فكر أهل البيت عليهم السلام
2.18K subscribers
118 photos
17 videos
37 files
140 links
نشر فكر أهل البيت عليهم السلام
Download Telegram
الهجوم على الدار من أوضح الدلائل على امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام)عن البيعة والمطالبة بحقه.ولكن من لا يعي ما يقول يثير الشبهات ويفرط بدلالة مثل هذه!
(90) لماذا يتطلب منا تجنب تأويلات الفلاسفة والعرفاء للنصوص أوليست توجد أسرار ومعاني باطنية للنصوص؟

ج : لا ريب في وجود تأويلات ومعاني باطنية للنصوص ، ولكن الكلام في انطباق تأويلات الفلاسفة والعرفاء على الأسرار والمعاني الباطنية للنصوص ، لا أن تؤخذ تأويلاتهم أخذ المسلمات في عدها من الأسرار والمعاني الباطنية.وبعبارة مختصرة نُسلّم في وجود التأويل والأسرار للنصوص ولكن لا نسلّم أن تأويلات القوم منها.  

والصوفية الأوائل ممن كانوا أبغض الناس لأهل البيت عليهم السلام وأشدهم بعداً عن منهجهم وطريقهم كانوا مغرورين بما لديهم ، ويعدونه من الأسرار فهذا ابن عربي يتحدث عن اجتماع الحسن البصري بفرقد السبخي ومالك بن دينار وحديثه معهم عن التصوف وينعته بالأسار : (هذا الفن من الكشف والعلم يجب ستره عن أكثر الخلق لما فيه من العلو فغوره بعيد والتلف فيه قريب فإن من لا معرفة له بالحقائق ولا بامتداد الرقائق ويقف على هذا المشهد من لسان صاحبه المتحقق به وهو لم يذقه ربما قال : أنا من أهوى ومن أهوى أنا فلهذا نستره ونكتمه وقد كان الحسن البصري إذا أراد أن يتكلم في مثل هذه الأسرار التي لا ينبغي لمن ليس من طريقها أن يقف عليها دعا بفرقد السبخي ومالك بن دينار ومن حضر من أهل الذوق وأغلق بابه دون الناس وقعد يتحدث معهم في مثل هذا الفن)([1]).

إن هذه الأسرار كما يحسبها ابن عربي هي الفكر الصوفي الذي انتشر فيما بعد ذلك وأخذ يضلل المسلمين ، وإلى يومنا هذا نرى من يحسبها أسراراً جرياً على نهج ابن عربي!

كما كان الحلاج في زمانه يعده الصوفية من حملة الأسرار ؛ يقول الخطيب البغدادي متحدثاً عن الحلاج : (كان يتكلم على أسرار الناس وما في قلوبهم ويخبر عنها فسمي بذلك حلاج الأسرار فصار الحلاج لقبه)([2]).

والعلماء يعلمون أن ما لدى الفلاسفة والعرفاء من تأويل للنصوص لا قيمة له ، لأن التأويل يؤخذ من أهل البيت عليهم السلام ، وليس كل ما يخطر في الذهن من استحسانات ومعتقدات يمكن عدها من التاويل ، ناهيك عما فيها من انحرافات وأباطيل . وهذا ما أقر به السيد حيدر الآملي حيث  ذكر في مقدمة كتاب جامع الأسرار أن العلماء لا يقرون بما لدى الصوفية من أسرار ، وينكرون عليهم ذلك : (أصحابنا الشيعة لا يسلمون أن هذه الطائفة المخصوصة بحمل أسرار الأئمة عليهم السلام) هم الصوفية ولا يقرون أيضاً بأن هذه الأسرار توجد في غير الأئمة وينكرون عليهم في هذه الدعوى غاية الإنكار وينسبونهم بذلك إلى الكفر والزندقة )([3]).

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) رسالة الفناء في المشاهدة،ص5.

[2] ) تاريخ بغداد،ج8،ص113.

