقامة على إثبات الخالق لم تقل لكل موجود علة،وإنما لكل ممكن علة؛فأصل الاعتراض غير صحيح.والله سبحانه هو الغني ولم يكن بحاجة إلى علة. وأما كيفية ذلك وتعقله فهو فوق إدراك البشر .
ثم مضافاً لذلك نفس الإشكال يرد على الملحدين ، حيث ادعى الملحدون أن المادة هي التي أوجدت العالم . فمن الموجد لتلك المادة؟!
Forwarded from البرهان في بيان أوهام الفلسفة والعرفان
ساعة الصفر تقترب من برهان الصديقين ، ذلك البرهان الذي أُخذ أخذ المسلمات وشاع وانتشر على أنه أفضل البراهين ثم تأولوا النصوص لكي تنسجم معه ؛ ولهذا أردتُ أن أحدثكم عن حكاية انطلت على خاصة الخواص ناهيك عن غيرهم وأكشف دلالتها ووهمها ، وأقطع أيدي المتطاولين على النصوص الذين يسوقونها حيث شاءوا من غير بصيرة وتأمل.
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (1)
توطئة وتمهيد
إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام حرصوا أشد الحرص وبلغوا منتهى النصح في هداية العباد ، وإرشادهم إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى ، ولم يدخروا في سبيل ذلك شيئاً ؛ فلم يفتهم دليل الصديقين لو كان دليلاً في ذلك حتى يأتي الفارابي وابن سينا والملا صدرا وأقرانهم لكي يشيدوه ويجعلونه دليلاً مهماً في إثبات الخالق جل وعلا . وبسبب ذلك وغيره تجد من يرفع شأن الفلاسفة على حساب قدر الأنبياء والأوصياء بغير حق وإن كان من غير التفات وقصد.
ولذا كان من الضروري التنبيه على القيمة المعرفية لبرهان الصديقين ، وهل حقاً جاء الفلاسفة بدليل مهم فات الأنبياء والأوصياء ، ومن تبعهم من العلماء ، لكي يبزغ فجره ويصدح أمره على ألسنة الفلاسفة ؟!
سبب التسمية بالصديقين
إن ابن سينا وسم هذا البرهان بالصديقين : (إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه)([1]). ثم شاع بهذه التسمية وعُرِّف بها كما ذكر الخواجة الطوسي في طريقة استدلال الفلاسفة الإلهيين ــ كما يقول ــ أي استدلال ابن سينا وقومه على الخالق سبحانه : (لما كان طريقة قومه أصدق الوجهين وسمهم بالصديقين فإن الصديق هو ملازم الصدق)([2]).
وأيضاً ملا صدرا صرَّح بأن تسميته بالصديقين جاءت من ابن سينا ثم تبعه المتأخرون في التسمية : (هذا ما وصفه الشيخ في الإشارات بأنه طريقه الصديقين وتبعه المتأخرون فيه)([3]).
وقال الزارعي في تعليقه على نهاية الحكمة بأن أول من سماه ببرهان الصديقين هو ابن سينا : (أول من سماه ببرهان الصديقين هو الشيخ الرئيس)([4]).
ثم بعد ابن سينا أخذه المتأثرون في الفلسفة على نحو المسلمات وجروا على تصديق ابن سينا في أن هذا البرهان هو أوثق الطرق وأصدقها متفاخرين به على غيرهم من غير إمعان ونظر.
وقد كان لسبب تسميته بـ : (برهان الصديقين) دور كبير في اشتهاره وذياع صيته . ومما ساهم في تلقيه هو الدور العاطفي الذي يتماشى مع عقيدة المؤمنين من غير التأمل والتدقيق في قيمته المعرفية ، مضافاً لدور السينوية المتأثرين في ابن سينا وفلسفته حيث عملوا على إكباره وإعظامه ، ودحض كل ما يوجب توهينه وإضعافه.
ولكن قبل ابن سينا توجد كلمات منسوبة للفارابي وغيره تدل عليه ، ومن ضمنها ما نُقل عن الشبلي : (كل إشارة أشار بها الخلق إلى الحق فهي مردودة عليهم حتى يشيروا بالحق إلى الحق ، وليس لهم إلى ذلك سبيل)([5]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[2] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص67.
[3] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.
[4] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.
[5] ) نتائج الأفكار القدسية،ج4،ص107.
توطئة وتمهيد
إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام حرصوا أشد الحرص وبلغوا منتهى النصح في هداية العباد ، وإرشادهم إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى ، ولم يدخروا في سبيل ذلك شيئاً ؛ فلم يفتهم دليل الصديقين لو كان دليلاً في ذلك حتى يأتي الفارابي وابن سينا والملا صدرا وأقرانهم لكي يشيدوه ويجعلونه دليلاً مهماً في إثبات الخالق جل وعلا . وبسبب ذلك وغيره تجد من يرفع شأن الفلاسفة على حساب قدر الأنبياء والأوصياء بغير حق وإن كان من غير التفات وقصد.
ولذا كان من الضروري التنبيه على القيمة المعرفية لبرهان الصديقين ، وهل حقاً جاء الفلاسفة بدليل مهم فات الأنبياء والأوصياء ، ومن تبعهم من العلماء ، لكي يبزغ فجره ويصدح أمره على ألسنة الفلاسفة ؟!
سبب التسمية بالصديقين
إن ابن سينا وسم هذا البرهان بالصديقين : (إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه)([1]). ثم شاع بهذه التسمية وعُرِّف بها كما ذكر الخواجة الطوسي في طريقة استدلال الفلاسفة الإلهيين ــ كما يقول ــ أي استدلال ابن سينا وقومه على الخالق سبحانه : (لما كان طريقة قومه أصدق الوجهين وسمهم بالصديقين فإن الصديق هو ملازم الصدق)([2]).
وأيضاً ملا صدرا صرَّح بأن تسميته بالصديقين جاءت من ابن سينا ثم تبعه المتأخرون في التسمية : (هذا ما وصفه الشيخ في الإشارات بأنه طريقه الصديقين وتبعه المتأخرون فيه)([3]).
وقال الزارعي في تعليقه على نهاية الحكمة بأن أول من سماه ببرهان الصديقين هو ابن سينا : (أول من سماه ببرهان الصديقين هو الشيخ الرئيس)([4]).
ثم بعد ابن سينا أخذه المتأثرون في الفلسفة على نحو المسلمات وجروا على تصديق ابن سينا في أن هذا البرهان هو أوثق الطرق وأصدقها متفاخرين به على غيرهم من غير إمعان ونظر.
وقد كان لسبب تسميته بـ : (برهان الصديقين) دور كبير في اشتهاره وذياع صيته . ومما ساهم في تلقيه هو الدور العاطفي الذي يتماشى مع عقيدة المؤمنين من غير التأمل والتدقيق في قيمته المعرفية ، مضافاً لدور السينوية المتأثرين في ابن سينا وفلسفته حيث عملوا على إكباره وإعظامه ، ودحض كل ما يوجب توهينه وإضعافه.
ولكن قبل ابن سينا توجد كلمات منسوبة للفارابي وغيره تدل عليه ، ومن ضمنها ما نُقل عن الشبلي : (كل إشارة أشار بها الخلق إلى الحق فهي مردودة عليهم حتى يشيروا بالحق إلى الحق ، وليس لهم إلى ذلك سبيل)([5]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[2] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص67.
[3] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.
[4] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.
[5] ) نتائج الأفكار القدسية،ج4،ص107.
