روائع الأدب الروسي
“الظروف الاستثنائية تصنع الفنان” نيتشه بنفسه قال: “كل الظروف مرتبطة جوهرياً ومتشابكة مع ظاهرة مرضية؛ يبدو أنه من المستحيل أن تكون فناناً ولا تكون مريضاً.” المفكر الألماني في الأغلب لم يكن يعرف طبيعة مرضه، ولكنه كان يعي بأنه مدين له، ورسائله وأعماله المنشورة…
الحياة ليست متحفظة، وغالباً من الآمن القول بأن الحياة تفضّل المرض المبدع الذي يمنح العبقرية آلاف المرات على الصحة العادية، تفضل المرض، الذي يتجاوز العقبات بفخر على ظهر حصان، يقفز بجرأة من قمة إلى قمة، على المشية المتكاسلة لتمام الصحة. الحياة ليست متحفظة ولا تفكر أبداً بإجراء تفريق أخلاقي بين العافية والمرض. إنها تستولي على النتاج الضخم للمرض، تستهلكه وتهضمه، وحالما يُستوعب فإنه يصبح صحةً. حشد بأكمله، جيل من الشباب متفتحي العقول الأصحاء ينقضون على عمل العبقرية المريضة، المصقول بالمرض، يعجبون به ويمدحونه، يرفعونه حتى السماوات، يخلدونه، يحولونه، ثم يمنحونه إلى الحضارة، والتي لا تعيش فقط على خبز الصحة المطبوخ منزلياً. جميعهم يُقْسِمون باسم المريض العظيم، الذي بفضل جنونه لم يعودوا بحاجة إلى أن يكونوا مجانين. تمام صحتهم تتغذى على جنونه وفيهم سوف يصبح معافى.
بعبارات أخرى، بعض غايات الروح والفكر مستحيلة من دون المرض، من دون الجنون، من دون الجريمة الروحية، والمرضى العظماء هم الضحايا المصلوبون، مُضحى بهم للإنسانية ولتقدمها، من أجل توسيع مشاعرها ومعارفها – بالمختصر، لزيادة تسامي صحتها. هذا هو السبب للهالة الدينية التي تحيط بوضوح بحيوات هؤلاء الرجال وتؤثر بعمق في وعيهم الذاتي. وهذا أيضاً سبب المشاعر الداخلية التي لدى هؤلاء الضحايا بالقوة والإنجاز وحياة مكثفة بشكل واسع بالرغم من كل العناء، مشاعر بانتصار يمكن اعتباره وهماً فقط في المنطق الطبي المبتذل: اتحاد المرض والقوة في طبيعتهم مما يسخر من الارتباط المعتاد للمرض والضعف وبمفارقته يساهم في المسحة الدينية لوجودهما. يجبروننا على إعادة تقييم مفهوم “المرض” و”الصحة”، علاقة المرض والحياة، يعلموننا بأن نكون حذرين في مقاربتنا لفكرة “المرض”، فنحن لدينا قابلية كبيرة دائماً لأن نعطيه توصيفاً حيوياً سالباً. نيتشه يذكر هذه النقطة بالذات في ملاحظة نُشرت بعد موته في كتابه إرادة القوة. “الصحة والقوة” يقول “كن حذراً! المعيار يجب دائماً أن يكون ازدهار الجسد، المرونة، الشجاعة، ومرح الروح – لكن طبيعياً أيضاً كم من السقم يستطيع امتصاصه والتغلب عليه – بكلمات أخرى، يجعله صحياً”. (الحروف المائلة لنيتشه) “الذي يدمر رجالاً ناعمين أكثر هو محفز لصحة أعظم“.
نيتشه يعتبر نفسه كشخص عاقل في أسمى حالاته، شخص حُفّز بالمرض. لكن إن كانت في حالته علاقة المرض والقوة هي بالشكل الذي يجعل الإحساس الأكبر بالقوة وإقرارها الإنتاجي يبدوان وكأنهما نتيجة للمرض (الكامن في طبيعة الشلل)، فنحن مجبورون تقريباً في حالة دوستويفسكي المنصرع على أن نعتبر مرضه نتيجة لقوة غزيرة خارقة، انفجار، إفراط في الصحة الهائلة، ونحن مواجَهون بالواقع المقنع بأن الحيوية الأعظم تستطيع في بعض الأوقات أن ترتدي قناع المرض الشاحب.
