روائع الأدب الروسي
26.1K subscribers
29 photos
208 files
7 links
إحترس من تلك الأفكار التي تشي لك بأنك أفضل من الآخرين.


ليو تولستوي




القناة الثانية:- @liter_dn
Download Telegram
رسالة الأدب الروسي


لماذا نتحدث عن الأدب الروسي؟ هل له أهمية تقتضينا هذا العناء والتقصي؟

أجل له أهمية بالغة.
فإن الأدب الروسي — في القرن التاسع عشر — ثورة على الاتجاهات الأدبية كما عرفها التاريخ الأدبي، فإننا جميعًا نعرف أن الأدب إما جرى في ظلال العاطفة أو في ظلال العقل، أو في مزيج منهما معًا.

ولكن الانفصال بين العاطفة والعقل ظل عاملًا مُهِمًّا في أسباب الجمهور الأدبي، وقل في الشعراء أو القصاصين من أمكنة يلائم بينهما، فهما فريقان؛ إما فريق مغرق في الخيال، وإما فريق مغرق في الواقعية، وقد كان المزج بين المذاهب المختلفة ديدن المفكرين والنقاد في العصور الحديثة.

ولكن الروس أفلحوا في إيجاد هذا الانسجام، وزادوا على المستوى الوجداني والفكري مستويين آخرين؛ مستوى الروح، ومستوى الأعصاب، ويمكن أن نقول: إن «تولستوي» أضاف مستوى آخر هو مستوى الحياة؛ أي إن هناك طابعًا للوجدان، وطابعًا للروح، وطابعًا للأعصاب، وطابعًا للحياة، وهذه كلها عليها أن تلتئم لتُحدِث أدبًا جديدًا.

على أنني أقول: إن المستوى الروحي هو الطابع العام للأدب الروسي، أوجد الابتكار الجديد لذلك الأدب، وإن إضافة الأعصاب كانت من شأن «ديستوفيسكي» والحياة من نصيب «تولستوي».

وقد يقال إن هذا العالم — عالم الروح — قد سبق أن تناوله الكُتَّاب من قبل، فأجيب أنه لم يسبق أن تغلغل أحد تغلغلًا مباشرًا جريئًا صريحًا كما صنع كُتَّابُ الروس، ولذلك لا يخاطب الأدب الروسي أي إنسان، ولا أي روح، بل يخاطب الروح البسيطة الصادقة الميالة للخير، هي هذه التي تتجاوب معه والتي تفهمه والتي تحبه. والواقع أن الأدب الروسي يظل غريبًا على الذي اعتاد قراءة الأدب الغربي الخاضع للعقل والترتيب والمنطق والشكل.

والصواب أن على الإنسان أن يقرأ كثيرًا قبل أن يتمكن من فهم هذا الوعي الجديد.

هذه هي الأهمية الأولى: الأدب الروسي أدب يبحث في أسرار الروح وتفاعلها وآلامها وحسراتها.

والأهمية الثانية: هي أن الأدب الروسي يبحث مسألة السلوك الإنساني بحثًا مباشرًا صريحًا جريئًا، وكما تعود الكتاب أن يفصلوا بين العاطفة والعقل، فكذلك الأخلاقيون يفصلون بين الطبيعة العقلية والطبيعة الخلقية، بمعنى أن الإنسان يمكن أن يكون سليم الأخلاق، وهو في ذات الوقت ناقص العقل، أو العكس، فالروس يقولون أن هناك وحدة بين قانون العقل وقانون الخلق، وأن البحث على أنهما منفصلان هو أصل الخطأ ومصدر الضلال، وقد يُقال: إن هذا المذهب إغريقي قديم، نادى به «يوربيدس» ودعا إليه في مسرحياته، وهذا صحيح، ولكن تناوله على أيدي الإغريق كان تناولًا هينًا لينًا، أما تناول الروس له فكان تناولًا حارًّا عاصفًا عنيفًا، والسبب في ذلك ينطبق على الإغريق كما ينطبق على أهل الغرب اليوم، فإن الإغريق مارسوا السياسة وتطبعوا بالطابع العملي شأنهم شأن أهل الغرب، ولذلك فإن قواهم الروحية استُنفِدَت في مزاولة الناحية السياسية أو العملية، أما الروس فإن أرواحهم احتفظت بكامل قواها في تناول المسألة التي تختص بالسلوك الإنساني، وتناولتها يإيمان وحماس.

وعيب الناحية العملية أنها تجعلنا نقبل عدم الكمال كحالة واقعة، ونسلم بالفوضى الحاضرة على أنها حقيقة مؤثرة، وإننا «عمليًّا» يجب أن نرضى بهذا.

ولكن الروسي لا يقبل هذا الرأي، فهو يعتقد أن النقص علاقة على الكمال، زيادة على أن النفس الروسية لا تدين «بالانفصال»، فعندها أن السياسة والروحانيات ملتئمان لا يتجزءان، وعيب الغرب وكتَّابه محاولة التفرقة بين السياسة والروح، أو السياسة والدين، على فكرة أن السياسة شيء غير مشترك، والدين شيء فردي خاص.

ولكن الروس يرون أن الدين لا يمكن أن يكون خاصًّا بمعنى كلمة الخصوص؛ فإنه يمس الفرد وغيره بلا جدال.

ولذلك لا يعترف الروسي في قرارة نفسه بحرفية القانون، أو بالناحية العملية للقانون؛ لأن القانون يحاسب على العمل، ويفصل العمل عن الاعتقاد، بينما العقلية الروسية اللاانفصالية لا تفصل العمل عن الاعتقاد.

وإذن فمسألة السلوك الإنساني لا تعني مطلقًا قصة الفعل عمليًّا، بل قصة الرأي والاعتقاد كذلك بمعنى أن المسلك السياسي أو العملي يستند دائمًا إلى خلفية روحية.

وإذن فالحكم على العمل لا يعطينا قضاء محكمًا، فإن الرأي والمعتقد جزء من الشخصية، والشخصية شيء نهائي وقد يكون جبريًّا خارجًا عن خيارنا، فهذا الاتحاد يجعل الحكم على ناحية واحدة حكمًا غير متين.

ولقد يُقال إن هذه هي النظرية الموضوعية العلمية غير المتحيزة، فنجيب: هذا صحيح، ولكن حكم العلم قاسٍ جامدٌ باردٌ، ولكن حكم العقلية الروسية الأدبية دافئ حنون إنساني.

الأهمية الثالثة للأدب الروسي نتيجة لما سبق، معنى ذلك أنك ما دمت لا تستطيع أن تحكم حكمًا منطقيًّا على العدل المطلق، فلا يجب عليك أن تُدين أو تعاقب.

الإنسان منا لا يحب أن يدين أو يعاقب، ومن هنا التسامح والغفران والتحمل، هذه الصفات الكبيرة الواضحة في الأدب الروسي.
24
لا نستطيع أن نحكم، ولا نستطيع أن ندين، إذن من الذي يدين ويحكم ويُثيب ويُعاقب؟ الذي يدرك الحقيقة. أين هو؟ موجود، فعلينا بالبحث. إننا تحت أيدٍ جبرية مخفية تحت أستار كثيفة.

هلم نكشف هذه الأستار أو بعضها، إن المسيحيين يقولون: إن الله هو الحق، والمسيح هو الخلق، وهذا قول جميل، وقد كان جميع الكُتَّاب الروس مسيحيين يدينون بهذا القول.

ولكن بصورة تأملية فلسفية جعلتهم يعترفون بأن إكبارهم للمسيح — أي للحق — «صير المسيحية عندهم أضيق من أن تتسع لهم».

ولكن ما دام الخير والشر سران في ضمير المطلق، فقد تميز الأدب الروسي بهذا الظمأ للمطلق، والهيام بالمجهول، والانطلاق وراءه انطلاقًا عنيفًا. وهذا الانطلاق الحر قد صير النفس الروسية كعالم متموج فيه احتمالات كثيرة، وفيه مجال للغفران، ومجال للتسامح، وهذه المجالات الرحبة خلقت شيئًا من الفوضى جعلت القلب الروسي حائرًا يبحث عن مستقر فلا يستطيع، فهو شارد ضائع يضرب في فيافي الأرض. ولقد قال دوستويفسكي: «إن الروسي الشريد محتاج لكل سعادات البشر لكي يعرف مستقرًّا أو هدوءًا»، ومعنى ذلك أن الذي يعلق سعادته بجميع سعادات البشر لن يجد السعادة.

هذا التسامح العجيب هو سر سحر الأدب الروسي، فإن ذلك الأدب يأخذ الدنيا على أنها «كل» لا على أنها أجزاء ينظر لكل منها نظرة خاصة.

وهو على ذلك لا يعترف بوجود «فواصل»، وعندما تنمحي هذه الفواصل يقرب الخير من الشر، والصعلوك من الملك، والنجاح من الفشل، فلا يعود الإنسان حاقدًا على الشر، ولا حاسدًا للملك، ولا يائسًا من الفشل، ولا فرحًا بالنجاح.

