رَوضَةُ الفِكرِ
108 subscribers
30 photos
1 file
{ إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ }
Download Telegram
التوحيد ، أعظم ما أمر الله به :

يُعد التوحيد أساس الإيمان وأعظم ما يبنى عليه الدين ، وهو أن يفرد الله وحده بكل ما يختص به من ربوبية وألوهية وأسماء وصفات ، ولفظ التوحيد مأخوذ من "وحد يوحد" أي جعل الشيء واحدًا ، أما اصطلاحًا فهو إفراد الله تعالى بالخلق والتدبير والعبادة ، فلا يُشرك معه أحد في شيء من ذلك ، وهو أن تؤمن بأن الله وحده هو الإله الحق لا شريك له وأنه الخالق الرازق المدبّر ، فلا معبود بحق سواه ولا يكفي أن تعتقد بوجود الله فقط ، بل لابد أن توجه إليه وحده كل حبك وخوفك ورجائك ودعائك ، فتقول " لا إله إلا الله " عن وعي وتعيش معناها في أقوالك وأعمالك ونواياك ، فلا تتعلّق إلا به ولا تخاف إلا منه ولا تسأل غيره سبحانه .

وهو أعظم ما أُمر به الإنسان ، وهو أول ما جاءت به الرسل ولا تقبل أي عبادة من صلاة أو صيام أو حج ما لم تكن مبنية على التوحيد ، بل إن الله خلق الإنسان لأجل أن يوحده ، كما قال تعالى " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " ومعنى يعبدونِ أي يوحدونِ ومن يوحد الله بصدق يطمئن قلبه ، لأنه يعلم أن كل شيء بيد الله وحده ، وليس بيد أحد من الناس .

و قد قسم السلف الصالح التوحيد إلى ثلاثة أقسام :

توحيد الربوبية : وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير حيث يقول تعالى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } وقال عز وجل : { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } .

توحيد الألوهية : وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحدًا يعبده ويتقرب إليه كما يعبد الله تعالى ويتقرب إليه وقال تَعَالَى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ } .

توحيد الأسماء والصفات : وهو إفراد الله تعالى بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بإثبات ما أثبته ونفي ما نفاه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل وقال سبحانه : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .


ولا يكتمل التوحيد إلا إذا إجتمعت هذه الجوانب الثلاثة في قلب الإنسان وعمله ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر وإن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات ، فلو فرضنا أن رجلاً يقرُّ إقراراً كاملاً بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات ولكنه يذهب إلى القبر فيعبد صاحبه أو ينذر له قربانًا يتقرب به إليه فإنه مشرك كافر خالد في النار حيث يقول عز وجل : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } .

فالتوحيد هو أعظم ما أمر الله به ، وذلك لأنه الأصل الذي يقوم عليه الدين كله ، ولهذا بدأ به النبي ﷺ في دعوته إلى الله ، وأمر من أرسلهم بالدعوة أن يبدؤوا به قبل كل شيء حيث قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن " إنَّك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ فليكن أوَّلُ ما تدعوهم إليه شهادةَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ " .
اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) :

اضطراب الشخصية النرجسية هو حالة نفسية تؤثر على الصحة العقلية حيث يظهر لدى المصاب شعور مبالغ فيه بأهميته الذاتية ، وحاجته مفرطة إلى الإعجاب والاهتمام من الآخرين ، كما يسعى المصاب جاهدًا لنيل الإطراء والتقدير وغالبا ما يفتقر إلى القدرة على فهم مشاعر الآخرين أو التعاطف معهم .

تتجلى ملامح الشخصية النرجسية في شعور دائم بالتفوق والتميز ، كما يصاحبه التعطش المستمر للإعجاب والانتباه ، حيث يسعى النرجسي إلى أن يكون محط إهتمام الناس ويجد صعوبة في تقبل النقد أو حتى الملاحظات البسيطة ، إذ ينزعج منها بسهولة ويعتبرها تهديدًا لصورته الذاتية ، كما يتميز بسلوك إستغلالي تجاه الآخرين ، حيث يستخدمهم كوسيلة لتحقيق أهدافه دون اكتراث بمشاعرهم أو احتياجاتهم ورغم ما يبدو عليه من ثقة عالية ، إلا أنه يفتقر غالبًا إلى التعاطف ويخفي هشاشة داخلية تجعله حساسًا جدا لأي إشارة قد تمسّ تقديره لذاته .

