رَوضَةُ الفِكرِ
108 subscribers
30 photos
1 file
{ إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ }
Download Telegram
بيان وهم المثالية و الكمالية :

الكمالية هي نزعة نفسية تدفع الإنسان إلى السعي الحثيث نحو الكمال وتجعله يرفض أي نقص أو تقصير في نفسه أو سلوكه أو إنجازه أو حتى فيمن حوله و رغم ما توهم به صاحبها من سمو الهدف ، إلا أن جوهرها لا يخرج عن كونه سجنًا داخليًا قائمًا على وهم المثالية ، وصورة ذهنية مشوهة لحياة لا خطأ فيها ولا ضعف وقد تبدو الكمالية في ظاهرها شيئا جميلا ولكنها في الحقيقة ترهق النفس وتستهلك طاقتها وتبعدها عن الشعور بالرضا والتوازن .

تبدأ الكمالية غالبًا منذ الطفولة وخصوصًا في البيئات الصارمة التي يُربط فيها الحب بالتفوق و النجاح بحيث يشعر الطفل أنه لا يحب لذاته ، بل يُقبل فقط إذا نجح وتفوق وأرضى التوقعات ، كما قد تنشأ بسبب الخوف من الفشل أو نتيجة مقارنة النفس بالآخرين وخاصة في هذا العصر الذي تُعرض فيه حياة الناس على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة مثالية مزيفة تُظهر الجمال والنجاح وتخفي العادي والبسيط و هذا كله يعزز في النفس شعورًا مستمرًا بالنقص وكأن الخطأ أو الفشل ليسا من صفات الإنسان .

و الكمالية حسب العالمان بول هيويت و غوردون فليت تصنف إلى ثلاثة أنماط :

١ - الكمالية الموجهة نحو الذات : حيث يضع الفرد لنفسه معايير عالية جداً و لا يقبل منها أدنى تقصير ، كما يعيش في صراع داخلي دائم و يشعر بالذنب من أي خطأ حتى ولو كان غير ملحوظ للأخرين .

٢ - الكمالية الموجهة نحو الأخرين : و هنا يتوقع الشخص ممَّن حوله أن يكونوا مكتملين ملتزمين بمعايير مثالية ، فقد يحمل الزوج زوجته مثلاً فوق طاقتها منتظرًا منها أن تكون أمًا مثالية و مدبرة منزل لا تُخطئ فإذا رأى منها تقصيرًا لا يرى جهدها بل يشعر بالخيبة أو يظهر نقدًا دائماً ، لأنه لا يتعامل معها كما هي بل كما يجب أن تكون في نظره .

٣ - الكمالية المتصورة إجتماعيا : حيث يشعر الفرد بأن المجتمع يطالبه بالكمال دائما ، و يعتقد أن قبوله بين الناس مشروط بأن يظهر دون عيوب أو ضعف و يعيش نتيجة ذلك في حالة من التمثيل المستمر حيث يخشى فيها الفشل ، لا لأنه يرفضه في داخله فحسب ، بل لأنه يخشى نظرة الاخرين إليه ، فترى شابًا مثلاً يرهق نفسه ليبدو في كل لحظة ناجحًا وجميلاً ومثقفًا ومرتاحًا ، لا لأنه كذلك فعلًا ، بل لأنه يظن أن صورته عند الناس لا تحتمل أي هفوة أو خطأ .


و رغم تعدد صور الكمالية ، فإن آثارها النفسية تتشابه في النهاية ، إذ يعيش الفرد الكمالي تحت ضغط دائم من توقعاته العالية ، سواء فرضت على نفسه أو على غيره أو إستمدها من المجتمع و هذا ما يجعله عرضة لحالات من القلق و التوتر المزمن كما يعمل على تأجيل المهام خوفا من عدم إنجازها بشكل مثالي بل و قد يدفعه ذلك إلى جلد الذات بشدة عند كل خطأ بسيط

كما قد أثبتت الدراسات أن الكمالية خاصة في صورتها المتطرفة ترتبط إرتباطًا وثيقًا بالإكتئاب والأفكار الإنتحارية وإضطرابات الأكل ويشير الطبيب ديفيد بيرنز إلى أن الكماليين غالبًا ما يفقدون الإستمتاع بالحياة و ذلك لأنهم يُقيمون أنفسهم وفق مقاييس صارمة لا ترحم و يشعرون بأنهم لم ينجحوا مهما فعلوا ، لا لأنهم فشلوا فعليا ، بل لأنهم نادرًا ما يرضون عن إنجازاتهم مهما كانت ، إذ يطاردون صورة مثالية لا يحققها الواقع

و رغم ما تتركه الكمالية من آثار ضاغطة على النفس و ما تولده من قلق و توتر دائم إلا أن الخطر الأكبر يكمن في أنها تبعد الإنسان عن حقيقة فطرته حيث أن المبالغة في طلب الكمال تقوده إلى وهم السيطرة و نسيان الحقيقة المتمثلة في أن النقص جزء أصيل من الطبيعة البشرية و أن الكمال لله تعالى وحده لكون الإنسان يخطئ و يتعلم و يسقط و يقوم ولا يطلب منه العصمة ، بل يطلب منه السعي والإخلاص و أن كل محاولة فيها خير و كل فشل يحمل درسًا و كل تقصير يمكن أن يعوض ، فلا تجعل من نفسك عبدًا لمعايير خيالية صنعها الناس أو توهمتها النفس .