وإذن فهناك «أعماق» يمكننا أن نصل إليها عندما نتسامح ونضحي ونتجاوز الحدود الفاصلة، عندما نعترف بالانسجام التام بين البشر وبعضهم وبين البشر والكائنات. على أن الإنسان حين يبدأ بالاطمئنان لهذا السر، التناسي، ويأخذ في الهدوء والتآسي، يأخذ الشك في ذات الوقت بخناقه، فيقول: «أيمكن أن يكون ذلك صحيحًا؟» ولقد كان «تولستوي» يخرج وحده في الظلام، بعد أن محا الفواصل التي بينه وبين الناس؛ ليقابل العناصر مفردًا، وليسأل: «هل ممكن أن يكون ذلك؟ ولماذا يا رب شئته أن يكون كذلك؟»

•••

أما «تشيكوف»، فيعترف أولًا بالفوضى التامة في أحوالنا الدنيوية، وقلة التناسق عندنا، ثم يتغلغل من هذا الإيمان بالتناسق الكلي.

أما «دوستوفيسكي» فأبطاله فريقان؛ فريق يقبل هذا التناسق الكلي، وفريق يرفضه، ويكون محور القصة المقابلة بين القبول والرفض، وأثر كذلك في النفسيتين المتناقضتين، ويتضح ذلك على أتمه في رواية «إخوان كارامازوف»، فمن هؤلاء «إليوث المؤمن»؛ «خرج إليوث وكانت زهور الخريف حول المنزل نائمة حتى الصباح، وصمت الأرض يذوب في صمت النجوم، ولغز الأرض متصلًا بلغز الكواكب …»

وكان «دوستوفيسكي» يرى أن هذا التناسق يمشي مشيًا ملازمًا لحالات النفسية الإنسانية، وهو يرسمه رسمًا واضحًا في اقتران العواصف النفسية بالعواصف الكونية، فهنا كما هناك الإشراق والظلمة، والهدوء والعاصفة.

على أن أهم ما في الأدب الروسي هو أنه بعد هذا البحث المضني والاستقصاء المر ينتهي الأمر إلى نوع من التسليم والمهادنة، أو ينتهي إلى التنبؤ بأننا في سبيل خلق عالم يرى هذا الانسجام حقيقة ثابتة لا زائلة أو حائلة.

#إبراهيم_ناجي
24
في الأدب السوفييتي
محمد كامل حسين


أحدثت الثورةُ الشيوعية الروسية تغيُّراتٍ كبرى في المجتمع الروسي، بل في العالم أجمع، ولم تقتصر هذه التغيُّرات على الاقتصاد والتركيب الاجتماعي وظهور طبقات جديدة، بل امتدت إلى الحياة الأدبية والمناخ الثقافي العام؛ حيث كانت أحداث الثورة من الضخامة بحيث يستحيل أن تغيب وقائعها عن أي عملٍ أدبيٍّ صدر في زمنها أو بعد استقرار الحُكم للثوار؛ الأمر الذي أدَّى إلى ظهور نوع جديد من الأدب الذي يمكن تسميته ﺑ «أدب الثورة»، والذي تغلب عليه خصائص المدرسة الواقعية؛ ومن ثَمَّ فقد تراجعت إلى الظل مدارس أدبية وبرزت أخرى، وهكذا كان الأدب أحد الأسلحة الثقافية للثورة ومُعبرًا عن أفكار تلك المرحلة الثرية بالأحداث، ويأتي هذا الكتاب راصدًا بإيجازٍ أهم ملامح الحياة الأدبية في زمن الثورة الروسية وما بعدها حتى الحرب العالمية الثانية.
13
في الأدب السوفييتي محمد كامل.pdf
650.4 KB
محتوى الكتاب:


مقدمة
الكتَّاب الذين كانوا قبل الثورة وحالتهم بعد سنة ١٩٢٤
كاتبان خياليان
كتَّاب الروايات
كتَّاب الحياة اليومية
كتَّاب الأدب الشعبي
أدب مشروع الخمس سنوات
10
قنوات مهمة وخاصة بعشاق الأدب الروسي (الإنساني) :


للدخول أضغط على
أسم الكاتب:
🔽

روائع الأدب الروسي ✔️
ليو تولستوي ✔️
أنطون تشيخوف ✔️
فيودور دوستويفسكي ✔️
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
9👏1🕊1
روائع الأدب الروسي
#كتب_تشيخوف _
الــطــرف الآخــر عــنــد تــشــيــخــوف
أحمد الخميسي


كتب معظم أدباء العالم القصص عما يحدث حين يقع شابان في حب بعضهما البعض، لكن أنطون تشيخوف الوحيد الذي كتب من زاوية أخرى، أي عما يحدث حين لا يحب شابان أحدهما الآخر! كانت لديه موهبة أن يرى الأشياء والظواهر من الناحية المضادة. وهكذا حين عاش ذلك الأديب العظيم كانت الموجة الفكرية والفلسفية والأدبية السائدة تعرية الرأسمالية وشن الهجوم على الأثرياء بصفتهم مصدر الشر كله، بهذه الرؤية كتب مكسيم جوركي، وأرسكين كالدويل، وجورج أوريل، وألدوس هكسلي، وغيرهم. أما تشيخوف فقد التقط الطرف الآخر، الجهة الأخرى، فكتب قصة "البدين والنحيف"، و"موت موظف"،و" المغفلة"، في الأولى يلتقى أصدقاء الطفولة بعد عشرين عاما عند محطة قطار، يتعانقان، يتبادلان الحديث كرفاق مدرسة واحدة، وخلال الحديث يكتشف أحدهما وهو النحيف أن صديقه أصبح موظفا كبيرا في الدولة، فيبدأ النحيف الذي مازال موظفا مغمورا فقيرا في تملق الآخر. يتعجب صديقه الثري من تحول لهجة ولغة صديقه، ويتأسف كثيرا لذلك، ويفترقان. هنا يقول تشيخوف أن المأساة ليست في الأُثرياء أو الأقوياء، أو ليست فقط في ذلك، بل إنها في ضعف الطرف الآخر، وخنوعه، وخوفه. في قصة " موت موظف" يعطس موظف صغير في قفا جنرال جلس أمامه في حفل بالأوبرا، فيعتذر للجنرال الذي يتقبل الاعتذار ويعتبر ان الموضوع انتهى، إلا أن خوف الموظف الصغير يدفعه إلى مواصلة الاعتذار والتأسف وابداء الندم حتى يطرده الجنرال الذي يرى أن الموضوع لا يستحق كل ذلك! مرة أخرى يشير تشيخوف إلى الطرف الآخر، فلم يكن العيب في الجنرال، الذي تقبل العطسة والاعتذار بصفتهما من الأشياء الاعتيادية التي قد تحدث في الحياة، المشكلة أو العيب كان في خوف الموظف، في رعبه، في جبنه، حتى أنه يتجه إلى منزله ويرقد على سريره ويموت! في قصة تشيخوف الثالثة " المغفلة" تطرق خادمة باب حجرة سيدها لتحصل على أجرها الشهري وهو ستون روبلا. يقول لها السيد صاحب البيت إنها حطمت فنجانين ولهذا سيخصم منها ثلاثة روبلات، فتوافق مدهوشة لأنها لم تحطم أي شيء، ثم يضيف أنها لم تتنزه مع الطفل يوم الأحد ولهذا سيخصم من راتبها خمسة روبلات. تتلجج المسكينة وتحاول أن تنفي ما قاله، لكنه يؤكد لها أن كل شيء مسجل عنده. في النهاية يمنحها عشرة روبلات من أصل ستين، فتتسلمها ودموعها في عينيها وتكاد تنصرف، لكن السيد يستوقفها ويسألها : لماذا تقبلين بكل هذا الظلم؟ أنت تعلمين أنني خدعتك، وأنني كاذب؟ لماذا أنت ضعيفة هكذا؟. مجددا يشير تشيخوف بعبقريته التي لا تبارى إلى أن المشكلة لم تكن في صاحب البيت الثري، بل في ضعف الشغالة، وعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها، وقبولها بالظلم البين. فقط أنطون تشيخوف استطاع أن يرى أن المأساة ليست فقط في بطش القوة، ولكن أيضا وبالقدر نفسه في ضعف الحق. ليست المأساة فقط في عنف المستبدين ولكن أيضا في الضعف في مواجهة الطغاة. وستظل هذه النغمة تلمع من حين لآخر في أعمال ذلك الأديب العظيم، لتطرح السؤال بقوة، ليس فقط على المستوى الاجتماعي او السياسي، بل وحتى على المستوى الذاتي لدي كل فرد، فليست المأساة فقط في الظروف المحيطة بنا، بل وفي ضعفنا الشخصي، في أننا لا نستطيع أن نهزم الكسل، ولا نستطيع أن نضع خطة لحياتنا، وغير قادرين على تحقيق أحلامنا وتغيير الواقع. المأساة ليست فقط في الخارج، إنها أيضا في الداخل. في الطرف الآخر.
124👍7👏1
▪️ غوغول وأسلوبه الساخر من كل أنواع الفساد الاجتماعي
▪️ جاسم المطير