من وجهة النظر البيولوجية فحياة هذا الرجل هي الأكثر تحييراً: حزمة مرتعشة من الأعصاب، عرضة لانقباضات بطرفة عين “حساس جداً كما لو أنه قد سُلخ ومجرد الاحتكاك بالهواء كان مؤلماً “(مقتبسة من مذكرات من تحت الأرض)، وبالرغم من ذلك فقد عاش لستين عاماً كاملاً (١٨٢١-١٨٨١)، وفي عقوده الأربعة المنتجة بنى إنجازاً حياتياً مذهلاً من تجديد وجرأة لم يسمع بمثلهما من قبل، ثروة كاسحة من المشاعر والرؤى- عمل ليس فقط يوسع معرفتنا للإنسان عبر اضطراب بصيرته “الإجرامية” واعترافه، لكن أيضاً يحوي كمية مفاجئة من الفكاهة الشقية، الكوميديا المدهشة، و”مرح الروح”. فكما سيكتشف القارئ قريباً في الطبعة الحاضرة، من ضمن أشياء أخرى، فهذا الرجل المصلوب قد كان أيضاً فكاهياً عظيماً حقاً.
لو أن دوستويفسكي لم يكتب شيئاً آخر باستثناء الست روايات القصيرة الموجودة هنا، لكان اسمه ما يزال بلا شك يستحق مكاناً بارزاً في تاريخ السرد الأدبي في العالم. في الواقع إنها لا تشكل عُشر كتاباته المنشورة فعلياً، وأصدقائه، الذين كانت لهم دراية بالقصة الداخلية وراء عمله، أكدوا لنا أن كل الروايات التي حملها فيودور ميخائيلوفيتش في داخله في شكلها النهائي، إن جاز لنا التعبير، وتلك التي سردها بحماس وبالتفصيل، لم يوضع عُشرها على الورق أبداً. يقولون إنه لم يحتج فعلياً لأي وقت على الإطلاق ليُفصِّل هذه المخطوطات غير المحدودة. ومن ثم يُتوقع منا أن نصدق أن المرض يمثل إفقاراً للحياة!
النصب الملحمية التي أقامها-الجريمة والعقاب، الأبله، الشياطين، الإخوة كارامازوف (وهي بالمناسبة ليست ملاحماً على الإطلاق لكن دراميات ضخمة، مركبة سيناريوياً غالباً، حيث الحدث المثير للروح، الذي غالباً ما يحشر في أيامٍ معدودة، تُفك حبكته في حوار بالغ الواقعية ومحموم)- لم تؤلف تحت وطأة المرض وحسب ولكن أيضاً تحت ضربات الديون والمشاكل المالية المخزية التي أجبرته على العمل بمعدل سرعة غير طبيعي، يخبرنا هو أنه، من أجل أن يلحق بموعد نهائي، كتب ذات مرة ثلاث ملازم ونصف – ست وخمسون صفحة – في يومين وليلتين.
بعبارات أخرى، بعض غايات الروح والفكر مستحيلة من دون المرض، من دون الجنون، من دون الجريمة الروحية، والمرضى العظماء هم الضحايا المصلوبون، مُضحى بهم للإنسانية ولتقدمها، من أجل توسيع مشاعرها ومعارفها – بالمختصر، لزيادة تسامي صحتها. هذا هو السبب للهالة الدينية التي تحيط بوضوح بحيوات هؤلاء الرجال وتؤثر بعمق في وعيهم الذاتي. وهذا أيضاً سبب المشاعر الداخلية التي لدى هؤلاء الضحايا بالقوة والإنجاز وحياة مكثفة بشكل واسع بالرغم من كل العناء، مشاعر بانتصار يمكن اعتباره وهماً فقط في المنطق الطبي المبتذل: اتحاد المرض والقوة في طبيعتهم مما يسخر من الارتباط المعتاد للمرض والضعف وبمفارقته يساهم في المسحة الدينية لوجودهما. يجبروننا على إعادة تقييم مفهوم “المرض” و”الصحة”، علاقة المرض والحياة، يعلموننا بأن نكون حذرين في مقاربتنا لفكرة “المرض”، فنحن لدينا قابلية كبيرة دائماً لأن نعطيه توصيفاً حيوياً سالباً. نيتشه يذكر هذه النقطة بالذات في ملاحظة نُشرت بعد موته في كتابه إرادة القوة. “الصحة والقوة” يقول “كن حذراً! المعيار يجب دائماً أن يكون ازدهار الجسد، المرونة، الشجاعة، ومرح الروح – لكن طبيعياً أيضاً كم من السقم يستطيع امتصاصه والتغلب عليه – بكلمات أخرى، يجعله صحياً”. (الحروف المائلة لنيتشه) “الذي يدمر رجالاً ناعمين أكثر هو محفز لصحة أعظم“.
