الحلقة الثانية
لين الطاهر
امتدّت يدا راشد بخفّةٍ إلى حِجابي الذي لازلتُ أرتديه حين غَفَوتُ على سَريري، وانتزَع الدبابيس برفقٍ ساحبًا حِجابي برقّةٍ مُتناهية؛ حِرصًا منه على ألاّ أستيقظ من نومي.. كنتُ لازلتُ مغمضةً عيناي وأنا أشعُر بشعري ينتشر على يدِ راشد، وقد تغلغلَت أنامِلُه السمراء لتُداعِب فروة رأسي بحرَكاتٍ رتيبة أرسلَت الاستِرخاءَ إلى نفسي المُعذَّبَة، و دونَ أن أشعُر أفلتَت منّي تنهيدةٌ مضطربة و قد شعرتُ بارتجافٍ يُهدّد بنَوبة بُكاءٍ جديدة....شعرتُ بعدَها بضغطٍ خفيفٍ على شفتيّ أرسل قشعريرةً في أوصالي، وهمستُ بحُزنٍ دونَ أن أستطيع فتح عيناي:
_ ر اا شـ..د..
فتحتُ عيناي بعد أن شعرتُ به يمسح على وجنتي، و أسرتني عيناه اللتان كانتا تحدّقان في وجهي الباكي بحنانٍ و شغَفٍ اشتقتُ إليهما، لكنني سُرعان ما تذكّرتُ ما حدث قبلَ نومي، فعادت التقطيبةُ ترتَسِم على جبيني، و استدرَكتُ قائلةً:
-كيف دخلتَ إلى هنا؟!
أجابني راشد و هو يتأمّل عبوسي، وشِبهُ ابتسامةٍ ترتسِم على وجهِه:
- بسهولةٍ حبيبتي.
لَم يعجبني جوابُه المُتهكِّم و قلتُ له:
- و لكنّها ليسَت المرّة الأولى التي أُغلقُ فيها غُرفتي فـ....
قاطعني راشد بابتسامة:
- و ليست المرّة الأولى التي أدخلُ فيها إلى الغرفة...الأمرُ بسيطٌ حيبتي؛ مفَكٌ كبير، و آخرٌ صَغير، وأُصبِحُ بجانِبِك..
أكمَلَ راشد و قد رأى علامات الاستفهامِ ترتَسِم على ملامِحِي التي يُدقِّق فيها:
- كنتُ أدخُل لأطمئِنّ عليكِ بعدَ نوباتِ غضبِك المُعتادة، لأجِدِك تنامين كالجميلةِ النائمة، لكنك لَم تكونِ تستيقظين عندما كنتُ أُقبّلك أيّتُها النائمة..
بدِفاعٍ أجبتُه:
- أولاً، أنا لَم أكُن أغضبُ بلا سبب، وأنت تعرِف أنّك كنت تصرُخ في وجهي وأنا لا أحتَمِلُ ذلك، ثُم أنّني أشُكّ أنك كنت تُقبّلني، لأنّي لَم أشعُر بأيٍّ منها، أو ربما كنت تتعمّد أن تُقبّلني بخِفّةٍ حِرصًا مِنك على عدَم إيقاظي لترتاح من صُحبتِي التي يبدو أنّها تبعث فيكَ الضجرَ و الملل و...
امتدّت أناملُ راشد نحوَ فمي الذي يُكيل له الاتهامات، و اقترَب مِن وجهي هامسًا بعَبَقِه الرُجوليِّ الخاص أمام فمي -الذي مازالت يدُه تُغطّيه- بمُداعبةٍ أفقدَتني تركيزي:
- أنا لا أمَلّ منك أبدًا ليني..أنت..
قطَع كلماته وهو يُبعِد أناملَه بخفّةٍ عن شفتيّ، وأمسَك بذقني رافعًا وجهي نحوَه، فيما امتدّت يدُه الأخرى خلفَ رأسي؛ ليسحبني نحوَه غامرًا إيّاي بقُبلةٍ أودَعَها شوقَه و حبَّه وأسفه ...نعم، أسَفه...هكذا شعُرت.
كنتُ أوّلَ من ابتعد وقد فرّت دمعةٌ على خدّي وأنا أقولُ له بصوتٍ مُتأثّرٍ بينما أبكي من الألمِ الذي اجتاحني لصُراخِه عليّ بتلك الطريقة:
- لقد أحرجتَني راشد، أحرجتني جدًا وأنت تصرخ في وجهي ونحنُ في الشارعِ أمامَ المارّة، لستُ طفلة لتُعاملني بهذه الطريقَةِ المُوبِّخَةِ لي!
لَم أستطِع التحمُّل، وأجهَشتُ بالبُكاءِ من جديدٍ وأنا أتذكّر ما حدث قبل قليل.
عادَ الغضبُ ليرتَسِم على وَجهِ راشد، وهو يشُدّ على أسنانِه مانِعًا نفسَه مِن الانفلاتِ مرّةً أخرى وقال:
- لين، لقد مررتُ بأسوأ صباحٍ على الإطلاق، و إن كنتِ تعتقدين أنني أحرجتُك، فأنتِ بالمُقابل قد أرعبتِنِي، حتى أنّى تركتُ المُستشفى دونَ أن أعتذِر عن العمليةِ المُتوجّب عليّ القيام بها، و قُدتُ سيارتي كالمجنون لأصِل إليكِ وأنا أبتَهِل إلى الله ألاّ يكون قد أصابك سوء.
كنتُ أستمِع إليه و قد صدمني ما سبّبتُه له مِن قلقٍ لَم أكُن أبدًا أقصدُه.
وحين رأى راشد ملامِحي وهي تلين، أكمَل بصَوتٍ أكثرَ لُطفًا:
- اتّصلتُ بك مِرارًا على الهاتفِ الأرضيّ لكنّك لَم تُجيبِي، فكرت بأنك ربما تستحمّين، أو ربما تُجفّفِين شعرك، وعاودتُ الاتصالَ بعدَها على هاتفِك المَحمول لكنّك لَم تُجيبِ أيضًا.. ثُم جُنّ جنوني حين اتّصلتُ مرة أخرى ووجدتُ الهاتفَ مُغلَق! لا تعرفين الأفكارَ التي عصِفَت بي، كِدتُ أموتُ من القلقِ عليكِ، وعندما عدتُ وجدتُك تسرحين مع أزهارِك، وأنا الغَبيّ كِدتُ أُصاب بجلطةٍ قلبيّةٍ خَوفًا عليكِ.. كَيف تُريدينني أن أتكلّم معِك برقّة في الوقتِ الذي أرغبُ فيه بصَفعِك؟!
فتحتُ عيناي و قد شعرتُ بذُعرٍ حقيقي مِن فكرةِ أن يصفعني راشد.. نظرتُ دونَ أن أنتبِه إلى يدَيه الكبيرتين، وفكّرتُ برُعبٍ أنّني ربما أموتُ لو فَعَلها؛ فهو قويٌ و... ثُم رفعتُ عيناي لوجهِه وقد أثارَت تعبيراتُه المُخيفة الرُعبَ في قلبي وشعرتُ براشد يتأمّلني و هو يستوعب الصدمةَ التي سبّبَها لي بكلماتِه، رأيت ملامِحَ وجهِه تكتَسِي باللُطف، وشعرتُ بأنفاسِه تهدأ وهو يأخذ نفسًا عميقًا طويلاً قبل أن يُكمل و قد أحاط كتفيّ بذِراعِه وشدّني إليه بينما يهُزّ رأسَه بعِتابٍ لي:
- و طبعًا عندما عُدت، وجدتُ الهاتفَ في دُرجِ المِنضدَةِ الصغيرةِ الموجودةِ بجانِبِ السرير مُغلَقًا؛ لأنّه فارغٌ من الشحنِ كالعادة!
حاولتُ أن أُدافع عن نفسي و أجِد الأعذارَ لراشد، فبلّلتُ شفتيّ بارتباكٍ وأنا أقولُ بصَوتٍ مَهزوز:
لين الطاهر
امتدّت يدا راشد بخفّةٍ إلى حِجابي الذي لازلتُ أرتديه حين غَفَوتُ على سَريري، وانتزَع الدبابيس برفقٍ ساحبًا حِجابي برقّةٍ مُتناهية؛ حِرصًا منه على ألاّ أستيقظ من نومي.. كنتُ لازلتُ مغمضةً عيناي وأنا أشعُر بشعري ينتشر على يدِ راشد، وقد تغلغلَت أنامِلُه السمراء لتُداعِب فروة رأسي بحرَكاتٍ رتيبة أرسلَت الاستِرخاءَ إلى نفسي المُعذَّبَة، و دونَ أن أشعُر أفلتَت منّي تنهيدةٌ مضطربة و قد شعرتُ بارتجافٍ يُهدّد بنَوبة بُكاءٍ جديدة....شعرتُ بعدَها بضغطٍ خفيفٍ على شفتيّ أرسل قشعريرةً في أوصالي، وهمستُ بحُزنٍ دونَ أن أستطيع فتح عيناي:
_ ر اا شـ..د..
فتحتُ عيناي بعد أن شعرتُ به يمسح على وجنتي، و أسرتني عيناه اللتان كانتا تحدّقان في وجهي الباكي بحنانٍ و شغَفٍ اشتقتُ إليهما، لكنني سُرعان ما تذكّرتُ ما حدث قبلَ نومي، فعادت التقطيبةُ ترتَسِم على جبيني، و استدرَكتُ قائلةً:
-كيف دخلتَ إلى هنا؟!
أجابني راشد و هو يتأمّل عبوسي، وشِبهُ ابتسامةٍ ترتسِم على وجهِه:
- بسهولةٍ حبيبتي.
لَم يعجبني جوابُه المُتهكِّم و قلتُ له:
- و لكنّها ليسَت المرّة الأولى التي أُغلقُ فيها غُرفتي فـ....
قاطعني راشد بابتسامة:
- و ليست المرّة الأولى التي أدخلُ فيها إلى الغرفة...الأمرُ بسيطٌ حيبتي؛ مفَكٌ كبير، و آخرٌ صَغير، وأُصبِحُ بجانِبِك..
أكمَلَ راشد و قد رأى علامات الاستفهامِ ترتَسِم على ملامِحِي التي يُدقِّق فيها:
- كنتُ أدخُل لأطمئِنّ عليكِ بعدَ نوباتِ غضبِك المُعتادة، لأجِدِك تنامين كالجميلةِ النائمة، لكنك لَم تكونِ تستيقظين عندما كنتُ أُقبّلك أيّتُها النائمة..
بدِفاعٍ أجبتُه:
- أولاً، أنا لَم أكُن أغضبُ بلا سبب، وأنت تعرِف أنّك كنت تصرُخ في وجهي وأنا لا أحتَمِلُ ذلك، ثُم أنّني أشُكّ أنك كنت تُقبّلني، لأنّي لَم أشعُر بأيٍّ منها، أو ربما كنت تتعمّد أن تُقبّلني بخِفّةٍ حِرصًا مِنك على عدَم إيقاظي لترتاح من صُحبتِي التي يبدو أنّها تبعث فيكَ الضجرَ و الملل و...
امتدّت أناملُ راشد نحوَ فمي الذي يُكيل له الاتهامات، و اقترَب مِن وجهي هامسًا بعَبَقِه الرُجوليِّ الخاص أمام فمي -الذي مازالت يدُه تُغطّيه- بمُداعبةٍ أفقدَتني تركيزي:
- أنا لا أمَلّ منك أبدًا ليني..أنت..
قطَع كلماته وهو يُبعِد أناملَه بخفّةٍ عن شفتيّ، وأمسَك بذقني رافعًا وجهي نحوَه، فيما امتدّت يدُه الأخرى خلفَ رأسي؛ ليسحبني نحوَه غامرًا إيّاي بقُبلةٍ أودَعَها شوقَه و حبَّه وأسفه ...نعم، أسَفه...هكذا شعُرت.
كنتُ أوّلَ من ابتعد وقد فرّت دمعةٌ على خدّي وأنا أقولُ له بصوتٍ مُتأثّرٍ بينما أبكي من الألمِ الذي اجتاحني لصُراخِه عليّ بتلك الطريقة:
- لقد أحرجتَني راشد، أحرجتني جدًا وأنت تصرخ في وجهي ونحنُ في الشارعِ أمامَ المارّة، لستُ طفلة لتُعاملني بهذه الطريقَةِ المُوبِّخَةِ لي!
لَم أستطِع التحمُّل، وأجهَشتُ بالبُكاءِ من جديدٍ وأنا أتذكّر ما حدث قبل قليل.
عادَ الغضبُ ليرتَسِم على وَجهِ راشد، وهو يشُدّ على أسنانِه مانِعًا نفسَه مِن الانفلاتِ مرّةً أخرى وقال:
- لين، لقد مررتُ بأسوأ صباحٍ على الإطلاق، و إن كنتِ تعتقدين أنني أحرجتُك، فأنتِ بالمُقابل قد أرعبتِنِي، حتى أنّى تركتُ المُستشفى دونَ أن أعتذِر عن العمليةِ المُتوجّب عليّ القيام بها، و قُدتُ سيارتي كالمجنون لأصِل إليكِ وأنا أبتَهِل إلى الله ألاّ يكون قد أصابك سوء.
كنتُ أستمِع إليه و قد صدمني ما سبّبتُه له مِن قلقٍ لَم أكُن أبدًا أقصدُه.
وحين رأى راشد ملامِحي وهي تلين، أكمَل بصَوتٍ أكثرَ لُطفًا:
- اتّصلتُ بك مِرارًا على الهاتفِ الأرضيّ لكنّك لَم تُجيبِي، فكرت بأنك ربما تستحمّين، أو ربما تُجفّفِين شعرك، وعاودتُ الاتصالَ بعدَها على هاتفِك المَحمول لكنّك لَم تُجيبِ أيضًا.. ثُم جُنّ جنوني حين اتّصلتُ مرة أخرى ووجدتُ الهاتفَ مُغلَق! لا تعرفين الأفكارَ التي عصِفَت بي، كِدتُ أموتُ من القلقِ عليكِ، وعندما عدتُ وجدتُك تسرحين مع أزهارِك، وأنا الغَبيّ كِدتُ أُصاب بجلطةٍ قلبيّةٍ خَوفًا عليكِ.. كَيف تُريدينني أن أتكلّم معِك برقّة في الوقتِ الذي أرغبُ فيه بصَفعِك؟!
فتحتُ عيناي و قد شعرتُ بذُعرٍ حقيقي مِن فكرةِ أن يصفعني راشد.. نظرتُ دونَ أن أنتبِه إلى يدَيه الكبيرتين، وفكّرتُ برُعبٍ أنّني ربما أموتُ لو فَعَلها؛ فهو قويٌ و... ثُم رفعتُ عيناي لوجهِه وقد أثارَت تعبيراتُه المُخيفة الرُعبَ في قلبي وشعرتُ براشد يتأمّلني و هو يستوعب الصدمةَ التي سبّبَها لي بكلماتِه، رأيت ملامِحَ وجهِه تكتَسِي باللُطف، وشعرتُ بأنفاسِه تهدأ وهو يأخذ نفسًا عميقًا طويلاً قبل أن يُكمل و قد أحاط كتفيّ بذِراعِه وشدّني إليه بينما يهُزّ رأسَه بعِتابٍ لي:
- و طبعًا عندما عُدت، وجدتُ الهاتفَ في دُرجِ المِنضدَةِ الصغيرةِ الموجودةِ بجانِبِ السرير مُغلَقًا؛ لأنّه فارغٌ من الشحنِ كالعادة!
حاولتُ أن أُدافع عن نفسي و أجِد الأعذارَ لراشد، فبلّلتُ شفتيّ بارتباكٍ وأنا أقولُ بصَوتٍ مَهزوز:
👍7❤1👏1
- و ماذا لو نسيتُ هاتفي؟ نسيانُ الهاتفِ المَحمول في المنزل حادثٌ عرَضِي قد يحصُل لأيٍّ كان، ألَم تنسَه أنتَ مرّةً في حياتِك؟!
بابتسامةٍ ساخرة أجابني باستخفاف:
- بالنّسبةِ لي شخصيًا لَم أنسَه في حياتي... أما إجابةً عن سؤالِك، فقد ينسى البعضُ هاتفَه، ولكن هل ينساه يا لين منذ الثامنةِ صباحًا و حتى الثانيةِ بعدَ الظُهر؟!
صمَتَ للحظةٍ قبل أن يُردِف و عيناه تُرسِلان إلي عيناي شرارات تحذيريّة، في الوقتِ الذي علا صوتُه مُنهيًا جِدالي معه:
- ستّةُ ساعاتٍ يا ليـــن؟ على أيِّ غَيمةٍ كنتِ تُحلّقين؟ و إلى أيِّ كَوكبٍ وصلتِ؟
اعتدلت في جِلوسي على سريرِنا، و ضمَمتُ يداي إلى صدري و برمتُ شفتاي، أقول له و أنا أُشيحُ بوَجهي عنه:
- هذا ما حصل دكتور راشد وإذا كنت على حق، ماذا بَعد؟! أنا لا أُحب صُراخَك في وجهي...وبالتأكيد كُنتُ على كَوكبٍ بعيدٍ عن همجيّةِ الرِّجال و خشونَتِهم الفِطريّة.
ثُم أدَرتُ وجهي نحوَه و أنا أرفَع ذقني و أقولُ في ثِقَةٍ كبيرةٍ و كِبرياءٍ لا أملِكهُما حقيقةً أمام سَطوةِ راشد:
- أنا لَن أُكلّمُك، و لا تتحدّث معي؛ لأنّك لَم تُصالحني بعد...
رفع راشد حاجبَيه استنكارًا و هو يقول بصوتِه الأجشّ، و قد ظهَر في كلماتِه الانفعالُ مرّةً أُخرى:
- و مَن يعتذِر عمّا سبّبتِه لي من قلقٍ و تَوتُّرٍ و هَلَعٍ كاد أن يُفقدني صوابي، اتّصَلتُ بزمِيلي و أنتِ نائمة؛ لأطلُب منه أن يقوم بالعمليّةِ عِوضًا عنّي، خرجتُ من المُستشفى و قد شلّ الخوفُ أطرافي و حتى بعد أن اطمأنَنتُ عليكِ، لَم أكُن بحالةٍ تسمح لي بإجراءِ عملية أو حتى العودة إلى المُستشفى، خصوصًا بعدَ دُخولِك المُنفَعِل إلى الغرفة و إغلاقِك الباب على نفسِك...لَم أعرِف كيف أتصرّف! كنتُ غاضبًا لين، غاضبًا جدًا..
للَحظاتٍ شعرتُ أن غضبَه سينالني مرّةً أخرى، وخِفتُ عليه حينَ رأيتُ انفعالَه، فاقترَبتُ منه ببُطء، ووضعتُ رأسي على كتِفِه وأنا أستنشِق رائحتَه التي أعشقُها، وأستشعر صلابةَ صدرِه العريضِ الدافئ، وقلتُ له بهَمسٍ حنونٍ وقد أحَطتُ خصرَه بذراعي مُقترِبَةً من جسدِه المُتصلِّب أكثرر:
- هل خِفت عليّ رشودي؟ حبيبي أنا آسفة لأنّني عطّلتُ يومَك، لم أقصِد..
رفعتُ رأسي لأنظُر إلى عَينَيه وقد شعرتُ بجسدِه يسترخي قليلاً، أرجوه بعينيّ أن يُسامحني وبهمسي الحنون:
- راشد أنا...
لم ينتظر منّي أن أُكمل، فقد أخذَني بين ذِراعَيه في عناقٍ حميمي دافئ و طويـــل، بثّ فيه حُبَه الغامِر والعميق لي وحدي، أميرة قلبِه الوحيدة، وابتسامة حياتِه الأبدية.
علا صوتُ هاتفِه الخاص بالمُستشفى مُعلنًا وصولِ رسالة، فابتعد عني بلُطفٍ مُقبّلاً جبيني بخفّة قبلَ أن يرفَع هاتفَه ليقرأ رسالتَه، ليُجري بعدَها مُكالَمةً هاتفيّة مع أحدِ الأطباء.
بهُدوءٍ شديدٍ انسحبتُ من سريرِنا، وتوجّهتُ نحوَ المطبخ لأُحضر لراشد كوبًا من عصيرِ البُرتُقال وقطعةً من الحلوى التي صنعتُها..(الألماسية) كما تُسميها أمي.
التفتُّ لأجِد أزهاري التي ابتعتُها موضوعةً في مزهريّة على طاولةِ المطبخ، فاقتربتُ لأستنشِق عبيرَها و أنا أشعر بامتِنانٍ لراشد على اهتمامِه بأزهاري.
دقائقٌ قليلةٌ مرّت قبلَ أن يدخُل راشد إلى المطبخ ويجلس في مكانِه المُعتاد، قدّمتُ له كوبَ العصير وقطعةً من حلوى الألماسية بمُكوّناتِها العربيّةِ الأصيلة التي عشقتُها من والدتي عندما كانت تطهوها، والجوُ يعبَقُ من حولِها برائحةِ ماءِ الزّهرِ العطرة.
غلبَني الحنينُ وأنا أتأمّل الفُستق الحلبيّ الذي زيّنتُ به الحلوى، وذكريات حُلوة مرّت في مُخيّلتي، فوجدتُ نفسي أقولُ بتلقائيّة:
- للألماسيّةِ التي تصنعُها ماما طَعمٌ آخر، ناهيكَ عن صَخَبِ إخوتي وهم يتسابقون أيّهم يملأ طبقَه أولاً، لتُنهي والدتي ذلك العِراك وهي تخُصّ والدي بأفضلِ طبَقٍ مُعلِنَةً بصَوتِها الحنون وبضَحِكَةٍ جميلة أنّها ما صنعَتها إلا له، يا الله كَم اشتقتُ لهم...
لَم أعِ أن دمعةً وحيدة تدحرَجَت على وجنتي إلاّ عندما شعرتُ بأنامل راشد وهي تمسحُها برقّة، وصوته الأجش الذي يمُدّني بارتياحٍ فريدٍ من نَوعِه يقول:
- الغُربةُ صعبةٌ يا لين، و أنا أُقدّرُ اشتياقَكِ الشديدَ لعائلتِك.
ابتسم برقّة ليُكمِل:
- لكن الألماسية التي تصنعينها لذيذةٌ أيضًا، وأنا بانتظارِ ذلك اليوم الذي ستخُصّينَني فيه بطبقِ ألماسية مُميّز تُبعدينه عن أيدي أطفالِنا!
نظرتُ إليه وقد استطاع بكلماتِه أن يسحرني، لكنّني استعَدتُ عبوسي وأجبتُه بغضب مُصطنع وأنا أدفعه برِفقٍ عنّي:
- من فضلِك، لا تُكلّمني؛ فأنا غاضبة مِنك لأنّك لَم تُراضِني بعد.
رفع راشد حاجبَيه استنكارًا و هو يعود إلى كوبِ العصير الذي على الطاولة، وسألني:
- و كيف سترضى السيدة (غاضبة)؟!
اقتربتُ منه وجلستُ على الكرسي المُجاوِرِ له، واحتضنتُ عضُدَه بينما أميلُ برأسي نحو كتِفِه، أهمس في أذنِه قبلَ أن أُقبّل وجنتَه بخفّة:
- أريدُ سِلسلةً ذهبيّة تحمِل كلمة (أميرتي).
شعرتُ براشد يتحرّك قليلاً لينظُر في عيناي، وسألني بتعجُّبٍ واضح:
بابتسامةٍ ساخرة أجابني باستخفاف:
- بالنّسبةِ لي شخصيًا لَم أنسَه في حياتي... أما إجابةً عن سؤالِك، فقد ينسى البعضُ هاتفَه، ولكن هل ينساه يا لين منذ الثامنةِ صباحًا و حتى الثانيةِ بعدَ الظُهر؟!
صمَتَ للحظةٍ قبل أن يُردِف و عيناه تُرسِلان إلي عيناي شرارات تحذيريّة، في الوقتِ الذي علا صوتُه مُنهيًا جِدالي معه:
- ستّةُ ساعاتٍ يا ليـــن؟ على أيِّ غَيمةٍ كنتِ تُحلّقين؟ و إلى أيِّ كَوكبٍ وصلتِ؟
اعتدلت في جِلوسي على سريرِنا، و ضمَمتُ يداي إلى صدري و برمتُ شفتاي، أقول له و أنا أُشيحُ بوَجهي عنه:
- هذا ما حصل دكتور راشد وإذا كنت على حق، ماذا بَعد؟! أنا لا أُحب صُراخَك في وجهي...وبالتأكيد كُنتُ على كَوكبٍ بعيدٍ عن همجيّةِ الرِّجال و خشونَتِهم الفِطريّة.
ثُم أدَرتُ وجهي نحوَه و أنا أرفَع ذقني و أقولُ في ثِقَةٍ كبيرةٍ و كِبرياءٍ لا أملِكهُما حقيقةً أمام سَطوةِ راشد:
- أنا لَن أُكلّمُك، و لا تتحدّث معي؛ لأنّك لَم تُصالحني بعد...
رفع راشد حاجبَيه استنكارًا و هو يقول بصوتِه الأجشّ، و قد ظهَر في كلماتِه الانفعالُ مرّةً أُخرى:
- و مَن يعتذِر عمّا سبّبتِه لي من قلقٍ و تَوتُّرٍ و هَلَعٍ كاد أن يُفقدني صوابي، اتّصَلتُ بزمِيلي و أنتِ نائمة؛ لأطلُب منه أن يقوم بالعمليّةِ عِوضًا عنّي، خرجتُ من المُستشفى و قد شلّ الخوفُ أطرافي و حتى بعد أن اطمأنَنتُ عليكِ، لَم أكُن بحالةٍ تسمح لي بإجراءِ عملية أو حتى العودة إلى المُستشفى، خصوصًا بعدَ دُخولِك المُنفَعِل إلى الغرفة و إغلاقِك الباب على نفسِك...لَم أعرِف كيف أتصرّف! كنتُ غاضبًا لين، غاضبًا جدًا..
للَحظاتٍ شعرتُ أن غضبَه سينالني مرّةً أخرى، وخِفتُ عليه حينَ رأيتُ انفعالَه، فاقترَبتُ منه ببُطء، ووضعتُ رأسي على كتِفِه وأنا أستنشِق رائحتَه التي أعشقُها، وأستشعر صلابةَ صدرِه العريضِ الدافئ، وقلتُ له بهَمسٍ حنونٍ وقد أحَطتُ خصرَه بذراعي مُقترِبَةً من جسدِه المُتصلِّب أكثرر:
- هل خِفت عليّ رشودي؟ حبيبي أنا آسفة لأنّني عطّلتُ يومَك، لم أقصِد..
رفعتُ رأسي لأنظُر إلى عَينَيه وقد شعرتُ بجسدِه يسترخي قليلاً، أرجوه بعينيّ أن يُسامحني وبهمسي الحنون:
- راشد أنا...
لم ينتظر منّي أن أُكمل، فقد أخذَني بين ذِراعَيه في عناقٍ حميمي دافئ و طويـــل، بثّ فيه حُبَه الغامِر والعميق لي وحدي، أميرة قلبِه الوحيدة، وابتسامة حياتِه الأبدية.
علا صوتُ هاتفِه الخاص بالمُستشفى مُعلنًا وصولِ رسالة، فابتعد عني بلُطفٍ مُقبّلاً جبيني بخفّة قبلَ أن يرفَع هاتفَه ليقرأ رسالتَه، ليُجري بعدَها مُكالَمةً هاتفيّة مع أحدِ الأطباء.
بهُدوءٍ شديدٍ انسحبتُ من سريرِنا، وتوجّهتُ نحوَ المطبخ لأُحضر لراشد كوبًا من عصيرِ البُرتُقال وقطعةً من الحلوى التي صنعتُها..(الألماسية) كما تُسميها أمي.
التفتُّ لأجِد أزهاري التي ابتعتُها موضوعةً في مزهريّة على طاولةِ المطبخ، فاقتربتُ لأستنشِق عبيرَها و أنا أشعر بامتِنانٍ لراشد على اهتمامِه بأزهاري.
دقائقٌ قليلةٌ مرّت قبلَ أن يدخُل راشد إلى المطبخ ويجلس في مكانِه المُعتاد، قدّمتُ له كوبَ العصير وقطعةً من حلوى الألماسية بمُكوّناتِها العربيّةِ الأصيلة التي عشقتُها من والدتي عندما كانت تطهوها، والجوُ يعبَقُ من حولِها برائحةِ ماءِ الزّهرِ العطرة.
غلبَني الحنينُ وأنا أتأمّل الفُستق الحلبيّ الذي زيّنتُ به الحلوى، وذكريات حُلوة مرّت في مُخيّلتي، فوجدتُ نفسي أقولُ بتلقائيّة:
- للألماسيّةِ التي تصنعُها ماما طَعمٌ آخر، ناهيكَ عن صَخَبِ إخوتي وهم يتسابقون أيّهم يملأ طبقَه أولاً، لتُنهي والدتي ذلك العِراك وهي تخُصّ والدي بأفضلِ طبَقٍ مُعلِنَةً بصَوتِها الحنون وبضَحِكَةٍ جميلة أنّها ما صنعَتها إلا له، يا الله كَم اشتقتُ لهم...
لَم أعِ أن دمعةً وحيدة تدحرَجَت على وجنتي إلاّ عندما شعرتُ بأنامل راشد وهي تمسحُها برقّة، وصوته الأجش الذي يمُدّني بارتياحٍ فريدٍ من نَوعِه يقول:
- الغُربةُ صعبةٌ يا لين، و أنا أُقدّرُ اشتياقَكِ الشديدَ لعائلتِك.
