رَوضَةُ الفِكرِ
108 subscribers
30 photos
1 file
{ إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ }
Download Telegram
عقبات الشيطان :

- يسلك الشيطان في إغواء الإنسان سبلاً متعددة ، فإذا عجز عن واحد انتقل إلى آخر ، مستمرًا في وساوسه ، مزخرفًا الكذب والزيف ، فيغوي النفس ويدعوها إلى الضلالة والبعد عن رحمة الله ، ومن أراد النجاة من مكره فلا بد أن يكون على دراية من هذه المداخل وسبل الخداع ، إذ لا يُحسن مواجهة العدو من يجهل أبواب دخوله ، وقد بيّن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين هذه المكائد وقسمها إلى سبعة عقبات رئيسية حيث :

عقبة الكفر بالله تعالى: وهي أعظم مكايد الشيطان وأشدها خطرًا ، إذ تمثل الضربة القاضية التي تسقط بنيان الإيمان من أساسه وتقطع ما بين العبد وربه من صلة ، فلا يُرجى بعدها نور ولا يُبصر معها هدى ، إلا أن يشاء الله ، حيث يسعى الشيطان في هذه العقبة إلى زرع الإنكار في القلب والتشكيك في وجود الخالق أو دفع العبد إلى عبادة غيره أو رد ما جاء به الرسل من الحق أو السخرية من الدين وأهله ، فإذا بلغ بهذه المكيدة غايته ، ظفر بأغلى غنيمة ، واستراح من مطاردة هذا الإنسان ، إذ لا طاعة تقبل مع الكفر ، ولا عمل يُرفع مع الشرك ، إلا أن يعود العبد إلى ربه منيبًا تائبًا .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: الاعتصام بالتوحيد وترسيخ العقيدة في القلب بالعلم والبصيرة والتفكر في آيات الكون والقرآن ومجالسة أهل الإيمان وملازمة دعاء .

عقبة البدعة: إذا فشل في إيقاع الإنسان في الكفر ، أغراه بالبدع في الدين ، من أقوال أو أفعال تخالف سنة النبي ﷺ ، لكنها تُزيّن له على أنها طاعات ، فيظن أنه على حق وهو في ضلال وخطر البدعة أنها تفسد الدين وتمنع التوبة ، لأن المبتدع يعتقد أنه على صواب فلا يرجع إلى الحق .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: التمسك بالوحي والرجوع إلى سنة النبي ﷺ في الاعتقاد والعمل وملازمة العلماء الربانيين ووزن الأقوال والأفعال بميزان الشريعة .

عقبة الكبائر: إذا عجز الشيطان عن جر العبد إلى البدع ، جعل جلَّ اهتمامه في تزيين الكبائر ، وهي المعاصي العظام التي تجرح الروح وتظلم القلب ، كالكبائر المعروفة من الزنا ، والسرقة ، والقتل ، وشرب الخمر ، وغيرها مما تنهى عنه الشريعة وهذه الذنوب تبعد الإنسان عن رحمة الله وتضعف إيمانه وتفتك بأواصر العلاقة بينه وبين ربه والشيطان يسعى بها لأن يكسر إرادة العبد فيدخل في دوامة اليأس أو التمادي في المعصية .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: التوبة النصوح والندم الصادق والعزم على ترك المعصية واللجوء إلى الله بالدعاء والذكر والتثبت من الحق بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والتضرع إلى الله تعالى .

عقبة الصغائر: وإن نجا العبد من الكبائر لم يهدأ الشيطان ، بل يُغويه بالصغائر ، تلك الذنوب الصغيرة التي يغفل عنها الإنسان ، ويظن أنها لا تُؤثر ، ولكنها تتراكم على القلب حتى تظلمه وتميت فيه نور الإيمان شيئا فشيئا ويقول الرسول ﷺ " إيَّاكُم ومحقَّراتِ الذُّنوبِ فإنَّهنَّ يجتمِعنَ على الرَّجلِ حتَّى يُهلِكنَهُ "

وسيلة النجاة من هذه العقبة: الحرص على الاجتناب التام لكل ذنب مهما صغر والاستغفار الدائم ومحاسبة النفس على كل تفريط وعدم الاستهانة بأي معصية .

