“My own bones have grown into a prison, lonely as Naxos – my blood is the Styx.”
- Marina Tsvetaeva, from Bride of Ice: New Selected Poems.
- Marina Tsvetaeva, from Bride of Ice: New Selected Poems.
“أعرفُ.. أعرفُ.. أعرفُ
أعرفُ ذلك…
هذه الذكريات ضيّعتْ حياتي تماماً
أعرفُ، هذه القصائد التي غاصت معي في البرك،
وحملتها في الملاجيء والمقاهي والدروب
ستبقى معي أينما ارتحلتُ
أعرفُ، هذا القلب سيضيّعُ ما تبقى مني
لقد تورطتُ..
تورطتُ تماماً..
ورغم ذلك فلستُ على استعدادٍ
لأن أبدّلَ حياتي بأيةِ حياة على الاطلاقِ
فأنا أملكُ هذا الألمَ
الألم الذي يضيء”
- عدنان الصائغ
أعرفُ ذلك…
هذه الذكريات ضيّعتْ حياتي تماماً
أعرفُ، هذه القصائد التي غاصت معي في البرك،
وحملتها في الملاجيء والمقاهي والدروب
ستبقى معي أينما ارتحلتُ
أعرفُ، هذا القلب سيضيّعُ ما تبقى مني
لقد تورطتُ..
تورطتُ تماماً..
ورغم ذلك فلستُ على استعدادٍ
لأن أبدّلَ حياتي بأيةِ حياة على الاطلاقِ
فأنا أملكُ هذا الألمَ
الألم الذي يضيء”
- عدنان الصائغ
"الحب في نظري يشبه التعذيب أو عملية جراحية، وعندما يجتمع اثنان ويتعانقان فتأكد أنّ أحدهما يكون جرحا يطعن في خاصرة الآخر ويمزقه..."
- بودلير
- بودلير
كان الموت لدى الكاتب الياباني يوكيو ميشيما كائناً عزيزاً على قلبه على الدوام. فلقد تناوب الإعجاب به، وتبديله، وملاحقته، ومجابهته، والحلم به، وترويضه. بلى، "عشق" ميشيما الموت بكل ما يحوي العشق من رومانسية وعظمة وخطورة أيضا.
في "اعتراف قناع" حيث درس سحر الموت [واكتشف انحرافه الجنسي الشخصي] يعلمنا ميشيما أنه كان يبحث، منذ أن كان طفلاً، عن أكثر حكايات الجن مأساوية، لأنها كانت تفتنه بشكل خاص، كالحكاية التي يفترس فيها تنين أميراً، وتطبق عليه عنكبوت هائلة، وتلدغه أفاع، وينسحق تحت مطر من الحجارة... في هذا الكتاب، أي في الواقع إذا، لقي هذا الأمير مصرعه سبع مرات بشكل مختلف ومرعب، ولكنه كان في كلّ مرة يبعث حياً، وفي النهاية بعث ليعيش سعيداً إلى الأبد... لم يكن القارئ الصغير يحتمل مثل هذه النهاية إذ كان يخبئ في يده خطوط تفاؤل عجائبي: كان الأمير يجب أن يموت.
نعرف جيداً طرفة ميشيما عن جان دارك. كان عمره أربع سنوات، ويجهل القراءة، ويحلم بوجود يستطيع فيه أن يتأمل الصورة ذاتها باستمرار: فارس جميل يمتطي صهوة جواد أبيض، وينتضي سيفه ليجابه به الموت أو أي شيء مخيف آخر يتسم بقدرة شريرة. وكان يكفي أن تقلب الصفحة للتأكد من أن الفارس الجميل قد قتل! هنا أيضاً، يرفض الغلام الصغير واقع الكتاب لأنه كان يحلم به بشكل آخر.
***
كانت جدة ميشيما امرأة مستبدة مريضة، لا تغادر قوارير أدويتها إلا لترتاد عروضاً مسرحية. وكانت قد خطفته واحتفظت به خلال سنوات. ذات يوم، قدمت لحفيدها واقعاً يناسبه تماماً. قصت عليه مغامرات السامورائي، وحكايات الأدب التقليدي من عهد "هييآن". وصارت تصطحبه لرؤية "النو"(1) ومسرحيات "الكابوكي"(2). في مسرحية ميشيما الملتهبة التي تحمل عنوان "الشجرة الاستوائية"، وهي تقدم لنا "إليكترا" يابانية، تبرعم الغصون جميعها بحوادث قتل لا تتحقق، وتنتهي المسرحية بانتحار مضاعف كما في مسرحيات الكاتب الياباني الكبير تشيكاماتسو(3).