ابتسم برقّة ليُكمِل:
- لكن الألماسية التي تصنعينها لذيذةٌ أيضًا، وأنا بانتظارِ ذلك اليوم الذي ستخُصّينَني فيه بطبقِ ألماسية مُميّز تُبعدينه عن أيدي أطفالِنا!
نظرتُ إليه وقد استطاع بكلماتِه أن يسحرني، لكنّني استعَدتُ عبوسي وأجبتُه بغضب مُصطنع وأنا أدفعه برِفقٍ عنّي:
- من فضلِك، لا تُكلّمني؛ فأنا غاضبة مِنك لأنّك لَم تُراضِني بعد.
رفع راشد حاجبَيه استنكارًا و هو يعود إلى كوبِ العصير الذي على الطاولة، وسألني:
- و كيف سترضى السيدة (غاضبة)؟!
اقتربتُ منه وجلستُ على الكرسي المُجاوِرِ له، واحتضنتُ عضُدَه بينما أميلُ برأسي نحو كتِفِه، أهمس في أذنِه قبلَ أن أُقبّل وجنتَه بخفّة:
- أريدُ سِلسلةً ذهبيّة تحمِل كلمة (أميرتي).
شعرتُ براشد يتحرّك قليلاً لينظُر في عيناي، وسألني بتعجُّبٍ واضح:
❤3👍2
- نـعــم؟! و مِن أين أُحضِرُها ونحنُ في لندن؟! لو كنتُ في الأردن لكان الأمرُ بسيطًا ثُم من أين أتيتِ بهذه الفكرة؟!
نظر مليًا في عينيّ اللّتَين تتهربان من النظرِ إلى عينَيه، ليُكمل قائلاً وهو يُمسِك بذقني ليُثبّت رأسي ويتفرّس في عينيّ بقُوّة:
- انتظري، أنا من سيُخبرُك، هل قرأتِها في رواية؟
أغلقتُ عيناي و أنا أعضّ على شفتي السُفلى بينما حرّكتُ له رأسي بالمُوافقَة:
- نعم في رواية (رُبما يومًا ما) للكاتبةِ التي أُحبّها...
تنهيدةٌ طويلةٌ أطلقَها راشد و هو ينظُر نحوَ السقف، ثُم عاوَد النظرَ إليّ و أنا أُرفرِف برُموشي الطويلة له، وأردف قائلاً:
- حسنًا يا (أميرتي) لَن أستطيع إحضارَها لكِ، على الأقلّ في الوقتِ الحالي، فأنا لا أعرِف سِوى سُوقِ الصّاغَة في عمّان.
كنتُ أميلُ بخفّةٍ نحو صدرِه العريض فيما كان يُحادثني، ثم و برِقّةٍ شديدةٍ دفنتُ وجهي في صدرِه، وأنا أختبئ من نظراتِه المُتعجِّبة وأحتمي في أحضانِه من أيِّ انفعالٍ قد يصدُر منه و يُكدّرني، همستُ له وأنا مُتعلِّقةٌ به:
- عِدني أن تُحضِرها لي، ألَم تُخبرني مِرارًا أنّني أميرَتُك؟
كان راشد يُسيطِر على أنفاسِه بصُعوبة وهو يشُدّني نحوَه، بينما يداه تضغطان بقُوّةٍ على ظهري مُقرّبًا إيّاي منه أكثر، وسألني بصَوتِه الأجشّ انفعالاً:
- هل ستذهبين لاجتماع الجارات يا لين؟
أجبتُه بحماسٍ و سعادةٍ حقيقيّة:
- نعم، بالتأكيد، أُحِبّ جاراتي يا راشد؛ فهُن في غايَةِ اللُطفِ معي، أشعُر أنّهن أخواتِي، وأتمنّى أن أتعلّم منهُنّ الكثير؛ فلكُلٍ منهُن شخصيّة ساحرة بطريقتِها الخاصة.
ابتسم راشد على حماسي وبلُطفٍ شديدٍ دفعَني عنه، لينهض واقفًا وهو يقول لي:
- استعدّي حبيبتي، وتعالَي لأُريكِ شيئًا فريدًا وخاصًا جدًا.
بعدَ نِصفِ ساعةٍ خرجتُ مِن غُرفتي وأنا أرتدي طقمًا جميلاً باللّونِ الأزرقِ المَلكيّ وارتديتُ معه حِجابًا مُناسِبًا بألوانٍ هادئة، وزيّنتُ وجهي بلمساتٍ بسيطةٍ أضفَت لعيناي تألُّقًا ولمعانًا جذّابًا...كان راشد يتأمّلني بإعجابٍ واضِحٍ وهو يربّت على المقعد المُجاور له على الأريكةِ لأجلِس بجانبِه فيما حملَت يدُه الأخرى كيسًا صغيرًا من قُماشِ المُخمَلِ الأسود.
نظرةُ التساؤلِ التي وجّهتُها نحوَه جعلَته يتناول كفّي ليضَعَ الكيسَ الصغيرَ فيه، أحسَستُ بأن هُناك ثقلٌ بسيطٌ فيه لشيءٍ لَم أعرِف ما هو، نظرتُ لعيني راشد الذي قال لي مُشجِّعًا:
- افتحيه ليني... هذه هديّتي لكِ.
بأصابعٍ رقيقةٍ مُرتجِفة فتحتُ الكيسَ الصغيرَ لأُخرِج منه -و لدهشتي- ساعةَ جيبٍ تبدو قديمة لكن جميلةً جدًا بلَونِها الذهبيّ وأرقامِها البرّاقة وشكلِها الرّاقي. شهقَةٌ خافِتَةٌ أطلقتُها و أنا أقولُ بإعجابٍ كبير:
- يا الله! ما أجمـلُهـا راشد!
أجابَني راشِد بفَخرٍ وكبرياءٍ مُحبّبَة وهو يتحدّث عن جَدّه المُتوفَّى:
- إنّها هديّةٌ من جدّي الذي أعطاها له جدُه؛ فأنا الابنُ البِكر لابنِه البِكر، وهذه الساعة أثريّةٌ جدًا، وهي من ماركة Moeris المشهورة ..أعتقِد أن عُمرَها مائةُ عام.
تأمّلتُها بانبهارٍ وأنا أُجيبُه:
- إنّها رائعة راشد ويبدو أنها قيِّمةٌ جدًا.
أومأ راشد برأسِه علامةَ المُوافقَة:
- نعم، إنّها تُقدَّر بقيمةِ مائتَي وخمسين ألف دولار تقريبًا ولكنّها طبعًا ليسَت للبَيع؛ هي إرثٌ عائليّ نتوارثُها في عائلتِنا، وأنا أعُطيها لكِ يا لين، لنُعطِيها معًا لابنِنا البِكر حينَ يتزوّج إن شاء الله.
ترَقرَقَت عيناي بالدموع وأنا أقول بتأثُّرٍ عميقٍ وبمشاعِرٍ جيّاشة:
- حبيبي، أرجوك أبقِها معَك؛ فأنا أخافُ أن أحتفِظ بها..
ضحِك راشد بخُفوتٍ ماكِر، ثم قال بهَمسٍ حنون:
- في هذه، معِك حق يا لين..
و أردف بابتسامةٍ ساخِرةٍ حين رأى عيناي تشعّان بتمرُّدٍ وأنا أقِف لأبتعِد عنه:
- انتظري...ألَن تأخُذي معك قالب الحلوى الذي أعددتِه؟!
تجاهلتُه ودخلتُ مطبخي لأُخرِج قالبَ الحلوى الذي صنعتُه خِصّيصًا للِقاءِ صديقاتي وقد زيّنتُه بطَريقةٍ حُلوة و غلّفتُه بأناقة.
كنتُ أراقِب راشد بطَرَفِ عيني يفتح إحدى الخزائن ليضعَ فيها ساعتَه الثمينة، فيما يبتسِم بمكرٍ لي كُلما التقَت عيناي بعينَيه الحادّتَين...حملتُ القالبَ بيديّ الاثنتَين واتّجهتُ نحوَ الباب لألحق بموعدي بينما أُحاول تجاهل نظراته علّه يُدرِك أن اتّهامَه لَم يُعجبني....توجّه نحوي وأمسكني من كتفي برقّة مُنتهِزًا فُرصة أنّني لَن أبتعِد خشيةَ وُقوعِ الحلوى التي صنعتُها، وقبّل وجنتي، يقول لي بحنانٍ وهو يفتَح لي الباب:
- استمتعي بوقتِك حبيبتي.
و أكمل بعدَ أن غمزَ لي وابتسامةٌ لَعوبٌ تلوحُ على وجهِه:
- سأكونُ بانتظارِك ليني.
بابتسامةٍ خجولةٍ ومُشرِقة، خرجتُ مِن بيتي لأتّجِه إلى بيتِ صديقتي زينب التي أُحبّها جدًا، وأنا أشعُر بالسّعادةِ قد ملأت قلبي بالفِعل؛ لمُجرّدِ التقائي مع صَديقاتي الرّائعات اللواتي أستمتِع بصُحبَتِهنّ وبأحاديثِهنّ.
*********
نظر مليًا في عينيّ اللّتَين تتهربان من النظرِ إلى عينَيه، ليُكمل قائلاً وهو يُمسِك بذقني ليُثبّت رأسي ويتفرّس في عينيّ بقُوّة:
- انتظري، أنا من سيُخبرُك، هل قرأتِها في رواية؟
أغلقتُ عيناي و أنا أعضّ على شفتي السُفلى بينما حرّكتُ له رأسي بالمُوافقَة:
- نعم في رواية (رُبما يومًا ما) للكاتبةِ التي أُحبّها...
تنهيدةٌ طويلةٌ أطلقَها راشد و هو ينظُر نحوَ السقف، ثُم عاوَد النظرَ إليّ و أنا أُرفرِف برُموشي الطويلة له، وأردف قائلاً:
- حسنًا يا (أميرتي) لَن أستطيع إحضارَها لكِ، على الأقلّ في الوقتِ الحالي، فأنا لا أعرِف سِوى سُوقِ الصّاغَة في عمّان.
كنتُ أميلُ بخفّةٍ نحو صدرِه العريض فيما كان يُحادثني، ثم و برِقّةٍ شديدةٍ دفنتُ وجهي في صدرِه، وأنا أختبئ من نظراتِه المُتعجِّبة وأحتمي في أحضانِه من أيِّ انفعالٍ قد يصدُر منه و يُكدّرني، همستُ له وأنا مُتعلِّقةٌ به:
- عِدني أن تُحضِرها لي، ألَم تُخبرني مِرارًا أنّني أميرَتُك؟
كان راشد يُسيطِر على أنفاسِه بصُعوبة وهو يشُدّني نحوَه، بينما يداه تضغطان بقُوّةٍ على ظهري مُقرّبًا إيّاي منه أكثر، وسألني بصَوتِه الأجشّ انفعالاً:
- هل ستذهبين لاجتماع الجارات يا لين؟
أجبتُه بحماسٍ و سعادةٍ حقيقيّة:
- نعم، بالتأكيد، أُحِبّ جاراتي يا راشد؛ فهُن في غايَةِ اللُطفِ معي، أشعُر أنّهن أخواتِي، وأتمنّى أن أتعلّم منهُنّ الكثير؛ فلكُلٍ منهُن شخصيّة ساحرة بطريقتِها الخاصة.
ابتسم راشد على حماسي وبلُطفٍ شديدٍ دفعَني عنه، لينهض واقفًا وهو يقول لي:
- استعدّي حبيبتي، وتعالَي لأُريكِ شيئًا فريدًا وخاصًا جدًا.
بعدَ نِصفِ ساعةٍ خرجتُ مِن غُرفتي وأنا أرتدي طقمًا جميلاً باللّونِ الأزرقِ المَلكيّ وارتديتُ معه حِجابًا مُناسِبًا بألوانٍ هادئة، وزيّنتُ وجهي بلمساتٍ بسيطةٍ أضفَت لعيناي تألُّقًا ولمعانًا جذّابًا...كان راشد يتأمّلني بإعجابٍ واضِحٍ وهو يربّت على المقعد المُجاور له على الأريكةِ لأجلِس بجانبِه فيما حملَت يدُه الأخرى كيسًا صغيرًا من قُماشِ المُخمَلِ الأسود.
نظرةُ التساؤلِ التي وجّهتُها نحوَه جعلَته يتناول كفّي ليضَعَ الكيسَ الصغيرَ فيه، أحسَستُ بأن هُناك ثقلٌ بسيطٌ فيه لشيءٍ لَم أعرِف ما هو، نظرتُ لعيني راشد الذي قال لي مُشجِّعًا:
- افتحيه ليني... هذه هديّتي لكِ.
بأصابعٍ رقيقةٍ مُرتجِفة فتحتُ الكيسَ الصغيرَ لأُخرِج منه -و لدهشتي- ساعةَ جيبٍ تبدو قديمة لكن جميلةً جدًا بلَونِها الذهبيّ وأرقامِها البرّاقة وشكلِها الرّاقي. شهقَةٌ خافِتَةٌ أطلقتُها و أنا أقولُ بإعجابٍ كبير:
- يا الله! ما أجمـلُهـا راشد!
أجابَني راشِد بفَخرٍ وكبرياءٍ مُحبّبَة وهو يتحدّث عن جَدّه المُتوفَّى:
- إنّها هديّةٌ من جدّي الذي أعطاها له جدُه؛ فأنا الابنُ البِكر لابنِه البِكر، وهذه الساعة أثريّةٌ جدًا، وهي من ماركة Moeris المشهورة ..أعتقِد أن عُمرَها مائةُ عام.
تأمّلتُها بانبهارٍ وأنا أُجيبُه:
- إنّها رائعة راشد ويبدو أنها قيِّمةٌ جدًا.
أومأ راشد برأسِه علامةَ المُوافقَة:
- نعم، إنّها تُقدَّر بقيمةِ مائتَي وخمسين ألف دولار تقريبًا ولكنّها طبعًا ليسَت للبَيع؛ هي إرثٌ عائليّ نتوارثُها في عائلتِنا، وأنا أعُطيها لكِ يا لين، لنُعطِيها معًا لابنِنا البِكر حينَ يتزوّج إن شاء الله.
ترَقرَقَت عيناي بالدموع وأنا أقول بتأثُّرٍ عميقٍ وبمشاعِرٍ جيّاشة:
- حبيبي، أرجوك أبقِها معَك؛ فأنا أخافُ أن أحتفِظ بها..
ضحِك راشد بخُفوتٍ ماكِر، ثم قال بهَمسٍ حنون:
- في هذه، معِك حق يا لين..
و أردف بابتسامةٍ ساخِرةٍ حين رأى عيناي تشعّان بتمرُّدٍ وأنا أقِف لأبتعِد عنه:
- انتظري...ألَن تأخُذي معك قالب الحلوى الذي أعددتِه؟!
تجاهلتُه ودخلتُ مطبخي لأُخرِج قالبَ الحلوى الذي صنعتُه خِصّيصًا للِقاءِ صديقاتي وقد زيّنتُه بطَريقةٍ حُلوة و غلّفتُه بأناقة.
كنتُ أراقِب راشد بطَرَفِ عيني يفتح إحدى الخزائن ليضعَ فيها ساعتَه الثمينة، فيما يبتسِم بمكرٍ لي كُلما التقَت عيناي بعينَيه الحادّتَين...حملتُ القالبَ بيديّ الاثنتَين واتّجهتُ نحوَ الباب لألحق بموعدي بينما أُحاول تجاهل نظراته علّه يُدرِك أن اتّهامَه لَم يُعجبني....توجّه نحوي وأمسكني من كتفي برقّة مُنتهِزًا فُرصة أنّني لَن أبتعِد خشيةَ وُقوعِ الحلوى التي صنعتُها، وقبّل وجنتي، يقول لي بحنانٍ وهو يفتَح لي الباب:
- استمتعي بوقتِك حبيبتي.
و أكمل بعدَ أن غمزَ لي وابتسامةٌ لَعوبٌ تلوحُ على وجهِه:
- سأكونُ بانتظارِك ليني.
بابتسامةٍ خجولةٍ ومُشرِقة، خرجتُ مِن بيتي لأتّجِه إلى بيتِ صديقتي زينب التي أُحبّها جدًا، وأنا أشعُر بالسّعادةِ قد ملأت قلبي بالفِعل؛ لمُجرّدِ التقائي مع صَديقاتي الرّائعات اللواتي أستمتِع بصُحبَتِهنّ وبأحاديثِهنّ.
*********
👍5❤2
خولة سعود
بعد ساعتَين من ارتداءِ الملابس و تصفِيفِ الشَّعر مِن أجلِ اجتماعِ نون، والذي سيكونُ بعدَ ثُلثِ ساعة، جلستُ على الأريكة بجِوارِ أسعد وأشرف اللذَين كانا يُشاهدان الرسومَ المُتحرِّكَة، وبدأت بترتيب حقيبتي البُنيّة الواسعة. أخرَجتُ الكثيرَ منها، ووضعتُ بدلاً من ذلك علبة من الشوكولا، والتي ذكّرَتني بقصّتِها؛ فقبلَ يومَين، واتتني رغبةٌ قويّةٌ في حَبْكِ مؤامرَةٍ جديدة، بالتأكيد جديدة؛ لأنّني في الماضي حاوَلتُ صُنعَ مؤامراتٍ عديدة لكنّها باءَت جميعها بالفشل، أنا أرى أنّه من الغريبِ أن امرأةً بخبرَتِي لا تُجيد ذلك! بالطبع انسقتُ وراءَ رغبتي، وأخذت أُفكّر في نَوعِ المؤامرة، وقبلَ ذلك، مَن هو الشخص الذي سأتآمَر عليه؟! حينها رأيتُ في التلفاز إعلانًا لشوكولا، فقررتُ أن أحبك مؤامرةً صغيرةً تُسعِد ديمة التي هي إحدى جاراتي في هذه العِمارة، والتي تعشق الشوكولا.
قُمتُ حينِها بأخذِ مَصروفي لهذا الشّهرِ من خالد، وأعطيتُه كلّه لصديقتي جيني زوجة إدوارد وطلبتُ منها أن تشتري لي أفخمَ شوكولا في لندن، كما أعطيتُها بطاقةً وطلبتُ منها أن تجعلَ إدوارد يكتُب فيها إهداءً إلى خالد وقلت لها (اجعلي المتجرَ الذي تشتَرِين منه الشوكولا، يُثبّت البطاقةَ على العلبة قبلَ أن يُغلِّفها) وهكذا سأُعطي علبةَ الشوكولا لديمة بحُجّةِ أنّي لا أنا ولا خالد –و هذه حقيقة تعرِفُها- نُحبّ الشوكولا، وبالتأكيد مَمنوعٌ على طفليّ أن يأكُلا شوكولا قبلَ أن يُتما السنتَين.
في الحقيقة فكرتُ في أن أشتري حلوَى لطِفلَيها عِماد و بسمة، لكنّي تراجَعتُ (ولِمَ أصرِف على أولادِ إياد الذي أكرهُه؟! ليشتري هو لهما!)
خرجتُ من شُرودي في القصة، لأجِد أشرَف وقد أخرَج علبةَ الشوكولا، وبدأ يُقطر فوقَها قطرات من زُجاجةِ حليبِه، صرَختُ فيه وأنا أنتزِع العلبةَ مِن بينِ يدَيه ولَم أُبالِ ببُكائِه، بل سحبتُ بضعة مناديلٍ من على الطاولة وقمتُ بمَسحِ العلبة ثم قلبتُها وبدأتُ أمسح برِقّة لكن يدي تجمّدت مكانَها عندما مرّتْ عيني على مُكوِّنات الشوكولا، وقرأتْ (بربون) و(جين).
يا للروعة! فها قد فشلَت مؤامرَتي كسابقاتِها؛ فهل يُعقل أن أعطي امرأةً مُسلِمة شوكولا مصنوعة بالخُمور؟! رمَيتُ العلبةَ بغَضَبٍ لتقَعَ على الأرض، واحتضَنتُ ابني الذي صرختُ عليه من أجل لا شيء.
مِن أكبرِ نِعَمِ العَيشِ في بلَدٍ إسلامي هو أن المَرءَ لا يخاف مِن أن يأكُل أو يشرب حرامًا، وما حدَث معي في سَنَتي الأولى في لندن خيرُ دليل؛ فبعدَ خَمسةِ أشهُرٍ من سفرِنا إلى لندن، ذهبتُ مع جيني إلى مركزِ تسوُّق، وفي أثناءِ انشغالِها في قياسِ فستان، سبقتُها إلى أحدِ محلاتِ الوجباتِ السريعة ولأنّ لُغَتي الإنجليزية كانت سيّئةً في ذلك الوقت، فقد طلبتُ أوّلَ هامبرغر كان مكتوبًا في قائمةِ الطعام مع كولا وأكلتُ بنَهَمٍ لأنّي كنتُ جائعة وبعدها بثلاثةِ أيّامٍ أخذتُ خالد لنَفسِ المكان وأنا أتبجّح بأنّهم يُبيعون أطيب هامبرغر، ليُخبرني بابتسامةٍ مُواسِيَة -بعد أن قرأ القائمة- أن ما أكلتُه كان هامبرغر بلَحمِ الخِنزير. بالطبع أُصِبتُ بصَدمةٍ شديدة وأخذتُ أُطالِب بطَريقَةٍ للعودة إلى السعودية لكن ثورَتي هدأَت عندما كتَبَ لي خالد قائمةً طويلةً بالأسماءِ المُختلفة للَحمِ الخِنزير ولكُلِ أنواعِ المَشروباتِ الكُحولّية، لأحفظُها وأتجنّبُها، و بالطبع فإنّ مِن ضمنِ القائمة، مَشروبُ البربون و مَشروبُ الجين.
نهضتُ عن الأريكة ووضعتُ أشرف بجِوارِ أخيه، ثم سِرتُ والتقطتُ علبةَ الشوكولا، وأخذتُها معي إلى المطبخ لأرميها في سلّة المُهمَلات.
التفتُّ خارجة، فلاحظتُ ذاكرةَ التخزينِ على الطاولة، تأمّلتُها مُتذكِّرَةً تفاني خالد في عملِه الصعب والذي يتطلّب منه في كثيرٍ من الأحيانِ العملَ في أيّامِ السبت كحالِه الآن.
الحديثُ عن خالِد قادني إلى ريتشيل، التي أدركتُ -بعدَ تَفكيرٍ عميق- أنّ شُكوكي حولَها هي سخافَة لأبعدِ دَرَجة؛ فخالِد يُحبّني، وريتشيل رائعة وأعتقدُ أنّها مُهتمّةٌ بشابٍ تُركيٍّ نَسيتُ اسمَه. أمسكتُ بذاكرةِ التخزينِ لأُخبِئُها في مكانٍ أعتبِره آمِنًا جدًا؛ فكَونِي امرأة تفهَم كُلَ ما يخُصّ المُؤامرَة، فإنّي اشترَيتُ خزنتَين حديديّتَين، الأولى أضعُها في دولابِ خالِد، والتي تحوي بِضعَةَ أُلوف، وصُوَر مِن شهاداتِ ميلاد طِفليّ، ومُستنداتٍ لخالد، فإذا تسلل لِصٌ للشقّة؛ فإنّ مَوقِعَها ومُحتوياتها ستُوحيان له بأنّ هذه هي خِزانتَنا ولا يُدرِك أنّنا نملِك خزنَةً ثانية، والتي أضعُها في إحدى خِزانات المَطبَخِ خلفَ الأطعِمَةِ المُعلّبَة، هذه الخزنَة هي كنزُنا بالطَبع؛ ففِيها الكثير مِن الأشياءِ المُهمّة، مِثل مُسدّسِ خالد، وجوازاتنا، وشهاداتِ مِيلادِ طِفلَيّ، وها أنا الآن أضَعُ فيها ذاكرةَ التَّخزين.
سَمِعتُ بابَ الشقّةِ يُفتَح، فخرجتُ من المطبَخ لأرى خالِد ينزِعَ مِعطفَه، قلت له باسمةً: "كَم أُحِبّ دِقّة مَواعِـ..."
بعد ساعتَين من ارتداءِ الملابس و تصفِيفِ الشَّعر مِن أجلِ اجتماعِ نون، والذي سيكونُ بعدَ ثُلثِ ساعة، جلستُ على الأريكة بجِوارِ أسعد وأشرف اللذَين كانا يُشاهدان الرسومَ المُتحرِّكَة، وبدأت بترتيب حقيبتي البُنيّة الواسعة. أخرَجتُ الكثيرَ منها، ووضعتُ بدلاً من ذلك علبة من الشوكولا، والتي ذكّرَتني بقصّتِها؛ فقبلَ يومَين، واتتني رغبةٌ قويّةٌ في حَبْكِ مؤامرَةٍ جديدة، بالتأكيد جديدة؛ لأنّني في الماضي حاوَلتُ صُنعَ مؤامراتٍ عديدة لكنّها باءَت جميعها بالفشل، أنا أرى أنّه من الغريبِ أن امرأةً بخبرَتِي لا تُجيد ذلك! بالطبع انسقتُ وراءَ رغبتي، وأخذت أُفكّر في نَوعِ المؤامرة، وقبلَ ذلك، مَن هو الشخص الذي سأتآمَر عليه؟! حينها رأيتُ في التلفاز إعلانًا لشوكولا، فقررتُ أن أحبك مؤامرةً صغيرةً تُسعِد ديمة التي هي إحدى جاراتي في هذه العِمارة، والتي تعشق الشوكولا.
قُمتُ حينِها بأخذِ مَصروفي لهذا الشّهرِ من خالد، وأعطيتُه كلّه لصديقتي جيني زوجة إدوارد وطلبتُ منها أن تشتري لي أفخمَ شوكولا في لندن، كما أعطيتُها بطاقةً وطلبتُ منها أن تجعلَ إدوارد يكتُب فيها إهداءً إلى خالد وقلت لها (اجعلي المتجرَ الذي تشتَرِين منه الشوكولا، يُثبّت البطاقةَ على العلبة قبلَ أن يُغلِّفها) وهكذا سأُعطي علبةَ الشوكولا لديمة بحُجّةِ أنّي لا أنا ولا خالد –و هذه حقيقة تعرِفُها- نُحبّ الشوكولا، وبالتأكيد مَمنوعٌ على طفليّ أن يأكُلا شوكولا قبلَ أن يُتما السنتَين.
في الحقيقة فكرتُ في أن أشتري حلوَى لطِفلَيها عِماد و بسمة، لكنّي تراجَعتُ (ولِمَ أصرِف على أولادِ إياد الذي أكرهُه؟! ليشتري هو لهما!)
خرجتُ من شُرودي في القصة، لأجِد أشرَف وقد أخرَج علبةَ الشوكولا، وبدأ يُقطر فوقَها قطرات من زُجاجةِ حليبِه، صرَختُ فيه وأنا أنتزِع العلبةَ مِن بينِ يدَيه ولَم أُبالِ ببُكائِه، بل سحبتُ بضعة مناديلٍ من على الطاولة وقمتُ بمَسحِ العلبة ثم قلبتُها وبدأتُ أمسح برِقّة لكن يدي تجمّدت مكانَها عندما مرّتْ عيني على مُكوِّنات الشوكولا، وقرأتْ (بربون) و(جين).
يا للروعة! فها قد فشلَت مؤامرَتي كسابقاتِها؛ فهل يُعقل أن أعطي امرأةً مُسلِمة شوكولا مصنوعة بالخُمور؟! رمَيتُ العلبةَ بغَضَبٍ لتقَعَ على الأرض، واحتضَنتُ ابني الذي صرختُ عليه من أجل لا شيء.
مِن أكبرِ نِعَمِ العَيشِ في بلَدٍ إسلامي هو أن المَرءَ لا يخاف مِن أن يأكُل أو يشرب حرامًا، وما حدَث معي في سَنَتي الأولى في لندن خيرُ دليل؛ فبعدَ خَمسةِ أشهُرٍ من سفرِنا إلى لندن، ذهبتُ مع جيني إلى مركزِ تسوُّق، وفي أثناءِ انشغالِها في قياسِ فستان، سبقتُها إلى أحدِ محلاتِ الوجباتِ السريعة ولأنّ لُغَتي الإنجليزية كانت سيّئةً في ذلك الوقت، فقد طلبتُ أوّلَ هامبرغر كان مكتوبًا في قائمةِ الطعام مع كولا وأكلتُ بنَهَمٍ لأنّي كنتُ جائعة وبعدها بثلاثةِ أيّامٍ أخذتُ خالد لنَفسِ المكان وأنا أتبجّح بأنّهم يُبيعون أطيب هامبرغر، ليُخبرني بابتسامةٍ مُواسِيَة -بعد أن قرأ القائمة- أن ما أكلتُه كان هامبرغر بلَحمِ الخِنزير. بالطبع أُصِبتُ بصَدمةٍ شديدة وأخذتُ أُطالِب بطَريقَةٍ للعودة إلى السعودية لكن ثورَتي هدأَت عندما كتَبَ لي خالد قائمةً طويلةً بالأسماءِ المُختلفة للَحمِ الخِنزير ولكُلِ أنواعِ المَشروباتِ الكُحولّية، لأحفظُها وأتجنّبُها، و بالطبع فإنّ مِن ضمنِ القائمة، مَشروبُ البربون و مَشروبُ الجين.
نهضتُ عن الأريكة ووضعتُ أشرف بجِوارِ أخيه، ثم سِرتُ والتقطتُ علبةَ الشوكولا، وأخذتُها معي إلى المطبخ لأرميها في سلّة المُهمَلات.
التفتُّ خارجة، فلاحظتُ ذاكرةَ التخزينِ على الطاولة، تأمّلتُها مُتذكِّرَةً تفاني خالد في عملِه الصعب والذي يتطلّب منه في كثيرٍ من الأحيانِ العملَ في أيّامِ السبت كحالِه الآن.
