لين الطاهر
قبلَةٌ خَفِيفَةٌ على وَجنَتِي، شعُرتُ بها وأنا أسمَعُ هَمسًا حنونًا باسمي.. تمَلمَلتُ قَليلاً بينَ الوَسائد، وقد تسرّبَت شَمسُ الصَّباحِ الباكرِ للغُرفَة، بنُورٍ خَافِت عَبْرَ السّتائِر المُخمَلِيّة التي تُغطّي مُعظَمَ النّافِذَة.. شعُرتُ برَائِحةِ رَاشد العَطِرَة تتغَلغَل إلى أنفاسي الدافئة، وبقايا مِن عِطري يمتَزِج بعِطرِه الأخّاذ، و قد مَال قَليلاً نَحوِي ليَهمِس في أُذُنِي بتعبيره الصباحي المُعتاد:
- صَباحُ الوَرد ليني.
دفَنتُ رأسي في وسادتي وأنا أهمِسُ بِالرد، أكادُ أذوب خَجَلاً مِنه، و حَياءً من ابتسامَتِه المَاكِرَةِ المُنتَصِرَةِ التي أراها عادةً على وجهِه بعدَ أن يغمرُني بحُبّه المُتطَلِّب.. شعُرتُ باقترابِه منّي حِينَ سمِعتُ صوتَ أنفاسِه الدافئة، وهو يَهمِس قَريبًا من أُذُني:
- ارتاحِي اليوم حبيبتي..
قبّلنِي مرّةً أخرى على شعري وأتبع قائلاً:
- لا أُرِيدُ شيئًا على الغَداءِ اليوم.. قد أتأخّر في المُستَشفَى.
أومَأتُ برَأسي دُونَ أن أُدِير وَجهي نحوَه، مسّدَت يدُه شَعرِي قبلَ أن يَقِف مُبتَعِدًا، وهو يَقول بصَوتِه الرَّخِيم الذي يُخفِي فِيه ضَحِكَتَه السّاخِرَة منّي ومِن حَيائي الشّدِيد منه:
- سأتّصِل بكِ ليني، انتبهي لنَفسِك.
بَعدَ ساعاتٍ قليلة، كنتُ أقِفُ أمَامَ مِرآتي و أنا أُجَفّفُ شَعرِي الطَويل، بينَما أُدَندِن لحنًا ناعِمًا لفَيروز (سألتَك حبيبي) وأنا أُفَكّر في رَاشد كالعادة، ابتسامةٌ حُلوة ارتسمَت على شفتيّ، و أنا أتأمّل عيناي ثم غمَرَت وجنتاي حُمرَةُ الخَجَل عِندما تذكّرتُ ما كان بَينَنا منذُ ساعات.
آهٍ يا راشد، أنتَ دائمًا تُحبّني وبقوّة.. لكن بصمت! أتمنّى مِن كُلِ قلبي أن تَهمس لي بكَلِماتِ الحُبِ والغَزَلِ التي أراها مِرارًا وتكرارًا في الأفلامِ التي أُشاهِدُها، أقرأُها في الروايات، وأسمعُها في الأغاني. تَنهِيدَةٌ طويلة أطلَقتُها قبلَ أن أُرَدّد بهَمسٍ حنون كَلِمات (كُنْ صَدِيقي)، لِماذا تنسى حِين تلقاني نِصفَ الكلام، تكلّم، تكلّم، فأنا مُتعَبَةٌ مِن قِصَصِ العِشقِ وأخبار الغَرَام.
أخرَجتُ لِساني لانعكاسِي في المِرآة، قَبل أن أبتَسِم بسَعادة وأنا أُحرّكُ كَتِفي دلالاً:
- سترى يا حَجَرَ الجرانيت كيفَ ستخرُج مِنكَ كَلِمات الحُبِ و أعذَبُها ليلاً و نهارًا.
أتبَعتُ جُملتي بضَحِكةٍ ناعِمَة، وأنا أتخيّل راشد بتَقاطِيعه الحادّة و الصّارِمَة يتفوّه بتلك الكلماتِ هَامِسًا بها، وهو يَحمِل الورودَ الحمراء خلفَ ظهرِه لتكون مُفاجأةً لي! هَزَزتُ رأسي نَفيًا، بينما لا زِلتُ أضحَك مِن خَيالاتي عَن رَاشِدِي الوَقور لاستِحالَةِ تلك الفِكرة.
فِي تَمامِ الساعةِ الحَادِية عشرة صباحًا، أتمَمتُ تَرتِيبَ بيتي وتَنظِيفَه و تَعطِيرَه برَوَائِح (دهن العودِ) الجميل الذي أحضَرتُه مَعِي؛ لأنّني أعشق رائحَتَه التي تُذكّرُني بالروح العربيّةِ الشرقيّةِ التي أشتاقُ إلَيها. سرَحتُ بأفكارِي بَعيدًا، نحوَ وطني وأهلي و أحبابي، وأنا أُرَدّدُ في نَفسِي ما كانت تقولُه أمي (عاملين إيه في الغُربة، أعزّ الناس حبايبنا) وهي تُحادِثني على الهاتف... فتَحتُ بابَ الشُرفَة لأخرُج إليها وأستَنشِق بعضَ الهواء؛ عَلّه يطرد ما أثقَلَ صَدرِي مِن شُعورٍ بالوَحدةِ و الحنين لأمّي و أبي وإخوتي.. مسحتُ دمعتي التي نزِلَت شوقًا لَهم، وأنا أرسمُ ابتسامةً على وَجهِي مِن جَدِيد، بينما أتذكّر أبي وهو يقول لي (أنّني أملِكُ أجملَ ابتسامَة تنبُع مِن القلب).
كنتُ أتأمّل الشّارِعَ المُمتَدّ أمامي، وأنا أقِفُ في شُرفَتِي، وشاهدتُ على بُعدِ أمتار قَلِيلة سيّدةً وَقور تَحمِل سلّة كبيرة و جَميلة مِن القشِّ في يدِها، تَحوِي أزهارًا مِن كُلِ الألوان. شعرتُ بفَرحةٍ غامِرة و أنا أراها تسأل كُلَ مَن يمُرّ -عبرَ هذا الطريق- أن يبتاع مِن أزهارِها. كان الطَرِيقُ مَكسوًا بالأشجارِ على حافّتَيه اللّتَين ازدانَتا بالأزهارِ أيضًا، بدا لي المَشهد وكأنه خَارِجٌ مِن رواية (مازالت أُمنياتي أحلامًا) لكاتبة أُحبّها كثيرًا. اجتاحَني إحساسٌ غَريب برغبةٍ في شِراءِ تلك الأزهار؛ كَي أحمِلُها وأُغرِق وَجهِي بينَ وُرَيقاتِها لأستَنشِق عبيرَها، و أدور حولَ الأشجارِ فَرحًا بهذا النهارِ الجميل! أرسَلَت الفِكرةُ ابتسامةً ناعمةً إلى شفتيّ، وأنا أشعُر بارتياحٍ وطمأنينة يبثّان سعادةً صافِيةً إلى قلبي.
كنتُ أتمشّى في ذلك الممَرّ المشجر حاملةً أزهاري التي ابتعتُها من السيّدة، عندما انتبهتُ لأن هُناك مَن يُناديني، رفَعتُ رأسي، لأجِد راشد على بُعدِ خطواتٍ منّي! استغرَبتُ جدًا وُجودَه في هذا الوَقت، و في هذا المكانِ بالذات! كان يقتَرِب منّي بخُطواتٍ غاضِبة، لقد كان غاضِبًا جدًا و قد ارتسَم العُنفُ على تَعابِيرِ وَجهِه الذي بدا مُسودًّا مِن شِدّةِ انفِعالِه، صرَخ بي مُعنِّفًا :
قبلَةٌ خَفِيفَةٌ على وَجنَتِي، شعُرتُ بها وأنا أسمَعُ هَمسًا حنونًا باسمي.. تمَلمَلتُ قَليلاً بينَ الوَسائد، وقد تسرّبَت شَمسُ الصَّباحِ الباكرِ للغُرفَة، بنُورٍ خَافِت عَبْرَ السّتائِر المُخمَلِيّة التي تُغطّي مُعظَمَ النّافِذَة.. شعُرتُ برَائِحةِ رَاشد العَطِرَة تتغَلغَل إلى أنفاسي الدافئة، وبقايا مِن عِطري يمتَزِج بعِطرِه الأخّاذ، و قد مَال قَليلاً نَحوِي ليَهمِس في أُذُنِي بتعبيره الصباحي المُعتاد:
- صَباحُ الوَرد ليني.
دفَنتُ رأسي في وسادتي وأنا أهمِسُ بِالرد، أكادُ أذوب خَجَلاً مِنه، و حَياءً من ابتسامَتِه المَاكِرَةِ المُنتَصِرَةِ التي أراها عادةً على وجهِه بعدَ أن يغمرُني بحُبّه المُتطَلِّب.. شعُرتُ باقترابِه منّي حِينَ سمِعتُ صوتَ أنفاسِه الدافئة، وهو يَهمِس قَريبًا من أُذُني:
- ارتاحِي اليوم حبيبتي..
قبّلنِي مرّةً أخرى على شعري وأتبع قائلاً:
- لا أُرِيدُ شيئًا على الغَداءِ اليوم.. قد أتأخّر في المُستَشفَى.
أومَأتُ برَأسي دُونَ أن أُدِير وَجهي نحوَه، مسّدَت يدُه شَعرِي قبلَ أن يَقِف مُبتَعِدًا، وهو يَقول بصَوتِه الرَّخِيم الذي يُخفِي فِيه ضَحِكَتَه السّاخِرَة منّي ومِن حَيائي الشّدِيد منه:
- سأتّصِل بكِ ليني، انتبهي لنَفسِك.
بَعدَ ساعاتٍ قليلة، كنتُ أقِفُ أمَامَ مِرآتي و أنا أُجَفّفُ شَعرِي الطَويل، بينَما أُدَندِن لحنًا ناعِمًا لفَيروز (سألتَك حبيبي) وأنا أُفَكّر في رَاشد كالعادة، ابتسامةٌ حُلوة ارتسمَت على شفتيّ، و أنا أتأمّل عيناي ثم غمَرَت وجنتاي حُمرَةُ الخَجَل عِندما تذكّرتُ ما كان بَينَنا منذُ ساعات.
آهٍ يا راشد، أنتَ دائمًا تُحبّني وبقوّة.. لكن بصمت! أتمنّى مِن كُلِ قلبي أن تَهمس لي بكَلِماتِ الحُبِ والغَزَلِ التي أراها مِرارًا وتكرارًا في الأفلامِ التي أُشاهِدُها، أقرأُها في الروايات، وأسمعُها في الأغاني. تَنهِيدَةٌ طويلة أطلَقتُها قبلَ أن أُرَدّد بهَمسٍ حنون كَلِمات (كُنْ صَدِيقي)، لِماذا تنسى حِين تلقاني نِصفَ الكلام، تكلّم، تكلّم، فأنا مُتعَبَةٌ مِن قِصَصِ العِشقِ وأخبار الغَرَام.
أخرَجتُ لِساني لانعكاسِي في المِرآة، قَبل أن أبتَسِم بسَعادة وأنا أُحرّكُ كَتِفي دلالاً:
- سترى يا حَجَرَ الجرانيت كيفَ ستخرُج مِنكَ كَلِمات الحُبِ و أعذَبُها ليلاً و نهارًا.
أتبَعتُ جُملتي بضَحِكةٍ ناعِمَة، وأنا أتخيّل راشد بتَقاطِيعه الحادّة و الصّارِمَة يتفوّه بتلك الكلماتِ هَامِسًا بها، وهو يَحمِل الورودَ الحمراء خلفَ ظهرِه لتكون مُفاجأةً لي! هَزَزتُ رأسي نَفيًا، بينما لا زِلتُ أضحَك مِن خَيالاتي عَن رَاشِدِي الوَقور لاستِحالَةِ تلك الفِكرة.
فِي تَمامِ الساعةِ الحَادِية عشرة صباحًا، أتمَمتُ تَرتِيبَ بيتي وتَنظِيفَه و تَعطِيرَه برَوَائِح (دهن العودِ) الجميل الذي أحضَرتُه مَعِي؛ لأنّني أعشق رائحَتَه التي تُذكّرُني بالروح العربيّةِ الشرقيّةِ التي أشتاقُ إلَيها. سرَحتُ بأفكارِي بَعيدًا، نحوَ وطني وأهلي و أحبابي، وأنا أُرَدّدُ في نَفسِي ما كانت تقولُه أمي (عاملين إيه في الغُربة، أعزّ الناس حبايبنا) وهي تُحادِثني على الهاتف... فتَحتُ بابَ الشُرفَة لأخرُج إليها وأستَنشِق بعضَ الهواء؛ عَلّه يطرد ما أثقَلَ صَدرِي مِن شُعورٍ بالوَحدةِ و الحنين لأمّي و أبي وإخوتي.. مسحتُ دمعتي التي نزِلَت شوقًا لَهم، وأنا أرسمُ ابتسامةً على وَجهِي مِن جَدِيد، بينما أتذكّر أبي وهو يقول لي (أنّني أملِكُ أجملَ ابتسامَة تنبُع مِن القلب).
كنتُ أتأمّل الشّارِعَ المُمتَدّ أمامي، وأنا أقِفُ في شُرفَتِي، وشاهدتُ على بُعدِ أمتار قَلِيلة سيّدةً وَقور تَحمِل سلّة كبيرة و جَميلة مِن القشِّ في يدِها، تَحوِي أزهارًا مِن كُلِ الألوان. شعرتُ بفَرحةٍ غامِرة و أنا أراها تسأل كُلَ مَن يمُرّ -عبرَ هذا الطريق- أن يبتاع مِن أزهارِها. كان الطَرِيقُ مَكسوًا بالأشجارِ على حافّتَيه اللّتَين ازدانَتا بالأزهارِ أيضًا، بدا لي المَشهد وكأنه خَارِجٌ مِن رواية (مازالت أُمنياتي أحلامًا) لكاتبة أُحبّها كثيرًا. اجتاحَني إحساسٌ غَريب برغبةٍ في شِراءِ تلك الأزهار؛ كَي أحمِلُها وأُغرِق وَجهِي بينَ وُرَيقاتِها لأستَنشِق عبيرَها، و أدور حولَ الأشجارِ فَرحًا بهذا النهارِ الجميل! أرسَلَت الفِكرةُ ابتسامةً ناعمةً إلى شفتيّ، وأنا أشعُر بارتياحٍ وطمأنينة يبثّان سعادةً صافِيةً إلى قلبي.
كنتُ أتمشّى في ذلك الممَرّ المشجر حاملةً أزهاري التي ابتعتُها من السيّدة، عندما انتبهتُ لأن هُناك مَن يُناديني، رفَعتُ رأسي، لأجِد راشد على بُعدِ خطواتٍ منّي! استغرَبتُ جدًا وُجودَه في هذا الوَقت، و في هذا المكانِ بالذات! كان يقتَرِب منّي بخُطواتٍ غاضِبة، لقد كان غاضِبًا جدًا و قد ارتسَم العُنفُ على تَعابِيرِ وَجهِه الذي بدا مُسودًّا مِن شِدّةِ انفِعالِه، صرَخ بي مُعنِّفًا :
❤7👍1
- لِماذا لَم تُخبريني أنّكِ ستخرُجِين من المنزل؟! وأين هاتِفِك الجوّال؟ ربما لا يجِب أن أسألِك عنه، بما أنّك تمُرّين بإحدى حَالاتِك الجُنونيّةِ النّادِرَة. يَجِب أن يتم إضافَة خِدمة لجوّالِك، تقول أن المُتَّصَل به سَاهِمٌ وهو يَحمِل الأزهار و يسرح بينَ الأشجار!
اتّسعَت عَيناي رُعبًا وأنا أدورُ بنظراتي حَولي؛ كَي أرى إن كان صَوتُه المُجلجل قد استقطَب الجَماهِير أم ليس بَعد! شعُرتُ بارتِجافةٍ تهُزّ ساقيّ وأنا أهبِطُ مِن خيالاتي الرومانسية مُصطَدِمَةً بصَخَبِ راشد المُفاجِئ. حثَثتُ خُطاي المُرتَبِكَة نَحو مدخَلِ البِناية؛ فِي مُحاولَةٍ منّي لجَرِّ راشد إلى شقّتِنا بعيدًا عن أعيُنِ المُتطفّلِين، في الوَقتِ الذي رطّبتُ شفتيّ بتَوتُّرٍ وأنا أُجيبُه بصَوتٍ خافِت:
- راشد، أرجوك! أخفِض صَوتَك، نَسِيتُ هاتفي النقّال في البَيت.. أرجوك لا تصنَع جَلَبة أمامَ الناس!
رأيت شرارات الغضبِ تتطاير مِن نظراتِه، وأنا أبتعِد عنه مُهروِلَةً باتجاهِ المِصعد، فيما كان يُلحِق بي وهو لا يُطيق صَبرًا على الانفِجارِ بوَجهي مُحدثًا جَلَبةً حقيقيّة. ازدَرَدتُ رِيقي، وأنا أضغَطُ على الرّقم (أربعة) حيثُ شقّتِنا التي تقبَعُ في الطابقِ الرابِع، وما أن أغلَق المِصعَد بابَه عَلينا حتى سَمِعتُ صَوتَ تَنفُّسِ رَاشد الغاضب، وهو يَلتَفِت إليّ قابضًا على ذِراعيّ بعُنفٍ شديد، و يقولُ مُوبِّخًا:
- باللهِ عَليكِ يا لين، متى ستتعلّمين مَعنى المسؤولية؟! متى ستُفكّرين مرّةً قبلَ أن تتصرّفي؟!
كان راشد فِي قِمّةِ غَضَبِه وهو يرعد رَعدًا فِي وجهي، رَجوتُه بَاكيةً أن يُخفِض صَوتَه خَوفًا مِن أن يَنفَتِح بابُ المِصعد، فيرانا أحَدُ سُكّانِ البِناية.
خرَجتُ مِن المِصعَد فورَ انفِتاحِه، لألتَصِق بِبابِ شقّتِنا في مُحاوَلَةٍ منّي لأختفي من أمامِ راشد، الذي لم أعرِف كيفَ فتحَ الباب، وأصبحنا داخلَ الشقّةِ أخيرًا. كنتُ أرتجِف مِن الخَوفِ والانفِعال، و اتّجَهتُ إلى غُرفَتي بسُرعة، و دموعي لَم تتوقّف، و مازلتُ أسمَعُ تساؤلات راشد الغَاضِبة عن سَبَبِ عَدَمِ اتّصالِي به، و إخبارِه بخروجي.
هروَلتُ إلى غُرفَتي وأغلقتُها خَلفي بالمفتاح لأتحصّن داخلها مِن راشد وألقَيتُ بنَفسِي على سَريرِي وأنا أبكي بحرقَةٍ وألم مِن هذا الراشد وتقَلُّباتِه التي أرهقَتنِي! أعتَرِف أنّني أخطأت بعَدَمِ الاتّصالِ به، وأعرِف أنّني أخطأتُ أيضًا بعَدَمِ إخبارِه عن نُزهَتِي. ولكن هل يتطلّب نِسياني كُلَّ هذا الغَضَبِ الهَادِر! نَظَرتُ إلى الأزهار التي وضعتُها بجانبي على السّرِير، وتحسّرتُ على يَومِي المُشرِق الذي اغتالَه راشِد كعادَتِه.
تذكّرتُ فجأةً - وأنا أتأمّل أزهاري- الدعوَةَ التي كنتُ أنتظِرها منذُ فِترة، دعوَة جارَتِي (زَينب) التي أُحبّها لطِيبَتِها وعُذوبَتِها وشعُرتُ بالمَرارة وأنا أُدرِك استحالَة خُروجِي وأنا أشعُرُ بكُلِ هذا الألَمِ في داخلي.. سأعتَذِرُ عَنِ الدعوة، يَجِبُ أن أعتذر، لَن أتمكّن مِن الذِّهاب وأنا حزينة هكذا.
طرَقاتٌ حَازِمَة ومُصمِّمَة على بابي، أيقظَتني مِن سَهوَتِي، حيثُ سمِعتُ راشد يُناشِدُني بصَوتِه القَويّ:
- افتحي البابَ يا لين، و كفاكِ تصرفات طفوليّة.
لَم أُجبه، وبقيتُ مُستَلقِيةً على سريري أُحدِّقُ في النافذة، لحظات قصيرة مضَت قبلَ أن أسمع راشد يُنادِيني، ولكن بطَريقَتِه الخاصّة هذه المرة:
- هيا يا ليني، افتحي الباب.
أغمَضتُ عَينيّ وقد فَرّت دمعةٌ حارّة على وَجنَتي، وأنا أشعُرُ بتَعَبٍ حَقِيقيّ في قلبي، سَبَبُه راشد!
سارة جوزيف
استيقظت مِنّ قيلُوْلتِهَا لِتَعَودَ لِمْكَتَبِهَا ناعِسة مُبتَسِمَة بسُخْرِيَة مِنّ هذه الإنجْلِيزِيّة (ريتشيل) تزاول لُعْبَة 'العثمنَة' عَلَّى النْسوة العَرَبيّاتِ فِي عِمَارَتِهَا كَمَا يفعلها الأترَاكُ في الوطنِ العَرَبيّ.
استدراج العَربِ إلى الزَمَنِ الجَمِيلِ فِي نَظَرِهم؛ زَمَنُ سُلطَة دار السَعَادَةِ (إستَانبُول) عَلَّى الَوْلاياتِ العَرَبِيَّة شَرقَاً وغَربَاً، ولَكِنّ لُعبَتهم لَمْ تَأتِ هَذه المَرَّة بفَرمَانَاتِ سُلْطانِية؛ وإنَمَا باسم حُرِّيَّة الشُعوبِ وباسم التَبَادَل الثَقَافِيّ والحَضَارِيّ وكأنَهَم لَمْ يسَلِبُوا حُرِّيَّة العَرَبيّ يَوْماً ويحَاولُون طَمَسَ هَوِيَته بالطُورانِيَة البغِيضة.
أوه ريتشيل.. ألَمْ يَكُن يَوْماً عِرقَكِ الإنجليزيّ مُسْتَبِدّاً أيضَاً فُوَرِثَ التَّرِكَة العَرَبِيَّة وقَسمهَا وقَضَى عَلى نَصفَكِ الآخر التركي..
لا يَهُم.. المُهِم أن أعَرفَ مَاذَا يحَدُث فِي اجتماعاتكن مُنْذ شَهَر؟ أسكُن بَينكن ولَمْ تدَعْونِي إليها، هَلْ أنَا مَنبُوذة لهَذِه الدَّرَجَة حَتَّى لا ترَغبّن فِي حُضُورِي؟! فَلدي كُل المُقَوِّمَاتِ الَّتِي لَدَى جَارَاتك، ريتشيل.. العَرِق العَرَبيّ الأصِيل واللُغَة العَرَبية الفُصحَى، (أم إنه العَرِق الأمريكي هُوَ سَبب نُفُوِركن مِني؟).
**************
اتّسعَت عَيناي رُعبًا وأنا أدورُ بنظراتي حَولي؛ كَي أرى إن كان صَوتُه المُجلجل قد استقطَب الجَماهِير أم ليس بَعد! شعُرتُ بارتِجافةٍ تهُزّ ساقيّ وأنا أهبِطُ مِن خيالاتي الرومانسية مُصطَدِمَةً بصَخَبِ راشد المُفاجِئ. حثَثتُ خُطاي المُرتَبِكَة نَحو مدخَلِ البِناية؛ فِي مُحاولَةٍ منّي لجَرِّ راشد إلى شقّتِنا بعيدًا عن أعيُنِ المُتطفّلِين، في الوَقتِ الذي رطّبتُ شفتيّ بتَوتُّرٍ وأنا أُجيبُه بصَوتٍ خافِت:
- راشد، أرجوك! أخفِض صَوتَك، نَسِيتُ هاتفي النقّال في البَيت.. أرجوك لا تصنَع جَلَبة أمامَ الناس!
رأيت شرارات الغضبِ تتطاير مِن نظراتِه، وأنا أبتعِد عنه مُهروِلَةً باتجاهِ المِصعد، فيما كان يُلحِق بي وهو لا يُطيق صَبرًا على الانفِجارِ بوَجهي مُحدثًا جَلَبةً حقيقيّة. ازدَرَدتُ رِيقي، وأنا أضغَطُ على الرّقم (أربعة) حيثُ شقّتِنا التي تقبَعُ في الطابقِ الرابِع، وما أن أغلَق المِصعَد بابَه عَلينا حتى سَمِعتُ صَوتَ تَنفُّسِ رَاشد الغاضب، وهو يَلتَفِت إليّ قابضًا على ذِراعيّ بعُنفٍ شديد، و يقولُ مُوبِّخًا:
- باللهِ عَليكِ يا لين، متى ستتعلّمين مَعنى المسؤولية؟! متى ستُفكّرين مرّةً قبلَ أن تتصرّفي؟!
