لم تكن الشمس قد أشرقت بعد حين كان ” غازي علي باشا “ أحد قادة جيش عثمان غازي (1258م - 1326م) قد إرتدى زيه العسكري وأعد عدته استعدادًا للقتال ، بالتأكيد لم تكن المهمة التي حملها على عاتقه أمرًا سهلًا ؛ إذ كُلّفَ بقيادة الجيش لفتح "هركه" الواقعة على بحر مرمرة وهي إحدى القرى الصغيرة التي تمهد الطريق للوصول إلى القسطنطينية ، وعندما وضعت الحرب أوزارها في مساء ذلك اليوم أعلن العثمانيون سيطرتهم على المنطقة المنشودة ...
وفي أثناء المعركة وعندما حمى الوطيس وإشتد القتال أصاب سهم من سهام العدو عين ” غازي علي “ ، فأمسك به ونزعه من عينه ورماه على الأرض ، وقبل أن يتسرب الخوف إلى قلوب الجنود وتثار الأقاويل والشائعات إثر إصابة قائدهم سارع ” غازي علي باشا “ بمخاطبة الجنود الذين كانوا يرمقونه بنظرات الدهشة والذهول قائلًا :
- لا يستغربن أحد أنني أضحي بعيني من أجل فتح "هركه" ! فالرأس تكفيها عين واحدة !! إن عينًا واحدة تنظر للأمام وتتطلع إلى المستقبل خير من عينين لا تنظران إلا تحت أقدامها أو خلفها !!
المصدر : السلاطين الأوائل - عصر تأسيس الدولة العثمانية "حسين جوكتشة - صالح كولن" ص30 / دار النيل
وفي أثناء المعركة وعندما حمى الوطيس وإشتد القتال أصاب سهم من سهام العدو عين ” غازي علي “ ، فأمسك به ونزعه من عينه ورماه على الأرض ، وقبل أن يتسرب الخوف إلى قلوب الجنود وتثار الأقاويل والشائعات إثر إصابة قائدهم سارع ” غازي علي باشا “ بمخاطبة الجنود الذين كانوا يرمقونه بنظرات الدهشة والذهول قائلًا :
- لا يستغربن أحد أنني أضحي بعيني من أجل فتح "هركه" ! فالرأس تكفيها عين واحدة !! إن عينًا واحدة تنظر للأمام وتتطلع إلى المستقبل خير من عينين لا تنظران إلا تحت أقدامها أو خلفها !!
المصدر : السلاطين الأوائل - عصر تأسيس الدولة العثمانية "حسين جوكتشة - صالح كولن" ص30 / دار النيل
" مزرعة الحيوان " هي رواية رمزية كتبها جورج أورويل عام 1945 ، تصور كيف يمكن للثورات أن تبدأ بأهداف نبيلة و عادلة ثم تنحرف عن مسارها إلى أن تُختم بأنظمة قمعية لا تختلف عما سبقها ، بل قد تكون أكثر استبدادًا .
الرواية ليست مجرد إنعكاس سطحي عن الحيوانات ، بل إسقاط سياسي حاد يكشف كيف يمكن أن تتحول السلطة إلى أداة قمع و إستغلال بسبب الفساد و الإستبداد
مضمون القصة يدور حول مجموعة من الحيوانات التي تثور ضد مالك المزرعة " السيد جونز " بدافع من أفكار الخنزير ميجر العجوز حول العدالة والمساواة ، الثورة تنجح ويعاد تنظيم المزرعة تحت قيادة نابليون وسنوبول حيث يتم وضع الوصايا السبع لضمان حقوق الجميع .
في البداية ، يسود التفاؤل لكن سرعان ما يبدأ نابليون في إحكام قبضته على السلطة ، متخلصًا من سنوبول ، ثم يستخدم القوة و التخويف و التلاعب بالأفكار لإخضاع كافة الحيوانات و مع مرور الوقت يتم تحريف القوانين تدريجيًا ، ليس فقط كأداة للسيطرة بل كوسيلة لإعادة تشكيل الواقع ، حيث لا تعود الحيوانات قادرة على التمييز بين الحق والباطل و بين الثورة الحقيقية والزيف الذي يروج له الحاكم .