الحديثُ عن خالِد قادني إلى ريتشيل، التي أدركتُ -بعدَ تَفكيرٍ عميق- أنّ شُكوكي حولَها هي سخافَة لأبعدِ دَرَجة؛ فخالِد يُحبّني، وريتشيل رائعة وأعتقدُ أنّها مُهتمّةٌ بشابٍ تُركيٍّ نَسيتُ اسمَه. أمسكتُ بذاكرةِ التخزينِ لأُخبِئُها في مكانٍ أعتبِره آمِنًا جدًا؛ فكَونِي امرأة تفهَم كُلَ ما يخُصّ المُؤامرَة، فإنّي اشترَيتُ خزنتَين حديديّتَين، الأولى أضعُها في دولابِ خالِد، والتي تحوي بِضعَةَ أُلوف، وصُوَر مِن شهاداتِ ميلاد طِفليّ، ومُستنداتٍ لخالد، فإذا تسلل لِصٌ للشقّة؛ فإنّ مَوقِعَها ومُحتوياتها ستُوحيان له بأنّ هذه هي خِزانتَنا ولا يُدرِك أنّنا نملِك خزنَةً ثانية، والتي أضعُها في إحدى خِزانات المَطبَخِ خلفَ الأطعِمَةِ المُعلّبَة، هذه الخزنَة هي كنزُنا بالطَبع؛ ففِيها الكثير مِن الأشياءِ المُهمّة، مِثل مُسدّسِ خالد، وجوازاتنا، وشهاداتِ مِيلادِ طِفلَيّ، وها أنا الآن أضَعُ فيها ذاكرةَ التَّخزين.
سَمِعتُ بابَ الشقّةِ يُفتَح، فخرجتُ من المطبَخ لأرى خالِد ينزِعَ مِعطفَه، قلت له باسمةً: "كَم أُحِبّ دِقّة مَواعِـ..."
👍1
قاطعتُ كَلامِي عِندما رأيتُه يُشيرُ إليّ بإصبَعِه أن أسكُت، ثُم ركض إلى الأريكةِ حيثُ يرقُد توأميّ، حملَ أسعَد ومِن ثَم أشرف، وأدخَلهُما إلى غُرفَتِهما، ثم عادَ إليّ والسَعادةُ ترتَسِم على وجهه،فسألتُه بحَيرة: "ما الأمر؟!"
أجابَني بسُؤال: "متى ناما؟"
قُلت: "قبلَ أن تدخُل بلَحَظات!"
سألَني ثانيةً بتَرَقب: "هل ظلاّ مُستَيقِظَين منذ الصَّباح؟"
ردَدتُ و أنا لا أفهمُ ما الذي يحدُث: "نعَم!"
فرَفعَ رأسَه إلى السّماءِ مُتمتِمًا: "الحمدُ لله"
ثُم أعادَ نظرَه إليّ، وأضاف مُعترِفًا: "لقَد أيقَظتُهما عَمدًا عِندما قَدِمتُ هذا الصّباح"
تَمتَمتُ وأنا أرتَدي عباءَتِي وغِطاءَ رأسي: "أعرِفُ أنّك فعلتَ ذلك لإغاظَتي!"
فابتسَم ابتسامَةً عريضة، وهو يقول: "في الحَقيقة، بعدَ نِصفِ ساعةٍ هُنالِك مُباراة لريال مَدرِيد وبَرشلونة، وأُريدُ مُشاهدَتها دونَ أيِّ إزعاجٍ مِن الشَيطانَين، لِذا، فقَد أيقظتُهما صَباحًا حتى يناما عِندما أعود"
أنا الخبيرَةُ تفشَل مؤامراتي! وهو تنجَح مؤامراته! أيُّ حظٍ هذا! نظَرتُ إليه بحِقد، ودعَوتُ مِن بَينِ أسنانِي على فريقِه قائلةً: "يا الله، اجعَل ريال مَدريد يخسر" ثُم ارتَدَيتُ نِقابي، وخرَجتُ مِن الشَقّةِ وأنا أسمَعُ ضَحِكاته.
*******
أجابَني بسُؤال: "متى ناما؟"
قُلت: "قبلَ أن تدخُل بلَحَظات!"
سألَني ثانيةً بتَرَقب: "هل ظلاّ مُستَيقِظَين منذ الصَّباح؟"
ردَدتُ و أنا لا أفهمُ ما الذي يحدُث: "نعَم!"
فرَفعَ رأسَه إلى السّماءِ مُتمتِمًا: "الحمدُ لله"
ثُم أعادَ نظرَه إليّ، وأضاف مُعترِفًا: "لقَد أيقَظتُهما عَمدًا عِندما قَدِمتُ هذا الصّباح"
تَمتَمتُ وأنا أرتَدي عباءَتِي وغِطاءَ رأسي: "أعرِفُ أنّك فعلتَ ذلك لإغاظَتي!"
فابتسَم ابتسامَةً عريضة، وهو يقول: "في الحَقيقة، بعدَ نِصفِ ساعةٍ هُنالِك مُباراة لريال مَدرِيد وبَرشلونة، وأُريدُ مُشاهدَتها دونَ أيِّ إزعاجٍ مِن الشَيطانَين، لِذا، فقَد أيقظتُهما صَباحًا حتى يناما عِندما أعود"
أنا الخبيرَةُ تفشَل مؤامراتي! وهو تنجَح مؤامراته! أيُّ حظٍ هذا! نظَرتُ إليه بحِقد، ودعَوتُ مِن بَينِ أسنانِي على فريقِه قائلةً: "يا الله، اجعَل ريال مَدريد يخسر" ثُم ارتَدَيتُ نِقابي، وخرَجتُ مِن الشَقّةِ وأنا أسمَعُ ضَحِكاته.
*******
👍2
مونيا العلوي
"أَبْنْتْ بْلاَدِي سْلْبُونِي عَيْنْكْ، وْالزِينْ لِي فِيكْ، قَلْبِي كَيْبْغِيكْ."
"أيَايَايْ بْنْتْ بْلاَدِي"
هكذا صدَحَت كلماتُ الأُغنيةِ الأصيلة في أجواءِ غُرفَةِ نَومي، كنتُ أُردّدُ كلمات أُغنِيَتي المُفضّلَة والمُحبّبَة عِندَ جَميعِ المَغارِبَة لكن طَبعًا بطَريقَتِي الخاصّة. اعتذَرتُ في نَفسِي مرّات ومرّات مِن روحِ المُطرِب شقارة -رحمةُ اللهِ عليه- لأنّني كنتُ أُردِّدُ الكلمات على عَكسِ ما هِي علَيه؛ فبَدَل (بِنت بلادي)، حوّلتُها إلى (إبن بلدي)، طبعًا هذا التحرِيف لم أتجرّأ عليَه إلاّ عِندما ظهرَ ياسر في حياتي لِكَي أكتَشِف بأنّ الرَجُلَ أيضًا يُشارِكني نفسَ الوَلَع بهذهِ الأُغنية، تذكّرتُ ذلك و أنا أبتَسِم، وفي نفسِ الوَقت بدأتُ أُردِّدُ الكلمات الإسبانيّة التي كانت تلي تِلك الجُملة من الأُغنية. مَزيجٌ مِن أصالةٍ مَغرِبيّة ومُوسيقى أندلُسيّة إسبانيّة، هذا ما أعشقُه في أغاني ذلك المُطرِب.
أخفَضتُ مِن صوتي قليلاً عندما انتبَهتُ إلى أنّني كنتُ أُغنّي بصَوتٍ مُرتفِع؛ فطِفلي الصغير نائمٌ الآن في غُرفَتِه، بعد ذلك وقفتُ على قَدَميّ حتى أُعدّل من سُترتِي القصيرة التي اخترتُها لاجتماعِ اليوم، كانت واحدةً من تلك السُترات المُصمّمَة بإبداعٍ مَغربِيٍّ تَقلِيديّ، والتي تمتَلِئ بها خِزانتي؛ كُل ما يُعبّر عَن أصالَتِي أُحبّه بجُنون ولا أُفرّطُ فيه، لذلك أُخصِّصُ وقتًا أيضًا للرَّكضِ وراءَ دُورِ الأزياءِ المُخصّصَةِ لإبداعِ التَصميمات المَغربيّةِ والتَفنُّنِ فيها.
ابتسَمتُ وأنا أنظُر إلى سُترتي؛ إنّها فَنٌ بحَدِّ ذاتِه، كَم أُحِبّ الفنون! ثَوبٌ مُخمَليّ تُركوَازِيّ تميّزه نُقوشٌ في مُنتَهى الإبداع طرِّزَت على جَوانِبِ السُترة بخُيوطٍ ذهبيّةِ اللَون تخلّلَتها أحجارٌ دَقيقةٌ وجَميلة، مُثبّتَة على تلك النُقوش، كانت بحَق فنًا عظيما، أنيقة وراقية للغاية؛ ولأنّني لا أُحبّ أن أكون بمَظهرٍ أشبَه بالكَامِل، كسَرتُ تِلك الأناقةِ الشّديدة بسروالٍ جينز جميل بسيط، والذي لاءَم السُترة بكُلِ تأكيد، كما أنّني راضيةً عن تَسريحَةِ شعري الحَالِك السّواد؛ فقد تركتُه مَسدولاً بحُريّة على جَانِبٍ واحدٍ من كَتِفيّ، بينما تبرز بوضوحٍ رقبةُ سُترَتِي العالية المُميّزةِ التَصميم بفتحَتِها عندَ العُنُقِ بشَكلٍ جَميل.
اكتفَيتُ بالنَظَرِ إلى نفسي في المِرآة، وقَد رَضِيتُ عَن مَظهَرِي الذي جمعَ ما بينَ البساطةِ والأصالة، وأيضًا بعضَ الجرأةِ في اختيارِ تلك السُترة التي قد يراها البعضُ غَريبةً إلا أنّ لا أحد يُمكِنُه أن يُنكِر جمالَها، وبأنّها قِطعةٌ مِن الفنِّ الرَاقِي. استدَرتُ أمامَ المِرآةِ و أنا أنظُرُ إلى جَسدي النحيل وتذكّرتُ كلمات أمّي بأنّ الرِجال لا يُحبّون المرأةَ النَحيلة، فابتعدتُ عن المِرآةِ وأنا أُفكّر بأنّ والدتي دومًا تُحبّ أن تُعطِيني النَقدَ عبرَ مُكالماتِها لي في الهاتف! لكنّني لا أغضبُ مِنها ولا أهتَمُّ لنَقدِها -الذي يكونُ أحيانًا جَارِحًا- وهي تُقارِنني بأخواتي.
أنا سعيدةٌ هكذا، أنا أكثر مِن راضيةٍ عَن نفسي، وياسِر أيضًا يُحب شَكلي هكذا، تُعجِبُني كَلِماته كَثيرًا عندما يَقولُ لي بأنّني أُشبه المُراهِقاتِ المَجنُونات، أكثرَ مِن امرأةٍ قد تجاوزَت عِقدَها الثاني بسِتِّ سنوات!.
"ياسر" همستُ بِها بمَشاعرٍ قويّة، وأنا أقترِبُ مِن بابِ الحمّامِ الخاصِ بغُرفَتِنا، كنتُ أستمِع إلى رشّاشِ المِياهِ القوية مِن داخِل الحمّام.
فاجأني بعَودتِه قبلَ قليلٍ إلى البَيت؛ فنادرًا ما يعودُ ياسر مُبكِّرًا، لكنّه ذَكّرني بالشَيءِ الذي كنتُ أنا قَد نسيتُه، أنّه وعدَ أيمن بأخذِه إلى التَزلُّجِ بدَلَ اضطِرارِه لمُرافقَتِي عِندَ نِسوَةِ النون.
سَعيدةٌ لأنّه وفى بوَعدِه لَه؛ فقليلاً ما يسمَحُ له عمله بتَخصِيصِ وَقتٍ خاصٍ لأيمن. عدتُ إلى حيثُ سَريرِي الواسع وبدأتُ بارتِداءِ حِذائي ولَم أنتَبِه إلى أنّ صَوتَ المِياهِ توقّفَت عن التَدفُّقِ بقُوّة إلاّ بعدَ أن فُتِح بابُ الحمّام، فرفعتُ رأسي إلَيه وأنا أرسمُ ابتسامةً على وجهي.
كان شعرُه مُبلّلاً، إذ كانت ما تزال هُناك قطرات مياهٍ صافية تنزِل بطَريقَةٍ بَطيئة مِن خصلاتِه الرّطبَة لتحطُّ على رقبة روبِه الرَماديّ.
بادلني الابتسامَة وردّ على كَلماتِي الرّقيقة وهو يقتَرِب منّي ليجلس على طَرَفِ السرير وطبَع قُبلةً طويلةً على خدّي. كان يُمكِن أن تتحوّل لأكثرِ مِن ذلك لو لَم أبتعِد عنه بسُرعة وأنهضُ مِن مَكاني بينما أقولُ له مِن بينِ ضحكاتي: "عليّ الذّهاب عندَ زينب، وأنت عليكَ أن تتأكّد مِن أن يُمضِي أيمن أُمسيةً رائعة معَك كما عليك الوفاء بالوَعدِ الذي وعدتَني به هذا الصباح"
"أَبْنْتْ بْلاَدِي سْلْبُونِي عَيْنْكْ، وْالزِينْ لِي فِيكْ، قَلْبِي كَيْبْغِيكْ."
"أيَايَايْ بْنْتْ بْلاَدِي"
هكذا صدَحَت كلماتُ الأُغنيةِ الأصيلة في أجواءِ غُرفَةِ نَومي، كنتُ أُردّدُ كلمات أُغنِيَتي المُفضّلَة والمُحبّبَة عِندَ جَميعِ المَغارِبَة لكن طَبعًا بطَريقَتِي الخاصّة. اعتذَرتُ في نَفسِي مرّات ومرّات مِن روحِ المُطرِب شقارة -رحمةُ اللهِ عليه- لأنّني كنتُ أُردِّدُ الكلمات على عَكسِ ما هِي علَيه؛ فبَدَل (بِنت بلادي)، حوّلتُها إلى (إبن بلدي)، طبعًا هذا التحرِيف لم أتجرّأ عليَه إلاّ عِندما ظهرَ ياسر في حياتي لِكَي أكتَشِف بأنّ الرَجُلَ أيضًا يُشارِكني نفسَ الوَلَع بهذهِ الأُغنية، تذكّرتُ ذلك و أنا أبتَسِم، وفي نفسِ الوَقت بدأتُ أُردِّدُ الكلمات الإسبانيّة التي كانت تلي تِلك الجُملة من الأُغنية. مَزيجٌ مِن أصالةٍ مَغرِبيّة ومُوسيقى أندلُسيّة إسبانيّة، هذا ما أعشقُه في أغاني ذلك المُطرِب.
أخفَضتُ مِن صوتي قليلاً عندما انتبَهتُ إلى أنّني كنتُ أُغنّي بصَوتٍ مُرتفِع؛ فطِفلي الصغير نائمٌ الآن في غُرفَتِه، بعد ذلك وقفتُ على قَدَميّ حتى أُعدّل من سُترتِي القصيرة التي اخترتُها لاجتماعِ اليوم، كانت واحدةً من تلك السُترات المُصمّمَة بإبداعٍ مَغربِيٍّ تَقلِيديّ، والتي تمتَلِئ بها خِزانتي؛ كُل ما يُعبّر عَن أصالَتِي أُحبّه بجُنون ولا أُفرّطُ فيه، لذلك أُخصِّصُ وقتًا أيضًا للرَّكضِ وراءَ دُورِ الأزياءِ المُخصّصَةِ لإبداعِ التَصميمات المَغربيّةِ والتَفنُّنِ فيها.
ابتسَمتُ وأنا أنظُر إلى سُترتي؛ إنّها فَنٌ بحَدِّ ذاتِه، كَم أُحِبّ الفنون! ثَوبٌ مُخمَليّ تُركوَازِيّ تميّزه نُقوشٌ في مُنتَهى الإبداع طرِّزَت على جَوانِبِ السُترة بخُيوطٍ ذهبيّةِ اللَون تخلّلَتها أحجارٌ دَقيقةٌ وجَميلة، مُثبّتَة على تلك النُقوش، كانت بحَق فنًا عظيما، أنيقة وراقية للغاية؛ ولأنّني لا أُحبّ أن أكون بمَظهرٍ أشبَه بالكَامِل، كسَرتُ تِلك الأناقةِ الشّديدة بسروالٍ جينز جميل بسيط، والذي لاءَم السُترة بكُلِ تأكيد، كما أنّني راضيةً عن تَسريحَةِ شعري الحَالِك السّواد؛ فقد تركتُه مَسدولاً بحُريّة على جَانِبٍ واحدٍ من كَتِفيّ، بينما تبرز بوضوحٍ رقبةُ سُترَتِي العالية المُميّزةِ التَصميم بفتحَتِها عندَ العُنُقِ بشَكلٍ جَميل.
اكتفَيتُ بالنَظَرِ إلى نفسي في المِرآة، وقَد رَضِيتُ عَن مَظهَرِي الذي جمعَ ما بينَ البساطةِ والأصالة، وأيضًا بعضَ الجرأةِ في اختيارِ تلك السُترة التي قد يراها البعضُ غَريبةً إلا أنّ لا أحد يُمكِنُه أن يُنكِر جمالَها، وبأنّها قِطعةٌ مِن الفنِّ الرَاقِي. استدَرتُ أمامَ المِرآةِ و أنا أنظُرُ إلى جَسدي النحيل وتذكّرتُ كلمات أمّي بأنّ الرِجال لا يُحبّون المرأةَ النَحيلة، فابتعدتُ عن المِرآةِ وأنا أُفكّر بأنّ والدتي دومًا تُحبّ أن تُعطِيني النَقدَ عبرَ مُكالماتِها لي في الهاتف! لكنّني لا أغضبُ مِنها ولا أهتَمُّ لنَقدِها -الذي يكونُ أحيانًا جَارِحًا- وهي تُقارِنني بأخواتي.
أنا سعيدةٌ هكذا، أنا أكثر مِن راضيةٍ عَن نفسي، وياسِر أيضًا يُحب شَكلي هكذا، تُعجِبُني كَلِماته كَثيرًا عندما يَقولُ لي بأنّني أُشبه المُراهِقاتِ المَجنُونات، أكثرَ مِن امرأةٍ قد تجاوزَت عِقدَها الثاني بسِتِّ سنوات!.
"ياسر" همستُ بِها بمَشاعرٍ قويّة، وأنا أقترِبُ مِن بابِ الحمّامِ الخاصِ بغُرفَتِنا، كنتُ أستمِع إلى رشّاشِ المِياهِ القوية مِن داخِل الحمّام.
فاجأني بعَودتِه قبلَ قليلٍ إلى البَيت؛ فنادرًا ما يعودُ ياسر مُبكِّرًا، لكنّه ذَكّرني بالشَيءِ الذي كنتُ أنا قَد نسيتُه، أنّه وعدَ أيمن بأخذِه إلى التَزلُّجِ بدَلَ اضطِرارِه لمُرافقَتِي عِندَ نِسوَةِ النون.
سَعيدةٌ لأنّه وفى بوَعدِه لَه؛ فقليلاً ما يسمَحُ له عمله بتَخصِيصِ وَقتٍ خاصٍ لأيمن. عدتُ إلى حيثُ سَريرِي الواسع وبدأتُ بارتِداءِ حِذائي ولَم أنتَبِه إلى أنّ صَوتَ المِياهِ توقّفَت عن التَدفُّقِ بقُوّة إلاّ بعدَ أن فُتِح بابُ الحمّام، فرفعتُ رأسي إلَيه وأنا أرسمُ ابتسامةً على وجهي.
كان شعرُه مُبلّلاً، إذ كانت ما تزال هُناك قطرات مياهٍ صافية تنزِل بطَريقَةٍ بَطيئة مِن خصلاتِه الرّطبَة لتحطُّ على رقبة روبِه الرَماديّ.
بادلني الابتسامَة وردّ على كَلماتِي الرّقيقة وهو يقتَرِب منّي ليجلس على طَرَفِ السرير وطبَع قُبلةً طويلةً على خدّي. كان يُمكِن أن تتحوّل لأكثرِ مِن ذلك لو لَم أبتعِد عنه بسُرعة وأنهضُ مِن مَكاني بينما أقولُ له مِن بينِ ضحكاتي: "عليّ الذّهاب عندَ زينب، وأنت عليكَ أن تتأكّد مِن أن يُمضِي أيمن أُمسيةً رائعة معَك كما عليك الوفاء بالوَعدِ الذي وعدتَني به هذا الصباح"
👍3❤1
ظهرَ عليه الاستغرابُ من كلماتي، فأمسَكتُ بيَدِه وشبَكتُ أصابِعي بأصابِعِه وأنا أحُثّه على أن يتبَعني وخرَجتُ مِن غُرفَةِ نَومِنا لكَي أدخُل بِه إلى غُرفَتِي الخاصّة، عالَمِي الصّغير الجميل الذي صنعتُه بنَفسِي في قلبِ شقّتِي. جُدرانُ الغُرفَةِ الأربعة كُلّها مَليئَةً بالصُورِ وذِكرياتِ جميع مَراحِل حياتي التي مررتُ بها، من أعلاها حتى أسفلِها، امتلأت بأنواعِ الصُور حتى أنّني كُنت أحتفِظ في تلك الغُرفَةِ -الغَريبة لِمن يراها- بكُنوزٍ ثمينة؛ ففي زاويةٍ مُهمّة مِن الغُرفة كانت هُناك خِزانة زُجاجيّة شفّافة، بها أشياء ثَمينة جدًا تخصّني، بعضُها وَرِثتُها عن عائلتِنا العَريقةِ الجُذور، والأخرى مِن تُحَفٍ جمعتُها أثناءَ سفري إلى مُختلف البُلدان، ولا أُنكِر بأنّ أغلبَها كانت هدايا مِن ياسر وأثمَن تلك المُقتنَيات هي كاميرا من طِراز داجير، هي مِن أوّل الكاميرات التي تمّ اختراعُها، ليسَت أكثر مِن صُندوقٍ خشبيٍّ قديمِ الطِراز بحَجمٍ كبير تمّ عرضُه في مَزَادٍ منذُ خَمسِ سنوات، وصمّمَ ياسر على شِرائِه لي حتّى لو كلّفَته ثروةً طائلة، وذلك بالفِعلِ ما حصل، مع أنّني لَم أُوافِقُه في البِداية على اقتنائِها لكنّني لا أُنكِر بأنّني أحبَبتُ هديّتَه هذه بمُناسَبَةِ حملي بطفلِنا الأوّل لِكي يُطلِق عليّ في الأخير بأنّني مَجنونةٌ مِن الطِراز الأوّل؛ لأنّني رفضتُ أن أحفظَ الكاميرا الثّمينة -كما هو الحال- مع مُمتلَكاتي الأُخرى في مَكانٍ آمِن كما يفعل هو لكنّني لا أرى في عملي هذا جُنونًا، فلَم أشترِ هذه الأشياء ولم تُعط لي حتى أُخفِيها في البنك السويسري.
أنا أُحبّ التَمتُّعَ بالنَظَرِ إليها وتأمُّلَها واكتشاف روعَتِها يومًا بعدَ يوم، كما لا أُحبّ أن أشعُر بأنّني أحمِل ثِقَلاً على كاهلي، أو وسواس لأنّني أملِك هذه المُقتنَياتِ الثّمينَة، فلَيس هُناك أثمَن مِن حُريتي وحُريتي، لن أُضِيعها بالخَوفِ على مُمتلكاتي، لا أُحبّ شُعورَ الخَوفِ أو التَحَفُّظِ على شيءٍ مُهم. أُحبّ أن أشعُر بالحياة، أُحبّ أن أشعُر بأنّني مُحرّرَةٌ مِن أيِّ قُيود، أُحبّ نفسي هكذا، وهكذا أُريدُها أن تَبقى، و إن كان هذا يُسمّى جُنوناً فليكُن! إنّه يُعطيني شُعورًا جَميلاً وإحساسًا بالسّلامِ مع النَّفس.
شددتُ على يدَي ياسر بحماس وأنا أحُثّه على السَيرِ مَعي باتّجاهِ مَكتبي الذي كان في نَفسِ الغُرفَة، المَكتب الذي شَهِد كُتُبِي السِّياسيّة وكُلَ ما خطّته يدي وما عبّرَت عنه أفكاري الجريئة وما صرَخ بِه قَلبِي. فَوق المكتب كان هُناك أيضًا لَوحَة كَبيرة تُشبِه لوحات المُحقّقِين كما يُطلِق عليها ياسر بسُخريةٍ دائمًا، وقد امتلأت تلك اللّوحَة بصُوَرِ سياسيّين مَكروهِين لي؛ لأنّهم فاسدون. وقُصاصاتِ مَقالاتٍ سِياسيّة و حتى اقتِصاديّة، كلُ ما يهمّني في الحياةِ السِّياسيّة كان هُناك مُلصَقًا على تلك اللَوحة، من بَينِها صُورٌ كثيرة لذلك الفاسِد الذي يتجوّل في لندن هذه الأيّام، والذي أصبَح هدفًا لن أُغمِض عَينِي عَنه حتّى أُطيح به. استدَرتُ إلى ياسر الذي كان يقِف إلى جانبي وقد تلاشَت الابتسامةُ مِن على وجهي بينما أسأله بلَهجةٍ هادِئة ومُبطّنَة بالجَديّة: "لقد تركتُك قبلَ قليلٍ لترتاح مِن تَعَبِ عملِك، لكنّني سأموتُ لأعرِف المَعلومات التي أتيتَ بها اليوم لي بعد أن وعدتَني أمامَ الفُندق بأنّك ستُساعدني في مُراقَبَتِه"
أنا أُحبّ التَمتُّعَ بالنَظَرِ إليها وتأمُّلَها واكتشاف روعَتِها يومًا بعدَ يوم، كما لا أُحبّ أن أشعُر بأنّني أحمِل ثِقَلاً على كاهلي، أو وسواس لأنّني أملِك هذه المُقتنَياتِ الثّمينَة، فلَيس هُناك أثمَن مِن حُريتي وحُريتي، لن أُضِيعها بالخَوفِ على مُمتلكاتي، لا أُحبّ شُعورَ الخَوفِ أو التَحَفُّظِ على شيءٍ مُهم. أُحبّ أن أشعُر بالحياة، أُحبّ أن أشعُر بأنّني مُحرّرَةٌ مِن أيِّ قُيود، أُحبّ نفسي هكذا، وهكذا أُريدُها أن تَبقى، و إن كان هذا يُسمّى جُنوناً فليكُن! إنّه يُعطيني شُعورًا جَميلاً وإحساسًا بالسّلامِ مع النَّفس.
شددتُ على يدَي ياسر بحماس وأنا أحُثّه على السَيرِ مَعي باتّجاهِ مَكتبي الذي كان في نَفسِ الغُرفَة، المَكتب الذي شَهِد كُتُبِي السِّياسيّة وكُلَ ما خطّته يدي وما عبّرَت عنه أفكاري الجريئة وما صرَخ بِه قَلبِي. فَوق المكتب كان هُناك أيضًا لَوحَة كَبيرة تُشبِه لوحات المُحقّقِين كما يُطلِق عليها ياسر بسُخريةٍ دائمًا، وقد امتلأت تلك اللّوحَة بصُوَرِ سياسيّين مَكروهِين لي؛ لأنّهم فاسدون. وقُصاصاتِ مَقالاتٍ سِياسيّة و حتى اقتِصاديّة، كلُ ما يهمّني في الحياةِ السِّياسيّة كان هُناك مُلصَقًا على تلك اللَوحة، من بَينِها صُورٌ كثيرة لذلك الفاسِد الذي يتجوّل في لندن هذه الأيّام، والذي أصبَح هدفًا لن أُغمِض عَينِي عَنه حتّى أُطيح به. استدَرتُ إلى ياسر الذي كان يقِف إلى جانبي وقد تلاشَت الابتسامةُ مِن على وجهي بينما أسأله بلَهجةٍ هادِئة ومُبطّنَة بالجَديّة: "لقد تركتُك قبلَ قليلٍ لترتاح مِن تَعَبِ عملِك، لكنّني سأموتُ لأعرِف المَعلومات التي أتيتَ بها اليوم لي بعد أن وعدتَني أمامَ الفُندق بأنّك ستُساعدني في مُراقَبَتِه"
❤2
تفاجأتُ عِندما رأيتُ مَلامِحَه تتشَنّج غَضَبًا فجأة، لكنّه كان سَريعًا كالعادة، عِندما أخفى ذلك الغَضَب تحتَ ابتسامةٍ صفراء استطعتُ اكتشاف حقيقتَها بسُهولة، وهو يُجيبُني قائلاً بنَبرَةٍ غامِضَة: "مِن الأفضَل أن تنسي أمرَ ذلك السياسِيّ مونيا، انسِي أمرَه تَمامًا، فأنتِ لن تَستطيعِي تغييرَ العالم" قال كَلِماته الأخيرة وهو يُشدِّد علَيها بينما أنامِله كانت تمُرّ باستِفزازٍ على عَمودِي الفِقَري. أبعدتُ ذِراعَه عنّي وأنا شِبه مَصدومَةٍ مِن كلماتِه (لَن أستطيعَ تغييرَ العالَم) جُملة لطالما ردّدَها ياسر، لكنّني لَم أغضب يومًا منه، بَل كنتُ أضحكُ لَه، وأُجِيبُه بأنّ كلامَه رُبّما يكونُ صَحيحًا ورُبّما يكونُ خَاطِئًا. أُحبّ أن أُحاوِل، أُريد أن أنجَح في تَغييرِ ولو نِقاطٍ صَغيرةٍ سَوداء بأُخرَى بَيضاء تُنيرُ حياةَ أشخاصٍ أبرياء مَساكين نَسوا حتى كيفَ يحلُموا بحياةٍ كريمة! لكن هذه المرّة، الطريقَة التي قال ياسر بها تلك الجُملة، لَيست طريقته المَعهودة أبدًا. لطالما قالَها بنَبرةٍ سَاخِرَة أُحسُّها وكأنّه يُواسي نفسَه لانشغالِه بعَالَمِ الأعمال وتخلّيه عن روحِ ذلك الفَتى الذي كانه في سنواتِ مُراهقَتِه الأخيرة وهو يُناضِل مِن أجلِ حُقوقِه و حُقوقِ غَيرِه. الطريقة التي نطقها بها الآن، وكأنّها أمرٌ حَازِمٌ حَقيقةً، وثِقةٌ كَبيرةٌ خرجَت من بَين تلكَ الحُروف التي كانَت مُستفِزّةً لي. ثارت ثائرَتي وشعرتُ بأنّ الحرارةَ تتصاعَد معي جرّاءَ الغضبِ الكبير وكِدتُ أصرُخ بأعلى صَوتِي بأنّني لَم و لَن أتخلّى عن مَبادئي، لكنّني تجمّدتُ في مَكاني أنظرُ إليه بنَظراتٍ أعرِف بأنّه لو رآها طِفلي الصّغير -الذي فُوجِئنا لحظَتَها بوُجودِه خَلفَنا- لفَزِع منها بقُوّة رهيبة، ياسر هو الآخر ظَهرَت في عَينَيه نظرات تَحَدٍ كَبيرة وغَضَبٌ عارِم ينتَظِر ردّةَ فِعلي تلك حتّى ينفَجِر بغَضَبِه هو الآخر، غَضَب لن أتقبّله لأنّه هو من فاجأني وصدمَني بكلامِه هذا. رأيته يبتعِد عنّي وهو يرسُم تلكَ الابتسامة التي يُخفِي خَلفِها وجهَه الغَاضِب الذي كان قبلَ لحظات ثم سمِعتُه يتحدّث مع أيمن الذي كان صوتُه النّاعس يصِل إليّ مُشوَّشًا بسببِ تَفكِيري في كَلِماتِ ياسر لكي أسمعُه فجأة يُوقظني من شُرودي وهو يُحدّثني مِن خلفي: "الهاتفُ يرِنّ مونيا، لابُد بأنّ صَديقاتِك يُرِدن التأكُّد مِن قُدومِك للاجتماع، فقَد تأخّرتِ عليهم!"