كما تعود نشأة النرجسية إلى تداخل عدة عوامل نفسية وبيئية ووراثية ، إذ يمكن أن يكون لطريقة التربية أثر بالغ في ذلك ، فقد ينشأ الطفل في بيئة تمجد فيه ذاته بشكل مبالغ فيه أو على العكس في بيئة تهمش مشاعره وإحتياجاته ، فيسعى لاحقا لتعويض هذا النقص بالتعالي على الآخرين وحب الظهور ، كما تلعب الصدمات النفسية المبكرة مثل الإهمال أو النقد القاسي دورًا في تكوين شخصية نرجسية كآلية دفاعية لحماية الذات وبالإضافة إلى ذلك ، تشير بعض الدراسات إلى أن هناك عوامل وراثية وبيولوجية قد تؤثر في تطور هذا الاضطراب ، عبر تغييرات في بنية الدماغ أو وظائفه المتعلقة بالتعاطف وتنظيم المشاعر .

ويصاحب النرجسية عدد من الأمراض النفسية الأخرى التي تتداخل معه ، مثل الاكتئاب الناتج عن فشل الشخص في تحقيق توقعاته العالية واضطرابات القلق التي قد تظهر بسبب الخوف من الرفض أو النقد ، واضطرابات المزاج التي تتسبب في تقلبات عاطفية حادة ، وإضاقة إلى ذلك يصاحبه اضطرابات شخصية أخرى مثل اضطراب الشخصية الحدية أو المعادية تجاه المجتمع ، وقد يلجأ بعض المصابين إلى تعاطي المخدرات أو الكحول هروبا من التوتر الداخلي والشعور المزمن بعدم الرضا عن الذات ، مما يزيد من تعقيد حالتهم النفسية .

ومن الوسائل الفعالة في التعامل مع اضطراب الشخصية النرجسية العلاج النفسي الديناميكي ، الذي لا يكتفي بتعديل السلوك الظاهري ، بل يغوص في أعماق النفس ويسعى إلى تفكيك العقد التي تشكلت عبر سنوات من التجارب المؤلمة أو الإهمال العاطفي في الطفولة ، إذ يعين هذا النوع من العلاج المصاب على إدراك دوافع حاجته المزمنة إلى التقدير الخارجي ، وفهم ما وراء سعيه المتكرر نحو الإعجاب والانبهار ، ويدعوه إلى إعادة بناء صورته عن الذات بشكل أكثر واقعية وتوازنًا ، كما أن نجاح هذا المسار العلاجي يعتمد بدرجة كبيرة على علاقة الثقة بين المعالج والمريض ، حيث يعد تقبل التوجيه والاعتراف بالمشكلة أحد التحديات الأولى في رحلة التعافي ، ومع الاستمرار والصبر ، يبدأ المصاب شيئًا فشيئًا في التحرر من قناع العظمة ، ليقترب أكثر من ذاته الحقيقية .

وكذالك ، لا يغفل أثر الإيمان والتأمل في كلام الله ، إذ يقول تعالى : ﴿ وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ﴾ ، فالقرآن شفاء لا يقتصر على الأبدان ، بل تمتد رحمته لتضمد جراح النفس وتغرس فيها الطمأنينة والاتزان .
رَوضَةُ الفِكرِ
اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) : اضطراب الشخصية النرجسية هو حالة نفسية تؤثر على الصحة العقلية حيث يظهر لدى المصاب شعور مبالغ فيه بأهميته الذاتية ، وحاجته مفرطة إلى الإعجاب والاهتمام من الآخرين ، كما يسعى المصاب جاهدًا لنيل الإطراء والتقدير وغالبا ما يفتقر…
وأيضا الشخصية النرجسية ليست دائما سلوكًا ظاهرًا كما يظن البعض ، بل قد تتخفى خلف ملامح أكثر تعقيدًا وتشابكًا ، فرغم الحاجة الملحة إلى التقدير والسيطرة التي تميز هذا النمط ، إلا أن النرجسي لا يتمكن دوما من فرض سلوكياته على جميع من حوله ، خاصة إذا واجه شخصيات قوية ومحصنة ضد هذا التلاعب ، فيؤدي ذلك إلى كبت نرجسيته والتراجع ، لا عن قناعة ، بل لأنه عاجز عن اختراق ذلك الصمود .
جوهر الإخلاص :

الإخلاص هو تصفية القصد ، وتوجيه النية لله وحده دون الحاجة إلى مدح الناس أو طلب منزلة عندهم ، وهو أن يعمل العبد عملاً لا يريد به إلا وجه الله ومن هنا ، فإن الإخلاص لا يعد خلقا إضافيًا ، بل هو أساس القبول وشرط صحة العبادة إذ إن الله لا ينظر إلى ظاهر العمل ولكن ينظر إلى القلب الذي أداه وإن كان لغيره نصيب فيه ، وكلما عَظُم الإخلاص في قلب العبد زاد قربه من ربه ، ولو كان عمله يسيرًا ولذلك ، كان لا بد من الوقوف على منزلة الإخلاص ومعرفة أثره في حياة المسلم .