إن التسمية بـ : (برهان الصديقين) لم ترد في حديث أهل البيت عليهم السلام ، كما أن المعنى المذكور لصيغة البرهان لم ترد في الحديث أيضاً ، والنصوص التي استشهدوا بها على البرهان لم تنطبق على معناه ــ كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى ــ وهذا مما يتطلب الالتفات إليه .
عن أمير المؤمنين عليه السلام : (اقبل أعذار الناس تستمتع بإخائهم والقهم بالبشر تمت أضغانهم) غرر الحكم
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (2)
برهان الصديقين مما جاء به الفلاسفة
قبل التعرض لصياغة البرهان وما فيه من كلام يتطلب التنويه إلى أن برهان الصديقين مما انفردت به الفلاسفة سواء فلاسفة المشاء والإشراق أي الصوفية (العرفاء) ، ولم يرتضه المتكلمون وسائر العلماء على تعدد مشاربهم ومتبنياتهم ؛ فلا يُتوهم بأنه دليل مسلَّم عند علماء المسلمين ، يشير الخواجة الطوسي إلى أن برهان الصديقين من مختصات الفلاسفة وأنهم يستدلون به على إثبات الله تعالى : (وأما الإلهيون فيستدلون بالنظر في الوجود وأنه واجب أو ممكن على إثبات واجب)([1]).
والعلامة الحلي بعد أن التعرض لدليل الصديقين نوه إلى أن المتكلمين اختاروا طريقاً آخر غير طريق الفلاسفة : (والمتكلمون سلكوا طريقاً آخر)([2]).
والمقداد السيوري في إرشاد الطالبين([3]) أشار إلى أن برهان الصديقين مما جاء به الفلاسفة في قبال طريق المتكلمين : (استدل المصنف ــ يقصد العلامة الحلي ــ على إثباته بطريقة الحكماء في هذا الباب ، وهو أن ننظر في الوجود نفسه حتى نشهد بوجود واجب الوجود ، وهي طريقة شريفة أشير إليها في الكتاب العزيز في قوله [أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]. وأما المتكلمون فيستدلون : بأن العالم محدث ، وكل محدث مفتقر إلى المؤثر ، فالعالم مفتقر إلى المؤثر ، وهي طريقة الخليل عليه السلام وإليها أشير في الكتاب العزيز بقوله : [سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] فالأول برهان لمي والثاني إني)([4]).
يقول ملا صدرا إن المتكلمين والطبيعيين وغيرهم يتوسلون إلى معرفة الله تعالى بغير برهان الصديقين : (كالمتكلمين والطبيعيين وغيرهم يتوسلون إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة اعتبار أمر آخر غيره)([5]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[2] ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص392.
[3] ) إرشاد الطالبين هو شرح على كتاب نهج المسترشدين في أصول الدين للعلامة الحلي .
[4] ) إرشاد الطالبين،ص176.
[5] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص14.
برهان الصديقين مما جاء به الفلاسفة
قبل التعرض لصياغة البرهان وما فيه من كلام يتطلب التنويه إلى أن برهان الصديقين مما انفردت به الفلاسفة سواء فلاسفة المشاء والإشراق أي الصوفية (العرفاء) ، ولم يرتضه المتكلمون وسائر العلماء على تعدد مشاربهم ومتبنياتهم ؛ فلا يُتوهم بأنه دليل مسلَّم عند علماء المسلمين ، يشير الخواجة الطوسي إلى أن برهان الصديقين من مختصات الفلاسفة وأنهم يستدلون به على إثبات الله تعالى : (وأما الإلهيون فيستدلون بالنظر في الوجود وأنه واجب أو ممكن على إثبات واجب)([1]).
والعلامة الحلي بعد أن التعرض لدليل الصديقين نوه إلى أن المتكلمين اختاروا طريقاً آخر غير طريق الفلاسفة : (والمتكلمون سلكوا طريقاً آخر)([2]).
والمقداد السيوري في إرشاد الطالبين([3]) أشار إلى أن برهان الصديقين مما جاء به الفلاسفة في قبال طريق المتكلمين : (استدل المصنف ــ يقصد العلامة الحلي ــ على إثباته بطريقة الحكماء في هذا الباب ، وهو أن ننظر في الوجود نفسه حتى نشهد بوجود واجب الوجود ، وهي طريقة شريفة أشير إليها في الكتاب العزيز في قوله [أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]. وأما المتكلمون فيستدلون : بأن العالم محدث ، وكل محدث مفتقر إلى المؤثر ، فالعالم مفتقر إلى المؤثر ، وهي طريقة الخليل عليه السلام وإليها أشير في الكتاب العزيز بقوله : [سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] فالأول برهان لمي والثاني إني)([4]).
يقول ملا صدرا إن المتكلمين والطبيعيين وغيرهم يتوسلون إلى معرفة الله تعالى بغير برهان الصديقين : (كالمتكلمين والطبيعيين وغيرهم يتوسلون إلى معرفته تعالى وصفاته بواسطة اعتبار أمر آخر غيره)([5]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[2] ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص392.
[3] ) إرشاد الطالبين هو شرح على كتاب نهج المسترشدين في أصول الدين للعلامة الحلي .
[4] ) إرشاد الطالبين،ص176.
[5] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص14.
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (3)
صيغة برهان الصديقين
إن برهان الصديقين صيغ وقُرر من خلال بيانات كثيرة جداً تبلغ نحو عشرين بيانا . وقد كان من أسباب الاختلاف في صيغته وفقا لأصالة الوجود والماهية ، ومن الأسباب تجنب مشابهته لبرهان الإمكان ، ومن الأسباب تعدد المقدمات التي تستلزم التسلسل والدور([1]) ، أي صيغ بصيغ متعددة تجنباً للمقدمات المتوقفة على لزوم التسلسل والدور ولذا يقول ملا صدرا : (المنهج الذي سلكناه أسد المناهج وأشرفها وأبسطها حيث لا يحتاج السالك إياه في معرفه ذاته تعالى وصفاته وأفعاله إلى توسط شيء من غيره ولا إلى الاستعانة بإبطال الدور والتسلسل فبذاته تعالى يعرف ذاته ووحدانيته)([2]).
ولكن سيأتي إن شاء الله تعالى أنه بناءً على أن مراد ابن سينا من مفهوم الوجود حكايته عن حقيقة الوجود الخارجية فأن هذا البيان لا يحتاج في تقريره إلى إبطال الدور والتسلسل أيضاً .
وبصورة عامة قبل التعرض لما قيل في صيغته ، والصيغ المتعددة فيه أن برهان الصديقين على حد تعبيرهم يستند في إثبات وجود الله تعالى كما قالوا إلى حقيقة الوجود فيجعل الوجود ، أو وجود موجود ما دليلاً على وجود الله تعالى إذ تحقق موجود ما لا يمكن من غير وجود الواجب بالذات.وبعبارة مختصرة : الاستدلال على إثبات الله تعالى من خلال النظر في الوجود وتقسيمه إلى الواجب والممكن.
وقد أشار الفارابي إليه وإن لم يسمه ببرهان الصديقين في كتابه فصوص الحكم : (لك أن تلحظ عالم الخلق فترى فيه إمارات الصنعة ، ولك أن تعرض عنه وتلحظ عالم الوجود المحض وتعلم أنه لا بد من وجود بالذات وتعلم كيف ينبغي أن يكون عليه الوجود بالذات . فإن اعتبرت عالم الخلق فأنت صاعد ، وإن اعتبرت عالم الوجود المحض فأنت نازل ؛ تعرف بالنزول أن ليس هذا ذاك ، وتعرف بالصعود إن هذا هذا .[سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([3]).