يكشف أورويل من خلال هذه الأحداث أن القضية ليست في الثورة نفسها بل في ما يليها ، فحين يترك مصيرها بأيدي قادة دون رقيب و يتحول التحرر الموعود إلى دائرة مغلقة من القمع والتلاعب كما يوضح كيف أن الجماهير عندما تفتقر إلى الوعي والتعليم تصبح أكثر عرضة للاستغلال ، فتتقبل الظلم الجديد دون أن تدرك أنه لا يختلف عن القديم وهكذا تصبح الشعارات وسيلة لتخدير العقول بدلاً من تحقيق العدالة ويصبح الطغيان مقبولًا ما دام مغلفًا بلغة الثورة والإصلاح .
كما تعد الرواية نقد حاد وتقييمًا صارمًا لمسار الثورة الروسية خاصة فيما يتعلق بصعود ديكتاتورية جوزيف ستالين ، حيث بعد أن بدأت الثورة البلشفية بأهداف سامية تسعى لتحقيق العدالة والمساواة ، إنتهى بها الأمر إلى الظلم والاستبداد
مما يعكس كيف يمكن للسلطة المطلقة أن تُفسد مسار أي ثورة
الرواية ليست مجرد إنعكاس سطحي عن الحيوانات ، بل إسقاط سياسي حاد يكشف كيف يمكن أن تتحول السلطة إلى أداة قمع و إستغلال بسبب الفساد و الإستبداد
مضمون القصة يدور حول مجموعة من الحيوانات التي تثور ضد مالك المزرعة " السيد جونز " بدافع من أفكار الخنزير ميجر العجوز حول العدالة والمساواة ، الثورة تنجح ويعاد تنظيم المزرعة تحت قيادة نابليون وسنوبول حيث يتم وضع الوصايا السبع لضمان حقوق الجميع .
في البداية ، يسود التفاؤل لكن سرعان ما يبدأ نابليون في إحكام قبضته على السلطة ، متخلصًا من سنوبول ، ثم يستخدم القوة و التخويف و التلاعب بالأفكار لإخضاع كافة الحيوانات و مع مرور الوقت يتم تحريف القوانين تدريجيًا ، ليس فقط كأداة للسيطرة بل كوسيلة لإعادة تشكيل الواقع ، حيث لا تعود الحيوانات قادرة على التمييز بين الحق والباطل و بين الثورة الحقيقية والزيف الذي يروج له الحاكم .
يكشف أورويل من خلال هذه الأحداث أن القضية ليست في الثورة نفسها بل في ما يليها ، فحين يترك مصيرها بأيدي قادة دون رقيب و يتحول التحرر الموعود إلى دائرة مغلقة من القمع والتلاعب كما يوضح كيف أن الجماهير عندما تفتقر إلى الوعي والتعليم تصبح أكثر عرضة للاستغلال ، فتتقبل الظلم الجديد دون أن تدرك أنه لا يختلف عن القديم وهكذا تصبح الشعارات وسيلة لتخدير العقول بدلاً من تحقيق العدالة ويصبح الطغيان مقبولًا ما دام مغلفًا بلغة الثورة والإصلاح .
كما تعد الرواية نقد حاد وتقييمًا صارمًا لمسار الثورة الروسية خاصة فيما يتعلق بصعود ديكتاتورية جوزيف ستالين ، حيث بعد أن بدأت الثورة البلشفية بأهداف سامية تسعى لتحقيق العدالة والمساواة ، إنتهى بها الأمر إلى الظلم والاستبداد
مما يعكس كيف يمكن للسلطة المطلقة أن تُفسد مسار أي ثورة
" الفردوس المفقود "
في يوم ٢ من ربيع الأول في سنة ۸۹۷
هجرية ، الموافق ۲ من يناير سنة ١٤٩٢ میلادية
وقع أبو عبد الله محمد الصغير - آخر ملوك
الأندلس من المسلمين - معاهدة الاستسلام ،
وذلك بعد قتل إنتفاضة المسلمين التي قامت بين
ربوع غرناطة - آخر معاقل المسلمين في الأندلس
- وخرج أبو عبد الله الصغير من مدينة غرناطة ،
ووقف على تل من التلال القريبة من قصر الحمراء - قصر الحكم في غرناطة - وهو يبكي وينتحب ، قالت له أمه عائشة الحرة : " أجل فلتبك كالنساء ملكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال " ، وخرج المسلمون بذلك من الأندلس خروجا نهائيا بعد أن حكمت بالإسلام ثمانية قرون ، لكن المفارقة المؤلمة أن تلك الأرض التي إزدهرت بالإسلام قرونًا طويلة ، أصبحت اليوم تكاد تخلو من أهله ، فلا يتجاوز عدد المسلمين فيها مائة ألف ، إنها صفحة من التاريخ سُطرت بالحضارة والمجد ، لكنها تحمل في طياتها درسًا بليغًا ينبغي على المسلمين إدراكه جيدًا.