كان الفتى المراهق يرى الجنس مصبوغاً بالموت. واكتشف ذات يوم، بين كتب أبيه، رسماً يمثل القديس سيباستيان وقد اخترقت جسمه السهام، فأثار هذا الرسم ردّة الفعل التقليدية لدى الفتيان من ذوي الانحراف الجنسي والتصورات السادية-المازوشية. وفي عام 1970، وخلال الأشهر الأخيرة التي سبقت موته، كان ميشيما يتخذ وضع القديس سيباستيان أمام عدسة المصور الضوئي كيشين شينوياما.
يقول ميشيما، في دراسته عن جورج باتاي، وكأنه على تواطؤ معه:«أريد أن تحبيني حتى في الموت. أما أنا فإني أحبك هذه اللحظة في الموت». ولكن الموت لدى باتاي أوروبي جداً، وهو موت يدفع اليابانيين إلى القول وهم يبتسمون ابتسامة خفيفة: «حضارتكم المسيحية... مفهومكم للخطيئة!». وكان ميشيما يملك مكتبة ضخمة يحسده عليها كثير من المتأدبين والمثقفين الغربيين [صدر عن هذه المكتبة الخاصة فهرس يباع في المكتبات]. فهم ميشيما، بفضوله الغزير، الموت الغربي وكان يحلم به أيضاً. ولكنه كان قد تلقى تربيته على يد الفلسفة التي تضمنها كتاب كان شبه إجباري خلال الحرب، وأعني به كتاب "الهاغاكوريه" (Hagakuré) أي كتاب القواعد الذهبية للبوشيدو أو المناقبية السامورائية. أما الجملة –المفتاح أو الشعر الذي يحث الطيارين الانتحاريين "الكاميكاز" على الموت هو: «اكتشف أن طريق السامورائي هو الموت»، فقد كتبه جوشو ياماموتو (1654-1714)، وهو سامورائي أصبح كاهنا. وتشكل تعاليم جوشو، التي جمعها تلميذه. مجموعة من القواعد الأخلاقية والعملية. وفي عام 1967 كتب ميشيما شروحاً للمجلدات الثلاثة الأولى التي تعالج فلسفة كل من الموت، والعمل، وقوة الخلق، والحب... وهي شروح تسحرنا بما فيها من مقارنة بين تميع المحاربين "التوكوغاوا" الذي وبخهم جوشو، وبين تفسخ الأخلاق اليابانية الحديثة الذي كان يغيظ ميشيما ويزيد في إيلامه. ويقول جوشو أيضاً: «عندما يجب أن نختار بين الموت والحياة فالخيار سهل وهو الموت». ولما أراد ميشيما أن يؤكد "متعية" (Hédonisme)(4) جوشو، ذكر مقولة أبيقورس الذي سبق أن درسه في أثناء مرحلته الأغريقية:«مادمنا نعيش فالتفكير في الموت هو في غير محله. وعندما نموت ينعدم وجودنا. فلا موجب إذا للخوف من الموت».
يقرع الموت بضربات ضجه الصم مقاطع شتى من أعمال ميشيما، وليس هدفنا هنا أن نعدد هذه الأعمال، ولكننا نستطيع أن نقرب بين تفسيره للكتاب "الهاغاكوريه" وبين نهاية ثلاثيته الروائية "بحر الخصوبة" وهي آخر أعماله، وفيها شغف ميشيما بلعبة من لعب الأقنعة التي عودنا عليها ولأسباب تتعلق بالبناء الأدبي، نعقد بين أشخاصه صلات تناسخ –ولكني لا أستطيع أن أتصور لحظة أن ميشيما كان يؤمن بنظرية التقمص. وينتهي الجزء الرابع بصورة من أجمل صور الموت: «حديقة وضيئة آمنة، لا تنفرد بشيء خاص. يسمع فيها صرير الزيزان كأصوات تنبعث من سبحة وردية يفركها المرء بين أنامله. كان قد وصل إلى مكان لم تعد لديه ذاكرة ولا أي شيء. وكانت شمس الصيف الساطعة تغرق الحديقة الهادئة».