كان راشد فِي قِمّةِ غَضَبِه وهو يرعد رَعدًا فِي وجهي، رَجوتُه بَاكيةً أن يُخفِض صَوتَه خَوفًا مِن أن يَنفَتِح بابُ المِصعد، فيرانا أحَدُ سُكّانِ البِناية.
خرَجتُ مِن المِصعَد فورَ انفِتاحِه، لألتَصِق بِبابِ شقّتِنا في مُحاوَلَةٍ منّي لأختفي من أمامِ راشد، الذي لم أعرِف كيفَ فتحَ الباب، وأصبحنا داخلَ الشقّةِ أخيرًا. كنتُ أرتجِف مِن الخَوفِ والانفِعال، و اتّجَهتُ إلى غُرفَتي بسُرعة، و دموعي لَم تتوقّف، و مازلتُ أسمَعُ تساؤلات راشد الغَاضِبة عن سَبَبِ عَدَمِ اتّصالِي به، و إخبارِه بخروجي.
هروَلتُ إلى غُرفَتي وأغلقتُها خَلفي بالمفتاح لأتحصّن داخلها مِن راشد وألقَيتُ بنَفسِي على سَريرِي وأنا أبكي بحرقَةٍ وألم مِن هذا الراشد وتقَلُّباتِه التي أرهقَتنِي! أعتَرِف أنّني أخطأت بعَدَمِ الاتّصالِ به، وأعرِف أنّني أخطأتُ أيضًا بعَدَمِ إخبارِه عن نُزهَتِي. ولكن هل يتطلّب نِسياني كُلَّ هذا الغَضَبِ الهَادِر! نَظَرتُ إلى الأزهار التي وضعتُها بجانبي على السّرِير، وتحسّرتُ على يَومِي المُشرِق الذي اغتالَه راشِد كعادَتِه.
تذكّرتُ فجأةً - وأنا أتأمّل أزهاري- الدعوَةَ التي كنتُ أنتظِرها منذُ فِترة، دعوَة جارَتِي (زَينب) التي أُحبّها لطِيبَتِها وعُذوبَتِها وشعُرتُ بالمَرارة وأنا أُدرِك استحالَة خُروجِي وأنا أشعُرُ بكُلِ هذا الألَمِ في داخلي.. سأعتَذِرُ عَنِ الدعوة، يَجِبُ أن أعتذر، لَن أتمكّن مِن الذِّهاب وأنا حزينة هكذا.
طرَقاتٌ حَازِمَة ومُصمِّمَة على بابي، أيقظَتني مِن سَهوَتِي، حيثُ سمِعتُ راشد يُناشِدُني بصَوتِه القَويّ:
- افتحي البابَ يا لين، و كفاكِ تصرفات طفوليّة.
لَم أُجبه، وبقيتُ مُستَلقِيةً على سريري أُحدِّقُ في النافذة، لحظات قصيرة مضَت قبلَ أن أسمع راشد يُنادِيني، ولكن بطَريقَتِه الخاصّة هذه المرة:
- هيا يا ليني، افتحي الباب.
أغمَضتُ عَينيّ وقد فَرّت دمعةٌ حارّة على وَجنَتي، وأنا أشعُرُ بتَعَبٍ حَقِيقيّ في قلبي، سَبَبُه راشد!
سارة جوزيف
استيقظت مِنّ قيلُوْلتِهَا لِتَعَودَ لِمْكَتَبِهَا ناعِسة مُبتَسِمَة بسُخْرِيَة مِنّ هذه الإنجْلِيزِيّة (ريتشيل) تزاول لُعْبَة 'العثمنَة' عَلَّى النْسوة العَرَبيّاتِ فِي عِمَارَتِهَا كَمَا يفعلها الأترَاكُ في الوطنِ العَرَبيّ.
استدراج العَربِ إلى الزَمَنِ الجَمِيلِ فِي نَظَرِهم؛ زَمَنُ سُلطَة دار السَعَادَةِ (إستَانبُول) عَلَّى الَوْلاياتِ العَرَبِيَّة شَرقَاً وغَربَاً، ولَكِنّ لُعبَتهم لَمْ تَأتِ هَذه المَرَّة بفَرمَانَاتِ سُلْطانِية؛ وإنَمَا باسم حُرِّيَّة الشُعوبِ وباسم التَبَادَل الثَقَافِيّ والحَضَارِيّ وكأنَهَم لَمْ يسَلِبُوا حُرِّيَّة العَرَبيّ يَوْماً ويحَاولُون طَمَسَ هَوِيَته بالطُورانِيَة البغِيضة.
أوه ريتشيل.. ألَمْ يَكُن يَوْماً عِرقَكِ الإنجليزيّ مُسْتَبِدّاً أيضَاً فُوَرِثَ التَّرِكَة العَرَبِيَّة وقَسمهَا وقَضَى عَلى نَصفَكِ الآخر التركي..
لا يَهُم.. المُهِم أن أعَرفَ مَاذَا يحَدُث فِي اجتماعاتكن مُنْذ شَهَر؟ أسكُن بَينكن ولَمْ تدَعْونِي إليها، هَلْ أنَا مَنبُوذة لهَذِه الدَّرَجَة حَتَّى لا ترَغبّن فِي حُضُورِي؟! فَلدي كُل المُقَوِّمَاتِ الَّتِي لَدَى جَارَاتك، ريتشيل.. العَرِق العَرَبيّ الأصِيل واللُغَة العَرَبية الفُصحَى، (أم إنه العَرِق الأمريكي هُوَ سَبب نُفُوِركن مِني؟).
**************
❤7👍1
الزئبق.. والاغتيال
بينما كانت أيام الحياة تمضي بالفتيات العربيات في رتابة كنـُسخٍ كربونية ليومٍ قدريٍ لحوح. يومٌ اعتدن الشرود يستعرضنه كل صباح على جناح الخاطر.. واعتادت هي تتبُّع تفاصيل حياتهن بفضولٍ مقيت.. كان هو هناك. على الشاطئ الآخر من البحر. يغدو ويروح، جيئةً وذهاباً في غرفته الفسيحة.. يضرب جانب ساقه بعصى قصيره في يده، خطواته المرتبكة تهمس بقلق خواطره وملامحه توحي بتفكيرِ عميق يحلق به خارج نطاق هذه الغرفة الفسيحة الكائنة بالطابق الثاني.. في هذا المبنى الضخم المعنـْوَن بلافتة كبيرة كُتب عليها: "إدارة حماية التراب الوطني" إنه الجنرال حميدو بن موسى، المدير العام لهذه المؤسسة الأمنية.
وهو على هذا الحال دخل عليه ضابط أقل منه رتبةً.. و ما إن ولج ذلك الضابط إلى الغرفة حتى صاح فيه الجنرال قائلاً: لا.. أنا لا أوافق على هذه الخطة.. لابد أن يتم التخلص من هذه المتمردة بطريقة لا تُثير الشبهات حولنا، لا أريد أن نـُوضع في مَوْضع الحـَرَجْ مع اسكتلانديارد.
إن مونيا العلوي تخطت كل الخطوط الحمراء بعد نشرها لهذه الصور التي التقطتها لسجناء "بولمهارز" ومن الخطر السكوت عليها بعد الآن، فهي في كل يوم بكاميرتها وبقلمها المتمرد تمزق بكارة أسرارٍ خطيرة وتنكأ جراحاً تنزف تمرداً وثورة.. أنا أوافق على تصفيتها ولكن ليس بأيدينا نحن.
وقف الضابط صامتاً حتى أنهى الجنرال حديثه ثم أجابه قائلاً: من أجل هذا جئت إليك الآن يا سيدي.. إنما جئت لأعرض عليك خطتنا البديلة
انتبه له الجنرال كمن يستحثه على مواصلة الحديث، فأكمل الضابط دون توقف؛
لدينا هنا أحد السجناء.. إنه الشيطانُ بنفسه ولصٌ محترف، لا تعرف له كل أجهزة الأمن الدولية هوية.. له ألف وجه.. وبحوزته العشرات من جوازات السفر بجنسيات مختلفة، والمئات من بطاقات الهوية.. لا نعرف له اسما سوى لقبه المعروف به: "مسيو ميركري".. هكذا تعرفه أجهزة الأمن، قبضنا عليه في مطار مراكش بطلبٍ من الإنتربول وليس لدينا إتهام محدد نوجهه إليه.. نحن مضطرون للإفراج عنه وحتى وإن لم نفرج عنه فإنه في غضون أيام بل ساعات.. يمكنه الهرب.. فالمعلومات التي لدينا أنه تمكن من الهرب من معظم سجون العالم شديدة الحراسة بكل يُسر.
وأكمل الضابط؛ طوال الأيام الثلاثة الماضية، حاولنا شتى الطرق لمعرفة اسمه الحقيقي أو جنسيته ولم نفلح.. حتى التعذيب لم يفلح معه وكأن جسده صُنع من خلايا ميتة.. لم يزده التعذيب إلا ضحكاً وسخرية منا.. إنه لص بدرجة شيطان.. كل متاحف أوروبا تنتظر زياراته الليلية بقلقٍ ورعب، فهو فنان عاشق للتحف التاريخية الثمينة والنادرة.
كان الجنرال ينصت في اهتمام حتى انتهى الضابط من حديثه.
ابتسم الجنرال قائلاً: هذا رائع.. أنا أدركت المغزى الذي ترمي إليه، أحضر لي هذا المدعو بالزئبق فوراً.
فإذا بالضابط يقوله له؛ لقد أحضرته معي بالفعل.. إنه بالباب يا سيدي.
وفـُتح الباب بأمر من الضابط.. ليدخل منه شاب ثلاثيني، طويل القامة أبيض البشرة وكأنه أوروبي المولد.. أسود العينين أكحلهما كأنه عربي الأصل. باسم الشفاه شيطاني النظرة وكأنه جحيمي النشأة. وقف أمام الجنرال.. مكتوف الرسغين والقدمين بسلاسلَ من حديد، لكنه يعبث بين إصبعيه بقطعتين من النرد بلامبالاة مستهيناً ساخراً.. فسأله الجنرال:
- ما الذي أتى بك إلى بلادنا؟
- جئت لأسرق تحفة من أحد متاحفكم سيدي.. من دار الماخزين، أنوي سرقة الطربوش الأزرق المزخرف بالكوبالت والمينا.
- أبهذه البساطة!؟
- نعم سيدي.. و لقد استرحت من عناء السفر لديكم ثلاثة أيام، أظنها كافية كاستراحة لي ولابد أن أذهب الليلة لممارسة عملي الذي جئت من أجله.. مع خالص شكري لكم على استضافتي هذه الأيام الثلاثة.. فاستضافتكم المرحة المسلية ستظل محل تقديري.
- ما رأيك لو منحناك مطلبك دون عناء السرقة منك؟
- لا سيدي، أشكرك.. فمتعتي من التحف سرقتها وليس اقتنائها.. ولكن دعني أوافقك لأعرف المقابل الذي تطلبه نظير هديتك.
- عملية بسيطة... اغتيال فتاه دون أي إشارة لنا.. ستحظى بعدها بكل دعم تطلبه منا وبعد أن تنفذ مهمتك و تهدأ الأمور، سنسعى بكل إمكانياتنا لإسقاط جميع التهم لدى الإنتربول الدولي عنك، فما رأيك في هذه الصفقة؟
- صفقة رابحة بالنسبة لي.. رغم أن مهنتي المفضلة هي السرقة و لم أجرب مهنة القاتل المحترف قبل الآن.. ولكنها أحد أحلامي التي أريد أن أضيفها إلى سجلي.
- إذن! أنت توافق على تصفية هذه الفتاه المتمردة لصالحنا؟
- أهي جميلة؟
- بارعة الحسن و الجمال، ولكنها ناشطة حقوقية وسياسية كرصاصة خرجت من فوهة بندقية تكاد تصيبنا جميعاً.
صمت اللص صمتا لم يطـُل كثيراً ثم أعرب قائلاً للجنرال؛ أنا أوافق سيدي، سوف أقوم بالمهمة لأجلكم.. فأنا أكره الجميلات لأنهن نقطة ضعفي الوحيدة.. هاتِ ما عندك من معلومات عنها لأضع خطتي الليلة وأنا في طريقي للمطار فور انتهائي من سرقة المتحف.
- ألا زلتُ تُصر على سرقة المتحف حتى بعد أن قررنا منحك مبتغاك؟
- سيدي، مبتغاي المتعة وأنا أسرقه بيدي.
بينما كانت أيام الحياة تمضي بالفتيات العربيات في رتابة كنـُسخٍ كربونية ليومٍ قدريٍ لحوح. يومٌ اعتدن الشرود يستعرضنه كل صباح على جناح الخاطر.. واعتادت هي تتبُّع تفاصيل حياتهن بفضولٍ مقيت.. كان هو هناك. على الشاطئ الآخر من البحر. يغدو ويروح، جيئةً وذهاباً في غرفته الفسيحة.. يضرب جانب ساقه بعصى قصيره في يده، خطواته المرتبكة تهمس بقلق خواطره وملامحه توحي بتفكيرِ عميق يحلق به خارج نطاق هذه الغرفة الفسيحة الكائنة بالطابق الثاني.. في هذا المبنى الضخم المعنـْوَن بلافتة كبيرة كُتب عليها: "إدارة حماية التراب الوطني" إنه الجنرال حميدو بن موسى، المدير العام لهذه المؤسسة الأمنية.
وهو على هذا الحال دخل عليه ضابط أقل منه رتبةً.. و ما إن ولج ذلك الضابط إلى الغرفة حتى صاح فيه الجنرال قائلاً: لا.. أنا لا أوافق على هذه الخطة.. لابد أن يتم التخلص من هذه المتمردة بطريقة لا تُثير الشبهات حولنا، لا أريد أن نـُوضع في مَوْضع الحـَرَجْ مع اسكتلانديارد.
إن مونيا العلوي تخطت كل الخطوط الحمراء بعد نشرها لهذه الصور التي التقطتها لسجناء "بولمهارز" ومن الخطر السكوت عليها بعد الآن، فهي في كل يوم بكاميرتها وبقلمها المتمرد تمزق بكارة أسرارٍ خطيرة وتنكأ جراحاً تنزف تمرداً وثورة.. أنا أوافق على تصفيتها ولكن ليس بأيدينا نحن.
وقف الضابط صامتاً حتى أنهى الجنرال حديثه ثم أجابه قائلاً: من أجل هذا جئت إليك الآن يا سيدي.. إنما جئت لأعرض عليك خطتنا البديلة
انتبه له الجنرال كمن يستحثه على مواصلة الحديث، فأكمل الضابط دون توقف؛
لدينا هنا أحد السجناء.. إنه الشيطانُ بنفسه ولصٌ محترف، لا تعرف له كل أجهزة الأمن الدولية هوية.. له ألف وجه.. وبحوزته العشرات من جوازات السفر بجنسيات مختلفة، والمئات من بطاقات الهوية.. لا نعرف له اسما سوى لقبه المعروف به: "مسيو ميركري".. هكذا تعرفه أجهزة الأمن، قبضنا عليه في مطار مراكش بطلبٍ من الإنتربول وليس لدينا إتهام محدد نوجهه إليه.. نحن مضطرون للإفراج عنه وحتى وإن لم نفرج عنه فإنه في غضون أيام بل ساعات.. يمكنه الهرب.. فالمعلومات التي لدينا أنه تمكن من الهرب من معظم سجون العالم شديدة الحراسة بكل يُسر.
وأكمل الضابط؛ طوال الأيام الثلاثة الماضية، حاولنا شتى الطرق لمعرفة اسمه الحقيقي أو جنسيته ولم نفلح.. حتى التعذيب لم يفلح معه وكأن جسده صُنع من خلايا ميتة.. لم يزده التعذيب إلا ضحكاً وسخرية منا.. إنه لص بدرجة شيطان.. كل متاحف أوروبا تنتظر زياراته الليلية بقلقٍ ورعب، فهو فنان عاشق للتحف التاريخية الثمينة والنادرة.
كان الجنرال ينصت في اهتمام حتى انتهى الضابط من حديثه.
ابتسم الجنرال قائلاً: هذا رائع.. أنا أدركت المغزى الذي ترمي إليه، أحضر لي هذا المدعو بالزئبق فوراً.
فإذا بالضابط يقوله له؛ لقد أحضرته معي بالفعل.. إنه بالباب يا سيدي.
وفـُتح الباب بأمر من الضابط.. ليدخل منه شاب ثلاثيني، طويل القامة أبيض البشرة وكأنه أوروبي المولد.. أسود العينين أكحلهما كأنه عربي الأصل. باسم الشفاه شيطاني النظرة وكأنه جحيمي النشأة. وقف أمام الجنرال.. مكتوف الرسغين والقدمين بسلاسلَ من حديد، لكنه يعبث بين إصبعيه بقطعتين من النرد بلامبالاة مستهيناً ساخراً.. فسأله الجنرال:
- ما الذي أتى بك إلى بلادنا؟
- جئت لأسرق تحفة من أحد متاحفكم سيدي.. من دار الماخزين، أنوي سرقة الطربوش الأزرق المزخرف بالكوبالت والمينا.
- أبهذه البساطة!؟
- نعم سيدي.. و لقد استرحت من عناء السفر لديكم ثلاثة أيام، أظنها كافية كاستراحة لي ولابد أن أذهب الليلة لممارسة عملي الذي جئت من أجله.. مع خالص شكري لكم على استضافتي هذه الأيام الثلاثة.. فاستضافتكم المرحة المسلية ستظل محل تقديري.
- ما رأيك لو منحناك مطلبك دون عناء السرقة منك؟
- لا سيدي، أشكرك.. فمتعتي من التحف سرقتها وليس اقتنائها.. ولكن دعني أوافقك لأعرف المقابل الذي تطلبه نظير هديتك.
- عملية بسيطة... اغتيال فتاه دون أي إشارة لنا.. ستحظى بعدها بكل دعم تطلبه منا وبعد أن تنفذ مهمتك و تهدأ الأمور، سنسعى بكل إمكانياتنا لإسقاط جميع التهم لدى الإنتربول الدولي عنك، فما رأيك في هذه الصفقة؟
- صفقة رابحة بالنسبة لي.. رغم أن مهنتي المفضلة هي السرقة و لم أجرب مهنة القاتل المحترف قبل الآن.. ولكنها أحد أحلامي التي أريد أن أضيفها إلى سجلي.
- إذن! أنت توافق على تصفية هذه الفتاه المتمردة لصالحنا؟
- أهي جميلة؟
- بارعة الحسن و الجمال، ولكنها ناشطة حقوقية وسياسية كرصاصة خرجت من فوهة بندقية تكاد تصيبنا جميعاً.
صمت اللص صمتا لم يطـُل كثيراً ثم أعرب قائلاً للجنرال؛ أنا أوافق سيدي، سوف أقوم بالمهمة لأجلكم.. فأنا أكره الجميلات لأنهن نقطة ضعفي الوحيدة.. هاتِ ما عندك من معلومات عنها لأضع خطتي الليلة وأنا في طريقي للمطار فور انتهائي من سرقة المتحف.
- ألا زلتُ تُصر على سرقة المتحف حتى بعد أن قررنا منحك مبتغاك؟
- سيدي، مبتغاي المتعة وأنا أسرقه بيدي.
❤7👍5
- لا أعتقد أنك ستستطيع إتمام هذه السرقة... خاصة بعد علمنا بنواياك.
ابتسم اللص و هو يغادر غرفة الجنرال يرافقه الضابط إلى غرفة الأخير وجلس فيها أقل من الساعة.. علم فيها اللص كل المعلومات المتاحة عن مونيا العلوي و حصل على صورة حديثة لها.. وعنوانها في لندن.
وضع الزئبق الصورة في جيبه بعد أن تأملها وهمس لها؛ أنا آسف أيتها الفاتنة، ليس بيني وبينك ما يسوء ولكنه العمل عزيزتي ثم غادر السجن ليتوجه إلى المطار تحت رقابة رجال الأمن، إلا أن رجال الأمن بعد دقائق لم يجدوا للزئبق أثراُ و كأنه تبخر في الهواء فجأة، فظل رجال الأمن المراقبون يضربون أخماساً بأسداس حتى قـَرُبَ موعد إقلاع الطائرة المتجهة إلى لندن.. ليظهر الزئبق أمامهم في المطار فجأة كما أختفى فجأة وكأنه كان أمام أعينهم طوال الوقت شفافا غير مرئي.
ساعده الجنرال في إنهاء إجراءات دخوله للطائرة بسرعه ليلحق بها وما إن أقلعت الطائرة من مطار مراكش ودلف الجنرال إلى سيارته عائداً لمكتبه حتى سمع رنين تليفونه.
أجاب مُحـَدّثه ورفع حاجبيه ذهولاً حين أخبره المُحَدِّث بأن متحف دار الماخزين قد تمت سرقته منذ نصف الساعة.
****************************
ابتسم اللص و هو يغادر غرفة الجنرال يرافقه الضابط إلى غرفة الأخير وجلس فيها أقل من الساعة.. علم فيها اللص كل المعلومات المتاحة عن مونيا العلوي و حصل على صورة حديثة لها.. وعنوانها في لندن.
وضع الزئبق الصورة في جيبه بعد أن تأملها وهمس لها؛ أنا آسف أيتها الفاتنة، ليس بيني وبينك ما يسوء ولكنه العمل عزيزتي ثم غادر السجن ليتوجه إلى المطار تحت رقابة رجال الأمن، إلا أن رجال الأمن بعد دقائق لم يجدوا للزئبق أثراُ و كأنه تبخر في الهواء فجأة، فظل رجال الأمن المراقبون يضربون أخماساً بأسداس حتى قـَرُبَ موعد إقلاع الطائرة المتجهة إلى لندن.. ليظهر الزئبق أمامهم في المطار فجأة كما أختفى فجأة وكأنه كان أمام أعينهم طوال الوقت شفافا غير مرئي.
ساعده الجنرال في إنهاء إجراءات دخوله للطائرة بسرعه ليلحق بها وما إن أقلعت الطائرة من مطار مراكش ودلف الجنرال إلى سيارته عائداً لمكتبه حتى سمع رنين تليفونه.
أجاب مُحـَدّثه ورفع حاجبيه ذهولاً حين أخبره المُحَدِّث بأن متحف دار الماخزين قد تمت سرقته منذ نصف الساعة.
****************************
❤6
سارة جوزيف
ارتدت ملابسها وهي تراقب عقــارب الساعة، باقي نصف ساعة على اجتماعهن.. قدمت العشاء لكلبها المدلل وصدح الصوت اللبناني المختار هذا المساء زياد الرحباني...
تعي نقعد بالفي
مش لحدا هالفي
حبيني و فكري شوي
بلا ولا شي
وحدك...
بلا و لا شي
بلا كل أنواع تيابك
بلا كل شي في تزيين
بلا كل أصحاب صحابك
الثقلا والمهضومين
تعي نقعد بالفي
مش لحدا هالفي
حبيني و فكري شوي
أنه غريب الأطوار الأستاذ نبيه الساكن في الشقة المجاورة لها، صباحا موسيقى غربية وفي المساء أصوات لبنانية تثير حنين الرجل الخمسيني
(هل أحببت يوما؟) سألته يوما فضحك حتى احمر وجهه ودمعت عينيه وقال لها (ومازلت..)
وغمز بعينيه، ابتسمت لإياد الأمين عابس الوجه فرد الابتسامة وأغلقت باب شقتها فإذا بعمرو والد أية يمر متجاهلا وقوفها ليدخل عند نبيه، هل أيضا الرجال أصبح لديهم اجتماعات تخصهم؟ أخرجها من تساؤلاتها رنين هاتفها واسم (دايمون أدم) فردت بلهفة (أدم أهلا بك).
فرد غاضبا (تبا لك سارة جوزيف هل مازلت كالفارة في جحرك، تراقبين بصمت؟) سألته بدهشة (ماذا هناك آدم؟ لماذا أنت غاضب؟)
(الوقت يمضي وأنت لم تبعثي لي بورقة واحدة حتى يطمئن قلبي، هل كتبت شيئا أم مازلت في مرحلة المراقبة وجمع المعلومات؟..) (أدم..)