Painting : View of Alhambra – George Owen Wynne Apperley, (1920s)
في يوم ٢ من ربيع الأول في سنة ۸۹۷
هجرية ، الموافق ۲ من يناير سنة ١٤٩٢ میلادية
وقع أبو عبد الله محمد الصغير - آخر ملوك
الأندلس من المسلمين - معاهدة الاستسلام ،
وذلك بعد قتل إنتفاضة المسلمين التي قامت بين
ربوع غرناطة - آخر معاقل المسلمين في الأندلس
- وخرج أبو عبد الله الصغير من مدينة غرناطة ،
ووقف على تل من التلال القريبة من قصر الحمراء - قصر الحكم في غرناطة - وهو يبكي وينتحب ، قالت له أمه عائشة الحرة : " أجل فلتبك كالنساء ملكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال " ، وخرج المسلمون بذلك من الأندلس خروجا نهائيا بعد أن حكمت بالإسلام ثمانية قرون ، لكن المفارقة المؤلمة أن تلك الأرض التي إزدهرت بالإسلام قرونًا طويلة ، أصبحت اليوم تكاد تخلو من أهله ، فلا يتجاوز عدد المسلمين فيها مائة ألف ، إنها صفحة من التاريخ سُطرت بالحضارة والمجد ، لكنها تحمل في طياتها درسًا بليغًا ينبغي على المسلمين إدراكه جيدًا.
Painting : View of Alhambra – George Owen Wynne Apperley, (1920s)
تبيان قصور النموذج البيوطبي :
النموذج البيوطبي هو إطار نظري في الطب يفسر الأمراض بإعتبارها نتيجة خلل بيولوجي أو فيزيولوجي في الجسم ، كما يركز على التشخيص والعلاج من منظور جسدي صرف دون أخذ الظروف النفسية والاجتماعية بعين الاعتبار
وقد ساهم هذا النموذج في تحقيق تقدم كبير في مجال التشخيص والعلاج ، خصوصًا في الأمراض الجسدية الحادة ، إلا أنه قد واجه عدة إنتقادات من طرف كثير من المفكرين والعلماء و من أبرزهم الطبيب الأمريكي جورج إنجل الذي إقترح عام 1977 نموذجًا بديلاً يعرف بالنموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي ، معتبرًا أن النموذج البيوطبي قاصر عن تفسير الأمراض المزمنة والمعقدة ، حيث رأى إنجل أن تفسير الاضطرابات النفسية لا ينبغي أن يُرد إلى عامل واحد ، بل إلى تفاعل مركب بين عوامل بيولوجية ونفسية وإجتماعية ، وأن الإقتصار على البعد العضوي يُضيق أفق الفهم ويقصي أبعادًا لا تقل أهمية في التشخيص والعلاج
وقد عُرف هذا القصور في الطب النفسي ، حيث إنقسم فيه الناس إلى طرفين :
- أحدهما أنكر وجود المرض النفسي أصلاً ، كما قال توماس سزاس ، وزعم أن ما يسمى أمراضًا إنما هو مظاهر سلوكية لا تدخل في حدّ المرض
- والثاني قد حصر الطب النفسي في الأمراض الدماغية البحتة ، كما يرى لودفيغ وأمثاله ممن يرون أن ما لا يرى في الدماغ لا يعد مرضا
و قد أنكر إنجل كلا القولين و بين أن العطب ليس في الطب النفسي وحده ، بل في النموذج البيوطبي نفسه ، إذ يقوم على تفسير أحادي لا يسع إدخال النفس و المجتمع في منظومة التشخيص و المعالجة و هذا ما يُعدّ من قبيل مغالطة الإختزال السببي ، أي محاولة تفسير ظاهرة معقدة بعامل واحد مع إغفال بنيتها المتشابكة
وقد رأى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه " ميلاد العيادة " أن الطب الحديث ، بتركيزه المفرط على الجسد ، يهمّش البعد الإنساني ، ويُختزل الفرد إلى مجرد حالة تخضع إلى الفحص والتشخيص ، دون إعتبار لذاتيته أو تجربته الشخصية و بناءً على ذلك ، برزت الحاجة إلى تبني نماذج بديلة أكثر تكاملا و تأخذ بعين الإعتبار الإنسان في أبعاده الجسدية والنفسية والإجتماعية بوصفه كائنًا متفاعلاً لا مجرد جسد مصاب .