ويتوسع ميشيما أيضاً، وه
في "اعتراف قناع" حيث درس سحر الموت [واكتشف انحرافه الجنسي الشخصي] يعلمنا ميشيما أنه كان يبحث، منذ أن كان طفلاً، عن أكثر حكايات الجن مأساوية، لأنها كانت تفتنه بشكل خاص، كالحكاية التي يفترس فيها تنين أميراً، وتطبق عليه عنكبوت هائلة، وتلدغه أفاع، وينسحق تحت مطر من الحجارة... في هذا الكتاب، أي في الواقع إذا، لقي هذا الأمير مصرعه سبع مرات بشكل مختلف ومرعب، ولكنه كان في كلّ مرة يبعث حياً، وفي النهاية بعث ليعيش سعيداً إلى الأبد... لم يكن القارئ الصغير يحتمل مثل هذه النهاية إذ كان يخبئ في يده خطوط تفاؤل عجائبي: كان الأمير يجب أن يموت.
نعرف جيداً طرفة ميشيما عن جان دارك. كان عمره أربع سنوات، ويجهل القراءة، ويحلم بوجود يستطيع فيه أن يتأمل الصورة ذاتها باستمرار: فارس جميل يمتطي صهوة جواد أبيض، وينتضي سيفه ليجابه به الموت أو أي شيء مخيف آخر يتسم بقدرة شريرة. وكان يكفي أن تقلب الصفحة للتأكد من أن الفارس الجميل قد قتل! هنا أيضاً، يرفض الغلام الصغير واقع الكتاب لأنه كان يحلم به بشكل آخر.
***
كانت جدة ميشيما امرأة مستبدة مريضة، لا تغادر قوارير أدويتها إلا لترتاد عروضاً مسرحية. وكانت قد خطفته واحتفظت به خلال سنوات. ذات يوم، قدمت لحفيدها واقعاً يناسبه تماماً. قصت عليه مغامرات السامورائي، وحكايات الأدب التقليدي من عهد "هييآن". وصارت تصطحبه لرؤية "النو"(1) ومسرحيات "الكابوكي"(2). في مسرحية ميشيما الملتهبة التي تحمل عنوان "الشجرة الاستوائية"، وهي تقدم لنا "إليكترا" يابانية، تبرعم الغصون جميعها بحوادث قتل لا تتحقق، وتنتهي المسرحية بانتحار مضاعف كما في مسرحيات الكاتب الياباني الكبير تشيكاماتسو(3).
كان الفتى المراهق يرى الجنس مصبوغاً بالموت. واكتشف ذات يوم، بين كتب أبيه، رسماً يمثل القديس سيباستيان وقد اخترقت جسمه السهام، فأثار هذا الرسم ردّة الفعل التقليدية لدى الفتيان من ذوي الانحراف الجنسي والتصورات السادية-المازوشية. وفي عام 1970، وخلال الأشهر الأخيرة التي سبقت موته، كان ميشيما يتخذ وضع القديس سيباستيان أمام عدسة المصور الضوئي كيشين شينوياما.