وكان من أسباب عدم تسليط الضوء عليه عند الفارابي وهو التشكيك في نسبة الكتاب المذكور إليه.
يتبع إن شاء الله في الصياغات المتعددة لبرهان الصديقين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] )التسلسل هو : عبارة عن اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة بصورة غير متناهية ، مثل أن يتوقف (أ) على (ب) ، و(ب) على (ج) ، و(ج) على (د) ، وهكذا إلى ما لا نهاية . والتسلسل مستحيل لأنه يؤدي إلى استحالة تحقق أي واحد من المعاليل ، وأن فرض تحقق ذلك يستلزم وجود المعلول بلا علة ، وهو محال .
توضيحه : إن (أ) كمعلول لـ(ب) إنما يتحقق إذا كانت علته (ب) موجودة وفعلية ، وإنّما تكون كذلك إذا لم تكن متوقفة على شيء آخر ، أو كانت متوقفة مع فرض تحقق وفعلية ما تتوقف عليه . وأمّا إذا كانت متوقفة على شيء آخر ، وكان ذلك الشيء أيضاً بدوره موقوفاً على آخر ، وهكذا ؛ فإن هذا يؤدي إلى عدم تحقق شيء من هذه المعاليل ، إلا إذا فرض الانتهاء إلى علة ليست معلولة شيء ، وفيه تنقطع السلسلة ، وتتحقق جميع المعاليل.
وأما الدور فهو : توقف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه ؛ كتوقف (أ) على (ب) ، وتوقف (ب) على (أ) ، وهذا هو الدور الصريح ؛ لأن التوقف بلا واسطة ، وإذا كان التوقف مع الواسطة ، كتوقف (أ) على (ب) ، وتوقف (ب) على (ج) ، وتوقف (ج) على (أ) ، هو الدور المضمر .
والدور باطل لأنه يستلزم تقدم الشيء على نفسه بالوجود واجتماع النقيضين ؛ لأن معنى توقف (أ) على (ب) هو : أنّ (ب) علة (أ) ، ومقتضى ذلك : تقدم (ب) على (أ) ؛ لتقدم كل علة على معلولها ، في حين أن مقتضى توقف (ب) على (أ) : أن (أ) علة (ب) ، ولازمه : أن (أ) متقدم على (ب) ؛ لأنه علة له ، وهذا ينتج : أن (أ) الذي فرض متأخراً عن (ب) في التوقف الأول ؛ لأنه معلول له صار متقدماً عليه في التوقف الثاني ؛ لأنه علة له ، وكذلك (ب) فإنه فرض متقدماً على (أ) في التوقف الأول في حين فرض متأخراً عنه في التوقف الثاني ، فيكون الشيء الواحد وبالنسبة إلى شيء واحد متقدماً وغير متقدم ، ومتأخراً وغير متأخر ، وهو جمع بين النقيضين ، وهو محال .
[2] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص25.
[3] ) فصوص الحكم،ص62.
صيغة برهان الصديقين
إن برهان الصديقين صيغ وقُرر من خلال بيانات كثيرة جداً تبلغ نحو عشرين بيانا . وقد كان من أسباب الاختلاف في صيغته وفقا لأصالة الوجود والماهية ، ومن الأسباب تجنب مشابهته لبرهان الإمكان ، ومن الأسباب تعدد المقدمات التي تستلزم التسلسل والدور([1]) ، أي صيغ بصيغ متعددة تجنباً للمقدمات المتوقفة على لزوم التسلسل والدور ولذا يقول ملا صدرا : (المنهج الذي سلكناه أسد المناهج وأشرفها وأبسطها حيث لا يحتاج السالك إياه في معرفه ذاته تعالى وصفاته وأفعاله إلى توسط شيء من غيره ولا إلى الاستعانة بإبطال الدور والتسلسل فبذاته تعالى يعرف ذاته ووحدانيته)([2]).
ولكن سيأتي إن شاء الله تعالى أنه بناءً على أن مراد ابن سينا من مفهوم الوجود حكايته عن حقيقة الوجود الخارجية فأن هذا البيان لا يحتاج في تقريره إلى إبطال الدور والتسلسل أيضاً .
وبصورة عامة قبل التعرض لما قيل في صيغته ، والصيغ المتعددة فيه أن برهان الصديقين على حد تعبيرهم يستند في إثبات وجود الله تعالى كما قالوا إلى حقيقة الوجود فيجعل الوجود ، أو وجود موجود ما دليلاً على وجود الله تعالى إذ تحقق موجود ما لا يمكن من غير وجود الواجب بالذات.وبعبارة مختصرة : الاستدلال على إثبات الله تعالى من خلال النظر في الوجود وتقسيمه إلى الواجب والممكن.
وقد أشار الفارابي إليه وإن لم يسمه ببرهان الصديقين في كتابه فصوص الحكم : (لك أن تلحظ عالم الخلق فترى فيه إمارات الصنعة ، ولك أن تعرض عنه وتلحظ عالم الوجود المحض وتعلم أنه لا بد من وجود بالذات وتعلم كيف ينبغي أن يكون عليه الوجود بالذات . فإن اعتبرت عالم الخلق فأنت صاعد ، وإن اعتبرت عالم الوجود المحض فأنت نازل ؛ تعرف بالنزول أن ليس هذا ذاك ، وتعرف بالصعود إن هذا هذا .[سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ، أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([3]).
وكان من أسباب عدم تسليط الضوء عليه عند الفارابي وهو التشكيك في نسبة الكتاب المذكور إليه.
يتبع إن شاء الله في الصياغات المتعددة لبرهان الصديقين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] )التسلسل هو : عبارة عن اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة بصورة غير متناهية ، مثل أن يتوقف (أ) على (ب) ، و(ب) على (ج) ، و(ج) على (د) ، وهكذا إلى ما لا نهاية . والتسلسل مستحيل لأنه يؤدي إلى استحالة تحقق أي واحد من المعاليل ، وأن فرض تحقق ذلك يستلزم وجود المعلول بلا علة ، وهو محال .
توضيحه : إن (أ) كمعلول لـ(ب) إنما يتحقق إذا كانت علته (ب) موجودة وفعلية ، وإنّما تكون كذلك إذا لم تكن متوقفة على شيء آخر ، أو كانت متوقفة مع فرض تحقق وفعلية ما تتوقف عليه . وأمّا إذا كانت متوقفة على شيء آخر ، وكان ذلك الشيء أيضاً بدوره موقوفاً على آخر ، وهكذا ؛ فإن هذا يؤدي إلى عدم تحقق شيء من هذه المعاليل ، إلا إذا فرض الانتهاء إلى علة ليست معلولة شيء ، وفيه تنقطع السلسلة ، وتتحقق جميع المعاليل.
وأما الدور فهو : توقف وجود الشيء على ما يتوقف وجوده عليه ؛ كتوقف (أ) على (ب) ، وتوقف (ب) على (أ) ، وهذا هو الدور الصريح ؛ لأن التوقف بلا واسطة ، وإذا كان التوقف مع الواسطة ، كتوقف (أ) على (ب) ، وتوقف (ب) على (ج) ، وتوقف (ج) على (أ) ، هو الدور المضمر .