في يوم من أيام بدايات الكتابة الساخرة التي أظهرها غوغول ، بقوة ومهارة ، وهو ما زال كاتبا صغيرا في مسرحية " المعطف " قال تورجنيف قوله الشهير :
إننا جميعا خرجنا من معطف غوغول ..
في تلك الأيام كان تورجنيف يعني بـكلمة " إننا " كتابا كبارا من أمثال : غونتشارن ويسكيس و ديستويفسكي و تولستوي وتورجنيف نفسه .
أما بوشيكن فقال محذرا الكتاب الروس : يجب أن تكونوا حذرين مع هذا الروسي الصغير.إنه يسلبكم حقيبتكم بسرعة حتى أنكم لا تجدون وقتا لطلب النجدة.
لم يكن ما قاله تورجنيف أو بوشكين غير صياغة رأي معتمد لنهج غوغول القادم من أعماق المجتمع الروسي لـ"يسخر " من السفاهة والظلم والانحلال والحيرة والقمع والاستغلال والضلال ومن كل من عميت بصيرته من المتسلطين على المجتمع لنشر شرورهم وفسادهم ومفاسدهم . فقد كانت إعمال غوغول الأدبية جميعها خوضا جريئا في بحر الوقائع والحقائق داخل المجتمع القيصري الروسي ، إذ اشتغل في تلك الأعمال الساحرة ، لغة وأسلوبا ، استنادا إلى موهبة الجمع بين منطقي الفلسفة والسخرية ، مما اوجد تحركا لاحقا في الأدب الكلاسيكي العالمي عن كون ظاهرة الأدب الإنساني وظاهرة الكلمة الساخرة مترابطتين استنادا إلى وجودهما في تركيب وصياغة أفكار اغلب الأعمال التي أنتجها نيكولاي غوغول ، الأديب الروسي ، الذي امتلك معيارا كبيرا في مدارات الأدب الإنساني العالمي فهل اكتشف الآخرون هوية غوغول الساخرة قبل أن يكتشفها هو ، أم أن ما قاله عنه بوشكين وتورجنيف كان استنتاجا ببزوغ حضارة أدبية من نوع ما في الثقافة الروسية الصاعدة آنذاك ..؟ اعني به نوع الأدب الساخر .
في هذه المقالة أبين، بتركيز شديد ، مظهر الصياغة الجديدة التي جاء بها أدب غوغول عند وقوفه على أعماق مأساوية الحياة الإنسانية ، مذكرا القراء انه مرت اليوم الذكرى المئوية الثانية لميلاد هذا الكاتب العظيم ، الذي غدت أعماله المسرحية والقصصية ومجمل أفكاره بمثابة برنامج عمل ثقافي وخريطة طريق الأفكار الأدبية لكثير من الأجيال العالمية التي جاءت بعده ، فقد كان غوغول مصورا نظريا لإيجاد العلاقة المتبادلة بين النص السردي ووظائف اللغز التي تستند إلى مقولات ايجابية ذات أساليب ساخرة ، كما عهد إلى نفسه بأساليب إلزامية هدفها خدمة الوطن والشعب . ليس هذا القول خلاصة من عندي أو من احد غيري وليست عرضا مجردا لبعض صفات غوغول الإبداعية التي أوجدت كنزا أكثر إنسانية في الأدب الروسي وفي الأدب العالمي كله بصورة مختلفة تماما عن الثقافات النظرية والتجريدية التي كانت تحفل بها الطبقات العليا المرتبطة بالقصور الحاكمة . لقد قدمت لنا قواعد المعرفة الموضوعية للدراسات الكثيرة في تقييم أدب نيكولاي غوغول أن هذا الكاتب احترم نفسه وفنه منذ نعومة أظفاره حين دعا نفسه بنفسه إلى تأسيس أدب جديد ، أدب تطبيقي عن واقع اجتماعي مر قرر أن يكشف مفاسده بقلم السخرية وبكلام السخرية وبمشاهد السخرية ليكشف من خلال ذلك أيضا حجم الأضرار الناتجة بحق الشعب من قبل سلطات تعسفية ، كبيرة وصغيرة ، دنيا وعليا ، في الهرم الحاكم . المراجعات حملت إثباتا واضحا منذ نعومة أظفاره حين تضمنت إحدى رسائله لأمه كيف انه اكتشف نفسه بنفسه واكتشف صفاته بنفسه أيضا وكيف اوجد منذ طفولته هدفا تفضيليا لعطائه المستقبلي إذ ورد في تلك الرسالة : (( يعتبرني الجميع غريبا، لغزا ، لم يستطع أحدهم فك رموزه. لكِ أن تسمينني كيفما تشائين. ولكن، ثقي أن المشاعر النبيلة تملأ دائما كياني، وصدقي أنني سأبقى طول عمري نصيرا للخير. )) .
هل كان غوغول غريبا حقا ولغزا يصعب فك رموزه كما يشير إلى ذلك بعض الباحثين الروس عن أدبه ..؟ هل ظل على وعده لأمه بأن يبقى طول عمره نصيرا للخير ..؟
الغالب أن وعده لامه ولنفسه ظل ممثلا لإيمانه ولتطلعاته إلى جعل حماسته الأدبية جزءا من ثقة قراء الأدب في روسيا وفي كل مكان بأدب نيكولاي غوغول الساخر الذي استطاع منذ نعومة أظفاره أن يجعل الشعب الروسي محدقا بأدبه البكر ، الذي كانت كل حركة فيه وكل تعبير في سطوره وكل كلمة صادقة قادرة على التفاعل مع القارئ وإنهاض جدله ، ليس فقط في المحافل والمنتديات ، بل حتى في شوارع المدن الروسية حين أرهق غوغول أدبه

1
11🔥1
بنصرة الخير والدفاع عن المظلومين في المجتمع القيصري الذين كانوا يعانون المهانة والإذلال تحت أقدام الطغاة من الحاكمين والبوليس وحتى من رجال الكنيسة .
منذ بداية نشاطه الأدبي أدرك غوغول أن تفكيره ونمط حياته اوجدا عنده انفصالا وقطيعة بينه والدولة بينه والسلطة فقد وعى أن السلطة عالم شرس غريب وانه لن يستطيع تجاوز هذه العلاقة إلا من خلال السخرية برجل الدولة الذي لا يجد سعادته في العالم بغير ظلم الناس وقد كتب ذات مرة يقول : (( لقد رأيت أن العمل في هذا الميدان سيكون الأقرب إلى نفسي.. إن جور القضاء والتعاسة الكثيرة في عالمنا تمزق قلبي أكثر من أي شيء. )) .
هنا نجد في كلماته البسيطة ارتباطا وثيقا بين القضاء والتعاسة ، أي بين السلطة القيصرية والتعساء الذين هم فقراء أبناء الشعب .
مرت اليوم الذكرى المئوية الثانية على ولادة هذا الكاتب وهو يستحق المزيد من الدرس والتمحيص لكشف موهبته العظيمة في معرفة أمزجة الناس وأهوائهم ، وخياراتهم الحرة ، وقسرهم ، واستغلالهم ومفاجأتهم في الحياة والمجتمع ، وغرائزهم الدونية والإنسانية ، وقدراتهم الكاريزمية وغيرها من الصفات المؤثرة ، مباشرة أو بصورة غير مباشرة ، على العلاقات الإنسانية وعلى تغيير النفوس الإنسانية وعلى المساهمة في تغيير العالم أيضا .
ولد نيكولاي غوغول في 19 اذار سنة 1809 من أسرة متواضعة عاصرت عهد الإقطاع القيصري الذي كان يعصف بروسيا وقتئذ وقد كان لانحداره العائلي اثر كبير على رحلة حياته الادبية التي لم تستغرق طويلا لكنها فاجأت الساحة الأدبية الروسية ليس فقط بإنتاج غزير بل بالتنوع والتركيز والتعدد في الافكار وفي الاساليب التي حددت فيها تأثيرات انحداره العائلي على ظواهره الأدبية وعلاماتها الفارقة المتميزة بمكنونات التحديث والتجديد :
أولا : كان انحداره من أسرة أوكرانية عريقة ظهر أسمها في تاريخ روسيا الصغرى منذ القرن التاسع عشر مقترن بشخصية جد محارب هو ( أوستاب غوغول) الذي قاد القوقاز في معاركهم ضد البولونيين وأدت إلى انضمام أوكرانيا إلى روسيا القيصرية. هذا ما دفع نيكولاي غوغول الى البحث في تقاطيع التاريخ الروسي وكشف الحقائق عنها في مسرحياته وقصصه .
ثانيا : تركت الثقافة البولونية أثرها على حياة الأسرة فاعتنقت الكاثوليكية وهذا ترك دورا في ثقافة غوغول نفسه .غير أنها ما لبثت أن عادت إلى الأرثوذكسية. وكان الجد الأسبق نيقولا غوغول راهبا وقد قدم التسلسل العائلي موضوعات هامة لغوغول كانت كفيلة بتوفير موضوعات شاملة لفتت نظره الى تعددية بحثه في العلاقة بين الميتافيزيقيا والواقع الاجتماعي المر . كان يسطر الكثير من الرسائل إلى أصدقائه وأمه يحدثهم عن همومه الشخصية. ومنها قوله: لقد تتبعت الإنسان من المهد إلى اللحد فلم أجد في ذلك ما يمنح السعادة.إن قلبي يتعذب حين أرى خطايا الناس . إنهم يتحدثون عن الفضيلة وعن الله ومع هذا لا يفعلون شيئا. أريد أن أساعدهم ولكن... قلائل لأولئك الذين يملكون من الذكاء المشرق ما يتيح لهم أن يتبينوا حقيقة كلماتي.
ثالثا : لم تكن مسيرة حياته الدراسية والتعليمية الأولى منتظمة رغم أن طفولته كانت متميزة بالحيوية والنشاط والرغبة بقراءة الكتب والتعلم منها فأرسله أبوه إلى المدرسة مع أخيه الأكبر وهو في سن العاشرة. مات أخوه . وعاد وهو يعاني من مرض أضطره إلى الانقطاع عن الدراسة طوال السنة . وفي العام التالي أرسل إلى مدينة صغيرة تدعى بيجن حيث أتم فيها الدراستين الإعدادية والثانوية خلال سبعة أعوام. ولم يكن في سلوكه المدرسي ما يدل على موهبة سوى تفوقا ملحوظا في درس الديانة.
رابعا ً : لعبت الصدفة دورها في تنمية ثقافته حين تعرف خلال فترة دراسته في الثانوية
على احد أقارب أمه وهو النائب الثري تروتنشكي. والذي كانت لديه مكتبة كبيرة أتاحت لغوغول الفتى أن يجعل منها ومن مطالعة محتوياتها هوايته المفضلة. ولم تمض فترة حتى أصبح يتحدث عن موجة الشعر الحديث في ذلك الحين والتي يمثلها بوشكين وجوكونسكي وباتيوشكوف.
رابعا : شيء آخر ساعده وشجعه على التعاطي مع العمل الإبداعي هو نشوءه داخل ساحة منزلية ثقافية ساعدته في تبادل التأثير مع والده الذي كان مولعا بالمسرح والأدب ، مما اوجد عنده منذ البداية مقدمة مشابهة ، فربطته في الحال قرابة فكرية – فنية مع هذا النوع من الأبوة الراغبة أن يكون الابن غوغول فرعا منها ومن معانيها ومن حساسيتها . أراد الأب أن يربي أبنه على هذا العشق الذي يستمد عنفوانه من (( الإحساس العالي بمسؤولية الحرف وعذابه )) فأرسله إلى مدرسة " بولتافا " ثم إلى كلية الآداب في مدينة نيجين التي قضى بها حوالي سبع سنوات ساعدته على قراءة روائع الأدب العالمي ونتاج السوق الثقافية الروسية آنئذ، وخلال هذه الفترة اشترك في تحرير المقالات لمجلة الكلية وإحياء الأنشطة الثقافية والمسرحية خصوصا لعبه لدور البطل في مسرحية " الجاهل " لفوغيزين .