[3] ) جامع الأسرار ومنبع الأنوار،ص174.
روى الشيخ الكليني عن الإمام الحسين عليه السلام : (لما قبضت فاطمة عليها السلام دفنها أمير المؤمنين سراً وعفا على موضع قبرها ، ثم قام فحول وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : السلام عليك يا رسول الله عني والسلام عليك عن ابنتك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار الله لها سرعة اللحاق بك ، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي ، إلا أن لي في التأسي بسنتك في فرقتك موضع تعز ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت نفسك بين نحري وصدري ، بلى وفي كتاب الله لي أنعم القبول ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، قد استرجعت الوديعة وأُخذت الرهينة وأُخلست الزهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله ، أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد وهم لا يبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم ، كمد مقيح ، وهم مهيج سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخبرها الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً ، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين . سلام مودع لا قال ولا سئم ، فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين ، واه واهاً والصبر أيمن وأجمل ، ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاماً معكوفاً ولا عولت إعوال الثكلى على جليل الرزية ، فبعين الله تدفن ابنتك سراً وتهضم حقها وتمنع إرثها ولم يتباعد العهد ولم يخلق منك الذكر وإلى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلى الله عليك وعليها السلام والرضوان).أصول الكافي،ج1،ص458
الأثر الفلسفي والعرفاني عند ابن أبي جمهور الأحسائي(40)
الأسماء الإلهية عين المسمى!!
إن مما نقله ابن أبي جمهور عن ابن عربي مقراً به ، غير منتقد له هو قول ابن عربي إن الأسماء الإلهية عين المسمى : (إن الله تعالى وصف نفسه بالنفس وأن الأسماء الإلهية عين المسمى، وليست إلا هو)([1]).

إن الأسماء والصفات ذات دلالات حاكية عن الله عز وجل فهي غيره ، والمعبود هو سبحانه وتعالى دون أسمائه وصفاته أي أن المعبود هو الله تعالى المسمى بها (مسمى بالأسماء والصفات) ، كما أن الاعتقاد باستقلالها (الأسماء والصفات) عن الله تعالى من الشرك وهذا ما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام :

عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال : كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام أو قلت له : جعلني الله فداك نعبد الرحمن الرحيم الواحد الأحد الصمد ؟ قال : فقال : إن من عبد الاسم دون المسمى بالأسماء أشرك وكفر وجحد ولم يعبد شيئاً بل اعبد الله الواحد الأحد الصمد المسمى بهذه الأسماء دون الأسماء إن الأسماء صفات وصف بها نفسه([2]).

عن الإمام الصادق عليه السلام : (هو الرب وهو المعبود وهو الله وليس قولي : (الله) إثبات هذه الحروف ألف ، لام ، هاء ، ولكني أرجع إلى معنى هو شيء خالق الأشياء وصانعها وقعت عليه هذه الحروف ، وهو المعنى الذي يسمى به الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه وهو المعبود عز وجل)([3]).

وعنه عليه السلام : (اسم الله غيره ، وكل شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله فأما ما عبرته الألسن أو عملت الأيدي ، فهو مخلوق ، والله غاية من غاياته والمغيى غير الغاية ، والغاية موصوفة وكل موصوف مصنوع وصانع الأشياء غير موصوف بحد([4]) مسمى ، لم يتكون فيعرف كينونيته بصنع غيره ، ولم يتناه إلى غاية إلا كانت غيره ، لا يزل([5]) من فهم هذا الحكم أبداً ، وهو التوحيد الخالص ، فارعوه وصدقوه وتفهموه بإذن الله من زعم أنه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأن حجابه ومثاله وصورته غيره وإنما هو واحد متوحد فكيف يوحده من زعم أنه عرفه بغيره،وإنما عرف الله من عرفه بالله ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه ، إنما يعرف غيره ، ليس بين الخالق والمخلوق شيء ، والله خالق الأشياء لا من شيء كان ، والله يسمى بأسمائه وهو غير أسمائه والأسماء غيره)([6]).

عن النضر بن سويد ، عن هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن أسماء الله واشتقاقها : الله مما هو مشتق ؟ قال : فقال لي : يا هشام الله مشتق من إله والإله يقتضي مألوها والاسم غير المسمى ، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً ، ومن عبد الاسم والمعنى فقد كفر وعبد اثنين ، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد أفهمت يا هشام ؟ قال : فقلت : زدني قال : إن لله تسعة وتسعين اسماً فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم منها إلها ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء وكلها غيره، يا هشام الخبز اسم للمأكول والماء اسم للمشروب والثوب اسم للملبوس والنار اسم للمحرق أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتناضل به أعداءنا والمتخذين مع الله عز وجل غيره ؟ قلت : نعم ، قال : فقال : نفعك الله به وثبتك يا هشام ، قال هشام فوالله ما قهرني أحد في التوحيد حتى قمت مقامي هذا([7]).

وعنه عليه السلام : (من عبد الله بالتوهم فقد كفر ومن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك ، ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سرائره وعلانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام حقاً . وفي حديث آخر : أولئك هم المؤمنون حقا)([8]).