إن الإخلاص ليس صفة تولد فجأة ، بل هو ثمرة مجاهدة طويلة ومراقبة دائمة للنفس وتنقية متواصلة للنية وقد فهم السلف الصالح ذلك جيدًا ، فكانوا يجتهدون في إصلاح قلوبهم قبل أجسادهم ويجاهدون الرياء كما يُجاهد العدو ، لأنهم علموا أن فساد النية يفسد العمل كله ، مهما بدا في أعين الناس صالحًا ومن أبرز ما يعين على الإخلاص :

معرفة الله عز وجل وتعظيمه :
فكلما ازداد العبد علما بعظمة ربه ازداد خشية وكلما عَظُمت الخشية قلَّ نظره إلى الخلق وكان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول: "ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجلهم شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما" .

معرفة فضل الإخلاص وخطر الرياء :
إذا علم العبد أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه ، وأن الرياء يحبط العمل ويجعله هباءً منثورًا ، سعى إلى تطهير قلبه وتجديد نيته دائمًا ، قال تعالى "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ"

مجاهدة النفس في مراقبة النية :
لأن النية تتقلب ، فالمؤمن ملزم أن يراجع نيته باستمرار ، خاصة عند بداية العمل وأثناءه وبعده كما قال سفيان الثوري : "ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيّتي ، إنها تتقلّب عليّ" .

الإكثار من الأعمال الخفية :
العمل الذي لا يراه أحد ، غالبا ما يكون أقرب إلى الإخلاص ، كالتصدق دون أن يعلم أحد وقيام الليل والدعاء في الخفاء وقال ﷺ "ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفَاها ، حتَّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" (متفقٌ عَلَيْهِ)

تذكر أن الله مطّلع على السرائر :
أي إن علم العبد بأن الله لا ينظر إلى صورنا وأجسادنا ، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا ، مما يجعله يتعبد الله تعالى بإخلاص دون رياء ويقول ﷺ "إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم" (حَديثٌ صَحيحٌ)

الاقتداء بالسلف الصالح :
كان السلف يخفون أعمالهم الصالحة كما يخفي أهل المعاصي معاصيهم ، فكان أحدهم يصوم سنين ولا يعلم بذلك أقرب الناس إليه ويقوم الليل طويلا ولا يشعر به أحد ، رجاء أن يكون عمله خالصًا لله وحده .


كما أن للإخلاص آثار عظيمة تتجلى في القلب وسلوك العبد ، فهو المفتاح الذي يفتح به باب القبول وترفع به درجات الأعمال ، قال تعالى "إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ" ، كما أنه يمنح القلب طمأنينة وصفاء ، إذ لا ينشغل صاحبه بنظر الناس ، بل يستغني برضا الله عن كل مدح ، وهو أيضا سبب للثبات في زمن الفتن ، لأن المخلص لا يتأثر بتقلب الأحوال ولا بانحراف من حوله ، إذ يعمل لله فلا يتغير بتغير الواقع ، بل يزيده البلاء صبرًا وتمسكًا ، وهو أيضا سبب لزرع القبول في الأرض ، فإن الله يلقي محبة عباده في قلوب الخلق دون أن يسعوا إليها ، لأن الإخلاص نور يشع من القلب فيبصره الناس دون كلام ومن أسمى آثاره أنه طريق النجاة يوم القيامة ، إذ يُبعث العبد على نيته ومَن صدق مع الله في دنياه بلغه الله مراتب الفلاح في أخراه .
Willem Roelofs (1822-1897), Forest edge
آليات الدفاع النفسي ( Defense Mechanisms ) :

آليات الدفاع النفسي هي عمليات نفسية لا شعورية تلجأ إليها النفس لحماية الفرد من الضغوط النفسية والصراعات الداخلية عبر تشويه أو إنكار الواقع بطريقة تخفف من حدة القلق والتوتر ، مما يساعد في الحفاظ على التوازن النفسي والصحة العقلية .