عقبة الإنشغال بالمباحات: فإذا عصم الله عبده من الكبائر والصغائر لم ييأس الشيطان ، بل يسعى لشغله بالمباحات ، تلك الأمور التي أباحها الله لكنه يجعل منها مفرطة في شغل القلب والوقت كالإفراط في النوم ، الأكل ، اللهو ، الترف ، فتضيع الأوقات الثمينة ويخمد نشاط القلب ويضعف همّ العبد في الطاعة والعبادة .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: ضبط النفس وتنظيم الوقت والمجاهدة على رفع الهمة وتذكير القلب بالموت والآخرة والمثابرة على الذكر والدعاء وبذل الجهد في طلب مرضاة الله عز وجل .

عقبة الانشغال بالمفضول وترك الأفضل: إذا لم يستطع الشيطان أن يُوقع العبد في الذنوب ولم يقدر على إشغاله بالمباحات ، جاءه من باب آخر خفي وهو أن يصرفه عن الأعمال العظيمة ويشغله بأعمال أقل ثوابًا ، فقد يشغل قلبه بنوافل كثيرة وينسّيه فروضًا أهم ، أو يلهيه بأعمال خير لكن دون أن يسعى إلى العلم أو الدعوة ، وهي أعلى أجرًا وأحب إلى الله ، فيظن العبد أنه على خير ، لكنه فوت على نفسه الأفضل .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: أن يعرف المسلم قيمة الأعمال في ميزان الشرع ، فيقدم الأهم فالمهم ويحرص على أداء الفريضة قبل النافلة وعلى العمل الذي فيه نفع أكبر ويسأل أهل العلم ليوجهوه إلى ما هو أحبّ إلى الله .

فإذا تجاوز العبد العقبات الست ولم يجد العدو عليه مدخلًا ، لم يبق له إلا عقبة تسليط الأذى ، فيُسلط عليه جنده بالأذى باليد واللسان والقلب على قدر مرتبته في الخير ، فكلما علت مرتبته اشتد البلاء عليه ، كما وقع للأنبياء عليهم السلام وأولياء الله رحمهم الله تعالى

وهذه العقبة لا حيلة له في دفعها ، ولا طريق إلى النجاة منها إلا بكمال الصبر والاستقامة والدعاء والقيام لله سبحانه وتعالى .
فضل التقوى :

التقوى هي مقام عظيم وأصلٌ من أصول الدين ، ومعناها أن يجعل العبد بينه وبين سخط الله وقاية ، بفعل ما أمر واجتناب ما نهى ، وليست مجرد صفة زائدة في الإيمان ، ولا شعورًا لحظيًا يزول ، بل هي لب الدين وجوهره وأعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى ، وقد جعلها عز وجل معيار الكرامة والفضل في قوله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، ومن تأمل آيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ ، أدرك أن التقوى حاضرة في كل مقام من مقامات الدين ويتكرر ذكرها في الوصايا ، فما من وعد بالخير إلا وارتبط بها ولا وعيد إلا وكان غيابها سببًا فيه، مما يدل على رفعة قدرها وشدة الحاجة إليها .

فإذا سكنت التقوى القلب أثمرت طمأنينة في الفؤاد وثباتًا في طريق الاستقامة ورفعة في الدرجات وبركة في الرزق ونورًا في البصيرة وهداية في القول والعمل ورحمة تحف العبد في كل موطن ، وقد وعد الله تعالى المتقين بالفرج بعد الشدة ، قال سبحانه : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ، وبالرزق من حيث لا يحتسب ، قال عز وجل : ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ، ومعيّته الخاصة ، قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ ، فما دام العبد مقيمًا على التقوى ، ناظرًا إلى الله في سره وعلانيته ومحافظًا على حدوده ، فإن الله تعالى لا يخذله ولا يضيع له سعيًا ولا يسلط عليه شقاء .

ولأن التقوى ثمرة عظيمة ، فلا بد لها من زادٍ من العلم الصادق والعمل الصالح ومن الوسائل التي تعين على ذلك :

الإقبال على القرآن والسنة : وهو مفتاح التقوى ، فمن قرأ كتاب الله بتدبر وسمع سنة نبيه بإنصات وسأل أهل العلم عما أشكل عليه زاد إيمانه وقويت في قلبه التقوى .

العلم بالله وأوامره ونواهيه : وهو أصل كل عمل صالح ، فمن جهل ما أمر الله به وما نهى عنه لم يحقق الطاعة ، ولم يسلك سبيل التقوى ، ويقول الحسن البصري رحمه الله تعالى " ما ازداد عبد علمًا إلا ازداد من الله خوفًا " وهذا يدل على أن العلم النافع هو الذي يورث التقوى والخشية .