المصدر :
Hewitt, P. L., & Flett, G. L. (1991).
Perfectionism in the self and social contexts: Conceptualization, assessment, and association with psychopathology.
Journal of Personality and Social Psychology, 60(3), 456–470.
رَوضَةُ الفِكرِ
وعد_بلفور_حين_كتبت_بريطانيا_نكبة_فلسطين.pdf
وعد بلفور... حين كتبت بريطانيا نكبة فلسطين

في لحظة فارقة من تاريخ الشرق ، صدر وعدٌ لا يشبه الوعود ، بل كان شرارةً أشعلت نارًا ما تَزال تَلتهِم حاضِر فلسطين .

استِنادًا إلى ذلك ، يَتناول هذا المقال الجوانب السياسية والتحولات التاريخية التي مهّدت لصدور وعد بلفور عام 1917 ، موضحًا كيف أسهمت بريطانيا في زَرع مشروع استِيطاني على أرضٍ لم تكن تَملكها ولا تَملِك أي حق في تقرير مصِير أهلها .
دور الطفولة في تكوين شخصية الفرد :

الطفولة ليست مجرد فترة زمنية عابرة ، بل هي مرحلة جوهرية في تشكيل و تحديد هويتنا الشخصية ، إذ أن تلك السنوات الأولى تُكون ملامح الذات و التصورات الأولى عن النفس و العالم و ما يتعرض له الطفل من حب أو إهمال و من احتواء أو قسوة لا يضيع مع الزمن ، بل يتحول إلى أنماط سلوكية و ردود أفعال تبقى معه طِوال حياته .

يولد الطفل و هو صفحة بيضاء من حيث الوعي و التصور ، لكنه في جوهره مفطور على التوحيد كما قال النبي ﷺ : " كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه " ، و الفطرة هنا هي الفطرة النقية الخالية من شوائب الكفر و من دنس المعاصي و من ذميم العادات ، بينما الصفحة البيضاء هي قابليته لتلقي التصورات عن ذاته و العالم من حوله و ذلك من خلال نظرات والديه و كلماتهم و طريقتهم في التعامل معه و تبدأ هذه الصفحة في الإمتلاء فإذا شُجّع على الإكتشاف و مدح على المحاولة تكون لديه شعور داخلي بالقيمة أما إذا وجه بالانتقاد أو المقارنة ، فإن ذلك يزرع فيه صورة سلبية مليئة بالشك و الخجل .

كما تلعب العلاقة مع الوالدين ( مقدمي الرعاية ) دورًا كبيرًا في تكوين شخصية الطفل و عقيدته حيث يُولد على الفطرة ، أي على خِلقة تميل إلى التوحيد والإيمان بالله و ما يتلقاه الطفل من سلوك و توجيه و ما يمر به من أحداث ، له دور كبير في تشكيل صورته عن ذاته و عقيدته فإذا نشأ في بيت يغرس فيه معاني الرحمة و العدل و يعلمه التوحيد بحب و رفق ، نشأ مستقرًا نفسيًا و قويًا في إيمانه ، أما إذا عاش في بيئة مضطربة أو مهمِلة ، فإن شخصيته قد تتأثر سلبًا ، و قد تضعف معرفته بدينه .

و قد وضح عالم النفس " إريكسون " أن الثقة الأساسية تبنى في هذه المرحلة المبكرة ، و تشكل حجر الأساس لكل علاقة إنسانية لاحقة ( الصداقة أو الحب أو العمل ) و إن طريقة إستجابة الأم أو الأب لبكاء الطفل قد تزرع بداخله الثقة أو تتركه يتخبط بين الريبة و القلق .

و هذا ما يتقاطع مع رؤية سيغموند فرويد رائد التحليل النفسي الذي يرى أن التجارب المبكرة حتى تلك التي لا نتذكرها تظل فاعلة في لاوعينا كما تؤثر في سلوكنا و شخصياتنا على نحو خفي و مستمر ، بل إنه عبر عن ذلك بقوله : " الطفل هو أبو الرجل " ، في إشارة إلى أن جذور الإنسان الراشد تنمو في تربة الطفولة .

و إضافة إلى بناء الهوية و الصورة الذاتية ، تؤثر الطفولة أيضا في تشكل السمات الشخصية الأساسية حسب علم النفس المعاصر ، إذ أن بعض أبعاد الشخصية ( كالانطواء ، الانفتاح ، العصبية ، الضمير ، حب التجربة ) تتأثر مبكرًا بطريقة التنشئة و البيئة العاطفية حيث الذي نشأ في جو من القبول و الدعم قد يطور شخصية منفتحة و متزنة بينما الطفل الذي عانى من نقد أو توتر دائم ، قد يُصبح أكثر عصبية أو إنطواء .

و على مستوى أعمق ، فإن تأثير الطفولة لا يقتصر على النفسية فقط ، بل يمتد إلى بنية الدماغ و وظائفه ، فقد أظهرت دراسات في علم الأعصاب أن التجارب المبكرة ( خاصة تلك المرتبطة بالإهمال أو الصدمات ) تترك أثرًا بيولوجيًا على الدماغ ، مثل تغيرات في حجم و وظيفة مناطق كاللوزة الدماغية ( المسؤولة عن تنظيم الخوف ) و الحصين ( المرتبط بالذاكرة والانفعالات ) و هذا ما يفسّر لماذا قد يُعاني بعض الأشخاص من حساسية مفرطة للرفض أو القلق رغم غياب أسباب واضحة في الحاضر .