نيتشه يعتبر نفسه كشخص عاقل في أسمى حالاته، شخص حُفّز بالمرض. لكن إن كانت في حالته علاقة المرض والقوة هي بالشكل الذي يجعل الإحساس الأكبر بالقوة وإقرارها الإنتاجي يبدوان وكأنهما نتيجة للمرض (الكامن في طبيعة الشلل)، فنحن مجبورون تقريباً في حالة دوستويفسكي المنصرع على أن نعتبر مرضه نتيجة لقوة غزيرة خارقة، انفجار، إفراط في الصحة الهائلة، ونحن مواجَهون بالواقع المقنع بأن الحيوية الأعظم تستطيع في بعض الأوقات أن ترتدي قناع المرض الشاحب.
من وجهة النظر البيولوجية فحياة هذا الرجل هي الأكثر تحييراً: حزمة مرتعشة من الأعصاب، عرضة لانقباضات بطرفة عين “حساس جداً كما لو أنه قد سُلخ ومجرد الاحتكاك بالهواء كان مؤلماً “(مقتبسة من مذكرات من تحت الأرض)، وبالرغم من ذلك فقد عاش لستين عاماً كاملاً (١٨٢١-١٨٨١)، وفي عقوده الأربعة المنتجة بنى إنجازاً حياتياً مذهلاً من تجديد وجرأة لم يسمع بمثلهما من قبل، ثروة كاسحة من المشاعر والرؤى- عمل ليس فقط يوسع معرفتنا للإنسان عبر اضطراب بصيرته “الإجرامية” واعترافه، لكن أيضاً يحوي كمية مفاجئة من الفكاهة الشقية، الكوميديا المدهشة، و”مرح الروح”. فكما سيكتشف القارئ قريباً في الطبعة الحاضرة، من ضمن أشياء أخرى، فهذا الرجل المصلوب قد كان أيضاً فكاهياً عظيماً حقاً.
لو أن دوستويفسكي لم يكتب شيئاً آخر باستثناء الست روايات القصيرة الموجودة هنا، لكان اسمه ما يزال بلا شك يستحق مكاناً بارزاً في تاريخ السرد الأدبي في العالم. في الواقع إنها لا تشكل عُشر كتاباته المنشورة فعلياً، وأصدقائه، الذين كانت لهم دراية بالقصة الداخلية وراء عمله، أكدوا لنا أن كل الروايات التي حملها فيودور ميخائيلوفيتش في داخله في شكلها النهائي، إن جاز لنا التعبير، وتلك التي سردها بحماس وبالتفصيل، لم يوضع عُشرها على الورق أبداً. يقولون إنه لم يحتج فعلياً لأي وقت على الإطلاق ليُفصِّل هذه المخطوطات غير المحدودة. ومن ثم يُتوقع منا أن نصدق أن المرض يمثل إفقاراً للحياة!
النصب الملحمية التي أقامها-الجريمة والعقاب، الأبله، الشياطين، الإخوة كارامازوف (وهي بالمناسبة ليست ملاحماً على الإطلاق لكن دراميات ضخمة، مركبة سيناريوياً غالباً، حيث الحدث المثير للروح، الذي غالباً ما يحشر في أيامٍ معدودة، تُفك حبكته في حوار بالغ الواقعية ومحموم)- لم تؤلف تحت وطأة المرض وحسب ولكن أيضاً تحت ضربات الديون والمشاكل المالية المخزية التي أجبرته على العمل بمعدل سرعة غير طبيعي، يخبرنا هو أنه، من أجل أن يلحق بموعد نهائي، كتب ذات مرة ثلاث ملازم ونصف – ست وخمسون صفحة – في يومين وليلتين.