2
9
كان من سوء حظ غوغول أو ربما حسن حظه أنه نشر عمله الأدبي الأول الذي كان قصيدة أو أسئلة عن مصير الإنسان في مجلة " النحلة الشمالية " في مدينة بترسبورغ فقوبلت بالسخرية اللاذعة، الشيء الذي جعله يشتري نسخ القصيدة من المكتبات ويسلمها للنار كما سيفعل لاحقا قبيل مماته بأيام قليلة، غير أن هذا الحدث لم يكن إلا حافزا قويا يجعل حياة غوغول الأدبية (خلال عمره القصير البالغ ثلاثة وأربعين عاما) حافلة بالروائع التي هزت روسيا من أقصاها إلى أقصاها مؤكدة عمق موهبة هذا الكاتب وأصالته وحبه لوطنه . (( في خريف عام 1828م, رحل إلى بترسبورغ وأكتشف هنالك افتقار الأدب الروسي إلى الأجواء التي يمثلها الشعب الأوكراني في تقاليده وأساطيره وقصصه وأغانيه وفنونه.فنشر مخطوطة من الشعر القصصي باسم مستعار(ف ــ أفلوف) متوقعا أن تحدث ضجة. وفوجي بأنها لم تلق أي اهتمام وكتب عنها اثنان من النقاد المرموقين تحت عنوان : " متأدب ناشئ لا يجيد كتابة الشعر". وكانت صدمة عنيفة مست كبريائه في الصميم. فأستعاد جميع النسخ وحرقها..)) .
هل كانت صدمة هذه السخرية الأولى التي واجهها غوغول من نقاده دافعا له إلى أن يكون هو أيضا كاتبا ساخرا ..؟
هل أحدثت السخرية بقصائده تحولا مباشرا في عملية إبداعه إلى ترك نظم الشعر ..؟ خاصة بعد ظهور كتابات نقدية ايجابية لباكورة قصصه " أمسيات قرب ضيعة ديكانكا " التي لاقت نجاحا كبيرا لكونها جسدت حالة مواءمة مبدعة بين العالمين الروسي والأوكراني، وتجلت فيها عمق معرفة الكاتب بالثقافة الأوكرانية الفلكلورية. وتفتحت موهبة غوغول على فن جديد يتمثل في السرد بلغة عذبة وبأسلوب يمزج بين " الفكاهية اللاذعة " و" الخيال الخصب ". هذه المجموعة من القصص – رفعت غوغول إلى مصاف كتاب روسيا الكبار حتى أن بوشكين نفسه أعرب عن إعجابه الشديد بها. ثم جاءت مسرحية "المفتش" لتعزز الأسلوب الساخر لدى الكاتب بعمق.
رغم أنني أجد إمكانية الفصل بين الغرضين من أسلوب السخرية ــ اقصد بذلك سخرية النقاد بقصائده الأولى وسخريته من الإقطاعية ــ لكنني لا استبعد احتمال امتلاك غوغول لناصية النقد الساخر ، نوعا ً وكما ً ، من خلال رؤيته الثاقبة في تحليل السخرية ب" شعره " ليتحكم بـ" أدبه " اللاحق كله بنموذج ساخر رائع ومؤثر في المعالجة الاجتماعية .
يرد أمامي سؤال آخر : لماذا أحرق شعره بيديه حينما سخر النقد من شاعريته ..؟ هل أراد بذلك أن ينقطع عن الشعر وان يجد بديلا له كبداية لمرحلة كبرى في الكتابة القصصية والمسرحية . أظن أنه كان يبحث عن مقاصد معينة لتحديد هويته الأدبية . كان يبحث عن مسارات فكرية مجسدة بأسلوب خاص في إبداعه النثري لكي يتيح لقرائه ومحبيه النظرة النقدية للأوضاع القائمة في أيام الحكم القيصري بما فيها من صعوبات ومواجهات ومقارعات متضمنة ظلم العلاقة بين السلطة والشعب ، بين الفرد والمؤسسة الاقطاعية والكنيسة . لا اشك أن لكل تغيرٍ أساليبه ومفاهيمه ودوافعه ، وليس من المستبعد خضوع تجربة غوغول لها أيضا رغم انه كان يحب الشعر وشديد الإعجاب بالشاعر الروسي بوشكين الذي ارتبط معه بصداقة قوية مبنية على الثقة وعلى الاحترام رغم اختلاف نمط حياة كل منهما ، إذ كان غوغول مستاء من حالة انغمار بوشكين في شرب الخمر ولعب القمار ، معتقدا ان هذا الانغمار يؤثر بالضعف والهزال على نتاج الشاعر ، لكن نصائحه لم تجد نفعا مع بوشكين الذي كان نجمه صاعدا في الساحة الأدبية الروسية إلى حدها الأقصى حتى بلوغها قرص الشمس .
أقيم أول عرض لـمسرحية " المفتش " عام 1836 في المسرح الإمبراطوري بمدينة سان بترسبورغ. وهي مسرحية ساخرة تتعرض بالنقد المتهكم للموظفين الفاسدين المعتاشين على الاختلاس والرشوة. وقد أسقطت المسرحية كثيرا من الأقنعة عن الوجوه الإقطاعية ، فقد تعرضت للنقد اللاذع إلى حد أن السلطات منعت باقي اعمال غوغول من النشر لفترة طويلة فاضطر لمغادرة سان بترسبورغ متوجها إلى إيطاليا حيث قضى سنوات عديدة في منفاه .
في مسرحية "المفتش" يعري غوغول معاصريه ويكشف عن أعماق محيطه، فيصور العوالم الداخلية لموظفين شباب بسطاء تخيلوا أنفسهم أنهم عباقرة. في هذه المسرحية قدم غوغول مشاهد متحركة داخل المجتمع الروسي بتفاصيل غريبة وساخرة حين يصل شاب إلى مدينة روسية نائية قادما من سان بترسبورغ. تستقبله السلطات المحلية بوصفه " المفتش العام " إذ كانت تنتظر بالفعل قدوم مفتش كان يتوجب عليه أن يحل في المدينة.
يصبح هذا الشاب مرغوبا فيه لدرجة العبادة من بعض العائلات والمتسلطين . تفتح الأوساط المخملية أمامه الأبواب الموصدة على من سواه حتى يسمح له بمغازلة زوجة وابنة حاكم المدينة.
يستغل الشاب حماقة الإقطاعيين ووضاعة نفوس الموظفين الذين استقبلوه كمفتش. ولكن يرسل قبل سفره خطابا إلى صديق له يكشف فيه حمق أهل المدينة. وما أن يفتح مدير البريد الرسالة ويقرأ ما فيها حتى يذهب إلى حاكم المدينة وينذره بالفجيعة.