وعنه عليه السلام : (وقد قال القائل من الناس للواحد : واحد ، (ويقول للّه : واحد)، ويقول : قوي ، واللّه تعالى قوي ، ويقول : صانع ، واللّه صانع ، ويقول : رازق ، واللّه رازق ، ويقول : سميع بصير ، واللّه سميع بصير ، وما أشبه ذلك ، فمن قال للإنسان : واحد ، فهذا له اسم وله شبيه ، واللّه واحد وهو له اسم ولا شيء له شبيه وليس المعنى واحداً ؛ وأما الأسماء فهي دلالتنا على المسمى ؛ لأنا قد نرى الإنسان واحداً ، وإنما نخبر واحداً إذا كان مفرداً ، فعلم أن الإنسان في نفسه ليس بواحد في المعنى ؛ لأن أعضاءه مختلفة وأجزاءه ليست سواء ، ولحمه غير دمه ، وعظمه غير عصبه ، وشعره غير ظفره ، وسواده غير بياضه ، وكذلك سائر الخلق والإنسان ؛ واحد في الاسم ، وليس بواحد في الاسم والمعنى والخلق ، فإذا قيل للّه فهو الواحد الذي لا واحد غيره لأنه لا اختلاف فيه ، وهو تبارك وتعالى سميع وبصير وقوي وعزيز وحكيم وعليم ، فتعالى اللّه أحسن الخالقين)([9]).

ومن دعاء لأمير المؤمنين عليه السلام : (ولا تجعلني يا إلهي ممن يعبد الاسم دون المعنى)([10]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) مجلي مرآة المنجي،ج5،ص1727.فصوص الحكم (شرح القيصري)،ص767

[2] ) أصول الكافي،ج1،ص87.

[3] ) التوحيد،ص245.
[4] ) قوله عليه السلام : (غير موصوف بحد) أي من الحدود الجسمانية أو الصفات الإمكانية ، أو الحدود العقلية ، وقوله : مسمى صفة لحد ، للتعميم كقوله تعالى :[لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً] ويحتمل أن يكون المراد أنه غير موصوف بالصفات التي هي مدلولات تلك الأسماء ، وقيل: هو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف.مرآة العقول،ج2،ص33.

[5] ) قوله عليه السلام : (لا يزل) في بعض النسخ بالذال ، أي ذل الجهل والضلال من فهم هذا الحكم وعرف سلب جميع ما يغايره عنه ، وعلم أن كلما يصل إليه أفهام الخلق فهو غيره تعالى .مرآة العقول،ج2،ص33.

وعلى ما يبدو أن المراد : (يزل) من الزلل . أي من فهم هذا الحكم لا يصيبه الزلل فيه.

[6] ) أصول الكافي،ج1،ص113.

[7] ) أصول الكافي،ج1،ص87.

[8] ) أصول الكافي،ج1،ص87.

[9] ) الإهليلجة،ص152.

[10] ) بحار الأنوار،ج91،ص96.
الأثر الفلسفي والعرفاني عند ابن أبي جمهور الأحسائي(41)
من غلو الأحسائي في الصوفية والقول بعصمتهم

إن من إعظام ابن أبي جمهور الأحسائي لعرفاء الصوفية ، وغلوه فيهم ، والقول بعصمتهم ، هو قوله في المجلي بأن كلماتهم لا يمكن الاختلاف فيها عند عنوان : (لا يمكن الاختلاف في كلمات أهل الله) وهذا نصُّ قوله : (لا يتوهم أحد أن بين إشاراتهم اختلاف ولا بين عباراتهم خلاف جل جنابهم عن أمثال ذلك ؛ لأنهم من أهل الله الذين سبق فيهم حُكم الحديث القدسي : (لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش وبي يمشي)([1]). فيكون كلامه كلامه وقوله قوله وفعله فعله كما قال الله تعالى: [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى] . والعارفون أهل الله كلهم في هذا المقام وهو مقام الوحدة الصرفة التي بها يكون فعلهم فعل المحبوب وقولهم قوله ، فلا يمكن في عباراتهم اختلاف في الحقيقة ، ولا في إشاراتهم خلاف عند أهل الطريقة ؛ لأنهم تابعون للأنبياء والأولياء على قدم الصدق والمحبة، فكما لا يمكن الاختلاف بين الأنبياء والأولياء في شيء من الأشياء مما يتعلق بالأصول الكلية الدينية والقواعد الإجماعية الشرعية فكذلك لا خلاف بينهم أيضاً، وإن اختلفت عباراتهم وتفرقت إشاراتهم. ومن الإشارات المذكورة عند التحقيق إشارة واحدة تقوم مقام الكل ؛ لأن المراد من الكل شيء واحد وهو إثبات وجود واحد ونفي وجودات آخر. فهذا بأي وجه حصل وبأي نوع اتفق فهو التوحيد المطلوب المسمى بالتوحيد الوجودي)([2]).