تُقسم آليات الدفاع النفسي إلى ثلاثة أنواع رئيسية تختلف في درجة نضجها وتأثيرها على صحة الفرد النفسية حيث نجد :

الدفاعات الناضجة :
هي وسائل صحية يستخدمها الإنسان ليعبر عن مشاعره السلبية بطريقة بناءة ، مثل تحويل الغضب إلى نشاط مفيد أو استخدام الدعابة لتخفيف التوتر ، وتساعد هذه الآليات على التكيف النفسي والنمو .

الدفاعات العصبية :
تشمل آليات تخفف التوتر مؤقتًا دون معالجة السبب الحقيقي ، مثل الكبت الذي يُخفي الذكريات المؤلمة والإزاحة التي تحول الغضب من مصدره الحقيقي إلى هدف آخر أقل تهديدًا والتبرير لتخفيف الشعور بالذنب والإسقاط بنسب المشاعر غير المقبولة للآخرين .

الدفاعات غير الناضجة :
تشوه هذه الآليات الواقع وتعيق النمو النفسي ، مثل إنكار الحقائق المؤلمة أو الهروب من المواجهة الاجتماعية أو التعبير عن الغضب بطرق غير مباشرة مثل السخرية أو الإهمال .

وإلى جانب التصنيفات الشائعة لآليات الدفاع النفسي ، توجد فئة رابعة تُعرف بالدفاعات الذهانية ، وتُعد الأشد انفصالًا عن الواقع ولا تظهر في الحياة النفسية اليومية الطبيعية ، بل تبرز غالبًا في حالات الاضطراب العقلي الشديد حين تفقد النفس تماسكها وتلجأ إلى تشويه جذري للواقع كوسيلة لحماية الذات من الانهيار .


كما تكمن جذور هذه الآليات في مراحل النمو المبكر ، حيث يبدأ الطفل باستخدامها تلقائيًا لحماية ذاته من المشاعر الصادمة كالخوف أو الإهمال أو الشعور بالذنب ، وإذا تكررت هذه التجارب دون معالجة أو توجيه سليم ، ترسخت آليات الدفاع في بنيته النفسية وأصبحت جزءًا من أسلوبه في التعامل مع الحياة ، ولذا فإن فهم هذه الآليات وفك شيفرتها يساعد في الوصول إلى جذر المشكلات النفسية وفهم سلوك الإنسان بعمق .
مجاهدة النفس :

مجاهدة النفس هي الطريق الرفيع الذي يصعد به العبد نحو تزكية نفسه وسمو طاعته لله الذي لا يتحقق إلا من خلال مقاومة ميول النفس وحفظها عن معصية الله ، وهو طريق شاق تتعارض فيه رغبات النفس مع أوامر الشرع ، ولذالك فإنه يحتاج إلى سالك ذي إرادة صلبة وقلب ثابت ينير له دروب الطاعة ، حتى يبلغ رضوان ربه ويظفر بالفوز العظيم .

وقد قسم ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "زاد المعاد" مجاهدة النفس إلى أربعة مراتب حيث :

مجاهدة النفس على تعلم العلم الشرعي : وهو أن يحمل العبد نفسه على طلب العلم الشرعي وتعلم الهدى ، لأن النفس تميل أحيانا إلى الراحة ولا تسعى إلى ما فيه مشقة من تعلم وتدبر . ومع ذلك ، فإن وصول العبد إلى مراتب الطاعة مرهون بنور العلم الذي يكشف له حدود رضا الله وسخطه ، يقول النبي ﷺ "طلبُ العِلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ" (رواه ابن ماجه) .

مجاهدة النفس على العمل به بعد علمه : ليست الغاية من العلم مجرد المعرفة ، بل العمل به عن طريق إلزام النفس بالاستقامة والتطبيق ، فكم من إنسان يعلم الحق لكن نفسه تتكاسل عن الإلتزام وتحُول دون أداء الواجبات ، وإن أشد الناس مجاهدة لنفسه هو من يحرص دائما على تحويل علمه إلى عمل ، فالعلم وحده لا يكفي دون أن يُترجم إلى سلوكٍ يتوافق مع أمر الله ، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .

مجاهدة النفس على الدعوة إليه وتعليمه لمن لا يعلم : وتبدأ بضبط النفس والتمكن من العلم والبصيرة ، فالداعي لا يكون مؤثرًا إلا إذا جاهد نفسه على طلب العلم وفهم الدين ومقاومة الكسل والهوى ليكون كلامه ونصحه نابعين من يقين وحكمة ، وهذه المجاهدة تجعل منه أداة صادقة لنشر الحق والدعوة إلى طريق الهداية ، كما كان حال الرسل عليهم السلام الذين جاهدوا أنفسهم في سبيل الله ليبلغوا رسالاته بالحكمة والموعظة الحسنة ، قال عز وجل: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ .

مجاهدة النفس على الصبر على مشاق الدعوة : وهي مجاهدة النفس على الصبر وتحمل ما يقابل به الداعية من تكذيب وسخرية وأذى ، دون أن يضعف أو يتراجع وهي من صفات المرسلين الذين بلغوا رسالة الله وصبروا على أذى أقوامهم ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ ﴾ ، فمن صبر كما صبروا ، نال فضلهم وكان على نهجهم ، فطريق الدعوة محفوف بالابتلاء ولا يثبُت عليه إلا جاهد نفسه وصدق مع الله .


وهكذا ، فإن مجاهدة النفس على الطاعة وترك المعصية هما السبيل الحقيقي نحو صلاح القلب واستقامة الجوارح ، وهي الطريق الذي يسلكه الصادقون في طلب رضا الله تعالى ، فلا يبلغ العبد مرتبة الإحسان ولا يذوق حلاوة الإيمان إلا إذا قاوم شهواته وخالف هواه وداوم على تربية نفسه على الطاعة والصبر .
willem roelofs, dutch 1822-1897, a view of glen sligichan, isle de skye, scotland
عقبات الشيطان :

- يسلك الشيطان في إغواء الإنسان سبلاً متعددة ، فإذا عجز عن واحد انتقل إلى آخر ، مستمرًا في وساوسه ، مزخرفًا الكذب والزيف ، فيغوي النفس ويدعوها إلى الضلالة والبعد عن رحمة الله ، ومن أراد النجاة من مكره فلا بد أن يكون على دراية من هذه المداخل وسبل الخداع ، إذ لا يُحسن مواجهة العدو من يجهل أبواب دخوله ، وقد بيّن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين هذه المكائد وقسمها إلى سبعة عقبات رئيسية حيث :

عقبة الكفر بالله تعالى: وهي أعظم مكايد الشيطان وأشدها خطرًا ، إذ تمثل الضربة القاضية التي تسقط بنيان الإيمان من أساسه وتقطع ما بين العبد وربه من صلة ، فلا يُرجى بعدها نور ولا يُبصر معها هدى ، إلا أن يشاء الله ، حيث يسعى الشيطان في هذه العقبة إلى زرع الإنكار في القلب والتشكيك في وجود الخالق أو دفع العبد إلى عبادة غيره أو رد ما جاء به الرسل من الحق أو السخرية من الدين وأهله ، فإذا بلغ بهذه المكيدة غايته ، ظفر بأغلى غنيمة ، واستراح من مطاردة هذا الإنسان ، إذ لا طاعة تقبل مع الكفر ، ولا عمل يُرفع مع الشرك ، إلا أن يعود العبد إلى ربه منيبًا تائبًا .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: الاعتصام بالتوحيد وترسيخ العقيدة في القلب بالعلم والبصيرة والتفكر في آيات الكون والقرآن ومجالسة أهل الإيمان وملازمة دعاء .

عقبة البدعة: إذا فشل في إيقاع الإنسان في الكفر ، أغراه بالبدع في الدين ، من أقوال أو أفعال تخالف سنة النبي ﷺ ، لكنها تُزيّن له على أنها طاعات ، فيظن أنه على حق وهو في ضلال وخطر البدعة أنها تفسد الدين وتمنع التوبة ، لأن المبتدع يعتقد أنه على صواب فلا يرجع إلى الحق .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: التمسك بالوحي والرجوع إلى سنة النبي ﷺ في الاعتقاد والعمل وملازمة العلماء الربانيين ووزن الأقوال والأفعال بميزان الشريعة .

عقبة الكبائر: إذا عجز الشيطان عن جر العبد إلى البدع ، جعل جلَّ اهتمامه في تزيين الكبائر ، وهي المعاصي العظام التي تجرح الروح وتظلم القلب ، كالكبائر المعروفة من الزنا ، والسرقة ، والقتل ، وشرب الخمر ، وغيرها مما تنهى عنه الشريعة وهذه الذنوب تبعد الإنسان عن رحمة الله وتضعف إيمانه وتفتك بأواصر العلاقة بينه وبين ربه والشيطان يسعى بها لأن يكسر إرادة العبد فيدخل في دوامة اليأس أو التمادي في المعصية .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: التوبة النصوح والندم الصادق والعزم على ترك المعصية واللجوء إلى الله بالدعاء والذكر والتثبت من الحق بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والتضرع إلى الله تعالى .