والدور باطل لأنه يستلزم تقدم الشيء على نفسه بالوجود واجتماع النقيضين ؛ لأن معنى توقف (أ) على (ب) هو : أنّ (ب) علة (أ) ، ومقتضى ذلك : تقدم (ب) على (أ) ؛ لتقدم كل علة على معلولها ، في حين أن مقتضى توقف (ب) على (أ) : أن (أ) علة (ب) ، ولازمه : أن (أ) متقدم على (ب) ؛ لأنه علة له ، وهذا ينتج : أن (أ) الذي فرض متأخراً عن (ب) في التوقف الأول ؛ لأنه معلول له صار متقدماً عليه في التوقف الثاني ؛ لأنه علة له ، وكذلك (ب) فإنه فرض متقدماً على (أ) في التوقف الأول في حين فرض متأخراً عنه في التوقف الثاني ، فيكون الشيء الواحد وبالنسبة إلى شيء واحد متقدماً وغير متقدم ، ومتأخراً وغير متأخر ، وهو جمع بين النقيضين ، وهو محال .
[2] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص25.
[3] ) فصوص الحكم،ص62.
Forwarded from حوزة النجف الأشرف
مطلب بسيط الحقيقة أخذه ملا صدرا من القيصري ثم وضعه السيد الطباطبائي في نهاية الحكمة وسطره ضمن أسطر متعددة . ولا شك عندي بأن الكثير ــ إذا لم يكن أكثر ــ ممن يدرَس ويدرِّس نهاية الحكمة في الحوزات لا يعرفون جذوره الصوفية ووجه المحذور في معناه سوى ألفاظ يلوكونها من غير معرفة ودراية!
هشام الخفاجي
هشام الخفاجي
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (4)
التتمة في صيغة برهان الصديقين
قد برز برهان الصديقين بشكل واضح عند ابن سينا كما في كتاب النجاة حيث يقول : (لا شك أن هنا وجودًا، وكل وجودٍ فإما واجب وإما ممكن، فإن كان واجبًا فقد صح وجود واجب وهو المطلوب، وإن كان ممكنا ، فإنا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود)([1]).
ويقول في الإشارات والتنبيهات : (كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته - من غير التفات إلى غيره - فإما أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه ، أو لا يكون . فإن وجب فهو الحق بذاته الواجب وجوده من ذاته ، وهو القيوم . وإن لم يجب لم يجز أن يقال : إنه ممتنع بذاته بعد ما فرض موجوداً. بلى إن قرن باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم علّته صار ممتنعاً ، أو مثل شرط وجود علته صار واجباً وإن لم يقرن بها شرط - لا حصول علة ولا عدمها - بقي له في ذاته الأمر الثالث - وهو الإمكان - ، فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع . فكل موجود إما واجب الوجود بذاته ، وإما ممكن الوجود بحسب ذاته)([2]).
وهو بهذا يثبت وجود الله سبحانه من خلال الوجود نفسه من غير لحاظ الممكنات كما يقول الفخر الرازي (ت:606هـ) : (من الناس من أثبت حدوث العالم أو إمكانه ، ثم استدل به على وجود الصانع سبحانه . وهذا الطريق وإن كان جيداً ، لكن الطريق الذي سلكه في هذا الكتاب أجود . لأنه اعتبر حال الوجود ، فقال : لا شك أن ههنا موجوداً ، وكل موجود إما واجب وإما ممكن . فإن كان واجباً فقد ثبت واجب الوجود . وإن كان ممكناً ، افتقر إلى الواجب . فلا بد من الواجب على كل حال . ثم قلنا : إن الواجب واحد ، وإذا كان كذلك كان منزهاً عن جهات الكثرة ، وأن لا يكون جسماً ولا جسمانياً . ويلزم من الأمرين أن يكون العالم المحسوس بما فيه من الجواهر والأعراض ممكناً . ويلزم من مجرد كونه غير جسم ولا جسماني كونه عاقلاً ومعقولاً . ومن وحدته أن يكون الصادر عنه واحداً ، وأن يكون ذلك الصادر عقلاً ، وأن يكون العالم واحداً . فبهذا الطريق صارت ذات الباري تعالى وصفاته معلومة من غير حاجة إلى اعتبار أفعاله تعالى . ثم استشهد بالآية التي ذكرها على ترجيح هذه الطريقة ، والكلام فيها ظاهر . وباللّه التّوفيق)([3]).
وأيضا الخواجة الطوسي عند شرح كلام ابن سينا أشار إلى أن هذا البرهان يثبت وجود الله سبحانه من خلال الوجود نفسه من غير لحاظ الممكنات ، ثم الاستدلال على سائر الممكنات ، أي الاستدلال من خلال الموجِد على سائر الموجودات : (المتكلمون يستدلون بحدوث الأجسام والأعراض على وجود الخالق وبالنظر في أحوال الخليقة على صفاته واحدة فواحدة والحكماء الطبيعيون([4]) أيضاً يستدلون بوجود الحركة على محرك وبامتناع اتصال المحركات لا إلى نهاية على وجود محرك أول غير متحرك ثم يستدلون من ذلك على وجود مبدأ أول وأما الإلهيون فيستدلون بالنظر في الوجود وأنه واجب أو ممكن على إثبات واجب ثم بالنظر فيما يلزم الوجوب والإمكان على صفاته ثم يستدلون بصفاته على كيفية صدور أفعاله عنه واحداً بعد واحد فذكر الشيخ ترجيح هذه الطريقة على الطريقة الأولى بأنه أوثق وأشرف وذلك لأن أولى البراهين بإعطاء اليقين هو الاستدلال بالعلة على المعلول وأما عكسه الذي هو الاستدلال بالمعلول على العلة فربما لا يعطي اليقين وهو إذا كان للمطلوب علة لم يعرف إلا بها كما تبين في علم البرهان ثم جعل المرتبتين المذكورتين في قوله تعالى : [سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([5]) أعني مرتبة الاستدلالات بآيات الآفاق والأنفس على وجود الحق ومرتبة الاستشهاد بالحق على كل شيء بإزاء الطريقين ولما كان طريقة قومه أصدق الوجهين وسمهم بالصديقين فإن الصديق هو ملازم الصدق)([6]).
وملا هادي السبزواري أشار إلى أن الاستدلال في هذا البرهان هو من خلال الوجود الحقيقي حسب تعبيره : (إنا لم نستدل في هذا المنهج القويم بغيره تعالى عليه فإن الوجود الذي نستدل به على الوجوب ليس غريباً عنه بل الوجود الحقيقي كاشف عن الوجوب الذاتي بل هو هو)([7]).
والسيد الطباطبائي أقر بأن برهان الصديق هو استدلال من ناحية الوجود على الله سبحانه : (أوثقها وأمتنها هو البرهان المتضمن للسلوك إليه من ناحية الوجود وقد سموه برهان الصديقين لما أنهم يعرفونه تعالى به لا بغيره . وهو كما ستقف عليه برهان إني يسلك فيه من لازم من لوازم الوجود إلى لازم آخر)([8]).
وقال في شرحه الزارعي : (يسلك مثلاً من كون الوجود حقيقة مشككة ذات مراتب تامة صرفة وناقصة مشوبة إلى كون المرتبة التامة الصرفة منه واجب الوجود ، وكلاهما لازم الوجود . أو يسلك من أن لحقيقة الوجود سعة لا يشذ شيء عن حيطتها إلى عدم العلة لها ، وكلاهما لازم الوجود)([9]).
التتمة في صيغة برهان الصديقين
قد برز برهان الصديقين بشكل واضح عند ابن سينا كما في كتاب النجاة حيث يقول : (لا شك أن هنا وجودًا، وكل وجودٍ فإما واجب وإما ممكن، فإن كان واجبًا فقد صح وجود واجب وهو المطلوب، وإن كان ممكنا ، فإنا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود)([1]).