قاطعها بصوت أقل حدة فيه رجاء (منذ لقائي بمارك وحديثه عن هذه التركية وعمارتها وطبيعة ساكنيها ظهرت الفكرة، حملتك إياها وأيقنت بأنها ستولد على صفحاتك ولم أرَ لها ما سواك سارة.. لا تخذليني عزيزتي)
ابتسمت تتخيل قسمات وجهه الوسيم بائسا، قلقا من فشلها؛ فقالت له بصوت يحمل أكثر من معنى (أدم أنت أستاذي ومنك تعلمت القاعدة الأمريكية.. لا عداء دائم ولا صداقة مستمرة، المصلحة هي المهمة.. أعلم جيدا بأنك عندما تفقد الأمل في سوف تنهي اسم سارة جوزيف، فلا تستخدم حيلك علي لتبين لي أنك تستطيع أن تجد غيري.. فأنا كعباءة العربي تتنكر بها لتصل لما تريده.)
أنهت اتصالها ليلفت انتباهها هذا الغريب الذي يدخل العمارة وشاهدته اليوم يخرج منها قبل أن يفزعها صوت أستاذ نبيه من خلفها يدعوها على فنجان قهوة..
*************
انتهت الحلقة
قراءة ممتعة
ارتدت ملابسها وهي تراقب عقــارب الساعة، باقي نصف ساعة على اجتماعهن.. قدمت العشاء لكلبها المدلل وصدح الصوت اللبناني المختار هذا المساء زياد الرحباني...
تعي نقعد بالفي
مش لحدا هالفي
حبيني و فكري شوي
بلا ولا شي
وحدك...
بلا و لا شي
بلا كل أنواع تيابك
بلا كل شي في تزيين
بلا كل أصحاب صحابك
الثقلا والمهضومين
تعي نقعد بالفي
مش لحدا هالفي
حبيني و فكري شوي
أنه غريب الأطوار الأستاذ نبيه الساكن في الشقة المجاورة لها، صباحا موسيقى غربية وفي المساء أصوات لبنانية تثير حنين الرجل الخمسيني
(هل أحببت يوما؟) سألته يوما فضحك حتى احمر وجهه ودمعت عينيه وقال لها (ومازلت..)
وغمز بعينيه، ابتسمت لإياد الأمين عابس الوجه فرد الابتسامة وأغلقت باب شقتها فإذا بعمرو والد أية يمر متجاهلا وقوفها ليدخل عند نبيه، هل أيضا الرجال أصبح لديهم اجتماعات تخصهم؟ أخرجها من تساؤلاتها رنين هاتفها واسم (دايمون أدم) فردت بلهفة (أدم أهلا بك).
فرد غاضبا (تبا لك سارة جوزيف هل مازلت كالفارة في جحرك، تراقبين بصمت؟) سألته بدهشة (ماذا هناك آدم؟ لماذا أنت غاضب؟)
(الوقت يمضي وأنت لم تبعثي لي بورقة واحدة حتى يطمئن قلبي، هل كتبت شيئا أم مازلت في مرحلة المراقبة وجمع المعلومات؟..) (أدم..)
قاطعها بصوت أقل حدة فيه رجاء (منذ لقائي بمارك وحديثه عن هذه التركية وعمارتها وطبيعة ساكنيها ظهرت الفكرة، حملتك إياها وأيقنت بأنها ستولد على صفحاتك ولم أرَ لها ما سواك سارة.. لا تخذليني عزيزتي)
ابتسمت تتخيل قسمات وجهه الوسيم بائسا، قلقا من فشلها؛ فقالت له بصوت يحمل أكثر من معنى (أدم أنت أستاذي ومنك تعلمت القاعدة الأمريكية.. لا عداء دائم ولا صداقة مستمرة، المصلحة هي المهمة.. أعلم جيدا بأنك عندما تفقد الأمل في سوف تنهي اسم سارة جوزيف، فلا تستخدم حيلك علي لتبين لي أنك تستطيع أن تجد غيري.. فأنا كعباءة العربي تتنكر بها لتصل لما تريده.)
أنهت اتصالها ليلفت انتباهها هذا الغريب الذي يدخل العمارة وشاهدته اليوم يخرج منها قبل أن يفزعها صوت أستاذ نبيه من خلفها يدعوها على فنجان قهوة..
*************
انتهت الحلقة
قراءة ممتعة
❤7
الحربــــــاء.. والسطو
بالأمس، هناك بمنطقة فيكتوريان على خليج دوغلاس بلندن وعندما كانت الساعة في رسغ مستر "ريتشارد برنارد" تشير إلى الحادية عشر مساءاً.. وهو يجلس مستغرقاً في التفكير بغرفته بالطابق الأول بفندق "ويستيرن بالاس" فجأة انقطع التيار الكهربي لثواني معدودة ثم لم تلبث أن عادت الأضواء وسمع ريتشارد جلبة وضوضاء مصدرها صالة القمار بالطابق الذي يعلو غرفته ثم انطلقت صافرات رجال الشرطة تدوي في سكون الليل، فقام ريتشارد يستطلع الأمر من شرفة غرفته.. فإذا به يجد نفسه أمام هذه النـَمِرة التي قفزت من الطابق الثاني إلى شرفته.
إنها هي! هذه الفتاة الرشيقة صارخة الجمال، الفتاة التي وُلدت لا لشيء إلا لتسرق.
كل خلية من خلاياها احترفت السرقة بغير عناء، فهذه عيونها قد سرقت من البحر غموضه ومن السماء ألوانها وهتان شفتاها قد اختلست من الجوري لونه و رحيقه وها هما وجناتها قد جردت الياقوت من حُمرته و الشفق من سحره وقت الغروب وهذه خصلات شعرها الليلكي الفاحم ترقص بنعومة على ساحة المرمر الأبيض الناصع المُسمى جبين.
منذ لحظات كانت هذه الفاتنة تجلس مع جموع المقامرين حول طاولة البوكر وأكوام من دولارات الرهان مكدسة على حواف الطاولة، فإذا بها تقفز فجأة فرحةً بالفوز تهتف؛ رويال بلاك جاك؛ ثم تـلُقي على الطاولة أمام الجموع بكارت الآس ومدت يديها لتحتض أكداس الدولارات، فإذا بموزع الأوراق يهتف بها؛ توقفي! هذا خداع! ها هو الآس بيدي فكيف يكون معكِ!؟
رفعت يدها عن الطاولة ونظرت إلى موزع الأوراق بابتسامه تنحر الإرادة في نفوس الرجال في هذه اللحظة، وإذا بالكهرباء تنطفئ ليعود النور بعد ثواني وقد خلت الطاولة من كل سنت كان عليها وليس لهذه الجميلة الساحرة وجود، فـساد الهرج والمرج بالصالة وانطلق رجال الشرطة يعدون بصافراتهم في هذا المبني الضخم.
وقفت أمام ريتشارد في هدوء وسكينة وكأن شيئاً لم يكن.. باردة الأعصاب وبعينيها بريق المغامرة والمرح.
أزاحته بيدها قليلاً لتمر من باب الشرفة إلى داخل الغرفة وهي تحادثه و كأنها تعرفه منذ سنين بينما يسير هو خلفها متعجباً، يمطرها بوابل من الأسئلة..
- من أنتِ؟ لماذا دخلتِ غرفتي؟ ما الذي يحدث؟ ما سر هذه الجلبة بالفندق؟
دخلت تتهادى في هدوء إلى الغرفة وألقت بنفسها على الأريكة ثم قالت وهي ترفع له حاجبيها باستغراب ودهشة.
- من أنتِ؟ أهذا السؤال لي أنا؟ ألستَ من سكان لندن؟ لقد خذلتني أيها السيد! كنت أظن أني غنية عن التعريف حتى صفعتني بهذه الحقيقة المرة الآن، لقد خدشت مشاعري الرقيقة بقسوتك هذه.
جلس السيد ريتشارد أمامها وقد ضاقت عيناه فجأة كمن أقتنص فكرة كانت هاربة منه وقال لها وهو يصر على كلماته.
- لقد عرفت من أنتِ... أنتِ أحد لصوص الصالات بالتأكيد جئتِ للاختباء بشقتي حتى تهدأ مطاردتك.. أليس كذلك؟
- هو ذاك أيها العبقري، لكني لازلت أشعر بالإحباط من حديثك.. أنك تـُدمي مشاعري... أنا لست أحد اللصوص، أنا أميرتهم المتوجة يا سيد''
- ريتشارد، اسمي ريتشارد برنارد.. رئيس شركة إيداس للإنشاء والتعمير وقد ساقتك الأقدار لي في الوقت المناسب، فمنذ لحظات و قبل وصولك كنت أفكر في عقد صفقة مع أحد اللصوص ولا أظن أني سأجد من هي أبرع من أميرتهم، فما رأيك في العمل لصالحي؟
- أسمع أولاً و بعدها أقرر.
- الموضوع ببساطة أن إحدى الشركات الخليجية أعلنت عن مناقصة دولية لبناء عدد من المجمعات السكنية و الأبراج وشركتنا وكذا العديد من شركات البناء والتشييد بإنجلترا تـقوم بإعداد العروض المناسبة لهذه المناقصة وأهم شركة منافسة لشركتنا هي شركة برود واي ماليان للبناء وقد كلفت هذه الشركة أحد مهندسيها الأكفاء لإعداد هذه المناقصة.. هو شاب من بلد عربي أسمه خالد سعد وقد علمنا أنه انتهى من تصميم المنشآت وعروض أسعارها وهو يحفظ هذا الملف بفلاش ميموري بشقته.
- و ما هو دوري في هذه العملية؟! هل تطلب مني أن أغريه بفتنتي وجمالي واستنطقه بسحري فيكشف لي أسرار هذه التصميمات وعروض الأسعار، لقد أخطأت يا سيد ريتشارد، أنا لصة محترمة جداً ولستُ فتاة ليل.
- لا. لم أقصد هذا أيتها اللصة المحترمة، إنما قصدت فقط أن تسرقي لنا الفلاش ميموري قبل تقديم المناقصة ولك أن تحددي قيمة الشيك المطلوبة نظير هذا، فشركتي ستتعرض للإفلاس إن لم نفز بصفقة المباني هذه.
صمتت هُنيهة تفكر ثم قالت؛ لا بأس.. بعد الغد يكون الفلاش ميموري لديك وساعتها نتحدث عن نصيبي. فتهللت أسارير ريتشارد وراح يُلقنها بالمعلومات اللازمة عن المهندس خالد سعد وعنوان سكنه.
ولما أخذت منه كل المعلومات التي تريدها قالت في دلال وأنوثة وكأنها توجه إليه سؤالاً:
- أليس من طبيعة الرجل الجنتلمان أن يعزم ضيوفه على كأس من الويسكي!؟
بالأمس، هناك بمنطقة فيكتوريان على خليج دوغلاس بلندن وعندما كانت الساعة في رسغ مستر "ريتشارد برنارد" تشير إلى الحادية عشر مساءاً.. وهو يجلس مستغرقاً في التفكير بغرفته بالطابق الأول بفندق "ويستيرن بالاس" فجأة انقطع التيار الكهربي لثواني معدودة ثم لم تلبث أن عادت الأضواء وسمع ريتشارد جلبة وضوضاء مصدرها صالة القمار بالطابق الذي يعلو غرفته ثم انطلقت صافرات رجال الشرطة تدوي في سكون الليل، فقام ريتشارد يستطلع الأمر من شرفة غرفته.. فإذا به يجد نفسه أمام هذه النـَمِرة التي قفزت من الطابق الثاني إلى شرفته.
إنها هي! هذه الفتاة الرشيقة صارخة الجمال، الفتاة التي وُلدت لا لشيء إلا لتسرق.
كل خلية من خلاياها احترفت السرقة بغير عناء، فهذه عيونها قد سرقت من البحر غموضه ومن السماء ألوانها وهتان شفتاها قد اختلست من الجوري لونه و رحيقه وها هما وجناتها قد جردت الياقوت من حُمرته و الشفق من سحره وقت الغروب وهذه خصلات شعرها الليلكي الفاحم ترقص بنعومة على ساحة المرمر الأبيض الناصع المُسمى جبين.
منذ لحظات كانت هذه الفاتنة تجلس مع جموع المقامرين حول طاولة البوكر وأكوام من دولارات الرهان مكدسة على حواف الطاولة، فإذا بها تقفز فجأة فرحةً بالفوز تهتف؛ رويال بلاك جاك؛ ثم تـلُقي على الطاولة أمام الجموع بكارت الآس ومدت يديها لتحتض أكداس الدولارات، فإذا بموزع الأوراق يهتف بها؛ توقفي! هذا خداع! ها هو الآس بيدي فكيف يكون معكِ!؟
رفعت يدها عن الطاولة ونظرت إلى موزع الأوراق بابتسامه تنحر الإرادة في نفوس الرجال في هذه اللحظة، وإذا بالكهرباء تنطفئ ليعود النور بعد ثواني وقد خلت الطاولة من كل سنت كان عليها وليس لهذه الجميلة الساحرة وجود، فـساد الهرج والمرج بالصالة وانطلق رجال الشرطة يعدون بصافراتهم في هذا المبني الضخم.
وقفت أمام ريتشارد في هدوء وسكينة وكأن شيئاً لم يكن.. باردة الأعصاب وبعينيها بريق المغامرة والمرح.
أزاحته بيدها قليلاً لتمر من باب الشرفة إلى داخل الغرفة وهي تحادثه و كأنها تعرفه منذ سنين بينما يسير هو خلفها متعجباً، يمطرها بوابل من الأسئلة..
- من أنتِ؟ لماذا دخلتِ غرفتي؟ ما الذي يحدث؟ ما سر هذه الجلبة بالفندق؟
دخلت تتهادى في هدوء إلى الغرفة وألقت بنفسها على الأريكة ثم قالت وهي ترفع له حاجبيها باستغراب ودهشة.
- من أنتِ؟ أهذا السؤال لي أنا؟ ألستَ من سكان لندن؟ لقد خذلتني أيها السيد! كنت أظن أني غنية عن التعريف حتى صفعتني بهذه الحقيقة المرة الآن، لقد خدشت مشاعري الرقيقة بقسوتك هذه.
جلس السيد ريتشارد أمامها وقد ضاقت عيناه فجأة كمن أقتنص فكرة كانت هاربة منه وقال لها وهو يصر على كلماته.
- لقد عرفت من أنتِ... أنتِ أحد لصوص الصالات بالتأكيد جئتِ للاختباء بشقتي حتى تهدأ مطاردتك.. أليس كذلك؟
- هو ذاك أيها العبقري، لكني لازلت أشعر بالإحباط من حديثك.. أنك تـُدمي مشاعري... أنا لست أحد اللصوص، أنا أميرتهم المتوجة يا سيد''
- ريتشارد، اسمي ريتشارد برنارد.. رئيس شركة إيداس للإنشاء والتعمير وقد ساقتك الأقدار لي في الوقت المناسب، فمنذ لحظات و قبل وصولك كنت أفكر في عقد صفقة مع أحد اللصوص ولا أظن أني سأجد من هي أبرع من أميرتهم، فما رأيك في العمل لصالحي؟
- أسمع أولاً و بعدها أقرر.
- الموضوع ببساطة أن إحدى الشركات الخليجية أعلنت عن مناقصة دولية لبناء عدد من المجمعات السكنية و الأبراج وشركتنا وكذا العديد من شركات البناء والتشييد بإنجلترا تـقوم بإعداد العروض المناسبة لهذه المناقصة وأهم شركة منافسة لشركتنا هي شركة برود واي ماليان للبناء وقد كلفت هذه الشركة أحد مهندسيها الأكفاء لإعداد هذه المناقصة.. هو شاب من بلد عربي أسمه خالد سعد وقد علمنا أنه انتهى من تصميم المنشآت وعروض أسعارها وهو يحفظ هذا الملف بفلاش ميموري بشقته.
- و ما هو دوري في هذه العملية؟! هل تطلب مني أن أغريه بفتنتي وجمالي واستنطقه بسحري فيكشف لي أسرار هذه التصميمات وعروض الأسعار، لقد أخطأت يا سيد ريتشارد، أنا لصة محترمة جداً ولستُ فتاة ليل.
- لا. لم أقصد هذا أيتها اللصة المحترمة، إنما قصدت فقط أن تسرقي لنا الفلاش ميموري قبل تقديم المناقصة ولك أن تحددي قيمة الشيك المطلوبة نظير هذا، فشركتي ستتعرض للإفلاس إن لم نفز بصفقة المباني هذه.
صمتت هُنيهة تفكر ثم قالت؛ لا بأس.. بعد الغد يكون الفلاش ميموري لديك وساعتها نتحدث عن نصيبي. فتهللت أسارير ريتشارد وراح يُلقنها بالمعلومات اللازمة عن المهندس خالد سعد وعنوان سكنه.
ولما أخذت منه كل المعلومات التي تريدها قالت في دلال وأنوثة وكأنها توجه إليه سؤالاً:
- أليس من طبيعة الرجل الجنتلمان أن يعزم ضيوفه على كأس من الويسكي!؟
❤2👍2😢1
قام ريتشارد مسرعاً إلى مطبخ الشقة يشعر بالغبطة بعد أن عقد معها هذه الصفقة، يُمنِّي نفسه بليلة ساخنة مع هذه الفتنة الأسطورية التي هبطت عليه من السماء كزوار الأحلام ولكنه عاد بعد قليل.. لتسقط زجاجة الويسكي من يده عندما وجد الفتاة قد اختفت من الغرفة ولمح حقيبته مفتوحة، وليس بها ما كان بها من مال، ووجد عوضاً عنه بطاقة من أوراق اللعب مكتوبٌ عليه.
" شكراً ريتشارد، نلتقي بعد الغد، حار قـُبلاتي.. الحرباء."
******
" شكراً ريتشارد، نلتقي بعد الغد، حار قـُبلاتي.. الحرباء."
******
❤7
الحلقة الثانية
لين الطاهر
امتدّت يدا راشد بخفّةٍ إلى حِجابي الذي لازلتُ أرتديه حين غَفَوتُ على سَريري، وانتزَع الدبابيس برفقٍ ساحبًا حِجابي برقّةٍ مُتناهية؛ حِرصًا منه على ألاّ أستيقظ من نومي.. كنتُ لازلتُ مغمضةً عيناي وأنا أشعُر بشعري ينتشر على يدِ راشد، وقد تغلغلَت أنامِلُه السمراء لتُداعِب فروة رأسي بحرَكاتٍ رتيبة أرسلَت الاستِرخاءَ إلى نفسي المُعذَّبَة، و دونَ أن أشعُر أفلتَت منّي تنهيدةٌ مضطربة و قد شعرتُ بارتجافٍ يُهدّد بنَوبة بُكاءٍ جديدة....شعرتُ بعدَها بضغطٍ خفيفٍ على شفتيّ أرسل قشعريرةً في أوصالي، وهمستُ بحُزنٍ دونَ أن أستطيع فتح عيناي:
_ ر اا شـ..د..
فتحتُ عيناي بعد أن شعرتُ به يمسح على وجنتي، و أسرتني عيناه اللتان كانتا تحدّقان في وجهي الباكي بحنانٍ و شغَفٍ اشتقتُ إليهما، لكنني سُرعان ما تذكّرتُ ما حدث قبلَ نومي، فعادت التقطيبةُ ترتَسِم على جبيني، و استدرَكتُ قائلةً:
-كيف دخلتَ إلى هنا؟!
أجابني راشد و هو يتأمّل عبوسي، وشِبهُ ابتسامةٍ ترتسِم على وجهِه:
- بسهولةٍ حبيبتي.
لَم يعجبني جوابُه المُتهكِّم و قلتُ له:
- و لكنّها ليسَت المرّة الأولى التي أُغلقُ فيها غُرفتي فـ....
قاطعني راشد بابتسامة:
- و ليست المرّة الأولى التي أدخلُ فيها إلى الغرفة...الأمرُ بسيطٌ حيبتي؛ مفَكٌ كبير، و آخرٌ صَغير، وأُصبِحُ بجانِبِك..
أكمَلَ راشد و قد رأى علامات الاستفهامِ ترتَسِم على ملامِحِي التي يُدقِّق فيها:
- كنتُ أدخُل لأطمئِنّ عليكِ بعدَ نوباتِ غضبِك المُعتادة، لأجِدِك تنامين كالجميلةِ النائمة، لكنك لَم تكونِ تستيقظين عندما كنتُ أُقبّلك أيّتُها النائمة..
بدِفاعٍ أجبتُه:
- أولاً، أنا لَم أكُن أغضبُ بلا سبب، وأنت تعرِف أنّك كنت تصرُخ في وجهي وأنا لا أحتَمِلُ ذلك، ثُم أنّني أشُكّ أنك كنت تُقبّلني، لأنّي لَم أشعُر بأيٍّ منها، أو ربما كنت تتعمّد أن تُقبّلني بخِفّةٍ حِرصًا مِنك على عدَم إيقاظي لترتاح من صُحبتِي التي يبدو أنّها تبعث فيكَ الضجرَ و الملل و...
امتدّت أناملُ راشد نحوَ فمي الذي يُكيل له الاتهامات، و اقترَب مِن وجهي هامسًا بعَبَقِه الرُجوليِّ الخاص أمام فمي -الذي مازالت يدُه تُغطّيه- بمُداعبةٍ أفقدَتني تركيزي:
- أنا لا أمَلّ منك أبدًا ليني..أنت..
قطَع كلماته وهو يُبعِد أناملَه بخفّةٍ عن شفتيّ، وأمسَك بذقني رافعًا وجهي نحوَه، فيما امتدّت يدُه الأخرى خلفَ رأسي؛ ليسحبني نحوَه غامرًا إيّاي بقُبلةٍ أودَعَها شوقَه و حبَّه وأسفه ...نعم، أسَفه...هكذا شعُرت.
كنتُ أوّلَ من ابتعد وقد فرّت دمعةٌ على خدّي وأنا أقولُ له بصوتٍ مُتأثّرٍ بينما أبكي من الألمِ الذي اجتاحني لصُراخِه عليّ بتلك الطريقة:
- لقد أحرجتَني راشد، أحرجتني جدًا وأنت تصرخ في وجهي ونحنُ في الشارعِ أمامَ المارّة، لستُ طفلة لتُعاملني بهذه الطريقَةِ المُوبِّخَةِ لي!
لَم أستطِع التحمُّل، وأجهَشتُ بالبُكاءِ من جديدٍ وأنا أتذكّر ما حدث قبل قليل.
عادَ الغضبُ ليرتَسِم على وَجهِ راشد، وهو يشُدّ على أسنانِه مانِعًا نفسَه مِن الانفلاتِ مرّةً أخرى وقال:
- لين، لقد مررتُ بأسوأ صباحٍ على الإطلاق، و إن كنتِ تعتقدين أنني أحرجتُك، فأنتِ بالمُقابل قد أرعبتِنِي، حتى أنّى تركتُ المُستشفى دونَ أن أعتذِر عن العمليةِ المُتوجّب عليّ القيام بها، و قُدتُ سيارتي كالمجنون لأصِل إليكِ وأنا أبتَهِل إلى الله ألاّ يكون قد أصابك سوء.
كنتُ أستمِع إليه و قد صدمني ما سبّبتُه له مِن قلقٍ لَم أكُن أبدًا أقصدُه.
وحين رأى راشد ملامِحي وهي تلين، أكمَل بصَوتٍ أكثرَ لُطفًا:
- اتّصلتُ بك مِرارًا على الهاتفِ الأرضيّ لكنّك لَم تُجيبِي، فكرت بأنك ربما تستحمّين، أو ربما تُجفّفِين شعرك، وعاودتُ الاتصالَ بعدَها على هاتفِك المَحمول لكنّك لَم تُجيبِ أيضًا.. ثُم جُنّ جنوني حين اتّصلتُ مرة أخرى ووجدتُ الهاتفَ مُغلَق! لا تعرفين الأفكارَ التي عصِفَت بي، كِدتُ أموتُ من القلقِ عليكِ، وعندما عدتُ وجدتُك تسرحين مع أزهارِك، وأنا الغَبيّ كِدتُ أُصاب بجلطةٍ قلبيّةٍ خَوفًا عليكِ.. كَيف تُريدينني أن أتكلّم معِك برقّة في الوقتِ الذي أرغبُ فيه بصَفعِك؟!
فتحتُ عيناي و قد شعرتُ بذُعرٍ حقيقي مِن فكرةِ أن يصفعني راشد.. نظرتُ دونَ أن أنتبِه إلى يدَيه الكبيرتين، وفكّرتُ برُعبٍ أنّني ربما أموتُ لو فَعَلها؛ فهو قويٌ و... ثُم رفعتُ عيناي لوجهِه وقد أثارَت تعبيراتُه المُخيفة الرُعبَ في قلبي وشعرتُ براشد يتأمّلني و هو يستوعب الصدمةَ التي سبّبَها لي بكلماتِه، رأيت ملامِحَ وجهِه تكتَسِي باللُطف، وشعرتُ بأنفاسِه تهدأ وهو يأخذ نفسًا عميقًا طويلاً قبل أن يُكمل و قد أحاط كتفيّ بذِراعِه وشدّني إليه بينما يهُزّ رأسَه بعِتابٍ لي:
- و طبعًا عندما عُدت، وجدتُ الهاتفَ في دُرجِ المِنضدَةِ الصغيرةِ الموجودةِ بجانِبِ السرير مُغلَقًا؛ لأنّه فارغٌ من الشحنِ كالعادة!