عقبة الصغائر: وإن نجا العبد من الكبائر لم يهدأ الشيطان ، بل يُغويه بالصغائر ، تلك الذنوب الصغيرة التي يغفل عنها الإنسان ، ويظن أنها لا تُؤثر ، ولكنها تتراكم على القلب حتى تظلمه وتميت فيه نور الإيمان شيئا فشيئا ويقول الرسول ﷺ " إيَّاكُم ومحقَّراتِ الذُّنوبِ فإنَّهنَّ يجتمِعنَ على الرَّجلِ حتَّى يُهلِكنَهُ "

وسيلة النجاة من هذه العقبة: الحرص على الاجتناب التام لكل ذنب مهما صغر والاستغفار الدائم ومحاسبة النفس على كل تفريط وعدم الاستهانة بأي معصية .

عقبة الإنشغال بالمباحات: فإذا عصم الله عبده من الكبائر والصغائر لم ييأس الشيطان ، بل يسعى لشغله بالمباحات ، تلك الأمور التي أباحها الله لكنه يجعل منها مفرطة في شغل القلب والوقت كالإفراط في النوم ، الأكل ، اللهو ، الترف ، فتضيع الأوقات الثمينة ويخمد نشاط القلب ويضعف همّ العبد في الطاعة والعبادة .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: ضبط النفس وتنظيم الوقت والمجاهدة على رفع الهمة وتذكير القلب بالموت والآخرة والمثابرة على الذكر والدعاء وبذل الجهد في طلب مرضاة الله عز وجل .

عقبة الانشغال بالمفضول وترك الأفضل: إذا لم يستطع الشيطان أن يُوقع العبد في الذنوب ولم يقدر على إشغاله بالمباحات ، جاءه من باب آخر خفي وهو أن يصرفه عن الأعمال العظيمة ويشغله بأعمال أقل ثوابًا ، فقد يشغل قلبه بنوافل كثيرة وينسّيه فروضًا أهم ، أو يلهيه بأعمال خير لكن دون أن يسعى إلى العلم أو الدعوة ، وهي أعلى أجرًا وأحب إلى الله ، فيظن العبد أنه على خير ، لكنه فوت على نفسه الأفضل .

وسيلة النجاة من هذه العقبة: أن يعرف المسلم قيمة الأعمال في ميزان الشرع ، فيقدم الأهم فالمهم ويحرص على أداء الفريضة قبل النافلة وعلى العمل الذي فيه نفع أكبر ويسأل أهل العلم ليوجهوه إلى ما هو أحبّ إلى الله .

فإذا تجاوز العبد العقبات الست ولم يجد العدو عليه مدخلًا ، لم يبق له إلا عقبة تسليط الأذى ، فيُسلط عليه جنده بالأذى باليد واللسان والقلب على قدر مرتبته في الخير ، فكلما علت مرتبته اشتد البلاء عليه ، كما وقع للأنبياء عليهم السلام وأولياء الله رحمهم الله تعالى

وهذه العقبة لا حيلة له في دفعها ، ولا طريق إلى النجاة منها إلا بكمال الصبر والاستقامة والدعاء والقيام لله سبحانه وتعالى .
فضل التقوى :

التقوى هي مقام عظيم وأصلٌ من أصول الدين ، ومعناها أن يجعل العبد بينه وبين سخط الله وقاية ، بفعل ما أمر واجتناب ما نهى ، وليست مجرد صفة زائدة في الإيمان ، ولا شعورًا لحظيًا يزول ، بل هي لب الدين وجوهره وأعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى ، وقد جعلها عز وجل معيار الكرامة والفضل في قوله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، ومن تأمل آيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ ، أدرك أن التقوى حاضرة في كل مقام من مقامات الدين ويتكرر ذكرها في الوصايا ، فما من وعد بالخير إلا وارتبط بها ولا وعيد إلا وكان غيابها سببًا فيه، مما يدل على رفعة قدرها وشدة الحاجة إليها .

فإذا سكنت التقوى القلب أثمرت طمأنينة في الفؤاد وثباتًا في طريق الاستقامة ورفعة في الدرجات وبركة في الرزق ونورًا في البصيرة وهداية في القول والعمل ورحمة تحف العبد في كل موطن ، وقد وعد الله تعالى المتقين بالفرج بعد الشدة ، قال سبحانه : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ، وبالرزق من حيث لا يحتسب ، قال عز وجل : ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ، ومعيّته الخاصة ، قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ ، فما دام العبد مقيمًا على التقوى ، ناظرًا إلى الله في سره وعلانيته ومحافظًا على حدوده ، فإن الله تعالى لا يخذله ولا يضيع له سعيًا ولا يسلط عليه شقاء .