سؤال الله بصدق : أي الضراعة إليه بأن يهديه ويعينه على نفسه ويعيذه من شر الشيطان ومن جلساء السوء ومن دعاة الباطل وأن يرزقه التقوى والفقه في الدين .

صحبة الأخيار والبعد عن الأشرار : فالأخيار يعينون على الطاعة والأشرار يجرون إلى الغفلة والضلال .

حضور حلقات العلم والإستفادة من مجالس العلماء : وذلك يحيي القلب ويوقظه من الغفلة ويعينه على التوبة والرجوع إلى الله تعالى .

الموازنة بين أمور الدنيا والدين : ولا ينبغي أن تشغل الدنيا المسلم عن التفقه في دينه ، بل الواجب أن يخصص وقتًا لمعرفة ما يقوي تقواه ويهديه إلى رضا مولاه فيجمع بين سعيه في دنياه واستقامته على أمر الله .
Jean Baptiste Camille Corot (1796-1875), Plaines Orléanaises
مبحث الصدق :

الصدق خُلق جليل وركن راسخ من مكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام ، يدلّ على صفاء النفس ونقاء السريرة وإستقامة القول والعمل ، وهو أن يكون الإنسان صادقًا في كلامه ، أمينًا في وعده ، نزيهًا في نيّته ، لا يُظهر خلاف ما يُبطن ولا يقول ما لا يعتقد ولا يعمل إلا بما يؤمن به ، ولا يُعد المرء صادقًا حتى يوافق قوله وفعله ونيته الحق ، ولا يتلون بحسب المواقف ، بل يلتزم بالحق ويتمسك به في جميع أحواله .

وقد قسم ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين الصدق إلى ثلاثة أنواع رئيسية حيث :

صدق القول : وهو صفاء اللسان حين لا ينطق إلا بما يوافق الحق ، لا يزيف واقعًا ولا يدعي باطلًا ولا يتبع هوًى ، فليس الصادق من وافق كلامه قلبه فقط ، بل من وافق قوله الحق الذي أراده الله ، ظاهرًا وباطنًا ، فإن القول لا يكون صدقًا إلا إذا طابق الحق في ظاهره ووافقه اعتقادًا في باطنه ، عندها يصبح اللسان شاهد عدل لا أداة تضليل .

صدق العمل : وهو أن تعمل ما يرضي الله لا رياءً ولا عادةً ، بل إخلاصًا واتباعًا ، فلا يكون ظاهره حقًا وباطنه باطلًا ، ولا يُطلب به ثناء الناس أو موافقتهم ، بل يُبتغى به وجه الله وحده ، فليس الصادق من يعمل الخير أمام الناس ويهمله في الخفاء ولا من يظهر الطاعة وقلبه مع الهوى ، بل الصادق من وافق عمله ما أمر الله به ظاهرًا وباطنًا ، نيةً وسلوكًا ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، فكما أن القول لا يُعد صدقًا حتى يطابق الحق ويواطئه القلب ، فكذلك العمل لا يُعد صدقًا حتى يطابق الشرع ويواطئه الإخلاص .

صدق الحال : وهو استواء ظاهر العبد وباطنه ، حيث تتوافق أعمال القلب والجوارح على الإخلاص والصدق دون تكلّف أو نفاق ، وهو أن يبذل العبد طاقته كلها في طاعة الله ويُخرج وسعه في تحقيق مرضاته ، حتى تصدق أحواله كما صدقت أقواله ومتى بلغ العبد هذه الدرجة ، عُد من الذين جاؤوا بالصدق ، وصدق الحال ليس مجرد شعور داخلي ، بل هو كمال في كل الأمور ( النية ، العمل ، الثبات عليها ، دوام التجرد لله عز وجل ) .