حاولتُ أن أُدافع عن نفسي و أجِد الأعذارَ لراشد، فبلّلتُ شفتيّ بارتباكٍ وأنا أقولُ بصَوتٍ مَهزوز:
لين الطاهر
امتدّت يدا راشد بخفّةٍ إلى حِجابي الذي لازلتُ أرتديه حين غَفَوتُ على سَريري، وانتزَع الدبابيس برفقٍ ساحبًا حِجابي برقّةٍ مُتناهية؛ حِرصًا منه على ألاّ أستيقظ من نومي.. كنتُ لازلتُ مغمضةً عيناي وأنا أشعُر بشعري ينتشر على يدِ راشد، وقد تغلغلَت أنامِلُه السمراء لتُداعِب فروة رأسي بحرَكاتٍ رتيبة أرسلَت الاستِرخاءَ إلى نفسي المُعذَّبَة، و دونَ أن أشعُر أفلتَت منّي تنهيدةٌ مضطربة و قد شعرتُ بارتجافٍ يُهدّد بنَوبة بُكاءٍ جديدة....شعرتُ بعدَها بضغطٍ خفيفٍ على شفتيّ أرسل قشعريرةً في أوصالي، وهمستُ بحُزنٍ دونَ أن أستطيع فتح عيناي:
_ ر اا شـ..د..
فتحتُ عيناي بعد أن شعرتُ به يمسح على وجنتي، و أسرتني عيناه اللتان كانتا تحدّقان في وجهي الباكي بحنانٍ و شغَفٍ اشتقتُ إليهما، لكنني سُرعان ما تذكّرتُ ما حدث قبلَ نومي، فعادت التقطيبةُ ترتَسِم على جبيني، و استدرَكتُ قائلةً:
-كيف دخلتَ إلى هنا؟!
أجابني راشد و هو يتأمّل عبوسي، وشِبهُ ابتسامةٍ ترتسِم على وجهِه:
- بسهولةٍ حبيبتي.
لَم يعجبني جوابُه المُتهكِّم و قلتُ له:
- و لكنّها ليسَت المرّة الأولى التي أُغلقُ فيها غُرفتي فـ....
قاطعني راشد بابتسامة:
- و ليست المرّة الأولى التي أدخلُ فيها إلى الغرفة...الأمرُ بسيطٌ حيبتي؛ مفَكٌ كبير، و آخرٌ صَغير، وأُصبِحُ بجانِبِك..
أكمَلَ راشد و قد رأى علامات الاستفهامِ ترتَسِم على ملامِحِي التي يُدقِّق فيها:
- كنتُ أدخُل لأطمئِنّ عليكِ بعدَ نوباتِ غضبِك المُعتادة، لأجِدِك تنامين كالجميلةِ النائمة، لكنك لَم تكونِ تستيقظين عندما كنتُ أُقبّلك أيّتُها النائمة..
بدِفاعٍ أجبتُه:
- أولاً، أنا لَم أكُن أغضبُ بلا سبب، وأنت تعرِف أنّك كنت تصرُخ في وجهي وأنا لا أحتَمِلُ ذلك، ثُم أنّني أشُكّ أنك كنت تُقبّلني، لأنّي لَم أشعُر بأيٍّ منها، أو ربما كنت تتعمّد أن تُقبّلني بخِفّةٍ حِرصًا مِنك على عدَم إيقاظي لترتاح من صُحبتِي التي يبدو أنّها تبعث فيكَ الضجرَ و الملل و...
امتدّت أناملُ راشد نحوَ فمي الذي يُكيل له الاتهامات، و اقترَب مِن وجهي هامسًا بعَبَقِه الرُجوليِّ الخاص أمام فمي -الذي مازالت يدُه تُغطّيه- بمُداعبةٍ أفقدَتني تركيزي:
- أنا لا أمَلّ منك أبدًا ليني..أنت..
قطَع كلماته وهو يُبعِد أناملَه بخفّةٍ عن شفتيّ، وأمسَك بذقني رافعًا وجهي نحوَه، فيما امتدّت يدُه الأخرى خلفَ رأسي؛ ليسحبني نحوَه غامرًا إيّاي بقُبلةٍ أودَعَها شوقَه و حبَّه وأسفه ...نعم، أسَفه...هكذا شعُرت.
كنتُ أوّلَ من ابتعد وقد فرّت دمعةٌ على خدّي وأنا أقولُ له بصوتٍ مُتأثّرٍ بينما أبكي من الألمِ الذي اجتاحني لصُراخِه عليّ بتلك الطريقة:
- لقد أحرجتَني راشد، أحرجتني جدًا وأنت تصرخ في وجهي ونحنُ في الشارعِ أمامَ المارّة، لستُ طفلة لتُعاملني بهذه الطريقَةِ المُوبِّخَةِ لي!
لَم أستطِع التحمُّل، وأجهَشتُ بالبُكاءِ من جديدٍ وأنا أتذكّر ما حدث قبل قليل.
عادَ الغضبُ ليرتَسِم على وَجهِ راشد، وهو يشُدّ على أسنانِه مانِعًا نفسَه مِن الانفلاتِ مرّةً أخرى وقال:
- لين، لقد مررتُ بأسوأ صباحٍ على الإطلاق، و إن كنتِ تعتقدين أنني أحرجتُك، فأنتِ بالمُقابل قد أرعبتِنِي، حتى أنّى تركتُ المُستشفى دونَ أن أعتذِر عن العمليةِ المُتوجّب عليّ القيام بها، و قُدتُ سيارتي كالمجنون لأصِل إليكِ وأنا أبتَهِل إلى الله ألاّ يكون قد أصابك سوء.
كنتُ أستمِع إليه و قد صدمني ما سبّبتُه له مِن قلقٍ لَم أكُن أبدًا أقصدُه.
وحين رأى راشد ملامِحي وهي تلين، أكمَل بصَوتٍ أكثرَ لُطفًا:
- اتّصلتُ بك مِرارًا على الهاتفِ الأرضيّ لكنّك لَم تُجيبِي، فكرت بأنك ربما تستحمّين، أو ربما تُجفّفِين شعرك، وعاودتُ الاتصالَ بعدَها على هاتفِك المَحمول لكنّك لَم تُجيبِ أيضًا.. ثُم جُنّ جنوني حين اتّصلتُ مرة أخرى ووجدتُ الهاتفَ مُغلَق! لا تعرفين الأفكارَ التي عصِفَت بي، كِدتُ أموتُ من القلقِ عليكِ، وعندما عدتُ وجدتُك تسرحين مع أزهارِك، وأنا الغَبيّ كِدتُ أُصاب بجلطةٍ قلبيّةٍ خَوفًا عليكِ.. كَيف تُريدينني أن أتكلّم معِك برقّة في الوقتِ الذي أرغبُ فيه بصَفعِك؟!
فتحتُ عيناي و قد شعرتُ بذُعرٍ حقيقي مِن فكرةِ أن يصفعني راشد.. نظرتُ دونَ أن أنتبِه إلى يدَيه الكبيرتين، وفكّرتُ برُعبٍ أنّني ربما أموتُ لو فَعَلها؛ فهو قويٌ و... ثُم رفعتُ عيناي لوجهِه وقد أثارَت تعبيراتُه المُخيفة الرُعبَ في قلبي وشعرتُ براشد يتأمّلني و هو يستوعب الصدمةَ التي سبّبَها لي بكلماتِه، رأيت ملامِحَ وجهِه تكتَسِي باللُطف، وشعرتُ بأنفاسِه تهدأ وهو يأخذ نفسًا عميقًا طويلاً قبل أن يُكمل و قد أحاط كتفيّ بذِراعِه وشدّني إليه بينما يهُزّ رأسَه بعِتابٍ لي:
- و طبعًا عندما عُدت، وجدتُ الهاتفَ في دُرجِ المِنضدَةِ الصغيرةِ الموجودةِ بجانِبِ السرير مُغلَقًا؛ لأنّه فارغٌ من الشحنِ كالعادة!
حاولتُ أن أُدافع عن نفسي و أجِد الأعذارَ لراشد، فبلّلتُ شفتيّ بارتباكٍ وأنا أقولُ بصَوتٍ مَهزوز:
👍7❤1👏1
- و ماذا لو نسيتُ هاتفي؟ نسيانُ الهاتفِ المَحمول في المنزل حادثٌ عرَضِي قد يحصُل لأيٍّ كان، ألَم تنسَه أنتَ مرّةً في حياتِك؟!
بابتسامةٍ ساخرة أجابني باستخفاف:
- بالنّسبةِ لي شخصيًا لَم أنسَه في حياتي... أما إجابةً عن سؤالِك، فقد ينسى البعضُ هاتفَه، ولكن هل ينساه يا لين منذ الثامنةِ صباحًا و حتى الثانيةِ بعدَ الظُهر؟!
صمَتَ للحظةٍ قبل أن يُردِف و عيناه تُرسِلان إلي عيناي شرارات تحذيريّة، في الوقتِ الذي علا صوتُه مُنهيًا جِدالي معه:
- ستّةُ ساعاتٍ يا ليـــن؟ على أيِّ غَيمةٍ كنتِ تُحلّقين؟ و إلى أيِّ كَوكبٍ وصلتِ؟
اعتدلت في جِلوسي على سريرِنا، و ضمَمتُ يداي إلى صدري و برمتُ شفتاي، أقول له و أنا أُشيحُ بوَجهي عنه:
- هذا ما حصل دكتور راشد وإذا كنت على حق، ماذا بَعد؟! أنا لا أُحب صُراخَك في وجهي...وبالتأكيد كُنتُ على كَوكبٍ بعيدٍ عن همجيّةِ الرِّجال و خشونَتِهم الفِطريّة.
ثُم أدَرتُ وجهي نحوَه و أنا أرفَع ذقني و أقولُ في ثِقَةٍ كبيرةٍ و كِبرياءٍ لا أملِكهُما حقيقةً أمام سَطوةِ راشد:
- أنا لَن أُكلّمُك، و لا تتحدّث معي؛ لأنّك لَم تُصالحني بعد...
رفع راشد حاجبَيه استنكارًا و هو يقول بصوتِه الأجشّ، و قد ظهَر في كلماتِه الانفعالُ مرّةً أُخرى:
- و مَن يعتذِر عمّا سبّبتِه لي من قلقٍ و تَوتُّرٍ و هَلَعٍ كاد أن يُفقدني صوابي، اتّصَلتُ بزمِيلي و أنتِ نائمة؛ لأطلُب منه أن يقوم بالعمليّةِ عِوضًا عنّي، خرجتُ من المُستشفى و قد شلّ الخوفُ أطرافي و حتى بعد أن اطمأنَنتُ عليكِ، لَم أكُن بحالةٍ تسمح لي بإجراءِ عملية أو حتى العودة إلى المُستشفى، خصوصًا بعدَ دُخولِك المُنفَعِل إلى الغرفة و إغلاقِك الباب على نفسِك...لَم أعرِف كيف أتصرّف! كنتُ غاضبًا لين، غاضبًا جدًا..
للَحظاتٍ شعرتُ أن غضبَه سينالني مرّةً أخرى، وخِفتُ عليه حينَ رأيتُ انفعالَه، فاقترَبتُ منه ببُطء، ووضعتُ رأسي على كتِفِه وأنا أستنشِق رائحتَه التي أعشقُها، وأستشعر صلابةَ صدرِه العريضِ الدافئ، وقلتُ له بهَمسٍ حنونٍ وقد أحَطتُ خصرَه بذراعي مُقترِبَةً من جسدِه المُتصلِّب أكثرر:
- هل خِفت عليّ رشودي؟ حبيبي أنا آسفة لأنّني عطّلتُ يومَك، لم أقصِد..
رفعتُ رأسي لأنظُر إلى عَينَيه وقد شعرتُ بجسدِه يسترخي قليلاً، أرجوه بعينيّ أن يُسامحني وبهمسي الحنون:
- راشد أنا...
لم ينتظر منّي أن أُكمل، فقد أخذَني بين ذِراعَيه في عناقٍ حميمي دافئ و طويـــل، بثّ فيه حُبَه الغامِر والعميق لي وحدي، أميرة قلبِه الوحيدة، وابتسامة حياتِه الأبدية.
علا صوتُ هاتفِه الخاص بالمُستشفى مُعلنًا وصولِ رسالة، فابتعد عني بلُطفٍ مُقبّلاً جبيني بخفّة قبلَ أن يرفَع هاتفَه ليقرأ رسالتَه، ليُجري بعدَها مُكالَمةً هاتفيّة مع أحدِ الأطباء.
بهُدوءٍ شديدٍ انسحبتُ من سريرِنا، وتوجّهتُ نحوَ المطبخ لأُحضر لراشد كوبًا من عصيرِ البُرتُقال وقطعةً من الحلوى التي صنعتُها..(الألماسية) كما تُسميها أمي.
التفتُّ لأجِد أزهاري التي ابتعتُها موضوعةً في مزهريّة على طاولةِ المطبخ، فاقتربتُ لأستنشِق عبيرَها و أنا أشعر بامتِنانٍ لراشد على اهتمامِه بأزهاري.
دقائقٌ قليلةٌ مرّت قبلَ أن يدخُل راشد إلى المطبخ ويجلس في مكانِه المُعتاد، قدّمتُ له كوبَ العصير وقطعةً من حلوى الألماسية بمُكوّناتِها العربيّةِ الأصيلة التي عشقتُها من والدتي عندما كانت تطهوها، والجوُ يعبَقُ من حولِها برائحةِ ماءِ الزّهرِ العطرة.
غلبَني الحنينُ وأنا أتأمّل الفُستق الحلبيّ الذي زيّنتُ به الحلوى، وذكريات حُلوة مرّت في مُخيّلتي، فوجدتُ نفسي أقولُ بتلقائيّة:
- للألماسيّةِ التي تصنعُها ماما طَعمٌ آخر، ناهيكَ عن صَخَبِ إخوتي وهم يتسابقون أيّهم يملأ طبقَه أولاً، لتُنهي والدتي ذلك العِراك وهي تخُصّ والدي بأفضلِ طبَقٍ مُعلِنَةً بصَوتِها الحنون وبضَحِكَةٍ جميلة أنّها ما صنعَتها إلا له، يا الله كَم اشتقتُ لهم...
لَم أعِ أن دمعةً وحيدة تدحرَجَت على وجنتي إلاّ عندما شعرتُ بأنامل راشد وهي تمسحُها برقّة، وصوته الأجش الذي يمُدّني بارتياحٍ فريدٍ من نَوعِه يقول:
- الغُربةُ صعبةٌ يا لين، و أنا أُقدّرُ اشتياقَكِ الشديدَ لعائلتِك.
ابتسم برقّة ليُكمِل:
- لكن الألماسية التي تصنعينها لذيذةٌ أيضًا، وأنا بانتظارِ ذلك اليوم الذي ستخُصّينَني فيه بطبقِ ألماسية مُميّز تُبعدينه عن أيدي أطفالِنا!
نظرتُ إليه وقد استطاع بكلماتِه أن يسحرني، لكنّني استعَدتُ عبوسي وأجبتُه بغضب مُصطنع وأنا أدفعه برِفقٍ عنّي:
- من فضلِك، لا تُكلّمني؛ فأنا غاضبة مِنك لأنّك لَم تُراضِني بعد.
رفع راشد حاجبَيه استنكارًا و هو يعود إلى كوبِ العصير الذي على الطاولة، وسألني:
- و كيف سترضى السيدة (غاضبة)؟!
اقتربتُ منه وجلستُ على الكرسي المُجاوِرِ له، واحتضنتُ عضُدَه بينما أميلُ برأسي نحو كتِفِه، أهمس في أذنِه قبلَ أن أُقبّل وجنتَه بخفّة:
- أريدُ سِلسلةً ذهبيّة تحمِل كلمة (أميرتي).
شعرتُ براشد يتحرّك قليلاً لينظُر في عيناي، وسألني بتعجُّبٍ واضح:
بابتسامةٍ ساخرة أجابني باستخفاف:
- بالنّسبةِ لي شخصيًا لَم أنسَه في حياتي... أما إجابةً عن سؤالِك، فقد ينسى البعضُ هاتفَه، ولكن هل ينساه يا لين منذ الثامنةِ صباحًا و حتى الثانيةِ بعدَ الظُهر؟!
صمَتَ للحظةٍ قبل أن يُردِف و عيناه تُرسِلان إلي عيناي شرارات تحذيريّة، في الوقتِ الذي علا صوتُه مُنهيًا جِدالي معه:
- ستّةُ ساعاتٍ يا ليـــن؟ على أيِّ غَيمةٍ كنتِ تُحلّقين؟ و إلى أيِّ كَوكبٍ وصلتِ؟
اعتدلت في جِلوسي على سريرِنا، و ضمَمتُ يداي إلى صدري و برمتُ شفتاي، أقول له و أنا أُشيحُ بوَجهي عنه:
- هذا ما حصل دكتور راشد وإذا كنت على حق، ماذا بَعد؟! أنا لا أُحب صُراخَك في وجهي...وبالتأكيد كُنتُ على كَوكبٍ بعيدٍ عن همجيّةِ الرِّجال و خشونَتِهم الفِطريّة.
ثُم أدَرتُ وجهي نحوَه و أنا أرفَع ذقني و أقولُ في ثِقَةٍ كبيرةٍ و كِبرياءٍ لا أملِكهُما حقيقةً أمام سَطوةِ راشد:
- أنا لَن أُكلّمُك، و لا تتحدّث معي؛ لأنّك لَم تُصالحني بعد...
رفع راشد حاجبَيه استنكارًا و هو يقول بصوتِه الأجشّ، و قد ظهَر في كلماتِه الانفعالُ مرّةً أُخرى:
- و مَن يعتذِر عمّا سبّبتِه لي من قلقٍ و تَوتُّرٍ و هَلَعٍ كاد أن يُفقدني صوابي، اتّصَلتُ بزمِيلي و أنتِ نائمة؛ لأطلُب منه أن يقوم بالعمليّةِ عِوضًا عنّي، خرجتُ من المُستشفى و قد شلّ الخوفُ أطرافي و حتى بعد أن اطمأنَنتُ عليكِ، لَم أكُن بحالةٍ تسمح لي بإجراءِ عملية أو حتى العودة إلى المُستشفى، خصوصًا بعدَ دُخولِك المُنفَعِل إلى الغرفة و إغلاقِك الباب على نفسِك...لَم أعرِف كيف أتصرّف! كنتُ غاضبًا لين، غاضبًا جدًا..
للَحظاتٍ شعرتُ أن غضبَه سينالني مرّةً أخرى، وخِفتُ عليه حينَ رأيتُ انفعالَه، فاقترَبتُ منه ببُطء، ووضعتُ رأسي على كتِفِه وأنا أستنشِق رائحتَه التي أعشقُها، وأستشعر صلابةَ صدرِه العريضِ الدافئ، وقلتُ له بهَمسٍ حنونٍ وقد أحَطتُ خصرَه بذراعي مُقترِبَةً من جسدِه المُتصلِّب أكثرر:
- هل خِفت عليّ رشودي؟ حبيبي أنا آسفة لأنّني عطّلتُ يومَك، لم أقصِد..
رفعتُ رأسي لأنظُر إلى عَينَيه وقد شعرتُ بجسدِه يسترخي قليلاً، أرجوه بعينيّ أن يُسامحني وبهمسي الحنون:
- راشد أنا...
لم ينتظر منّي أن أُكمل، فقد أخذَني بين ذِراعَيه في عناقٍ حميمي دافئ و طويـــل، بثّ فيه حُبَه الغامِر والعميق لي وحدي، أميرة قلبِه الوحيدة، وابتسامة حياتِه الأبدية.
علا صوتُ هاتفِه الخاص بالمُستشفى مُعلنًا وصولِ رسالة، فابتعد عني بلُطفٍ مُقبّلاً جبيني بخفّة قبلَ أن يرفَع هاتفَه ليقرأ رسالتَه، ليُجري بعدَها مُكالَمةً هاتفيّة مع أحدِ الأطباء.
بهُدوءٍ شديدٍ انسحبتُ من سريرِنا، وتوجّهتُ نحوَ المطبخ لأُحضر لراشد كوبًا من عصيرِ البُرتُقال وقطعةً من الحلوى التي صنعتُها..(الألماسية) كما تُسميها أمي.
التفتُّ لأجِد أزهاري التي ابتعتُها موضوعةً في مزهريّة على طاولةِ المطبخ، فاقتربتُ لأستنشِق عبيرَها و أنا أشعر بامتِنانٍ لراشد على اهتمامِه بأزهاري.
دقائقٌ قليلةٌ مرّت قبلَ أن يدخُل راشد إلى المطبخ ويجلس في مكانِه المُعتاد، قدّمتُ له كوبَ العصير وقطعةً من حلوى الألماسية بمُكوّناتِها العربيّةِ الأصيلة التي عشقتُها من والدتي عندما كانت تطهوها، والجوُ يعبَقُ من حولِها برائحةِ ماءِ الزّهرِ العطرة.
غلبَني الحنينُ وأنا أتأمّل الفُستق الحلبيّ الذي زيّنتُ به الحلوى، وذكريات حُلوة مرّت في مُخيّلتي، فوجدتُ نفسي أقولُ بتلقائيّة:
- للألماسيّةِ التي تصنعُها ماما طَعمٌ آخر، ناهيكَ عن صَخَبِ إخوتي وهم يتسابقون أيّهم يملأ طبقَه أولاً، لتُنهي والدتي ذلك العِراك وهي تخُصّ والدي بأفضلِ طبَقٍ مُعلِنَةً بصَوتِها الحنون وبضَحِكَةٍ جميلة أنّها ما صنعَتها إلا له، يا الله كَم اشتقتُ لهم...
لَم أعِ أن دمعةً وحيدة تدحرَجَت على وجنتي إلاّ عندما شعرتُ بأنامل راشد وهي تمسحُها برقّة، وصوته الأجش الذي يمُدّني بارتياحٍ فريدٍ من نَوعِه يقول:
- الغُربةُ صعبةٌ يا لين، و أنا أُقدّرُ اشتياقَكِ الشديدَ لعائلتِك.
ابتسم برقّة ليُكمِل:
- لكن الألماسية التي تصنعينها لذيذةٌ أيضًا، وأنا بانتظارِ ذلك اليوم الذي ستخُصّينَني فيه بطبقِ ألماسية مُميّز تُبعدينه عن أيدي أطفالِنا!
نظرتُ إليه وقد استطاع بكلماتِه أن يسحرني، لكنّني استعَدتُ عبوسي وأجبتُه بغضب مُصطنع وأنا أدفعه برِفقٍ عنّي:
- من فضلِك، لا تُكلّمني؛ فأنا غاضبة مِنك لأنّك لَم تُراضِني بعد.
رفع راشد حاجبَيه استنكارًا و هو يعود إلى كوبِ العصير الذي على الطاولة، وسألني:
- و كيف سترضى السيدة (غاضبة)؟!
اقتربتُ منه وجلستُ على الكرسي المُجاوِرِ له، واحتضنتُ عضُدَه بينما أميلُ برأسي نحو كتِفِه، أهمس في أذنِه قبلَ أن أُقبّل وجنتَه بخفّة:
- أريدُ سِلسلةً ذهبيّة تحمِل كلمة (أميرتي).
شعرتُ براشد يتحرّك قليلاً لينظُر في عيناي، وسألني بتعجُّبٍ واضح:
❤3👍2
- نـعــم؟! و مِن أين أُحضِرُها ونحنُ في لندن؟! لو كنتُ في الأردن لكان الأمرُ بسيطًا ثُم من أين أتيتِ بهذه الفكرة؟!
نظر مليًا في عينيّ اللّتَين تتهربان من النظرِ إلى عينَيه، ليُكمل قائلاً وهو يُمسِك بذقني ليُثبّت رأسي ويتفرّس في عينيّ بقُوّة:
- انتظري، أنا من سيُخبرُك، هل قرأتِها في رواية؟
أغلقتُ عيناي و أنا أعضّ على شفتي السُفلى بينما حرّكتُ له رأسي بالمُوافقَة:
- نعم في رواية (رُبما يومًا ما) للكاتبةِ التي أُحبّها...