لَم أُجِب علَيه ولَم أستطِع الحراكَ من مكاني حتى سَمعتُه يطلب من أيمن أن يودّعني لأنّني ذاهبة، حتى يذهَب لتجهيزِ نفسِه هو الآخر للخُروجِ معه للتَزلُّج. استطعتُ رسمَ ابتسامةً مُزيَّفَة أنا الأُخرى على وَجهِي أقابل بها طِفلي البريء الناعِس أمامي، قبّلتُه قُبلةً طويلةً على خدِّه، وقمتُ بإعطائِه بعضَ الإرشادات، أعرِف بأنّه لَن يستَمِع إلَيها لكنّني أعرِف بأنّ ياسر سيقوم بالاهتمامِ به كما لو كنتُ معه بنَفسي ثم تقدمت بخُطواتٍ قويّة خارجَ تلك الغُرفَةِ مُتأكّدةً مِن أنني يَجِب أن أذهَب إلى اجتِماعِ نون؛ فهو بمَثابَةِ وَعدٍ مُقدَّسٍ بيننا لا يُمكِنُ خَرقُه أو عَدم الإيفاءِ بِه (و عِندما أعود، سيكونُ بينَنا حديثٌ طَويلٌ يا ياسر!) هكذا تَمتَمتُ لنفسي وأنا أخرُجُ مِن بابِ شقّتِي.
***********
لَم أُجِب علَيه ولَم أستطِع الحراكَ من مكاني حتى سَمعتُه يطلب من أيمن أن يودّعني لأنّني ذاهبة، حتى يذهَب لتجهيزِ نفسِه هو الآخر للخُروجِ معه للتَزلُّج. استطعتُ رسمَ ابتسامةً مُزيَّفَة أنا الأُخرى على وَجهِي أقابل بها طِفلي البريء الناعِس أمامي، قبّلتُه قُبلةً طويلةً على خدِّه، وقمتُ بإعطائِه بعضَ الإرشادات، أعرِف بأنّه لَن يستَمِع إلَيها لكنّني أعرِف بأنّ ياسر سيقوم بالاهتمامِ به كما لو كنتُ معه بنَفسي ثم تقدمت بخُطواتٍ قويّة خارجَ تلك الغُرفَةِ مُتأكّدةً مِن أنني يَجِب أن أذهَب إلى اجتِماعِ نون؛ فهو بمَثابَةِ وَعدٍ مُقدَّسٍ بيننا لا يُمكِنُ خَرقُه أو عَدم الإيفاءِ بِه (و عِندما أعود، سيكونُ بينَنا حديثٌ طَويلٌ يا ياسر!) هكذا تَمتَمتُ لنفسي وأنا أخرُجُ مِن بابِ شقّتِي.
***********
❤4👍4
ديمة مصطفى
:- ماما، أنتِ جميلةٌ جدًا!
نظرت إلى بسمة التي انغرسَت إلى جانبي؛ تُراقِب بشَغَفٍ انعكاسي عَبرَ المِرآة، أثناءَ انهماكي في تَزيينِ وجهي بدِقّة، اللّمسات الخفيفة والمَدروسة مِن الزينةِ الغاليةِ الثّمَن التي أحرِصُ على اقتنائِها وتجديدِها مرّة كل بِضعة أشهُر وبهَوَسٍ غَير مُبرَّرٍ بجَمالي، في حِين أنني نَادِرًا ما أخرُج وقلّما يسنح لأيٍّ كان برؤية طَلّتي البهيّة!؛
وأجبتُ بسمة باكتئاب:- أعرِف!
تأمّلَتني مَذهولة وأنا أُمَرِّر فُرشاة الماسكارا فوقَ رموشي لأُزيد مِن كثافتِها وقتامةِ لونِها ثُم نظرَتُ إلى انعِكاسِ وجهِها الصّغيرِ الذي ارتسَم كالقَلبِ بينَ خصلاتِ شَعرِها البُنّية المُشعَثَة والتي غطّت مُعظَمَه، وقالت باكتئاب:- لماذا أنا لستُ جميلة مِثلِك؟!
(لأنّكِ نُسخَةٌ أُنثويّة مُصغَّرَة عن والِدِك يا حبيبتي!) كبَتُّ أفكاري اللئيمة؛ فلا ذنبَ لبَسمتي الصّغيرة في شجاري مع والدِها قبلَ دقائقٍ قليلة عبرَ الهاتِف، لا يَكفي أنّه يعمَل في يَومِ عُطلتِه بَدلاً من قَضاءِ النّهارِ برِفقتي وبرِفقَةِ الأولاد مُتحَمِّلاً جُزءًا مِن أعبائهم عنّي. بل – و بكُلِ وقاحة – يتّصِل بي ليُخبرني بأنّه قد يتأخّر قليلاً، ولَن يكون قادرًا على مُجالَسَةِ الأولاد كعادَتِه خِلال مَوعِدِي معَ رِفقَةِ السَّكَن.
لَم يكُن مِن عادَتي رَفع صَوتي أثناءَ مُخاطَبَتي إيّاه؛ فاحتِرامُ الزَوج وتَقديسُه جُزءٌ مِن ثَقافَتِنا الشّرقِيّةِ المُتوارَثَة جِينيًّا بينَ نِساءِ سوريا اللاّتي قُدِّر لهُنّ أن يأتين هُنّ و رَغَباتهن دائمًا في المَرتبةِ الثانية، إلا أنّني، ولهذه المرّةِ فقط فقَدتُ أعصابي وأنا أُفجِّر كلَ عُقَدِي في وَجهِه عبرَ الهاتف، أتّهِمُه بالمَكرِ والأنانية لاختيارِه هذا اليوم بالذات كَي يتأخّر عن البَيت في اليومِ الوَحيد خلال الأسبوع الذي أستَعيدُ فيه شيئًا مِن كِياني الضّائِع بينَ طيّاتِ الرتابَةِ والكَبت التي أُعاني منها منذُ زواجي، بل طُوالِ حياتي تحتَ ظِلِّ والدٍ يبدو بتَسلُّطِه وكأنّه قادِمٌ مِن أحَدِ المُسلسَلاتِ الشامِيّة القديمة وأخٍ أكبر يؤمِن بأنّ الهدَف مِن وُجود شَقيقَةٍ في البَيت هو التدرُّب على أن يكونَ بدَورِه ذاتَ يومٍ بطلاً لأحدِ المُسلسَلاتِ الشاميّةِ القديمة!
استمَع إليّ صامتًا حتى انتهى انفجارِي المُفاجِئ لأتوتّر بعدَ أن لاحظتُ هدوءَه المُبالَغ به والذي تجلّى في رَدِّه الجاف:- سأعودُ في المَوعِدِ المُحدَّد.
تبًا! ردُّه يعني أنّه قد غَضِب منّي، وهذا يعني خمسةَ أيّامٍ من التَعذِيبِ النَفسِي الذي يُجيدُه إياد بمهارة؛ لَن يُكلِّمني إلاّ إن تَحدّثتُ أولاً، سيبعَث بسمة إليّ برِسالة كُلما أرادَ منّي شيئًا وسيتجاهلني تمامًا حتّى أنهار باكِيةً في النِهاية تحتَ وَطأةِ جَفائه وبعده، مُتوسِّلَةً الصَفحَ والغُفران عَن الذَنبِ العَظيمِ الذي ارتكبتُه! والذي نَسيتُه أنا -بطَبيعَةِ الحال- في تلك اللّحظة وأنا أنظُر إلى مَظهَرِي العام عبرَ المِرآة عَابِسَةً؛ أُحاوِلُ اكتشافَ ما ينقُص كمالَ طَلّتي، عندها لاحَظتُ بأنّ بسمة ما تزال تنظُر إليّ مُتّسِعَة العَينَين في انتظارِ إجابَةٍ عن سُؤالِها، فقلتُ بكُلِ ما لديّ مِن رِقّة:- أنتِ أكثر جَمالاً منّي يا قمر، إلا أنّ جمالك هذا لن يظهَر ما دام شَعرُك يُشبِه عُشَ طائرٍ مُعاق، لَدَيه خَلَلٌ في مِنقارِه يمنَعه حتى مِن صُنعِ عُشِّه بتَرتِيب!
ارتسَمَت الصَّدمَةُ في عَينَيها الدّاكِنَتَين وسُرعان ما اختفَت مِن الغُرفةِ بحثًا عن مُشطِها الصّغِير، فصِحتُ مِن وَرائِها وأنا أكبِتُ ضحِكَتي:- ولا تنسِي إلقاءَ نظرة على عماد والتأكُّد من أنّه لا يُحاوِل فتحَ النّافِذَة و إلقاءَ نَفسِه مِنها كالعادة.
عدتُ بتَركِيزي إلى مَظهَرِي مُتأمِّلَةً الفستانَ الأسودَ الذي اخترتُه خِصيصًا ليُخفي استدارات جَسَدِي البارِزَة، لَم أكُن سمينة، بَل مُمتَلِئة القوام بشَكلٍ جَميل، إلا أن هذا لَم يُساهِم لشَعرَةٍ فِي تَعزيزِ ثِقَتِي بنَفسِي وأنا على وَشكِ لِقاء جَاراتي اللاتي تتميز مُعظمُهن بالنُحُول، لَكَم تُثير علياء غَيظِي -رغمَ حُبِي لها- برَشَاقتِها الطَبيعِيّة؛ إنّها زَوجةٌ وأم هي الأخرى بحَقِ الله! مِن المُفترَض أن تُكافِح مِثلي، وتُعانِي وهي تَحرِم نفسَها ممّا تضطَر لطَهيِه يَوميًا لأجلِ عائِلَتِها، على الأقل، مينة ما تزال عازِبة، كما أنّها تبدو باستمرارٍ و كأنّها تَحرِق ما تأكُله ذاتيًا وفقَ ما يظهَر مِن عينَيها الدّاكِنَتَين مِن عَوَاصِفٍ وأعَاصِيرٍ مَكبوتة.
:- ماما، أنتِ جميلةٌ جدًا!
نظرت إلى بسمة التي انغرسَت إلى جانبي؛ تُراقِب بشَغَفٍ انعكاسي عَبرَ المِرآة، أثناءَ انهماكي في تَزيينِ وجهي بدِقّة، اللّمسات الخفيفة والمَدروسة مِن الزينةِ الغاليةِ الثّمَن التي أحرِصُ على اقتنائِها وتجديدِها مرّة كل بِضعة أشهُر وبهَوَسٍ غَير مُبرَّرٍ بجَمالي، في حِين أنني نَادِرًا ما أخرُج وقلّما يسنح لأيٍّ كان برؤية طَلّتي البهيّة!؛
وأجبتُ بسمة باكتئاب:- أعرِف!
تأمّلَتني مَذهولة وأنا أُمَرِّر فُرشاة الماسكارا فوقَ رموشي لأُزيد مِن كثافتِها وقتامةِ لونِها ثُم نظرَتُ إلى انعِكاسِ وجهِها الصّغيرِ الذي ارتسَم كالقَلبِ بينَ خصلاتِ شَعرِها البُنّية المُشعَثَة والتي غطّت مُعظَمَه، وقالت باكتئاب:- لماذا أنا لستُ جميلة مِثلِك؟!
(لأنّكِ نُسخَةٌ أُنثويّة مُصغَّرَة عن والِدِك يا حبيبتي!) كبَتُّ أفكاري اللئيمة؛ فلا ذنبَ لبَسمتي الصّغيرة في شجاري مع والدِها قبلَ دقائقٍ قليلة عبرَ الهاتِف، لا يَكفي أنّه يعمَل في يَومِ عُطلتِه بَدلاً من قَضاءِ النّهارِ برِفقتي وبرِفقَةِ الأولاد مُتحَمِّلاً جُزءًا مِن أعبائهم عنّي. بل – و بكُلِ وقاحة – يتّصِل بي ليُخبرني بأنّه قد يتأخّر قليلاً، ولَن يكون قادرًا على مُجالَسَةِ الأولاد كعادَتِه خِلال مَوعِدِي معَ رِفقَةِ السَّكَن.
لَم يكُن مِن عادَتي رَفع صَوتي أثناءَ مُخاطَبَتي إيّاه؛ فاحتِرامُ الزَوج وتَقديسُه جُزءٌ مِن ثَقافَتِنا الشّرقِيّةِ المُتوارَثَة جِينيًّا بينَ نِساءِ سوريا اللاّتي قُدِّر لهُنّ أن يأتين هُنّ و رَغَباتهن دائمًا في المَرتبةِ الثانية، إلا أنّني، ولهذه المرّةِ فقط فقَدتُ أعصابي وأنا أُفجِّر كلَ عُقَدِي في وَجهِه عبرَ الهاتف، أتّهِمُه بالمَكرِ والأنانية لاختيارِه هذا اليوم بالذات كَي يتأخّر عن البَيت في اليومِ الوَحيد خلال الأسبوع الذي أستَعيدُ فيه شيئًا مِن كِياني الضّائِع بينَ طيّاتِ الرتابَةِ والكَبت التي أُعاني منها منذُ زواجي، بل طُوالِ حياتي تحتَ ظِلِّ والدٍ يبدو بتَسلُّطِه وكأنّه قادِمٌ مِن أحَدِ المُسلسَلاتِ الشامِيّة القديمة وأخٍ أكبر يؤمِن بأنّ الهدَف مِن وُجود شَقيقَةٍ في البَيت هو التدرُّب على أن يكونَ بدَورِه ذاتَ يومٍ بطلاً لأحدِ المُسلسَلاتِ الشاميّةِ القديمة!
استمَع إليّ صامتًا حتى انتهى انفجارِي المُفاجِئ لأتوتّر بعدَ أن لاحظتُ هدوءَه المُبالَغ به والذي تجلّى في رَدِّه الجاف:- سأعودُ في المَوعِدِ المُحدَّد.
تبًا! ردُّه يعني أنّه قد غَضِب منّي، وهذا يعني خمسةَ أيّامٍ من التَعذِيبِ النَفسِي الذي يُجيدُه إياد بمهارة؛ لَن يُكلِّمني إلاّ إن تَحدّثتُ أولاً، سيبعَث بسمة إليّ برِسالة كُلما أرادَ منّي شيئًا وسيتجاهلني تمامًا حتّى أنهار باكِيةً في النِهاية تحتَ وَطأةِ جَفائه وبعده، مُتوسِّلَةً الصَفحَ والغُفران عَن الذَنبِ العَظيمِ الذي ارتكبتُه! والذي نَسيتُه أنا -بطَبيعَةِ الحال- في تلك اللّحظة وأنا أنظُر إلى مَظهَرِي العام عبرَ المِرآة عَابِسَةً؛ أُحاوِلُ اكتشافَ ما ينقُص كمالَ طَلّتي، عندها لاحَظتُ بأنّ بسمة ما تزال تنظُر إليّ مُتّسِعَة العَينَين في انتظارِ إجابَةٍ عن سُؤالِها، فقلتُ بكُلِ ما لديّ مِن رِقّة:- أنتِ أكثر جَمالاً منّي يا قمر، إلا أنّ جمالك هذا لن يظهَر ما دام شَعرُك يُشبِه عُشَ طائرٍ مُعاق، لَدَيه خَلَلٌ في مِنقارِه يمنَعه حتى مِن صُنعِ عُشِّه بتَرتِيب!
ارتسَمَت الصَّدمَةُ في عَينَيها الدّاكِنَتَين وسُرعان ما اختفَت مِن الغُرفةِ بحثًا عن مُشطِها الصّغِير، فصِحتُ مِن وَرائِها وأنا أكبِتُ ضحِكَتي:- ولا تنسِي إلقاءَ نظرة على عماد والتأكُّد من أنّه لا يُحاوِل فتحَ النّافِذَة و إلقاءَ نَفسِه مِنها كالعادة.
عدتُ بتَركِيزي إلى مَظهَرِي مُتأمِّلَةً الفستانَ الأسودَ الذي اخترتُه خِصيصًا ليُخفي استدارات جَسَدِي البارِزَة، لَم أكُن سمينة، بَل مُمتَلِئة القوام بشَكلٍ جَميل، إلا أن هذا لَم يُساهِم لشَعرَةٍ فِي تَعزيزِ ثِقَتِي بنَفسِي وأنا على وَشكِ لِقاء جَاراتي اللاتي تتميز مُعظمُهن بالنُحُول، لَكَم تُثير علياء غَيظِي -رغمَ حُبِي لها- برَشَاقتِها الطَبيعِيّة؛ إنّها زَوجةٌ وأم هي الأخرى بحَقِ الله! مِن المُفترَض أن تُكافِح مِثلي، وتُعانِي وهي تَحرِم نفسَها ممّا تضطَر لطَهيِه يَوميًا لأجلِ عائِلَتِها، على الأقل، مينة ما تزال عازِبة، كما أنّها تبدو باستمرارٍ و كأنّها تَحرِق ما تأكُله ذاتيًا وفقَ ما يظهَر مِن عينَيها الدّاكِنَتَين مِن عَوَاصِفٍ وأعَاصِيرٍ مَكبوتة.
❤2👍1
(هل عليّ أن أرتَدي قرطي الماسي؟) فِي كُلِ أُسبوعٍ أطرَحُ على نفسِي هذا السؤال وأنا أُخرِجُ الحَقيبَةَ الجِلديّة التي أحتَفِظ فيها بمجوهراتي في مَكانٍ لا يعلَمه حتى إياد، القِرط المَاسِي الضّخم والثَمين الذي أصرّت أمي على أن أطلُبَه كمَهرٍ عِندما تقدّم إياد لخِطبتي بدلاً من الذَهَب، بحُجّةِ أنّه سيُفَكّر مرّتَين قبلَ أن يَجرؤ على خِداعي (كما يفعل مُعظَمُ الأزواج).. وإقناعي ببَيعِ مُجوهراتي لتَمويلِ مَشروعٍ عَبقَريّ كَفيل بالقَفزِ بحَياتِنا إلى مُستوى الأُمراء، مَشروع فاشِل بالطَبع ينتهي بضَيَاعِ (قِرشِي الأبيض) ليأتي اليَومُ الأسودُ فَجأة بدونِ إنذار، فأكتَشِف خِلالَ وَهميّةَ ذَلك المَشروعِ العَبقريّ بأن مُؤامرة زَوجي للاستيلاءِ على أموالي وضمانِ سيطَرَتِه المَاديّةِ التامّةِ على حياتي قَد كُلِّلَت بالنَجاح.
يا إلهي! ها أنا أتحدّث كخَوَلة تمامًا، حسنًا، لن أرتَدي حُليًا هذه المرّة أيضًا وإلاّ بَدوتُ شاذّة ومُتكلّفة ورُبّما مُحدثَة نِعمَة أمامَ جَمَالِ ريتشيل وأناقتِها الطَبيعِيَّين. ريتشيل زينب، جارتي التي لا أتوقّف عن التَفكيرِ بها بإعجابٍ وغِبطة؛ جميلة، مُستقلّة وقادرة على تَحقِيق ما تُريدُه في حياتِها. معَ العِلم أنّني لا أفهمُ على الإطلاق سببَ تمسُّكِها بالجانِبِ الشَرقِيّ مِنها! ما المُثير للاهتمامِ في تُراثٍ قامَ على قَمعِ المَرأة منذُ قُرونٍ طَويلة؟!
حتى أنّني لا أُحبّ مُناداتها بزَينب، الاسم الذي تَفخر ريتشيل بحَملِه كوسامِ بُطولةٍ تُعلّقُه على صَدرِها.
ارتدَيتُ قِرطًا ذَهبيًا بَسيطًا، كَفيلاً بمُضاهاةِ أناقةِ لين، أحدَث جاراتِنا في العِمارة، العَروس المُدلّلَة التي تُشرِق عَيناها ببَهجةِ تَوقُّعاتِها للمُستقبَل! وتأمّلتُ نَفسي للمرّةِ الأخيرَةِ باكتئابٍ وأنا أُفكِّر.. هل تَعرِف تلك الطِفلةِ المَسكينة بأنّ نظرتَها الوَرديّة للحياة لن تَستمرّ طويلاً؟ يا الله! كَم أشتاقُ إلى تِلك الفِترة، حيثُ كنتُ ساذجةً بما يَكفي لأؤمِن بقُدرَتِي على تَحقِيقِ ما أُريدُه بشَيءٍ بَسيطٍ من العَزيمةِ و قُوّةِ الإرادة.
أغلقتُ حَقيبتي الجِلديّة الصَغيرَة وأعدتُها إلى مَخبأي الغَيرِ مُتوَقَّع على الإطلاقِ ببَساطَتِه ورفَعتُ المِنضدَةَ الخَشَبيّةَ الثّقيلة، والمُجاوِرَة للسَريرِ قليلاً ثم دفَعتُ الحَقيبةَ أسفلَها لتَستَقِرّ تحتَ قَاعدَتها المُجوَّفَة ثُم اعتدَلتُ لاهِثةً وأنا أتحسّس ظَهري وأتأكّد بأنّه لَم يُصَب بضَرَرٍ بسَببِ فعلَتِي.
مَرّرتُ المُشطَ عبرَ خصلاتِ شَعري للمرّةِ الأخيرة، في نَفسِ اللّحظةِ التي سَمِعتُ فِيها مِفتاحَ إياد يُعلِن عن وُصولِه، رُبّما هو لَن يَتحدّث إليّ حتى أنهار نَفسيًا وعَصبيًا جراء أُسلوبِه المُعتاد والمُستَفِز جدًا في تَروِيضي، إلاّ أنّه سيُجالِس الأطفالَ على الأقلّ، حتّى أعودُ مِن مُتنَفّسي الأُسبوعيّ المُفضّل حيثُ أهرب لساعاتٍ قَليلة مِن إطارِ حَياتي المُحكَم، مُتناسِيةً قُيودَها المُتمَثّلة بزَوجٍ مُستَفِزٍ وأطَفالٍ مَجانِين وأكونُ مُجرّد أُنثَى مُتأَلِّقَة لا هُمومَ لها سِوى مُضاهاةِ إناثٍ لا يَقِلّنّ عَنها تعاسةً، حتى و إن رفَضن الاعترافَ بهذا ويُحاوِلن التَخَفِّي مِثلي وَراءَ وَاجِهَةٍ جَميلةٍ ضاحكة، إعلان بَديع عَن رَونق حَياةِ المَرأةِ الشَرقِيّةِ المُتألِّقة! هَل تَعرِف إحداهُن يا ترى إلى أيِ حدٍ هن مَكشوفَات لمَثيلاتِهن؟!
أُقيمُ في الطّابقِ الأخير ولَن أستَعمِل المِصعَدَ الكَهربائي للنُزولِ إلى حيثُ شقّةِ ريتشيل، ممّا يمنَحُني الوَقتَ لتَقمُّصِ الدَور. رَسمتُ ابتسامةً وَاسِعَةً مُظهِرَةً أسناني المُنتَظِمَة والنَاصِعَةَ البَياض وتَناولتُ حَقيبَةَ يَدي الأنيقة وبدونِ إلقاءِ أكثرَ مِن نَظرةٍ نحوَ إياد الجالِس على الأريكة يُحيطُ به الطِفلان مُتعمِّدًا التَظاهُرَ بعَدَمِ رُؤيتي، غادَرتُ الشقّةَ مُغلِقةً البابَ ورائي بهدوءٍ شديد مُتَجّهَةً لمُلاقاةِ عُصبَةِ نونِ النِسوة.
************
يا إلهي! ها أنا أتحدّث كخَوَلة تمامًا، حسنًا، لن أرتَدي حُليًا هذه المرّة أيضًا وإلاّ بَدوتُ شاذّة ومُتكلّفة ورُبّما مُحدثَة نِعمَة أمامَ جَمَالِ ريتشيل وأناقتِها الطَبيعِيَّين. ريتشيل زينب، جارتي التي لا أتوقّف عن التَفكيرِ بها بإعجابٍ وغِبطة؛ جميلة، مُستقلّة وقادرة على تَحقِيق ما تُريدُه في حياتِها. معَ العِلم أنّني لا أفهمُ على الإطلاق سببَ تمسُّكِها بالجانِبِ الشَرقِيّ مِنها! ما المُثير للاهتمامِ في تُراثٍ قامَ على قَمعِ المَرأة منذُ قُرونٍ طَويلة؟!
حتى أنّني لا أُحبّ مُناداتها بزَينب، الاسم الذي تَفخر ريتشيل بحَملِه كوسامِ بُطولةٍ تُعلّقُه على صَدرِها.
ارتدَيتُ قِرطًا ذَهبيًا بَسيطًا، كَفيلاً بمُضاهاةِ أناقةِ لين، أحدَث جاراتِنا في العِمارة، العَروس المُدلّلَة التي تُشرِق عَيناها ببَهجةِ تَوقُّعاتِها للمُستقبَل! وتأمّلتُ نَفسي للمرّةِ الأخيرَةِ باكتئابٍ وأنا أُفكِّر.. هل تَعرِف تلك الطِفلةِ المَسكينة بأنّ نظرتَها الوَرديّة للحياة لن تَستمرّ طويلاً؟ يا الله! كَم أشتاقُ إلى تِلك الفِترة، حيثُ كنتُ ساذجةً بما يَكفي لأؤمِن بقُدرَتِي على تَحقِيقِ ما أُريدُه بشَيءٍ بَسيطٍ من العَزيمةِ و قُوّةِ الإرادة.
أغلقتُ حَقيبتي الجِلديّة الصَغيرَة وأعدتُها إلى مَخبأي الغَيرِ مُتوَقَّع على الإطلاقِ ببَساطَتِه ورفَعتُ المِنضدَةَ الخَشَبيّةَ الثّقيلة، والمُجاوِرَة للسَريرِ قليلاً ثم دفَعتُ الحَقيبةَ أسفلَها لتَستَقِرّ تحتَ قَاعدَتها المُجوَّفَة ثُم اعتدَلتُ لاهِثةً وأنا أتحسّس ظَهري وأتأكّد بأنّه لَم يُصَب بضَرَرٍ بسَببِ فعلَتِي.
مَرّرتُ المُشطَ عبرَ خصلاتِ شَعري للمرّةِ الأخيرة، في نَفسِ اللّحظةِ التي سَمِعتُ فِيها مِفتاحَ إياد يُعلِن عن وُصولِه، رُبّما هو لَن يَتحدّث إليّ حتى أنهار نَفسيًا وعَصبيًا جراء أُسلوبِه المُعتاد والمُستَفِز جدًا في تَروِيضي، إلاّ أنّه سيُجالِس الأطفالَ على الأقلّ، حتّى أعودُ مِن مُتنَفّسي الأُسبوعيّ المُفضّل حيثُ أهرب لساعاتٍ قَليلة مِن إطارِ حَياتي المُحكَم، مُتناسِيةً قُيودَها المُتمَثّلة بزَوجٍ مُستَفِزٍ وأطَفالٍ مَجانِين وأكونُ مُجرّد أُنثَى مُتأَلِّقَة لا هُمومَ لها سِوى مُضاهاةِ إناثٍ لا يَقِلّنّ عَنها تعاسةً، حتى و إن رفَضن الاعترافَ بهذا ويُحاوِلن التَخَفِّي مِثلي وَراءَ وَاجِهَةٍ جَميلةٍ ضاحكة، إعلان بَديع عَن رَونق حَياةِ المَرأةِ الشَرقِيّةِ المُتألِّقة! هَل تَعرِف إحداهُن يا ترى إلى أيِ حدٍ هن مَكشوفَات لمَثيلاتِهن؟!