يقول ميشيما، في دراسته عن جورج باتاي، وكأنه على تواطؤ معه:«أريد أن تحبيني حتى في الموت. أما أنا فإني أحبك هذه اللحظة في الموت». ولكن الموت لدى باتاي أوروبي جداً، وهو موت يدفع اليابانيين إلى القول وهم يبتسمون ابتسامة خفيفة: «حضارتكم المسيحية... مفهومكم للخطيئة!». وكان ميشيما يملك مكتبة ضخمة يحسده عليها كثير من المتأدبين والمثقفين الغربيين [صدر عن هذه المكتبة الخاصة فهرس يباع في المكتبات]. فهم ميشيما، بفضوله الغزير، الموت الغربي وكان يحلم به أيضاً. ولكنه كان قد تلقى تربيته على يد الفلسفة التي تضمنها كتاب كان شبه إجباري خلال الحرب، وأعني به كتاب "الهاغاكوريه" (Hagakuré) أي كتاب القواعد الذهبية للبوشيدو أو المناقبية السامورائية. أما الجملة –المفتاح أو الشعر الذي يحث الطيارين الانتحاريين "الكاميكاز" على الموت هو: «اكتشف أن طريق السامورائي هو الموت»، فقد كتبه جوشو ياماموتو (1654-1714)، وهو سامورائي أصبح كاهنا. وتشكل تعاليم جوشو، التي جمعها تلميذه. مجموعة من القواعد الأخلاقية والعملية. وفي عام 1967 كتب ميشيما شروحاً للمجلدات الثلاثة الأولى التي تعالج فلسفة كل من الموت، والعمل، وقوة الخلق، والحب... وهي شروح تسحرنا بما فيها من مقارنة بين تميع المحاربين "التوكوغاوا" الذي وبخهم جوشو، وبين تفسخ الأخلاق اليابانية الحديثة الذي كان يغيظ ميشيما ويزيد في إيلامه. ويقول جوشو أيضاً: «عندما يجب أن نختار بين الموت والحياة فالخيار سهل وهو الموت». ولما أراد ميشيما أن يؤكد "متعية" (Hédonisme)(4) جوشو، ذكر مقولة أبيقورس الذي سبق أن درسه في أثناء مرحلته الأغريقية:«مادمنا نعيش فالتفكير في الموت هو في غير محله. وعندما نموت ينعدم وجودنا. فلا موجب إذا للخوف من الموت».
يقرع الموت بضربات ضجه الصم مقاطع شتى من أعمال ميشيما، وليس هدفنا هنا أن نعدد هذه الأعمال، ولكننا نستطيع أن نقرب بين تفسيره للكتاب "الهاغاكوريه" وبين نهاية ثلاثيته الروائية "بحر الخصوبة" وهي آخر أعماله، وفيها شغف ميشيما بلعبة من لعب الأقنعة التي عودنا عليها ولأسباب تتعلق بالبناء الأدبي، نعقد بين أشخاصه صلات تناسخ –ولكني لا أستطيع أن أتصور لحظة أن ميشيما كان يؤمن بنظرية التقمص. وينتهي الجزء الرابع بصورة من أجمل صور الموت: «حديقة وضيئة آمنة، لا تنفرد بشيء خاص. يسمع فيها صرير الزيزان كأصوات تنبعث من سبحة وردية يفركها المرء بين أنامله. كان قد وصل إلى مكان لم تعد لديه ذاكرة ولا أي شيء. وكانت شمس الصيف الساطعة تغرق الحديقة الهادئة».
ويتوسع ميشيما أيضاً، وه
و الكائن المغرق في التمزق والتعقيد، في فلسفته عن العمل بكتابه "الشمس والفولاذ" حيث يسرّ لنا كيف ريض جسده ودرس الفنون الحربية ليقدم إلى الموت شيئا يليق به، يقول: «إن الشيء الذي يقي الجسد في النهاية من أن يصبح مضحكاً هو عنصر الموت الذي يستوطن جسماً قوياً عامراً بالصحة». وقد خضع، في أثناء تدربه بقوات الدفاع الجوية، لاختبار في حجرة مكيفة الضغط، ثم طار بطائرة تفوق سرعتها سرعة الصوت فأحس بأن جسمه وروحه لم يعودا يشكلان سوى كل واحد. يقول:«قلت لنفسي: في مكان ما يجب أن يوجد مبدأ سام يتوصل إلى أن يجمع بينهما ويصالحهما. وخطر ببالي أن هذا المبدأ هو الموت».