تنهيدةٌ طويلةٌ أطلقَها راشد و هو ينظُر نحوَ السقف، ثُم عاوَد النظرَ إليّ و أنا أُرفرِف برُموشي الطويلة له، وأردف قائلاً:
- حسنًا يا (أميرتي) لَن أستطيع إحضارَها لكِ، على الأقلّ في الوقتِ الحالي، فأنا لا أعرِف سِوى سُوقِ الصّاغَة في عمّان.
كنتُ أميلُ بخفّةٍ نحو صدرِه العريض فيما كان يُحادثني، ثم و برِقّةٍ شديدةٍ دفنتُ وجهي في صدرِه، وأنا أختبئ من نظراتِه المُتعجِّبة وأحتمي في أحضانِه من أيِّ انفعالٍ قد يصدُر منه و يُكدّرني، همستُ له وأنا مُتعلِّقةٌ به:
- عِدني أن تُحضِرها لي، ألَم تُخبرني مِرارًا أنّني أميرَتُك؟
كان راشد يُسيطِر على أنفاسِه بصُعوبة وهو يشُدّني نحوَه، بينما يداه تضغطان بقُوّةٍ على ظهري مُقرّبًا إيّاي منه أكثر، وسألني بصَوتِه الأجشّ انفعالاً:
- هل ستذهبين لاجتماع الجارات يا لين؟
أجبتُه بحماسٍ و سعادةٍ حقيقيّة:
- نعم، بالتأكيد، أُحِبّ جاراتي يا راشد؛ فهُن في غايَةِ اللُطفِ معي، أشعُر أنّهن أخواتِي، وأتمنّى أن أتعلّم منهُنّ الكثير؛ فلكُلٍ منهُن شخصيّة ساحرة بطريقتِها الخاصة.
ابتسم راشد على حماسي وبلُطفٍ شديدٍ دفعَني عنه، لينهض واقفًا وهو يقول لي:
- استعدّي حبيبتي، وتعالَي لأُريكِ شيئًا فريدًا وخاصًا جدًا.
بعدَ نِصفِ ساعةٍ خرجتُ مِن غُرفتي وأنا أرتدي طقمًا جميلاً باللّونِ الأزرقِ المَلكيّ وارتديتُ معه حِجابًا مُناسِبًا بألوانٍ هادئة، وزيّنتُ وجهي بلمساتٍ بسيطةٍ أضفَت لعيناي تألُّقًا ولمعانًا جذّابًا...كان راشد يتأمّلني بإعجابٍ واضِحٍ وهو يربّت على المقعد المُجاور له على الأريكةِ لأجلِس بجانبِه فيما حملَت يدُه الأخرى كيسًا صغيرًا من قُماشِ المُخمَلِ الأسود.
نظرةُ التساؤلِ التي وجّهتُها نحوَه جعلَته يتناول كفّي ليضَعَ الكيسَ الصغيرَ فيه، أحسَستُ بأن هُناك ثقلٌ بسيطٌ فيه لشيءٍ لَم أعرِف ما هو، نظرتُ لعيني راشد الذي قال لي مُشجِّعًا:
- افتحيه ليني... هذه هديّتي لكِ.
بأصابعٍ رقيقةٍ مُرتجِفة فتحتُ الكيسَ الصغيرَ لأُخرِج منه -و لدهشتي- ساعةَ جيبٍ تبدو قديمة لكن جميلةً جدًا بلَونِها الذهبيّ وأرقامِها البرّاقة وشكلِها الرّاقي. شهقَةٌ خافِتَةٌ أطلقتُها و أنا أقولُ بإعجابٍ كبير:
- يا الله! ما أجمـلُهـا راشد!
أجابَني راشِد بفَخرٍ وكبرياءٍ مُحبّبَة وهو يتحدّث عن جَدّه المُتوفَّى:
- إنّها هديّةٌ من جدّي الذي أعطاها له جدُه؛ فأنا الابنُ البِكر لابنِه البِكر، وهذه الساعة أثريّةٌ جدًا، وهي من ماركة Moeris المشهورة ..أعتقِد أن عُمرَها مائةُ عام.
تأمّلتُها بانبهارٍ وأنا أُجيبُه:
- إنّها رائعة راشد ويبدو أنها قيِّمةٌ جدًا.
أومأ راشد برأسِه علامةَ المُوافقَة:
- نعم، إنّها تُقدَّر بقيمةِ مائتَي وخمسين ألف دولار تقريبًا ولكنّها طبعًا ليسَت للبَيع؛ هي إرثٌ عائليّ نتوارثُها في عائلتِنا، وأنا أعُطيها لكِ يا لين، لنُعطِيها معًا لابنِنا البِكر حينَ يتزوّج إن شاء الله.
ترَقرَقَت عيناي بالدموع وأنا أقول بتأثُّرٍ عميقٍ وبمشاعِرٍ جيّاشة:
- حبيبي، أرجوك أبقِها معَك؛ فأنا أخافُ أن أحتفِظ بها..
ضحِك راشد بخُفوتٍ ماكِر، ثم قال بهَمسٍ حنون:
- في هذه، معِك حق يا لين..
و أردف بابتسامةٍ ساخِرةٍ حين رأى عيناي تشعّان بتمرُّدٍ وأنا أقِف لأبتعِد عنه:
- انتظري...ألَن تأخُذي معك قالب الحلوى الذي أعددتِه؟!
تجاهلتُه ودخلتُ مطبخي لأُخرِج قالبَ الحلوى الذي صنعتُه خِصّيصًا للِقاءِ صديقاتي وقد زيّنتُه بطَريقةٍ حُلوة و غلّفتُه بأناقة.
كنتُ أراقِب راشد بطَرَفِ عيني يفتح إحدى الخزائن ليضعَ فيها ساعتَه الثمينة، فيما يبتسِم بمكرٍ لي كُلما التقَت عيناي بعينَيه الحادّتَين...حملتُ القالبَ بيديّ الاثنتَين واتّجهتُ نحوَ الباب لألحق بموعدي بينما أُحاول تجاهل نظراته علّه يُدرِك أن اتّهامَه لَم يُعجبني....توجّه نحوي وأمسكني من كتفي برقّة مُنتهِزًا فُرصة أنّني لَن أبتعِد خشيةَ وُقوعِ الحلوى التي صنعتُها، وقبّل وجنتي، يقول لي بحنانٍ وهو يفتَح لي الباب:
- استمتعي بوقتِك حبيبتي.
و أكمل بعدَ أن غمزَ لي وابتسامةٌ لَعوبٌ تلوحُ على وجهِه:
- سأكونُ بانتظارِك ليني.
بابتسامةٍ خجولةٍ ومُشرِقة، خرجتُ مِن بيتي لأتّجِه إلى بيتِ صديقتي زينب التي أُحبّها جدًا، وأنا أشعُر بالسّعادةِ قد ملأت قلبي بالفِعل؛ لمُجرّدِ التقائي مع صَديقاتي الرّائعات اللواتي أستمتِع بصُحبَتِهنّ وبأحاديثِهنّ.
*********
نظر مليًا في عينيّ اللّتَين تتهربان من النظرِ إلى عينَيه، ليُكمل قائلاً وهو يُمسِك بذقني ليُثبّت رأسي ويتفرّس في عينيّ بقُوّة:
- انتظري، أنا من سيُخبرُك، هل قرأتِها في رواية؟
أغلقتُ عيناي و أنا أعضّ على شفتي السُفلى بينما حرّكتُ له رأسي بالمُوافقَة:
- نعم في رواية (رُبما يومًا ما) للكاتبةِ التي أُحبّها...
تنهيدةٌ طويلةٌ أطلقَها راشد و هو ينظُر نحوَ السقف، ثُم عاوَد النظرَ إليّ و أنا أُرفرِف برُموشي الطويلة له، وأردف قائلاً:
- حسنًا يا (أميرتي) لَن أستطيع إحضارَها لكِ، على الأقلّ في الوقتِ الحالي، فأنا لا أعرِف سِوى سُوقِ الصّاغَة في عمّان.
كنتُ أميلُ بخفّةٍ نحو صدرِه العريض فيما كان يُحادثني، ثم و برِقّةٍ شديدةٍ دفنتُ وجهي في صدرِه، وأنا أختبئ من نظراتِه المُتعجِّبة وأحتمي في أحضانِه من أيِّ انفعالٍ قد يصدُر منه و يُكدّرني، همستُ له وأنا مُتعلِّقةٌ به:
- عِدني أن تُحضِرها لي، ألَم تُخبرني مِرارًا أنّني أميرَتُك؟
كان راشد يُسيطِر على أنفاسِه بصُعوبة وهو يشُدّني نحوَه، بينما يداه تضغطان بقُوّةٍ على ظهري مُقرّبًا إيّاي منه أكثر، وسألني بصَوتِه الأجشّ انفعالاً:
- هل ستذهبين لاجتماع الجارات يا لين؟
أجبتُه بحماسٍ و سعادةٍ حقيقيّة:
- نعم، بالتأكيد، أُحِبّ جاراتي يا راشد؛ فهُن في غايَةِ اللُطفِ معي، أشعُر أنّهن أخواتِي، وأتمنّى أن أتعلّم منهُنّ الكثير؛ فلكُلٍ منهُن شخصيّة ساحرة بطريقتِها الخاصة.
ابتسم راشد على حماسي وبلُطفٍ شديدٍ دفعَني عنه، لينهض واقفًا وهو يقول لي:
- استعدّي حبيبتي، وتعالَي لأُريكِ شيئًا فريدًا وخاصًا جدًا.
بعدَ نِصفِ ساعةٍ خرجتُ مِن غُرفتي وأنا أرتدي طقمًا جميلاً باللّونِ الأزرقِ المَلكيّ وارتديتُ معه حِجابًا مُناسِبًا بألوانٍ هادئة، وزيّنتُ وجهي بلمساتٍ بسيطةٍ أضفَت لعيناي تألُّقًا ولمعانًا جذّابًا...كان راشد يتأمّلني بإعجابٍ واضِحٍ وهو يربّت على المقعد المُجاور له على الأريكةِ لأجلِس بجانبِه فيما حملَت يدُه الأخرى كيسًا صغيرًا من قُماشِ المُخمَلِ الأسود.
نظرةُ التساؤلِ التي وجّهتُها نحوَه جعلَته يتناول كفّي ليضَعَ الكيسَ الصغيرَ فيه، أحسَستُ بأن هُناك ثقلٌ بسيطٌ فيه لشيءٍ لَم أعرِف ما هو، نظرتُ لعيني راشد الذي قال لي مُشجِّعًا:
- افتحيه ليني... هذه هديّتي لكِ.
بأصابعٍ رقيقةٍ مُرتجِفة فتحتُ الكيسَ الصغيرَ لأُخرِج منه -و لدهشتي- ساعةَ جيبٍ تبدو قديمة لكن جميلةً جدًا بلَونِها الذهبيّ وأرقامِها البرّاقة وشكلِها الرّاقي. شهقَةٌ خافِتَةٌ أطلقتُها و أنا أقولُ بإعجابٍ كبير:
- يا الله! ما أجمـلُهـا راشد!
أجابَني راشِد بفَخرٍ وكبرياءٍ مُحبّبَة وهو يتحدّث عن جَدّه المُتوفَّى:
- إنّها هديّةٌ من جدّي الذي أعطاها له جدُه؛ فأنا الابنُ البِكر لابنِه البِكر، وهذه الساعة أثريّةٌ جدًا، وهي من ماركة Moeris المشهورة ..أعتقِد أن عُمرَها مائةُ عام.
تأمّلتُها بانبهارٍ وأنا أُجيبُه:
- إنّها رائعة راشد ويبدو أنها قيِّمةٌ جدًا.
أومأ راشد برأسِه علامةَ المُوافقَة:
- نعم، إنّها تُقدَّر بقيمةِ مائتَي وخمسين ألف دولار تقريبًا ولكنّها طبعًا ليسَت للبَيع؛ هي إرثٌ عائليّ نتوارثُها في عائلتِنا، وأنا أعُطيها لكِ يا لين، لنُعطِيها معًا لابنِنا البِكر حينَ يتزوّج إن شاء الله.
ترَقرَقَت عيناي بالدموع وأنا أقول بتأثُّرٍ عميقٍ وبمشاعِرٍ جيّاشة:
- حبيبي، أرجوك أبقِها معَك؛ فأنا أخافُ أن أحتفِظ بها..
ضحِك راشد بخُفوتٍ ماكِر، ثم قال بهَمسٍ حنون:
- في هذه، معِك حق يا لين..
و أردف بابتسامةٍ ساخِرةٍ حين رأى عيناي تشعّان بتمرُّدٍ وأنا أقِف لأبتعِد عنه:
- انتظري...ألَن تأخُذي معك قالب الحلوى الذي أعددتِه؟!
تجاهلتُه ودخلتُ مطبخي لأُخرِج قالبَ الحلوى الذي صنعتُه خِصّيصًا للِقاءِ صديقاتي وقد زيّنتُه بطَريقةٍ حُلوة و غلّفتُه بأناقة.
كنتُ أراقِب راشد بطَرَفِ عيني يفتح إحدى الخزائن ليضعَ فيها ساعتَه الثمينة، فيما يبتسِم بمكرٍ لي كُلما التقَت عيناي بعينَيه الحادّتَين...حملتُ القالبَ بيديّ الاثنتَين واتّجهتُ نحوَ الباب لألحق بموعدي بينما أُحاول تجاهل نظراته علّه يُدرِك أن اتّهامَه لَم يُعجبني....توجّه نحوي وأمسكني من كتفي برقّة مُنتهِزًا فُرصة أنّني لَن أبتعِد خشيةَ وُقوعِ الحلوى التي صنعتُها، وقبّل وجنتي، يقول لي بحنانٍ وهو يفتَح لي الباب:
- استمتعي بوقتِك حبيبتي.
و أكمل بعدَ أن غمزَ لي وابتسامةٌ لَعوبٌ تلوحُ على وجهِه:
- سأكونُ بانتظارِك ليني.
بابتسامةٍ خجولةٍ ومُشرِقة، خرجتُ مِن بيتي لأتّجِه إلى بيتِ صديقتي زينب التي أُحبّها جدًا، وأنا أشعُر بالسّعادةِ قد ملأت قلبي بالفِعل؛ لمُجرّدِ التقائي مع صَديقاتي الرّائعات اللواتي أستمتِع بصُحبَتِهنّ وبأحاديثِهنّ.
*********
👍5❤2
خولة سعود
بعد ساعتَين من ارتداءِ الملابس و تصفِيفِ الشَّعر مِن أجلِ اجتماعِ نون، والذي سيكونُ بعدَ ثُلثِ ساعة، جلستُ على الأريكة بجِوارِ أسعد وأشرف اللذَين كانا يُشاهدان الرسومَ المُتحرِّكَة، وبدأت بترتيب حقيبتي البُنيّة الواسعة. أخرَجتُ الكثيرَ منها، ووضعتُ بدلاً من ذلك علبة من الشوكولا، والتي ذكّرَتني بقصّتِها؛ فقبلَ يومَين، واتتني رغبةٌ قويّةٌ في حَبْكِ مؤامرَةٍ جديدة، بالتأكيد جديدة؛ لأنّني في الماضي حاوَلتُ صُنعَ مؤامراتٍ عديدة لكنّها باءَت جميعها بالفشل، أنا أرى أنّه من الغريبِ أن امرأةً بخبرَتِي لا تُجيد ذلك! بالطبع انسقتُ وراءَ رغبتي، وأخذت أُفكّر في نَوعِ المؤامرة، وقبلَ ذلك، مَن هو الشخص الذي سأتآمَر عليه؟! حينها رأيتُ في التلفاز إعلانًا لشوكولا، فقررتُ أن أحبك مؤامرةً صغيرةً تُسعِد ديمة التي هي إحدى جاراتي في هذه العِمارة، والتي تعشق الشوكولا.
قُمتُ حينِها بأخذِ مَصروفي لهذا الشّهرِ من خالد، وأعطيتُه كلّه لصديقتي جيني زوجة إدوارد وطلبتُ منها أن تشتري لي أفخمَ شوكولا في لندن، كما أعطيتُها بطاقةً وطلبتُ منها أن تجعلَ إدوارد يكتُب فيها إهداءً إلى خالد وقلت لها (اجعلي المتجرَ الذي تشتَرِين منه الشوكولا، يُثبّت البطاقةَ على العلبة قبلَ أن يُغلِّفها) وهكذا سأُعطي علبةَ الشوكولا لديمة بحُجّةِ أنّي لا أنا ولا خالد –و هذه حقيقة تعرِفُها- نُحبّ الشوكولا، وبالتأكيد مَمنوعٌ على طفليّ أن يأكُلا شوكولا قبلَ أن يُتما السنتَين.
في الحقيقة فكرتُ في أن أشتري حلوَى لطِفلَيها عِماد و بسمة، لكنّي تراجَعتُ (ولِمَ أصرِف على أولادِ إياد الذي أكرهُه؟! ليشتري هو لهما!)
خرجتُ من شُرودي في القصة، لأجِد أشرَف وقد أخرَج علبةَ الشوكولا، وبدأ يُقطر فوقَها قطرات من زُجاجةِ حليبِه، صرَختُ فيه وأنا أنتزِع العلبةَ مِن بينِ يدَيه ولَم أُبالِ ببُكائِه، بل سحبتُ بضعة مناديلٍ من على الطاولة وقمتُ بمَسحِ العلبة ثم قلبتُها وبدأتُ أمسح برِقّة لكن يدي تجمّدت مكانَها عندما مرّتْ عيني على مُكوِّنات الشوكولا، وقرأتْ (بربون) و(جين).
يا للروعة! فها قد فشلَت مؤامرَتي كسابقاتِها؛ فهل يُعقل أن أعطي امرأةً مُسلِمة شوكولا مصنوعة بالخُمور؟! رمَيتُ العلبةَ بغَضَبٍ لتقَعَ على الأرض، واحتضَنتُ ابني الذي صرختُ عليه من أجل لا شيء.
مِن أكبرِ نِعَمِ العَيشِ في بلَدٍ إسلامي هو أن المَرءَ لا يخاف مِن أن يأكُل أو يشرب حرامًا، وما حدَث معي في سَنَتي الأولى في لندن خيرُ دليل؛ فبعدَ خَمسةِ أشهُرٍ من سفرِنا إلى لندن، ذهبتُ مع جيني إلى مركزِ تسوُّق، وفي أثناءِ انشغالِها في قياسِ فستان، سبقتُها إلى أحدِ محلاتِ الوجباتِ السريعة ولأنّ لُغَتي الإنجليزية كانت سيّئةً في ذلك الوقت، فقد طلبتُ أوّلَ هامبرغر كان مكتوبًا في قائمةِ الطعام مع كولا وأكلتُ بنَهَمٍ لأنّي كنتُ جائعة وبعدها بثلاثةِ أيّامٍ أخذتُ خالد لنَفسِ المكان وأنا أتبجّح بأنّهم يُبيعون أطيب هامبرغر، ليُخبرني بابتسامةٍ مُواسِيَة -بعد أن قرأ القائمة- أن ما أكلتُه كان هامبرغر بلَحمِ الخِنزير. بالطبع أُصِبتُ بصَدمةٍ شديدة وأخذتُ أُطالِب بطَريقَةٍ للعودة إلى السعودية لكن ثورَتي هدأَت عندما كتَبَ لي خالد قائمةً طويلةً بالأسماءِ المُختلفة للَحمِ الخِنزير ولكُلِ أنواعِ المَشروباتِ الكُحولّية، لأحفظُها وأتجنّبُها، و بالطبع فإنّ مِن ضمنِ القائمة، مَشروبُ البربون و مَشروبُ الجين.
نهضتُ عن الأريكة ووضعتُ أشرف بجِوارِ أخيه، ثم سِرتُ والتقطتُ علبةَ الشوكولا، وأخذتُها معي إلى المطبخ لأرميها في سلّة المُهمَلات.
التفتُّ خارجة، فلاحظتُ ذاكرةَ التخزينِ على الطاولة، تأمّلتُها مُتذكِّرَةً تفاني خالد في عملِه الصعب والذي يتطلّب منه في كثيرٍ من الأحيانِ العملَ في أيّامِ السبت كحالِه الآن.
الحديثُ عن خالِد قادني إلى ريتشيل، التي أدركتُ -بعدَ تَفكيرٍ عميق- أنّ شُكوكي حولَها هي سخافَة لأبعدِ دَرَجة؛ فخالِد يُحبّني، وريتشيل رائعة وأعتقدُ أنّها مُهتمّةٌ بشابٍ تُركيٍّ نَسيتُ اسمَه. أمسكتُ بذاكرةِ التخزينِ لأُخبِئُها في مكانٍ أعتبِره آمِنًا جدًا؛ فكَونِي امرأة تفهَم كُلَ ما يخُصّ المُؤامرَة، فإنّي اشترَيتُ خزنتَين حديديّتَين، الأولى أضعُها في دولابِ خالِد، والتي تحوي بِضعَةَ أُلوف، وصُوَر مِن شهاداتِ ميلاد طِفليّ، ومُستنداتٍ لخالد، فإذا تسلل لِصٌ للشقّة؛ فإنّ مَوقِعَها ومُحتوياتها ستُوحيان له بأنّ هذه هي خِزانتَنا ولا يُدرِك أنّنا نملِك خزنَةً ثانية، والتي أضعُها في إحدى خِزانات المَطبَخِ خلفَ الأطعِمَةِ المُعلّبَة، هذه الخزنَة هي كنزُنا بالطَبع؛ ففِيها الكثير مِن الأشياءِ المُهمّة، مِثل مُسدّسِ خالد، وجوازاتنا، وشهاداتِ مِيلادِ طِفلَيّ، وها أنا الآن أضَعُ فيها ذاكرةَ التَّخزين.
سَمِعتُ بابَ الشقّةِ يُفتَح، فخرجتُ من المطبَخ لأرى خالِد ينزِعَ مِعطفَه، قلت له باسمةً: "كَم أُحِبّ دِقّة مَواعِـ..."
بعد ساعتَين من ارتداءِ الملابس و تصفِيفِ الشَّعر مِن أجلِ اجتماعِ نون، والذي سيكونُ بعدَ ثُلثِ ساعة، جلستُ على الأريكة بجِوارِ أسعد وأشرف اللذَين كانا يُشاهدان الرسومَ المُتحرِّكَة، وبدأت بترتيب حقيبتي البُنيّة الواسعة. أخرَجتُ الكثيرَ منها، ووضعتُ بدلاً من ذلك علبة من الشوكولا، والتي ذكّرَتني بقصّتِها؛ فقبلَ يومَين، واتتني رغبةٌ قويّةٌ في حَبْكِ مؤامرَةٍ جديدة، بالتأكيد جديدة؛ لأنّني في الماضي حاوَلتُ صُنعَ مؤامراتٍ عديدة لكنّها باءَت جميعها بالفشل، أنا أرى أنّه من الغريبِ أن امرأةً بخبرَتِي لا تُجيد ذلك! بالطبع انسقتُ وراءَ رغبتي، وأخذت أُفكّر في نَوعِ المؤامرة، وقبلَ ذلك، مَن هو الشخص الذي سأتآمَر عليه؟! حينها رأيتُ في التلفاز إعلانًا لشوكولا، فقررتُ أن أحبك مؤامرةً صغيرةً تُسعِد ديمة التي هي إحدى جاراتي في هذه العِمارة، والتي تعشق الشوكولا.
قُمتُ حينِها بأخذِ مَصروفي لهذا الشّهرِ من خالد، وأعطيتُه كلّه لصديقتي جيني زوجة إدوارد وطلبتُ منها أن تشتري لي أفخمَ شوكولا في لندن، كما أعطيتُها بطاقةً وطلبتُ منها أن تجعلَ إدوارد يكتُب فيها إهداءً إلى خالد وقلت لها (اجعلي المتجرَ الذي تشتَرِين منه الشوكولا، يُثبّت البطاقةَ على العلبة قبلَ أن يُغلِّفها) وهكذا سأُعطي علبةَ الشوكولا لديمة بحُجّةِ أنّي لا أنا ولا خالد –و هذه حقيقة تعرِفُها- نُحبّ الشوكولا، وبالتأكيد مَمنوعٌ على طفليّ أن يأكُلا شوكولا قبلَ أن يُتما السنتَين.
في الحقيقة فكرتُ في أن أشتري حلوَى لطِفلَيها عِماد و بسمة، لكنّي تراجَعتُ (ولِمَ أصرِف على أولادِ إياد الذي أكرهُه؟! ليشتري هو لهما!)