كما قد بينت الشريعة آثار الصدق الجليلة وجعلته علامة على كمال الإيمان وسبيلًا إلى النجاة ، فمن أعظم آثاره أنه سبب لمحبة الله تعالى ورضوانه ، قال عز وجل : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ، أي أن الصدق يُنجي صاحبه يوم القيامة ، حين تُعرض الأعمال وتُكشف السرائر ، ويُورث الصدق العبد مقام الصدّيقين وهو من أعلى المقامات ، لا يناله إلا من صدق مع الله عز وجل في إيمانه وأقواله وأعماله ، وهو دليل على الإخلاص وسلامة العقيدة وطهارة القلب ، كما أنه مفتاح الجنة حيث قال ﷺ : " إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ " (حَديثٌ صَحيحٌ) ، فدل الحديث على أن من لزم الصدق سلك به طريق الطاعة ، ومن سلك طريق الطاعة بلغ به دار الكرامة ، فهو خُلق جامع لكل خير ، وسبيل إلى الفوز برضا الله تعالى ونعيمه .
August Schaeffer von Wienwald, 1870 -Hungarian landscape
منزلة الحياء :

إن الحياء خلقٌ عظيم ومقامٌ رفيع من مكارم الأخلاق ، ومعناه أن يحفظ العبد نفسه من الوقوع في المحرمات ويسترها عن الأنظار ، فلا يظهر من القول والفعل إلا ما يُرضي الله تعالى ولا يتجرأ على مخالفة أمره أو تجاوز حدوده ، وقد بيّن النبي ﷺ مكانة الحياء ورفعة شأنه بقوله : "الحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ" (حَديثٌ صَحيحٌ) ، مبينًا بذلك أن الحياء ليس مجرد خلق عادي ، بل هو جوهر الإيمان ، يزكي القلب ويزين الظاهر ويصون العبد من الوقوع في المعاصي .

وإذا ما تأملنا في هذا الخلق النبيل ، وجدناه يتفرع بحسب من يُستحيا منه إلى ثلاثة أقسام حيث :

الحياء من الله تعالى : وهو أن يحفظ العبد جوارحه عن الحرام ويلزم قلبه مراقبة الله ويزهد في الدنيا طلبًا للآخرة ، فيستحي من الله أن يراه حيث نهاه أو يفتقده حيث أمره ، امتثالًا لقوله ﷺ : "استَحيوا منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ" (حَديثٌ حَسَنٌ) .

الحياء من الناس : وهو أن يصون العبد نفسه عن الدنايا أمام الخلق ، فيتجنب ما يُعاب عليه ويجتهد في إظهار ما يُزينه ، فيستحي أن يُرى على معصية أو يُفضح بقبيح ويحرص على كرامته وسمعته ، فالحياء هنا يدفعه إلى تجنب الأمور الرذيلة والابتعاد عما يخلّ بالمروءة والأدب .

الحياء من النفس : وهذا الحياء دليل على علوّ النفس وسموّها حيث يجعل العبد نفسه مقيماً لأفعاله وأقواله ، محاسباً قلبه ولسانه وجوارحه ، مراقباً ما يسمع ويرى ويفكر ، فلا يجاوز حد الحق ولا يغض طرفاً عن التقصير .

ورغم أن الحياء خلقٌ عظيمٌ يجمل النفس ويصونها ، إلا أن فقدانه يجرّ على العبد شرورًا عظيمة ، إذ ينكسر بذلك الحاجز الذي يردعه عن المعصية ويسقط عنه ستر الوقار والكرامة ، فلا يبالي بنظر الناس إليه ولا يستحي من نظر الله عز وجل له ، فينطق لسانه بالكذب والبذاءة وتنساق جوارحه نحو الحرام بلا رادع ويقسو قلبه حتى لا يأنف من الذنب ، ليتزعزع بذلك ركن جليل من أركان الإيمان وتضمحل معه روح المروءة والوقار ، قال الرسول ﷺ : "إذا لم تستحْيِ فاصنَعْ ما شئتَ" (حَديثٌ صَحيحٌ) ، أي أن من خلا قلبه من الحياء استوى عنده القبيح والحسن وسقطت كرامته ، فصار عبدًا لهواه ، يستخف بما يغضب الله عز وجل ويخسر بذلك دنياه وآخرته .
Bernhard Fries, View over the Neckar Mountains near Heidelberg, 1845

- psychological comfort
- Sea wave | Beginner Painter

Not very pretty, but worth a try.
منزلة الصبر :

الصبر مقامٌ رفيع لا يُدرك إلا بالمجاهدة ولا يُحافظ عليه إلا من قوي إيمانه واستقام قلبه ، وهو عدّة السالكين في طريق الطاعة وملجأ المؤمنين عند نزول الشدائد ، به تُرفع الدرجات وتُكفر السيئات وتُنال الخيرات ، وقد حثّ الشرع على تحصيل الصبر وأثنى على أصحابه ، إذ قال الله تعالى : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، فالصابرون هم الفائزون برحمة الله تعالى وفضله ، وهم الذين يُثبتون أقدامهم وسط تقلبات الحياة ، فلا تزعزعهم المحن ولا تضعفهم الشدائد .