أُقيمُ في الطّابقِ الأخير ولَن أستَعمِل المِصعَدَ الكَهربائي للنُزولِ إلى حيثُ شقّةِ ريتشيل، ممّا يمنَحُني الوَقتَ لتَقمُّصِ الدَور. رَسمتُ ابتسامةً وَاسِعَةً مُظهِرَةً أسناني المُنتَظِمَة والنَاصِعَةَ البَياض وتَناولتُ حَقيبَةَ يَدي الأنيقة وبدونِ إلقاءِ أكثرَ مِن نَظرةٍ نحوَ إياد الجالِس على الأريكة يُحيطُ به الطِفلان مُتعمِّدًا التَظاهُرَ بعَدَمِ رُؤيتي، غادَرتُ الشقّةَ مُغلِقةً البابَ ورائي بهدوءٍ شديد مُتَجّهَةً لمُلاقاةِ عُصبَةِ نونِ النِسوة.
************
👏3❤2👍1
علياء عبد الحميد
(عمرو، ماذا تفعل؟ أتُحدّق بي؟! لقد، لقد انتبَه للفُستان!)
هكذا كنتُ أهمِس لنَفسي؛ لأُهدئ خَفَقات قَلبي المَذهولة والمُتقافِزَة بحُبور، يا إلهي! إنّه يتأمّلني بكَسَلٍ مُثير وابتسامةٌ عابِثَةٌ تملأ وَجهَه، أخَذتُ أبتَهِل في نَفسي كَي يُلَملِم بَهاءَ ابتسامَتِه قليلاً؛ فما يفعَله، وارتدائي لهذا الفُستان يُربكانِي لأبعدِ مَدى، فَلتسقُط ريتشيل زينب وجميعُ اجتماعاتِ النونِ العربية، لَن أذهب! لَن أذهَب وهذا قَرارٌ نِهائيّ.
شَهقةٌ خَافتة ابتلَعتُ رَجفتَها بينما يقتَرِب أكثر وأنفاسُه الدّافِئة تلفَحُ رقبَتِي.
مَهلاً! ما سِر هذا التَحوّل يا عمرو؟! الفُستانُ الأحمر وارتدَيتُ مِثلَه في السّابِق! والعِطرُ عِطري منذُ تَزوّجنا، أيَكونُ قَد استبدَل نَظّارتَه الطِبيّة؟! مؤكد هُنا -في لندن- يَختَلِف نَقاؤها عَن مَثيلاتِها في القاهرة. بتَردُّدٍ سمَحتُ لأهدابي بالرَفرَفَةِ قليلاً لأرى وَجهَه وقبلَ أن تَستَجيب أهدابِي لإشارَةِ عَقلِي، حَطّ كَفُه الكَبير على جَبيني ليُجفِلني بَعدَها بصَوتٍ مُرتَفِع:- ما بكِ يا علياء! هل أنتِ مَريضة؟!
نظرتُ إلَيه لأستفهم! وجَدتُه يَدور حَولي مُتأمِّلاً بينما يَحُلّ رَبطةَ عُنُقِه بنَزَقٍ قائلاً:- جميلٌ هذا الفُستان، ولكن ما هي المُناسبة لتَرتَدِيه في هذا البَرد؟! لا أعجَبُ من ارتجافِك! مؤكدٌ أنّكِ مَرضتِ! هَل أعدَدتِ (الكُشَري) أم أضَعتِ اليومَ كُلَه أمامَ المِرآة؟
لَكمَةٌ مُوجِعَة! هذا ما خَطر فِي بَالي الآن، وهو يُحدّق فيّ بعُيونِه الأربعة، لَكمةٌ قَويّة والدّمُ يَسيلُ مِن أنفِه! مَشهَدٌ رَائِع! لِمَ لَم أُترجِم الخيالَ إلى واقِعٍ بينما يُغادِر الغُرفَةَ ليَدخل إلى الحمّام، وهو يُغَمغِم بصَوتٍ يصِلني، ومُؤكّد يختَرِق مَسامِع (الجيران) :- عَلياء، أنا مَشغولٌ حتّى في يَومِ عُطلَتِي، لا تَعلمين بالطَبع أينَ كُنت ولا بأَيّ شَقاءٍ أُعانِي في الخَارِج! أنتِ هُنا، تَجلِسين مع آية، ولَم تُعِدِّي حتّى الطَعَام!، أصبَحتُ أهتَمّ بكُلِ شَيءٍ في هَذه الأُسرَة، بدأتُ أندَم على السَفَر، لَم تُعِدِيّ الطَعام، صَحيح؟! أنا مُرهَقٌ جدًا حتى لا أقوى على الخُروجِ و تَنَاو...
لَم يتوَقّف، بل أنا مَن أوقَفتُ بدَاخلي إرادَةَ الإنصات، و جَلَستُ في الصالةِ لأتفَرّج وآية بمِنديلِ رأسِها تُشارِكني الفُرجَة كعادَتِها.
ها هو قَد أنهى حَمّامَه وتوجّه رَأسًا إلى المَطبخ، الطَعامُ مُعَدٌّ بالفِعل، وثَلاثةُ أطباقٍ مِن الكُشَري الشَهِيّ تَقبَعُ بإذعانٍ هُناك. التهَم ما التهَمَ مِنها و لَم يُعَلِّق، أحبَبتُ في هَذه اللَّحظة مَطبَخِي المَفتوحَ برَحابَةٍ على الصالَة؛ كَي أتمَعّن في وَجهِه، علّني أجِد إجابَةً لسُؤالٍ يَقرَعُ عَقلِي الآن بمِطرَقَةٍ مِن حَديد، لِماذا أحبَبتُه؟! بَل لِمَاذا ما أزال أُحِبّه؟!
خَرج و تجوّل قليلاً في الشَقّةِ بِلا هَدَف ثم اندَسّ خَلفَ حَاسوبِه لنِصفِ ساعةٍ بتَركيزٍ ثَاقب، ليَهجع بعدَها إلى الفِراش، وتَنتَظِم أنفاسُه فِي دَقائقٍ مَعدودة مُسافِرًا لدُنيا الأحلام.. أتساءَل أحيانًا يا عمرو، هَل تستَطِيعَ الحُلم؟!
جلَستُ لأُكمِل هِندامِي أمامَ مِنضَدَةِ الزِينَة، وأنا أتَطلّع خَلفِي إلى (زوجي) عَلامَةِ التَعجُّبِ الَقابِعَةِ بهَناءٍ على الفِراش، عَلامَة تَعَجُّبٍ التَصَق مَصيري بِها لعدّةِ أسباب، سأسرِدُها عَليكم وأنا أُتَمِّم هَيئتِي وأُساعِد آية في ارتِداءِ ثِيابِها.
أسبابُ التِصاقي بعَلامَةِ التَعجُّب:
أ – أسبابٌ شَخصِيّة.
ب- أسبابٌ عَائِليّة.
السّبَبُ الشّخصِي، والوَحِيد هو أنّي أحبَبتُه. مَسألَةٌ قَدَريّةٌ بَحتَة، تمامًا كما يَسير شَخصٌ مُسالِم في أحَدِ الشَّوارِع ويسقُط عَلَيه فَجأة بَقايا جِسمٍ فَضائِيٍ مُحتَرِق، فيُردِيه قَتيلاً. لا أعلم إن كان حدَث هذا حقًا! ولكنّي أحبَبت عمرو بهَذه الطَرِيقة؛ عَلامَةُ تَعجُّبٍ جَليدِيّة وله ابتسامَةٌ سَاحِرَة، عِلاوةً على أنّه ابنُ خالتي، فمِن المَنطِقيّ جدًا أن أقَع فِي غَرَامِه.
ليتَني ما فَعَلت!
أمّا الأسباب العَائليّة، فهُما سبَبَان، أوّلهُما هَلَعُ أمي مِن شَبَحِ العُنوسَة والثّاني، صَفقَةُ بروش الأمِيرَة شهدزان (جدّتِي الكُبرى) زَوجة الأمِير نُعمان (جَدّي الأكبر) أيضًا هو الآخر. هكذا أخبَرونا مِرارًا، هي حِكايةٌ طَويلة، سأقُصّها فيما بعد، رغمَ أنّي لا أُصَدّقُها بالطَبع، ولا أحدَ يُمكِنُه التَصدِيق أنّ علامةَ التَعجُّبِ النَائِمِ خَلفِي هذا، تَجرِي فِي عُروقِه دِماءٌ مَلَكِيّة!
(هل أعدَدتِ الكُشَري!) أتمنّى أن تُصاب بتَلَبُّكٍ معوِيٍّ حادّ، أمِيرٌ مُغتَرِبٌ فِي لندن، يَشتَهِي الكُشَري في عِيدِ زَوَاجِه المُوافِق للأسَفِ لعِيد مِيلادِه الواحِد والثلاثين.
(عمرو، ماذا تفعل؟ أتُحدّق بي؟! لقد، لقد انتبَه للفُستان!)
هكذا كنتُ أهمِس لنَفسي؛ لأُهدئ خَفَقات قَلبي المَذهولة والمُتقافِزَة بحُبور، يا إلهي! إنّه يتأمّلني بكَسَلٍ مُثير وابتسامةٌ عابِثَةٌ تملأ وَجهَه، أخَذتُ أبتَهِل في نَفسي كَي يُلَملِم بَهاءَ ابتسامَتِه قليلاً؛ فما يفعَله، وارتدائي لهذا الفُستان يُربكانِي لأبعدِ مَدى، فَلتسقُط ريتشيل زينب وجميعُ اجتماعاتِ النونِ العربية، لَن أذهب! لَن أذهَب وهذا قَرارٌ نِهائيّ.
شَهقةٌ خَافتة ابتلَعتُ رَجفتَها بينما يقتَرِب أكثر وأنفاسُه الدّافِئة تلفَحُ رقبَتِي.
مَهلاً! ما سِر هذا التَحوّل يا عمرو؟! الفُستانُ الأحمر وارتدَيتُ مِثلَه في السّابِق! والعِطرُ عِطري منذُ تَزوّجنا، أيَكونُ قَد استبدَل نَظّارتَه الطِبيّة؟! مؤكد هُنا -في لندن- يَختَلِف نَقاؤها عَن مَثيلاتِها في القاهرة. بتَردُّدٍ سمَحتُ لأهدابي بالرَفرَفَةِ قليلاً لأرى وَجهَه وقبلَ أن تَستَجيب أهدابِي لإشارَةِ عَقلِي، حَطّ كَفُه الكَبير على جَبيني ليُجفِلني بَعدَها بصَوتٍ مُرتَفِع:- ما بكِ يا علياء! هل أنتِ مَريضة؟!
نظرتُ إلَيه لأستفهم! وجَدتُه يَدور حَولي مُتأمِّلاً بينما يَحُلّ رَبطةَ عُنُقِه بنَزَقٍ قائلاً:- جميلٌ هذا الفُستان، ولكن ما هي المُناسبة لتَرتَدِيه في هذا البَرد؟! لا أعجَبُ من ارتجافِك! مؤكدٌ أنّكِ مَرضتِ! هَل أعدَدتِ (الكُشَري) أم أضَعتِ اليومَ كُلَه أمامَ المِرآة؟
لَكمَةٌ مُوجِعَة! هذا ما خَطر فِي بَالي الآن، وهو يُحدّق فيّ بعُيونِه الأربعة، لَكمةٌ قَويّة والدّمُ يَسيلُ مِن أنفِه! مَشهَدٌ رَائِع! لِمَ لَم أُترجِم الخيالَ إلى واقِعٍ بينما يُغادِر الغُرفَةَ ليَدخل إلى الحمّام، وهو يُغَمغِم بصَوتٍ يصِلني، ومُؤكّد يختَرِق مَسامِع (الجيران) :- عَلياء، أنا مَشغولٌ حتّى في يَومِ عُطلَتِي، لا تَعلمين بالطَبع أينَ كُنت ولا بأَيّ شَقاءٍ أُعانِي في الخَارِج! أنتِ هُنا، تَجلِسين مع آية، ولَم تُعِدِّي حتّى الطَعَام!، أصبَحتُ أهتَمّ بكُلِ شَيءٍ في هَذه الأُسرَة، بدأتُ أندَم على السَفَر، لَم تُعِدِيّ الطَعام، صَحيح؟! أنا مُرهَقٌ جدًا حتى لا أقوى على الخُروجِ و تَنَاو...
لَم يتوَقّف، بل أنا مَن أوقَفتُ بدَاخلي إرادَةَ الإنصات، و جَلَستُ في الصالةِ لأتفَرّج وآية بمِنديلِ رأسِها تُشارِكني الفُرجَة كعادَتِها.
ها هو قَد أنهى حَمّامَه وتوجّه رَأسًا إلى المَطبخ، الطَعامُ مُعَدٌّ بالفِعل، وثَلاثةُ أطباقٍ مِن الكُشَري الشَهِيّ تَقبَعُ بإذعانٍ هُناك. التهَم ما التهَمَ مِنها و لَم يُعَلِّق، أحبَبتُ في هَذه اللَّحظة مَطبَخِي المَفتوحَ برَحابَةٍ على الصالَة؛ كَي أتمَعّن في وَجهِه، علّني أجِد إجابَةً لسُؤالٍ يَقرَعُ عَقلِي الآن بمِطرَقَةٍ مِن حَديد، لِماذا أحبَبتُه؟! بَل لِمَاذا ما أزال أُحِبّه؟!
خَرج و تجوّل قليلاً في الشَقّةِ بِلا هَدَف ثم اندَسّ خَلفَ حَاسوبِه لنِصفِ ساعةٍ بتَركيزٍ ثَاقب، ليَهجع بعدَها إلى الفِراش، وتَنتَظِم أنفاسُه فِي دَقائقٍ مَعدودة مُسافِرًا لدُنيا الأحلام.. أتساءَل أحيانًا يا عمرو، هَل تستَطِيعَ الحُلم؟!
جلَستُ لأُكمِل هِندامِي أمامَ مِنضَدَةِ الزِينَة، وأنا أتَطلّع خَلفِي إلى (زوجي) عَلامَةِ التَعجُّبِ الَقابِعَةِ بهَناءٍ على الفِراش، عَلامَة تَعَجُّبٍ التَصَق مَصيري بِها لعدّةِ أسباب، سأسرِدُها عَليكم وأنا أُتَمِّم هَيئتِي وأُساعِد آية في ارتِداءِ ثِيابِها.
أسبابُ التِصاقي بعَلامَةِ التَعجُّب:
أ – أسبابٌ شَخصِيّة.
ب- أسبابٌ عَائِليّة.
السّبَبُ الشّخصِي، والوَحِيد هو أنّي أحبَبتُه. مَسألَةٌ قَدَريّةٌ بَحتَة، تمامًا كما يَسير شَخصٌ مُسالِم في أحَدِ الشَّوارِع ويسقُط عَلَيه فَجأة بَقايا جِسمٍ فَضائِيٍ مُحتَرِق، فيُردِيه قَتيلاً. لا أعلم إن كان حدَث هذا حقًا! ولكنّي أحبَبت عمرو بهَذه الطَرِيقة؛ عَلامَةُ تَعجُّبٍ جَليدِيّة وله ابتسامَةٌ سَاحِرَة، عِلاوةً على أنّه ابنُ خالتي، فمِن المَنطِقيّ جدًا أن أقَع فِي غَرَامِه.
ليتَني ما فَعَلت!
أمّا الأسباب العَائليّة، فهُما سبَبَان، أوّلهُما هَلَعُ أمي مِن شَبَحِ العُنوسَة والثّاني، صَفقَةُ بروش الأمِيرَة شهدزان (جدّتِي الكُبرى) زَوجة الأمِير نُعمان (جَدّي الأكبر) أيضًا هو الآخر. هكذا أخبَرونا مِرارًا، هي حِكايةٌ طَويلة، سأقُصّها فيما بعد، رغمَ أنّي لا أُصَدّقُها بالطَبع، ولا أحدَ يُمكِنُه التَصدِيق أنّ علامةَ التَعجُّبِ النَائِمِ خَلفِي هذا، تَجرِي فِي عُروقِه دِماءٌ مَلَكِيّة!
(هل أعدَدتِ الكُشَري!) أتمنّى أن تُصاب بتَلَبُّكٍ معوِيٍّ حادّ، أمِيرٌ مُغتَرِبٌ فِي لندن، يَشتَهِي الكُشَري في عِيدِ زَوَاجِه المُوافِق للأسَفِ لعِيد مِيلادِه الواحِد والثلاثين.
👍5❤2
سامَحَكِ اللهُ يا أمي! لِمَ لم تَرفُضِي ابنَ أُختِك، وتَحبِسيني بغُرفَتي مِثل أُمّهاتِ المَاضِي؟! كنتُ سأبكي قَليلاً -أو كَثيرًا- حتّى أمَلّ وأُعاوِد مُزاوَلَة الحَياة ثُم مَا بِها العُنوسة؟! تأمّلتُ نَفسِي بالمِرآةِ مُخفِيةً خَلفِي عَلامةَ تَعجُّبِي، فَتاةٌ مَمشوقَة وذاتَ قوامٍ رَائِع وحَاصِلَة على مَاجِستير رياض أطفال -بدون عَلامة تَعجُّب- مَا أحلى الحَياة! للَحظَةٍ شَعرتُ بنَسائمِ الحُريّة تُهَدهِد خَيالي إلى أن أطلّت آية بِجانِبي في المِرآة، بابتِسامةٍ عَريضةٍ كأنّي ألتَقِط صورةً وهي ستُشارِكَني إيّاها، بتَطوِيقِها لخَصرِي بذِراعِها الصّغير.
ارتدَيتُ مِعطَفًا أنيقًا أُخفِى به مَفاتِني ووشاحًا لرَأسي يُحاكِيه أناقَةً، فُستانِي الرّائِع سيَجِد جُمهورًا كَبيرًا مِن الفَتيات، خاصةً وقَد زَيّنتُه بِبروش (شهدزان) فلَم أُعِدْه لمُستَقَرّه في صُندوقِه الصّدَفيّ بخِزانَةِ مَلابِسي؛ كَي يُدرِكن أيَ دَلالٍ يُغرِقني به (ابنُ رَئِيسة) وقبلَ أن أخطو خارِجَ الشَقّة، وكَفُ آية مُستَقِرٌّ فِي يَدِي، جَذبتُها لأُوصِيها الوَصايا التي باتَت تَحفَظُها وتُغيظُني بتِكرارِها كَمَا فَعلَت الآن "و لَن آكُل أو أشرب شَيئًا حتّى تُشيري لِي يا أمي!"
هَممتُ بالخُروج، فجَذَبتنِي بقُوّة وهمَسَت فِي أُذُنِي بشَيء، لأهمِس لها بَعدَها:- لا يا آية، لَن يصلُح هذا مَع والدِك ولَكِن في البِداية، هَل تُشارِكيني خُطّة (سِحرِ الفِيديو كليب وتَنسِيق الثّانَوية العامّة)؟
هتفَت بحَماس: "موافِقَة، و لَكن ما مَعنى هذا؟!". ابتسَمتُ لها وقد التمَعَت الفِكرَةُ في ذِهني، وقُلتُ لها:- عندما نَعود سأُخبِرُك.
قبّلَتنِي بقُوّةٍ ثُم انطلَقَت مُسرِعَة لتَسبِقني إلى شَقّة الإنجليزيّةِ الأنيقة التي ستَستَقبِلني الآن بحَفَاوَةٍ قَائلة: "أهلاً علياء".
مينة أحمد
غسَلتُ وَجهي بالماءِ الباردِ مِرارًا و تِكرارًا، رُبّما أُحاوِلُ أن أجِد (مَنْ أنا!) بَين كُلِ رَشقَةٍ وأُخرى، لَولا لُطفِ الله لكَان ذَلك الرّجُل إما مَيتًا أو بِحالَةٍ مُزرِية، وبعدَ جرعَةِ الخَوفِ الكَبيرةِ التي تَلقّيتُها، تَبيّن أنّه مَن عبَرَ مِن مَكانٍ خَاطئ. تمَالَكتُ نَفسي وأخَذتُ نَفَسًا عَميقًا وأنا أُرَدِّد "لَن أُفسِد يَومِي المُميّز" وكأنّي ما عُدتُ لتَوّي مِن مَوعِدِ طَلَبِ طَلاق! أُراهِنُ أنّه أسرَع طَلَب! رُبّما تَسَرّعتُ فِيه، لَكنّه صَحيح رغمَ بَقاءِ الأحداثِ الأخرى فِي قَلبِي، لكن لابد مِن النُهوض، وهذا ما اعتَدتُه؛ أنهَضُ بعدَ كُلِ سُقوط، وهذا لا يَعني تَجاوُز الأمرَ ببَساطة، بل هُمومي أُرتِّبُها مِثل الكُتُب، وأعِيدُ تَقلِيبَها كُلَّ مَرّة.
ذهبتُ للمَطبَخ؛ مَكان المَرأة المُفضّل مَهما بَلغَت مَكانتُها (مَكاني المُفضّل للتَفكِير)...لا أُنكِر أنّي خَائفةٌ مِن رَدّةِ فِعلِ عَلِيّ، خُصوصًا بعدَ رِسالَتِه وكَلامِ وَالِدَتِه قبلَ فِترة، وهِي تُشبِهه بالحَليمِ إذا غَضِب أثناءَ كَلامِها اللّطِيف المُبَطّن بنَبرَةِ تَهدِيد، حتّى كَلامِ خَوَلة يَرِنّ في أُذُنِي رغمَ تَشكِيكِها الدّائِم بكُلِ ما حَولها، لدَرَجة أفقِدُ بها أعصابِي، لَو تَعرِف بالكارِثة التي أقدَمتُ علَيها وهي تَحُثّني على إتمامِ زَواجِي مِن عَلِيّ: (فَكّري مَعي يا عَزيزَتي مينة..
أبوكِ كان عَبدًا لمؤامراتٍ حاكَتها له شُكوكُه وعقلُه المَريض، والتي كُنتِ ضَحِيّتَها؛ فأمُك لَا أرَها ضَحيّةً أبدًا، ابنُ عَمّك وخالِك صنعا مؤامرةً بمُحاولتِهما لإقناعِك بالدّراسةِ في الخارج، أخوك يحيكُ لكِ المؤامرات دائمًا، بدءًا مِن مُحاولاتِه الطُفوليّة كَي يُلهيكِ عن شِجاراتِ والدَيكِ، وانتهاءً بتَرحيلِك معه للخارِج، ويبدو أن خِطبتك مؤامرة مِن مؤامراتِه والآن أخبريني، مَن الرَجُل الوحيد في حياتِك، الذي لَم يكِد لكِ مؤامرةً يومًا؟ هذا الرجل رفَض أن يستخدِم هذا النوع الإيجابي مِن المؤامرات، أتعلمين لماذا؟ لأنّه يؤمن و يثِق بكِ، ويكرَه أن يحصُل على مآربِه نتيجةَ خِداعٍ ومؤامرات، رَجُل – رغمَ طبيعتي الشكّاكَة– أثِقُ بأنّه يُحبّك وسيُسعِدُك، رَجُل يُدعى عَلِيّ. انسِي الماضي يا مينة و تزوّجِيه، وإلا سأُزوّجُه للآنسة آية عمرو عبد السلام، على الأقل سترتاح علياء إن تخلّصَت من إزعاجِ ابنتِها). آية وعلياء رغمًا عنّي أضحكُ عندما أتذكّرهما و طريقَة تحاوُرهما، وتلك الصغيرة تُحاوِل أن تظهَر بمَظهرِ الكبيرة، وهَوَس علياء بالنّظافة، استغرَبتُ مرّة وسألتُها (كيف تستَطيع التَعامُل مع ابنتِها، أو بالأحرى كيفَ تتحمّلها!) أخبرتني: (إنّ الأمومةَ سِرٌ لا تُدرِكُه إلاّ مَن تُجرّبه، أنتِ تَرين آية مُشاغِبَة ولا تَستطيعين تَحمُّلَها، لكن ستَعرفين عِندما يكون لديكِ طِفل، لن تشعُري باتّجاهِه إلاّ بعَاطفةٍ لا تَستطيعين تفسيرَها) ولا أظُنّ أنّي سأُجرّب هذا الإحساس، رغمَ اشتِياقي ليكون لي طِفل لي وَحدي، يُشبِه مَن أُحِب.
ارتدَيتُ مِعطَفًا أنيقًا أُخفِى به مَفاتِني ووشاحًا لرَأسي يُحاكِيه أناقَةً، فُستانِي الرّائِع سيَجِد جُمهورًا كَبيرًا مِن الفَتيات، خاصةً وقَد زَيّنتُه بِبروش (شهدزان) فلَم أُعِدْه لمُستَقَرّه في صُندوقِه الصّدَفيّ بخِزانَةِ مَلابِسي؛ كَي يُدرِكن أيَ دَلالٍ يُغرِقني به (ابنُ رَئِيسة) وقبلَ أن أخطو خارِجَ الشَقّة، وكَفُ آية مُستَقِرٌّ فِي يَدِي، جَذبتُها لأُوصِيها الوَصايا التي باتَت تَحفَظُها وتُغيظُني بتِكرارِها كَمَا فَعلَت الآن "و لَن آكُل أو أشرب شَيئًا حتّى تُشيري لِي يا أمي!"
هَممتُ بالخُروج، فجَذَبتنِي بقُوّة وهمَسَت فِي أُذُنِي بشَيء، لأهمِس لها بَعدَها:- لا يا آية، لَن يصلُح هذا مَع والدِك ولَكِن في البِداية، هَل تُشارِكيني خُطّة (سِحرِ الفِيديو كليب وتَنسِيق الثّانَوية العامّة)؟
هتفَت بحَماس: "موافِقَة، و لَكن ما مَعنى هذا؟!". ابتسَمتُ لها وقد التمَعَت الفِكرَةُ في ذِهني، وقُلتُ لها:- عندما نَعود سأُخبِرُك.
قبّلَتنِي بقُوّةٍ ثُم انطلَقَت مُسرِعَة لتَسبِقني إلى شَقّة الإنجليزيّةِ الأنيقة التي ستَستَقبِلني الآن بحَفَاوَةٍ قَائلة: "أهلاً علياء".
مينة أحمد
غسَلتُ وَجهي بالماءِ الباردِ مِرارًا و تِكرارًا، رُبّما أُحاوِلُ أن أجِد (مَنْ أنا!) بَين كُلِ رَشقَةٍ وأُخرى، لَولا لُطفِ الله لكَان ذَلك الرّجُل إما مَيتًا أو بِحالَةٍ مُزرِية، وبعدَ جرعَةِ الخَوفِ الكَبيرةِ التي تَلقّيتُها، تَبيّن أنّه مَن عبَرَ مِن مَكانٍ خَاطئ. تمَالَكتُ نَفسي وأخَذتُ نَفَسًا عَميقًا وأنا أُرَدِّد "لَن أُفسِد يَومِي المُميّز" وكأنّي ما عُدتُ لتَوّي مِن مَوعِدِ طَلَبِ طَلاق! أُراهِنُ أنّه أسرَع طَلَب! رُبّما تَسَرّعتُ فِيه، لَكنّه صَحيح رغمَ بَقاءِ الأحداثِ الأخرى فِي قَلبِي، لكن لابد مِن النُهوض، وهذا ما اعتَدتُه؛ أنهَضُ بعدَ كُلِ سُقوط، وهذا لا يَعني تَجاوُز الأمرَ ببَساطة، بل هُمومي أُرتِّبُها مِثل الكُتُب، وأعِيدُ تَقلِيبَها كُلَّ مَرّة.
ذهبتُ للمَطبَخ؛ مَكان المَرأة المُفضّل مَهما بَلغَت مَكانتُها (مَكاني المُفضّل للتَفكِير)...لا أُنكِر أنّي خَائفةٌ مِن رَدّةِ فِعلِ عَلِيّ، خُصوصًا بعدَ رِسالَتِه وكَلامِ وَالِدَتِه قبلَ فِترة، وهِي تُشبِهه بالحَليمِ إذا غَضِب أثناءَ كَلامِها اللّطِيف المُبَطّن بنَبرَةِ تَهدِيد، حتّى كَلامِ خَوَلة يَرِنّ في أُذُنِي رغمَ تَشكِيكِها الدّائِم بكُلِ ما حَولها، لدَرَجة أفقِدُ بها أعصابِي، لَو تَعرِف بالكارِثة التي أقدَمتُ علَيها وهي تَحُثّني على إتمامِ زَواجِي مِن عَلِيّ: (فَكّري مَعي يا عَزيزَتي مينة..