و هكذا ، فإن الطفولة ليست ماضياً يُنسى ، بل هي ذاكرة حيّة تعيش في أعماقنا و تظهر في انفعالاتنا المفاجئة و في علاقاتنا و في طريقة حبّنا وخوفنا و حتى في قرارات نعتقد أننا اتخذناها بحرية

و ما يُزرع في تلك السنوات الأولى من حب أو إهمال لا يختفي ، بل يعود لاحقا في هيئة سلوك أو موقف ، قد لا نفهمه إلا بالعودة إلى الأصل .
Forwarded from قرآن
Charles-François Daubigny, Vue de Château Gaillard, 1867
بيان التنافر المعرفي ( Cognitive Dissonance ) :

التنافر المعرفي هو حالة نفسية يشعر فيها الإنسان بالتوتر أو الإنزعاج الداخلي ، نتيجة وجود تعارض بين معتقداته أو أفكاره و بين سلوكياته أو قراراته و هذا ما يدفعه إلى محاولة رأب هذا التعارض ، إما بتغيير تصرفاته أو تبريرها حتى يستعيد توازنه النفسي .

و من أوضح الأمثلة على التنافر المعرفي ، تجربة أجراها الباحثان آرونسون وميلز ، حيث قسما مجموعة من المتطوعين إلى فريقين : أحدهما طلب منه اجتياز اختبار شاق و محرج شرطا للإنضمام إلى نادٍ حواري ، والآخر سمح له بالدخول دون عناء يذكر ثم إجتمع الفريقان في مجلس تبين لاحقًا أنه فارغ المحتوى و سطحي الحديث ، لا يرقى إلى أدنى مستوى من الفائدة ، لكن المفاجأة أن من عانوا مشقة الدخول أظهروا إعجابا بالنادي ، و عدوا حديثه مسليًا و نافعًا ، بينما عبر الفريق الآخر عن استيائه من ضياع وقته في مجلس سخيف .

و هنا برز التنافر المعرفي بصورة نفس تُزين ما لا يستحق التزيين ، لا حبا فيه ، بل لتدفع عن نفسها ثقل الأعتراف بأن ما بذلته من جهد قد ضاع ، حيث يتولد في داخلها مفارقة بين العناء الذي تحملته و النتيجة التي حصلت عليها ، فتسعى إلى تخفيف هذا التوتر النفسي برفع قيمة ما انتسبت إليه ولو كان دون قيمة .

و يتجلى التنافر المعرفي أيضًا في مواقف الناس من أمور دينهم ، فكم من شخص نشأ على بدعة أو تأويل أو مذهب موروث و سار عليه سنين طويلة يخوض فيه و يجادل دونه حتى إذا ظهرت له أدلة تخالف ما اعتاد و تبين له ضعف ما كان يتمسك به ، يجد صعوبة بالغة في الاعتراف بخطئه و كأن الرجوع إلى الحق يسقط قدره أو يبطل ماضيه ، فيعرض عن النظر المنصف و يتشبث بما ألفه ، لا لأنه الأقرب إلى العقل بل لأنه الأقرب إلى نفسه و هنا يبرز التنافر المعرفي بوضوح ، إذ تتعارض في داخله قوة الحجج التي يراها مع ثقل التراجع عن مسار طال عليه الأمد فيه ، فيبدأ بتبرير تمسكه القديم و استحضار الشبهات حتى يستقر قلبه على ما اعتاده ، لا رغبة في الحق بل هروبا من التناقض الداخلي ، الذي قد يؤلم النفس أكثر من مجرد الشعور بالخطأ .

مصدر تجربة آرونسون وميلز :

> Aronson, E., & Mills, J. (1959). The effect of severity of initiation on liking for a group. Journal of Abnormal and Social Psychology, 59(2), 177–181.
هل يمكنني الإطلاع على آراءكم فيما يخص أسباب تخلف المسلمين و تدهور أحوالهم

و لماذا لا ينعكس هذا على الغرب المتطور المزدهر
charles-françois daubigny | french, 1817-1878 bords de rivière
سلوك القطيع ( Herd behaviour ) :

يميل الإنسان في مواقف كثيرة إلى إتباع ما تفعله الجماعة حتى دون وعي منه فيتخذ قراراته بناءً على ما هو شائع ، لا على ما هو صائب و صحيح ، و يسمى هذا السلوك في علم النفس بإسم "سلوك القطيع" ، و هو ميل نفسي يجعل الفرد يتبنى رأي الأغلبية و يتخلّى عن إستقلاله الفكري و وعيه الذاتي ، إما بدافع الخوف من العزلة أو رغبةً في الانتماء و رغم أن هذا السلوك يُشعر الإنسان بالأمان المؤقت إلا أنه يضعف مسؤوليته فيما يخص قراراته ، و يجعل رأيه نسخة مكررة من غيره .

يفسر هذا السلوك من منظور علم النفس بما يعرف بالحاجة إلى التوافق الاجتماعي ، فالإنسان يميل بطبعه إلى الانسجام مع محيطه ليحافظ على شعوره بالقبول و الانتماء ، فحين يجد نفسه في موقف جماعي يتعرض إلى ضغط نفسي قد يدفعه إلى تعديل رأيه أو كتم قناعته حتى لا يبدو مختلفا أو معارضا و هذا الموقف لا يبرر دائمًا بالإجتماعية وحدها ، بل غالبا ما يكشف عن ضعف في الشخصية و عجز عن الثبات على الرأي حين لا يلقى دعما من الآخرين .

كما قد بينت التجارب النفسية بأن الإنسان قد يتخلى عن إدراكه الواضح إذا شعر أنه وحيد في رأيه ، و نذكر في هذا السياق تجربة " آش " الشهيرة ، حيث وافق عدد كبير من المشاركين على إجابة خاطئة بخصوص مسألة بصرية بسيطة ، فقط لأن الجميع من حولهم قالوا بها و هذا النوع من السلوك لا ينبع من إقتناع ، بل من القلق الاجتماعي الناتج عن الخوف من الخروج على رأي الجماعة .