وما ذكره الأحسائي هو مقتبس من الصوفية الذين سبقوه مثل الغزالي وابن عربي ، أو قل أنه سار على طريقتهم في تعظيم هذه الجماعة وتبجيلها ، وفي أن كلماتهم لا يمكن الاختلاف فيها حيث يقول أبو حامد الغزالي : (إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السابقون لطريق اللّه تعالى خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ؛ بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلاً ؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم ، في ظاهرهم وباطنهم ، مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به)([3]).

ويقول ابن عربي في أن كلمات أهل الكشف من الصوفية لا اختلاف فيها : (أهل الكشف المتقون من أتباع الرسل ما اختلفوا في الله أي في علمهم به ولا نقل عن أحد منهم ما يخالف به الآخر فيه من حيث كشفه وإخباره لا من حيث فكره فإن ذلك يدخل مع أهل الأفكار فهذا مما يدلك على إن علومهم كانت أنوارا لم تتمكن لشبهة أن تتعرض إليهم جملة واحدة فقد علمت إن النور إنما اختص بأهل النور وهم الأنبياء والرسل ومن سلك على ما شرعوه ولم يتعد حدود ما قرروه واتقوا الله ولزموا الأدب مع الله فهم على نور من ربهم نور على نور ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا يعني في نعت الحق وما يجب له)([4]).

وأي شيء تريد بعد ذلك يدلك على تأثر الأحسائي بالصوفية وإكباره وإعظامه لهذه الجماعة ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) روى الشيخ الكليني في أصول الكافي : (عن أبي جعفر عليه السلام قال : لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله قال : يا رب ما حال المؤمن عندك ؟ قال : يا محمد من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي وما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن وفاة المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك ، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك وما يتقرب إلي عبد من عبادي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته كنت إذا سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته).أصول الكافي،ج1،ص352.

[2] ) مجلي مرآة المنجي،ج2،ص486.

[3] ) مجموعة رسائل الغزالي (كتاب المنقذ من الضلال) ،ص554.

[4] ) الفتوحات المكية،ج3،ص82.
للعلامة المجلسي كلام مهم في انتقاد العرفان (التصوف) وبيان بعض معتقدات العرفاء الباطلة وطبائعهم الزائفة : (ترك أكثر الناس في زماننا آثار أهل بيت نبيهم واستبدوا بآرائهم ؛ فمنهم من سلك مسلك الحكماء الذين ضلَّوا وأضلَّوا ، ولم يقرّوا بنبي ولم يؤمنوا بكتاب، واعتمدوا على عقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة ، فاتخذوهم أئمة وقادة. فهم يؤولون النصوص الصريحة الصحيحة عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم بأنه لا يوافق ما ذهب إليه الحكماء ، مع أنهم يرون أن دلائلهم وشبههم لا تفيد ظناً ولا وهماً . بل ليس أفكارهم إلا كنسج العنكبوت، وأيضاً يرون تخالف أهوائهم وتباين آرائهم ، فمنهم مشّاؤون، ومنهم إشراقيون، قلَّ ما يوافق رأي إحدى الطائفتين رأي الأخرى ، ومعاذ الله أن يتّكل الناس إلى عقولهم في أصول العقائد، فيتحيّرون في مراتع الجهالات. ولعمري إنهم كيف يجترئون أن يؤولوا النصوص الواضحة الصادرة عن أهل بيت العصمة والطهارة لحسن ظنهم بيوناني كافر لا يعتقد ديناً ولا مذهباً.وطائفة من أهل دهرنا اتخذوا البدع ديناً يعبدون الله به وسموه بـ (لتصوف) فاتخذوا الرهبانية عبادة مع أن نبينا صلى الله عليه وآله قد نهى عنها . وأمر بالتزويج ، ومعاشرة الخلق ، والحضور في الجماعة ، والاجتماع مع المؤمنين في مجالسهم ، وهداية بعضهم بعضاً ، وتعلّم أحكام الله تعالى وتعليمها ، وعيادة المرضى ، وتشييع الجنائز ، وزيارة المؤمنين ، والسعي في حوائجهم  ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله ، ونشر أحكام الله . والرهبانية التي ابتدعوها تستلزم ترك جميع تلك الفرائض والسنن . تم إنهم في تلك الرهبانية أحدثوا عبادات مخترعة : فمنها : الذكر الخفي الذي هو عمل خاص على هيئة خاصة لم يرد به نص ولا خبر ، ولم يوجد في كتاب ولا أثر . ومثل هذه بدعة محرمة بلا شك ولا ريب ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار . ومنها :  الذكر الجلي الذي يتغنون فيه بالأشعار ويشهقون شهيق الحمار ، ويعبدون الله بالمكاء والتصدية.ويزعمون أن ليس لله تبارك وتعالى عبادة سوى هذين الذكرين المبتدعين . ويتركون جميع السنن والنوافل ، ويقنعون من الصلاة بنقر كنقر الغراب . ولولا خوف العلماء لكانوا يتركونها رأساً . ثم إنهم لعنهم الله لا يقنعون بتلك البدع بل يحرّفون أصول الدين ويقولون بوحدة الوجود ، والمعنى المشهور في هذا الزمان المسموع من مشائخهم كفر بالله العظيم . ويقولون بالجبر ، وسقوط العبادات ، وغيرها من الأصول الفاسدة السخيفة . فاحذروا يا إخواني واحفظوا إيمانكم وأديانكم من وساوس هؤلاء الشياطين وتسويلاتهم وإياكم أن تخدعوا من أطوارهم المتصنعة التي تعلّقت بقلوب الجاهلين). العقائد،ص24.
الأثر الفلسفي والعرفاني عند ابن أبي جمهور الأحسائي(42)
الفلاسفة أفضل الخلق!