ويقول في الإشارات والتنبيهات : (كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته - من غير التفات إلى غيره - فإما أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه ، أو لا يكون . فإن وجب فهو الحق بذاته الواجب وجوده من ذاته ، وهو القيوم . وإن لم يجب لم يجز أن يقال : إنه ممتنع بذاته بعد ما فرض موجوداً. بلى إن قرن باعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم علّته صار ممتنعاً ، أو مثل شرط وجود علته صار واجباً وإن لم يقرن بها شرط - لا حصول علة ولا عدمها - بقي له في ذاته الأمر الثالث - وهو الإمكان - ، فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع . فكل موجود إما واجب الوجود بذاته ، وإما ممكن الوجود بحسب ذاته)([2]).
وهو بهذا يثبت وجود الله سبحانه من خلال الوجود نفسه من غير لحاظ الممكنات كما يقول الفخر الرازي (ت:606هـ) : (من الناس من أثبت حدوث العالم أو إمكانه ، ثم استدل به على وجود الصانع سبحانه . وهذا الطريق وإن كان جيداً ، لكن الطريق الذي سلكه في هذا الكتاب أجود . لأنه اعتبر حال الوجود ، فقال : لا شك أن ههنا موجوداً ، وكل موجود إما واجب وإما ممكن . فإن كان واجباً فقد ثبت واجب الوجود . وإن كان ممكناً ، افتقر إلى الواجب . فلا بد من الواجب على كل حال . ثم قلنا : إن الواجب واحد ، وإذا كان كذلك كان منزهاً عن جهات الكثرة ، وأن لا يكون جسماً ولا جسمانياً . ويلزم من الأمرين أن يكون العالم المحسوس بما فيه من الجواهر والأعراض ممكناً . ويلزم من مجرد كونه غير جسم ولا جسماني كونه عاقلاً ومعقولاً . ومن وحدته أن يكون الصادر عنه واحداً ، وأن يكون ذلك الصادر عقلاً ، وأن يكون العالم واحداً . فبهذا الطريق صارت ذات الباري تعالى وصفاته معلومة من غير حاجة إلى اعتبار أفعاله تعالى . ثم استشهد بالآية التي ذكرها على ترجيح هذه الطريقة ، والكلام فيها ظاهر . وباللّه التّوفيق)([3]).
وأيضا الخواجة الطوسي عند شرح كلام ابن سينا أشار إلى أن هذا البرهان يثبت وجود الله سبحانه من خلال الوجود نفسه من غير لحاظ الممكنات ، ثم الاستدلال على سائر الممكنات ، أي الاستدلال من خلال الموجِد على سائر الموجودات : (المتكلمون يستدلون بحدوث الأجسام والأعراض على وجود الخالق وبالنظر في أحوال الخليقة على صفاته واحدة فواحدة والحكماء الطبيعيون([4]) أيضاً يستدلون بوجود الحركة على محرك وبامتناع اتصال المحركات لا إلى نهاية على وجود محرك أول غير متحرك ثم يستدلون من ذلك على وجود مبدأ أول وأما الإلهيون فيستدلون بالنظر في الوجود وأنه واجب أو ممكن على إثبات واجب ثم بالنظر فيما يلزم الوجوب والإمكان على صفاته ثم يستدلون بصفاته على كيفية صدور أفعاله عنه واحداً بعد واحد فذكر الشيخ ترجيح هذه الطريقة على الطريقة الأولى بأنه أوثق وأشرف وذلك لأن أولى البراهين بإعطاء اليقين هو الاستدلال بالعلة على المعلول وأما عكسه الذي هو الاستدلال بالمعلول على العلة فربما لا يعطي اليقين وهو إذا كان للمطلوب علة لم يعرف إلا بها كما تبين في علم البرهان ثم جعل المرتبتين المذكورتين في قوله تعالى : [سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([5]) أعني مرتبة الاستدلالات بآيات الآفاق والأنفس على وجود الحق ومرتبة الاستشهاد بالحق على كل شيء بإزاء الطريقين ولما كان طريقة قومه أصدق الوجهين وسمهم بالصديقين فإن الصديق هو ملازم الصدق)([6]).
وملا هادي السبزواري أشار إلى أن الاستدلال في هذا البرهان هو من خلال الوجود الحقيقي حسب تعبيره : (إنا لم نستدل في هذا المنهج القويم بغيره تعالى عليه فإن الوجود الذي نستدل به على الوجوب ليس غريباً عنه بل الوجود الحقيقي كاشف عن الوجوب الذاتي بل هو هو)([7]).
والسيد الطباطبائي أقر بأن برهان الصديق هو استدلال من ناحية الوجود على الله سبحانه : (أوثقها وأمتنها هو البرهان المتضمن للسلوك إليه من ناحية الوجود وقد سموه برهان الصديقين لما أنهم يعرفونه تعالى به لا بغيره . وهو كما ستقف عليه برهان إني يسلك فيه من لازم من لوازم الوجود إلى لازم آخر)([8]).
وقال في شرحه الزارعي : (يسلك مثلاً من كون الوجود حقيقة مشككة ذات مراتب تامة صرفة وناقصة مشوبة إلى كون المرتبة التامة الصرفة منه واجب الوجود ، وكلاهما لازم الوجود . أو يسلك من أن لحقيقة الوجود سعة لا يشذ شيء عن حيطتها إلى عدم العلة لها ، وكلاهما لازم الوجود)([9]).
ولكن ملا صدرا لم يرتض تقرير ابن سينا ووصفه بأنه أقرب إلى منهج الصديقين : (وهذا المسلك أقرب المسالك إلى منهج الصديقين وليس بذلك كما زعم لأن هناك يكون النظر إلى حقيقة الوجود وهيهنا يكون النظر في مفهوم الموجود)([10]).
إن تفريق الملا ونقضه على ابن سينا غير صحيح كما قال بعضهم : (الاستدلال في تقرير الشيخ إنما هو بمفهوم الوجود ، وهو خارج عن ذات الواجب وحقيقته ، والشاهد على ذلك تعبيره (موجود ما) فإن هذا خصوصية المفهوم لا المصداق ، وإلا فإن المصداق لا يعقل أن يكون مبهماً غير متعيّن ، بخلاف تقرير صدر المتألهين ، فإن النظر إنما هو متوجه إلى حقيقة الوجود الخارجي لا مفهومه . قال الشيرازي : (لأن هناك (أي تقريره الخاص به) يكون النظر إلى حقيقة الوجود ، وهاهنا (أي تقرير الشيخ) يكون النظر في مفهوم الوجود) .إلا أن هذا الفرق غير صحيح ، لأن أخذ المفهوم بما هو مفهوم لا معنى له ، إذ إن المفهوم بما هو هو ، لا ينقسم إلى واجب وإلى ممكن كما هو واضح ، فالشيخ إنما أخذ مفهوم الوجود لأجل حكايته عن حقيقة الوجود الخارجية ، وليس المراد به نفس مفهوم تلك الحقيقة ، فالمراد من مفهوم الوجود هو مصداقه الخارجي . أما التعبير ب (موجود ما) فهو لأجل الحكاية عن تلك الحقيقة الخارجية التي لا يعلم حكمها بعد).
وأيضاً ملا هادي السبزواري رد إشكال الملا صدرا على ابن سينا في حاشيته على الأسفار : (لكن من حيث السراية إلى المعنون ومن حيث إن مفهوم الموجود وجه الموجود الحقيقي بما هو موجود ووجه الشيء هو الشيء بوجه ولكن المعنون بعضه ماهية لها الوجود)([11]).
والخواجة الطوسي في التجريد صاغ برهان الصديقين بهذه الكيفية : (الموجود إن كان واجباً وإلا استلزمه لاستحالة الدور)([12]).