***
على أن النص الذي ينقلنا إلى أقصى حدود الدهشة والرعب في واقع ميشيما المتخيل هو أقصوصته التي تحمل عنوانه "وطنية": ففي عام 1926 اختار ضابط شاب ترافقه زوجته، وذلك بعد حركة تمرد قضى فيها رفقاؤه الأقربون، الطريق الوحيد الممكنة ليبرهن عن "سلامة طويته" (ماكاتو)، وعن إيمانه بالقيم المتوارثة. وعن وفائه للإمبراطور ولعظمة اليابان، وأعني بهذه الطريق الانتحار الياباني التقليدي (السيبوكو). يهزنا جمال هذا النص المكتوب بدقة وصفاء كما يهزنا جمال خط كتب بفن وإبداع. وبعد خمس سنوات من كتابة النص، أي في عام 1965، أخرج ميشيما ومثل وصور بنفسه للسينما هذه الأقصوصة الرائعة. وفي الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1970 لم يعد المقصود كلمات ولا فناً ولا حتى أحلاماً، بل عملاً واقعاً. تصرف ميشيما بحسب المبادئ التي طالما رددها وشرحها. يقول: «عندما يستل سيف ياباني من غمده لا يمكن أن يعود إليه إلا بعد أن ينهي مهمته». وكالأبطال المأساويين في تاريخ اليابان، هؤلاء الأبطال الذي يمجدهم في كتابه "صوت الأرواح البطولية" وفي دراستيه عن أوشيو هيشاشير ووسايغو تاكاوري. اقتحم ميشيما مقر الاركان في قوات الدفاع، وخطب في الجنود البائسين، ثم انتحر بطريقة "السيبوكو".
المؤلفة:
* ماري- كلود دو برنهوف Brunhoff كاتبة فرنسية مستشارة في الشؤون الأدبية لدى دار النشر غاليمار الفرنسية والفريد كنوف الأمريكية.
الهوامش:
(1) النو No مسرحية غنائية يابانية، تمتزج فيها الموسيقا والشعر والرقص.
(2) الكابوكي Kabuki: نوع من أنواع المسرح الياباني، يتناوب فيه الحوار مع الأقسام المرتلة أو المغناة، وع فواصل من رقص الباليه.
(3) تشيكا ماتسو Chikamatsu (1653-1725): مسرحي ياباني كبير. يعنبره بعض النقاد شكسبير اليابان. كتب نوعين من المسرحيات لمسرح العرائس للكبار: المسرحيات التاريخية والمسرحيات العائلية. وله أيضا مسرحيات من نوع الكابوكي. ذو موهبة وخيال. عالج معالجة غير مألوفة موضوعي الحب والموت. من أشهر أعماله انتحار المحبين وسوينزاكي، ومعارك كوسينفا، وسواها.
(4) المتعية Hédonisme أو مذهب المتعة: مذهب يقول بأن اللذة والسعادة هما الخير الأوحد أو الرئيس في الحياة.
***
على أن النص الذي ينقلنا إلى أقصى حدود الدهشة والرعب في واقع ميشيما المتخيل هو أقصوصته التي تحمل عنوانه "وطنية": ففي عام 1926 اختار ضابط شاب ترافقه زوجته، وذلك بعد حركة تمرد قضى فيها رفقاؤه الأقربون، الطريق الوحيد الممكنة ليبرهن عن "سلامة طويته" (ماكاتو)، وعن إيمانه بالقيم المتوارثة. وعن وفائه للإمبراطور ولعظمة اليابان، وأعني بهذه الطريق الانتحار الياباني التقليدي (السيبوكو). يهزنا جمال هذا النص المكتوب بدقة وصفاء كما يهزنا جمال خط كتب بفن وإبداع. وبعد خمس سنوات من كتابة النص، أي في عام 1965، أخرج ميشيما ومثل وصور بنفسه للسينما هذه الأقصوصة الرائعة. وفي الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1970 لم يعد المقصود كلمات ولا فناً ولا حتى أحلاماً، بل عملاً واقعاً. تصرف ميشيما بحسب المبادئ التي طالما رددها وشرحها. يقول: «عندما يستل سيف ياباني من غمده لا يمكن أن يعود إليه إلا بعد أن ينهي مهمته». وكالأبطال المأساويين في تاريخ اليابان، هؤلاء الأبطال الذي يمجدهم في كتابه "صوت الأرواح البطولية" وفي دراستيه عن أوشيو هيشاشير ووسايغو تاكاوري. اقتحم ميشيما مقر الاركان في قوات الدفاع، وخطب في الجنود البائسين، ثم انتحر بطريقة "السيبوكو".
المؤلفة:
* ماري- كلود دو برنهوف Brunhoff كاتبة فرنسية مستشارة في الشؤون الأدبية لدى دار النشر غاليمار الفرنسية والفريد كنوف الأمريكية.
الهوامش:
(1) النو No مسرحية غنائية يابانية، تمتزج فيها الموسيقا والشعر والرقص.