يرى ابن أبي جمهور الفلاسفة الذي ينعتهم بالحكماء أنهم أفضل الخلق عند حديثه في معرفة حقيقة النفس : (إن الحكماء الذين هم أفضل الخلق يعجز أكثرهم عن إدراك حقيقة نفسه)([1]).

إن الفلاسفة كانوا من المُعرِضين عن الأنبياء عليهم السلام ، وعلى مر العصور كانوا على خلاف خط المتشرعة ، وفلسفتهم في قبال شريعة السماء كما بينتُ ذلك بشيء من التفصيل في : (الأوهام الفلسفية) ؛ فمن الشيء الغريب جعلهم أفضل الخلق . ولا يقول بذلك إلا من كان ذا نزعة وتأثر بالغ في الفلسفة وما أوضح هذا الكلام على أثره الفلسفي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) مجلي مرآة المنجي،ج2،ص545.
الأثر الفلسفي والعرفاني عند ابن أبي جمهور الأحسائي 43 (آخر المقالات في هذا الخصوص)

تأثر الأحسائي بالصوفي حيدر الآملي 

إن من دلائل تأثر ابن أبي جمهور الأحسائي بالتصوف تأثره في كلام السيد حيدر الآملي ، والثناء عليه في أكثر من موضع في كتاب المجلي ، فمثلاً نقل كلامه في قلب العارف تحت عنوان : (كلام الآملي في أسرار القلب) حيث يقول : (قال الفاضل المتأخر : المراد بالاتساع ليس مجرد النظر فقط بل المراد قابلية اتصاف القلب بصفاته وأسمائه وأفعاله وعلى الجملة للقلب قابلية اتصافه بما اتصفت ذاته الجامعة للكل...)([1]).

ووصفه بالعلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي : (السيد العلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي)([2]).

وقد أشار الخوانساري في روضات الجنات إلى ثناء ابن أبي جمهور الأحسائي على السيد حيدر الآملي  عند ترجمته للآملي : (سيد أفاضل المتألهين حيدر بن علي العبيدي الحسيني الآملي هو من أجلة علماء الظاهر ، والباطن ، وأعاظم فضلاء البارز ، والكامن ذكره ابن أبي جمهور الأحسائي الفقيه العارف المشهور بعنوان السيد العلامة المتأخر صاحب الكشف الحقيقي)([3]).

إن السيد حيدر الآملي عليه مؤاخذات كثيرة([4]) بسبب تبنيه معتقدات الصوفية . بل هو من أبرز صوفية الشيعة المدافعين عن التصوف ومعتقداته .

ومن هنا لك أن تعرف أن بعض الثناء والتقييم في كتب السير وأحوال العلماء لا واقع له وغير مستند إلى أسس ورؤية معرفية صحيحة ، مثل ثناء وتقييم الخوانساري في روضات الجنات للصوفي حيدر الآملي.