ولأن التقوى ثمرة عظيمة ، فلا بد لها من زادٍ من العلم الصادق والعمل الصالح ومن الوسائل التي تعين على ذلك :

الإقبال على القرآن والسنة : وهو مفتاح التقوى ، فمن قرأ كتاب الله بتدبر وسمع سنة نبيه بإنصات وسأل أهل العلم عما أشكل عليه زاد إيمانه وقويت في قلبه التقوى .

العلم بالله وأوامره ونواهيه : وهو أصل كل عمل صالح ، فمن جهل ما أمر الله به وما نهى عنه لم يحقق الطاعة ، ولم يسلك سبيل التقوى ، ويقول الحسن البصري رحمه الله تعالى " ما ازداد عبد علمًا إلا ازداد من الله خوفًا " وهذا يدل على أن العلم النافع هو الذي يورث التقوى والخشية .

سؤال الله بصدق : أي الضراعة إليه بأن يهديه ويعينه على نفسه ويعيذه من شر الشيطان ومن جلساء السوء ومن دعاة الباطل وأن يرزقه التقوى والفقه في الدين .

صحبة الأخيار والبعد عن الأشرار : فالأخيار يعينون على الطاعة والأشرار يجرون إلى الغفلة والضلال .

حضور حلقات العلم والإستفادة من مجالس العلماء : وذلك يحيي القلب ويوقظه من الغفلة ويعينه على التوبة والرجوع إلى الله تعالى .

الموازنة بين أمور الدنيا والدين : ولا ينبغي أن تشغل الدنيا المسلم عن التفقه في دينه ، بل الواجب أن يخصص وقتًا لمعرفة ما يقوي تقواه ويهديه إلى رضا مولاه فيجمع بين سعيه في دنياه واستقامته على أمر الله .
Jean Baptiste Camille Corot (1796-1875), Plaines Orléanaises
مبحث الصدق :

الصدق خُلق جليل وركن راسخ من مكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام ، يدلّ على صفاء النفس ونقاء السريرة وإستقامة القول والعمل ، وهو أن يكون الإنسان صادقًا في كلامه ، أمينًا في وعده ، نزيهًا في نيّته ، لا يُظهر خلاف ما يُبطن ولا يقول ما لا يعتقد ولا يعمل إلا بما يؤمن به ، ولا يُعد المرء صادقًا حتى يوافق قوله وفعله ونيته الحق ، ولا يتلون بحسب المواقف ، بل يلتزم بالحق ويتمسك به في جميع أحواله .

وقد قسم ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين الصدق إلى ثلاثة أنواع رئيسية حيث :

صدق القول : وهو صفاء اللسان حين لا ينطق إلا بما يوافق الحق ، لا يزيف واقعًا ولا يدعي باطلًا ولا يتبع هوًى ، فليس الصادق من وافق كلامه قلبه فقط ، بل من وافق قوله الحق الذي أراده الله ، ظاهرًا وباطنًا ، فإن القول لا يكون صدقًا إلا إذا طابق الحق في ظاهره ووافقه اعتقادًا في باطنه ، عندها يصبح اللسان شاهد عدل لا أداة تضليل .

صدق العمل : وهو أن تعمل ما يرضي الله لا رياءً ولا عادةً ، بل إخلاصًا واتباعًا ، فلا يكون ظاهره حقًا وباطنه باطلًا ، ولا يُطلب به ثناء الناس أو موافقتهم ، بل يُبتغى به وجه الله وحده ، فليس الصادق من يعمل الخير أمام الناس ويهمله في الخفاء ولا من يظهر الطاعة وقلبه مع الهوى ، بل الصادق من وافق عمله ما أمر الله به ظاهرًا وباطنًا ، نيةً وسلوكًا ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، فكما أن القول لا يُعد صدقًا حتى يطابق الحق ويواطئه القلب ، فكذلك العمل لا يُعد صدقًا حتى يطابق الشرع ويواطئه الإخلاص .

صدق الحال : وهو استواء ظاهر العبد وباطنه ، حيث تتوافق أعمال القلب والجوارح على الإخلاص والصدق دون تكلّف أو نفاق ، وهو أن يبذل العبد طاقته كلها في طاعة الله ويُخرج وسعه في تحقيق مرضاته ، حتى تصدق أحواله كما صدقت أقواله ومتى بلغ العبد هذه الدرجة ، عُد من الذين جاؤوا بالصدق ، وصدق الحال ليس مجرد شعور داخلي ، بل هو كمال في كل الأمور ( النية ، العمل ، الثبات عليها ، دوام التجرد لله عز وجل ) .