(2) الكابوكي Kabuki: نوع من أنواع المسرح الياباني، يتناوب فيه الحوار مع الأقسام المرتلة أو المغناة، وع فواصل من رقص الباليه.
(3) تشيكا ماتسو Chikamatsu (1653-1725): مسرحي ياباني كبير. يعنبره بعض النقاد شكسبير اليابان. كتب نوعين من المسرحيات لمسرح العرائس للكبار: المسرحيات التاريخية والمسرحيات العائلية. وله أيضا مسرحيات من نوع الكابوكي. ذو موهبة وخيال. عالج معالجة غير مألوفة موضوعي الحب والموت. من أشهر أعماله انتحار المحبين وسوينزاكي، ومعارك كوسينفا، وسواها.
(4) المتعية Hédonisme أو مذهب المتعة: مذهب يقول بأن اللذة والسعادة هما الخير الأوحد أو الرئيس في الحياة.
La bohème
و الكائن المغرق في التمزق والتعقيد، في فلسفته عن العمل بكتابه "الشمس والفولاذ" حيث يسرّ لنا كيف ريض جسده ودرس الفنون الحربية ليقدم إلى الموت شيئا يليق به، يقول: «إن الشيء الذي يقي الجسد في النهاية من أن يصبح مضحكاً هو عنصر الموت الذي يستوطن جسماً قوياً عامراً…
المصدر:
ماري- كلود دو برنهوف، "يوكيو ميشيما وعشقه للموت"، ترجمة كمال فوزي الشرابي، مجلة المعرفة السورية، العدد 272، بتاريخ 01 أكتوبر 1984، صص 91-94
ماري- كلود دو برنهوف، "يوكيو ميشيما وعشقه للموت"، ترجمة كمال فوزي الشرابي، مجلة المعرفة السورية، العدد 272، بتاريخ 01 أكتوبر 1984، صص 91-94
“لماذا خرجْتُ من الرّحمِ، لأرى تعبًا وحُزنًا فتَفْنى بالخزي أيّامي؟”
- سفر إرميا
- سفر إرميا
كلّ متعة تُؤدّي إلى إعادة إنتاج الإنسان، لا يُعوّل عليها؛ تُعتبرُ متعة الجنس -من وجهة نظر تطوّريّة- مُكافأة تمنحها إيّانا الطّبيعة حتّى يُحبّب إلينا الإنجاب وبالتّالي نضمن بقاء النّوع واستمراره، لقد تفطّنَ آرثر شوبنهاور إلى هذا الفخّ الطّبيعي الّذي تقعُ فيه الأنواع الحيّة، وأقرّ بأنّ الطّبيعة تضحّي بالفرد في سبيل النّوع، إنّ كلّ ذلك يجري من خلال قوّة “الإرادة” العمياء الّتي تدفعنا إلى التشبّث بالحياة وإلى تمريرها إلى الأجيال اللّاحقة، لكن وحده النّوع الإنساني قادرٌ على أن يغنمَ متعة الجنس دون أن يُحقّق غرضَ حفظ النّوع من الانقراض، والميزة الوحيدة الّتي يحقّ للإنسان أن يعتدّ بها أمام بقيّة الأنواع هي ميزة الرّفض؛ رفض “الإرادة” وبرنامجها البيولوجي العبثي الّذي لا يفضي إلّا إلى المزيد من شقاء الأحياء.
- ياسين عاشور
المالينخولي السّعيد (9)
- ياسين عاشور
المالينخولي السّعيد (9)
"كلمات سبارتكوس الأخيرة"
( مزج أوّل ) :
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال " لا " في وجه من قالوا " نعم "
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال " لا " .. فلم يمت ,
وظلّ روحا أبديّة الألم !
( مزج ثان ) :
معلّق أنا على مشانق الصباح
و جبهتي – بالموت – محنيّة
لأنّني لم أحنها .. حيّه !
... ...
يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين
منحدرين في نهاية المساء
في شارع الاسكندر الأكبر :
لا تخجلوا ..و لترفعوا عيونكم إليّ
لأنّكم معلقون جانبي .. على مشانق القيصر
فلترفعوا عيونكم إليّ
لربّما .. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ
يبتسم الفناء داخلي .. لأنّكم رفعتم رأسكم .. مرّه !