وشرحه العلامة الحلي بقوله : (هنا موجود بالضرورة فإن كان واجباً فهو المطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة فذلك المؤثر إن كان واجباً فالمطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود فإن كان واجباً فالمطلوب وإن كان ممكناً تسلسل أو دار ، وقد تقدم بطلانهما وهذا برهان قاطع أشير إليه في الكتاب العزيز بقوله : [أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([13]) وهو استدلال لمي)([14]).
والخواجة في كتابه (قواعد العقائد) صاغه بطريقة أخرى : (وأما الحكماء فقالوا: إن الموجودات تنقسم إلى واجبٍ وممكن ، والممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثّرٍ يوجده ، فإن كان موجده واجباً فقد ثبت أن في الوجود واجب الوجود لذاته، وإن كان ممكناً كان محتاجاً إلى مؤثّرٍ آخر، والكلام فيه كالكلام في الأول ، والدور والتسلسل محالان)([15]).
وشرحه العلامة الحلي في كشف الفوائد على قواعد العقائد : (إن هنا موجوداً بالضرورة ، فإما أن يكون واجباً لذاته أو ممكناً، فإن كان الأول فالمطلوب، وإن كان الثاني افتقر في وجوده إلى مؤثّرٍ يوجده ؛ للعلم الضروري بأن الممكن محتاج إلى مؤثّر، والموجِد له إن كان واجباً لذاته فالمطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثّرٍ آخر، ويلزم منه إما الدور أو التسلسل أو الانتهاء إلى واجب، والدور والتسلسل محالان لما مر، فتعين الأخير)([16]).
وتقريره عند فخر المحققين ابن العلامة الحلي : (من عرف حقيقة الواجب والممكن عرف بأدنى فكر وجود الواجب لذاته ؛ لأنه كلما وُجد موجود وُجد الواجب لذاته. والأول حق فالثاني مثله. أما الملازمة فلأن ذلك الوجود إما واجب أو ممكن، فإن كان واجبًا فالملازمة ظاهرة، وإن كان ممكنًا فلأنه لا يكون بانفراده موجوداً، وكل ما لا يكون بانفراده موجودً لا يكون مُوجِدًا. فلو كان جميع الموجودات ممكنًا ، لم يكن شيءٌ منها بانفراده موجودًا ولا مُوجِدًا، فيلزم من كون جميع الموجودات ممكنًا عدم الموجودات وهو محال. فإذا لم يكن جميع الموجودات ممكناً كان بعضها واجباً)([17]).
والمقداد السيوري يقول في تقريره : (الواجب لذاته موجود في الخارج ؛ لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج لانحصرت الموجودات الخارجية كلها في الممكن ، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله . أما بيان الملازمة فلما سبق من انحصار الموجود الخارجي في الواجب والممكن . وأما بطلان اللازم ، فلأنه لو انحصر الموجود الخارجي في الممكن لم يكن لموجود ما وجود أصلاً ، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله)([18]).
وعلى ما قرره السيوري في إرشاد الطالبين : (هاهنا موجود بالضرورة ، فإن كان واجباً ثبت المطلوب ، وان كان ممكناً أفتقر إلى مؤثر ، لما تقدم من احتياج الممكن إلى المؤثر ضرورة فإن كان واجباً ثبت المطلوب ، وان كان ممكناً أفتقر إلى مؤثر ، فإن كان هو الأول لزم الدور ، وإن كان غيره : فإن كان واجباً أو منتهياً إليه ثبت المطلوب ، وإن كان ممكن آخر ننقل الكلام إليه وهكذا ، حتى يلزم إما الانتهاء إلى الواجب أو التسلسل ، لكن الدور والتسلسل محالان ، فيلزم الانتهاء إلى الواجب)([19]).
إن تفريق الملا ونقضه على ابن سينا غير صحيح كما قال بعضهم : (الاستدلال في تقرير الشيخ إنما هو بمفهوم الوجود ، وهو خارج عن ذات الواجب وحقيقته ، والشاهد على ذلك تعبيره (موجود ما) فإن هذا خصوصية المفهوم لا المصداق ، وإلا فإن المصداق لا يعقل أن يكون مبهماً غير متعيّن ، بخلاف تقرير صدر المتألهين ، فإن النظر إنما هو متوجه إلى حقيقة الوجود الخارجي لا مفهومه . قال الشيرازي : (لأن هناك (أي تقريره الخاص به) يكون النظر إلى حقيقة الوجود ، وهاهنا (أي تقرير الشيخ) يكون النظر في مفهوم الوجود) .إلا أن هذا الفرق غير صحيح ، لأن أخذ المفهوم بما هو مفهوم لا معنى له ، إذ إن المفهوم بما هو هو ، لا ينقسم إلى واجب وإلى ممكن كما هو واضح ، فالشيخ إنما أخذ مفهوم الوجود لأجل حكايته عن حقيقة الوجود الخارجية ، وليس المراد به نفس مفهوم تلك الحقيقة ، فالمراد من مفهوم الوجود هو مصداقه الخارجي . أما التعبير ب (موجود ما) فهو لأجل الحكاية عن تلك الحقيقة الخارجية التي لا يعلم حكمها بعد).
وأيضاً ملا هادي السبزواري رد إشكال الملا صدرا على ابن سينا في حاشيته على الأسفار : (لكن من حيث السراية إلى المعنون ومن حيث إن مفهوم الموجود وجه الموجود الحقيقي بما هو موجود ووجه الشيء هو الشيء بوجه ولكن المعنون بعضه ماهية لها الوجود)([11]).
والخواجة الطوسي في التجريد صاغ برهان الصديقين بهذه الكيفية : (الموجود إن كان واجباً وإلا استلزمه لاستحالة الدور)([12]).
وشرحه العلامة الحلي بقوله : (هنا موجود بالضرورة فإن كان واجباً فهو المطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة فذلك المؤثر إن كان واجباً فالمطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثر موجود فإن كان واجباً فالمطلوب وإن كان ممكناً تسلسل أو دار ، وقد تقدم بطلانهما وهذا برهان قاطع أشير إليه في الكتاب العزيز بقوله : [أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]([13]) وهو استدلال لمي)([14]).
والخواجة في كتابه (قواعد العقائد) صاغه بطريقة أخرى : (وأما الحكماء فقالوا: إن الموجودات تنقسم إلى واجبٍ وممكن ، والممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثّرٍ يوجده ، فإن كان موجده واجباً فقد ثبت أن في الوجود واجب الوجود لذاته، وإن كان ممكناً كان محتاجاً إلى مؤثّرٍ آخر، والكلام فيه كالكلام في الأول ، والدور والتسلسل محالان)([15]).
وشرحه العلامة الحلي في كشف الفوائد على قواعد العقائد : (إن هنا موجوداً بالضرورة ، فإما أن يكون واجباً لذاته أو ممكناً، فإن كان الأول فالمطلوب، وإن كان الثاني افتقر في وجوده إلى مؤثّرٍ يوجده ؛ للعلم الضروري بأن الممكن محتاج إلى مؤثّر، والموجِد له إن كان واجباً لذاته فالمطلوب ، وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤثّرٍ آخر، ويلزم منه إما الدور أو التسلسل أو الانتهاء إلى واجب، والدور والتسلسل محالان لما مر، فتعين الأخير)([16]).