أبوكِ كان عَبدًا لمؤامراتٍ حاكَتها له شُكوكُه وعقلُه المَريض، والتي كُنتِ ضَحِيّتَها؛ فأمُك لَا أرَها ضَحيّةً أبدًا، ابنُ عَمّك وخالِك صنعا مؤامرةً بمُحاولتِهما لإقناعِك بالدّراسةِ في الخارج، أخوك يحيكُ لكِ المؤامرات دائمًا، بدءًا مِن مُحاولاتِه الطُفوليّة كَي يُلهيكِ عن شِجاراتِ والدَيكِ، وانتهاءً بتَرحيلِك معه للخارِج، ويبدو أن خِطبتك مؤامرة مِن مؤامراتِه والآن أخبريني، مَن الرَجُل الوحيد في حياتِك، الذي لَم يكِد لكِ مؤامرةً يومًا؟ هذا الرجل رفَض أن يستخدِم هذا النوع الإيجابي مِن المؤامرات، أتعلمين لماذا؟ لأنّه يؤمن و يثِق بكِ، ويكرَه أن يحصُل على مآربِه نتيجةَ خِداعٍ ومؤامرات، رَجُل – رغمَ طبيعتي الشكّاكَة– أثِقُ بأنّه يُحبّك وسيُسعِدُك، رَجُل يُدعى عَلِيّ. انسِي الماضي يا مينة و تزوّجِيه، وإلا سأُزوّجُه للآنسة آية عمرو عبد السلام، على الأقل سترتاح علياء إن تخلّصَت من إزعاجِ ابنتِها). آية وعلياء رغمًا عنّي أضحكُ عندما أتذكّرهما و طريقَة تحاوُرهما، وتلك الصغيرة تُحاوِل أن تظهَر بمَظهرِ الكبيرة، وهَوَس علياء بالنّظافة، استغرَبتُ مرّة وسألتُها (كيف تستَطيع التَعامُل مع ابنتِها، أو بالأحرى كيفَ تتحمّلها!) أخبرتني: (إنّ الأمومةَ سِرٌ لا تُدرِكُه إلاّ مَن تُجرّبه، أنتِ تَرين آية مُشاغِبَة ولا تَستطيعين تَحمُّلَها، لكن ستَعرفين عِندما يكون لديكِ طِفل، لن تشعُري باتّجاهِه إلاّ بعَاطفةٍ لا تَستطيعين تفسيرَها) ولا أظُنّ أنّي سأُجرّب هذا الإحساس، رغمَ اشتِياقي ليكون لي طِفل لي وَحدي، يُشبِه مَن أُحِب.
👍8❤4
سأترُك إخبارَ مازن بقراري لحِينِ عَودتي. اتّجَهتُ لغُرفَتي، وبدَأتُ حَملةَ التَنقيبِ عمّا سأرتديه اليوم، واتَتني اللَحظة لأكون إنسانة ثانية، وكذلك جاراتي ثيابهنّ جميلة، خُصوصًا الوافِدَة الجديدة (لين) وأنا لستُ إنسانة مُختلِفَة عنهنّ، ومِن حقّي أن أظهرَ بمَظهَرٍ أُنثَوِيٍّ جَميل. قلبتُ كثيرًا حتّى سقَطَت يدي على فُستانٍ بلَونٍ بُرتقالِيٍ غَامِق، لمَستُه بكُلِ رِقّة، وتذَكّرتُ أنّي لَم أرتَديه منذُ أن جلَبَه لي عَلِيّ، ذَوقُه جَميل، وكأنّه يَنطِق بالحياة. سأرتَديه اليَوم -و لسُخرِيَة القَدَر- دونًا عَن كُلِ الأيّام، أشعُر بخِنجَرٍ يُمزّق قَلبي.
أنهَيتُ ارتداءَ الفُستان، ونظَرتُ لنَفسي بغَرَابة! فُستان عَارِي الأكمام، وفَتحةُ الصَدرِ واسِعة نَوعًا ما، طُولُه يُلامِس رُكبتيّ، وحِزامٌ بُنِيّ يُزيّنُ الخَصر، يُحدّدُ الجَسَدَ بطَريقَةٍ جَميلة.. اليَوم، سأعِيش لنَفسِي فَقَط، سارَعتُ بوَضعِ لمساتٍ من الماكياج، سرّحتُ شَعرِي الأسود الناعم ورَفعتُ نِصفَه بمشبكٍ صغير ثم ارتدَيتُ حِذاءً بُنيّ عَاليَ الكَعبَين، ومَضيتُ بسُرعة لغُرفَةِ مازن. فتَحتُ الباب بينما أظن أنّه غَير مَوجود، لكنّه كان هُناك، يضَع بَعضَ الأوراق في الخِزنة، حالما رآني تصَنّع الدَّهشَةَ وهو يَقول: "عفوًا آنستي، يبدو أنّكِ دَخلتِ بالخَطأ إلى غُرفتي!". فعَاد يقول، وابتسامَةٌ تُزيّن وجهَه: "جميلة، وكأنّ الشمسَ أشرَقَت على بُستانِ بُرتقال، يبدو أن رؤيَة عليّ لها تأثير مُميّز". قالَها وهو يَغمِز بعَينِه (لا تَعرِف يا أخي، أنّي أدوسُ جَمرًا وألوكُ شَوكًا وأبتَسِم كَذِبًا) ادّعَيتُ الغَضَب واتّجَهتُ أيضًا للخزنة التي يحتَفِظ فيها بأوراقِ الشَرِكة المُهمّة وأنا أحتَفِظ فيها بخاتَمِ جدّتي - مُرتَبِطة بجِهازِ إنذارٍ كحالِ الشَقّة، لأن، حَسب قَولِه، ما فيها لا يخُصّه هو فقَط – أهدَته لي قبلَ سَنةٍ من سفَري، والكُل ظَنّ أنّها فعلَت ذلك لأنّي أُشبِهُها كثيرًا، لكنّها عرفَت أنّي أعشق الأشياءَ القديمة والخاتم يَعودُ للقَرنِ التاسِع عَشر، اشتراه جَدّي مِن مزادٍ في لندن وأهداه لها؛ من الغَربِ إلى الشّرق، وها هو يَعود إلى الغَربِ الضَبابِي. لابأسَ من ارتِدائه مع دِبلَةِ الخُطوبةِ التي تسكُن بِنصَرِي منذُ عقد قراننا، ورُبّما فقطَ لهذه الأيّام.
ناداني مازن، فالتفَتُّ إليه، "استمتعي بحياتِك ولا تترُكِي الماضي يسرِقك مِن حاضِرِك ومُستقبَلِك وتذَكّري أنّي مَوجودٌ دائمًا إلى جانِبِك مَهما حَدَث". أرهقَتني كَلِماتُه، فقلتُ له: "أعرِفُ ذلك، وأوقَن به بقَلبي والآن، سأتأخّر! سأُصَلّي المَغرِب، وأنطَلِق إلى نونِنا العربيّة" حيثُ أشعُر بالرّاحة وأنا أستَمتِع بحِواراتِنا رغمَ اختلافِ طِباعِنا. "لا تَنسِي أن تُسلّمِي لي على كوكتيل الأصول والجاذِبيّة ريتشيل!". قالها وهو يُمسِك قَلبَه بطَريقةٍ مَسرحيّة.
أكمَلتُ صلاتي وذَهبتُ لأُحضِر عباءَتي و حِجابي، وأنا أضَعُ هاتِفي في الحَقِيبة، سَمِعتُ صوتَ إغلاقِ الباب، فتوقعت خُروجِ مازن لأصدم برؤية عَلِيّ يَستَنِد إلى البابِ مِن الدّاخِل، ووَجهُه يَحمِل تَعابير مُضطَرِبَة، ما بينَ الغَضَبِ والتَعَبِ والشُحوب، وشَعرُه مُبَعثَر، فألجَمَتني الصَدمةُ مِن وجودِه ومَظهِره، وخَشيتُ من الآتي.
تصنّعتُ الشّجاعَةَ التي فَقدتُها كُلَها، وصَوتُ والدي يَعود ليَرِنّ بأُذُنَي مع بُكاء والدتي، فقلتُ له: "مازن خَرَج!"
ردّ بغَضَبٍ وبصَوتٍ مُخيف: "أعرِفُ ذلك، وهو يَعرِف بوجودي، وأيضًا أنتِ ذاهِبةٌ للِقاءِ جاراتِك؛ فلا داعِ لطَردِي بلُطف، لأنّي سأنتَظِرُك هُنا وهذا شيءٌ لا أقبلُ النّقاشَ فيه؛ لأن حياتَنا أصبحَت مُجرّد لُعبةٍ بينَ يدَيكِ، تتَسلّين بها دونَ أيِ اعتبارٍ لمَشاعِرِي، أو رُبّما اكتشَفتِ أن ارتباطَنا غير مُجدٍ بعدَ دِراسةٍ أجريتِها كما في عَمَلِك وامسَحي نظرةَ الذُعرِ مِن عَينَيكِ لأنّي لَن ألتَهِمك!". اتّهاماتُه مزّقَت روحي، وعقدَةُ حاجبَيه تزداد بينما عيناه أصبحتا بنَظَراتِ صَقرٍ سيَنقَضّ على فَريسَتِه في أي لحظة، لأدرك أخيرًا أنّني أقِفُ بذلك الفُستانِ أمامَه؛ فطوالَ السَنةِ والنِصف الماضية، كنتُ أرتدي كُلَ شيءٍ مُحتَشِمٍ أمامَه وأبتَعِد عنه قَدرَ الإمكان.
أنهَيتُ ارتداءَ الفُستان، ونظَرتُ لنَفسي بغَرَابة! فُستان عَارِي الأكمام، وفَتحةُ الصَدرِ واسِعة نَوعًا ما، طُولُه يُلامِس رُكبتيّ، وحِزامٌ بُنِيّ يُزيّنُ الخَصر، يُحدّدُ الجَسَدَ بطَريقَةٍ جَميلة.. اليَوم، سأعِيش لنَفسِي فَقَط، سارَعتُ بوَضعِ لمساتٍ من الماكياج، سرّحتُ شَعرِي الأسود الناعم ورَفعتُ نِصفَه بمشبكٍ صغير ثم ارتدَيتُ حِذاءً بُنيّ عَاليَ الكَعبَين، ومَضيتُ بسُرعة لغُرفَةِ مازن. فتَحتُ الباب بينما أظن أنّه غَير مَوجود، لكنّه كان هُناك، يضَع بَعضَ الأوراق في الخِزنة، حالما رآني تصَنّع الدَّهشَةَ وهو يَقول: "عفوًا آنستي، يبدو أنّكِ دَخلتِ بالخَطأ إلى غُرفتي!". فعَاد يقول، وابتسامَةٌ تُزيّن وجهَه: "جميلة، وكأنّ الشمسَ أشرَقَت على بُستانِ بُرتقال، يبدو أن رؤيَة عليّ لها تأثير مُميّز". قالَها وهو يَغمِز بعَينِه (لا تَعرِف يا أخي، أنّي أدوسُ جَمرًا وألوكُ شَوكًا وأبتَسِم كَذِبًا) ادّعَيتُ الغَضَب واتّجَهتُ أيضًا للخزنة التي يحتَفِظ فيها بأوراقِ الشَرِكة المُهمّة وأنا أحتَفِظ فيها بخاتَمِ جدّتي - مُرتَبِطة بجِهازِ إنذارٍ كحالِ الشَقّة، لأن، حَسب قَولِه، ما فيها لا يخُصّه هو فقَط – أهدَته لي قبلَ سَنةٍ من سفَري، والكُل ظَنّ أنّها فعلَت ذلك لأنّي أُشبِهُها كثيرًا، لكنّها عرفَت أنّي أعشق الأشياءَ القديمة والخاتم يَعودُ للقَرنِ التاسِع عَشر، اشتراه جَدّي مِن مزادٍ في لندن وأهداه لها؛ من الغَربِ إلى الشّرق، وها هو يَعود إلى الغَربِ الضَبابِي. لابأسَ من ارتِدائه مع دِبلَةِ الخُطوبةِ التي تسكُن بِنصَرِي منذُ عقد قراننا، ورُبّما فقطَ لهذه الأيّام.
ناداني مازن، فالتفَتُّ إليه، "استمتعي بحياتِك ولا تترُكِي الماضي يسرِقك مِن حاضِرِك ومُستقبَلِك وتذَكّري أنّي مَوجودٌ دائمًا إلى جانِبِك مَهما حَدَث". أرهقَتني كَلِماتُه، فقلتُ له: "أعرِفُ ذلك، وأوقَن به بقَلبي والآن، سأتأخّر! سأُصَلّي المَغرِب، وأنطَلِق إلى نونِنا العربيّة" حيثُ أشعُر بالرّاحة وأنا أستَمتِع بحِواراتِنا رغمَ اختلافِ طِباعِنا. "لا تَنسِي أن تُسلّمِي لي على كوكتيل الأصول والجاذِبيّة ريتشيل!". قالها وهو يُمسِك قَلبَه بطَريقةٍ مَسرحيّة.
أكمَلتُ صلاتي وذَهبتُ لأُحضِر عباءَتي و حِجابي، وأنا أضَعُ هاتِفي في الحَقِيبة، سَمِعتُ صوتَ إغلاقِ الباب، فتوقعت خُروجِ مازن لأصدم برؤية عَلِيّ يَستَنِد إلى البابِ مِن الدّاخِل، ووَجهُه يَحمِل تَعابير مُضطَرِبَة، ما بينَ الغَضَبِ والتَعَبِ والشُحوب، وشَعرُه مُبَعثَر، فألجَمَتني الصَدمةُ مِن وجودِه ومَظهِره، وخَشيتُ من الآتي.
تصنّعتُ الشّجاعَةَ التي فَقدتُها كُلَها، وصَوتُ والدي يَعود ليَرِنّ بأُذُنَي مع بُكاء والدتي، فقلتُ له: "مازن خَرَج!"
ردّ بغَضَبٍ وبصَوتٍ مُخيف: "أعرِفُ ذلك، وهو يَعرِف بوجودي، وأيضًا أنتِ ذاهِبةٌ للِقاءِ جاراتِك؛ فلا داعِ لطَردِي بلُطف، لأنّي سأنتَظِرُك هُنا وهذا شيءٌ لا أقبلُ النّقاشَ فيه؛ لأن حياتَنا أصبحَت مُجرّد لُعبةٍ بينَ يدَيكِ، تتَسلّين بها دونَ أيِ اعتبارٍ لمَشاعِرِي، أو رُبّما اكتشَفتِ أن ارتباطَنا غير مُجدٍ بعدَ دِراسةٍ أجريتِها كما في عَمَلِك وامسَحي نظرةَ الذُعرِ مِن عَينَيكِ لأنّي لَن ألتَهِمك!". اتّهاماتُه مزّقَت روحي، وعقدَةُ حاجبَيه تزداد بينما عيناه أصبحتا بنَظَراتِ صَقرٍ سيَنقَضّ على فَريسَتِه في أي لحظة، لأدرك أخيرًا أنّني أقِفُ بذلك الفُستانِ أمامَه؛ فطوالَ السَنةِ والنِصف الماضية، كنتُ أرتدي كُلَ شيءٍ مُحتَشِمٍ أمامَه وأبتَعِد عنه قَدرَ الإمكان.
👍6❤1
في غَمرَةِ أفكاري، وجدتُ نفسي أعضُّ شفتِي السُفلى ككُلِ مرّةٍ أشعُر فيها بالحَرَج، يبدو أنّ أفكاري لا مَحلّ لها من الإعراب وأنا أشعُر بصَدمة وأصابِعه تسحب شَفتِي من تحتِ كمّاشَةِ أسنانه بينما يُغمِض عينَيه قائلا: "اضطُرِرتُ لتَحمُّلِ هذه الحرَكة لفِترةٍ طَويلة، تُعذّبيني بها!" إنها رَغبةٌ عَارِمة بأن أنتَقِم مِن نَفسي قبلَ غَيرِي؛ فأنا اعتدتُ هذه الحرَكة منذُ أن كنتُ صَغيرة؛ أرَدتُ أن أنطِق بذلك، لكن حرَكةَ أصابِعِه وهي تَمُرّ على ذِراعي مَقرونَةً بكَلِماتِه حالت دون تحرك لساني : "دومًا بَشرتُك دافئة، ولَونُها حَيّرني حتّى بِتُّ أوقِن أنّ الشَمسَ تَسرِق مِنكِ دفئها، تُحاوِل مجاراة لَونَ بَشرَتِك الجميل؛ لَستِ سمراء ولا بَيضاء، لَونٌ ذَهبِيٌّ خَفيفٌ يَغمُرُكِ!". خَفَقاتُ قَلبي باتَت كطُبولِ الحَربِ تَضرِب بعُنفٍ وبِدَوِيٍّ عالِ، ورُكبتاي كالهُلام لا تَحمِلان ثِقَلَ جِسمي وكأنّه شَعُر بي فأحاطَت ذِراعُه بخَصري. حركَتُه تلك زادَت الأمرَ سوءًا، ولَم أعُد أملِكُ مِن مينة شيئًا وهو يُقبِّلُني برِقّةٍ و شَوق، تُشبِه تلكَ القُبَلِ التي لا يَخجَلُ الرِّجالُ هُنا مِن إغداقِ النساء بها أمام الناس، فاستَسلَمتُ لمَشاعِري التي تَعرّفتُ عَليها مُتأخِّرَة.
رنّةُ هاتِفِه أعادَتني إلى الوَاقِع وأدرَكت أنّ المَوقِف ليسَ في صَالِحي، فابتَعدتُ بسُرعةٍ اتبَعتُها بارتداءِ عَباءَتِي وحِجابي بسُرعَة وهو يَرُدّ على مُحدِّثِه. أمسَكتُ مِقبَضَ البابِ بسُرعَة وفتَحتُه لأسمَعه يقولُ لي: "لستُ نَادِمًا ولا آسِفًا على ما حدَثَ قبلَ قَليل، وقد انتَظرتُ كَثيرًا حتّى كَرِهني الصَبر.. الحديثُ بينَنا سيكونُ طَويلاً عِندما تَعودين". أغلَقتُ الباب، واستنَدتُ عليه مِن الخارِج أهمس لنفسي (أنا النادِمة أشَدّ النَدَم). وبعدَها اتّجَهتُ للسُلّم بدلاً مِن المِصعَد، صعودًا لشَقّةِ ريتشيل في الطابقِ الرابِع؛ كَي أتمالَك نَفسي قَليلاً.
**********
رنّةُ هاتِفِه أعادَتني إلى الوَاقِع وأدرَكت أنّ المَوقِف ليسَ في صَالِحي، فابتَعدتُ بسُرعةٍ اتبَعتُها بارتداءِ عَباءَتِي وحِجابي بسُرعَة وهو يَرُدّ على مُحدِّثِه. أمسَكتُ مِقبَضَ البابِ بسُرعَة وفتَحتُه لأسمَعه يقولُ لي: "لستُ نَادِمًا ولا آسِفًا على ما حدَثَ قبلَ قَليل، وقد انتَظرتُ كَثيرًا حتّى كَرِهني الصَبر.. الحديثُ بينَنا سيكونُ طَويلاً عِندما تَعودين". أغلَقتُ الباب، واستنَدتُ عليه مِن الخارِج أهمس لنفسي (أنا النادِمة أشَدّ النَدَم). وبعدَها اتّجَهتُ للسُلّم بدلاً مِن المِصعَد، صعودًا لشَقّةِ ريتشيل في الطابقِ الرابِع؛ كَي أتمالَك نَفسي قَليلاً.
**********
❤4👍3
ريتشيل زينب
" خليل، كم عمرك؟"
للحظات طويلة ظننت أنه لن يجيب، اشتعل وجهي احمرارا لكني أبيتُ أن أتراجع فكتّفتُ ذراعيّ أمام صدري لأعطيه الانطباع بأني أنتظر ردا، أما خليل فكان يحدق فيَّ بنفس الغموض الذي يثير حنقي أحيانا! ابتسم ابتسامة صغيرة ثم قال " ثلاثون " خيبة الأمل قهرتني ولم أستطع اخفاءها، لم أشعر إلا وذراعاي تهبطان ببطء إلى جانبيّ لتخرج هذه التنهيدة اللعينة التي باتت تلاحقني.
عقد خليل حاجبيه الكثيفين لكنه كان يبتسم بمرح وهو يقول " كبير جدا على التبني، صحيح؟" ضحكة عالية خرجت مني بينما خليل يراقبني باستمتاع، قلت بعد أن هدأت من موجة الضحك " مؤكد لا أفكر في أن أتبناك " رسم تعبيرا لمن يشعر بالخيبة وهو يقول " هذا من سوء حظي " تنحنحتُ وأنا أدعي النظر إلى ساعتي لأقول له بعجل " لقد تأخرت جدا، ما يزال أمامي الكثير لأفعله " سِرتُ بخطوات حيوية وخليل يتبعني بأحماله الثقيلة دون مشقة، وصلت إلى المصعد قبله فالتفتُ إليه وأنا أقول له " خليل شكرا لك سأستخدم المصعد، لا داعي لتتعب نفسك أكثر." رد علي بلطف دون أن يتخلى عن حمل الأكياس " هل لديك مأدبة اليوم؟" ابتسمت وأنا أجيبه غامزة " مأدبة نسائية، أدعو جاراتي العربيات إليها يوم السبت عادة " ابتسم خليل وهو يعقب "تبدين مرتاحة لهن " ضغطتُ على زر طلب المصعد وأنا أرد عليه بصدق " جدا، إنهن مميزات وأشعر بالاستمتاع معهن " صوت وصول المصعد آذن بانتهاء محادثتنا فتحتُ باب المصعد وأسندته بظهري لأمد يدي نحو خليل حتى آخذ الاكياس منه لكنه أبعد الأكياس عن مرمى يدي وقال " دعيني أساعدك " رددت بامتنان " لا داعي، صدقني باب شقتي قريب جدا من المصعد " هز رأسه بنفي لم أفهمه ثم قال " لا أقصد بحمل الأغراض بل أقصد في التحضير للمأدبة " ارتبكت قليلا، أعترف بذلك، لكني تمكنت من قول الكلمات بابتسامة لطيفة " شكرا لعرضك السخي لكني لا أستطِع استغلالك هكذا، يكفيك العمل في المقهى." فاجأني خليل بأن دخل المصعد هو والأكياس ثم قال بإصرار " أنت لا تستغلينني أبدا، أنا أريد مساعدتك " غمز في وجهي وأنا ما أزال أشعُر بالارتباك ثم أضاف " لن تجدي أفضل من صبي مقاهٍ ليساعدك في تقشير وتقطيع البطاطا ولدي خبرة كبيرة في غسل الصحون أيضا " لم أبتعد عن باب المصعد وأنا أشعُر بالتردد يملأني، أنا لا أخشى خليل فهو شاب محترم، ولكني لا أعتقد أنها خطوة جيدة لتوطيد علاقتنا، لا تزال فكرة أني أكبره سناً تربكني، يا لها من فكرة سخيفة مؤرقة! من أدخلها في رأسي؟! أ هو أبي؟!
صوت خليل جعلني أتنبه لوقوفي الذي طال، قال لي بوجه لاح عليه بعض الجمود والكبرياء " إذا كنت لا تطمئنين لي قوليها زينب، لن تزعجيني، فهذا من حقك " تأوهت وأنا أنظر لعينيه السوداوين، فكرتُ في نفسي " لماذا عليّ أن آخذ الأمور بجدية؟! إنه مجرد صديق وصديق لطيف، إن لم أرتبط به عاطفيا فلماذا أخسر صداقته؟ وهكذا وبقرار لا رجعة فيه منحته ابتسامة واسعة وأنا أدخل المصعد معه وأقول " عليك أن تقشّر الكثير من البطاطا وتفرم الكثير من البصل " استعاد في لحظات سحره الخاص الذي يميزه، فقط عندما شع وجهه بابتسامة راضية!
***
كنّا واقفيَّن بجانب بعضنا نتساعد في غسل الصحون وباقي الأغراض التي استخدمناها بعد أن أنهينا سوية أيضا إعداد الطعام، خليل أفادني كثيرا بإعطائي بعض الملاحظات على مذاق الطعام، كان مريحا جدا ومسليا وبنفس الوقت مساعدا ثمينا، لم أتوقف عن الضحك وخليل يصف لي معاناته مع جارته العجوز وقطها الثائر دوما والذي لا يحب القيود، فيغافل صاحبته باستمرار ليخرج للشارع ولا يعود إلا عندما يجبره خليل على العودة بعد توسلات من العجوز المسكينة التي أنهكتها ملاحقة هذا القط الجامح!
" خليل، كم عمرك؟"
للحظات طويلة ظننت أنه لن يجيب، اشتعل وجهي احمرارا لكني أبيتُ أن أتراجع فكتّفتُ ذراعيّ أمام صدري لأعطيه الانطباع بأني أنتظر ردا، أما خليل فكان يحدق فيَّ بنفس الغموض الذي يثير حنقي أحيانا! ابتسم ابتسامة صغيرة ثم قال " ثلاثون " خيبة الأمل قهرتني ولم أستطع اخفاءها، لم أشعر إلا وذراعاي تهبطان ببطء إلى جانبيّ لتخرج هذه التنهيدة اللعينة التي باتت تلاحقني.
عقد خليل حاجبيه الكثيفين لكنه كان يبتسم بمرح وهو يقول " كبير جدا على التبني، صحيح؟" ضحكة عالية خرجت مني بينما خليل يراقبني باستمتاع، قلت بعد أن هدأت من موجة الضحك " مؤكد لا أفكر في أن أتبناك " رسم تعبيرا لمن يشعر بالخيبة وهو يقول " هذا من سوء حظي " تنحنحتُ وأنا أدعي النظر إلى ساعتي لأقول له بعجل " لقد تأخرت جدا، ما يزال أمامي الكثير لأفعله " سِرتُ بخطوات حيوية وخليل يتبعني بأحماله الثقيلة دون مشقة، وصلت إلى المصعد قبله فالتفتُ إليه وأنا أقول له " خليل شكرا لك سأستخدم المصعد، لا داعي لتتعب نفسك أكثر." رد علي بلطف دون أن يتخلى عن حمل الأكياس " هل لديك مأدبة اليوم؟" ابتسمت وأنا أجيبه غامزة " مأدبة نسائية، أدعو جاراتي العربيات إليها يوم السبت عادة " ابتسم خليل وهو يعقب "تبدين مرتاحة لهن " ضغطتُ على زر طلب المصعد وأنا أرد عليه بصدق " جدا، إنهن مميزات وأشعر بالاستمتاع معهن " صوت وصول المصعد آذن بانتهاء محادثتنا فتحتُ باب المصعد وأسندته بظهري لأمد يدي نحو خليل حتى آخذ الاكياس منه لكنه أبعد الأكياس عن مرمى يدي وقال " دعيني أساعدك " رددت بامتنان " لا داعي، صدقني باب شقتي قريب جدا من المصعد " هز رأسه بنفي لم أفهمه ثم قال " لا أقصد بحمل الأغراض بل أقصد في التحضير للمأدبة " ارتبكت قليلا، أعترف بذلك، لكني تمكنت من قول الكلمات بابتسامة لطيفة " شكرا لعرضك السخي لكني لا أستطِع استغلالك هكذا، يكفيك العمل في المقهى." فاجأني خليل بأن دخل المصعد هو والأكياس ثم قال بإصرار " أنت لا تستغلينني أبدا، أنا أريد مساعدتك " غمز في وجهي وأنا ما أزال أشعُر بالارتباك ثم أضاف " لن تجدي أفضل من صبي مقاهٍ ليساعدك في تقشير وتقطيع البطاطا ولدي خبرة كبيرة في غسل الصحون أيضا " لم أبتعد عن باب المصعد وأنا أشعُر بالتردد يملأني، أنا لا أخشى خليل فهو شاب محترم، ولكني لا أعتقد أنها خطوة جيدة لتوطيد علاقتنا، لا تزال فكرة أني أكبره سناً تربكني، يا لها من فكرة سخيفة مؤرقة! من أدخلها في رأسي؟! أ هو أبي؟!
صوت خليل جعلني أتنبه لوقوفي الذي طال، قال لي بوجه لاح عليه بعض الجمود والكبرياء " إذا كنت لا تطمئنين لي قوليها زينب، لن تزعجيني، فهذا من حقك " تأوهت وأنا أنظر لعينيه السوداوين، فكرتُ في نفسي " لماذا عليّ أن آخذ الأمور بجدية؟! إنه مجرد صديق وصديق لطيف، إن لم أرتبط به عاطفيا فلماذا أخسر صداقته؟ وهكذا وبقرار لا رجعة فيه منحته ابتسامة واسعة وأنا أدخل المصعد معه وأقول " عليك أن تقشّر الكثير من البطاطا وتفرم الكثير من البصل " استعاد في لحظات سحره الخاص الذي يميزه، فقط عندما شع وجهه بابتسامة راضية!
***
كنّا واقفيَّن بجانب بعضنا نتساعد في غسل الصحون وباقي الأغراض التي استخدمناها بعد أن أنهينا سوية أيضا إعداد الطعام، خليل أفادني كثيرا بإعطائي بعض الملاحظات على مذاق الطعام، كان مريحا جدا ومسليا وبنفس الوقت مساعدا ثمينا، لم أتوقف عن الضحك وخليل يصف لي معاناته مع جارته العجوز وقطها الثائر دوما والذي لا يحب القيود، فيغافل صاحبته باستمرار ليخرج للشارع ولا يعود إلا عندما يجبره خليل على العودة بعد توسلات من العجوز المسكينة التي أنهكتها ملاحقة هذا القط الجامح!