❤5👍3
روائع الأدب الروسي
الحياة ليست متحفظة، وغالباً من الآمن القول بأن الحياة تفضّل المرض المبدع الذي يمنح العبقرية آلاف المرات على الصحة العادية، تفضل المرض، الذي يتجاوز العقبات بفخر على ظهر حصان، يقفز بجرأة من قمة إلى قمة، على المشية المتكاسلة لتمام الصحة. الحياة ليست متحفظة ولا…
في بلاد أجنبية، في بادين-بادين Baden-Baden وفايسبادين Wiesbaden، حيث كان عليه أن يهرب من دائنيه، حاول إصلاح فقره بالمقامرة، لكي ينتهي به المطاف في أغلب الحالات ليكمل خرابه. ثم كان يكتب رسائل توسل والتي يتكلم فيها بلغة البؤس التي كانت لدى أكثر شخصيات رواياته فساداً، لدى ميرميلادوف على سبيل المثال. شغفه بالمقامرة كان مرضه الثاني، من المحتمل أنه كان مرتبطاً بالأول، رغبة غير طبيعية بحق. ندين له بالرواية المدهشة المقامر، الذي يذهب إلى منتجع ألماني، المسمى روليتينبيرغ Roulettenburg بطريقة غير قابلة للتصديق ومنحرفة [نسبة إلى لعبة الروليت من ألعاب القمار]، في هذه الرواية تكشفت سيكولوجية الشغف المَرَضي وشيطان الصدفة بدقة منقطعة النظير.
هذه التحفة كانت قد كتبت في ١٨٧٦، بين الجريمة والعقاب (١٨٦٦) والأبله (١٨٦٨-١٨٦٩)، ومع كل عظمتها فإنها تمثل إعادة إنتاج محضة. إنها الأخيرة بين القصص في هذا المجلد، لأن الأخريات أُنتجت بين ١٨٤٦ و١٨٦٤. أقدم واحدة هي الشبيه، قرسطوية مرَضية، والتي ظهرت في نفس السنة مع الرواية الأولى العظيمة لدوستويفسكي، الفقراء (١٨٤٦)، وكانت مخيبة للآمال بعد التأثير العميق الذي صنعته الأخيرة في روسيا-فالأغلب لذلك ما يبرره، فبالرغم من التفاصيل العبقرية للسرد، فأن المؤلف الشاب كان في الأغلب مخطئاً في الاعتقاد بأنه تغلب على جوجول، بالرغم من أن الشبيه كانت قد تأثرت به بقوة. وهو بالطبع لم يتجاوز وليام ويلسون لإدغار الآن بو، حيث نفس الفكرة الرومانسية الرئيسية تعالج بأسلوب أخلاقي أكثر عمقاً، يُذيب الإكلينيكي في الشعري.
ومع ذلك، فإن طبعتنا هذه تتضمن عدداً من الروائع “المعاد إنتاجها” أو لربما الاستعدادات لكي تتبعها التحف. الزوج الأبدي مؤرخة منذ ١٨٤٨، قبل زمن محاكمة ونفي دوستويفسكي إلى أومسك Omsk في سيبيريا، وشخصيتها المحورية هي الديوث المضحك بشكل محرج، الذي من مصائبه الخبيثة تُصنع النتائج الأكثر غرابة. ثم تتبع ذلك فترة الحبس مع الأعمال الشاقة، التجربة الرهيبة للكاتورقا [نظام الأعمال الشاقة الجزائي في الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي حيث يُرسل السجناء للعمل في المستعمرات]، والتي ستوصف بشكل مؤثر لاحقاً في سانت بطرسبرغ في مذكرات من منزل الأموات، الحكاية التي هزت كل روسيا حتى البكاء. لكن الاستئناف الفعلي لنشاط دوستويفسكي الأدبي حدث في سيبيريا مع كتابة “صديق العائلة” (١٨٥٩)، وتدعى أيضاً “قرية ستيبانتشيكوفو“، والتي استحقت أن تشتهر بسبب الشخصية منقطعة النظير للمستبد المنافق فوما أوبسكين، إبداع هزلي من الدرجة الأولى، لا يقاوم، وينافس شكسبير وموليير. بعد هذا الإبداع العالي “حلم العم“، التي تبعتها مباشرة، يجب اعتبارها صراحة خطوة للوراء. إنها، إن سمح لي بأن أحكم عليها، أطول مما يجب بالنسبة لمحتواها، وهو مهزلة، كانت خاتمتها مأساوية، حول قصة المعلم الشاب المصاب بالسل، قد مُلئت بعاطفية لا تُحتمل مستمدة من التأثير المبكر لتشارلز ديكنز على أعمال دوستويفسكي. للتعويض عن ذلك، على أي حال، نجد في حلم العم، الجميلة زينائيد آفاناسيفنا، نوع الفتاة الروسية الفخورة، التي تستمتع بالحب الواضح والملّمح بقوة لمؤلف نجد أن تعاطفه المسيحي مكرس بانتظام للبؤس الإنساني، الخطيئة، السيئة، أعماق الرغبة والجريمة، بدلاً من نبالة الجسد والروح.