" سيزيف " لم تعد على أكتافه الصّخره
يحملها الذين يولدون في مخادع الرّقيق
و البحر .. كالصحراء .. لا يروى العطش
لأنّ من يقول " لا " لا يرتوي إلاّ من الدموع !
.. فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله .. غدا
و قبّلوا زوجاتكم .. هنا .. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا .. غدا
فالانحناء مرّ ..
و العنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردى
فقبّلوا زوجاتكم .. إنّي تركت زوجتي بلا وداع
و إن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع
فعلّموه الانحناء !
علّموه الانحناء !
الله . لم يغفر خطيئة الشيطان حين قال لا !
و الودعاء الطيّبون ..
هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى
لأنّهم .. لا يشنقون !
فعلّموه الانحناء ..
و ليس ثمّ من مفر
لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كلّ قيصر يموت : قيصر جديد !
وخلف كلّ ثائر يموت : أحزان بلا جدوى ..
و دمعة سدى !
( مزج ثالث ) :
يا قيصر العظيم : قد أخطأت .. إنّي أعترف
دعني- على مشنقتي – ألثم يدك
ها أنذا أقبّل الحبل الذي في عنقي يلتف
فهو يداك ، و هو مجدك الذي يجبرنا أن نعبدك
دعني أكفّر عن خطيئتي
أمنحك – بعد ميتتي – جمجمتي
تصوغ منها لك كأسا لشرابك القويّ
.. فان فعلت ما أريد :
إن يسألوك مرّة عن دمي الشهيد
و هل ترى منحتني " الوجود " كي تسلبني " الوجود "
فقل لهم : قد مات .. غير حاقد عليّ
و هذه الكأس – التي كانت عظامها جمجمته –
وثيقة الغفران لي
يا قاتلي : إنّي صفحت عنك ..
في اللّحظة التي استرحت بعدها منّي :
استرحت منك !
لكنّني .. أوصيك إن تشأ شنق الجميع
أن ترحم الشّجر !
لا تقطع الجذوع كي تنصبها مشانقا
لا تقطع الجذوع
فربّما يأتي الربيع
" و العام عام جوع "
فلن تشم في الفروع .. نكهة الثمر !
وربّما يمرّ في بلادنا الصيف الخطر
فتقطع الصحراء . باحثا عن الظلال
فلا ترى سوى الهجير و الرمال و الهجير و الرمال
و الظمأ الناريّ في الضلوع !
يا سيّد الشواهد البيضاء في الدجى ..
يا قيصر الصقيع !
( مزج رابع ) :
يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء
منحدرين في نهاية المساء
لا تحلموا بعالم سعيد ..
فخلف كلّ قيصر يموت : قيصر جديد .
و إن رأيتم في الطريق " هانيبال "
فأخبروه أنّني انتظرته مدًى على أبواب " روما " المجهدة
و انتظرت شيوخ روما – تحت قوس النصر – قاهر الأبطال
و نسوة الرومان بين الزينة المعربدة
ظللن ينتظرن مقدّم الجنود ..
ذوي الرؤوس الأطلسيّة المجعّدة
لكن " هانيبال " ما جاءت جنوده المجنّدة
فأخبروه أنّني انتظرته ..انتظرته ..
لكنّه لم يأت !
و أنّني انتظرته ..حتّى انتهيت في حبال الموت
و في المدى : " قرطاجه " بالنار تحترق
" قرطاجة " كانت ضمير الشمس : قد تعلّمت معنى الركوع
و العنكبوت فوق أعناق الرجال
و الكلمات تختنق
يا اخوتي : قرطاجة العذراء تحترق
فقبّلوا زوجاتكم ،
إنّي تركت زوجتي بلا وداع
و إن رأيتم طفلى الذي تركته على ذراعها .. بلا ذراع
فعلّموه الانحناء ..
علّموه الانحناء ..
- أمل دنقل
( مزج أوّل ) :
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال " لا " في وجه من قالوا " نعم "
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال " لا " .. فلم يمت ,
وظلّ روحا أبديّة الألم !
( مزج ثان ) :
معلّق أنا على مشانق الصباح
و جبهتي – بالموت – محنيّة
لأنّني لم أحنها .. حيّه !
... ...
يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين
منحدرين في نهاية المساء
في شارع الاسكندر الأكبر :
لا تخجلوا ..و لترفعوا عيونكم إليّ
لأنّكم معلقون جانبي .. على مشانق القيصر
فلترفعوا عيونكم إليّ
لربّما .. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ
يبتسم الفناء داخلي .. لأنّكم رفعتم رأسكم .. مرّه !
" سيزيف " لم تعد على أكتافه الصّخره
يحملها الذين يولدون في مخادع الرّقيق
و البحر .. كالصحراء .. لا يروى العطش
لأنّ من يقول " لا " لا يرتوي إلاّ من الدموع !
.. فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله .. غدا
و قبّلوا زوجاتكم .. هنا .. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا .. غدا
فالانحناء مرّ ..
و العنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردى
فقبّلوا زوجاتكم .. إنّي تركت زوجتي بلا وداع
و إن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع
فعلّموه الانحناء !
علّموه الانحناء !
الله . لم يغفر خطيئة الشيطان حين قال لا !
و الودعاء الطيّبون ..
هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى
لأنّهم .. لا يشنقون !
فعلّموه الانحناء ..
و ليس ثمّ من مفر
لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كلّ قيصر يموت : قيصر جديد !
وخلف كلّ ثائر يموت : أحزان بلا جدوى ..
و دمعة سدى !
( مزج ثالث ) :
يا قيصر العظيم : قد أخطأت .. إنّي أعترف
دعني- على مشنقتي – ألثم يدك
ها أنذا أقبّل الحبل الذي في عنقي يلتف
فهو يداك ، و هو مجدك الذي يجبرنا أن نعبدك
دعني أكفّر عن خطيئتي
أمنحك – بعد ميتتي – جمجمتي
تصوغ منها لك كأسا لشرابك القويّ
.. فان فعلت ما أريد :
إن يسألوك مرّة عن دمي الشهيد
و هل ترى منحتني " الوجود " كي تسلبني " الوجود "
فقل لهم : قد مات .. غير حاقد عليّ
و هذه الكأس – التي كانت عظامها جمجمته –
وثيقة الغفران لي
يا قاتلي : إنّي صفحت عنك ..
في اللّحظة التي استرحت بعدها منّي :
استرحت منك !
لكنّني .. أوصيك إن تشأ شنق الجميع
أن ترحم الشّجر !
لا تقطع الجذوع كي تنصبها مشانقا
لا تقطع الجذوع
فربّما يأتي الربيع
" و العام عام جوع "
فلن تشم في الفروع .. نكهة الثمر !
وربّما يمرّ في بلادنا الصيف الخطر
فتقطع الصحراء . باحثا عن الظلال
فلا ترى سوى الهجير و الرمال و الهجير و الرمال
و الظمأ الناريّ في الضلوع !
يا سيّد الشواهد البيضاء في الدجى ..
يا قيصر الصقيع !
( مزج رابع ) :
يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء
منحدرين في نهاية المساء
لا تحلموا بعالم سعيد ..
فخلف كلّ قيصر يموت : قيصر جديد .
و إن رأيتم في الطريق " هانيبال "
فأخبروه أنّني انتظرته مدًى على أبواب " روما " المجهدة
و انتظرت شيوخ روما – تحت قوس النصر – قاهر الأبطال
و نسوة الرومان بين الزينة المعربدة
ظللن ينتظرن مقدّم الجنود ..
ذوي الرؤوس الأطلسيّة المجعّدة
لكن " هانيبال " ما جاءت جنوده المجنّدة
فأخبروه أنّني انتظرته ..انتظرته ..
لكنّه لم يأت !
و أنّني انتظرته ..حتّى انتهيت في حبال الموت
و في المدى : " قرطاجه " بالنار تحترق
" قرطاجة " كانت ضمير الشمس : قد تعلّمت معنى الركوع
و العنكبوت فوق أعناق الرجال
و الكلمات تختنق
يا اخوتي : قرطاجة العذراء تحترق
فقبّلوا زوجاتكم ،
إنّي تركت زوجتي بلا وداع
و إن رأيتم طفلى الذي تركته على ذراعها .. بلا ذراع
فعلّموه الانحناء ..
علّموه الانحناء ..
- أمل دنقل