النموذج البيوطبي هو إطار نظري في الطب يفسر الأمراض بإعتبارها نتيجة خلل بيولوجي أو فيزيولوجي في الجسم ، كما يركز على التشخيص والعلاج من منظور جسدي صرف دون أخذ الظروف النفسية والاجتماعية بعين الاعتبار
وقد ساهم هذا النموذج في تحقيق تقدم كبير في مجال التشخيص والعلاج ، خصوصًا في الأمراض الجسدية الحادة ، إلا أنه قد واجه عدة إنتقادات من طرف كثير من المفكرين والعلماء و من أبرزهم الطبيب الأمريكي جورج إنجل الذي إقترح عام 1977 نموذجًا بديلاً يعرف بالنموذج البيولوجي النفسي الاجتماعي ، معتبرًا أن النموذج البيوطبي قاصر عن تفسير الأمراض المزمنة والمعقدة ، حيث رأى إنجل أن تفسير الاضطرابات النفسية لا ينبغي أن يُرد إلى عامل واحد ، بل إلى تفاعل مركب بين عوامل بيولوجية ونفسية وإجتماعية ، وأن الإقتصار على البعد العضوي يُضيق أفق الفهم ويقصي أبعادًا لا تقل أهمية في التشخيص والعلاج
وقد عُرف هذا القصور في الطب النفسي ، حيث إنقسم فيه الناس إلى طرفين :
- أحدهما أنكر وجود المرض النفسي أصلاً ، كما قال توماس سزاس ، وزعم أن ما يسمى أمراضًا إنما هو مظاهر سلوكية لا تدخل في حدّ المرض
- والثاني قد حصر الطب النفسي في الأمراض الدماغية البحتة ، كما يرى لودفيغ وأمثاله ممن يرون أن ما لا يرى في الدماغ لا يعد مرضا
و قد أنكر إنجل كلا القولين و بين أن العطب ليس في الطب النفسي وحده ، بل في النموذج البيوطبي نفسه ، إذ يقوم على تفسير أحادي لا يسع إدخال النفس و المجتمع في منظومة التشخيص و المعالجة و هذا ما يُعدّ من قبيل مغالطة الإختزال السببي ، أي محاولة تفسير ظاهرة معقدة بعامل واحد مع إغفال بنيتها المتشابكة
وقد رأى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه " ميلاد العيادة " أن الطب الحديث ، بتركيزه المفرط على الجسد ، يهمّش البعد الإنساني ، ويُختزل الفرد إلى مجرد حالة تخضع إلى الفحص والتشخيص ، دون إعتبار لذاتيته أو تجربته الشخصية و بناءً على ذلك ، برزت الحاجة إلى تبني نماذج بديلة أكثر تكاملا و تأخذ بعين الإعتبار الإنسان في أبعاده الجسدية والنفسية والإجتماعية بوصفه كائنًا متفاعلاً لا مجرد جسد مصاب .
بيان وهم المثالية و الكمالية :
الكمالية هي نزعة نفسية تدفع الإنسان إلى السعي الحثيث نحو الكمال وتجعله يرفض أي نقص أو تقصير في نفسه أو سلوكه أو إنجازه أو حتى فيمن حوله و رغم ما توهم به صاحبها من سمو الهدف ، إلا أن جوهرها لا يخرج عن كونه سجنًا داخليًا قائمًا على وهم المثالية ، وصورة ذهنية مشوهة لحياة لا خطأ فيها ولا ضعف وقد تبدو الكمالية في ظاهرها شيئا جميلا ولكنها في الحقيقة ترهق النفس وتستهلك طاقتها وتبعدها عن الشعور بالرضا والتوازن .
تبدأ الكمالية غالبًا منذ الطفولة وخصوصًا في البيئات الصارمة التي يُربط فيها الحب بالتفوق و النجاح بحيث يشعر الطفل أنه لا يحب لذاته ، بل يُقبل فقط إذا نجح وتفوق وأرضى التوقعات ، كما قد تنشأ بسبب الخوف من الفشل أو نتيجة مقارنة النفس بالآخرين وخاصة في هذا العصر الذي تُعرض فيه حياة الناس على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة مثالية مزيفة تُظهر الجمال والنجاح وتخفي العادي والبسيط و هذا كله يعزز في النفس شعورًا مستمرًا بالنقص وكأن الخطأ أو الفشل ليسا من صفات الإنسان .
و الكمالية حسب العالمان بول هيويت و غوردون فليت تصنف إلى ثلاثة أنماط :
١ - الكمالية الموجهة نحو الذات : حيث يضع الفرد لنفسه معايير عالية جداً و لا يقبل منها أدنى تقصير ، كما يعيش في صراع داخلي دائم و يشعر بالذنب من أي خطأ حتى ولو كان غير ملحوظ للأخرين .
٢ - الكمالية الموجهة نحو الأخرين : و هنا يتوقع الشخص ممَّن حوله أن يكونوا مكتملين ملتزمين بمعايير مثالية ، فقد يحمل الزوج زوجته مثلاً فوق طاقتها منتظرًا منها أن تكون أمًا مثالية و مدبرة منزل لا تُخطئ فإذا رأى منها تقصيرًا لا يرى جهدها بل يشعر بالخيبة أو يظهر نقدًا دائماً ، لأنه لا يتعامل معها كما هي بل كما يجب أن تكون في نظره .
٣ - الكمالية المتصورة إجتماعيا : حيث يشعر الفرد بأن المجتمع يطالبه بالكمال دائما ، و يعتقد أن قبوله بين الناس مشروط بأن يظهر دون عيوب أو ضعف و يعيش نتيجة ذلك في حالة من التمثيل المستمر حيث يخشى فيها الفشل ، لا لأنه يرفضه في داخله فحسب ، بل لأنه يخشى نظرة الاخرين إليه ، فترى شابًا مثلاً يرهق نفسه ليبدو في كل لحظة ناجحًا وجميلاً ومثقفًا ومرتاحًا ، لا لأنه كذلك فعلًا ، بل لأنه يظن أن صورته عند الناس لا تحتمل أي هفوة أو خطأ .
و رغم تعدد صور الكمالية ، فإن آثارها النفسية تتشابه في النهاية ، إذ يعيش الفرد الكمالي تحت ضغط دائم من توقعاته العالية ، سواء فرضت على نفسه أو على غيره أو إستمدها من المجتمع و هذا ما يجعله عرضة لحالات من القلق و التوتر المزمن كما يعمل على تأجيل المهام خوفا من عدم إنجازها بشكل مثالي بل و قد يدفعه ذلك إلى جلد الذات بشدة عند كل خطأ بسيط
كما قد أثبتت الدراسات أن الكمالية خاصة في صورتها المتطرفة ترتبط إرتباطًا وثيقًا بالإكتئاب والأفكار الإنتحارية وإضطرابات الأكل ويشير الطبيب ديفيد بيرنز إلى أن الكماليين غالبًا ما يفقدون الإستمتاع بالحياة و ذلك لأنهم يُقيمون أنفسهم وفق مقاييس صارمة لا ترحم و يشعرون بأنهم لم ينجحوا مهما فعلوا ، لا لأنهم فشلوا فعليا ، بل لأنهم نادرًا ما يرضون عن إنجازاتهم مهما كانت ، إذ يطاردون صورة مثالية لا يحققها الواقع
و رغم ما تتركه الكمالية من آثار ضاغطة على النفس و ما تولده من قلق و توتر دائم إلا أن الخطر الأكبر يكمن في أنها تبعد الإنسان عن حقيقة فطرته حيث أن المبالغة في طلب الكمال تقوده إلى وهم السيطرة و نسيان الحقيقة المتمثلة في أن النقص جزء أصيل من الطبيعة البشرية و أن الكمال لله تعالى وحده لكون الإنسان يخطئ و يتعلم و يسقط و يقوم ولا يطلب منه العصمة ، بل يطلب منه السعي والإخلاص و أن كل محاولة فيها خير و كل فشل يحمل درسًا و كل تقصير يمكن أن يعوض ، فلا تجعل من نفسك عبدًا لمعايير خيالية صنعها الناس أو توهمتها النفس .
المصدر :
Hewitt, P. L., & Flett, G. L. (1991).
Perfectionism in the self and social contexts: Conceptualization, assessment, and association with psychopathology.
Journal of Personality and Social Psychology, 60(3), 456–470.
الكمالية هي نزعة نفسية تدفع الإنسان إلى السعي الحثيث نحو الكمال وتجعله يرفض أي نقص أو تقصير في نفسه أو سلوكه أو إنجازه أو حتى فيمن حوله و رغم ما توهم به صاحبها من سمو الهدف ، إلا أن جوهرها لا يخرج عن كونه سجنًا داخليًا قائمًا على وهم المثالية ، وصورة ذهنية مشوهة لحياة لا خطأ فيها ولا ضعف وقد تبدو الكمالية في ظاهرها شيئا جميلا ولكنها في الحقيقة ترهق النفس وتستهلك طاقتها وتبعدها عن الشعور بالرضا والتوازن .
تبدأ الكمالية غالبًا منذ الطفولة وخصوصًا في البيئات الصارمة التي يُربط فيها الحب بالتفوق و النجاح بحيث يشعر الطفل أنه لا يحب لذاته ، بل يُقبل فقط إذا نجح وتفوق وأرضى التوقعات ، كما قد تنشأ بسبب الخوف من الفشل أو نتيجة مقارنة النفس بالآخرين وخاصة في هذا العصر الذي تُعرض فيه حياة الناس على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة مثالية مزيفة تُظهر الجمال والنجاح وتخفي العادي والبسيط و هذا كله يعزز في النفس شعورًا مستمرًا بالنقص وكأن الخطأ أو الفشل ليسا من صفات الإنسان .
و الكمالية حسب العالمان بول هيويت و غوردون فليت تصنف إلى ثلاثة أنماط :
١ - الكمالية الموجهة نحو الذات : حيث يضع الفرد لنفسه معايير عالية جداً و لا يقبل منها أدنى تقصير ، كما يعيش في صراع داخلي دائم و يشعر بالذنب من أي خطأ حتى ولو كان غير ملحوظ للأخرين .
٢ - الكمالية الموجهة نحو الأخرين : و هنا يتوقع الشخص ممَّن حوله أن يكونوا مكتملين ملتزمين بمعايير مثالية ، فقد يحمل الزوج زوجته مثلاً فوق طاقتها منتظرًا منها أن تكون أمًا مثالية و مدبرة منزل لا تُخطئ فإذا رأى منها تقصيرًا لا يرى جهدها بل يشعر بالخيبة أو يظهر نقدًا دائماً ، لأنه لا يتعامل معها كما هي بل كما يجب أن تكون في نظره .
٣ - الكمالية المتصورة إجتماعيا : حيث يشعر الفرد بأن المجتمع يطالبه بالكمال دائما ، و يعتقد أن قبوله بين الناس مشروط بأن يظهر دون عيوب أو ضعف و يعيش نتيجة ذلك في حالة من التمثيل المستمر حيث يخشى فيها الفشل ، لا لأنه يرفضه في داخله فحسب ، بل لأنه يخشى نظرة الاخرين إليه ، فترى شابًا مثلاً يرهق نفسه ليبدو في كل لحظة ناجحًا وجميلاً ومثقفًا ومرتاحًا ، لا لأنه كذلك فعلًا ، بل لأنه يظن أن صورته عند الناس لا تحتمل أي هفوة أو خطأ .
و رغم تعدد صور الكمالية ، فإن آثارها النفسية تتشابه في النهاية ، إذ يعيش الفرد الكمالي تحت ضغط دائم من توقعاته العالية ، سواء فرضت على نفسه أو على غيره أو إستمدها من المجتمع و هذا ما يجعله عرضة لحالات من القلق و التوتر المزمن كما يعمل على تأجيل المهام خوفا من عدم إنجازها بشكل مثالي بل و قد يدفعه ذلك إلى جلد الذات بشدة عند كل خطأ بسيط
كما قد أثبتت الدراسات أن الكمالية خاصة في صورتها المتطرفة ترتبط إرتباطًا وثيقًا بالإكتئاب والأفكار الإنتحارية وإضطرابات الأكل ويشير الطبيب ديفيد بيرنز إلى أن الكماليين غالبًا ما يفقدون الإستمتاع بالحياة و ذلك لأنهم يُقيمون أنفسهم وفق مقاييس صارمة لا ترحم و يشعرون بأنهم لم ينجحوا مهما فعلوا ، لا لأنهم فشلوا فعليا ، بل لأنهم نادرًا ما يرضون عن إنجازاتهم مهما كانت ، إذ يطاردون صورة مثالية لا يحققها الواقع
و رغم ما تتركه الكمالية من آثار ضاغطة على النفس و ما تولده من قلق و توتر دائم إلا أن الخطر الأكبر يكمن في أنها تبعد الإنسان عن حقيقة فطرته حيث أن المبالغة في طلب الكمال تقوده إلى وهم السيطرة و نسيان الحقيقة المتمثلة في أن النقص جزء أصيل من الطبيعة البشرية و أن الكمال لله تعالى وحده لكون الإنسان يخطئ و يتعلم و يسقط و يقوم ولا يطلب منه العصمة ، بل يطلب منه السعي والإخلاص و أن كل محاولة فيها خير و كل فشل يحمل درسًا و كل تقصير يمكن أن يعوض ، فلا تجعل من نفسك عبدًا لمعايير خيالية صنعها الناس أو توهمتها النفس .
المصدر :
Hewitt, P. L., & Flett, G. L. (1991).
Perfectionism in the self and social contexts: Conceptualization, assessment, and association with psychopathology.
Journal of Personality and Social Psychology, 60(3), 456–470.
رَوضَةُ الفِكرِ
وعد_بلفور_حين_كتبت_بريطانيا_نكبة_فلسطين.pdf
وعد بلفور... حين كتبت بريطانيا نكبة فلسطين
في لحظة فارقة من تاريخ الشرق ، صدر وعدٌ لا يشبه الوعود ، بل كان شرارةً أشعلت نارًا ما تَزال تَلتهِم حاضِر فلسطين .
استِنادًا إلى ذلك ، يَتناول هذا المقال الجوانب السياسية والتحولات التاريخية التي مهّدت لصدور وعد بلفور عام 1917 ، موضحًا كيف أسهمت بريطانيا في زَرع مشروع استِيطاني على أرضٍ لم تكن تَملكها ولا تَملِك أي حق في تقرير مصِير أهلها .
في لحظة فارقة من تاريخ الشرق ، صدر وعدٌ لا يشبه الوعود ، بل كان شرارةً أشعلت نارًا ما تَزال تَلتهِم حاضِر فلسطين .
استِنادًا إلى ذلك ، يَتناول هذا المقال الجوانب السياسية والتحولات التاريخية التي مهّدت لصدور وعد بلفور عام 1917 ، موضحًا كيف أسهمت بريطانيا في زَرع مشروع استِيطاني على أرضٍ لم تكن تَملكها ولا تَملِك أي حق في تقرير مصِير أهلها .