أما من مظاهر سلوك القطيع في عصرنا الرقمي ، ما نراه على منصات التواصل الاجتماعي ، حيث يكفي أن يصبح موضوع ما ترندًا حتى ينجرف الناس وراءه دون وعي حقيقي به ، إما طمعا في القبول أو خوفًا من العزلة فتنتشر الآراء و المواقف كعدوى صامتة و يعاد تكرارها و التفاعل معها لا عن قناعة ، بل لأن الغالبية تفعل ذلك و على هذا النحو يتحوّل الرأي إلى صدى و يغدو الفرد مستسلما لما هو سائد .

و يرى المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه " سيكولوجية الجماهير " أن الفرد حين ينخرط في الجماعة تقل قدرته على التفكير المستقل و يزداد تأثره بالعوامل العاطفية و الانفعالية حيث لا يعود الناس يميلون إلى التحليل أو التمحيص ، بل ينجذبون إلى ما هو مكرر و مثير و مقبول شعبيًا .

و في هذا سياق لا يصح أن يفهم موضوعنا بمفهوم يدعو إلى الخروج عن الجماعة بإطلاق أو إلى مخالفة كل إجتماع كان و العزلة ، لأن المقصود ليس رفض الاجتماع في ذاته وإنما الحذر من الانقياد لرأي غير سديد لمجرد أن الناس عليه ، فالواجب هو إتباع ما وافق الحق ، لا ما وافق الكثرة و قد قال تعالى : ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ فسبيل المؤمنين الحقّ هو ما كان على أثر الرسول ﷺ ، لا ما إتبعه الناس بعادة أو وراثة أو ضغط إجتماعي .
العنصرية ( racism ) :

العنصرية هي تمييز يمارس على الإنسان بناءً على صفات لم يخترها ، كالعرق أو اللون أو الأصل أو الشكل كما قد تظهر أيضا في مجالات أخرى مثل الدراسة أو اللهجة أو الانتماء ، حيث يعامل الإنسان بطريقة مختلفة لمجرد ما ولد عليه أو ما نشأ فيه ، مما يشعره بأنه غير مقبول أو أقل قيمة في نظر الآخرين .

يعود أصل العنصرية إلى لحظات قديمة من التاريخ ، حين بدأ ينظر إلى الإختلاف على أنه نقص لا مجرد تميز ، فقد استخدمت هذه النظرة لتبرير الاستعمار ، حيث صورت بعض الشعوب نفسها أرقى بطبيعتها و إعتبرت السيطرة على غيرها أمرا مشروعا لأنهم أدنى منزلة و مع مرور الوقت ، ترسخت هذه الفكرة داخل الثقافة حتى صارت تقصي الإنسان لا لشيء فعله ، بل لما ولد عليه .

و لا تتجلى العنصرية دائما في صور صريحة ، بل كثيرا ما تمر في صمت ، من خلال نظرة أو تفضيل أو تعامل يوحي بأن شخصا ما أقل ، فقط لأنه مختلف عنا أو لأنه ينتمي لبيئة نراها مختلفة و هذا النوع لا يُقال ، لكنه يُفهم و يتكرر حتى يصبح سلوكا طبيعيا يمارسه الناس دون أن يدركوا أنه عنصري في جوهره .

و من أبرز صور العنصرية في عصرنا ، ما يربط بالجمال حيث يقدم شكل معين للبشرة أو الملامح كأنه هو المعيار الوحيد للجمال و ما دونه يقصى أو يسخر منه و كأن الجمال لا يكتمل إلا إذا وافق صورة محددة ، فترى الناس يطاردون شكلا واحدا ليرضوا نظرة المجتمع ، لا قناعة منهم ، بل لأنهم يشعرون أن ما هم عليه غير كافي .

و لا تقتصر العنصرية على الشكل أو اللون فحسب ، بل كثيرًا ما تمتد إلى مجالات أخرى كنوع الدراسة أو طبيعة الوظيفة أو طريقة الحديث ، حيث يكتسب بعض الأشخاص إحترامًا لا بسبب أخلاقهم أو وعيهم ، بل لأنهم يدرسون تخصصًا يعد مرموقا في نظر الناس أو يتحدثون بلغة أو لهجة تعتبر أرقى أو ينتمون إلى بيئة تحظى بقبول اجتماعي أوسع ، و على الجانب الأخر ينتقص من غيرهم لمجرد اختلافهم في هذه التفاصيل و هكذا يرفع شخص و يقصى الشخص الأخر ، لا لجوهره ، بل لصورة سطحية صنعها الناس .

و مع ذلك ، ليس كل تفريق بين الناس يعد عنصرية ، فالتمييز القائم على الشكل أو الأصل يختلف تماما عن التمييز القائم على الوعي و السلوك ، لأن الأول يحكم على الإنسان من خلال شيء لا يملكه أما الثاني فينظر إلى ما يصنعه الإنسان بنفسه ، فمن الطبيعي أن نحترم الصادق أكثر من الكاذب ، و الواعي أكثر من التابع ، وهذا ليس عنصرية إنما تفريق جوهري لا شكلي يقوم على ما يمكن اكتسابه ، لا على ما يولد به الإنسان ، فالعنصرية تقصي الإنسان لما لا دخل له فيه ، أما التمييز القيمي فيرفعه بما يحمله من خلق ووعي

و الجمال في حقيقته لا يقاس بالمظهر ، بل بالجوهر
و الإحترام لا يمنح لمن يشبه الصورة السائدة ، بل لمن يحمل في داخله ما يدعو إلى التقدير .
الانطواء ( Introversion ) :

الانطواء هو نمط نفسي يميل فيه الإنسان إلى العزلة و الهدوء بدلاً من التفاعل المستمر ، و ليس لأنه يرفض الناس ، بل لأنه يجد راحته حين يكون مع نفسه ، و كثيرًا ما يساء فهم هذا الميل الطبيعي حيث ينظر إلى الانطوائي كأنه غريب أو غير إجتماعي مع أنه فقط إختار ما يناسب طبعه و ما يمنحه الراحة و التوازن .