القطعة الرئيسية في مقتطفاتنا، مذكرات من تحت الأرض، التي كتبت في ١٨٦٤، هي مثال يبعث على الدهشة والرعب لهذا التعاطف ولهذه البصيرة المفزعة. إنها بمحتواها تكون أقرب إلى نتاج دوستويفسكي العظيم والذي يميزه كلياً. إنها بصفة عامة تعتبر منعطفاً في نشاط الشاعر، بصفتها يقظة نحو وعيه بذاته. اليوم، والعواقب المؤلمة والحقودة، والصراحة المتطرفة لهذه الرواية، التي تجاوزت بلا رحمة كل الحدود التجديدية والأدبية، قد أصبحت منذ زمن بعيد جزءاً من ثقافتنا الأخلاقية، اليوم نستطيع بشق الأنفس تصور الإحساس الصارخ الذي لا بد أن خلقته هذه الرواية لدى وقت ظهورها- الاحتجاج على جانب الجمالية “المثالية” وموافقة متحمسة على جانب الحب التعصبي للحقيقة. تحدثت عن انعدام الرحمة – دوستويفسكي أو الراوي البطل أو اللا بطل أو ضد البطل يتجنب تلك التهمة بالرواية التي لا يكتبها للعامة، ليست النشر، ليست حتى لقارئ، ولكن حصرياً وبتكتم لنفسه هو وحده. تسلسل أفكاره هو كما يلي: “في ذاكرة كل إنسان هناك أشياء لا يكشفها للجميع، فقط لأصدقائه. هناك أيضاً أشياء لا يكشفها لأصدقائه، ولكن في أقصى الحالات لنفسه فقط وفقط مع التزام السرية. وأخيراً هناك أشياء يخشى الإنسان أن يكشفها حتى لنفسه، وكل شخص محترم يختزن كمية كافية من الأشياء المماثلة. في الحقيقة، تستطيع أن تقول كلما ازداد الرجل احتراماً، كلما تزايد عدد هذه الأشياء التي يحملها معه. أنا نفسي على كل حال قررت مؤخراً فقط بأن أستعيد بعضاً من ذكرياتي السابقة، التي كنت حتى الآن أتجنبها دائماً، حتى مع انزعاج معين…”
هذه التحفة كانت قد كتبت في ١٨٧٦، بين الجريمة والعقاب (١٨٦٦) والأبله (١٨٦٨-١٨٦٩)، ومع كل عظمتها فإنها تمثل إعادة إنتاج محضة. إنها الأخيرة بين القصص في هذا المجلد، لأن الأخريات أُنتجت بين ١٨٤٦ و١٨٦٤. أقدم واحدة هي الشبيه، قرسطوية مرَضية، والتي ظهرت في نفس السنة مع الرواية الأولى العظيمة لدوستويفسكي، الفقراء (١٨٤٦)، وكانت مخيبة للآمال بعد التأثير العميق الذي صنعته الأخيرة في روسيا-فالأغلب لذلك ما يبرره، فبالرغم من التفاصيل العبقرية للسرد، فأن المؤلف الشاب كان في الأغلب مخطئاً في الاعتقاد بأنه تغلب على جوجول، بالرغم من أن الشبيه كانت قد تأثرت به بقوة. وهو بالطبع لم يتجاوز وليام ويلسون لإدغار الآن بو، حيث نفس الفكرة الرومانسية الرئيسية تعالج بأسلوب أخلاقي أكثر عمقاً، يُذيب الإكلينيكي في الشعري.