وقد كان السيد حيدر الآملي شديد التأثر في ابن عربي ومصنفاته مثل الفتوحات والفصوص . بل هو متأثر حتى في مكاشفاته التي أخذها على نحو المسلمات . وعندما تطالع ثناءه على ابن عربي ومصنفاته تحسبه فاق حد الغلو ، وغلب سكر التصوف على دينه وعقله ؛ فمن تصديقه في مكاشفاته وثنائه على الفتوحات المكية يقول : (إن مكة كما صارت موجب الفتح للفتوحات المكية على قلب الشيخ  الأعظم  بليلة واحدة والمدينة سبب الفتوحات المدنية كذلك وعلى قلوب أمثاله من عباد اللّه تعالى كثيرا  ، صار المشهد المقدس الغروي الذي هو مشهد مولانا وسيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موجب الفتح للفتوحات الغيبية على قلبي إجمالاً ثم تفصيلاً  منها : (تأويل القرآن الكريم)  وغيره من الكتب كما سبق بيانها في الفهرست ومنها (حقائق فصوص الحكم ومعانيه ومعارفه) هذه على ما ينبغي من غير عمل سابق ولا سبب لاحق بل لمجرد التوجه إلى جنابه والاستدعاء من حضرة جلت قدرته وعظمت منته)([5]).
ومن ضمن تصديقه بمكاشفات ابن عربي وثنائه على فصوصه : (كان للنبي صلى الله عليه وآله كتابان : النازل عليه والصادر منه . أما الكتاب النازل فالقرآن وأما الكتاب الصادر فالفصوص وبينا أنهما عديما المثال والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما وأما الشيخ الأعظم فقد بينا أيضاً أن له كتابين : الواصل إليه والصادر منه . أما الكتاب الواصل إليه ، فالفصوص وأما الكتاب الصادر منه فالفتوحات . وبينا أنهما عديما المثال والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما . وأما الذي لنا فذلك أيضاً كتابان : الفائض علينا والصادر منا أما الكتاب  الفائض علينا فهو التأويلات للقرآن الكريم المشتمل على العلوم والمعارف الإلهية القرآنية من أنفسها وأشرفها  المحتوي على الرموز والكنايات المصطفوية والدقائق والحقائق المحمدية الصادق عليها ما قال الحق في حق بعض عبيده الخاصين : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ومن ثم صار هذا الكتاب موسوما بالمحيط الأعظم والطود الأشم في تأويل كتاب اللّه العزيز المحكم . وصار مرتباً على مجلدات سبعة كبار تبركاً بسبعة من الأنبياء الكبار  وبسبعة من الأقطاب وبسبعة من الأبدال بحيث تكون مقدماته مع الفاتحة مجلداً واحداً وكل سدس منه أي من القرآن الكريم مجلد آخر وهذا كالفصوص بالنسبة إلى الشيخ الأعظم وكالقرآن بالنسبة إلى النبي وترتيبه أنه مرتب على تسعة عشر من المقدمات والدوائر لأن المقدمات سبعة والدوائر اثنا عشر  تطبيقاً أي مطابقة بالعالم الصوري والمعنوي والكتاب (29 ألف) الأنفسي والكتاب القرآني فإن كل واحد واحد من هذه العوالم والكتب منحصر في تسعة عشر مرتبة لقوله تعالى:[عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ]([6]) وتحقيق هذه الأمور كلها يعرف من الاطلاع عليه يعني على هذا الكتاب وعلى ما في ضمنه . وأما الكتاب الصادر منا فهذا الشرح وإن لم يخل من الفيض فإنه أيضاً جامع لعلوم كثيرة ومعارف جمة . وهو مرتب كما بيناه على سبعة وعشرين دائرة مجدولة وعلى أبواب وفصول متنوعة وأنواع وأقسام متعددة  وهو بإزاء الفصوص بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وبإزاء الفتوحات بالنسبة إلى الشيخ الأعظم ولذلك وقعا عديمي المثل والنظير في نوعيهما وانحصار نوعيهما في شخصيهما ككتابيهما وكما صار أساس فضيلة نبينا صلى الله عليه وآله مبنياً على الكتابين المذكورين صار أساس فضيلة الشيخ الأعظم مبنياً على الكتابين المذكورين صار أساس فضيلتنا مبنياً على الكتابين المذكورين)([7]).

إن الوهم والخرافات بلغت منتهاها في هذه الأسطر المعدودة مما تجعل العاقل متعجباً متحيراً من أمر كاتبها ، ولكن الواقع يحتم علينا أن لا نعجب من الصوفية وأفعالهم الفظيعة وأقوالهم الغريبة وإن كانوا ينتمون لدائرة أتباع أهل البيت عليهم السلام .

ولا يتأثر أحد في السيد حيدر الآملي وينقل متبنياته إلا من كان لديه تأثر واضح في التصوف فتنبه ولا تغفل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) مجلي مرآة المنجي،ج5،ص1728.

[2] ) مجلي مرآة المنجي،ج4،ص1262.