وتقريره عند فخر المحققين ابن العلامة الحلي : (من عرف حقيقة الواجب والممكن عرف بأدنى فكر وجود الواجب لذاته ؛ لأنه كلما وُجد موجود وُجد الواجب لذاته. والأول حق فالثاني مثله. أما الملازمة فلأن ذلك الوجود إما واجب أو ممكن، فإن كان واجبًا فالملازمة ظاهرة، وإن كان ممكنًا فلأنه لا يكون بانفراده موجوداً، وكل ما لا يكون بانفراده موجودً لا يكون مُوجِدًا. فلو كان جميع الموجودات ممكنًا ، لم يكن شيءٌ منها بانفراده موجودًا ولا مُوجِدًا، فيلزم من كون جميع الموجودات ممكنًا عدم الموجودات وهو محال. فإذا لم يكن جميع الموجودات ممكناً كان بعضها واجباً)([17]).
والمقداد السيوري يقول في تقريره : (الواجب لذاته موجود في الخارج ؛ لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج لانحصرت الموجودات الخارجية كلها في الممكن ، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله . أما بيان الملازمة فلما سبق من انحصار الموجود الخارجي في الواجب والممكن . وأما بطلان اللازم ، فلأنه لو انحصر الموجود الخارجي في الممكن لم يكن لموجود ما وجود أصلاً ، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله)([18]).
وعلى ما قرره السيوري في إرشاد الطالبين : (هاهنا موجود بالضرورة ، فإن كان واجباً ثبت المطلوب ، وان كان ممكناً أفتقر إلى مؤثر ، لما تقدم من احتياج الممكن إلى المؤثر ضرورة فإن كان واجباً ثبت المطلوب ، وان كان ممكناً أفتقر إلى مؤثر ، فإن كان هو الأول لزم الدور ، وإن كان غيره : فإن كان واجباً أو منتهياً إليه ثبت المطلوب ، وإن كان ممكن آخر ننقل الكلام إليه وهكذا ، حتى يلزم إما الانتهاء إلى الواجب أو التسلسل ، لكن الدور والتسلسل محالان ، فيلزم الانتهاء إلى الواجب)([19]).
وعلى ما قرره في اللوامع الإلهية : (إن هنا موجوداً بالضرورة فإن كان واجباً فالمطلوب ، وإن كان ممكنا افتقر إلى مؤثّر ، فإن كان واجباً فالمطلوب ، وإن كان ممكناً دار وتسلسل ، وهما محالان كما تقدم . قالوا : وهذه طريقة شريفة أشير إليها في الكتاب العزيز بقوله : [أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] وهو برهان لمّي لأنه استدلال به تعالى على غيره)([20]).
وعلى ما قرره عبد الرزاق اللاهيجي في شرحه لتجريد الكلام : (إن الممكن لا يجب لذاته ، وما لا يجب لذاته لا يكون له وجود ، وما لم يكن له وجود لا يكون لغيره عنه وجود ، فلو كانت الموجودات بأسرها ممكنة لما كان في الوجود موجود ، فلا بد من واجب لذاته ، فقد ثبت واجب الوجود وانقطعت السلسلة أيضا)([21]).
وابن تركه صاغه بهذه الطريقة : (إن حقيقته ـــ أي حقيقة الوجود ـــ من حيث هي لا يقبل العدم لذاتها ، لامتناع اتصاف احد النقيضين بالآخر ، وامتناع انقلاب طبيعة إلى طبيعة أخر ، و متى امتنع العدم عليه لذاتها كانت واجبة لذاتها)([22]).
وعلى ما ذكره الملا صدرا في صياغة البرهان : (إن الموجود ينقسم بحسب المفهوم إلى واجب وممكن والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه فلا بد له من مرجح من خارج وإلا ترجح بذاته فكان ترجحه واجباً لذاته فكان واجب الوجود بذاته وقد فرض ممكناً وكذا في جانب العدم فكان ممتنعاً وقد فرض ممكناً هذا خلف فواجب الوجود لا بد من وجوده فإن الموجودات حاصلة فإن كان شيء منها واجباً فقد وقع الاعتراف بالواجب وإلا فوقع الانتهاء إليه لبطلان ذهاب السلسلة إلى غير نهاية كما مر بيانه والدور مستلزم للتسلسل فهو محال أيضاً)([23]).
وقد شرح بعضهم كلام الملا قائلاً : ( الأولى : إن هناك واقعية ما ، لا يمكن الشك والريب فيها ، وهذا ما أشار إليه المصنف في مقدمة الكتاب بقوله : «فلا يسعنا أن نرتاب أن هناك وجوداً ما ، ولا ننكر الواقعية مطلقاً ، إلا أن نكابر الحق فننكره أو نشك فيه ، وإن يكن شيء من ذلك ، فإنما هو في اللفظ فحسب . الثانية : أن كل ما هو موجود ، فهو مترجّح الوجود ، وإلا لو لم يكن كذلك ، لكان إما مترجّح العدم أو متساوي النسبة مع الوجود ، ولازمه أن يكون ما فرض موجوداً ليس كذلك ، وهذا خلف كونه موجوداً ، إذن مع فرض كون الشيء موجوداً فهو مترجّح وجوده على عدمه . وبعد ذلك نضع نتيجة هذا القياس الحملي مقدمة في قياس شرطي هو : كل ما هو مترجّح وجوده ، فترجّحه إمّا بذاته أو بغيره . فإن كان بذاته فهو واجب الوجود وهو المطلوب ، وإن كان ترجّحه بغيره ، فإن كان ذلك الغير هو الوجود الأول ، لزم الدور الباطل ، فلابد أن يكون غير الأول ، وهو إما مترجّح بنفسه فيثبت المطلوب ، وإما يكون ترجّحه بغيره أيضاً فيتسلسل ، وحيث إن التسلسل في العلل الفاعلية باطل ، فلابد أن ينتهي إلى مترجّح بنفسه ، وهو واجب الوجود بذاته).
وعلى ما قرره الفيض الكاشاني : (قد اهتديت في مواضع مما أسلفنا من الأصول إلى آيات مبينات ، لوجود المبدأ ، ومبدأ الوجود عزّ اسمه ، بطرق متعددة : فمنها : آية أصل الوجود ، فإنه إن كان قائما بذاته غير متعلّق بغيره أصلا ، فهو اللّه المبدأ المبدئ ، وإن كان قائماً بغيره ، وذلك الغير يكون وجوداً أيضاً ؛ إذ غير الوجود لا يتصور أن يكون مقوّماً للوجود ، فننقل الكلام إليه ، وهكذا إلى أن يتسلسل ، أو يدور ، أو ينتهي إلى وجود قائم بذاته ، غير متعلّق بغيره أصلاً ثم جميع تلك الوجودات المتسلسلة ، أو الدائرة ، في حكم وجود واحد في تقوّمها بغيرها ، وهو اللّه القيوم جل ذكره)([24]) .
والغريب أن في كلام الفيض ما يشير إلى أنه المبتكر لهذا البرهان ، أو المبتكر لصياغته ، مع أنه لم يكن من ابتكاراته لا في أصل حدوثه ، ولا في شيء من تقريره ، وإنما سبقه عدة من أقرانه في إحداثه وفي الكثير من تقريراته.
وأوجز ما قيل في صياغته ما أشار إليه السيد الطباطبائي : (قد قرر بغير واحد من التقرير وأوجز ما قيل أن حقيقة الوجود إما واجبة وإما تستلزمها ، فإذا الواجب بالذات موجود ، وهو المطلوب)([25]).
ـــــــــــــــــــــــــ
[1] ) النجاة،ص566.
[2] ) الإشارات والتنبيهات (تحقيق الزارعي)،ص266.
[3] ) شرح الإشارات والتنبيهات،ج2،ص383.