ومع ذلك، فإن طبعتنا هذه تتضمن عدداً من الروائع “المعاد إنتاجها” أو لربما الاستعدادات لكي تتبعها التحف. الزوج الأبدي مؤرخة منذ ١٨٤٨، قبل زمن محاكمة ونفي دوستويفسكي إلى أومسك Omsk في سيبيريا، وشخصيتها المحورية هي الديوث المضحك بشكل محرج، الذي من مصائبه الخبيثة تُصنع النتائج الأكثر غرابة. ثم تتبع ذلك فترة الحبس مع الأعمال الشاقة، التجربة الرهيبة للكاتورقا [نظام الأعمال الشاقة الجزائي في الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي حيث يُرسل السجناء للعمل في المستعمرات]، والتي ستوصف بشكل مؤثر لاحقاً في سانت بطرسبرغ في مذكرات من منزل الأموات، الحكاية التي هزت كل روسيا حتى البكاء. لكن الاستئناف الفعلي لنشاط دوستويفسكي الأدبي حدث في سيبيريا مع كتابة “صديق العائلة” (١٨٥٩)، وتدعى أيضاً “قرية ستيبانتشيكوفو“، والتي استحقت أن تشتهر بسبب الشخصية منقطعة النظير للمستبد المنافق فوما أوبسكين، إبداع هزلي من الدرجة الأولى، لا يقاوم، وينافس شكسبير وموليير. بعد هذا الإبداع العالي “حلم العم“، التي تبعتها مباشرة، يجب اعتبارها صراحة خطوة للوراء. إنها، إن سمح لي بأن أحكم عليها، أطول مما يجب بالنسبة لمحتواها، وهو مهزلة، كانت خاتمتها مأساوية، حول قصة المعلم الشاب المصاب بالسل، قد مُلئت بعاطفية لا تُحتمل مستمدة من التأثير المبكر لتشارلز ديكنز على أعمال دوستويفسكي. للتعويض عن ذلك، على أي حال، نجد في حلم العم، الجميلة زينائيد آفاناسيفنا، نوع الفتاة الروسية الفخورة، التي تستمتع بالحب الواضح والملّمح بقوة لمؤلف نجد أن تعاطفه المسيحي مكرس بانتظام للبؤس الإنساني، الخطيئة، السيئة، أعماق الرغبة والجريمة، بدلاً من نبالة الجسد والروح.
القطعة الرئيسية في مقتطفاتنا، مذكرات من تحت الأرض، التي كتبت في ١٨٦٤، هي مثال يبعث على الدهشة والرعب لهذا التعاطف ولهذه البصيرة المفزعة. إنها بمحتواها تكون أقرب إلى نتاج دوستويفسكي العظيم والذي يميزه كلياً. إنها بصفة عامة تعتبر منعطفاً في نشاط الشاعر، بصفتها يقظة نحو وعيه بذاته. اليوم، والعواقب المؤلمة والحقودة، والصراحة المتطرفة لهذه الرواية، التي تجاوزت بلا رحمة كل الحدود التجديدية والأدبية، قد أصبحت منذ زمن بعيد جزءاً من ثقافتنا الأخلاقية، اليوم نستطيع بشق الأنفس تصور الإحساس الصارخ الذي لا بد أن خلقته هذه الرواية لدى وقت ظهورها- الاحتجاج على جانب الجمالية “المثالية” وموافقة متحمسة على جانب الحب التعصبي للحقيقة. تحدثت عن انعدام الرحمة – دوستويفسكي أو الراوي البطل أو اللا بطل أو ضد البطل يتجنب تلك التهمة بالرواية التي لا يكتبها للعامة، ليست النشر، ليست حتى لقارئ، ولكن حصرياً وبتكتم لنفسه هو وحده. تسلسل أفكاره هو كما يلي: “في ذاكرة كل إنسان هناك أشياء لا يكشفها للجميع، فقط لأصدقائه. هناك أيضاً أشياء لا يكشفها لأصدقائه، ولكن في أقصى الحالات لنفسه فقط وفقط مع التزام السرية. وأخيراً هناك أشياء يخشى الإنسان أن يكشفها حتى لنفسه، وكل شخص محترم يختزن كمية كافية من الأشياء المماثلة. في الحقيقة، تستطيع أن تقول كلما ازداد الرجل احتراماً، كلما تزايد عدد هذه الأشياء التي يحملها معه. أنا نفسي على كل حال قررت مؤخراً فقط بأن أستعيد بعضاً من ذكرياتي السابقة، التي كنت حتى الآن أتجنبها دائماً، حتى مع انزعاج معين…”
❤1👍1
روائع الأدب الروسي
في بلاد أجنبية، في بادين-بادين Baden-Baden وفايسبادين Wiesbaden، حيث كان عليه أن يهرب من دائنيه، حاول إصلاح فقره بالمقامرة، لكي ينتهي به المطاف في أغلب الحالات ليكمل خرابه. ثم كان يكتب رسائل توسل والتي يتكلم فيها بلغة البؤس التي كانت لدى أكثر شخصيات رواياته…
من ثم فهذه “الرواية” تحتوي على سجل فاضح مخزي من هذه “التجارب السابقة”، يمزج المقزز والجذاب في أسلوب لم يسمع به من قبل. المؤلف، أو الشخص الذي يجعله المؤلف، يقوم بتجربة. “هل هو ممكن”، يستفسر “أن تكون صريحاً تماماً على الأقل مع نفسك، وأن تقول الحقيقة من دون تحفظ؟” هو يفكر في هينة، الذي صاغ تلك المقولة بأن السير الذاتية الصادقة تماماً تقع بعد المستحيل مباشرة، وأن الكل يروون دائماً الأكاذيب عن أنفسهم، مثل روسو، الذي قذف سمعته بسبب الغرور الخالص. يتفق المؤلف، لكن، كما يقول، الفرق بين روسو وبينه هو أن السابق جعل اعترافه للعامة، بينما يكتب هو لنفسه وحده. وهو يعلن بصرامة، أنه إن ظهر وكأنه يخاطب قارئاً، فإن هذا مجرد تظاهر، حيث أنه وجد أنه من الأسهل أن يكتب بذلك الشكل. إنها قضية شكلية بحتة، كما يقول.