3
9
يأخذ الموظفون يتصارعون فيما بينهم بعد أن ينكشف أمر الشاب – المفتش – ويبدؤون بتبادل الاتهامات لكن القضية برمتها تحسم بشكل نهائي لدى دخول الخادم الذي يعلن أن المفتش المنتظر قد حل فعلا في المدينة..
هذه المسرحية تدور أحداثها حول " الفساد " الذي كان غائرا جدا في المجتمع الروسي والذي ينتج أسيادا وعبيدا تستلب منهم إنسانيتهم، وقد قدمت هذه المسرحية في أول عرض لها على خشبة المسرح الملكي في التاسع عشر من أبريل 1834، ويقال أن القيصر الذي تابع العرض هتف بعد انتهائه قائلا : الجميع ملومون وأنا أولهم.. ! .

أتيح لغوغول العمل كموظف حكومي براتب ضئيل. لكن هذه الوظيفة ساعدته على الصعود السريع وإثارة انتباه القصر الإمبراطوري حيث اعتنى به بعض رجالاته كما اعتنت به الإمبراطورة نفسها التي أعجبتها بعض كتاباته ومواهبه وهدوئه فساعدته بالتوسط لنقل وظيفته إلى ( المعهد الوطني لدراسة التاريخ ) حيث اغتنى بالكثير من المعارف إذ كان ميله للتاريخ قد أصبح عنده أكثر من ميله للفلسفة والنظريات والتجريدية الأدبية وقد وجد نفسه مع هذه الميول مرتبطا بالتاريخ الذي ساعده في ما بعد إلى استخدام بلاغياته وأحداثه في وضع القيم الأصيلة لآدابه وفنونه كلها . عموما يمكنني القول أن غوغول اوجد لنفسه قاعدة معرفية خاصة بفنونه ، ملحا ًعلى استخدام أسلوب خاص يقوم على السخرية كسبيل لإدانة كل اعوجاج في العلاقات الاجتماعية . في عام 1832م نشر كتابه (سهرات الضيعة) فكان من " الأحداث الخارقة " في تاريخ الأدب الروسي وقد أعاد صدى هذا الكتاب تقديرا لغوغول في الأوساط الأدبية الروسية بما فيها وساط النقاد الكبار ثم تفاعلت وتداخلت أعماله اللاحقة في اتجاهات مختلفة لتحقق له نتيجتين ايجابيتين . الأولى : هي الشهرة السريعة بنطاق واسع ، والثانية هي الاستقرار المالي .
غير أن هاتين النتيجتين لم تستطيعا تخليصه من حالة سأم تسربت إلى داخله من حياة روسيا المليئة بالتناقضات التي كان يعيشها هو شخصيا في هذه الفترة من تطوره ونجاحه فراح يفتش عن بيئة أخرى يحيا فيها بنوع من العزلة والبساطة متفرغا للكتابة التي يشعر بغزارة انطلاقها في أعماقه . كانت فترة صعبة ومعقدة في حياة غوغول وكان يسوده نوع من شعور انه ربما يتوقف عن العطاء لو استمر من دون تغيير " المكان " الذي يحيا فيه متجها بنوع خاص نحو اعتبار " تاريخ " التطور الإنساني معرفة ضرورية لا بد منها لتغيير حياته وصارت عنده رغبة لدراسة التاريخ وتدريسه .
وبدأ يشعر بالحنين إلى ذويه . فالشهرة والاستقرار المادي لم يبعثا في حياته إلا القليل من الطمأنينة . ولذلك عاش في تقشف وزهد. وبعد شعور من هذه المعاناة التي كان غوغول يدعوها بالكارثة في حياته التي يشعر بأنه أصبح عاجز عن العطاء. شرع في كتابة مجموعته القصصية الثانية ( ميغورود). إلا أنه كان يعتبر التاريخ العام هو الشيء الأساسي وما عداه لا أهمية له. ولذلك صمم على تدريس التاريخ. فطلب من صديقه ماكسيموفيتش الذي يدرس علم النبات في جامعة موسكو أن يعمل على تعيينه مدرسا للتاريخ في جامعة كييف. فكان له ما أراد لأن شهرته طارت في الآفاق. وخريف 1834م ألقى أول محاضرة كانت مثارا للدهشة والإعجاب. لكن رغم بلاغته في الأداء وحرارة عباراته غير أن محاضراته التالية بدأت تفقد تأثيرها. ومع هذا دعا بوشكين إلى حضور إحدى محاضراته وكانت عن الخليفة المأمون وعصره فحاز على إعجاب بوشكين الذي وجد فيه معلما نموذجيا للتاريخ.ومع هذا فغوغول بدأ يسأم من مهمته ويتذرع بالمرض إلى أن علقت الجامعة محاضراته في نهاية عام 1835م. لكن خلال هذه الأعوام الثلاثة المضطربة من حياته (1832ـــ1835). أنجز عددا من القصص الرائعة كروايته (تاراس بولبا) و(زخارف عربية) و(ميغورود) و (اللوحة) و(المعطف).
كذلك فإن غوغول كان يرغب في أن يصبح ممثلا في المسارح الإمبراطورية ربما تحت توجيه من والده وقدم فحصا عام 1830م رسب فيه دون أن ينبئ أحدا.ولكي يثبت جدارته كاتبا كوميديا فأنه أتجه فورا إلى كتابة المسرحيات مثل (سان فلادمير) و( الخاطبون) والتي حور فيها بعض المشاهد ودعاها(الزيجات). وأرسلها إلى بوشكين عام 1833 ليبدي رأيه فيها فأعادها إليه في خريف 1835م مع توصية بتمثيلها. وبسبب تسلط الرقابة على المسرح فلم يتمكن من عرضها إلا في 19/4/1836 وبعد تدخل من القيصر الذي حضرها وأوصى جميع وزرائه بضرورة مشاهدتها. ثم سافر إلى ألمانيا وسويسرا وباريس و روما. وفي روما تلقى النبأ الفاجع بموت بوشكين في مبارزة. وفي خريف عام 1841 غادر روما إلى موسكو وهو يحمل الجزء الأول من مخطوطته ( النفوس الميتة) والتي بقيت رهينة أجهزة الرقابة حتى 21/5/1842 لكنه أنجز رواية ( النفوس الميتة) كاملة في أوائل عام 1850 .

4
8
(( الوقوف إلى جانب الخير نصيرا له )) . هذا هو مبدأ من المبادئ الأساسية التي آمن بها والتزم بها ، قولا وفعلا ، نيكولاي غوغول و حفزته إلى التفكير جديا بممارسة مهنة" المحامي " للدفاع عن المظلومين واستعادة حقوقهم المغتصبة أيضا خاصة وأنه انشغل بفكرة العمل في مجال القضاء والتشريع.
كتب غوغول ذات مرة يقول: لقد رأيت أن العمل في الميدان الحقوقي سيكون الأقرب إلى نفسي.. إن جور القضاء والتعاسة الكثيرة في عالمنا تمزق قلبي أكثر من أي شيء.

لكن غوغول لم يستطع مزاولة أي نشاط في هذا المجال، فما أن أنهى المدرسة حتى أصبح يشتغل موظفا في مدينة سان بترسبورغ فقد انغمس في مهنة التعليم حيث عمل مدرسا في معاهد المدينة ثم في جامعتها حتى خاب أمله في ممارسة إي نوع من الخدمة في مؤسسات الدولة.
بمعنى ان كل الوظائف والاهتمامات الأخرى تضاءلت في أعماق غوغول حين وجد نفسه ان قلمه وعقله قادران على الوفاء بكل التزاماته لنصرة الخير والدفاع عن المظلومين من خلال ممارسة مهنة الأدب وخاصة مع بدء حيازة كتاباته الأولى على اهتمام كبير في الأوساط الثقافية الأدبية.
كان غوغول يمتلك موهبة البحث الدائم عن وسائل أدبية أرقى كي يستطيع بها المرور في غابات النظام الإقطاعي والدولة الفاسدة وكشف معاناة الناس فيها لتحقيق هدفه في نسف الفساد في الواقع وفي الدعوة إلى تغييره من خلال أعماله القصصية والروائية والمسرحية ، التي لا تغيب عنها محاولاته في تجديد أساليب ومناهج تصوير وتحليل الواقع الاجتماعي مبتعدا عن الرومانسية التي كانت سائدة آنذاك في الأدب الروسي. استطاع خلافا لمعاصريه من الكتاب أن يكتب عن " الحياة المعاصرة " ويجعل من بسطاء عصره ومن الفقراء المعدمين أبطالا.
هذا ما نراه جليا في قصته "المعطف"، وتحديدا في شخصية بطلها أكاكي أكاكييفيتش. وأثرت قصة المعطف أساليب القص الفني في الأدب الروسي والعالمي وأثرت فيه إلى حد أن دستويفسكي اعاد القول عنها: حقا إننا خرجنا جميعا من "معطف" غوغول..