كما أنه غالبًا ما يتم الخلط بين الانطواء و الخجل ، رغم أن الفرق بينهما جوهري و ذلك لأن الخجل ناتج عن الخوف من نظرة الآخرين و يقترن عادة بالتوتر أو القلق الاجتماعي ، بينما الانطواء هو ميل طبيعي إلى الهدوء و المساحة الشخصية ، فالانطوائي لا ينسحب لأنه خائف ، بل لأنه لا يرى ضرورة في الحضور المستمر و لا يجد راحته في الزحام أو الكلام الكثير ، بل في العلاقة الصادقة و المساحة الهادئة .

و على ضوء علم النفس ، لا يُنظر إلى الانطواء كخلل ، بل كسمة شخصية طبيعية ضمن ما يعرف بنموذج السمات الخمس الكبرى ( Big five ) و هو نموذج يستخدمه الباحثون لفهم شخصية الإنسان ، فالانطوائي لا يفتقر إلى المهارات الاجتماعية ، بل يتفاعل بدرجة أقل و يفضل البيئات الهادئة و الحوارات العميقة ، كما قد أشار كارل يونغ في دراسته للأنماط النفسية إلى أن الانطواء هو توجيه للإنتباه نحو الداخل ، و هو ما يمنح صاحبه وعيًا أعمق بذاته ، و إتصالاً أوثق بعالمه النفسي .


و رغم أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ، إلا أن الانطوائي يمارس هذه الاجتماعية بأسلوب مختلف ، فهو لا يرفض تكوين الصدقات ، بل يختارها بدقة و لا يندفع نحو الحشود ، بل يفضل التواصل حين يكون صادقًا و مريحًا ، إذ يتفاعل حين يشعر أن للحضور قيمة ، و يصمت حين يكون الصمت أكثر صدقًا و هذا لا يجعله أقل إنسانية ، بل أقرب إلى ذاته و أكثر وعيًا بطريقة حضوره .

فالانطواء ليس مشكلة تحتاج إلى الإصلاح و التصحيح ولا طبعًا يجب تجاوزه ، و إنما هو نمط طبيعي يعبر عن الإختلاف في التفاعل مع العالم ، فالصمت أحيانا يحمل وعيًا و المسافة قد تكون احترامًا لذاتك ، و التأمل لا يقل قيمة عن الحضور الظاهر .
التوحيد ، أعظم ما أمر الله به :

يُعد التوحيد أساس الإيمان وأعظم ما يبنى عليه الدين ، وهو أن يفرد الله وحده بكل ما يختص به من ربوبية وألوهية وأسماء وصفات ، ولفظ التوحيد مأخوذ من "وحد يوحد" أي جعل الشيء واحدًا ، أما اصطلاحًا فهو إفراد الله تعالى بالخلق والتدبير والعبادة ، فلا يُشرك معه أحد في شيء من ذلك ، وهو أن تؤمن بأن الله وحده هو الإله الحق لا شريك له وأنه الخالق الرازق المدبّر ، فلا معبود بحق سواه ولا يكفي أن تعتقد بوجود الله فقط ، بل لابد أن توجه إليه وحده كل حبك وخوفك ورجائك ودعائك ، فتقول " لا إله إلا الله " عن وعي وتعيش معناها في أقوالك وأعمالك ونواياك ، فلا تتعلّق إلا به ولا تخاف إلا منه ولا تسأل غيره سبحانه .

وهو أعظم ما أُمر به الإنسان ، وهو أول ما جاءت به الرسل ولا تقبل أي عبادة من صلاة أو صيام أو حج ما لم تكن مبنية على التوحيد ، بل إن الله خلق الإنسان لأجل أن يوحده ، كما قال تعالى " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " ومعنى يعبدونِ أي يوحدونِ ومن يوحد الله بصدق يطمئن قلبه ، لأنه يعلم أن كل شيء بيد الله وحده ، وليس بيد أحد من الناس .

و قد قسم السلف الصالح التوحيد إلى ثلاثة أقسام :

توحيد الربوبية : وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير حيث يقول تعالى : { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } وقال عز وجل : { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } .

توحيد الألوهية : وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحدًا يعبده ويتقرب إليه كما يعبد الله تعالى ويتقرب إليه وقال تَعَالَى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ } .

توحيد الأسماء والصفات : وهو إفراد الله تعالى بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بإثبات ما أثبته ونفي ما نفاه من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل وقال سبحانه : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .


ولا يكتمل التوحيد إلا إذا إجتمعت هذه الجوانب الثلاثة في قلب الإنسان وعمله ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر وإن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات ، فلو فرضنا أن رجلاً يقرُّ إقراراً كاملاً بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات ولكنه يذهب إلى القبر فيعبد صاحبه أو ينذر له قربانًا يتقرب به إليه فإنه مشرك كافر خالد في النار حيث يقول عز وجل : { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } .

فالتوحيد هو أعظم ما أمر الله به ، وذلك لأنه الأصل الذي يقوم عليه الدين كله ، ولهذا بدأ به النبي ﷺ في دعوته إلى الله ، وأمر من أرسلهم بالدعوة أن يبدؤوا به قبل كل شيء حيث قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن " إنَّك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ فليكن أوَّلُ ما تدعوهم إليه شهادةَ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ " .
اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) :

اضطراب الشخصية النرجسية هو حالة نفسية تؤثر على الصحة العقلية حيث يظهر لدى المصاب شعور مبالغ فيه بأهميته الذاتية ، وحاجته مفرطة إلى الإعجاب والاهتمام من الآخرين ، كما يسعى المصاب جاهدًا لنيل الإطراء والتقدير وغالبا ما يفتقر إلى القدرة على فهم مشاعر الآخرين أو التعاطف معهم .

تتجلى ملامح الشخصية النرجسية في شعور دائم بالتفوق والتميز ، كما يصاحبه التعطش المستمر للإعجاب والانتباه ، حيث يسعى النرجسي إلى أن يكون محط إهتمام الناس ويجد صعوبة في تقبل النقد أو حتى الملاحظات البسيطة ، إذ ينزعج منها بسهولة ويعتبرها تهديدًا لصورته الذاتية ، كما يتميز بسلوك إستغلالي تجاه الآخرين ، حيث يستخدمهم كوسيلة لتحقيق أهدافه دون اكتراث بمشاعرهم أو احتياجاتهم ورغم ما يبدو عليه من ثقة عالية ، إلا أنه يفتقر غالبًا إلى التعاطف ويخفي هشاشة داخلية تجعله حساسًا جدا لأي إشارة قد تمسّ تقديره لذاته .

كما تعود نشأة النرجسية إلى تداخل عدة عوامل نفسية وبيئية ووراثية ، إذ يمكن أن يكون لطريقة التربية أثر بالغ في ذلك ، فقد ينشأ الطفل في بيئة تمجد فيه ذاته بشكل مبالغ فيه أو على العكس في بيئة تهمش مشاعره وإحتياجاته ، فيسعى لاحقا لتعويض هذا النقص بالتعالي على الآخرين وحب الظهور ، كما تلعب الصدمات النفسية المبكرة مثل الإهمال أو النقد القاسي دورًا في تكوين شخصية نرجسية كآلية دفاعية لحماية الذات وبالإضافة إلى ذلك ، تشير بعض الدراسات إلى أن هناك عوامل وراثية وبيولوجية قد تؤثر في تطور هذا الاضطراب ، عبر تغييرات في بنية الدماغ أو وظائفه المتعلقة بالتعاطف وتنظيم المشاعر .

ويصاحب النرجسية عدد من الأمراض النفسية الأخرى التي تتداخل معه ، مثل الاكتئاب الناتج عن فشل الشخص في تحقيق توقعاته العالية واضطرابات القلق التي قد تظهر بسبب الخوف من الرفض أو النقد ، واضطرابات المزاج التي تتسبب في تقلبات عاطفية حادة ، وإضاقة إلى ذلك يصاحبه اضطرابات شخصية أخرى مثل اضطراب الشخصية الحدية أو المعادية تجاه المجتمع ، وقد يلجأ بعض المصابين إلى تعاطي المخدرات أو الكحول هروبا من التوتر الداخلي والشعور المزمن بعدم الرضا عن الذات ، مما يزيد من تعقيد حالتهم النفسية .

ومن الوسائل الفعالة في التعامل مع اضطراب الشخصية النرجسية العلاج النفسي الديناميكي ، الذي لا يكتفي بتعديل السلوك الظاهري ، بل يغوص في أعماق النفس ويسعى إلى تفكيك العقد التي تشكلت عبر سنوات من التجارب المؤلمة أو الإهمال العاطفي في الطفولة ، إذ يعين هذا النوع من العلاج المصاب على إدراك دوافع حاجته المزمنة إلى التقدير الخارجي ، وفهم ما وراء سعيه المتكرر نحو الإعجاب والانبهار ، ويدعوه إلى إعادة بناء صورته عن الذات بشكل أكثر واقعية وتوازنًا ، كما أن نجاح هذا المسار العلاجي يعتمد بدرجة كبيرة على علاقة الثقة بين المعالج والمريض ، حيث يعد تقبل التوجيه والاعتراف بالمشكلة أحد التحديات الأولى في رحلة التعافي ، ومع الاستمرار والصبر ، يبدأ المصاب شيئًا فشيئًا في التحرر من قناع العظمة ، ليقترب أكثر من ذاته الحقيقية .

وكذالك ، لا يغفل أثر الإيمان والتأمل في كلام الله ، إذ يقول تعالى : ﴿ وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ﴾ ، فالقرآن شفاء لا يقتصر على الأبدان ، بل تمتد رحمته لتضمد جراح النفس وتغرس فيها الطمأنينة والاتزان .
رَوضَةُ الفِكرِ
اضطراب الشخصية النرجسية (NPD) : اضطراب الشخصية النرجسية هو حالة نفسية تؤثر على الصحة العقلية حيث يظهر لدى المصاب شعور مبالغ فيه بأهميته الذاتية ، وحاجته مفرطة إلى الإعجاب والاهتمام من الآخرين ، كما يسعى المصاب جاهدًا لنيل الإطراء والتقدير وغالبا ما يفتقر…
وأيضا الشخصية النرجسية ليست دائما سلوكًا ظاهرًا كما يظن البعض ، بل قد تتخفى خلف ملامح أكثر تعقيدًا وتشابكًا ، فرغم الحاجة الملحة إلى التقدير والسيطرة التي تميز هذا النمط ، إلا أن النرجسي لا يتمكن دوما من فرض سلوكياته على جميع من حوله ، خاصة إذا واجه شخصيات قوية ومحصنة ضد هذا التلاعب ، فيؤدي ذلك إلى كبت نرجسيته والتراجع ، لا عن قناعة ، بل لأنه عاجز عن اختراق ذلك الصمود .
جوهر الإخلاص :