طبعاً، كل ذلك ليس حقيقياً على الإطلاق، فدوستويفسكي كان حتماً يكتب للعامة وللنشر ولأكثر عدد ممكن من القراء، حتى لو كان السبب فقط أنه يحتاج للمال بشدة. الخيال الخلاق والذي يكاد يكون فكِهاً عن الوحدة والابتعاد عن الأدب مفيد جداً كعذر للكلبية المتطرفة للاعتراف الصريح. لكن الخيال الأدبي داخل الخيال الأدبي، و”مظهر” تقديم نفسه إلى قارئ، الانتقاد المستمر “لسادة” محددين يتجادل معهم المتحدث، ذلك أيضاً ذو فائدة، لأنه يجلب عنصر الاستطراد، الديالكتيك، الدرامية داخل السرد، عنصر يشعر دوستويفسكي بالراحة معه حتماً والذي يجعل حتى أكثر الأشياء جدية، الأكثر شراً، الأكثر وضاعةً ممتعة إلى أقصى حد.
أعترف بأني أفضّل الجزء الأول من مذكرات من تحت الأرض أكثر من الجزء الثاني، قصة العاهرة ليزا المثيرة والمخزية. أقر بأن الجزء الأول لا يحتوي على أفعال لكن كلام، كلام يتشابه في كثير من النواحي الانشقاق الفاسد لبعض الشخصيات الدينية في روايات دوستويفسكي العظيمة. من المقرر به أيضاً بأنه كلام خطير بأقوى معنى للكلمة، من المرجح بشكل خطير أن يربك العقول الساذجة، لأنه يضخم الشك في مواجهة الإيمان، ولأنه يهاجم بهرطقة الحضارة والديموقراطية والإنسانيين والمتفائلين الذين يؤمنون بأن الإنسان يسعى للسعادة والتقدم بينما هو في الواقع يتعطش بالمثل للمعاناة، المصدر الوحيد للمعرفة، وأنه لا يريد حقاً القصر الكريستالي وبيت نمل الاكتمال الاجتماعي، وأنه لن يتخلى أبداً عن ميله للتدمير والفوضى. كل ذلك يبدو شراً رجعياً وقد يقلق العقول ذات النية الحسنة التي تؤمن أن أكثر شيء مهم اليوم هو سد الفجوة الواسعة بين الوعي الفكري والواقع الاجتماعي والاقتصادي المتخلف بشكلٍ فاضح. إنه الشيء الأكثر أهمية- ولكن هذه الهرطقات هي الحقيقة: الجانب المظلم للحقيقة، بعيداً عن الشمس، والتي لا يجرؤ أحد من المهتمين بالحقيقة على أن يهملها، الحقيقة الكاملة، الحقيقة حول الإنسان. المفارقات المعذِّبة التي يقذفها “بطل” دوستويفسكي على خصومه الإيجابيين، ضد-الإنسان كما قد تبدو، تقال باسم وبسبب محبة الإنسانية: نيابة عن إنسانية جديدة، أعمق، وغير متكلفة والتي مرت عبر كل عذابات المعاناة والإدراك.
وكما هو حال هذه الطبعة لدوستويفسكي مقارنةً مع أعماله الكاملة، وكما هو حال أعماله المنشورة مقارنة مع ذلك الذي كان يستطيع وربما كان سوف ينتجه لو أن حدود الحياة البشرية لم تمنعه – فكذلك هو حال الأشياء التي قلتها هنا عن الروسي الجبار مقارنة مع ما يمكن قوله عنه. دوستويفسكي باعتدال، دوستويفسكي في حدود المعقول، كان هذا المعيار. عندما أخبرت صديقي عن نيتي لتقديم مدخل لهذا المجلد قال ضاحكاً: “كن حذراً! سوف تؤلف عنه كتاباً.”
كنتُ حذراً.