المعطف ليست مجرد قصة فيها اشتقاقات اجتماعية متشعبة مضمرة في مجتمع روسيا في تلك الأيام ، بل هي خلاصة تجربة إبداعية مهمة في دعوة القراء والمشاهدين إلى تأويل عناصرها وأبعادها مستخدما قياسات فنية – فكرية عالية المستوى حين تبدأ القصة بأن صديق أكاكي أكاكييفيتش ينصحه بشراء معطف لأن منظره بمعطفه الباهت غير لائق. وأكاكي أكاكييفيتش عجوز وحيد لا تجد السعادة في بيته وحياته مكانا لها. يفكر أكاكي أكاكييفيتش في خياطة المعطف الجديد بضعة أشهر. أخيرا يشتري قماشا لخياطة المعطف ويصبح انتظار خروج المعطف من آلة الخياطة بالنسبة إليه سعادة كبيرة لا توصف. حين خرج المعطف، وخرج أكاكي أكاكييفيتش إلى عمله بالمعطف الجديد وبدأ زملاؤه يمدحون المعطف، غمرته السعادة، وأصبحت للحياة نكهة جديدة لم يعهدها.
تملأ السعادة نفس أكاكي أكاكييفيتش حين يدعوه رئيسه إلى بيته للاحتفال بالمعطف الجديد. لكن سعادة الرجل تقتل على أيدي سارقين تعرضوا له في الطريق واغتصبوا منه معطفه الجديد.
بعد إلحاح على رؤسائه ورجال البوليس من أجل استرجاع المعطف الجديد المسروق، وبعد أن تيقن أكاكي أكاكييفيتش أنهم لن يرجعوا إليه سعادته (أي معطفه المسروق) فهم من هذه الواقعة أن المعطف لم يعد لازما وأنه أصبح مدعاة للسخرية، ولم تستطع روحه تحمل هذه الإهانات فمات..
أصبحت قصة "المعطف" مثالا فنيا كشف أيضا عن سر ولغز شخصية غوغول الإبداعية التي أذهلت القارئ بروحها الإنسانية وتعاطفها الحاد مع هموم الإنسان البسيط الكادح ومحنه. لكن روايته الخالدة "النفوس الميتة" عززت هذه اللغزية، مما دفع الناقد غيرتسين للقول: "لقد زلزلت رواية " النفوس الميتة " روسيا كلها. وقد اقترح بوشكين على صديقه غوغول فكرة كتابة هذه الرواية لكن لغز جزئها الثاني مات مع الكاتب الذي رحل في الرابع من آذار (مارس) عام 1852. فقد أحرق غوغول مخطوطته عام 1845 لعدم رضاه عنه وبتأثير من أحد رجال الدين .
استمر غوغول في معظم أعماله بتوجيه النقد الساخر إلى كل ظواهر المجتمع الإقطاعي – القيصري كاشفا بصورة عميقة أسباب وظواهر الفساد والاستبداد المنتشرة في المجتمع الروسي الواسع الأرجاء وقد قال عن روايته " النفوس الميتة " : ربما أكون قد أغضبت بعض من يدعون الوطنية، الذين يقبعون قرب النار مهتمين بأعمالهم الصغيرة التافهة ويزيدون ثرواتهم، ويبنون سعادتهم على حساب الآخرين، ولكن ما إن يقع حدث يسيء في رأيهم إلى الوطن وما إن يصدر كتاب يعرض لحقائق قاسية حتى يهتزوا ويجن جنونهم كالعناكب حين ترى ذبابة عالقة بخيوطها ويصيحون: ما الفائدة من كشف هذه الأمور؟ إن هذا كله يتعلق بنا فقط.. وماذا سيقول الأجانب؟ إنهم سيكونون رأيا سيئا عنا.. يا للمصيبة! لقد انعدمت الوطنية ..!

5
9
نجد من خلال وفاة غوغول عام 1852 مقدار الطبيعة الحاقدة لصحافة النظام الإقطاعي القيصري على هذه العبقرية الروسية الفذة فعندما مات هذا المبدع لم يسمح لأي صحيفة بنشر نبأ وفاته وهذه هي قمة الجحود والإقصاء إلا أن تورغنيف أبى أن يمتثل لهذا الأمر السخيف فقال:
(( مات غوغول
أي نفس روسية لا تحضرها هاتان الكلمتان )) .
غير أن هذه الكلمات العميقة لم تمر دون موقف متصل بالحقد إذ سرعان ما هوجم تورجنيف بالمخلفات الفكرية الرجعية للنظام القيصري وقادته هذه المهاجمة إلى المنفى ليجازى بمعاناة شديدة لأنه نشر نبأ موت غوغول ، وبالرغم من ذلك فقد كانت روح غوغول الساخرة مرفرفة باستمرار في جميع الأنحاء الروسية بل في العالم أجمعه لما تنطوي عليه كتاباته من حس فني في التصوير وإبداع كاريكاتوري في التهكم الأسود من خبث الواقع وخذلانه، مات غوغول فعلا ولكن " لمفتش " و " النفوس الميتة " ستظلان وإلى الأبد نموذجا مثاليا لتعرية الفساد ومقاومته.. هذا الفساد الذي يهتف الجميع بضرورة استئصال جذوره ..!!
أما اليوم 2 – 4 – 2009 فان روسيا كلها تمجد غوغول وتعيده إلى واجهة الثقافة الروسية من جديد عبر إنتاج فلم تاريخي ضخم عن مأخوذ عن رائعته "تاراس بولبا" للمخرجِ الروسي الشهير فلاديمير بورتكو. وتـُـعدُ هذه التجربة تحـدّياً بكل المقاييس لهذا المخرج المخضرم في التصدي لواحدة من أشهر إبداعات الكاتب نيقولاي غوغول الذي يـُعد قمةً في الأدب الروسي.


بعد ثلاثِ سنوات من العمل المتواصل، وبمشاركةِ ألف ممثل، بينَهم نجومٌ من السينما الروسية، حيثُ سُخر لهم أكثرَ من ألفي زي تاريخي، أُنجز أخيرا فيلم " تاراس بولبا ". هذه تحكي القصة عن فترةٍ صعبة من تاريخ شعب القوزاق حين هبَ أبناؤه للتصدي لهجمةِ النبلاء البولنديين. ومن قلب الصراع ظهرت عائلة القوزاقي "تاراس بولبا" لتسطـُر فصولَ الملحمة ،ولكن ليس بمعزلٍ عن الرياحِ الدرامية التي ستعصِف بأفراد هذه العائلة. إذ يقع الإبن الأصغر أندريه في غرام أميرةٍ من الأعداء فينتقل إلى صفوفِهم، فيما يَعدِم العدو الابن الأكبر أوستاب، وهو المصير نفسُه الذي يقع فيه الأب تاراس بولبا ولكن مرفوعَ الهامة.
اختم مقالتي بالقول أن مسار أدب غوغول يعلم الأجيال كلها ، وفي العالم كله ، أن تمارين الكتابة الإبداعية يجب توجيهها ضد الفساد والفاسدين الرجعيين والخرافيين المتسلطين على رقاب الناس الفقراء لأن مثل هذه التمارين تملك قوة سحرية تحرك المجتمع وأبنائه، خاصة إذا كان الكاتب مثل غوغول تلميذا مخلصا بروح التواضع التام حين كشف نفسه في رسالة كتبها إلى الشاعر جوكونسكي: إن ما تتميز به أعمالي عن آثار الكتاب الآخرين هو أن الجميع يستطيعون أن يحكموا عليها ، جميع القراء دون استثناء ، ذلك أن هدفي من هذه الأعمال حياة جميع الأنام وجميع الناس. ما من شيء عندي أثمن من معرفة أخطائي ومظاهر ضعفي. بذلك يصبح الإنسان متفوقا على نفسه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6
11
هذه أعظم وأهم تجميعيات القنوات على تيليغرام 👍⬇️⬇️⬇️


1⃣المجموعة الأولى – قنوات الكتب الصوتية
قنوات مميزة لكل من يريد استغلال وقته بالاستماع إلى الكتب المسموعة والاستفادة منها في أي مكان وزمان.
⚫️https://t.me/addlist/8uNL6_7lUHUzMTkx