خرجتُ من شُرودي في القصة، لأجِد أشرَف وقد أخرَج علبةَ الشوكولا، وبدأ يُقطر فوقَها قطرات من زُجاجةِ حليبِه، صرَختُ فيه وأنا أنتزِع العلبةَ مِن بينِ يدَيه ولَم أُبالِ ببُكائِه، بل سحبتُ بضعة مناديلٍ من على الطاولة وقمتُ بمَسحِ العلبة ثم قلبتُها وبدأتُ أمسح برِقّة لكن يدي تجمّدت مكانَها عندما مرّتْ عيني على مُكوِّنات الشوكولا، وقرأتْ (بربون) و(جين).
يا للروعة! فها قد فشلَت مؤامرَتي كسابقاتِها؛ فهل يُعقل أن أعطي امرأةً مُسلِمة شوكولا مصنوعة بالخُمور؟! رمَيتُ العلبةَ بغَضَبٍ لتقَعَ على الأرض، واحتضَنتُ ابني الذي صرختُ عليه من أجل لا شيء.
مِن أكبرِ نِعَمِ العَيشِ في بلَدٍ إسلامي هو أن المَرءَ لا يخاف مِن أن يأكُل أو يشرب حرامًا، وما حدَث معي في سَنَتي الأولى في لندن خيرُ دليل؛ فبعدَ خَمسةِ أشهُرٍ من سفرِنا إلى لندن، ذهبتُ مع جيني إلى مركزِ تسوُّق، وفي أثناءِ انشغالِها في قياسِ فستان، سبقتُها إلى أحدِ محلاتِ الوجباتِ السريعة ولأنّ لُغَتي الإنجليزية كانت سيّئةً في ذلك الوقت، فقد طلبتُ أوّلَ هامبرغر كان مكتوبًا في قائمةِ الطعام مع كولا وأكلتُ بنَهَمٍ لأنّي كنتُ جائعة وبعدها بثلاثةِ أيّامٍ أخذتُ خالد لنَفسِ المكان وأنا أتبجّح بأنّهم يُبيعون أطيب هامبرغر، ليُخبرني بابتسامةٍ مُواسِيَة -بعد أن قرأ القائمة- أن ما أكلتُه كان هامبرغر بلَحمِ الخِنزير. بالطبع أُصِبتُ بصَدمةٍ شديدة وأخذتُ أُطالِب بطَريقَةٍ للعودة إلى السعودية لكن ثورَتي هدأَت عندما كتَبَ لي خالد قائمةً طويلةً بالأسماءِ المُختلفة للَحمِ الخِنزير ولكُلِ أنواعِ المَشروباتِ الكُحولّية، لأحفظُها وأتجنّبُها، و بالطبع فإنّ مِن ضمنِ القائمة، مَشروبُ البربون و مَشروبُ الجين.
نهضتُ عن الأريكة ووضعتُ أشرف بجِوارِ أخيه، ثم سِرتُ والتقطتُ علبةَ الشوكولا، وأخذتُها معي إلى المطبخ لأرميها في سلّة المُهمَلات.
التفتُّ خارجة، فلاحظتُ ذاكرةَ التخزينِ على الطاولة، تأمّلتُها مُتذكِّرَةً تفاني خالد في عملِه الصعب والذي يتطلّب منه في كثيرٍ من الأحيانِ العملَ في أيّامِ السبت كحالِه الآن.
الحديثُ عن خالِد قادني إلى ريتشيل، التي أدركتُ -بعدَ تَفكيرٍ عميق- أنّ شُكوكي حولَها هي سخافَة لأبعدِ دَرَجة؛ فخالِد يُحبّني، وريتشيل رائعة وأعتقدُ أنّها مُهتمّةٌ بشابٍ تُركيٍّ نَسيتُ اسمَه. أمسكتُ بذاكرةِ التخزينِ لأُخبِئُها في مكانٍ أعتبِره آمِنًا جدًا؛ فكَونِي امرأة تفهَم كُلَ ما يخُصّ المُؤامرَة، فإنّي اشترَيتُ خزنتَين حديديّتَين، الأولى أضعُها في دولابِ خالِد، والتي تحوي بِضعَةَ أُلوف، وصُوَر مِن شهاداتِ ميلاد طِفليّ، ومُستنداتٍ لخالد، فإذا تسلل لِصٌ للشقّة؛ فإنّ مَوقِعَها ومُحتوياتها ستُوحيان له بأنّ هذه هي خِزانتَنا ولا يُدرِك أنّنا نملِك خزنَةً ثانية، والتي أضعُها في إحدى خِزانات المَطبَخِ خلفَ الأطعِمَةِ المُعلّبَة، هذه الخزنَة هي كنزُنا بالطَبع؛ ففِيها الكثير مِن الأشياءِ المُهمّة، مِثل مُسدّسِ خالد، وجوازاتنا، وشهاداتِ مِيلادِ طِفلَيّ، وها أنا الآن أضَعُ فيها ذاكرةَ التَّخزين.
سَمِعتُ بابَ الشقّةِ يُفتَح، فخرجتُ من المطبَخ لأرى خالِد ينزِعَ مِعطفَه، قلت له باسمةً: "كَم أُحِبّ دِقّة مَواعِـ..."
👍1
قاطعتُ كَلامِي عِندما رأيتُه يُشيرُ إليّ بإصبَعِه أن أسكُت، ثُم ركض إلى الأريكةِ حيثُ يرقُد توأميّ، حملَ أسعَد ومِن ثَم أشرف، وأدخَلهُما إلى غُرفَتِهما، ثم عادَ إليّ والسَعادةُ ترتَسِم على وجهه،فسألتُه بحَيرة: "ما الأمر؟!"
أجابَني بسُؤال: "متى ناما؟"
قُلت: "قبلَ أن تدخُل بلَحَظات!"
سألَني ثانيةً بتَرَقب: "هل ظلاّ مُستَيقِظَين منذ الصَّباح؟"
ردَدتُ و أنا لا أفهمُ ما الذي يحدُث: "نعَم!"
فرَفعَ رأسَه إلى السّماءِ مُتمتِمًا: "الحمدُ لله"
ثُم أعادَ نظرَه إليّ، وأضاف مُعترِفًا: "لقَد أيقَظتُهما عَمدًا عِندما قَدِمتُ هذا الصّباح"
تَمتَمتُ وأنا أرتَدي عباءَتِي وغِطاءَ رأسي: "أعرِفُ أنّك فعلتَ ذلك لإغاظَتي!"
فابتسَم ابتسامَةً عريضة، وهو يقول: "في الحَقيقة، بعدَ نِصفِ ساعةٍ هُنالِك مُباراة لريال مَدرِيد وبَرشلونة، وأُريدُ مُشاهدَتها دونَ أيِّ إزعاجٍ مِن الشَيطانَين، لِذا، فقَد أيقظتُهما صَباحًا حتى يناما عِندما أعود"
أنا الخبيرَةُ تفشَل مؤامراتي! وهو تنجَح مؤامراته! أيُّ حظٍ هذا! نظَرتُ إليه بحِقد، ودعَوتُ مِن بَينِ أسنانِي على فريقِه قائلةً: "يا الله، اجعَل ريال مَدريد يخسر" ثُم ارتَدَيتُ نِقابي، وخرَجتُ مِن الشَقّةِ وأنا أسمَعُ ضَحِكاته.
*******
أجابَني بسُؤال: "متى ناما؟"
قُلت: "قبلَ أن تدخُل بلَحَظات!"
سألَني ثانيةً بتَرَقب: "هل ظلاّ مُستَيقِظَين منذ الصَّباح؟"
ردَدتُ و أنا لا أفهمُ ما الذي يحدُث: "نعَم!"
فرَفعَ رأسَه إلى السّماءِ مُتمتِمًا: "الحمدُ لله"
ثُم أعادَ نظرَه إليّ، وأضاف مُعترِفًا: "لقَد أيقَظتُهما عَمدًا عِندما قَدِمتُ هذا الصّباح"
تَمتَمتُ وأنا أرتَدي عباءَتِي وغِطاءَ رأسي: "أعرِفُ أنّك فعلتَ ذلك لإغاظَتي!"
فابتسَم ابتسامَةً عريضة، وهو يقول: "في الحَقيقة، بعدَ نِصفِ ساعةٍ هُنالِك مُباراة لريال مَدرِيد وبَرشلونة، وأُريدُ مُشاهدَتها دونَ أيِّ إزعاجٍ مِن الشَيطانَين، لِذا، فقَد أيقظتُهما صَباحًا حتى يناما عِندما أعود"
أنا الخبيرَةُ تفشَل مؤامراتي! وهو تنجَح مؤامراته! أيُّ حظٍ هذا! نظَرتُ إليه بحِقد، ودعَوتُ مِن بَينِ أسنانِي على فريقِه قائلةً: "يا الله، اجعَل ريال مَدريد يخسر" ثُم ارتَدَيتُ نِقابي، وخرَجتُ مِن الشَقّةِ وأنا أسمَعُ ضَحِكاته.
*******
👍2
مونيا العلوي
"أَبْنْتْ بْلاَدِي سْلْبُونِي عَيْنْكْ، وْالزِينْ لِي فِيكْ، قَلْبِي كَيْبْغِيكْ."
"أيَايَايْ بْنْتْ بْلاَدِي"
هكذا صدَحَت كلماتُ الأُغنيةِ الأصيلة في أجواءِ غُرفَةِ نَومي، كنتُ أُردّدُ كلمات أُغنِيَتي المُفضّلَة والمُحبّبَة عِندَ جَميعِ المَغارِبَة لكن طَبعًا بطَريقَتِي الخاصّة. اعتذَرتُ في نَفسِي مرّات ومرّات مِن روحِ المُطرِب شقارة -رحمةُ اللهِ عليه- لأنّني كنتُ أُردِّدُ الكلمات على عَكسِ ما هِي علَيه؛ فبَدَل (بِنت بلادي)، حوّلتُها إلى (إبن بلدي)، طبعًا هذا التحرِيف لم أتجرّأ عليَه إلاّ عِندما ظهرَ ياسر في حياتي لِكَي أكتَشِف بأنّ الرَجُلَ أيضًا يُشارِكني نفسَ الوَلَع بهذهِ الأُغنية، تذكّرتُ ذلك و أنا أبتَسِم، وفي نفسِ الوَقت بدأتُ أُردِّدُ الكلمات الإسبانيّة التي كانت تلي تِلك الجُملة من الأُغنية. مَزيجٌ مِن أصالةٍ مَغرِبيّة ومُوسيقى أندلُسيّة إسبانيّة، هذا ما أعشقُه في أغاني ذلك المُطرِب.
أخفَضتُ مِن صوتي قليلاً عندما انتبَهتُ إلى أنّني كنتُ أُغنّي بصَوتٍ مُرتفِع؛ فطِفلي الصغير نائمٌ الآن في غُرفَتِه، بعد ذلك وقفتُ على قَدَميّ حتى أُعدّل من سُترتِي القصيرة التي اخترتُها لاجتماعِ اليوم، كانت واحدةً من تلك السُترات المُصمّمَة بإبداعٍ مَغربِيٍّ تَقلِيديّ، والتي تمتَلِئ بها خِزانتي؛ كُل ما يُعبّر عَن أصالَتِي أُحبّه بجُنون ولا أُفرّطُ فيه، لذلك أُخصِّصُ وقتًا أيضًا للرَّكضِ وراءَ دُورِ الأزياءِ المُخصّصَةِ لإبداعِ التَصميمات المَغربيّةِ والتَفنُّنِ فيها.
ابتسَمتُ وأنا أنظُر إلى سُترتي؛ إنّها فَنٌ بحَدِّ ذاتِه، كَم أُحِبّ الفنون! ثَوبٌ مُخمَليّ تُركوَازِيّ تميّزه نُقوشٌ في مُنتَهى الإبداع طرِّزَت على جَوانِبِ السُترة بخُيوطٍ ذهبيّةِ اللَون تخلّلَتها أحجارٌ دَقيقةٌ وجَميلة، مُثبّتَة على تلك النُقوش، كانت بحَق فنًا عظيما، أنيقة وراقية للغاية؛ ولأنّني لا أُحبّ أن أكون بمَظهرٍ أشبَه بالكَامِل، كسَرتُ تِلك الأناقةِ الشّديدة بسروالٍ جينز جميل بسيط، والذي لاءَم السُترة بكُلِ تأكيد، كما أنّني راضيةً عن تَسريحَةِ شعري الحَالِك السّواد؛ فقد تركتُه مَسدولاً بحُريّة على جَانِبٍ واحدٍ من كَتِفيّ، بينما تبرز بوضوحٍ رقبةُ سُترَتِي العالية المُميّزةِ التَصميم بفتحَتِها عندَ العُنُقِ بشَكلٍ جَميل.
اكتفَيتُ بالنَظَرِ إلى نفسي في المِرآة، وقَد رَضِيتُ عَن مَظهَرِي الذي جمعَ ما بينَ البساطةِ والأصالة، وأيضًا بعضَ الجرأةِ في اختيارِ تلك السُترة التي قد يراها البعضُ غَريبةً إلا أنّ لا أحد يُمكِنُه أن يُنكِر جمالَها، وبأنّها قِطعةٌ مِن الفنِّ الرَاقِي. استدَرتُ أمامَ المِرآةِ و أنا أنظُرُ إلى جَسدي النحيل وتذكّرتُ كلمات أمّي بأنّ الرِجال لا يُحبّون المرأةَ النَحيلة، فابتعدتُ عن المِرآةِ وأنا أُفكّر بأنّ والدتي دومًا تُحبّ أن تُعطِيني النَقدَ عبرَ مُكالماتِها لي في الهاتف! لكنّني لا أغضبُ مِنها ولا أهتَمُّ لنَقدِها -الذي يكونُ أحيانًا جَارِحًا- وهي تُقارِنني بأخواتي.
أنا سعيدةٌ هكذا، أنا أكثر مِن راضيةٍ عَن نفسي، وياسِر أيضًا يُحب شَكلي هكذا، تُعجِبُني كَلِماته كَثيرًا عندما يَقولُ لي بأنّني أُشبه المُراهِقاتِ المَجنُونات، أكثرَ مِن امرأةٍ قد تجاوزَت عِقدَها الثاني بسِتِّ سنوات!.
"ياسر" همستُ بِها بمَشاعرٍ قويّة، وأنا أقترِبُ مِن بابِ الحمّامِ الخاصِ بغُرفَتِنا، كنتُ أستمِع إلى رشّاشِ المِياهِ القوية مِن داخِل الحمّام.
فاجأني بعَودتِه قبلَ قليلٍ إلى البَيت؛ فنادرًا ما يعودُ ياسر مُبكِّرًا، لكنّه ذَكّرني بالشَيءِ الذي كنتُ أنا قَد نسيتُه، أنّه وعدَ أيمن بأخذِه إلى التَزلُّجِ بدَلَ اضطِرارِه لمُرافقَتِي عِندَ نِسوَةِ النون.
سَعيدةٌ لأنّه وفى بوَعدِه لَه؛ فقليلاً ما يسمَحُ له عمله بتَخصِيصِ وَقتٍ خاصٍ لأيمن. عدتُ إلى حيثُ سَريرِي الواسع وبدأتُ بارتِداءِ حِذائي ولَم أنتَبِه إلى أنّ صَوتَ المِياهِ توقّفَت عن التَدفُّقِ بقُوّة إلاّ بعدَ أن فُتِح بابُ الحمّام، فرفعتُ رأسي إلَيه وأنا أرسمُ ابتسامةً على وجهي.
كان شعرُه مُبلّلاً، إذ كانت ما تزال هُناك قطرات مياهٍ صافية تنزِل بطَريقَةٍ بَطيئة مِن خصلاتِه الرّطبَة لتحطُّ على رقبة روبِه الرَماديّ.
بادلني الابتسامَة وردّ على كَلماتِي الرّقيقة وهو يقتَرِب منّي ليجلس على طَرَفِ السرير وطبَع قُبلةً طويلةً على خدّي. كان يُمكِن أن تتحوّل لأكثرِ مِن ذلك لو لَم أبتعِد عنه بسُرعة وأنهضُ مِن مَكاني بينما أقولُ له مِن بينِ ضحكاتي: "عليّ الذّهاب عندَ زينب، وأنت عليكَ أن تتأكّد مِن أن يُمضِي أيمن أُمسيةً رائعة معَك كما عليك الوفاء بالوَعدِ الذي وعدتَني به هذا الصباح"
"أَبْنْتْ بْلاَدِي سْلْبُونِي عَيْنْكْ، وْالزِينْ لِي فِيكْ، قَلْبِي كَيْبْغِيكْ."
"أيَايَايْ بْنْتْ بْلاَدِي"
هكذا صدَحَت كلماتُ الأُغنيةِ الأصيلة في أجواءِ غُرفَةِ نَومي، كنتُ أُردّدُ كلمات أُغنِيَتي المُفضّلَة والمُحبّبَة عِندَ جَميعِ المَغارِبَة لكن طَبعًا بطَريقَتِي الخاصّة. اعتذَرتُ في نَفسِي مرّات ومرّات مِن روحِ المُطرِب شقارة -رحمةُ اللهِ عليه- لأنّني كنتُ أُردِّدُ الكلمات على عَكسِ ما هِي علَيه؛ فبَدَل (بِنت بلادي)، حوّلتُها إلى (إبن بلدي)، طبعًا هذا التحرِيف لم أتجرّأ عليَه إلاّ عِندما ظهرَ ياسر في حياتي لِكَي أكتَشِف بأنّ الرَجُلَ أيضًا يُشارِكني نفسَ الوَلَع بهذهِ الأُغنية، تذكّرتُ ذلك و أنا أبتَسِم، وفي نفسِ الوَقت بدأتُ أُردِّدُ الكلمات الإسبانيّة التي كانت تلي تِلك الجُملة من الأُغنية. مَزيجٌ مِن أصالةٍ مَغرِبيّة ومُوسيقى أندلُسيّة إسبانيّة، هذا ما أعشقُه في أغاني ذلك المُطرِب.
أخفَضتُ مِن صوتي قليلاً عندما انتبَهتُ إلى أنّني كنتُ أُغنّي بصَوتٍ مُرتفِع؛ فطِفلي الصغير نائمٌ الآن في غُرفَتِه، بعد ذلك وقفتُ على قَدَميّ حتى أُعدّل من سُترتِي القصيرة التي اخترتُها لاجتماعِ اليوم، كانت واحدةً من تلك السُترات المُصمّمَة بإبداعٍ مَغربِيٍّ تَقلِيديّ، والتي تمتَلِئ بها خِزانتي؛ كُل ما يُعبّر عَن أصالَتِي أُحبّه بجُنون ولا أُفرّطُ فيه، لذلك أُخصِّصُ وقتًا أيضًا للرَّكضِ وراءَ دُورِ الأزياءِ المُخصّصَةِ لإبداعِ التَصميمات المَغربيّةِ والتَفنُّنِ فيها.
ابتسَمتُ وأنا أنظُر إلى سُترتي؛ إنّها فَنٌ بحَدِّ ذاتِه، كَم أُحِبّ الفنون! ثَوبٌ مُخمَليّ تُركوَازِيّ تميّزه نُقوشٌ في مُنتَهى الإبداع طرِّزَت على جَوانِبِ السُترة بخُيوطٍ ذهبيّةِ اللَون تخلّلَتها أحجارٌ دَقيقةٌ وجَميلة، مُثبّتَة على تلك النُقوش، كانت بحَق فنًا عظيما، أنيقة وراقية للغاية؛ ولأنّني لا أُحبّ أن أكون بمَظهرٍ أشبَه بالكَامِل، كسَرتُ تِلك الأناقةِ الشّديدة بسروالٍ جينز جميل بسيط، والذي لاءَم السُترة بكُلِ تأكيد، كما أنّني راضيةً عن تَسريحَةِ شعري الحَالِك السّواد؛ فقد تركتُه مَسدولاً بحُريّة على جَانِبٍ واحدٍ من كَتِفيّ، بينما تبرز بوضوحٍ رقبةُ سُترَتِي العالية المُميّزةِ التَصميم بفتحَتِها عندَ العُنُقِ بشَكلٍ جَميل.
اكتفَيتُ بالنَظَرِ إلى نفسي في المِرآة، وقَد رَضِيتُ عَن مَظهَرِي الذي جمعَ ما بينَ البساطةِ والأصالة، وأيضًا بعضَ الجرأةِ في اختيارِ تلك السُترة التي قد يراها البعضُ غَريبةً إلا أنّ لا أحد يُمكِنُه أن يُنكِر جمالَها، وبأنّها قِطعةٌ مِن الفنِّ الرَاقِي. استدَرتُ أمامَ المِرآةِ و أنا أنظُرُ إلى جَسدي النحيل وتذكّرتُ كلمات أمّي بأنّ الرِجال لا يُحبّون المرأةَ النَحيلة، فابتعدتُ عن المِرآةِ وأنا أُفكّر بأنّ والدتي دومًا تُحبّ أن تُعطِيني النَقدَ عبرَ مُكالماتِها لي في الهاتف! لكنّني لا أغضبُ مِنها ولا أهتَمُّ لنَقدِها -الذي يكونُ أحيانًا جَارِحًا- وهي تُقارِنني بأخواتي.
أنا سعيدةٌ هكذا، أنا أكثر مِن راضيةٍ عَن نفسي، وياسِر أيضًا يُحب شَكلي هكذا، تُعجِبُني كَلِماته كَثيرًا عندما يَقولُ لي بأنّني أُشبه المُراهِقاتِ المَجنُونات، أكثرَ مِن امرأةٍ قد تجاوزَت عِقدَها الثاني بسِتِّ سنوات!.
"ياسر" همستُ بِها بمَشاعرٍ قويّة، وأنا أقترِبُ مِن بابِ الحمّامِ الخاصِ بغُرفَتِنا، كنتُ أستمِع إلى رشّاشِ المِياهِ القوية مِن داخِل الحمّام.
فاجأني بعَودتِه قبلَ قليلٍ إلى البَيت؛ فنادرًا ما يعودُ ياسر مُبكِّرًا، لكنّه ذَكّرني بالشَيءِ الذي كنتُ أنا قَد نسيتُه، أنّه وعدَ أيمن بأخذِه إلى التَزلُّجِ بدَلَ اضطِرارِه لمُرافقَتِي عِندَ نِسوَةِ النون.
سَعيدةٌ لأنّه وفى بوَعدِه لَه؛ فقليلاً ما يسمَحُ له عمله بتَخصِيصِ وَقتٍ خاصٍ لأيمن. عدتُ إلى حيثُ سَريرِي الواسع وبدأتُ بارتِداءِ حِذائي ولَم أنتَبِه إلى أنّ صَوتَ المِياهِ توقّفَت عن التَدفُّقِ بقُوّة إلاّ بعدَ أن فُتِح بابُ الحمّام، فرفعتُ رأسي إلَيه وأنا أرسمُ ابتسامةً على وجهي.
كان شعرُه مُبلّلاً، إذ كانت ما تزال هُناك قطرات مياهٍ صافية تنزِل بطَريقَةٍ بَطيئة مِن خصلاتِه الرّطبَة لتحطُّ على رقبة روبِه الرَماديّ.
بادلني الابتسامَة وردّ على كَلماتِي الرّقيقة وهو يقتَرِب منّي ليجلس على طَرَفِ السرير وطبَع قُبلةً طويلةً على خدّي. كان يُمكِن أن تتحوّل لأكثرِ مِن ذلك لو لَم أبتعِد عنه بسُرعة وأنهضُ مِن مَكاني بينما أقولُ له مِن بينِ ضحكاتي: "عليّ الذّهاب عندَ زينب، وأنت عليكَ أن تتأكّد مِن أن يُمضِي أيمن أُمسيةً رائعة معَك كما عليك الوفاء بالوَعدِ الذي وعدتَني به هذا الصباح"
👍3❤1
ظهرَ عليه الاستغرابُ من كلماتي، فأمسَكتُ بيَدِه وشبَكتُ أصابِعي بأصابِعِه وأنا أحُثّه على أن يتبَعني وخرَجتُ مِن غُرفَةِ نَومِنا لكَي أدخُل بِه إلى غُرفَتِي الخاصّة، عالَمِي الصّغير الجميل الذي صنعتُه بنَفسِي في قلبِ شقّتِي. جُدرانُ الغُرفَةِ الأربعة كُلّها مَليئَةً بالصُورِ وذِكرياتِ جميع مَراحِل حياتي التي مررتُ بها، من أعلاها حتى أسفلِها، امتلأت بأنواعِ الصُور حتى أنّني كُنت أحتفِظ في تلك الغُرفَةِ -الغَريبة لِمن يراها- بكُنوزٍ ثمينة؛ ففي زاويةٍ مُهمّة مِن الغُرفة كانت هُناك خِزانة زُجاجيّة شفّافة، بها أشياء ثَمينة جدًا تخصّني، بعضُها وَرِثتُها عن عائلتِنا العَريقةِ الجُذور، والأخرى مِن تُحَفٍ جمعتُها أثناءَ سفري إلى مُختلف البُلدان، ولا أُنكِر بأنّ أغلبَها كانت هدايا مِن ياسر وأثمَن تلك المُقتنَيات هي كاميرا من طِراز داجير، هي مِن أوّل الكاميرات التي تمّ اختراعُها، ليسَت أكثر مِن صُندوقٍ خشبيٍّ قديمِ الطِراز بحَجمٍ كبير تمّ عرضُه في مَزَادٍ منذُ خَمسِ سنوات، وصمّمَ ياسر على شِرائِه لي حتّى لو كلّفَته ثروةً طائلة، وذلك بالفِعلِ ما حصل، مع أنّني لَم أُوافِقُه في البِداية على اقتنائِها لكنّني لا أُنكِر بأنّني أحبَبتُ هديّتَه هذه بمُناسَبَةِ حملي بطفلِنا الأوّل لِكي يُطلِق عليّ في الأخير بأنّني مَجنونةٌ مِن الطِراز الأوّل؛ لأنّني رفضتُ أن أحفظَ الكاميرا الثّمينة -كما هو الحال- مع مُمتلَكاتي الأُخرى في مَكانٍ آمِن كما يفعل هو لكنّني لا أرى في عملي هذا جُنونًا، فلَم أشترِ هذه الأشياء ولم تُعط لي حتى أُخفِيها في البنك السويسري.