👍7❤2
كنت أمسح دموعي التي سالت من الضحك عندما تنبهت لنظرات الإعجاب التي يرمقني بها، أخيرا قال خليل وهو يستلم صحنا من يدي" وأنت؟ كيف هن جاراتك؟" ابتسمت بمرح ثم قلت " إنهن مميزات، حتى في سلبية بعضهن أجدهن مميزات" قال خليل وهو يضع الصحن مكانه بعد أن جففه " احكي لي عنهن " أملت رأسي جانبا بحركة عفوية ثم أطلقت صوتا مفكرا "امممممم " بعدها استدرت أليه لأعطيه صحنا آخر وقلت " سأبدأ بأكثرهن إثارة لفضولي، ديمة السورية " رفع حاجبيه بتساؤل وهو يتساءل " لماذا تثير فضولك؟!" هززت كتفيّ وأنا أرد " قد تبدو من الخارج امرأة مملة لا تهتم إلا ببيتها وأولادها وزوجها، نموذج لامرأة شرقية من النوع المنغلق، ولكنها ليست كذلك على الاطلاق! اشعر أن في رأسها الكثير من الافكار الخارجة عن المألوف، اختلاجات نفسية لا يعرف عنها أحد شيئا، كما أشعر أن روحها تتمرد على واقعها ولكنها تجيد لجم هذه الروح والسيطرة عليها " وضع خليل الصحن الآخر مكانه وهو يردد " فعلا تبدو مثيرة للاهتمام " قلت بجدية " مؤكد، أخشى أن تنفجر يوما بتحريض من روحها هذه " ابتسم وهو يسند يده على حافة الحوض ويستفسر " ماذا عن الأخريات؟" أعطيته شيئا آخر ليجففه وأنا أفكر ثم قلت " مونيا المغربية أحب جنونها وانطلاقتها، إنها لا تعترف بالحواجز وجريئة جدا وهذا ممتع ومنعش مع أنني لا أحب أن يكون الانسان خارج حدود السيطرة على الدوام " وقبل أن أنتظر ردا منه أضفت وأنا ابتسم بمرح " علياء مصرية، امرأة خفيفة الظل وبسيطة جدا، تحب عائلتها ولكني أشعر بأنها لا تجيد فرض سيطرتها في بيتها " أكملتُ وخليل يصغي باهتمام " مينا، هذه حكايتها حكاية " رد خليل " كيف؟!" قلت وأنا أشعر بشيء من التعاطف نحوها " هي عراقية، لديها ملامح تنقلك للبلاد القادمة منها، تشعرني دوما بأنها تحمل غضبا مكبوتا، وشعورا دائما بالرغبة في الهروب من شيء ما!" عبس خليل وهو يعقب " تبدو غريبة الأطوار " هززت رأسي نفيا وأنا أجيبه مدافعة " ليست غريبة، إنها فقط لديها طريقة معينة في حماية الذات " رد خليل بغموض " كلنا لدينا طرقا خاصة بنا " تنهدت وأنا أقول بأمل " اتمنى أن يعجبها (الفسنجون) ، صنعته خصيصا لكي يرفع معنوياتها ويقلل احساسها بالغربة " قال خليل بتساؤل " هل هي أكلة معروفة في بلادها؟" ابتسمت وأنا أجيبه " نعم، هذا ما علمته " ثم أعطيته بعض السكاكين ليجففهم بينم أكمل " أخفهم ظلا بالنسبة لي هي خولة، إنها سعودية، ليست خفيفة ظل بالمعنى المتعارف عليه مثل علياء مثلا؛ لكن تركيبة شخصيتها هي التي تشعرك بذلك " رفع حاجبيه وهو يقول " أثرتِ فضولي! " أغلقت صنبور الماء ومددت يدي لآخذ منشفة صغيرة ثم ارتكزت بظهري على الحوض وقلت له بمرح ومشاكسة وأنا أجفف يديّ " سأخبرك، (الكبسة) التي طبخناها الآن ستثير ارتيابها! ستعتقد أن هناك مؤامرة حيكت ضدها واني كإنجليزية أريد أن أنقل رسالة معينة لها ومؤكد رسالة سلبية! " ضحك خليل وهو يضع السكاكين مكانها وقال " لا أصدق!
❤2👍2
ولماذا سلبية؟!" قلت وأنا أرفع نظراتي للأعلى باستسلام " عقدة نظرية المؤامرة،" كتّف خليل ذراعيه وهو يستند بظهره للحوض بجانبي ثم قال بتأنيب مرح " إذن لماذا طبختِ هذا الطبق؟ هل تشاكسينها؟" ضحكت وأنا أجيبه " هذا واحد من الأسباب، والسبب الآخر لأن العرب بمجملهم يحبون هذا الطبق " شعرت بعينيه لا تفارقان وجهي ثم قال بصوت أجش " هل هناك المزيد؟" قلت ببشاشة وأنا أتجنب نظراته " مؤكد، إنها الحلوى، قطعة الكيك بالشكولاتة؛ لين، تلك الفتاة أعشق حالميتها الرومانسية، كما أعشق مشاكستها المحببة للنفس، أنا متأكدة من أنها تثير جنون زوجها ولكن بطريقة ايجابية طبعا " استدار جانبا وهو يحدق في عيني مباشرة، يسأل بصوت مبحوح " ماذا عن جارك؟ ذاك الرجل الذي يسكن في المبنى المجاور،كيف ترينه؟" ابتلعت ريقي وأنا أحاول اخفاء ارتباكي من قربه خلف لهجة من المرح " هل تقصد ذلك الشاب التركي الوسيم؟" أعطاني ابتسامة خلابة وهو يعقب بعيون لامعة " بداية موفقة " ضحكت لأغطي على اضطرابي المتزايد ثم قلت " حسنا، إنه وسيم لطيف وحنون " ارتجفت شفتاه وهو يجيبني " كيف تعرفين أنه حنون؟" رددت وما أزال أحاول جعل الأمر في حدود المرح " لأنه يساعد عجوزا في إيجاد قطها الهارب دون أن يمل أو يتذمر منها " خيبة أمل ظهرت على وجهه وهو يقول " فقط هذا؟!" قلت بلطف " ولأنه يساعد جارته الانجليزية في إعداد أطباق طعام غريبة عنها وكذلك في غسل الصحون" فتابع بينما يقترب مني أكثر " والانقاذ من حوادث الارتطام بالأطفال، وحمل أكياس ثقيلة " شعرت بسخافتي بينما أضحك كالبلهاء وأقول " وهذا أيضاً " اقترب جدا وهو يقول بصوت أثار قلقي كأنثى " إذن؟!" اختنقت وأنا أتساءل بغباء " إذن ماذا؟" تحرك ليقف قبالتي محتجزا إياي بين طوق ذراعيه بعد أن أسند يديه على حافة الحوض خلفي ثم قال دون اهتمام بانكماشي واحتباس أنفاسي في صدري " هل هذا كل شيء؟!" كان قلبي يقرع كالطبل ووجهي مشعا، شعرت بالخرس وأنا أحدق فيه واحساس بالحيرة الرهيبة يتملكني ثم قلت أخيرا بصوت مبحوح متردد " إنه في الثلاثين " نظراته كان جدية تماما وهو يتساءل " و..؟" رددت بصدق وخيبة واضحة " وأنا في الثالثة والثلاثين " ضيّق عينيه قليلا وهو يقول باستنكار" هل هذه مشكلة؟" هززت رأسي وأنا أقول " نعم، مشكلة بالنسبة لي " مرت لحظات ونحن نحدق ببعضنا على نفس الوضعية ليقول خليل بابتسامة قلقة حاول جعلها مرحة " ماذا إن قلت أن عمره ثلاثون سنة وتسعة أشهر هل سيغير من الأمر شيئا؟ إيجابيا طبعا!" شعرت بالتراخي فقلت مراوغة " ربما " كلمة واحدة مني جعلت نظراته تتركز على شفتي، أذناي تطنان وأنا أراقب رأسه يقترب مني ونيته واضحة حتى لطفل رضيع! لكن صوت الجرس أجفلنا معا قبل أن يصل اليّ فقلت بأنفاس متقطعة " الجرس.. يرن " تنهد بإحباط دون أن يبتعد وقال " أعرف " ثم أضاف بابتسامة " يبدو أن أولى ضيفاتك وصلت "
*************
*************
❤3👍3
لقاء الزئبق والحرباء
لم تكن قد مرت الساعتان منذ أن قرعت أجراس بيج بن معلنةً نهاية يوم الجمعة و ميلاد يوم السَبُوت، ليدخل مسيو ميركري شقته المطلة على خليج دوغلاس.. كان عائداً من المطار كمن يمتطي جواد الشوق الجامح بعد أن غاب أياماً وأيام عن بستان الأنوثة الذي اعتاد أن يسكر بخمر ثماره ويغفو بظل أشجاره و يسبح بشلالات عذوبته، إنها زوجته. هذا الحضن الذي احتواه، فكانت حريته و سجنه، انطلاقه و سكونه، شريكه و منافسه، كانت له الشيء و ضده، كانت كل الأشياء.
هي المرأة التي تسرقه من ذاته وتعيده إليها كل ليلة و هو راضٍ بكل ما تفعله، خاضعٌ لذاك البريق اللؤلؤي المشرق من عينيها، العيون التي تبدأ عندها الحياه و عندها تنتهي. مستسلمٌ لهذه الشفاه التي تـُـقبلها نظرات العيون، فتنتشي بها أرواح الناظرين.
دخل شقته، شقة يظنها الزائر أنها متحفٌ لكنوز التاريخ وألقى معطفه والحقيبة على الأريكة و أسرع ملهوفاً إلى غرفة نومها. وقف بجوارها و هي نائمة و في حضنها تنام كل أحلام البشر. تصمت الدنيا حولها كي لا تـُعكر صفو غفوتها و يـَلـُف الضباب نوافذ غرفتها بديلاً عن الستائر ليخفيها غيرةً من عيون النجوم التي تتلصص عليها من خلف النوافذ.
خلع حذاءه و تسلل بجوارها تحت الغطاء كعاشق تسلل من صفحة رواية إلى سريرها، كالراعي عازف الناي الذي تسلل فوق جدار بستان الملك لترتشف عيناه رشفة من كأس السحر، من عيون ابنته ست الحسن في ألف ليله وليله. وضع رأسه على الوسادة بجوار رأسها وكتم أنفاسه كي لا تـُـقبل وجنتيها.
لازالت هي نائمة، مغمضة العينين.. لمس شفتيها بشفتيه، فابتسمت و هي نائمة ليهمس و هو مغمض العينين؛ هل تأخرت عن هذا الجمال الناعس في دُنيا الخيال؟؛ لم تُجِبه ولكنها أحاطت عنقه بذراعيها وهي نائمة، تهمس كمن تُجيبه من هناك، من منتصف الحلم الوردي؛ لا، لم تتأخر لأنك لم تغب؛ صمتت و صمت هو و صمتت معهم الأرض و ما عليها.
لم يكن هذا الصمت إلا بداية العاصفة الوشيكة، فبعد دقائق راحت تمد ذراعيها تتمطى كالهرة السيامي في دلال ثم غادرت الفراش قبل أن تغادر الشمس مخدعها و قبل أن يتنهد الفجر تنهيدة الصباح، فقد كانت الساعة تشير إلى الرابعة عندما قامت الزوجة لتغتسل و ترتدي زيها الأسود الذي لا يزيد عن بنطلون و تيشيرت.. و راحت تعد حقيبتها وتلبس قفازاتها الجلدية و لكنها كعادة كل نساء الدنيا؛ قبل خروجها؛ فتشت جيوب معطفه الملقى على الأريكة لتقف بعدها و قد تحولت القطة الرقيقة إلى نمرٍ شرس و هي تمسك في يدها صورةً لفتاة. أخذت الصورة و عادت بها إلى غرفة النوم ثم قفزت لتجلس على صدره، تكتم أنفاسه بركبتيها و تصرخ فيه بغضب؛ قم! استيقظ! فقد حانت ساعة رحيلك عن الدنيا الآن!
فتح عينيه يجيبها وهي تجلس على صدره و كأنها تمتطي جواداً؛ هل أقبل عزرائيل؟ الآن!؟ أليس الوقت مبكراً!؟؛ صرخت فيه غاضبة و هي تفرك الصورة على أنفه و عينيه؛ من هذه أيها الخائن المخادع؟ أجب قبل أن أزهق روحك.
- هذه مونيا.
- ومن تكون هذه الموميا التي تحفظ صورتها في جيب معطفك العلوي؟ و كأنك تـُسمع صورتها نبضات قلبك؟
راح يضحك من ثورتها و هو يقول لها و على وجهه أمارات العشق والهيام؛
- أهذه موميا أيتها الكاذبة! أليست أجمل منكِ؟ هل ذهبت الغيرة من حسنها بعقلك لتقولي عن هذا السحر مومياء. انظري إلى سحر عينيها، شفتيها، خديها، وخصلاتها الغجرية التي تعبث على خدها التفاحي، سامحيني، أنا لم أحتفظ بصورتها في جوار القلب إلا بعد أن علمت أنها ليست كغيرها من النساء، إنها خـُـلقت من رحيق الزهور .
تسمعه زوجته في صمت، ما تزال تجلس على صدره و لكنها ما إن انتهى من كلماته حتى ابتسمت في خـُبث و نزلت عن صدره وهي تقول:
- لن تنال منى مغزاك، تريدني أن أحترق غيظاً؟ أليس كذلك؟ لا! لن يكون.
ثم ألقت بالصورة على وجهه و قالت في غضب حاولت إخفاءه؛ اشبع بمونياك، فالوقت يجري و لدى ما يجب أن أفعله الآن؛ ثم توجهت نحو الباب للخروج فقفز من سريره ليلحق بها يضمها إليه و يهمس لها؛
- ليس في هذه الدنيا من يمكنه سرقة روحي و فؤادي إلا تنهيدة منكِ.
- إذن! من تكون مونيا الجميلة هذه؟
- إنها صاحبة الفضل عليْ لكونها باكورة أعمالي كقاتل محترف، فقد كلفني أحدهم باغتيالها.
- سأتناساها الآن ولكن إن سمعتك تتحدث عنها مرة أخرى بهذا الهيام سأقتلها أنا نيابة عنك وستكون هي ثانية أعمالي كقاتلة بعد أن تكون أنت الباكورة.
غادرت الزوجة و بدأ هو في التهيؤ ليتوجه إلى هذه العمارة التي تقطنها ضحيته المرتقبة مونيا، ليدرس مداخلها ومخارجها و يرسم خطته لاغتيالها هذه الليلة و لم تمضِ سوى لحظات حتى كان الزئبق يسير بالشارع على قدميه، يضع يديه في جيوب معطفه و يرخي قبعته على وجهه، فالعمارة المقصودة قريبة والصمت يحتضن الشارع لا يعكر صفوه سوى بعض أنات لنسمات الفجر الرضيع.
وصل إلى العمارة ودار حولها يطالع نوافذها وشقق العمارة غارقة في الظلام.. و بعضها تسبح في ضوءِ خافت .
لم تكن قد مرت الساعتان منذ أن قرعت أجراس بيج بن معلنةً نهاية يوم الجمعة و ميلاد يوم السَبُوت، ليدخل مسيو ميركري شقته المطلة على خليج دوغلاس.. كان عائداً من المطار كمن يمتطي جواد الشوق الجامح بعد أن غاب أياماً وأيام عن بستان الأنوثة الذي اعتاد أن يسكر بخمر ثماره ويغفو بظل أشجاره و يسبح بشلالات عذوبته، إنها زوجته. هذا الحضن الذي احتواه، فكانت حريته و سجنه، انطلاقه و سكونه، شريكه و منافسه، كانت له الشيء و ضده، كانت كل الأشياء.
هي المرأة التي تسرقه من ذاته وتعيده إليها كل ليلة و هو راضٍ بكل ما تفعله، خاضعٌ لذاك البريق اللؤلؤي المشرق من عينيها، العيون التي تبدأ عندها الحياه و عندها تنتهي. مستسلمٌ لهذه الشفاه التي تـُـقبلها نظرات العيون، فتنتشي بها أرواح الناظرين.
دخل شقته، شقة يظنها الزائر أنها متحفٌ لكنوز التاريخ وألقى معطفه والحقيبة على الأريكة و أسرع ملهوفاً إلى غرفة نومها. وقف بجوارها و هي نائمة و في حضنها تنام كل أحلام البشر. تصمت الدنيا حولها كي لا تـُعكر صفو غفوتها و يـَلـُف الضباب نوافذ غرفتها بديلاً عن الستائر ليخفيها غيرةً من عيون النجوم التي تتلصص عليها من خلف النوافذ.
خلع حذاءه و تسلل بجوارها تحت الغطاء كعاشق تسلل من صفحة رواية إلى سريرها، كالراعي عازف الناي الذي تسلل فوق جدار بستان الملك لترتشف عيناه رشفة من كأس السحر، من عيون ابنته ست الحسن في ألف ليله وليله. وضع رأسه على الوسادة بجوار رأسها وكتم أنفاسه كي لا تـُـقبل وجنتيها.
لازالت هي نائمة، مغمضة العينين.. لمس شفتيها بشفتيه، فابتسمت و هي نائمة ليهمس و هو مغمض العينين؛ هل تأخرت عن هذا الجمال الناعس في دُنيا الخيال؟؛ لم تُجِبه ولكنها أحاطت عنقه بذراعيها وهي نائمة، تهمس كمن تُجيبه من هناك، من منتصف الحلم الوردي؛ لا، لم تتأخر لأنك لم تغب؛ صمتت و صمت هو و صمتت معهم الأرض و ما عليها.
لم يكن هذا الصمت إلا بداية العاصفة الوشيكة، فبعد دقائق راحت تمد ذراعيها تتمطى كالهرة السيامي في دلال ثم غادرت الفراش قبل أن تغادر الشمس مخدعها و قبل أن يتنهد الفجر تنهيدة الصباح، فقد كانت الساعة تشير إلى الرابعة عندما قامت الزوجة لتغتسل و ترتدي زيها الأسود الذي لا يزيد عن بنطلون و تيشيرت.. و راحت تعد حقيبتها وتلبس قفازاتها الجلدية و لكنها كعادة كل نساء الدنيا؛ قبل خروجها؛ فتشت جيوب معطفه الملقى على الأريكة لتقف بعدها و قد تحولت القطة الرقيقة إلى نمرٍ شرس و هي تمسك في يدها صورةً لفتاة. أخذت الصورة و عادت بها إلى غرفة النوم ثم قفزت لتجلس على صدره، تكتم أنفاسه بركبتيها و تصرخ فيه بغضب؛ قم! استيقظ! فقد حانت ساعة رحيلك عن الدنيا الآن!
فتح عينيه يجيبها وهي تجلس على صدره و كأنها تمتطي جواداً؛ هل أقبل عزرائيل؟ الآن!؟ أليس الوقت مبكراً!؟؛ صرخت فيه غاضبة و هي تفرك الصورة على أنفه و عينيه؛ من هذه أيها الخائن المخادع؟ أجب قبل أن أزهق روحك.
- هذه مونيا.
- ومن تكون هذه الموميا التي تحفظ صورتها في جيب معطفك العلوي؟ و كأنك تـُسمع صورتها نبضات قلبك؟
راح يضحك من ثورتها و هو يقول لها و على وجهه أمارات العشق والهيام؛
- أهذه موميا أيتها الكاذبة! أليست أجمل منكِ؟ هل ذهبت الغيرة من حسنها بعقلك لتقولي عن هذا السحر مومياء. انظري إلى سحر عينيها، شفتيها، خديها، وخصلاتها الغجرية التي تعبث على خدها التفاحي، سامحيني، أنا لم أحتفظ بصورتها في جوار القلب إلا بعد أن علمت أنها ليست كغيرها من النساء، إنها خـُـلقت من رحيق الزهور .
تسمعه زوجته في صمت، ما تزال تجلس على صدره و لكنها ما إن انتهى من كلماته حتى ابتسمت في خـُبث و نزلت عن صدره وهي تقول:
- لن تنال منى مغزاك، تريدني أن أحترق غيظاً؟ أليس كذلك؟ لا! لن يكون.
ثم ألقت بالصورة على وجهه و قالت في غضب حاولت إخفاءه؛ اشبع بمونياك، فالوقت يجري و لدى ما يجب أن أفعله الآن؛ ثم توجهت نحو الباب للخروج فقفز من سريره ليلحق بها يضمها إليه و يهمس لها؛
- ليس في هذه الدنيا من يمكنه سرقة روحي و فؤادي إلا تنهيدة منكِ.
- إذن! من تكون مونيا الجميلة هذه؟
- إنها صاحبة الفضل عليْ لكونها باكورة أعمالي كقاتل محترف، فقد كلفني أحدهم باغتيالها.
- سأتناساها الآن ولكن إن سمعتك تتحدث عنها مرة أخرى بهذا الهيام سأقتلها أنا نيابة عنك وستكون هي ثانية أعمالي كقاتلة بعد أن تكون أنت الباكورة.
غادرت الزوجة و بدأ هو في التهيؤ ليتوجه إلى هذه العمارة التي تقطنها ضحيته المرتقبة مونيا، ليدرس مداخلها ومخارجها و يرسم خطته لاغتيالها هذه الليلة و لم تمضِ سوى لحظات حتى كان الزئبق يسير بالشارع على قدميه، يضع يديه في جيوب معطفه و يرخي قبعته على وجهه، فالعمارة المقصودة قريبة والصمت يحتضن الشارع لا يعكر صفوه سوى بعض أنات لنسمات الفجر الرضيع.
وصل إلى العمارة ودار حولها يطالع نوافذها وشقق العمارة غارقة في الظلام.. و بعضها تسبح في ضوءِ خافت .
❤4👍2
اقترب من العمارة وتلفت حوله و وقف إلى الجهة الخلفية من العمارة، بيده خيطاً رفيعاً آخره هلبٌ مُثبّت بفوهة مسدس كبير أخرجه من حقيبته ثم أطلقه حتى استقر الهلب الصغير بحافة الجدار و برشاقة القرود تسلق الخيط حتى بلغ السطح. استراح قليلاً و تأكد من أن أحداً لم يلمحه ثم راح بعدها يتدلى بخفة من جديد بعد أن جعل الخيط يواجه النوافذ الخلفية و لما واجه أول نافذة لمطبخ الشقة التي تحت السطح، تعجب لكونها مفتوحة، فولجها مسرعاً ينوي الخروج من بابها الرئيسي إلى سُلم العمارة الأمامي .
دخل مطبخ الشقة بالدور السادس و الغارق في الظلام، يفكر بأن قاطنيها غارقون في نومٍ عميق.. لذا أختار هذا الموعد الذي يفضله كل اللصوص، فساعات ما قبل الفجر أكثر لحظات النوم استغراقا في العيون. همّ بالخروج من المطبخ إلى الصالة ليخرج من باب الشقة متوجهاً إلى مسكن مونيالكن فجأة سمع صوت أقدام كحفيف الشجر تقبل نحوه من الصالة، فسارع بالاختفاء خلف ستائر النافذة بسرعة و كتم أنفاسه وما هي إلا دقيقه حتى لمح من خلف الستائر ربة المنزل تدخل المطبخ بثيابها السوداء.
وقف مختبئاً يتعجب من سلوكها، تمشي على أطراف أصابعها بخطوات لا تترك صوتاً و كأنها تسير في الهواء، لم تضئ مصباح المطبخ و لكنها راحت تحوم في المطبخ على هدى ضوءٍ خافت ينبعث من مصباح (بطاريه) في يدها. فتحت باب الثلاجة ثم احدى الأواني فإذا به يسمع شهقتها ثم صوت وضعها الإناء على الأرض و بدأت تلتهم ما به من طعام.
هنا فقط ابتسم الزئبق، فهذه ليست ربة المنزل، إنها لصة! خرج دون صوت من خلف الستارة ووقف خلفها و هي منهمكة في التهام الطعام فلم تشعر به.
كانت كلتا يداها مليئتان بمحشو ورق العنب و خديها منتفختان بما حشته في فمها مره واحده بملفوف ورق العنب المحشو باللحم و الأرز المتبل، تزوم استمتاعاُ بطعمه. فضحك وهو يقول همساً: كاميليون. ماذا تفعلين هنا!؟
كانت المفاجأة مفزعة لها و هي تجلس على الأرض و الإناء بحضنها و الأرز يتناثر من فمها المنقوع بالزيوت و لكنها تنفست الصعداء عندما رأت وجهه على ضوء المصباح وقالت له هامسة؛ اجلس.. اجلس!؛ فهذا أشهى طعام تذوقته في حياتي.
سارعها قائلاً؛
- ماذا تفعلين هنا؟
- تعلم أني خرجت دون أن أتناول إفطاري.
- و هل دخلت هذه الشقة لتناول الإفطار؟ ألهذا غادرتِ شقتنا قبل الفجر!!؟
- لا، أنا جئت أقصد ذاكرة تخزين في الشقة التي تحتنا، فدخلت من شباك مطبخ هذه الشقة المفتوح، مجرد طريق و لكني وجدت فيها أشياء سال لها لعابي، فقررت تأجيل شقة الطابق الخامس إلى المساء و لكن قل لي!.. مالذي أتى بك هنا!؟ أكنت تتبعني ظناً منك أني خرجت لخيانتك!؟ فالخائن مثلك يا قتيل مونيا يرى كل الناس خائنون.
- مونيا تقيم في هذه العمارة يا حبيبتي. أظنها بالطابق الثالث، لقد ظلمتني و ظلمتها، هيا بنا قبل أن يستيقظ ساكني الشقة.
- لا، اذهب أنت! فلن أغادر هذا المطبخ قبل أن أنتهى من إفطاري اللذيذ.
ابتسم لها و هو يعقب؛ ستبقى الحرباء هي الحرباء ثم تركها مع وجبتها و غادر الشقة من بابها الرئيسي و أغلق الباب خلفه في هدوء.
هبط السلم بخفة حتى بلغ الطابق الثالث، وقف و هو يتلفت يميناً و يساراً يتساءل أي الشقتين تقيم فيها حسناء المتوسط مونيا؟ كان الوقت يمر بسرعة، فمد يده إلى باب إحدى الشقتين و عالج الباب بأداة كانت معه ثم دخل الشقة مسرعاً.
مشي بخفه في الصالة، فجأة.. سمع صوت غناء يأتيه من إحدى الغرف "يا صباح الخير ياللي معانا. ياللي معانا. الكروان غنى وصحانا، وصحانا" ثم أحس بخطوات صاحبة الصوت تتوجه ناحيته، فأسرع يختبئ مرة أخرى خلف إحدى ستائر الصالة يحاول كتم ضحكاته و هو يتابع حركات سيدة الشقة. إنها ليست مونيا التي يحمل صورتها، هي سيدة أخرى جميله و رشيقة القوام كفرعِ بان مال مع الهوى، تُعلم الأغصان التمايل بمشيتها وتعلم البلابل الغناء بترنيمها و لكنه لم يلتفت كثيراً إلى جمالها، فقد كان يحاول كتم ضحكاته يفكر بأنها امرأه غريبة الأطوار، تتابعها طفله تتحدث معها كأنها عجوز، الطفلة أكثر غرابة من أمها فكر مجددا خلف الستارة يتابع و يكتم أنفاس ضحكاته بيده، فقد وجدها فجأة تقف في منتصف الصالة تكف عن الغناء ثم تطيح بخصرها تتمايل مع شعرها الفاحم ثم تضحك وتحدث نفسها. هأ هأ هأ هأ! لا، هذه ليست رقيعه.. هئ هئ هئ هئ. امممممم و لا هذه .
ثم عادت للغناء و توجهت إلى المطبخ ليجدها الزئبق فرصة مناسبه ليخرج من الشقة مسرعاً و لكنه أضطر للعودة داخل الشقة من جديد.. إذ شعر بصوت باب يُوصد في الشقة التي تعلوه و تهبط السلم فتاه ترتدي ثيابا رياضية، يبدو أنها تتجه الي الشارع لتمارس الجري. انتظر حتى تأكد من نزولها و تخطيها الدور الثالث ثم تبعها ينزل السلم ليغادر العمارة بعد أن بدأ سكانها في الاستيقاظ.
خرج ليجد الحرباء قد سبقته تقف بجوار أحد صناديق البريد عند مدخل العمارة.
********************
دخل مطبخ الشقة بالدور السادس و الغارق في الظلام، يفكر بأن قاطنيها غارقون في نومٍ عميق.. لذا أختار هذا الموعد الذي يفضله كل اللصوص، فساعات ما قبل الفجر أكثر لحظات النوم استغراقا في العيون. همّ بالخروج من المطبخ إلى الصالة ليخرج من باب الشقة متوجهاً إلى مسكن مونيالكن فجأة سمع صوت أقدام كحفيف الشجر تقبل نحوه من الصالة، فسارع بالاختفاء خلف ستائر النافذة بسرعة و كتم أنفاسه وما هي إلا دقيقه حتى لمح من خلف الستائر ربة المنزل تدخل المطبخ بثيابها السوداء.
وقف مختبئاً يتعجب من سلوكها، تمشي على أطراف أصابعها بخطوات لا تترك صوتاً و كأنها تسير في الهواء، لم تضئ مصباح المطبخ و لكنها راحت تحوم في المطبخ على هدى ضوءٍ خافت ينبعث من مصباح (بطاريه) في يدها. فتحت باب الثلاجة ثم احدى الأواني فإذا به يسمع شهقتها ثم صوت وضعها الإناء على الأرض و بدأت تلتهم ما به من طعام.
هنا فقط ابتسم الزئبق، فهذه ليست ربة المنزل، إنها لصة! خرج دون صوت من خلف الستارة ووقف خلفها و هي منهمكة في التهام الطعام فلم تشعر به.
كانت كلتا يداها مليئتان بمحشو ورق العنب و خديها منتفختان بما حشته في فمها مره واحده بملفوف ورق العنب المحشو باللحم و الأرز المتبل، تزوم استمتاعاُ بطعمه. فضحك وهو يقول همساً: كاميليون. ماذا تفعلين هنا!؟
كانت المفاجأة مفزعة لها و هي تجلس على الأرض و الإناء بحضنها و الأرز يتناثر من فمها المنقوع بالزيوت و لكنها تنفست الصعداء عندما رأت وجهه على ضوء المصباح وقالت له هامسة؛ اجلس.. اجلس!؛ فهذا أشهى طعام تذوقته في حياتي.
سارعها قائلاً؛
- ماذا تفعلين هنا؟
- تعلم أني خرجت دون أن أتناول إفطاري.