وقد تطرّق العلماء إلى بيان أقسام الصبر وتحديد مجالاته ، وهم متفقون على أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية حيث :

١ - الصبر على الطاعة : وهو إلزام النفس على طاعة الله تعالى ومجاهدة أهوائها التي تدعو إلى الكسل والتواني مع حمل الجوارح على الثبات في أداء الواجبات والنوافل بإخلاص واحتساب ، وهذا الصبر يشتمل على مشقة النفس والجسد ولا يُنال إلا بإرادة صلبة وإيمان راسخ ، مستشعرًا حرمة الوقت وثواب الصابرين العظيم .

٢ - الصبر عن المعصية : وهو أن يوقف الإنسان نفسه عند حدود الله تعالى ، فيحبسها عن اتباع الهوى والشهوات رغم إغراءات النفس ووساوس الشيطان ، فلا ينقاد لرغبات تدفعه إلى المحرمات ، بل يجاهدها على الصبر والتحكم ، محتسبًا ما عند الله من الأجر والثواب ، مستدركًا بأن ترك المعاصي أصدق علامة على صدق الإيمان وثبات القلب .

٣ - الصبر على البلاء : وهو أن يسلّم العبد قلبه وبدنه لما قدّره الله عليه من البلاء ، من مرض أو فقر أو فقد أو همّ ، فلا يتسخّط ولا يعترض ، بل يُمسك لسانه عن القول بما يغضب الله ويستقبل القضاء برضا و صبرٍ جميل ، مستيقنًا أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه ، وأن الله أرحم به من نفسه ، قال تعالى : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ، أولئك بشرهم الله بوعده الصادق فجعل صبرهم سببًا لهدايتهم ونزول رحمته عليهم ورفع منزلتهم عنده .

ومن دلائل فضل الصبر ، ما يورثه في حياة المؤمن من آثارٍ جليلة ، تنعكس على قلبه وسلوكه وتُثمر طمأنينة في مواطن القلق وثباتًا في وجه الشدائد ، فهو طريق إلى محبة الله تعالى ورضاه ، قال تعالى : ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ ، ومن نال محبة الله فقد فاز فوزًا لا يُقدّر وارتقى إلى مقامٍ رفيع ، تُكفَّر به السيئات وتُرفع الدرجات ، ومن ثمراته أيضًا انكشاف الكروب وتعجيل الفرج ، فلا يلازم العسر عبدٌ صابر إلا ويعقبه اليسر ، ويورثه ذلك قوّة وثباتًا في وجه المحن ، فلا يضطرب قلبه ولا يضعف عزمه ، كما يُثمر الصبر هدايةً وتوفيقًا ، فإن الله يربط على قلوب الصابرين ويعينهم على الطاعة ويجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا ومن كل همٍّ فرجًا ، وهو أعظم سلاح في مجاهدة النفس وردعها عن الهوى وبه يرقى العبد في مدارج التزكية حتى يبلغ مراتب الأولياء ، فهو سبيل السالكين إلى المعالي وزادٌ باقٍ لا يَخيب من تشبّث به .
Alfred Sisley (French, b.1839, d.1899), Moret at Sunset - 1888
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أما بعد :

فإني أبرأ إلى الله تعالى من كل خطأ أو زلل وقع مني في هذه القناة ، علمته أو جهلته ، قصدته أو لم أقصده ، وأستغفر الله من كل قولٍ لم يُرِد به وجهه الكريم ، أو خالف فيه الحق من حيث لا أعلم .

وأشكر كل من تابع محتوى هذه القناة بنية صالحة ، أو دعا لأخيه في ظهر الغيب ، أو أحسن الظن بأخيه المسلم ، وأسأل الله تعالى أن يرزقكم من واسع فضله ويجزيكم خير الجزاء ، ويجعلنا وإياكم من المقبولين ، ومن الذين لا خاب لهم سعي ، ولا ضلّ لهم طريق ، ولا ردت لهم دعوة .

والله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله