كتابات وخواطر
48 subscribers
27 photos
124 videos
8 files
53 links
خواطر
Download Telegram
العشق في سجن "ريمون"!
قصتي الأحب لقلبي

بقلم/حنان مطير
دَخَلَتْ من الباب الحديديّ تنفض روحَها من ذُلّ التفتيش الإسرائيليّ في الباص، ومن قسوة المجنّدات في معبر بيت حانون "إيرز"، لتجد نفسها في ساحةٍ كبيرةٍ تنتصِفها غرفةٌ بيضاويةٌ واسعةٌ بجدارٍ زُجاجيٍّ..

تسمّرت أمام البلّور ودارت بعينيها وهي لا تدري أين السبيل.. الكل من حولِها يبحث بفوضى وشوق عن زوجِه أو ابنه أو غيرهما، حتى وقعت عيناهُ عليها في زحمة الأنفاس.

"دعاء.. دعاء.. دعاء زعرب".. صرخ بأعلى صوتِه يناديها ويكرّر، فصفعَه صوتُهُ مرتداً بفعل الجدار الزجاجي ، ولوّح إليها بيديه في حركةٍ انفعاليةٍ شديدة ليثير انتباهَها، ثم تمتم "يا إلهي! أنا صالح الرّجبي الذي تبحثين عنه يا دعاء.. انظري إليّ..".

اللقاء الأوّل

رمَقَتْه عيناها، وطابقت بهما صورتَه المحفوظة على هاتفِها، فتسارعت دقّات قلبها كمهرةٍ أنهكها الركض، ثم اقتربت من البلّور بسكينةٍ إلى أن لم يعد بينهما فاصل غير ذلك الشّفّاف.

تعانقت عيناهما الذابلتان للحظات كالمغترب يعانق وطنَه، ثم ألقت بوجهِها على كفيها الباردتين وانخرطت في البكاء.

تلبَّس الحزنُ والحيرةُ وجهَ صالح وراح يحاول تهدئتها بالإشارة، ويطلب منها أن تجلس على الكرسي الذي يقابله وأن ترفع الهاتف الذي أمامها، ففعلَتْ.

"دعاء.. ما أجملك يا حبيبتي، وما أجمل عينيكِ الغزّاويتين، أنتِ أحلَى من الصورة ألف مرة، وأخيراً يا دعاء، لقد رأيتك أمامي لأول مرةٍ في حياتي بعيداً عن العالم الافتراضي، هل أنا في حلمٍ أم حقيقة؟!" ثم أغمض عينيه وقال مُفاكِهاً:" اقرصيني بسرعةٍ وبقوة لأتأكّد أنني لا أحلم أو أتخيل"، ابتسمت دعاء لدُعابتِه وخَفّتْ حدّة توترها ومسحت دموعَها الحارّة وردّت:" كيف أقرصك والزّجاج حاجز بيننا يا صالح؟"..

"قولي لي هل ضايقكِ اليهود؟ هل أهانكِ الجنود؟ هل أرهقكِ القدوم من غزّة عبر معبر "إيرز" في باصات أهالي الأسرى؟" .. "لا لا لا يا صالح، كُفَّ عن السؤال عن حالي، أخبرني عن حالك أنت، كيف تقضي وقتَك في السّجن؟ كيف هي معنوياتك؟ كيف صحتك بعد إضرابكم عن الطعام؟ فوجهك بات نحيفاً جداً ليس كما في الصورة، هل يؤذونكَ أولئك الـ... ".

"كَفَى يا دعاء أنا بخير الحمد لله، ومعنوياتنا العالية تقهر المُحتلّ، ولا تكترثي لنحافة وجهي فذلك لكثرة ما أفكر بكِ، دعينا نستمتع بتلك الدقائق القليلة قبل أن تنتهي مدة الزيارة، فالأربع وخمسون دقيقة المحدّدة للقائنا لا تكفي لإطفاء نار شوقي ولهفتي إليك ولغزّة".

ثمّ أدار وجهَه بسرعة البرق مسترقاً نظرةً من عقارِب الساعةِ على الجدار خلفه وهو يقول :"هل كلّ بنات غزّة جميلات مثلِك؟" .. برقت عيناها واحتلّت الضحكةُ طرفي شفتيها وردّت بخُيلاء: "لا لسنَ مثلي أنا أجملهنّ يا بن الخليل.. واحذر أن تتحدث معي عن النساء مرةً أخرى"، قالتها ثم علت رنّات ضحكتيهما.

حُكمُ القدر

"كأني أشتمّ رائحة غيرة؟".. وشّح الحياءُ وجنتيها وأخفضت رأسها قليلاً لبضع ثوانٍ من صمت، ثم رفعت عينيها ونجمتان بهما تبرقان وقالت: "آهٍ يا صالح.. هل يُعقَل أن تقذفك الأقدار إليّ بتلك السرعة؟ فتطلب يدي من أبي عبر الهاتف وأنتَ ابن الضفّة وأنا بنتُ غزّة؟ ثم نعقد قراننا بعد أسبوعٍ واحدٍ فقط، ونقيم حفل إشهارنا ونوزع الحلوى كلّ في مكان إقامتِه ، ودون أن نلتقي ولو لمرة واحدة؟! ثم حين نلتقي لأول مرةٍ بعد عامين ونصف؛ يكون لقاؤنا في سجن "ريمون" الإسرائيلي؟!"..

من جديد يستدير صالح لاستراق نظرة من الساعة ليطمئن على الوقت المتّبقي، فلم تكن تمر دقيقة أو اثنتان إلا ويعاود النّظر.. "فلتتوقف يا صالح عن النظر للساعة، أشعر بتوتّر وأتخيّل في كل لحظة أن المُجندةَ ستقول: انتهت الزيارة".

فاضت مشاعر دعاء بالظلم وردّدت "يا لشقائنا وسوء طالِعنا يا صالح.. لماذا يُحكم علينا بذلك العذاب؟ الله يلعن اليهود.. الله يلعن إسرائـ... "، اتّسعت عينا صالح وتنحنحت جِلستُه ووضع سبابتَه على فمِه، ففهمت أن الهاتف ملغّم بفخ المراقبة، ثم اختطفت نظرتين من جنود الاحتلال حولها، ومجنّدةٍ فائقة الجمال تقف خلفَها وتواجه صالح مباشرة بميوعةٍ يهوديّة!

في ذات اللحظة يقترب جنديّ إسرائيليّ من دعاء ويلقي أمامها بعض الغمزات والإشارات في موقفٍ مرسومٍ لاستفزاز وإثارة حفيظة صالح وغيرتهما، بهدف نزع حلاوة اللقاء الأوّل بين المخطوبين.

لم يكن الأمرُ صعباً تفسيره عليهما فألاعيب اليهود وحقدهم لا يخفى على فلسطينيّ، جنّ جنونُ صالح وتناثرت الشرارات من عينيه، لكن دعاء لم تسمح له أن يُثلِجَ صدر هذين الجنديين بتحقيق هدفهما، وطلبت منه أن يرسم أكبر ابتسامةٍ على شفتيه وألا يدع بصرَه يلتقي ببصر الجندي أو الجندية أبداً، وبدورِها قامت بنفس الفعل إلى أن استسلم اليهوديان ورحلا.

خطوبة عبر الهاتف

عام 2014 ؛ دكّ جيشُ الاحتلال قطاع غزّة وارتكب فيه أفظع المجازر، في حربٍ أُطلِق عليها العصف المأكول، كانت دعاء ملتهبةَ العين والقلب كما كل الغزيين، ولم يكن بيدها حيلة لنصرة أهلِها إلا
بنشر صور أطفال غزة وأشلائهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يحتمل صالح بشاعة الصور، فأرسل إليها عبر "فيس بوك" أن تتوقف عن نشر صور الأطفال حفظاً لكرامتهم وآدميتهم، لتهبّ في وجهه كالإعصار وتتّهمه بأنه بلا مشاعر وأنه سعيدٌ لما يجري في غزة..

انتفض قلبُ صالح وحاول توضيح النقيض لكنها لم تَدَعْ له مجالاً، وحذفته من حسابِها، تعبّر:" كنت أظنّ أن أهل الضفة لا يأبهون بأهل غزة، ولا أدري كيف تغلغل هذا الفِكر لعقلي".

في اليوم التالي جمع صالح كلّ إخوته من أمّه وزوجة أبيه وعددهم (17) والتقط لهم صورةً وهم يرتدون "بلوزة" كُتب عليها "غزة.. نصرُكم عيدُنا"، وأرسلها عبر أختِه إلى دُعاء، ثم عشية ذلك اليوم يقتحم جيش الاحتلال محلّ صالح للحلويات ويعتقلُه.

مرّ اعتقالُه هذه المرة بسلام، وإن لم يخْلُ من الضربِ والاحتقار الذي بات كشربة الماء بيد المُحتلّ، وعاد صالح لبيتِه وفي نيتِه التقدم بخطوةٍ لم تتوقّعها دعاء، تقول:" كانت المفاجأة أكبر من كلّ ظنوني فقد تقدّم لخطبتِي وطلب يدي من أبي عبر الهاتف على سنة الله ورسولِه".

كانت الأمور مُسهّلة سلِسة وبشكل متسارع، ففي أسبوع واحد فقط تمّت قراءة الفاتحة، وعُقِدَ القران، دون أن يرى الخطيب مخطوبتَه أو يكلّمها، لقد اكتفى بأصلها الغزيّ وبضع صورٍ قديمة عبر "فيس بوك".

وفي اليوم الثلاثين من حرب العصف المأكول، التي عصفت بغزة مدة 51 يوماً، كتب ابن الخليل كتابَهُ على بنت غزّة ، ووزَع الحلوى في كل شوارع وأزقة مدينة الخليل، وأكرم جيران الحرم الإبراهيمي، كان يقول مفتخراً:" أنا محظوظ، خطيبتي من غزّة.. كلّكم راحْ تتحلّوا.. "

تصف دعاء:" اتفقنا أن تكون الساعة العاشرة مساءً موعد لقاء العائلتين عبر برنامج "سكايب" كي نرى بعضنا البعض مباشرة وتتعارف العائلتان، كما هي العادة على أرض الواقع".

تكمل:" كان التيار الكهربائي في الحرب منقطعاً طوال اليوم، باستثناء ساعة واحدة، فكان المتوقّع أن تصلنا الكهرباء وفق الجَدول الخاص في الساعة العاشرة، ولسوء الحظّ ظلت منقطِعة، واكتفينا بالتعارف عبر "الجوال"، وتمّت قراءة الفاتحة وتحديد المهر وسط أضواء الشموع".

ألم وانتصار

اختلطت الفرحةُ بالمرارةِ في قلب المخطوبَين، والحرب في غزّة ما زالت تزداد شراسة.. المدافع الإسرائيلية تدكّ بيوت الغزيين وتقصف الأبراج والمزارع والشواطئ، وكل شيء، وصالح يترقّب ويستمع مباشرة لكل ما يجري، تسرد:" لم يكن يقفل الهاتف لحظة، لقد كان في الضفة الغربية جسداً، بينما قلبه وروحُه كانا في غزّة".

تواصل:" حَدَثَ مرتين أنْ قصفت الدبابات أماكن مجاورة لبيتنا وكدنا نختنق في البيت، وحينها ضُرِبْتُ في الأرض لشدة القصف وفقدت وعيي وصالح يستمع عبر الهاتف لكل ما يدور في البيت من صراخ وضجيج وتوتر.. لست أدري كيف كان شعورُه حينها، لكنه أخبرني فيما بعد أنّ حاله كان يُرثَى له، إذ ظنَّ أني استُشهِدت، وأن دموعَه لم تتوقف، وحقدَه على المحتلّ كاد يقتلُه، لقد تمنَى ألا يكون بيننا أية حواجز إسرائيلية أو معابر ليكون معنا".

مرّت الأيام كالجحيم على أهل غزّة، لكنها انتصرت وأطلقت رصاص الابتهاج والفرح في سمائها، وكبّرت لله كثيراً وهلّلت وصدحت بأغاني العِزّ الشعبية، رغم تمرّغِها في الجِراح والآلام، واستشهاد 2200 مواطن، إلا أنها اختطفت الجنود، وقصفت حيفا وتل الربيع، وباغتت العدوّ في عقر دارِه عبر البر والبحر ومن تحت الأرض من نقطة الصفر، في ظل مقاومةٍ عسكريةٍ لا يمكن مقارنتها بالعتاد العسكري الإسرائيلي المتطور.

كان صالح وعائلته الكبيرة وجيرانُه وكل أهل الحارةِ يستمعون لصوت تكبيرات غزّة ورصاصهم ودموعهم تسيل فرحاً، تقول دعاء:" لقد وزّع الحلوى على كل أهل الخليل ..".

بدأت غزّة تلملم جراحَها، وروحَها، وبدأت دعاء تسعى للذهاب لخطيبها كي يقيما عرساً يعوضهما عن ليالي الحرب والبُعد، ولكن أنّى لهما أن يجتمعا وغزة تحت الحصار المطبق؟!

تضيف:" اصطدمنا بواقعٍ لم يكن في الحسبان أبداً، فكلّ ظنّنا كان أن العقبة أمام لقائنا هي الحرب فقط، لكن الحقيقة كانت كما العلقم في فم المتضوّر جوعاً".

خبر الاعتقال

"شو اللي رماكي هالرَّمية يا دعاء؟!" أينما ذَهبَت كان ذلك السؤال يخرق أذنيها، فيجتمع في قلبِها حزنٌ بحجم جُرم الحصار وجُدر الاسمنت العنصرية بين غزة والضفة، ويوما بعد يومٍ كانت دعاء تقترب من اليقين بأن خروجها عبر معبر "إيرز" للضفة الغربية أمر مستحيل إلا بتقرير طبيّ، أمّا معبر رفح فكان ميْؤوساً من حاله ولم يكن على خارطة التفكير أصلاً.

كان التقرير الطبي مخرجاً مزوّراً للحصول على أحقّ حقوق الحياة وأبسطها، ذلك الذي لم تحظَ به دعاء، تروي:" للأسف لقد خدَعنا أحد الصيادِلة وأوهمنا أنه سيحقق حلمنا بالحصول على التقرير الطّبي، مقابل (6000) شيكل، جميعها ضاعت أدراج الرّياح".. كان محتالاً استغلّ حاجتهما!

ظلّت دعاء على تلك الحال مدّة عامٍ كاملٍ، يقودُها الحبّ والأمل، تناجي الليل وتستأنس بعيون النجوم ووجه القمر، حتى جاءها الاتصال اله
اتفي الناحِب ليخبرها الخبر المُفجِع ..

"دعاء.. اليهود اعتقلوا صالح بكل همجيّة ووحشية.. حطّموا كلّ –إشي- في المحلّ.. اعتقله المجرمون الله يلعنهم.."، لقد جرّه جيش الاحتلال للتحقيق بتهمةٍ معتادة وهي نبذ المُحتلّ، وعدم تعاطيه مع أوامره.
ألجمت المفاجأةُ لسان دعاء، فسقطت على الأرض مغشياً عليها!

عودة للواقع

" لا تيأسي يا دعاء، فحياة أهل غزة "مغامرة" وبحاجة لتضحيات كثيرة، لا داعي لكل هذه الدّموع، انظري لوجهك الشاحب وعينيك الذابلتين يا حبيبتي، لقد اشتقت لابتسامتِك وروحِك في البيت، توكّلي على الله يا ابنتي واستعيذي من الشيطان، وتذكري أن أرض الرّباط سيحفظ اللهُ أهلَها..".

على شاطئ بحر خانيونس جنوب قطاع غزة حيث مكان إقامتها، صحِبتها أمُّها لتواسيها وتدفعها لتفريغ حزنِها، لكن دعاء لم تنبس ببنت شفّة، وعيناها كشلالين ظلّتا تنهمران.

اعتُقِل صالح، وأغلِق محلّ حَلْواه، وتوقَّف هاتف دعاء عن الرَّنين.. لقد بات صامتاً على الدّوام، في حين حُكِم على خطيبها بالقضاء في سجن المحتل الإسرائيليّ "ريمون" مدّة عامٍ كامل تخللّها الكثير من التعذيب.
لقد جمع الحب قلبَي هذين الفلسطينيين على سُنَّة رسول الله لكن "إسرائيل" فرقتهما باحتلالها للأرض الطاهرة ،فالحياة في غزّة كما قالت والدة دعاء: "مغامرة".