الإخلاص هو تصفية القصد ، وتوجيه النية لله وحده دون الحاجة إلى مدح الناس أو طلب منزلة عندهم ، وهو أن يعمل العبد عملاً لا يريد به إلا وجه الله ومن هنا ، فإن الإخلاص لا يعد خلقا إضافيًا ، بل هو أساس القبول وشرط صحة العبادة إذ إن الله لا ينظر إلى ظاهر العمل ولكن ينظر إلى القلب الذي أداه وإن كان لغيره نصيب فيه ، وكلما عَظُم الإخلاص في قلب العبد زاد قربه من ربه ، ولو كان عمله يسيرًا ولذلك ، كان لا بد من الوقوف على منزلة الإخلاص ومعرفة أثره في حياة المسلم .

إن الإخلاص ليس صفة تولد فجأة ، بل هو ثمرة مجاهدة طويلة ومراقبة دائمة للنفس وتنقية متواصلة للنية وقد فهم السلف الصالح ذلك جيدًا ، فكانوا يجتهدون في إصلاح قلوبهم قبل أجسادهم ويجاهدون الرياء كما يُجاهد العدو ، لأنهم علموا أن فساد النية يفسد العمل كله ، مهما بدا في أعين الناس صالحًا ومن أبرز ما يعين على الإخلاص :

معرفة الله عز وجل وتعظيمه :
فكلما ازداد العبد علما بعظمة ربه ازداد خشية وكلما عَظُمت الخشية قلَّ نظره إلى الخلق وكان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول: "ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجلهم شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما" .

معرفة فضل الإخلاص وخطر الرياء :
إذا علم العبد أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه ، وأن الرياء يحبط العمل ويجعله هباءً منثورًا ، سعى إلى تطهير قلبه وتجديد نيته دائمًا ، قال تعالى "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ"

مجاهدة النفس في مراقبة النية :
لأن النية تتقلب ، فالمؤمن ملزم أن يراجع نيته باستمرار ، خاصة عند بداية العمل وأثناءه وبعده كما قال سفيان الثوري : "ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيّتي ، إنها تتقلّب عليّ" .

الإكثار من الأعمال الخفية :
العمل الذي لا يراه أحد ، غالبا ما يكون أقرب إلى الإخلاص ، كالتصدق دون أن يعلم أحد وقيام الليل والدعاء في الخفاء وقال ﷺ "ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأَخْفَاها ، حتَّى لا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّه خالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" (متفقٌ عَلَيْهِ)

تذكر أن الله مطّلع على السرائر :
أي إن علم العبد بأن الله لا ينظر إلى صورنا وأجسادنا ، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا ، مما يجعله يتعبد الله تعالى بإخلاص دون رياء ويقول ﷺ "إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم" (حَديثٌ صَحيحٌ)

الاقتداء بالسلف الصالح :
كان السلف يخفون أعمالهم الصالحة كما يخفي أهل المعاصي معاصيهم ، فكان أحدهم يصوم سنين ولا يعلم بذلك أقرب الناس إليه ويقوم الليل طويلا ولا يشعر به أحد ، رجاء أن يكون عمله خالصًا لله وحده .


كما أن للإخلاص آثار عظيمة تتجلى في القلب وسلوك العبد ، فهو المفتاح الذي يفتح به باب القبول وترفع به درجات الأعمال ، قال تعالى "إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ" ، كما أنه يمنح القلب طمأنينة وصفاء ، إذ لا ينشغل صاحبه بنظر الناس ، بل يستغني برضا الله عن كل مدح ، وهو أيضا سبب للثبات في زمن الفتن ، لأن المخلص لا يتأثر بتقلب الأحوال ولا بانحراف من حوله ، إذ يعمل لله فلا يتغير بتغير الواقع ، بل يزيده البلاء صبرًا وتمسكًا ، وهو أيضا سبب لزرع القبول في الأرض ، فإن الله يلقي محبة عباده في قلوب الخلق دون أن يسعوا إليها ، لأن الإخلاص نور يشع من القلب فيبصره الناس دون كلام ومن أسمى آثاره أنه طريق النجاة يوم القيامة ، إذ يُبعث العبد على نيته ومَن صدق مع الله في دنياه بلغه الله مراتب الفلاح في أخراه .
Willem Roelofs (1822-1897), Forest edge
آليات الدفاع النفسي ( Defense Mechanisms ) :

آليات الدفاع النفسي هي عمليات نفسية لا شعورية تلجأ إليها النفس لحماية الفرد من الضغوط النفسية والصراعات الداخلية عبر تشويه أو إنكار الواقع بطريقة تخفف من حدة القلق والتوتر ، مما يساعد في الحفاظ على التوازن النفسي والصحة العقلية .

تُقسم آليات الدفاع النفسي إلى ثلاثة أنواع رئيسية تختلف في درجة نضجها وتأثيرها على صحة الفرد النفسية حيث نجد :

الدفاعات الناضجة :
هي وسائل صحية يستخدمها الإنسان ليعبر عن مشاعره السلبية بطريقة بناءة ، مثل تحويل الغضب إلى نشاط مفيد أو استخدام الدعابة لتخفيف التوتر ، وتساعد هذه الآليات على التكيف النفسي والنمو .