[4] ) سبب نسبة إلى الطبيعيين لأجل استفادة بعض المقدمات من علم الطبيعيات ، أي أن النفس من عوارض الجسم الذي هو موضوع علم الطبيعيات ، حيث عرّف بعضهم النفس : كمال أول لجسم طبيعي.
[5] ) سورة فصلت :53.
[6] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[7] ) شرح الأسماء الحسنى،ج2،ص13.
[8] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.
[9] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.
[10] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص26.
[11] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.
[12] ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص392.
[13] ) سورة فصلت :53.
[14] ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص392.
[15] ) قواعد العقائد،ص147.
وعلى ما قرره عبد الرزاق اللاهيجي في شرحه لتجريد الكلام : (إن الممكن لا يجب لذاته ، وما لا يجب لذاته لا يكون له وجود ، وما لم يكن له وجود لا يكون لغيره عنه وجود ، فلو كانت الموجودات بأسرها ممكنة لما كان في الوجود موجود ، فلا بد من واجب لذاته ، فقد ثبت واجب الوجود وانقطعت السلسلة أيضا)([21]).
وابن تركه صاغه بهذه الطريقة : (إن حقيقته ـــ أي حقيقة الوجود ـــ من حيث هي لا يقبل العدم لذاتها ، لامتناع اتصاف احد النقيضين بالآخر ، وامتناع انقلاب طبيعة إلى طبيعة أخر ، و متى امتنع العدم عليه لذاتها كانت واجبة لذاتها)([22]).
وعلى ما ذكره الملا صدرا في صياغة البرهان : (إن الموجود ينقسم بحسب المفهوم إلى واجب وممكن والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه فلا بد له من مرجح من خارج وإلا ترجح بذاته فكان ترجحه واجباً لذاته فكان واجب الوجود بذاته وقد فرض ممكناً وكذا في جانب العدم فكان ممتنعاً وقد فرض ممكناً هذا خلف فواجب الوجود لا بد من وجوده فإن الموجودات حاصلة فإن كان شيء منها واجباً فقد وقع الاعتراف بالواجب وإلا فوقع الانتهاء إليه لبطلان ذهاب السلسلة إلى غير نهاية كما مر بيانه والدور مستلزم للتسلسل فهو محال أيضاً)([23]).
وقد شرح بعضهم كلام الملا قائلاً : ( الأولى : إن هناك واقعية ما ، لا يمكن الشك والريب فيها ، وهذا ما أشار إليه المصنف في مقدمة الكتاب بقوله : «فلا يسعنا أن نرتاب أن هناك وجوداً ما ، ولا ننكر الواقعية مطلقاً ، إلا أن نكابر الحق فننكره أو نشك فيه ، وإن يكن شيء من ذلك ، فإنما هو في اللفظ فحسب . الثانية : أن كل ما هو موجود ، فهو مترجّح الوجود ، وإلا لو لم يكن كذلك ، لكان إما مترجّح العدم أو متساوي النسبة مع الوجود ، ولازمه أن يكون ما فرض موجوداً ليس كذلك ، وهذا خلف كونه موجوداً ، إذن مع فرض كون الشيء موجوداً فهو مترجّح وجوده على عدمه . وبعد ذلك نضع نتيجة هذا القياس الحملي مقدمة في قياس شرطي هو : كل ما هو مترجّح وجوده ، فترجّحه إمّا بذاته أو بغيره . فإن كان بذاته فهو واجب الوجود وهو المطلوب ، وإن كان ترجّحه بغيره ، فإن كان ذلك الغير هو الوجود الأول ، لزم الدور الباطل ، فلابد أن يكون غير الأول ، وهو إما مترجّح بنفسه فيثبت المطلوب ، وإما يكون ترجّحه بغيره أيضاً فيتسلسل ، وحيث إن التسلسل في العلل الفاعلية باطل ، فلابد أن ينتهي إلى مترجّح بنفسه ، وهو واجب الوجود بذاته).
وعلى ما قرره الفيض الكاشاني : (قد اهتديت في مواضع مما أسلفنا من الأصول إلى آيات مبينات ، لوجود المبدأ ، ومبدأ الوجود عزّ اسمه ، بطرق متعددة : فمنها : آية أصل الوجود ، فإنه إن كان قائما بذاته غير متعلّق بغيره أصلا ، فهو اللّه المبدأ المبدئ ، وإن كان قائماً بغيره ، وذلك الغير يكون وجوداً أيضاً ؛ إذ غير الوجود لا يتصور أن يكون مقوّماً للوجود ، فننقل الكلام إليه ، وهكذا إلى أن يتسلسل ، أو يدور ، أو ينتهي إلى وجود قائم بذاته ، غير متعلّق بغيره أصلاً ثم جميع تلك الوجودات المتسلسلة ، أو الدائرة ، في حكم وجود واحد في تقوّمها بغيرها ، وهو اللّه القيوم جل ذكره)([24]) .
والغريب أن في كلام الفيض ما يشير إلى أنه المبتكر لهذا البرهان ، أو المبتكر لصياغته ، مع أنه لم يكن من ابتكاراته لا في أصل حدوثه ، ولا في شيء من تقريره ، وإنما سبقه عدة من أقرانه في إحداثه وفي الكثير من تقريراته.
وأوجز ما قيل في صياغته ما أشار إليه السيد الطباطبائي : (قد قرر بغير واحد من التقرير وأوجز ما قيل أن حقيقة الوجود إما واجبة وإما تستلزمها ، فإذا الواجب بالذات موجود ، وهو المطلوب)([25]).
ـــــــــــــــــــــــــ
[1] ) النجاة،ص566.
[2] ) الإشارات والتنبيهات (تحقيق الزارعي)،ص266.
[3] ) شرح الإشارات والتنبيهات،ج2،ص383.
[4] ) سبب نسبة إلى الطبيعيين لأجل استفادة بعض المقدمات من علم الطبيعيات ، أي أن النفس من عوارض الجسم الذي هو موضوع علم الطبيعيات ، حيث عرّف بعضهم النفس : كمال أول لجسم طبيعي.
[5] ) سورة فصلت :53.
[6] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.
[7] ) شرح الأسماء الحسنى،ج2،ص13.
[8] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.
[9] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.
[10] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص26.
[11] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.
[12] ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص392.
[13] ) سورة فصلت :53.
[14] ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،ص392.
[15] ) قواعد العقائد،ص147.
[16] ) كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد،ص148.
[17] ) تحصيل النجاة في أصول الدين،ص51.
[18] ) الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية (للخواجة الطوسي)،ص56.
[19] ) إرشاد الطالبين،ص177.
[20] ) اللوامع الإلهية،ص152.
[21] ) شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام،ج2،ص335.
[22] ) تمهيد القواعد،ص26.
[23] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص26.
[24] ) عين اليقين،ج2،ص324.
[25] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)ج،2،ص208.وأوجز منه ما ذكره الزارعي في تعليقه عليه : (وأوجز منه أن يقال :الوجود الحقيقي إن كان واجباً فهو المطلوب ، وإلا استلزمه لا محالة).
[17] ) تحصيل النجاة في أصول الدين،ص51.
[18] ) الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية (للخواجة الطوسي)،ص56.
[19] ) إرشاد الطالبين،ص177.
[20] ) اللوامع الإلهية،ص152.
[21] ) شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام،ج2،ص335.
[22] ) تمهيد القواعد،ص26.
[23] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص26.
[24] ) عين اليقين،ج2،ص324.
[25] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)ج،2،ص208.وأوجز منه ما ذكره الزارعي في تعليقه عليه : (وأوجز منه أن يقال :الوجود الحقيقي إن كان واجباً فهو المطلوب ، وإلا استلزمه لا محالة).