- و هل دخلت هذه الشقة لتناول الإفطار؟ ألهذا غادرتِ شقتنا قبل الفجر!!؟
- لا، أنا جئت أقصد ذاكرة تخزين في الشقة التي تحتنا، فدخلت من شباك مطبخ هذه الشقة المفتوح، مجرد طريق و لكني وجدت فيها أشياء سال لها لعابي، فقررت تأجيل شقة الطابق الخامس إلى المساء و لكن قل لي!.. مالذي أتى بك هنا!؟ أكنت تتبعني ظناً منك أني خرجت لخيانتك!؟ فالخائن مثلك يا قتيل مونيا يرى كل الناس خائنون.
- مونيا تقيم في هذه العمارة يا حبيبتي. أظنها بالطابق الثالث، لقد ظلمتني و ظلمتها، هيا بنا قبل أن يستيقظ ساكني الشقة.
- لا، اذهب أنت! فلن أغادر هذا المطبخ قبل أن أنتهى من إفطاري اللذيذ.
ابتسم لها و هو يعقب؛ ستبقى الحرباء هي الحرباء ثم تركها مع وجبتها و غادر الشقة من بابها الرئيسي و أغلق الباب خلفه في هدوء.
هبط السلم بخفة حتى بلغ الطابق الثالث، وقف و هو يتلفت يميناً و يساراً يتساءل أي الشقتين تقيم فيها حسناء المتوسط مونيا؟ كان الوقت يمر بسرعة، فمد يده إلى باب إحدى الشقتين و عالج الباب بأداة كانت معه ثم دخل الشقة مسرعاً.
مشي بخفه في الصالة، فجأة.. سمع صوت غناء يأتيه من إحدى الغرف "يا صباح الخير ياللي معانا. ياللي معانا. الكروان غنى وصحانا، وصحانا" ثم أحس بخطوات صاحبة الصوت تتوجه ناحيته، فأسرع يختبئ مرة أخرى خلف إحدى ستائر الصالة يحاول كتم ضحكاته و هو يتابع حركات سيدة الشقة. إنها ليست مونيا التي يحمل صورتها، هي سيدة أخرى جميله و رشيقة القوام كفرعِ بان مال مع الهوى، تُعلم الأغصان التمايل بمشيتها وتعلم البلابل الغناء بترنيمها و لكنه لم يلتفت كثيراً إلى جمالها، فقد كان يحاول كتم ضحكاته يفكر بأنها امرأه غريبة الأطوار، تتابعها طفله تتحدث معها كأنها عجوز، الطفلة أكثر غرابة من أمها فكر مجددا خلف الستارة يتابع و يكتم أنفاس ضحكاته بيده، فقد وجدها فجأة تقف في منتصف الصالة تكف عن الغناء ثم تطيح بخصرها تتمايل مع شعرها الفاحم ثم تضحك وتحدث نفسها. هأ هأ هأ هأ! لا، هذه ليست رقيعه.. هئ هئ هئ هئ. امممممم و لا هذه .
ثم عادت للغناء و توجهت إلى المطبخ ليجدها الزئبق فرصة مناسبه ليخرج من الشقة مسرعاً و لكنه أضطر للعودة داخل الشقة من جديد.. إذ شعر بصوت باب يُوصد في الشقة التي تعلوه و تهبط السلم فتاه ترتدي ثيابا رياضية، يبدو أنها تتجه الي الشارع لتمارس الجري. انتظر حتى تأكد من نزولها و تخطيها الدور الثالث ثم تبعها ينزل السلم ليغادر العمارة بعد أن بدأ سكانها في الاستيقاظ.
خرج ليجد الحرباء قد سبقته تقف بجوار أحد صناديق البريد عند مدخل العمارة.
********************
❤5👍3
السرقة
بدأت الحياة تدب في الشارع مع شروق شمس السبت الكسلى، شمسٌ بلا دفء، باردة كبرود الإنجليز تاركة الشوارع فريسة سهلة للضباب، فراحت أوصال الأرصفة والسطوح و النوافذ ترتعش من هواء يخفي المُدى و خناجر الصقيع خلف ظهره بينما كانت السماء تبصق رضابها الجليدي على هذه المدينة احتقارا لماضيها الذى أتعس الإنسانية أمداً طويلاً.
هكذا كان يراها كل يوم هذا الرجل الأشيب الوقور ذو النظارة السميكة والذى يقف بنافذته بالطابق الأرضي كل صباح يتابع في صمت حركة الحياة وهي تحبو ثم تدب خطواتها الأولى في الشارع، فقد كان ذلك عهده كل صباح.
أما اليوم فلم تكن عيونه ترقب الحياه و حركتها بل كان شارداً يعبث في ذقنه بمغلف بني اللون و عيناه تتفرسان في وجه هذه الفتاه التي تقف بالقرب من صندوق البريد عند باب العمارة تتلفت حولها ثم لم يلبث أن انضم إليها شاب سميدعيْ الطول، ليضع ذراعه حول خصرها و يمشيان على مهل حتى تخطيا الشارع إلى الجانب الآخر ثم جلسا يحتسيان الجعة في ذلك البار المواجه للعمارة.
همست وهي ترتشف من كأس جعتها " لماذا تأخرت هكذا ميركري ". فأجابها وهو يضحك و يقص عليها قصة هذه الحسناء التي كانت تعلم نفسها كيف تتمايل و كيف تضحك ضحكة إغراء رقيعة تسرق بها القلوب لتشارك الحرباء على عرش اللصوصية.
ثم التفت الي الحرباء و هو يغمز لها بعينه قائلاً "يبدو يا عزيزتي كلكن لصوص". فأجابته الحرباء حانقة " و بالطبع أعجبك تمايلها و ضحكاتها" فنظر إليها وهو يتكلم بجد قائلاً :
"نعم أعجبني و لابد أن يعجبني رؤية أثر ثقافتنا وهي تلقى رداءها على أرواح هؤلاء العرب، ها هي هذه المرأة تبدأ أول خطواتها لتكون مثلنا، تفعل هذا بمنزلها اليوم و غداً في الشارع، المهم إنها أدركت و اقتنعت بأن قدرتها على الإقناع تكمن في مفاتنها لا في عقلها."
فقاطعته الحرباء قبل أن يكمل وجهة نظره و هي تقول؛ " لا! أنا أعلم بهؤلاء العرب منك، إن المرأة العربية كأي امرأه، تعلم أن لأنوثتها تأثير لا يقاوم و لكنها في ذات الوقت تعلم متى ولمن تشهر هذا السلاح، فلا تعول كثيراً على نظريتك هذه في تغيُر هؤلاء القوم هنا." قطب الزئبق جبينه و طرح على الحرباء سؤالاً و كأنه تذكره الآن: "كاميليون، أتصدقين أني لا أعرف موطنك و لا أعرف جنسيتك الحقيقية إلى الآن؟ منذ أن التقيت بكِ و أنت تهربين على حدود ألمانيا و أحببتك من النظرة الأولى ثم تزوجنا و منذ ذلك الحين و أنا أنوى أن أسألك عن وطنك و لكن في كل مرة أنسى.
راحت الحرباء تضحك بمكر ثم قالت ؛ " ما أبدعك عزيزي ميركري، بعد هذه السنوات تسأل عن وطني، أنا ما تزوجتك إلا ليكون لي وطن، أنت وطني، أتظن حقاً أن زواجنا جاء عن هذه المشاعر الحمقاء التي يسمونها البـُلهاء "حباً"؟ زواجنا يا عزيزي كان زواج مصلحة لي و لك، أنت لتوفر لي الوطن وأنا لأعينك على تنفيذ سرقاتك التي لا تنتهي، هذا هو الرباط المقدس الذي يبقى، يموت الحب ولا تفنى المصالح، أنا أتعجب من العر ب سكان هذه العمارة لهم أوطان ويهجرونها، هم لا يستحقونها يا ميركري، أليس كذلك؟ نحن فقط من نعرف قيمة الوطن ونسعى إليه.
- نعم صدقتي كاميليون، هؤلاء العرب لديهم ما لا يستحقونه، لديهم ثروات لا يجب أن تكون في أيدى حمقى أمثالهم، إنهم عالة على كوكبنا يستنفذون بعضاً من موارده دون فائدة.
ثم قطع الزئبق حديثه فجأة و انتبه إلى باب العمارة الذي خرج منه شاب وسيم في يده طفلة بزيها المدرسي ليقف معها هناك في انتظار الباص بينما مرت من أمامه مونيا تحمل طفلاً وألقت على الشاب التحية ثم فتحت الباب الخلفي لسيارة أنيقة رباعية الدفع بينما راحت أعين الشاب تختلس النظر إلى ساقيها و هي منحنية توثق طفلها بالمقعد الخلفي، أما الطفلة فقد كانت تنظر إلى أبيها و تهز يده كي ينتبه إلى الباص الذي وصل ولكنه كان شارداً بخياله و عيناه شاردتان تمرحان على قوام مونيا و لم يفق حتى وكزته ابنته بقدمها غاضبة في قصبة رجله ليذهب بها إلي باب الباص في اللحظة التي انطلقت فيها مونيا بسيارتها.
في اللحظة التي وكزت الطفلة أباها وكزت الحرباء بكوعها الزئبق وهي تسأله:
- لماذا تنظر إلى هذه الفتاه هكذا؟ أأعجبتك؟
- ألم تعرفيها!؟ إنها ضالتي مونيا، أنا لم أكن أنظر إليها بل كنت أتابع نظرات هذا الشاب الذي ينظر إليها و ابنته.
- نعم عرفت إنها مونيا، أنسيت أني رأيت صورتها، ألا تعرف أنت هذا الشاب؟
- لا، لا أعرفه، أظنه من أولئك العرب الذين تركوا بلادهم ليتزايدوا كالجراد في أوروبا.
- نعم هو عربي وزوج المرأة التي تجيد الطهو و التي أفطرت اليوم عندها، لقد أنهيت إفطاري و تجولت في شقتهم التي تشبه المتحف و هم نائمون، فرأيته و رأيتها.
- يبدو أن زوجته ليست جميلة، فقد كادت عيناه تخرج لتتدحرج على سيقان مونيا.
بدأت الحياة تدب في الشارع مع شروق شمس السبت الكسلى، شمسٌ بلا دفء، باردة كبرود الإنجليز تاركة الشوارع فريسة سهلة للضباب، فراحت أوصال الأرصفة والسطوح و النوافذ ترتعش من هواء يخفي المُدى و خناجر الصقيع خلف ظهره بينما كانت السماء تبصق رضابها الجليدي على هذه المدينة احتقارا لماضيها الذى أتعس الإنسانية أمداً طويلاً.
هكذا كان يراها كل يوم هذا الرجل الأشيب الوقور ذو النظارة السميكة والذى يقف بنافذته بالطابق الأرضي كل صباح يتابع في صمت حركة الحياة وهي تحبو ثم تدب خطواتها الأولى في الشارع، فقد كان ذلك عهده كل صباح.
أما اليوم فلم تكن عيونه ترقب الحياه و حركتها بل كان شارداً يعبث في ذقنه بمغلف بني اللون و عيناه تتفرسان في وجه هذه الفتاه التي تقف بالقرب من صندوق البريد عند باب العمارة تتلفت حولها ثم لم يلبث أن انضم إليها شاب سميدعيْ الطول، ليضع ذراعه حول خصرها و يمشيان على مهل حتى تخطيا الشارع إلى الجانب الآخر ثم جلسا يحتسيان الجعة في ذلك البار المواجه للعمارة.
همست وهي ترتشف من كأس جعتها " لماذا تأخرت هكذا ميركري ". فأجابها وهو يضحك و يقص عليها قصة هذه الحسناء التي كانت تعلم نفسها كيف تتمايل و كيف تضحك ضحكة إغراء رقيعة تسرق بها القلوب لتشارك الحرباء على عرش اللصوصية.
ثم التفت الي الحرباء و هو يغمز لها بعينه قائلاً "يبدو يا عزيزتي كلكن لصوص". فأجابته الحرباء حانقة " و بالطبع أعجبك تمايلها و ضحكاتها" فنظر إليها وهو يتكلم بجد قائلاً :
"نعم أعجبني و لابد أن يعجبني رؤية أثر ثقافتنا وهي تلقى رداءها على أرواح هؤلاء العرب، ها هي هذه المرأة تبدأ أول خطواتها لتكون مثلنا، تفعل هذا بمنزلها اليوم و غداً في الشارع، المهم إنها أدركت و اقتنعت بأن قدرتها على الإقناع تكمن في مفاتنها لا في عقلها."
فقاطعته الحرباء قبل أن يكمل وجهة نظره و هي تقول؛ " لا! أنا أعلم بهؤلاء العرب منك، إن المرأة العربية كأي امرأه، تعلم أن لأنوثتها تأثير لا يقاوم و لكنها في ذات الوقت تعلم متى ولمن تشهر هذا السلاح، فلا تعول كثيراً على نظريتك هذه في تغيُر هؤلاء القوم هنا." قطب الزئبق جبينه و طرح على الحرباء سؤالاً و كأنه تذكره الآن: "كاميليون، أتصدقين أني لا أعرف موطنك و لا أعرف جنسيتك الحقيقية إلى الآن؟ منذ أن التقيت بكِ و أنت تهربين على حدود ألمانيا و أحببتك من النظرة الأولى ثم تزوجنا و منذ ذلك الحين و أنا أنوى أن أسألك عن وطنك و لكن في كل مرة أنسى.
راحت الحرباء تضحك بمكر ثم قالت ؛ " ما أبدعك عزيزي ميركري، بعد هذه السنوات تسأل عن وطني، أنا ما تزوجتك إلا ليكون لي وطن، أنت وطني، أتظن حقاً أن زواجنا جاء عن هذه المشاعر الحمقاء التي يسمونها البـُلهاء "حباً"؟ زواجنا يا عزيزي كان زواج مصلحة لي و لك، أنت لتوفر لي الوطن وأنا لأعينك على تنفيذ سرقاتك التي لا تنتهي، هذا هو الرباط المقدس الذي يبقى، يموت الحب ولا تفنى المصالح، أنا أتعجب من العر ب سكان هذه العمارة لهم أوطان ويهجرونها، هم لا يستحقونها يا ميركري، أليس كذلك؟ نحن فقط من نعرف قيمة الوطن ونسعى إليه.
- نعم صدقتي كاميليون، هؤلاء العرب لديهم ما لا يستحقونه، لديهم ثروات لا يجب أن تكون في أيدى حمقى أمثالهم، إنهم عالة على كوكبنا يستنفذون بعضاً من موارده دون فائدة.
ثم قطع الزئبق حديثه فجأة و انتبه إلى باب العمارة الذي خرج منه شاب وسيم في يده طفلة بزيها المدرسي ليقف معها هناك في انتظار الباص بينما مرت من أمامه مونيا تحمل طفلاً وألقت على الشاب التحية ثم فتحت الباب الخلفي لسيارة أنيقة رباعية الدفع بينما راحت أعين الشاب تختلس النظر إلى ساقيها و هي منحنية توثق طفلها بالمقعد الخلفي، أما الطفلة فقد كانت تنظر إلى أبيها و تهز يده كي ينتبه إلى الباص الذي وصل ولكنه كان شارداً بخياله و عيناه شاردتان تمرحان على قوام مونيا و لم يفق حتى وكزته ابنته بقدمها غاضبة في قصبة رجله ليذهب بها إلي باب الباص في اللحظة التي انطلقت فيها مونيا بسيارتها.
في اللحظة التي وكزت الطفلة أباها وكزت الحرباء بكوعها الزئبق وهي تسأله:
- لماذا تنظر إلى هذه الفتاه هكذا؟ أأعجبتك؟
- ألم تعرفيها!؟ إنها ضالتي مونيا، أنا لم أكن أنظر إليها بل كنت أتابع نظرات هذا الشاب الذي ينظر إليها و ابنته.
- نعم عرفت إنها مونيا، أنسيت أني رأيت صورتها، ألا تعرف أنت هذا الشاب؟
- لا، لا أعرفه، أظنه من أولئك العرب الذين تركوا بلادهم ليتزايدوا كالجراد في أوروبا.
- نعم هو عربي وزوج المرأة التي تجيد الطهو و التي أفطرت اليوم عندها، لقد أنهيت إفطاري و تجولت في شقتهم التي تشبه المتحف و هم نائمون، فرأيته و رأيتها.
- يبدو أن زوجته ليست جميلة، فقد كادت عيناه تخرج لتتدحرج على سيقان مونيا.
👍9❤1
سارة جوزيف
عجوز وسيم وفنجان من القهوة في صحبة رجال النسوة العربيات، تبتسم سارة إعلانا لقبولها الدعوة الأكثر إغراء من اجتماع ريتشيل بينما الضجيج من شقة أستاذ نبيه لم يكن أعلى من صوت عقلها (مفتاح مجلس النون في شقة نبيه) نثرت خصلات شعرها الكستنائي، وما هي إلا دقائق وذابت مع فنجان القهوة كل الحواجز، فهذا راشد مستريحا في جلسته بعد اتصال هاتفي مع خالد يسأله عن أسعد بينما نبيه يخرج من غرفته بعد أن تفقد أشرف مبتسما وعمرو يقلب كفيه ويسأل راشد عن خالد وابنه، فرد راشد مبتسما- الصغير بخير ولكن المستشفى لديه إجراءات طويلة ولكن ما سيصيبني بالجنون هو هذا الخالد الذي يرفض أن يخبر زوجته بما حل بابنهما .
هزّ عمرو رأسه مؤيدا : قراره صائب إنها أم ستجزع إن علمت عن صغيرها وستربك زوجها أكثر .
رد راشد معترضا:-لأنها أمه ستعرف كيف تعتني به .
لبس عمرو نظارته الطبية بعد أن مسحها وتحدث بعاطفة: -وهو أب يعرف كيف يعتني بصغيره .
قال نبيه ليبدد جو التوتر؛ " أنت تعلم يا ابن رئيسة.
ضحكت سارة وسألت عمرو : -اسم أمك رئيسة؟
فهز رأسه مبتسما :-أمي رئيسة وزوجتي رئيسة وابنتي كبيرة الرئيسات.
تعالت الضحكات من جديد، فأكمل عنه إياد:- عندما تتعرف إليك لا تكتفي باسمك بل تريده كاملا
كذلك اسم والدتك حتى تعرف؛ وقال بلكنة مصرية؛ إنت ابن مين بابا؟ ابن رئيسة "
أنهى نبيه النقاش قائلا :-هذا دليل على ذكائها .
فابتسمت سارة تعلق :-لا يوجد امرأة غبية.
نقلت نظرها بينهم لتجد الرجال الأربعة ينظرون أليها بتركيز، فأكملت : -ليست نرجسية مني كامرأة ولكنها حقيقة يجب أن يدركها الرجال ثم قد قيل (أن كيدهن عظيم ) والكيد من الذكاء، كما أنها أكثر حبا للابتكار من الرجل وتسعى دائما لكل جديد .
فوجئت برد إياد ساخرا: -نعم أعرف إحداهن لا يتعدى حيز ذكائها باب المطبخ، وإن أرادت أن تتطور وتبحث عن جديد تسألني "هل يباع السفرجل في لندن؟.
بعد كلمته هذه دخل مازن وعلي، رحب الجميع بهما بينما يسكب لهما نبيه فنجان القهوة، فتحدث مازن
مازحا: - لمَ لم تخبرني أستاذ نبيه أن لديك كوكتيلا آخر من الجاذبية بينما أنا أتحصر على لقاء النسوة
عند فتاتك الساحرة؟
ضحكت سارة وبدلال سألت مازن :- هل اعتبر هذا غزلا صريح؟
رد عليها غامزا بعينه : -وهل تشكين بجاذبيتك يا ناعسة العينين، يا كستنائية الشعر ؟ أظن أنك لم تحظي هذه الليلة بأي كلمة جميلة سوى مني ولكن اعذري هؤلاء الرجال عديمي الإحساس وضعيفي النظر، لا يقدرون جمال الهجين العربي الأمريكي المدمر.
قالت بابتسامة :- سأعتبر كل ما قلته مزحة، فأنا لا أقبل الغزل من شاب وسيم يصغرني بعشرة أعوام، أنت تغويني لأقع في غرامك عندها تحمل ما سيحدث، ربما أختطفك.
ضحك الجميع على وجه مازن المحمر خجلا فقال نبيه له:- أنا وأنت فقط يا صديقي، فقط من بين هؤلاء الرجال بلا قيود.. فليخطف أحدنا هذه الحسناء.
ضحكت سارة على تعليق راشد مهددا:
-عازبا العمارة.. لم أر أحدا مثلكما يقدس عزوبيته فلا تكثرا الحديث حول الارتباط، ستندمان كثيرا لأن حياتكما ستتحول لجحيم.. فداخل كل امرأة فتاة مراهقة رومانسية تدخلك أكواخا من القصص الخيالية وتحلم بأنها تثرثر مع جنيات كالفر اشات الملونة.
أكمل عمرو : -وداخلها كذلك جنون بلا حدود، فتجدها أحيانا على غير عادتها، تارة تعيدك لصباك و تارة تواري عنك عقلك المتزن عندما تعلم بأنها تتعلم الضحكة وخصوصا الضحكة الرقيعة.
قال إياد : -وبين هذه وتلك تجد من لا جديد لديها، صباح الخير كمساء الخير وأخرى تتورط معها أكثر.
صوت جرس الشقة قطع حديثهم ليعود نبيه بكراتين مصفوفة من البيتزا تناولها منه راشد وإياد، فقال مازن وهو يرتب الأطباق على مائدة نبيه الخشبية : -لا تخشون علي عندما أود أن أتزوج فعلا سأستفيد من علي .. لدي نموذج للحياة الزوجية السعيدة.
ضحك علي على سخرية مازن : -بل أؤكد للجميع بانه لن يتزوج مادام يسمع حديثكم هذا !
تشعب الحديث ليأخذ أكثر من اتجاه الاقتصاد والسياسة، كانا المحور، فهؤلاء العرب يعشقون الحديث عن (رغيف الخبز والديمقراطية) ولم يستوعبوا بعد أن بيئتهم غير حاضنة للديمقراطية التي من خلالها يمكن أن تقطع يد الفاسد الذي يسرق قطعة الخبز .
فقال إياد بألم (وحتى عندما نكون خارج الوطن ونحاول أن نكشف حقيقة هؤلاء تجدهم يطاردونك) .
سأله نبيه: ماذا هناك؟
تنهيدة سبقت كلماته (ياسر.. يعاني من تهور زوجته الأندلسية المجنونة..)
فعلق مازن؛ منذ عودته من المغرب، لم أره!
رد إياد (تحدثنا بالأمس كان مهموما، واليوم صباحا شاهدت زوجته تشع حيوية بينما بالأمس كان مهموما من تهورها ويقلقه مستقبل عائلته ..)
تدخل عمرو (مطاردة السياسيين لا تجلب سوى وجع الرأس).
تحدثت سارة مشاركة( هل مونيا صحافية؟)
رد مازن (وناشطة حقوقية ومصورة فوتوغرافية و ربما شي آخر أجهله، إنها دينامو من النشاط) .
ضحك راشد (وتمارس بعض هوايتها على جاراتها.. تصور وجوهن وتصور لهن وجهاتهن.)
عجوز وسيم وفنجان من القهوة في صحبة رجال النسوة العربيات، تبتسم سارة إعلانا لقبولها الدعوة الأكثر إغراء من اجتماع ريتشيل بينما الضجيج من شقة أستاذ نبيه لم يكن أعلى من صوت عقلها (مفتاح مجلس النون في شقة نبيه) نثرت خصلات شعرها الكستنائي، وما هي إلا دقائق وذابت مع فنجان القهوة كل الحواجز، فهذا راشد مستريحا في جلسته بعد اتصال هاتفي مع خالد يسأله عن أسعد بينما نبيه يخرج من غرفته بعد أن تفقد أشرف مبتسما وعمرو يقلب كفيه ويسأل راشد عن خالد وابنه، فرد راشد مبتسما- الصغير بخير ولكن المستشفى لديه إجراءات طويلة ولكن ما سيصيبني بالجنون هو هذا الخالد الذي يرفض أن يخبر زوجته بما حل بابنهما .
هزّ عمرو رأسه مؤيدا : قراره صائب إنها أم ستجزع إن علمت عن صغيرها وستربك زوجها أكثر .
رد راشد معترضا:-لأنها أمه ستعرف كيف تعتني به .
لبس عمرو نظارته الطبية بعد أن مسحها وتحدث بعاطفة: -وهو أب يعرف كيف يعتني بصغيره .
قال نبيه ليبدد جو التوتر؛ " أنت تعلم يا ابن رئيسة.
ضحكت سارة وسألت عمرو : -اسم أمك رئيسة؟
فهز رأسه مبتسما :-أمي رئيسة وزوجتي رئيسة وابنتي كبيرة الرئيسات.
تعالت الضحكات من جديد، فأكمل عنه إياد:- عندما تتعرف إليك لا تكتفي باسمك بل تريده كاملا
كذلك اسم والدتك حتى تعرف؛ وقال بلكنة مصرية؛ إنت ابن مين بابا؟ ابن رئيسة "
أنهى نبيه النقاش قائلا :-هذا دليل على ذكائها .
فابتسمت سارة تعلق :-لا يوجد امرأة غبية.
نقلت نظرها بينهم لتجد الرجال الأربعة ينظرون أليها بتركيز، فأكملت : -ليست نرجسية مني كامرأة ولكنها حقيقة يجب أن يدركها الرجال ثم قد قيل (أن كيدهن عظيم ) والكيد من الذكاء، كما أنها أكثر حبا للابتكار من الرجل وتسعى دائما لكل جديد .
فوجئت برد إياد ساخرا: -نعم أعرف إحداهن لا يتعدى حيز ذكائها باب المطبخ، وإن أرادت أن تتطور وتبحث عن جديد تسألني "هل يباع السفرجل في لندن؟.
بعد كلمته هذه دخل مازن وعلي، رحب الجميع بهما بينما يسكب لهما نبيه فنجان القهوة، فتحدث مازن
مازحا: - لمَ لم تخبرني أستاذ نبيه أن لديك كوكتيلا آخر من الجاذبية بينما أنا أتحصر على لقاء النسوة
عند فتاتك الساحرة؟
ضحكت سارة وبدلال سألت مازن :- هل اعتبر هذا غزلا صريح؟
رد عليها غامزا بعينه : -وهل تشكين بجاذبيتك يا ناعسة العينين، يا كستنائية الشعر ؟ أظن أنك لم تحظي هذه الليلة بأي كلمة جميلة سوى مني ولكن اعذري هؤلاء الرجال عديمي الإحساس وضعيفي النظر، لا يقدرون جمال الهجين العربي الأمريكي المدمر.
قالت بابتسامة :- سأعتبر كل ما قلته مزحة، فأنا لا أقبل الغزل من شاب وسيم يصغرني بعشرة أعوام، أنت تغويني لأقع في غرامك عندها تحمل ما سيحدث، ربما أختطفك.
ضحك الجميع على وجه مازن المحمر خجلا فقال نبيه له:- أنا وأنت فقط يا صديقي، فقط من بين هؤلاء الرجال بلا قيود.. فليخطف أحدنا هذه الحسناء.
ضحكت سارة على تعليق راشد مهددا:
-عازبا العمارة.. لم أر أحدا مثلكما يقدس عزوبيته فلا تكثرا الحديث حول الارتباط، ستندمان كثيرا لأن حياتكما ستتحول لجحيم.. فداخل كل امرأة فتاة مراهقة رومانسية تدخلك أكواخا من القصص الخيالية وتحلم بأنها تثرثر مع جنيات كالفر اشات الملونة.
أكمل عمرو : -وداخلها كذلك جنون بلا حدود، فتجدها أحيانا على غير عادتها، تارة تعيدك لصباك و تارة تواري عنك عقلك المتزن عندما تعلم بأنها تتعلم الضحكة وخصوصا الضحكة الرقيعة.
قال إياد : -وبين هذه وتلك تجد من لا جديد لديها، صباح الخير كمساء الخير وأخرى تتورط معها أكثر.
صوت جرس الشقة قطع حديثهم ليعود نبيه بكراتين مصفوفة من البيتزا تناولها منه راشد وإياد، فقال مازن وهو يرتب الأطباق على مائدة نبيه الخشبية : -لا تخشون علي عندما أود أن أتزوج فعلا سأستفيد من علي .. لدي نموذج للحياة الزوجية السعيدة.
ضحك علي على سخرية مازن : -بل أؤكد للجميع بانه لن يتزوج مادام يسمع حديثكم هذا !
تشعب الحديث ليأخذ أكثر من اتجاه الاقتصاد والسياسة، كانا المحور، فهؤلاء العرب يعشقون الحديث عن (رغيف الخبز والديمقراطية) ولم يستوعبوا بعد أن بيئتهم غير حاضنة للديمقراطية التي من خلالها يمكن أن تقطع يد الفاسد الذي يسرق قطعة الخبز .
فقال إياد بألم (وحتى عندما نكون خارج الوطن ونحاول أن نكشف حقيقة هؤلاء تجدهم يطاردونك) .
سأله نبيه: ماذا هناك؟
تنهيدة سبقت كلماته (ياسر.. يعاني من تهور زوجته الأندلسية المجنونة..)
فعلق مازن؛ منذ عودته من المغرب، لم أره!
رد إياد (تحدثنا بالأمس كان مهموما، واليوم صباحا شاهدت زوجته تشع حيوية بينما بالأمس كان مهموما من تهورها ويقلقه مستقبل عائلته ..)
تدخل عمرو (مطاردة السياسيين لا تجلب سوى وجع الرأس).
تحدثت سارة مشاركة( هل مونيا صحافية؟)
رد مازن (وناشطة حقوقية ومصورة فوتوغرافية و ربما شي آخر أجهله، إنها دينامو من النشاط) .
ضحك راشد (وتمارس بعض هوايتها على جاراتها.. تصور وجوهن وتصور لهن وجهاتهن.)
👍10❤4