كما قد بينت الشريعة آثار الصدق الجليلة وجعلته علامة على كمال الإيمان وسبيلًا إلى النجاة ، فمن أعظم آثاره أنه سبب لمحبة الله تعالى ورضوانه ، قال عز وجل : ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ، أي أن الصدق يُنجي صاحبه يوم القيامة ، حين تُعرض الأعمال وتُكشف السرائر ، ويُورث الصدق العبد مقام الصدّيقين وهو من أعلى المقامات ، لا يناله إلا من صدق مع الله عز وجل في إيمانه وأقواله وأعماله ، وهو دليل على الإخلاص وسلامة العقيدة وطهارة القلب ، كما أنه مفتاح الجنة حيث قال ﷺ : " إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ " (حَديثٌ صَحيحٌ) ، فدل الحديث على أن من لزم الصدق سلك به طريق الطاعة ، ومن سلك طريق الطاعة بلغ به دار الكرامة ، فهو خُلق جامع لكل خير ، وسبيل إلى الفوز برضا الله تعالى ونعيمه .
August Schaeffer von Wienwald, 1870 -Hungarian landscape
منزلة الحياء :

إن الحياء خلقٌ عظيم ومقامٌ رفيع من مكارم الأخلاق ، ومعناه أن يحفظ العبد نفسه من الوقوع في المحرمات ويسترها عن الأنظار ، فلا يظهر من القول والفعل إلا ما يُرضي الله تعالى ولا يتجرأ على مخالفة أمره أو تجاوز حدوده ، وقد بيّن النبي ﷺ مكانة الحياء ورفعة شأنه بقوله : "الحياءُ شعبةٌ من الإيمانِ" (حَديثٌ صَحيحٌ) ، مبينًا بذلك أن الحياء ليس مجرد خلق عادي ، بل هو جوهر الإيمان ، يزكي القلب ويزين الظاهر ويصون العبد من الوقوع في المعاصي .

وإذا ما تأملنا في هذا الخلق النبيل ، وجدناه يتفرع بحسب من يُستحيا منه إلى ثلاثة أقسام حيث :

الحياء من الله تعالى : وهو أن يحفظ العبد جوارحه عن الحرام ويلزم قلبه مراقبة الله ويزهد في الدنيا طلبًا للآخرة ، فيستحي من الله أن يراه حيث نهاه أو يفتقده حيث أمره ، امتثالًا لقوله ﷺ : "استَحيوا منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ" (حَديثٌ حَسَنٌ) .

الحياء من الناس : وهو أن يصون العبد نفسه عن الدنايا أمام الخلق ، فيتجنب ما يُعاب عليه ويجتهد في إظهار ما يُزينه ، فيستحي أن يُرى على معصية أو يُفضح بقبيح ويحرص على كرامته وسمعته ، فالحياء هنا يدفعه إلى تجنب الأمور الرذيلة والابتعاد عما يخلّ بالمروءة والأدب .

الحياء من النفس : وهذا الحياء دليل على علوّ النفس وسموّها حيث يجعل العبد نفسه مقيماً لأفعاله وأقواله ، محاسباً قلبه ولسانه وجوارحه ، مراقباً ما يسمع ويرى ويفكر ، فلا يجاوز حد الحق ولا يغض طرفاً عن التقصير .

ورغم أن الحياء خلقٌ عظيمٌ يجمل النفس ويصونها ، إلا أن فقدانه يجرّ على العبد شرورًا عظيمة ، إذ ينكسر بذلك الحاجز الذي يردعه عن المعصية ويسقط عنه ستر الوقار والكرامة ، فلا يبالي بنظر الناس إليه ولا يستحي من نظر الله عز وجل له ، فينطق لسانه بالكذب والبذاءة وتنساق جوارحه نحو الحرام بلا رادع ويقسو قلبه حتى لا يأنف من الذنب ، ليتزعزع بذلك ركن جليل من أركان الإيمان وتضمحل معه روح المروءة والوقار ، قال الرسول ﷺ : "إذا لم تستحْيِ فاصنَعْ ما شئتَ" (حَديثٌ صَحيحٌ) ، أي أن من خلا قلبه من الحياء استوى عنده القبيح والحسن وسقطت كرامته ، فصار عبدًا لهواه ، يستخف بما يغضب الله عز وجل ويخسر بذلك دنياه وآخرته .
Bernhard Fries, View over the Neckar Mountains near Heidelberg, 1845

- psychological comfort
- Sea wave | Beginner Painter

Not very pretty, but worth a try.