2⃣المجموعة الثانية – قنوات الفكر والمعرفة
هنا تجد قنوات تُخاطب العقول قبل القلوب؛ بعضها يضع نقاط المنطق على حروف الفكر، وأخرى متنوعة الفائدة بين الأدب، والدورات التعليمية، والفوائد التقنية.
⚫️https://t.me/addlist/MdWs2iAF3d00YzEx

3⃣المجموعة الثالثة – شخصيات أدبية وفلسفية
في هذه المجموعة ستصادفون عظماء الأدب الروسي مثل تولستوي، دوستويفسكي، وتشيخوف. وسيناجيكم رهين المحبسين، ويحدثكم غسان كنفاني، وتلتقون بذٰلك الذي كُتب على قبره: هذا الذي جعل الشباب يقرؤون!
⚫️https://t.me/addlist/LcBdrEeifm8xNmZh
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
8
أَشعرُ بِالسأمِ وبِالحُزن،
وَليس مَنْ أَمدُّ له يَدي
في لَحْظةِ نَكبةٍ روحية...
وَالأُمنيات!..
ما فائدةُ التمنّي عبثًا وَبِشكل دائم؟..
والسنونُ تَمضي ـ الأفضلُ مِن بين السنين...
أنْ أَهوى... وَلكن مَن؟..
لِبعضِ الوقتِ – لا يَستحقُ الأمر،
وأنْ أهوى إلى الأبد لَمستحيل...
.....
.....
وما العواطف؟
ـ عاجلًا أو آجلًا سيزول
أثرُها الحلو حين يتكلم العقل،
والحياةُ، إذا ما نظرتَ حولك بانتباه بارد ـ مُجرّدُ نكتةٍ فارغة وغبيّة...

قبل يومين من اليوم في عام ١٨١٤ ولد الشاعر الروسي الفذ ميخائيل ليرمنتوف الذي يُعتَبَرُ واحدًا من أرفع ممثلي القيم الروحية – الجمالية للثقافـة الروسية...
32🔥6💔5💯1🤣1
حماقات فلاديمير نابوكوف

جودت هوشيار


كان فلاديمير نابوكوف (1899- 1977) يكره معظم الكتّاب الكلاسيكيين وخاصة فيودور دوستويفسكي. زعم نابوكوف إنّ: “دوستويفسكي ليس كاتباً عظيماً، بل كاتب عادي، مع لمحات من فكاهة لا مثيل لها، والتي، للأسف، تتناوب مع أكوام طويلة من التفاهات الأدبية. ذوق دوستويفسكي الرديء، وتعمقه المستمر في نفوس من يعانون من عقد ما قبل فرويد، ونشوته على مأساة الكرامة الإنسانية المهدورة – كل هذا ليس من السهل الإعجاب به. أشعر بالاشمئزاز من طريقة أبطاله في الوصول إلى المسيح عبر الخطيئة”. هذه الطريقة التي يتبعها دوستويفسكي في غرس المسيح حيث يكون ضرورياً وغير ضروري”.

وقال عن إيفان تورغينيف: “تورغينيف ليس كاتبًا عظيماً، وإن كان لطيفاً جداً.عندما يبدأ بالحديث عن المناظر الطبيعية، يمكنك أن ترى مدى قلقه بشأن طيات عبارات بنطاله المكوية؛ وهو يعقد ساقيه، ينظر خلسةً إلى لون جواربه”.

حتى أنطون تشيخوف لم يسلم من تطاول نابوكوف على كبار الكتّاب الروس: “لم يكن تشيخوف ليكتب رواية طويلة حقًا – لقد كان عداءً سريعاً، لا مُثابراً. مع كل حبي لتشيخوف، لا بد لي من القول إنه، على الرغم من عبقريته الحقيقية، لم يُبدع تحفة درامية حقيقية”.

وتهجم على مكسيم غوركي قائلاً:” “أخلاقي مثل غوركي، أحد أولئك المثقفين الروس السذج والمضطربين الذين اعتقدوا أن إظهار القليل من اللطف والصبر تجاه الفلاح التاعس، نصف الجامح، الغامض، سيغير العالم”.

وعن بوريس باسترناك: ” “كمترجم لشكسبير، هو سيء للغاية. لا يُعتبر عظيماً إلا عند من لا يجيد اللغة الروسية. “دكتور جيفاغو” رواية ضيقة الأفق، خرقاء، تافهة، وميلودرامية، بمواقف نمطية، ومحامين حسيين، وفتيات غير قابلات للتصديق، ومصادفات عادية. باختصار، نثر باسترناك بعيد كل البعد عن شعره. أما الاستعارات أو المقارنات الناجحة النادرة، فهي لا تنقذ الرواية من لمسة الابتذال الريفي التي تميز الأدب السوفيتي. الرواية. مليئة بجميع أنواع الأخطاء
18🤣10🕊4💔3👍2
روائع الأدب الروسي
Photo
مكسيم جوركي
تأليف / بيتر كروبتكين
ترجمة / محمد رضوان




قلة من الكتاب رسخوا سمعتهم بهذه السرعة مثل Maxím Górky. نُشرت رسوماته الأدبية الأولى (1892-1995) في صحيفة إقليمية غامضة في القوقاز، وكانت غير معروفة تمامًا للعالم الأدبي ، ولكن عندما ظهرت قصة قصيرة له في مراجعة واسعة الانتشار ، حررها كورولينكو، فجأة جذبت الانتباه العام. إن جمال اسلوبه ، ولمساته الفنية ، والملاحظة الجديدة للقوة والشجاعة التي امتدت من خلاله، جعل الكاتب الشاب في الصدارة على الفور. أصبح معروفًا أن Maxím Górky هو اسم مستعار لشاب صغير اسمه A. Pyeshkoff ، الذي ولد عام 1868 في نيجني نوفغورود ، وهي بلدة كبيرة على نهر الفولغا ؛ أن والده كان تاجرًا أو حرفيًا ، وأن والدته كانت امرأة فلاحية رائعة توفيت بعد وقت قصير من ولادة ابنها ، وأن الصبي ، الذي أصبح يتيما عندما كان في التاسعة من عمره فقط ، نشأ في عائلة من أقارب والده ولا بد أن طفولة جوركي لم تكن سعيدة ، ففي أحد الأيام هرب ودخل الخدمة في باخرة نهر الفولغا، فيما بعد عاش وتجول على الأقدام مع المتسكعين في جنوب روسيا ، وخلال هذه التجوال كتب عددًا من القصص القصيرة التي نُشرت في إحدى الصحف في شمال القوقاز. أثبتت القصص أنها جيدة بشكل ملحوظ ، وعندما تم نشر مجموعة من كل ما كتبه حتى الآن في عام 1900 ، في أربعة مجلدات صغيرة ، تم بيع الإصدار الكبير بأكمله في وقت قصير جدًا ، واستخدم اسم Górky المكان - للحديث عن الروائيين الأحياء فقط - بجانب روائيين كورولينكو وتشيهوف ، مباشرة بعد اسم ليو تولستوي. اكتسبت سمعته في أوروبا الغربية وأمريكا بنفس السرعة ، بمجرد أن تُرجمت بعض رسوماته الأدبية إلى الفرنسية والألمانية ، وأعيد ترجمتها إلى الإنجليزية.
يكفي قراءة بعض قصص غوركي القصيرة ، على سبيل المثال ، "مالفا" أو "تهلكاش" أو "الرجال السابقون" أو "ستة وعشرون رجلاً وفتاة واحدة" ، لإدراك أسباب اكتساب شعبيته سريعا، فالرجال والنساء الذين وصفهم ليسوا أبطالًا، بل هم أكثر المتشردين العاديين أو سكان الأحياء الفقيرة ، وما يكتبه ليس روايات بالمعنى الصحيح للكلمة ، بل مجرد رسومات تخطيطية ووصفية للحياة. ومع ذلك، في أدبيات جميع الأمم ، بما في ذلك القصص القصيرة لـ Guy de Maupassant و Bret Harte ، هناك القليل من الأشياء التي يتم فيها تقديم مثل هذا التحليل الدقيق للمشاعر الإنسانية المعقدة والمتضاربة ، مثل هذه الشخصيات المثيرة للاهتمام والأصيلة والجديدة. مصورة جيدًا ، وعلم النفس البشري متشابك بشكل مثير للإعجاب مع خلفية من الطبيعة - بحر هادئ ، أمواج ، أو مروج لا نهاية لها محترقة بالشمس. في القصة المسماة أولاً ، ترى حقًا النتوء الذي يبرز في "المياه الضاحكة" ، هذه النتوء الصخرية التي نصب عليها الصياد كوخه ؛ وأنت تفهم لماذا مالفا، المرأة التي تحبه وتأتي لرؤيته كل يوم أحد ، أحبت تلك البقعة بقدر ما تحب الصياد نفسه. وبعد ذلك ، في كل صفحة ، تصدم بالتنوع غير المتوقع تمامًا من اللمسات الجميلة التي يصور بها حب تلك الطبيعة الغريبة والمعقدة، أو بالجوانب غير المتوقعة التي تحتها، كل من صياد الفلاح السابق وفلاحه يظهر الابن في فترة قصيرة لأيام قليلة. تنوع السكتات الدماغية ، المكررة والوحشية ، الرقيقة والقاسية للغاية ، التي يصور بها غوركي المشاعر الإنسانية ، هو أنه بالمقارنة مع أبطاله ، فإن أبطال وبطلات أفضل الروائيين لدينا يبدون بسيطين للغاية - مبسطون للغاية ، مثل زهرة في فن الزخرفة الأوروبية وبالمقارنة مع زهرة حقيقية.
جوركي فنان عظيم: هو شاعر. لكنه أيضًا طفل في كل تلك السلسلة الطويلة من الروائيين الشعبيين الذين عاشتهم روسيا على مدى نصف القرن الماضي ، وقد استخدم خبرتهم: لقد وجد أخيرًا ذلك المزيج السعيد بين الواقعية والمثالية ، والذي من أجله كان الشعب الروسي -القائمون على الروايات جاهدوا لسنوات عديدة. حاول Ryeshétnikoff ومدرسته كتابة روايات ذات طابع واقعي للغاية ، دون أي أثر للمثالية. كانوا يقيدون أنفسهم كلما شعروا بالميل إلى التعميم والإبداع والتمثيل. لقد حاولوا أن يكتبوا مجرد مذكرات ، حيث كانت الأحداث ، كبيرة وصغيرة ، مهمة وغير مهمة ، مرتبطة بنفس الدقة ، دون حتى تغيير نغمة السرد. وبهذه الطريقة ، وبفضل موهبتهم ، تمكنوا من الحصول على أقوى التأثيرات ؛ لكن ، مثل المؤرخ الذي حاول عبثًا أن يكون "محايدًا" ، ومع ذلك يظل دائمًا رجلًا حزبيًا منحازا، لم يتجنبوا المثالية التي كانوا يخشونها كثيرًا.