طبعاً، كل ذلك ليس حقيقياً على الإطلاق، فدوستويفسكي كان حتماً يكتب للعامة وللنشر ولأكثر عدد ممكن من القراء، حتى لو كان السبب فقط أنه يحتاج للمال بشدة. الخيال الخلاق والذي يكاد يكون فكِهاً عن الوحدة والابتعاد عن الأدب مفيد جداً كعذر للكلبية المتطرفة للاعتراف الصريح. لكن الخيال الأدبي داخل الخيال الأدبي، و”مظهر” تقديم نفسه إلى قارئ، الانتقاد المستمر “لسادة” محددين يتجادل معهم المتحدث، ذلك أيضاً ذو فائدة، لأنه يجلب عنصر الاستطراد، الديالكتيك، الدرامية داخل السرد، عنصر يشعر دوستويفسكي بالراحة معه حتماً والذي يجعل حتى أكثر الأشياء جدية، الأكثر شراً، الأكثر وضاعةً ممتعة إلى أقصى حد.
أعترف بأني أفضّل الجزء الأول من مذكرات من تحت الأرض أكثر من الجزء الثاني، قصة العاهرة ليزا المثيرة والمخزية. أقر بأن الجزء الأول لا يحتوي على أفعال لكن كلام، كلام يتشابه في كثير من النواحي الانشقاق الفاسد لبعض الشخصيات الدينية في روايات دوستويفسكي العظيمة. من المقرر به أيضاً بأنه كلام خطير بأقوى معنى للكلمة، من المرجح بشكل خطير أن يربك العقول الساذجة، لأنه يضخم الشك في مواجهة الإيمان، ولأنه يهاجم بهرطقة الحضارة والديموقراطية والإنسانيين والمتفائلين الذين يؤمنون بأن الإنسان يسعى للسعادة والتقدم بينما هو في الواقع يتعطش بالمثل للمعاناة، المصدر الوحيد للمعرفة، وأنه لا يريد حقاً القصر الكريستالي وبيت نمل الاكتمال الاجتماعي، وأنه لن يتخلى أبداً عن ميله للتدمير والفوضى. كل ذلك يبدو شراً رجعياً وقد يقلق العقول ذات النية الحسنة التي تؤمن أن أكثر شيء مهم اليوم هو سد الفجوة الواسعة بين الوعي الفكري والواقع الاجتماعي والاقتصادي المتخلف بشكلٍ فاضح. إنه الشيء الأكثر أهمية- ولكن هذه الهرطقات هي الحقيقة: الجانب المظلم للحقيقة، بعيداً عن الشمس، والتي لا يجرؤ أحد من المهتمين بالحقيقة على أن يهملها، الحقيقة الكاملة، الحقيقة حول الإنسان. المفارقات المعذِّبة التي يقذفها “بطل” دوستويفسكي على خصومه الإيجابيين، ضد-الإنسان كما قد تبدو، تقال باسم وبسبب محبة الإنسانية: نيابة عن إنسانية جديدة، أعمق، وغير متكلفة والتي مرت عبر كل عذابات المعاناة والإدراك.
وكما هو حال هذه الطبعة لدوستويفسكي مقارنةً مع أعماله الكاملة، وكما هو حال أعماله المنشورة مقارنة مع ذلك الذي كان يستطيع وربما كان سوف ينتجه لو أن حدود الحياة البشرية لم تمنعه – فكذلك هو حال الأشياء التي قلتها هنا عن الروسي الجبار مقارنة مع ما يمكن قوله عنه. دوستويفسكي باعتدال، دوستويفسكي في حدود المعقول، كان هذا المعيار. عندما أخبرت صديقي عن نيتي لتقديم مدخل لهذا المجلد قال ضاحكاً: “كن حذراً! سوف تؤلف عنه كتاباً.”
كنتُ حذراً.
❤13👍1👎1
روائع الأدب الروسي
أنطون تشيخوف #تشيخوف
أنطون بافلوفيتش تشيخوف (29 يناير 1860 - 15 يوليو 1904) طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي كبير ينظر إليه على أنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، ومن كبار الأدباء الروس. كتب المئات من القصص القصيرة التي اعتبر الكثير منها إبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين. بدأ تشيخوف الكتابة عندما كان طالباً في كلية الطب في جامعة موسكو، ولم يترك الكتابة حتى أصبح من أعظم الأدباء، واستمرّ أيضاً في مهنة الطب وكان يقول «إن الطب هو زوجتي والأدب عشيقتي
❤17👍2