الدفاعات العصبية :
تشمل آليات تخفف التوتر مؤقتًا دون معالجة السبب الحقيقي ، مثل الكبت الذي يُخفي الذكريات المؤلمة والإزاحة التي تحول الغضب من مصدره الحقيقي إلى هدف آخر أقل تهديدًا والتبرير لتخفيف الشعور بالذنب والإسقاط بنسب المشاعر غير المقبولة للآخرين .

الدفاعات غير الناضجة :
تشوه هذه الآليات الواقع وتعيق النمو النفسي ، مثل إنكار الحقائق المؤلمة أو الهروب من المواجهة الاجتماعية أو التعبير عن الغضب بطرق غير مباشرة مثل السخرية أو الإهمال .

وإلى جانب التصنيفات الشائعة لآليات الدفاع النفسي ، توجد فئة رابعة تُعرف بالدفاعات الذهانية ، وتُعد الأشد انفصالًا عن الواقع ولا تظهر في الحياة النفسية اليومية الطبيعية ، بل تبرز غالبًا في حالات الاضطراب العقلي الشديد حين تفقد النفس تماسكها وتلجأ إلى تشويه جذري للواقع كوسيلة لحماية الذات من الانهيار .


كما تكمن جذور هذه الآليات في مراحل النمو المبكر ، حيث يبدأ الطفل باستخدامها تلقائيًا لحماية ذاته من المشاعر الصادمة كالخوف أو الإهمال أو الشعور بالذنب ، وإذا تكررت هذه التجارب دون معالجة أو توجيه سليم ، ترسخت آليات الدفاع في بنيته النفسية وأصبحت جزءًا من أسلوبه في التعامل مع الحياة ، ولذا فإن فهم هذه الآليات وفك شيفرتها يساعد في الوصول إلى جذر المشكلات النفسية وفهم سلوك الإنسان بعمق .
مجاهدة النفس :

مجاهدة النفس هي الطريق الرفيع الذي يصعد به العبد نحو تزكية نفسه وسمو طاعته لله الذي لا يتحقق إلا من خلال مقاومة ميول النفس وحفظها عن معصية الله ، وهو طريق شاق تتعارض فيه رغبات النفس مع أوامر الشرع ، ولذالك فإنه يحتاج إلى سالك ذي إرادة صلبة وقلب ثابت ينير له دروب الطاعة ، حتى يبلغ رضوان ربه ويظفر بالفوز العظيم .

وقد قسم ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "زاد المعاد" مجاهدة النفس إلى أربعة مراتب حيث :

مجاهدة النفس على تعلم العلم الشرعي : وهو أن يحمل العبد نفسه على طلب العلم الشرعي وتعلم الهدى ، لأن النفس تميل أحيانا إلى الراحة ولا تسعى إلى ما فيه مشقة من تعلم وتدبر . ومع ذلك ، فإن وصول العبد إلى مراتب الطاعة مرهون بنور العلم الذي يكشف له حدود رضا الله وسخطه ، يقول النبي ﷺ "طلبُ العِلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ" (رواه ابن ماجه) .

مجاهدة النفس على العمل به بعد علمه : ليست الغاية من العلم مجرد المعرفة ، بل العمل به عن طريق إلزام النفس بالاستقامة والتطبيق ، فكم من إنسان يعلم الحق لكن نفسه تتكاسل عن الإلتزام وتحُول دون أداء الواجبات ، وإن أشد الناس مجاهدة لنفسه هو من يحرص دائما على تحويل علمه إلى عمل ، فالعلم وحده لا يكفي دون أن يُترجم إلى سلوكٍ يتوافق مع أمر الله ، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .

مجاهدة النفس على الدعوة إليه وتعليمه لمن لا يعلم : وتبدأ بضبط النفس والتمكن من العلم والبصيرة ، فالداعي لا يكون مؤثرًا إلا إذا جاهد نفسه على طلب العلم وفهم الدين ومقاومة الكسل والهوى ليكون كلامه ونصحه نابعين من يقين وحكمة ، وهذه المجاهدة تجعل منه أداة صادقة لنشر الحق والدعوة إلى طريق الهداية ، كما كان حال الرسل عليهم السلام الذين جاهدوا أنفسهم في سبيل الله ليبلغوا رسالاته بالحكمة والموعظة الحسنة ، قال عز وجل: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ﴾ .

مجاهدة النفس على الصبر على مشاق الدعوة : وهي مجاهدة النفس على الصبر وتحمل ما يقابل به الداعية من تكذيب وسخرية وأذى ، دون أن يضعف أو يتراجع وهي من صفات المرسلين الذين بلغوا رسالة الله وصبروا على أذى أقوامهم ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ ﴾ ، فمن صبر كما صبروا ، نال فضلهم وكان على نهجهم ، فطريق الدعوة محفوف بالابتلاء ولا يثبُت عليه إلا جاهد نفسه وصدق مع الله .


وهكذا ، فإن مجاهدة النفس على الطاعة وترك المعصية هما السبيل الحقيقي نحو صلاح القلب واستقامة الجوارح ، وهي الطريق الذي يسلكه الصادقون في طلب رضا الله تعالى ، فلا يبلغ العبد مرتبة الإحسان ولا يذوق حلاوة الإيمان إلا إذا قاوم شهواته وخالف هواه وداوم على تربية نفسه على الطاعة والصبر .