أنا أُحبّ التَمتُّعَ بالنَظَرِ إليها وتأمُّلَها واكتشاف روعَتِها يومًا بعدَ يوم، كما لا أُحبّ أن أشعُر بأنّني أحمِل ثِقَلاً على كاهلي، أو وسواس لأنّني أملِك هذه المُقتنَياتِ الثّمينَة، فلَيس هُناك أثمَن مِن حُريتي وحُريتي، لن أُضِيعها بالخَوفِ على مُمتلكاتي، لا أُحبّ شُعورَ الخَوفِ أو التَحَفُّظِ على شيءٍ مُهم. أُحبّ أن أشعُر بالحياة، أُحبّ أن أشعُر بأنّني مُحرّرَةٌ مِن أيِّ قُيود، أُحبّ نفسي هكذا، وهكذا أُريدُها أن تَبقى، و إن كان هذا يُسمّى جُنوناً فليكُن! إنّه يُعطيني شُعورًا جَميلاً وإحساسًا بالسّلامِ مع النَّفس.
شددتُ على يدَي ياسر بحماس وأنا أحُثّه على السَيرِ مَعي باتّجاهِ مَكتبي الذي كان في نَفسِ الغُرفَة، المَكتب الذي شَهِد كُتُبِي السِّياسيّة وكُلَ ما خطّته يدي وما عبّرَت عنه أفكاري الجريئة وما صرَخ بِه قَلبِي. فَوق المكتب كان هُناك أيضًا لَوحَة كَبيرة تُشبِه لوحات المُحقّقِين كما يُطلِق عليها ياسر بسُخريةٍ دائمًا، وقد امتلأت تلك اللّوحَة بصُوَرِ سياسيّين مَكروهِين لي؛ لأنّهم فاسدون. وقُصاصاتِ مَقالاتٍ سِياسيّة و حتى اقتِصاديّة، كلُ ما يهمّني في الحياةِ السِّياسيّة كان هُناك مُلصَقًا على تلك اللَوحة، من بَينِها صُورٌ كثيرة لذلك الفاسِد الذي يتجوّل في لندن هذه الأيّام، والذي أصبَح هدفًا لن أُغمِض عَينِي عَنه حتّى أُطيح به. استدَرتُ إلى ياسر الذي كان يقِف إلى جانبي وقد تلاشَت الابتسامةُ مِن على وجهي بينما أسأله بلَهجةٍ هادِئة ومُبطّنَة بالجَديّة: "لقد تركتُك قبلَ قليلٍ لترتاح مِن تَعَبِ عملِك، لكنّني سأموتُ لأعرِف المَعلومات التي أتيتَ بها اليوم لي بعد أن وعدتَني أمامَ الفُندق بأنّك ستُساعدني في مُراقَبَتِه"
أنا أُحبّ التَمتُّعَ بالنَظَرِ إليها وتأمُّلَها واكتشاف روعَتِها يومًا بعدَ يوم، كما لا أُحبّ أن أشعُر بأنّني أحمِل ثِقَلاً على كاهلي، أو وسواس لأنّني أملِك هذه المُقتنَياتِ الثّمينَة، فلَيس هُناك أثمَن مِن حُريتي وحُريتي، لن أُضِيعها بالخَوفِ على مُمتلكاتي، لا أُحبّ شُعورَ الخَوفِ أو التَحَفُّظِ على شيءٍ مُهم. أُحبّ أن أشعُر بالحياة، أُحبّ أن أشعُر بأنّني مُحرّرَةٌ مِن أيِّ قُيود، أُحبّ نفسي هكذا، وهكذا أُريدُها أن تَبقى، و إن كان هذا يُسمّى جُنوناً فليكُن! إنّه يُعطيني شُعورًا جَميلاً وإحساسًا بالسّلامِ مع النَّفس.
شددتُ على يدَي ياسر بحماس وأنا أحُثّه على السَيرِ مَعي باتّجاهِ مَكتبي الذي كان في نَفسِ الغُرفَة، المَكتب الذي شَهِد كُتُبِي السِّياسيّة وكُلَ ما خطّته يدي وما عبّرَت عنه أفكاري الجريئة وما صرَخ بِه قَلبِي. فَوق المكتب كان هُناك أيضًا لَوحَة كَبيرة تُشبِه لوحات المُحقّقِين كما يُطلِق عليها ياسر بسُخريةٍ دائمًا، وقد امتلأت تلك اللّوحَة بصُوَرِ سياسيّين مَكروهِين لي؛ لأنّهم فاسدون. وقُصاصاتِ مَقالاتٍ سِياسيّة و حتى اقتِصاديّة، كلُ ما يهمّني في الحياةِ السِّياسيّة كان هُناك مُلصَقًا على تلك اللَوحة، من بَينِها صُورٌ كثيرة لذلك الفاسِد الذي يتجوّل في لندن هذه الأيّام، والذي أصبَح هدفًا لن أُغمِض عَينِي عَنه حتّى أُطيح به. استدَرتُ إلى ياسر الذي كان يقِف إلى جانبي وقد تلاشَت الابتسامةُ مِن على وجهي بينما أسأله بلَهجةٍ هادِئة ومُبطّنَة بالجَديّة: "لقد تركتُك قبلَ قليلٍ لترتاح مِن تَعَبِ عملِك، لكنّني سأموتُ لأعرِف المَعلومات التي أتيتَ بها اليوم لي بعد أن وعدتَني أمامَ الفُندق بأنّك ستُساعدني في مُراقَبَتِه"
❤2
تفاجأتُ عِندما رأيتُ مَلامِحَه تتشَنّج غَضَبًا فجأة، لكنّه كان سَريعًا كالعادة، عِندما أخفى ذلك الغَضَب تحتَ ابتسامةٍ صفراء استطعتُ اكتشاف حقيقتَها بسُهولة، وهو يُجيبُني قائلاً بنَبرَةٍ غامِضَة: "مِن الأفضَل أن تنسي أمرَ ذلك السياسِيّ مونيا، انسِي أمرَه تَمامًا، فأنتِ لن تَستطيعِي تغييرَ العالم" قال كَلِماته الأخيرة وهو يُشدِّد علَيها بينما أنامِله كانت تمُرّ باستِفزازٍ على عَمودِي الفِقَري. أبعدتُ ذِراعَه عنّي وأنا شِبه مَصدومَةٍ مِن كلماتِه (لَن أستطيعَ تغييرَ العالَم) جُملة لطالما ردّدَها ياسر، لكنّني لَم أغضب يومًا منه، بَل كنتُ أضحكُ لَه، وأُجِيبُه بأنّ كلامَه رُبّما يكونُ صَحيحًا ورُبّما يكونُ خَاطِئًا. أُحبّ أن أُحاوِل، أُريد أن أنجَح في تَغييرِ ولو نِقاطٍ صَغيرةٍ سَوداء بأُخرَى بَيضاء تُنيرُ حياةَ أشخاصٍ أبرياء مَساكين نَسوا حتى كيفَ يحلُموا بحياةٍ كريمة! لكن هذه المرّة، الطريقَة التي قال ياسر بها تلك الجُملة، لَيست طريقته المَعهودة أبدًا. لطالما قالَها بنَبرةٍ سَاخِرَة أُحسُّها وكأنّه يُواسي نفسَه لانشغالِه بعَالَمِ الأعمال وتخلّيه عن روحِ ذلك الفَتى الذي كانه في سنواتِ مُراهقَتِه الأخيرة وهو يُناضِل مِن أجلِ حُقوقِه و حُقوقِ غَيرِه. الطريقة التي نطقها بها الآن، وكأنّها أمرٌ حَازِمٌ حَقيقةً، وثِقةٌ كَبيرةٌ خرجَت من بَين تلكَ الحُروف التي كانَت مُستفِزّةً لي. ثارت ثائرَتي وشعرتُ بأنّ الحرارةَ تتصاعَد معي جرّاءَ الغضبِ الكبير وكِدتُ أصرُخ بأعلى صَوتِي بأنّني لَم و لَن أتخلّى عن مَبادئي، لكنّني تجمّدتُ في مَكاني أنظرُ إليه بنَظراتٍ أعرِف بأنّه لو رآها طِفلي الصّغير -الذي فُوجِئنا لحظَتَها بوُجودِه خَلفَنا- لفَزِع منها بقُوّة رهيبة، ياسر هو الآخر ظَهرَت في عَينَيه نظرات تَحَدٍ كَبيرة وغَضَبٌ عارِم ينتَظِر ردّةَ فِعلي تلك حتّى ينفَجِر بغَضَبِه هو الآخر، غَضَب لن أتقبّله لأنّه هو من فاجأني وصدمَني بكلامِه هذا. رأيته يبتعِد عنّي وهو يرسُم تلكَ الابتسامة التي يُخفِي خَلفِها وجهَه الغَاضِب الذي كان قبلَ لحظات ثم سمِعتُه يتحدّث مع أيمن الذي كان صوتُه النّاعس يصِل إليّ مُشوَّشًا بسببِ تَفكِيري في كَلِماتِ ياسر لكي أسمعُه فجأة يُوقظني من شُرودي وهو يُحدّثني مِن خلفي: "الهاتفُ يرِنّ مونيا، لابُد بأنّ صَديقاتِك يُرِدن التأكُّد مِن قُدومِك للاجتماع، فقَد تأخّرتِ عليهم!"
لَم أُجِب علَيه ولَم أستطِع الحراكَ من مكاني حتى سَمعتُه يطلب من أيمن أن يودّعني لأنّني ذاهبة، حتى يذهَب لتجهيزِ نفسِه هو الآخر للخُروجِ معه للتَزلُّج. استطعتُ رسمَ ابتسامةً مُزيَّفَة أنا الأُخرى على وَجهِي أقابل بها طِفلي البريء الناعِس أمامي، قبّلتُه قُبلةً طويلةً على خدِّه، وقمتُ بإعطائِه بعضَ الإرشادات، أعرِف بأنّه لَن يستَمِع إلَيها لكنّني أعرِف بأنّ ياسر سيقوم بالاهتمامِ به كما لو كنتُ معه بنَفسي ثم تقدمت بخُطواتٍ قويّة خارجَ تلك الغُرفَةِ مُتأكّدةً مِن أنني يَجِب أن أذهَب إلى اجتِماعِ نون؛ فهو بمَثابَةِ وَعدٍ مُقدَّسٍ بيننا لا يُمكِنُ خَرقُه أو عَدم الإيفاءِ بِه (و عِندما أعود، سيكونُ بينَنا حديثٌ طَويلٌ يا ياسر!) هكذا تَمتَمتُ لنفسي وأنا أخرُجُ مِن بابِ شقّتِي.
***********
لَم أُجِب علَيه ولَم أستطِع الحراكَ من مكاني حتى سَمعتُه يطلب من أيمن أن يودّعني لأنّني ذاهبة، حتى يذهَب لتجهيزِ نفسِه هو الآخر للخُروجِ معه للتَزلُّج. استطعتُ رسمَ ابتسامةً مُزيَّفَة أنا الأُخرى على وَجهِي أقابل بها طِفلي البريء الناعِس أمامي، قبّلتُه قُبلةً طويلةً على خدِّه، وقمتُ بإعطائِه بعضَ الإرشادات، أعرِف بأنّه لَن يستَمِع إلَيها لكنّني أعرِف بأنّ ياسر سيقوم بالاهتمامِ به كما لو كنتُ معه بنَفسي ثم تقدمت بخُطواتٍ قويّة خارجَ تلك الغُرفَةِ مُتأكّدةً مِن أنني يَجِب أن أذهَب إلى اجتِماعِ نون؛ فهو بمَثابَةِ وَعدٍ مُقدَّسٍ بيننا لا يُمكِنُ خَرقُه أو عَدم الإيفاءِ بِه (و عِندما أعود، سيكونُ بينَنا حديثٌ طَويلٌ يا ياسر!) هكذا تَمتَمتُ لنفسي وأنا أخرُجُ مِن بابِ شقّتِي.
***********
❤4👍4
ديمة مصطفى
:- ماما، أنتِ جميلةٌ جدًا!
نظرت إلى بسمة التي انغرسَت إلى جانبي؛ تُراقِب بشَغَفٍ انعكاسي عَبرَ المِرآة، أثناءَ انهماكي في تَزيينِ وجهي بدِقّة، اللّمسات الخفيفة والمَدروسة مِن الزينةِ الغاليةِ الثّمَن التي أحرِصُ على اقتنائِها وتجديدِها مرّة كل بِضعة أشهُر وبهَوَسٍ غَير مُبرَّرٍ بجَمالي، في حِين أنني نَادِرًا ما أخرُج وقلّما يسنح لأيٍّ كان برؤية طَلّتي البهيّة!؛
وأجبتُ بسمة باكتئاب:- أعرِف!
تأمّلَتني مَذهولة وأنا أُمَرِّر فُرشاة الماسكارا فوقَ رموشي لأُزيد مِن كثافتِها وقتامةِ لونِها ثُم نظرَتُ إلى انعِكاسِ وجهِها الصّغيرِ الذي ارتسَم كالقَلبِ بينَ خصلاتِ شَعرِها البُنّية المُشعَثَة والتي غطّت مُعظَمَه، وقالت باكتئاب:- لماذا أنا لستُ جميلة مِثلِك؟!
(لأنّكِ نُسخَةٌ أُنثويّة مُصغَّرَة عن والِدِك يا حبيبتي!) كبَتُّ أفكاري اللئيمة؛ فلا ذنبَ لبَسمتي الصّغيرة في شجاري مع والدِها قبلَ دقائقٍ قليلة عبرَ الهاتِف، لا يَكفي أنّه يعمَل في يَومِ عُطلتِه بَدلاً من قَضاءِ النّهارِ برِفقتي وبرِفقَةِ الأولاد مُتحَمِّلاً جُزءًا مِن أعبائهم عنّي. بل – و بكُلِ وقاحة – يتّصِل بي ليُخبرني بأنّه قد يتأخّر قليلاً، ولَن يكون قادرًا على مُجالَسَةِ الأولاد كعادَتِه خِلال مَوعِدِي معَ رِفقَةِ السَّكَن.
لَم يكُن مِن عادَتي رَفع صَوتي أثناءَ مُخاطَبَتي إيّاه؛ فاحتِرامُ الزَوج وتَقديسُه جُزءٌ مِن ثَقافَتِنا الشّرقِيّةِ المُتوارَثَة جِينيًّا بينَ نِساءِ سوريا اللاّتي قُدِّر لهُنّ أن يأتين هُنّ و رَغَباتهن دائمًا في المَرتبةِ الثانية، إلا أنّني، ولهذه المرّةِ فقط فقَدتُ أعصابي وأنا أُفجِّر كلَ عُقَدِي في وَجهِه عبرَ الهاتف، أتّهِمُه بالمَكرِ والأنانية لاختيارِه هذا اليوم بالذات كَي يتأخّر عن البَيت في اليومِ الوَحيد خلال الأسبوع الذي أستَعيدُ فيه شيئًا مِن كِياني الضّائِع بينَ طيّاتِ الرتابَةِ والكَبت التي أُعاني منها منذُ زواجي، بل طُوالِ حياتي تحتَ ظِلِّ والدٍ يبدو بتَسلُّطِه وكأنّه قادِمٌ مِن أحَدِ المُسلسَلاتِ الشامِيّة القديمة وأخٍ أكبر يؤمِن بأنّ الهدَف مِن وُجود شَقيقَةٍ في البَيت هو التدرُّب على أن يكونَ بدَورِه ذاتَ يومٍ بطلاً لأحدِ المُسلسَلاتِ الشاميّةِ القديمة!
استمَع إليّ صامتًا حتى انتهى انفجارِي المُفاجِئ لأتوتّر بعدَ أن لاحظتُ هدوءَه المُبالَغ به والذي تجلّى في رَدِّه الجاف:- سأعودُ في المَوعِدِ المُحدَّد.
تبًا! ردُّه يعني أنّه قد غَضِب منّي، وهذا يعني خمسةَ أيّامٍ من التَعذِيبِ النَفسِي الذي يُجيدُه إياد بمهارة؛ لَن يُكلِّمني إلاّ إن تَحدّثتُ أولاً، سيبعَث بسمة إليّ برِسالة كُلما أرادَ منّي شيئًا وسيتجاهلني تمامًا حتّى أنهار باكِيةً في النِهاية تحتَ وَطأةِ جَفائه وبعده، مُتوسِّلَةً الصَفحَ والغُفران عَن الذَنبِ العَظيمِ الذي ارتكبتُه! والذي نَسيتُه أنا -بطَبيعَةِ الحال- في تلك اللّحظة وأنا أنظُر إلى مَظهَرِي العام عبرَ المِرآة عَابِسَةً؛ أُحاوِلُ اكتشافَ ما ينقُص كمالَ طَلّتي، عندها لاحَظتُ بأنّ بسمة ما تزال تنظُر إليّ مُتّسِعَة العَينَين في انتظارِ إجابَةٍ عن سُؤالِها، فقلتُ بكُلِ ما لديّ مِن رِقّة:- أنتِ أكثر جَمالاً منّي يا قمر، إلا أنّ جمالك هذا لن يظهَر ما دام شَعرُك يُشبِه عُشَ طائرٍ مُعاق، لَدَيه خَلَلٌ في مِنقارِه يمنَعه حتى مِن صُنعِ عُشِّه بتَرتِيب!
ارتسَمَت الصَّدمَةُ في عَينَيها الدّاكِنَتَين وسُرعان ما اختفَت مِن الغُرفةِ بحثًا عن مُشطِها الصّغِير، فصِحتُ مِن وَرائِها وأنا أكبِتُ ضحِكَتي:- ولا تنسِي إلقاءَ نظرة على عماد والتأكُّد من أنّه لا يُحاوِل فتحَ النّافِذَة و إلقاءَ نَفسِه مِنها كالعادة.
عدتُ بتَركِيزي إلى مَظهَرِي مُتأمِّلَةً الفستانَ الأسودَ الذي اخترتُه خِصيصًا ليُخفي استدارات جَسَدِي البارِزَة، لَم أكُن سمينة، بَل مُمتَلِئة القوام بشَكلٍ جَميل، إلا أن هذا لَم يُساهِم لشَعرَةٍ فِي تَعزيزِ ثِقَتِي بنَفسِي وأنا على وَشكِ لِقاء جَاراتي اللاتي تتميز مُعظمُهن بالنُحُول، لَكَم تُثير علياء غَيظِي -رغمَ حُبِي لها- برَشَاقتِها الطَبيعِيّة؛ إنّها زَوجةٌ وأم هي الأخرى بحَقِ الله! مِن المُفترَض أن تُكافِح مِثلي، وتُعانِي وهي تَحرِم نفسَها ممّا تضطَر لطَهيِه يَوميًا لأجلِ عائِلَتِها، على الأقل، مينة ما تزال عازِبة، كما أنّها تبدو باستمرارٍ و كأنّها تَحرِق ما تأكُله ذاتيًا وفقَ ما يظهَر مِن عينَيها الدّاكِنَتَين مِن عَوَاصِفٍ وأعَاصِيرٍ مَكبوتة.
:- ماما، أنتِ جميلةٌ جدًا!
نظرت إلى بسمة التي انغرسَت إلى جانبي؛ تُراقِب بشَغَفٍ انعكاسي عَبرَ المِرآة، أثناءَ انهماكي في تَزيينِ وجهي بدِقّة، اللّمسات الخفيفة والمَدروسة مِن الزينةِ الغاليةِ الثّمَن التي أحرِصُ على اقتنائِها وتجديدِها مرّة كل بِضعة أشهُر وبهَوَسٍ غَير مُبرَّرٍ بجَمالي، في حِين أنني نَادِرًا ما أخرُج وقلّما يسنح لأيٍّ كان برؤية طَلّتي البهيّة!؛
وأجبتُ بسمة باكتئاب:- أعرِف!
تأمّلَتني مَذهولة وأنا أُمَرِّر فُرشاة الماسكارا فوقَ رموشي لأُزيد مِن كثافتِها وقتامةِ لونِها ثُم نظرَتُ إلى انعِكاسِ وجهِها الصّغيرِ الذي ارتسَم كالقَلبِ بينَ خصلاتِ شَعرِها البُنّية المُشعَثَة والتي غطّت مُعظَمَه، وقالت باكتئاب:- لماذا أنا لستُ جميلة مِثلِك؟!
(لأنّكِ نُسخَةٌ أُنثويّة مُصغَّرَة عن والِدِك يا حبيبتي!) كبَتُّ أفكاري اللئيمة؛ فلا ذنبَ لبَسمتي الصّغيرة في شجاري مع والدِها قبلَ دقائقٍ قليلة عبرَ الهاتِف، لا يَكفي أنّه يعمَل في يَومِ عُطلتِه بَدلاً من قَضاءِ النّهارِ برِفقتي وبرِفقَةِ الأولاد مُتحَمِّلاً جُزءًا مِن أعبائهم عنّي. بل – و بكُلِ وقاحة – يتّصِل بي ليُخبرني بأنّه قد يتأخّر قليلاً، ولَن يكون قادرًا على مُجالَسَةِ الأولاد كعادَتِه خِلال مَوعِدِي معَ رِفقَةِ السَّكَن.
لَم يكُن مِن عادَتي رَفع صَوتي أثناءَ مُخاطَبَتي إيّاه؛ فاحتِرامُ الزَوج وتَقديسُه جُزءٌ مِن ثَقافَتِنا الشّرقِيّةِ المُتوارَثَة جِينيًّا بينَ نِساءِ سوريا اللاّتي قُدِّر لهُنّ أن يأتين هُنّ و رَغَباتهن دائمًا في المَرتبةِ الثانية، إلا أنّني، ولهذه المرّةِ فقط فقَدتُ أعصابي وأنا أُفجِّر كلَ عُقَدِي في وَجهِه عبرَ الهاتف، أتّهِمُه بالمَكرِ والأنانية لاختيارِه هذا اليوم بالذات كَي يتأخّر عن البَيت في اليومِ الوَحيد خلال الأسبوع الذي أستَعيدُ فيه شيئًا مِن كِياني الضّائِع بينَ طيّاتِ الرتابَةِ والكَبت التي أُعاني منها منذُ زواجي، بل طُوالِ حياتي تحتَ ظِلِّ والدٍ يبدو بتَسلُّطِه وكأنّه قادِمٌ مِن أحَدِ المُسلسَلاتِ الشامِيّة القديمة وأخٍ أكبر يؤمِن بأنّ الهدَف مِن وُجود شَقيقَةٍ في البَيت هو التدرُّب على أن يكونَ بدَورِه ذاتَ يومٍ بطلاً لأحدِ المُسلسَلاتِ الشاميّةِ القديمة!
استمَع إليّ صامتًا حتى انتهى انفجارِي المُفاجِئ لأتوتّر بعدَ أن لاحظتُ هدوءَه المُبالَغ به والذي تجلّى في رَدِّه الجاف:- سأعودُ في المَوعِدِ المُحدَّد.