طبقة المجتمع التي أخذ منها جورجي أبطال قصصه القصيرة الأولى - وفي القصص القصيرة يظهر فيها أفضل حالاته - هي طبقة المتشردين في جنوب روسيا: رجال انفصلوا عن المجتمع العادي ، ولم يقبلوا أبدًا عبودية العمل الدائم ، بل العمل فقط طالما يريدون ، و "عمال اليومية" – العامل الأجير- في الموانئ البحرية على البحر الأسود الذين ينامون في مستودعات أو في وديان في ضواحي المدن ، ويتنقلون في الصيف من أوديسا
8👍3
روائع الأدب الروسي
Photo
إلى شبه جزيرة القرم ، ومن شبه جزيرة القرم إلى مروج شمال القوقاز ، حيث يتم الترحيب بهم دائمًا في وقت الحصاد.
بعيدًا عن التذمر والشكوى من الكثير من المتشردين ، هناك نغمة منعشة من الطاقة والشجاعة ، وهي فريدة من نوعها في الأدب الروسي ، من خلال قصص جورجي، فالمتشردون التابعون له فقراء بشكل بائس ، لكنهم "لا يهتمون". إنهم يشربون ، لكن لا يوجد بينهم ما يقترب من سكر اليأس المظلم الذي نراه في ليفيتوف. حتى أكثرهم "دأبًا" ، بعيدًا عن إضفاء فضيلة على عجزه ، كما فعل أبطال دوستويفسكي دائمًا - يحلمون بإصلاح العالم وجعله ثريًا. إنه يحلم باللحظة التي "نحن ،" الفقراء "، سنختفي ، بعد أن أغنينا الكروسوس بثراء الروح وقوة الحياة." ("الخطأ، ص 170.)

لا يستطيع غوركي أن يقف متذمرًا ؛ لا يستطيع أن يتحمل تلك الانتقادات الذاتية التي يسعد بها الكتاب الروس الآخرون ، والتي استخدمها سكان قرية تورغينيف الفرعية للتعبير عنها بشاعرية ، والتي صنع دوستويفسكي فضيلة منها ، والتي تقدم منها روسيا مثل هذا التنوع اللامتناهي من الأمثلة. يعرف جورجي هذا النوع، لكنه لا يشفق على مثل هؤلاء الرجال. "ما كل هذا الحديث عن الظروف؟"

"كل واحد يصنع ظروفه! أرى كل أنواع الرجال - لكن الأقوياء - أين هم؟ هناك عدد أقل وأقل من الرجال النبلاء!"
في "Váreñka Olésova" ، يعبر جورجي عن كل ازدراءه لـ "المثقف" العادي في أيامنا هذه. يقدم لنا النوع المثير للاهتمام من الفتاة المليئة بالحيوية ؛ مخلوق أكثر بدائية ، بمنأى تمامًا عن أي مُثُل عليا للحرية والمساواة ، ولكنه مليء بحياة مكثفة ، ومستقلة جدًا ، بنفسها كثيرًا ، بحيث لا يسع المرء إلا أن يشعر باهتمام كبير بها. تلتقي بأحد هؤلاء "المثقفين" الذين يعرفون ويعجبون بالمثل العليا ، لكنهم ضعفاء ، وخالون تمامًا من عصب الحياة. بالطبع ، تضحك فارانيكا على فكرة وقوع مثل هذا الرجل في حبها ؛ وهذه هي التعبيرات التي جعلها فيها غوركي تحدد البطل المعتاد للروايات الروسية .
"البطل الروسي دائمًا سخيف وغبي ، إنه دائمًا ما سئم من شيء ما ؛ يفكر دائمًا في شيء لا يمكن فهمه ، وهو نفسه بائس جدًا ، وسيفكر ، ويفكر ، ثم يتحدث ، ثم سيذهب ويعلن عن الحب ، وبعد ذلك يفكر ويفكر مرة أخرى ، حتى يتزوج .... وعندما يتزوج ، يتحدث عن كل أنواع الهراء إلى زوجته ، ثم يتخلى عنها ". ("Váreñka Olésova،" II، 281.)
النوع المفضل لدى غوركي هو "المتمرد" – الرجل الذي في حالة تمرد كاملة ضد المجتمع ، لكنه في نفس الوقت رجل قوي، وكما وجد من بين المتشردين الذين عاش معهم ، على الأقل نوع الجنين ، فمن هذه الطبقة من المجتمع يأخذ أبطاله الأكثر إثارة للاهتمام.

بعض المتشردين عند غوركي هم ، بالطبع ، فلاسفة. إنهم يفكرون في حياة الإنسان ، وأتيحت لهم فرص لمعرفة ما هي. يعلق في مكان ما : "كل شخص عانى من صراع من أجل البقاء في حياته ، وهزمته الحياة ، ويشعر الآن بأنه مسجون بقسوة وسط بؤسها ، هو فيلسوف أكثر من شوبنهاور نفسه ؛ لأن الفكر المجرد لا يمكن أبدًا طرحه في مثل هذا الشكل البلاستيكي الحي الذي يتم التعبير عنه بالفكر المولود مباشرة من المعاناة ". (31.)
حب الطبيعة ، بالطبع ، سمة مميزة أخرى من سمات المتشرد ، "أحب كونوفالوف الطبيعة بحب عميق غير واضح ، لم يخونه إلا بريق في عينيه. في كل مرة كان فيها في الحقول ، أو في على ضفة النهر ، أصبح يتخللها نوع من السلام والحب الذي جعله لا يزال أكثر شبهاً بطفل ، وفي بعض الأحيان كان يقول بحسرة عميقة ، ناظراً إلى السماء ، "جيد!" وفي هذا التعجب كان هناك معنى وشعور أكثر مما في بلاغة العديد من الشعراء .... مثل كل البقية ، يفقد الشعر بساطته المقدسة وعفويته ، عندما يصبح مهنة ". (الثاني ، 33-4.)
ومع ذلك، فإن المتشرد المتمرد لغوركي ليس نيتشه يتجاهل كل شيء يتجاوز أنانيته الضيقة، أو يتخيل نفسه "رجلًا خارقًا". في متشرد غوركي ، كما هو الحال في نسائه من الطبقة الدنيا ، هناك ومضات من عظمة الشخصية والبساطة التي لا تتوافق مع غرور الرجل الخارق. إنه لا يجعلهم مثاليين لكي يجعل منهم أبطالاً حقيقيين لأنه سيكون هذا غير صحيح للغاية بالنسبة للحياة: المتشرد لا يزال كائنًا مهزومًا. لكنه يوضح كيف أن هناك لحظات من العظمة بين هؤلاء الرجال بسبب وعيهم الداخلي بالقوة ، على الرغم من أن تلك القوة الداخلية ليست قوية بما يكفي لإخراج أورلوف (في "The Orlóffs") - فالبطل الحقيقي - الرجل الذي يقاتل ضد أولئك الذين هم أقوى منه. يبدو أنه يقول: لماذا لستم ، أيها المثقفون ، "فردًا" حقًا ، وبصراحة متمردة ضد المجتمع الذي تنتقده ، وبقوة بعض هؤلاء المغمورين؟
5👍3