[3] ) روضات الجنات،ج2،ص377

[4] ) أشرتُ إلى بعضها في كتاب التصوف والعرفان تحت عنوان : (وقفات مع السيد حيدر الآملي) .

[5] ) نص النصوص،ص646.

[6] ) سورة المدثر :30 .

[7] ) نص النصوص،ص148.
لا ينبغي للمؤمن الغيور على دينه أن يحترم الصوفية لاسيما المروجين للتصوف منهم.
من الأوهام التي جاء بها الفلاسفة وصدَّق بها الكثير من الخواص فضلاً عن غيرهم ما يسمى ببرهان الصديقين وحسبوه أفضل البراهين مع أن قيمته المعرفية لا تختلف عن برهان العلة والمعلول على أحسن وجه.
تلقاه هؤلاء الخواص بالقبول ولو أنهم تأملوا جيداً في قيمته المعرفية لما فضلوه عن برهان العلية ولما حسبوه أوثق البراهين.
وما جاءوا به من نصوص في تأييده والتدليل من خلاها عليه كنت أعرفها جيداً من التأويل ولا شأن لها في هذا البرهان .
ولكن كيف لي أن أقنع هؤلاء بأن هذه النصوص لا شأن لها به،وما ذكروه تأويلاً لا يخفى على ذي عين؟!
وكنت أبحث ُعن قول يؤيد كلامي ويزيد من إقناع المغلوب على أمرهم بأن النصوص المذكورة وقع عليها التأويل ولا تصلح هنا كدليل.
ومن الشيء الحسن أن قادني ثنايا البحث إلى الوقوف على كلام الشيخ جعفر السبحاني الذي صرح بوضوح في تأويل النصوص وأنها بعيده عن المعنى المذكور.
ومن الطرائف التي ذكرها بعض من تبنى برهان الصديقين هو القول بلميته وأنه استدلال من العلة على المعلول.
وكيف لي أن أقنع بعض الدارسين بأن هذا من الطرائف وتغيير في الألفاظ الذي لا يغير من الواقع شيئاً وهم تلقوه بالتسليم من دون أدنى تفكير؟!
والحمد لله أن وقفت على كلام بعض أصحاب الاتجاه الفلسفي ممن أبطل لميته وجعل القول بلميته تكلف وتعسف بغير حق.
إن شاء الله قريباً : (دليل الصديقين ما بين الدلالة والإدعاء) في حلقات على قناة التلكرام.
ترك الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) أفضل دليل على إثبات وجود الخالق وهو ما يسمى ببرهان الصديقين لكي يقيمه الفارابي وابن سينا!
هذا ما يحسبه إخوان اليونان
(91) س : هل أهمية الاطلاع على الفلسفة والتصوف ومعرفة ما فيهما من مؤاخذات تقتصر على التفسير والعقائد؟
ج : ضرورة الاطلاع على الفلسفة والتصوف ومعرفة ما فيهما من مخالفات للدين لا يقتصر أهميته على التفسير والكلام ، وإنما في مجالات متعددة ؛ تصور لو أنك أردت أن تكتب في السير وتراجم الرجال ، أو تقرأ في ذلك ، ولم يكن لديك اطلاع على الفلسفة والتصوف ، وما عليهما من مؤاخذات ؛ فسوف تشبه كثيراً ، ويختلط عليك الرأي السديد بالقول الشنيع ، وتثني على الصوفي صاحب البدع والمعتقدات الفاسدة مثل حيدر الآملي ـــ وما أكثر ما لديه من أباطيل في تفسيره وشرحه لفصوص ابن عربي ـــ وتدفع الرأي السديد الذي شخص صاحب الأثر الفلسفي والصوفي مثل ما حدث مع ابن أبي جمهور الأحسائي ، الذي صرَّح الكثير من العلماء بتأثره بتلك الاتجاهات وإلى جنب ذلك يوجد من نفاها عنه من غير تبصر ومعرفة بحاله ، أو بسبب عدم معرفته بالمعتقدات الفلسفية الباطلة ، ولربما لو مر عليها لحسبها من الأسرار ومعارف الدين الحقة.
بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية
يمكن التنزيل من خلال ملفات القناة
س : من إشكالات بعض الملحدين : إذا كان لكل موجود علة فهذا يقتضي أن يكون لله علة . كيف نرد على هذا الإشكال؟
ج : إن كتب الكلام والأدلة المقامة على إثبات الخالق لم تقل لكل موجود علة،وإنما لكل ممكن علة؛فأصل الاعتراض غير صحيح.والله سبحانه هو الغني ولم يكن بحاجة إلى علة. وأما كيفية ذلك وتعقله فهو فوق إدراك البشر .
ثم مضافاً لذلك نفس الإشكال يرد على الملحدين ، حيث ادعى الملحدون أن المادة هي التي أوجدت العالم . فمن الموجد لتلك المادة؟!
ساعة الصفر تقترب من برهان الصديقين ، ذلك البرهان الذي أُخذ أخذ المسلمات وشاع وانتشر على أنه أفضل البراهين ثم تأولوا النصوص لكي تنسجم معه ؛ ولهذا أردتُ أن أحدثكم عن حكاية انطلت على خاصة الخواص ناهيك عن غيرهم وأكشف دلالتها ووهمها ، وأقطع أيدي المتطاولين على النصوص الذين يسوقونها حيث شاءوا من غير بصيرة وتأمل.
دليل الصديقين ما بين الدلالة والادعاء (1) 
توطئة وتمهيد

إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام حرصوا أشد الحرص وبلغوا منتهى النصح في هداية العباد ، وإرشادهم إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى ، ولم يدخروا في سبيل ذلك شيئاً ؛ فلم يفتهم دليل الصديقين لو كان دليلاً في ذلك حتى يأتي الفارابي وابن سينا والملا صدرا وأقرانهم لكي يشيدوه ويجعلونه دليلاً مهماً في إثبات الخالق جل وعلا . وبسبب ذلك وغيره تجد من يرفع شأن الفلاسفة على حساب قدر الأنبياء والأوصياء بغير حق وإن كان من غير التفات وقصد.

ولذا كان من الضروري التنبيه على القيمة المعرفية لبرهان الصديقين ، وهل حقاً جاء الفلاسفة بدليل مهم فات الأنبياء والأوصياء ، ومن تبعهم من العلماء ، لكي يبزغ فجره ويصدح أمره على ألسنة الفلاسفة ؟!


سبب التسمية بالصديقين

 إن ابن سينا وسم هذا البرهان بالصديقين : (إن هذا حكم للصديقين الذين يستشهدون به لا عليه)([1]). ثم شاع بهذه التسمية وعُرِّف بها كما ذكر الخواجة الطوسي في طريقة استدلال الفلاسفة الإلهيين ــ كما يقول ــ أي استدلال ابن سينا وقومه على الخالق سبحانه : (لما كان طريقة قومه أصدق الوجهين وسمهم بالصديقين فإن الصديق هو ملازم الصدق)([2]).

وأيضاً ملا صدرا صرَّح بأن تسميته بالصديقين جاءت من ابن سينا ثم تبعه المتأخرون في التسمية : (هذا ما وصفه الشيخ في الإشارات بأنه طريقه الصديقين وتبعه المتأخرون فيه)([3]).

وقال الزارعي في تعليقه على نهاية الحكمة بأن أول من سماه ببرهان الصديقين هو ابن سينا : (أول من سماه ببرهان الصديقين هو الشيخ الرئيس)([4]).

ثم بعد ابن سينا أخذه المتأثرون في الفلسفة على نحو المسلمات وجروا على تصديق ابن سينا في أن هذا البرهان هو أوثق الطرق وأصدقها متفاخرين به على غيرهم من غير إمعان ونظر.

وقد كان لسبب تسميته بـ : (برهان الصديقين) دور كبير في اشتهاره وذياع صيته . ومما ساهم في تلقيه هو الدور العاطفي الذي يتماشى مع عقيدة المؤمنين من غير التأمل والتدقيق في قيمته المعرفية ، مضافاً لدور السينوية المتأثرين في ابن سينا وفلسفته حيث عملوا على إكباره وإعظامه ، ودحض كل ما يوجب توهينه وإضعافه.

ولكن قبل ابن سينا توجد كلمات منسوبة للفارابي وغيره تدل عليه ، ومن ضمنها ما نُقل عن الشبلي : (كل إشارة أشار بها الخلق إلى الحق فهي مردودة عليهم حتى يشيروا بالحق إلى الحق ، وليس لهم إلى ذلك سبيل)([5]).

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص66.

[2] ) الإشارات والتنبيهات (شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي)،ج3،ص67.

[3] ) الحكمة المتعالية،ج8،ص27.

[4] ) نهاية الحكمة (تعليقات الزارعي)،ج2،ص208.

[5] ) نتائج الأفكار القدسية،ج4،ص107.
إن التسمية بـ : (برهان الصديقين) لم ترد في حديث أهل البيت عليهم السلام ، كما أن المعنى المذكور لصيغة البرهان لم ترد في الحديث أيضاً ، والنصوص التي استشهدوا بها على البرهان لم تنطبق على معناه ــ كما يأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى ــ وهذا مما يتطلب الالتفات إليه .