تبًا! ردُّه يعني أنّه قد غَضِب منّي، وهذا يعني خمسةَ أيّامٍ من التَعذِيبِ النَفسِي الذي يُجيدُه إياد بمهارة؛ لَن يُكلِّمني إلاّ إن تَحدّثتُ أولاً، سيبعَث بسمة إليّ برِسالة كُلما أرادَ منّي شيئًا وسيتجاهلني تمامًا حتّى أنهار باكِيةً في النِهاية تحتَ وَطأةِ جَفائه وبعده، مُتوسِّلَةً الصَفحَ والغُفران عَن الذَنبِ العَظيمِ الذي ارتكبتُه! والذي نَسيتُه أنا -بطَبيعَةِ الحال- في تلك اللّحظة وأنا أنظُر إلى مَظهَرِي العام عبرَ المِرآة عَابِسَةً؛ أُحاوِلُ اكتشافَ ما ينقُص كمالَ طَلّتي، عندها لاحَظتُ بأنّ بسمة ما تزال تنظُر إليّ مُتّسِعَة العَينَين في انتظارِ إجابَةٍ عن سُؤالِها، فقلتُ بكُلِ ما لديّ مِن رِقّة:- أنتِ أكثر جَمالاً منّي يا قمر، إلا أنّ جمالك هذا لن يظهَر ما دام شَعرُك يُشبِه عُشَ طائرٍ مُعاق، لَدَيه خَلَلٌ في مِنقارِه يمنَعه حتى مِن صُنعِ عُشِّه بتَرتِيب!
ارتسَمَت الصَّدمَةُ في عَينَيها الدّاكِنَتَين وسُرعان ما اختفَت مِن الغُرفةِ بحثًا عن مُشطِها الصّغِير، فصِحتُ مِن وَرائِها وأنا أكبِتُ ضحِكَتي:- ولا تنسِي إلقاءَ نظرة على عماد والتأكُّد من أنّه لا يُحاوِل فتحَ النّافِذَة و إلقاءَ نَفسِه مِنها كالعادة.
عدتُ بتَركِيزي إلى مَظهَرِي مُتأمِّلَةً الفستانَ الأسودَ الذي اخترتُه خِصيصًا ليُخفي استدارات جَسَدِي البارِزَة، لَم أكُن سمينة، بَل مُمتَلِئة القوام بشَكلٍ جَميل، إلا أن هذا لَم يُساهِم لشَعرَةٍ فِي تَعزيزِ ثِقَتِي بنَفسِي وأنا على وَشكِ لِقاء جَاراتي اللاتي تتميز مُعظمُهن بالنُحُول، لَكَم تُثير علياء غَيظِي -رغمَ حُبِي لها- برَشَاقتِها الطَبيعِيّة؛ إنّها زَوجةٌ وأم هي الأخرى بحَقِ الله! مِن المُفترَض أن تُكافِح مِثلي، وتُعانِي وهي تَحرِم نفسَها ممّا تضطَر لطَهيِه يَوميًا لأجلِ عائِلَتِها، على الأقل، مينة ما تزال عازِبة، كما أنّها تبدو باستمرارٍ و كأنّها تَحرِق ما تأكُله ذاتيًا وفقَ ما يظهَر مِن عينَيها الدّاكِنَتَين مِن عَوَاصِفٍ وأعَاصِيرٍ مَكبوتة.
❤2👍1
(هل عليّ أن أرتَدي قرطي الماسي؟) فِي كُلِ أُسبوعٍ أطرَحُ على نفسِي هذا السؤال وأنا أُخرِجُ الحَقيبَةَ الجِلديّة التي أحتَفِظ فيها بمجوهراتي في مَكانٍ لا يعلَمه حتى إياد، القِرط المَاسِي الضّخم والثَمين الذي أصرّت أمي على أن أطلُبَه كمَهرٍ عِندما تقدّم إياد لخِطبتي بدلاً من الذَهَب، بحُجّةِ أنّه سيُفَكّر مرّتَين قبلَ أن يَجرؤ على خِداعي (كما يفعل مُعظَمُ الأزواج).. وإقناعي ببَيعِ مُجوهراتي لتَمويلِ مَشروعٍ عَبقَريّ كَفيل بالقَفزِ بحَياتِنا إلى مُستوى الأُمراء، مَشروع فاشِل بالطَبع ينتهي بضَيَاعِ (قِرشِي الأبيض) ليأتي اليَومُ الأسودُ فَجأة بدونِ إنذار، فأكتَشِف خِلالَ وَهميّةَ ذَلك المَشروعِ العَبقريّ بأن مُؤامرة زَوجي للاستيلاءِ على أموالي وضمانِ سيطَرَتِه المَاديّةِ التامّةِ على حياتي قَد كُلِّلَت بالنَجاح.
يا إلهي! ها أنا أتحدّث كخَوَلة تمامًا، حسنًا، لن أرتَدي حُليًا هذه المرّة أيضًا وإلاّ بَدوتُ شاذّة ومُتكلّفة ورُبّما مُحدثَة نِعمَة أمامَ جَمَالِ ريتشيل وأناقتِها الطَبيعِيَّين. ريتشيل زينب، جارتي التي لا أتوقّف عن التَفكيرِ بها بإعجابٍ وغِبطة؛ جميلة، مُستقلّة وقادرة على تَحقِيق ما تُريدُه في حياتِها. معَ العِلم أنّني لا أفهمُ على الإطلاق سببَ تمسُّكِها بالجانِبِ الشَرقِيّ مِنها! ما المُثير للاهتمامِ في تُراثٍ قامَ على قَمعِ المَرأة منذُ قُرونٍ طَويلة؟!
حتى أنّني لا أُحبّ مُناداتها بزَينب، الاسم الذي تَفخر ريتشيل بحَملِه كوسامِ بُطولةٍ تُعلّقُه على صَدرِها.
ارتدَيتُ قِرطًا ذَهبيًا بَسيطًا، كَفيلاً بمُضاهاةِ أناقةِ لين، أحدَث جاراتِنا في العِمارة، العَروس المُدلّلَة التي تُشرِق عَيناها ببَهجةِ تَوقُّعاتِها للمُستقبَل! وتأمّلتُ نَفسي للمرّةِ الأخيرَةِ باكتئابٍ وأنا أُفكِّر.. هل تَعرِف تلك الطِفلةِ المَسكينة بأنّ نظرتَها الوَرديّة للحياة لن تَستمرّ طويلاً؟ يا الله! كَم أشتاقُ إلى تِلك الفِترة، حيثُ كنتُ ساذجةً بما يَكفي لأؤمِن بقُدرَتِي على تَحقِيقِ ما أُريدُه بشَيءٍ بَسيطٍ من العَزيمةِ و قُوّةِ الإرادة.
أغلقتُ حَقيبتي الجِلديّة الصَغيرَة وأعدتُها إلى مَخبأي الغَيرِ مُتوَقَّع على الإطلاقِ ببَساطَتِه ورفَعتُ المِنضدَةَ الخَشَبيّةَ الثّقيلة، والمُجاوِرَة للسَريرِ قليلاً ثم دفَعتُ الحَقيبةَ أسفلَها لتَستَقِرّ تحتَ قَاعدَتها المُجوَّفَة ثُم اعتدَلتُ لاهِثةً وأنا أتحسّس ظَهري وأتأكّد بأنّه لَم يُصَب بضَرَرٍ بسَببِ فعلَتِي.
مَرّرتُ المُشطَ عبرَ خصلاتِ شَعري للمرّةِ الأخيرة، في نَفسِ اللّحظةِ التي سَمِعتُ فِيها مِفتاحَ إياد يُعلِن عن وُصولِه، رُبّما هو لَن يَتحدّث إليّ حتى أنهار نَفسيًا وعَصبيًا جراء أُسلوبِه المُعتاد والمُستَفِز جدًا في تَروِيضي، إلاّ أنّه سيُجالِس الأطفالَ على الأقلّ، حتّى أعودُ مِن مُتنَفّسي الأُسبوعيّ المُفضّل حيثُ أهرب لساعاتٍ قَليلة مِن إطارِ حَياتي المُحكَم، مُتناسِيةً قُيودَها المُتمَثّلة بزَوجٍ مُستَفِزٍ وأطَفالٍ مَجانِين وأكونُ مُجرّد أُنثَى مُتأَلِّقَة لا هُمومَ لها سِوى مُضاهاةِ إناثٍ لا يَقِلّنّ عَنها تعاسةً، حتى و إن رفَضن الاعترافَ بهذا ويُحاوِلن التَخَفِّي مِثلي وَراءَ وَاجِهَةٍ جَميلةٍ ضاحكة، إعلان بَديع عَن رَونق حَياةِ المَرأةِ الشَرقِيّةِ المُتألِّقة! هَل تَعرِف إحداهُن يا ترى إلى أيِ حدٍ هن مَكشوفَات لمَثيلاتِهن؟!
أُقيمُ في الطّابقِ الأخير ولَن أستَعمِل المِصعَدَ الكَهربائي للنُزولِ إلى حيثُ شقّةِ ريتشيل، ممّا يمنَحُني الوَقتَ لتَقمُّصِ الدَور. رَسمتُ ابتسامةً وَاسِعَةً مُظهِرَةً أسناني المُنتَظِمَة والنَاصِعَةَ البَياض وتَناولتُ حَقيبَةَ يَدي الأنيقة وبدونِ إلقاءِ أكثرَ مِن نَظرةٍ نحوَ إياد الجالِس على الأريكة يُحيطُ به الطِفلان مُتعمِّدًا التَظاهُرَ بعَدَمِ رُؤيتي، غادَرتُ الشقّةَ مُغلِقةً البابَ ورائي بهدوءٍ شديد مُتَجّهَةً لمُلاقاةِ عُصبَةِ نونِ النِسوة.
************
يا إلهي! ها أنا أتحدّث كخَوَلة تمامًا، حسنًا، لن أرتَدي حُليًا هذه المرّة أيضًا وإلاّ بَدوتُ شاذّة ومُتكلّفة ورُبّما مُحدثَة نِعمَة أمامَ جَمَالِ ريتشيل وأناقتِها الطَبيعِيَّين. ريتشيل زينب، جارتي التي لا أتوقّف عن التَفكيرِ بها بإعجابٍ وغِبطة؛ جميلة، مُستقلّة وقادرة على تَحقِيق ما تُريدُه في حياتِها. معَ العِلم أنّني لا أفهمُ على الإطلاق سببَ تمسُّكِها بالجانِبِ الشَرقِيّ مِنها! ما المُثير للاهتمامِ في تُراثٍ قامَ على قَمعِ المَرأة منذُ قُرونٍ طَويلة؟!
حتى أنّني لا أُحبّ مُناداتها بزَينب، الاسم الذي تَفخر ريتشيل بحَملِه كوسامِ بُطولةٍ تُعلّقُه على صَدرِها.
ارتدَيتُ قِرطًا ذَهبيًا بَسيطًا، كَفيلاً بمُضاهاةِ أناقةِ لين، أحدَث جاراتِنا في العِمارة، العَروس المُدلّلَة التي تُشرِق عَيناها ببَهجةِ تَوقُّعاتِها للمُستقبَل! وتأمّلتُ نَفسي للمرّةِ الأخيرَةِ باكتئابٍ وأنا أُفكِّر.. هل تَعرِف تلك الطِفلةِ المَسكينة بأنّ نظرتَها الوَرديّة للحياة لن تَستمرّ طويلاً؟ يا الله! كَم أشتاقُ إلى تِلك الفِترة، حيثُ كنتُ ساذجةً بما يَكفي لأؤمِن بقُدرَتِي على تَحقِيقِ ما أُريدُه بشَيءٍ بَسيطٍ من العَزيمةِ و قُوّةِ الإرادة.
أغلقتُ حَقيبتي الجِلديّة الصَغيرَة وأعدتُها إلى مَخبأي الغَيرِ مُتوَقَّع على الإطلاقِ ببَساطَتِه ورفَعتُ المِنضدَةَ الخَشَبيّةَ الثّقيلة، والمُجاوِرَة للسَريرِ قليلاً ثم دفَعتُ الحَقيبةَ أسفلَها لتَستَقِرّ تحتَ قَاعدَتها المُجوَّفَة ثُم اعتدَلتُ لاهِثةً وأنا أتحسّس ظَهري وأتأكّد بأنّه لَم يُصَب بضَرَرٍ بسَببِ فعلَتِي.
مَرّرتُ المُشطَ عبرَ خصلاتِ شَعري للمرّةِ الأخيرة، في نَفسِ اللّحظةِ التي سَمِعتُ فِيها مِفتاحَ إياد يُعلِن عن وُصولِه، رُبّما هو لَن يَتحدّث إليّ حتى أنهار نَفسيًا وعَصبيًا جراء أُسلوبِه المُعتاد والمُستَفِز جدًا في تَروِيضي، إلاّ أنّه سيُجالِس الأطفالَ على الأقلّ، حتّى أعودُ مِن مُتنَفّسي الأُسبوعيّ المُفضّل حيثُ أهرب لساعاتٍ قَليلة مِن إطارِ حَياتي المُحكَم، مُتناسِيةً قُيودَها المُتمَثّلة بزَوجٍ مُستَفِزٍ وأطَفالٍ مَجانِين وأكونُ مُجرّد أُنثَى مُتأَلِّقَة لا هُمومَ لها سِوى مُضاهاةِ إناثٍ لا يَقِلّنّ عَنها تعاسةً، حتى و إن رفَضن الاعترافَ بهذا ويُحاوِلن التَخَفِّي مِثلي وَراءَ وَاجِهَةٍ جَميلةٍ ضاحكة، إعلان بَديع عَن رَونق حَياةِ المَرأةِ الشَرقِيّةِ المُتألِّقة! هَل تَعرِف إحداهُن يا ترى إلى أيِ حدٍ هن مَكشوفَات لمَثيلاتِهن؟!
أُقيمُ في الطّابقِ الأخير ولَن أستَعمِل المِصعَدَ الكَهربائي للنُزولِ إلى حيثُ شقّةِ ريتشيل، ممّا يمنَحُني الوَقتَ لتَقمُّصِ الدَور. رَسمتُ ابتسامةً وَاسِعَةً مُظهِرَةً أسناني المُنتَظِمَة والنَاصِعَةَ البَياض وتَناولتُ حَقيبَةَ يَدي الأنيقة وبدونِ إلقاءِ أكثرَ مِن نَظرةٍ نحوَ إياد الجالِس على الأريكة يُحيطُ به الطِفلان مُتعمِّدًا التَظاهُرَ بعَدَمِ رُؤيتي، غادَرتُ الشقّةَ مُغلِقةً البابَ ورائي بهدوءٍ شديد مُتَجّهَةً لمُلاقاةِ عُصبَةِ نونِ النِسوة.
************
👏3❤2👍1
علياء عبد الحميد
(عمرو، ماذا تفعل؟ أتُحدّق بي؟! لقد، لقد انتبَه للفُستان!)
هكذا كنتُ أهمِس لنَفسي؛ لأُهدئ خَفَقات قَلبي المَذهولة والمُتقافِزَة بحُبور، يا إلهي! إنّه يتأمّلني بكَسَلٍ مُثير وابتسامةٌ عابِثَةٌ تملأ وَجهَه، أخَذتُ أبتَهِل في نَفسي كَي يُلَملِم بَهاءَ ابتسامَتِه قليلاً؛ فما يفعَله، وارتدائي لهذا الفُستان يُربكانِي لأبعدِ مَدى، فَلتسقُط ريتشيل زينب وجميعُ اجتماعاتِ النونِ العربية، لَن أذهب! لَن أذهَب وهذا قَرارٌ نِهائيّ.
شَهقةٌ خَافتة ابتلَعتُ رَجفتَها بينما يقتَرِب أكثر وأنفاسُه الدّافِئة تلفَحُ رقبَتِي.
مَهلاً! ما سِر هذا التَحوّل يا عمرو؟! الفُستانُ الأحمر وارتدَيتُ مِثلَه في السّابِق! والعِطرُ عِطري منذُ تَزوّجنا، أيَكونُ قَد استبدَل نَظّارتَه الطِبيّة؟! مؤكد هُنا -في لندن- يَختَلِف نَقاؤها عَن مَثيلاتِها في القاهرة. بتَردُّدٍ سمَحتُ لأهدابي بالرَفرَفَةِ قليلاً لأرى وَجهَه وقبلَ أن تَستَجيب أهدابِي لإشارَةِ عَقلِي، حَطّ كَفُه الكَبير على جَبيني ليُجفِلني بَعدَها بصَوتٍ مُرتَفِع:- ما بكِ يا علياء! هل أنتِ مَريضة؟!
نظرتُ إلَيه لأستفهم! وجَدتُه يَدور حَولي مُتأمِّلاً بينما يَحُلّ رَبطةَ عُنُقِه بنَزَقٍ قائلاً:- جميلٌ هذا الفُستان، ولكن ما هي المُناسبة لتَرتَدِيه في هذا البَرد؟! لا أعجَبُ من ارتجافِك! مؤكدٌ أنّكِ مَرضتِ! هَل أعدَدتِ (الكُشَري) أم أضَعتِ اليومَ كُلَه أمامَ المِرآة؟
لَكمَةٌ مُوجِعَة! هذا ما خَطر فِي بَالي الآن، وهو يُحدّق فيّ بعُيونِه الأربعة، لَكمةٌ قَويّة والدّمُ يَسيلُ مِن أنفِه! مَشهَدٌ رَائِع! لِمَ لَم أُترجِم الخيالَ إلى واقِعٍ بينما يُغادِر الغُرفَةَ ليَدخل إلى الحمّام، وهو يُغَمغِم بصَوتٍ يصِلني، ومُؤكّد يختَرِق مَسامِع (الجيران) :- عَلياء، أنا مَشغولٌ حتّى في يَومِ عُطلَتِي، لا تَعلمين بالطَبع أينَ كُنت ولا بأَيّ شَقاءٍ أُعانِي في الخَارِج! أنتِ هُنا، تَجلِسين مع آية، ولَم تُعِدِّي حتّى الطَعَام!، أصبَحتُ أهتَمّ بكُلِ شَيءٍ في هَذه الأُسرَة، بدأتُ أندَم على السَفَر، لَم تُعِدِيّ الطَعام، صَحيح؟! أنا مُرهَقٌ جدًا حتى لا أقوى على الخُروجِ و تَنَاو...
لَم يتوَقّف، بل أنا مَن أوقَفتُ بدَاخلي إرادَةَ الإنصات، و جَلَستُ في الصالةِ لأتفَرّج وآية بمِنديلِ رأسِها تُشارِكني الفُرجَة كعادَتِها.
ها هو قَد أنهى حَمّامَه وتوجّه رَأسًا إلى المَطبخ، الطَعامُ مُعَدٌّ بالفِعل، وثَلاثةُ أطباقٍ مِن الكُشَري الشَهِيّ تَقبَعُ بإذعانٍ هُناك. التهَم ما التهَمَ مِنها و لَم يُعَلِّق، أحبَبتُ في هَذه اللَّحظة مَطبَخِي المَفتوحَ برَحابَةٍ على الصالَة؛ كَي أتمَعّن في وَجهِه، علّني أجِد إجابَةً لسُؤالٍ يَقرَعُ عَقلِي الآن بمِطرَقَةٍ مِن حَديد، لِماذا أحبَبتُه؟! بَل لِمَاذا ما أزال أُحِبّه؟!
خَرج و تجوّل قليلاً في الشَقّةِ بِلا هَدَف ثم اندَسّ خَلفَ حَاسوبِه لنِصفِ ساعةٍ بتَركيزٍ ثَاقب، ليَهجع بعدَها إلى الفِراش، وتَنتَظِم أنفاسُه فِي دَقائقٍ مَعدودة مُسافِرًا لدُنيا الأحلام.. أتساءَل أحيانًا يا عمرو، هَل تستَطِيعَ الحُلم؟!
جلَستُ لأُكمِل هِندامِي أمامَ مِنضَدَةِ الزِينَة، وأنا أتَطلّع خَلفِي إلى (زوجي) عَلامَةِ التَعجُّبِ الَقابِعَةِ بهَناءٍ على الفِراش، عَلامَة تَعَجُّبٍ التَصَق مَصيري بِها لعدّةِ أسباب، سأسرِدُها عَليكم وأنا أُتَمِّم هَيئتِي وأُساعِد آية في ارتِداءِ ثِيابِها.
أسبابُ التِصاقي بعَلامَةِ التَعجُّب:
أ – أسبابٌ شَخصِيّة.
ب- أسبابٌ عَائِليّة.
السّبَبُ الشّخصِي، والوَحِيد هو أنّي أحبَبتُه. مَسألَةٌ قَدَريّةٌ بَحتَة، تمامًا كما يَسير شَخصٌ مُسالِم في أحَدِ الشَّوارِع ويسقُط عَلَيه فَجأة بَقايا جِسمٍ فَضائِيٍ مُحتَرِق، فيُردِيه قَتيلاً. لا أعلم إن كان حدَث هذا حقًا! ولكنّي أحبَبت عمرو بهَذه الطَرِيقة؛ عَلامَةُ تَعجُّبٍ جَليدِيّة وله ابتسامَةٌ سَاحِرَة، عِلاوةً على أنّه ابنُ خالتي، فمِن المَنطِقيّ جدًا أن أقَع فِي غَرَامِه.
ليتَني ما فَعَلت!
أمّا الأسباب العَائليّة، فهُما سبَبَان، أوّلهُما هَلَعُ أمي مِن شَبَحِ العُنوسَة والثّاني، صَفقَةُ بروش الأمِيرَة شهدزان (جدّتِي الكُبرى) زَوجة الأمِير نُعمان (جَدّي الأكبر) أيضًا هو الآخر. هكذا أخبَرونا مِرارًا، هي حِكايةٌ طَويلة، سأقُصّها فيما بعد، رغمَ أنّي لا أُصَدّقُها بالطَبع، ولا أحدَ يُمكِنُه التَصدِيق أنّ علامةَ التَعجُّبِ النَائِمِ خَلفِي هذا، تَجرِي فِي عُروقِه دِماءٌ مَلَكِيّة!
(هل أعدَدتِ الكُشَري!) أتمنّى أن تُصاب بتَلَبُّكٍ معوِيٍّ حادّ، أمِيرٌ مُغتَرِبٌ فِي لندن، يَشتَهِي الكُشَري في عِيدِ زَوَاجِه المُوافِق للأسَفِ لعِيد مِيلادِه الواحِد والثلاثين.
(عمرو، ماذا تفعل؟ أتُحدّق بي؟! لقد، لقد انتبَه للفُستان!)
هكذا كنتُ أهمِس لنَفسي؛ لأُهدئ خَفَقات قَلبي المَذهولة والمُتقافِزَة بحُبور، يا إلهي! إنّه يتأمّلني بكَسَلٍ مُثير وابتسامةٌ عابِثَةٌ تملأ وَجهَه، أخَذتُ أبتَهِل في نَفسي كَي يُلَملِم بَهاءَ ابتسامَتِه قليلاً؛ فما يفعَله، وارتدائي لهذا الفُستان يُربكانِي لأبعدِ مَدى، فَلتسقُط ريتشيل زينب وجميعُ اجتماعاتِ النونِ العربية، لَن أذهب! لَن أذهَب وهذا قَرارٌ نِهائيّ.
شَهقةٌ خَافتة ابتلَعتُ رَجفتَها بينما يقتَرِب أكثر وأنفاسُه الدّافِئة تلفَحُ رقبَتِي.
مَهلاً! ما سِر هذا التَحوّل يا عمرو؟! الفُستانُ الأحمر وارتدَيتُ مِثلَه في السّابِق! والعِطرُ عِطري منذُ تَزوّجنا، أيَكونُ قَد استبدَل نَظّارتَه الطِبيّة؟! مؤكد هُنا -في لندن- يَختَلِف نَقاؤها عَن مَثيلاتِها في القاهرة. بتَردُّدٍ سمَحتُ لأهدابي بالرَفرَفَةِ قليلاً لأرى وَجهَه وقبلَ أن تَستَجيب أهدابِي لإشارَةِ عَقلِي، حَطّ كَفُه الكَبير على جَبيني ليُجفِلني بَعدَها بصَوتٍ مُرتَفِع:- ما بكِ يا علياء! هل أنتِ مَريضة؟!
نظرتُ إلَيه لأستفهم! وجَدتُه يَدور حَولي مُتأمِّلاً بينما يَحُلّ رَبطةَ عُنُقِه بنَزَقٍ قائلاً:- جميلٌ هذا الفُستان، ولكن ما هي المُناسبة لتَرتَدِيه في هذا البَرد؟! لا أعجَبُ من ارتجافِك! مؤكدٌ أنّكِ مَرضتِ! هَل أعدَدتِ (الكُشَري) أم أضَعتِ اليومَ كُلَه أمامَ المِرآة؟
لَكمَةٌ مُوجِعَة! هذا ما خَطر فِي بَالي الآن، وهو يُحدّق فيّ بعُيونِه الأربعة، لَكمةٌ قَويّة والدّمُ يَسيلُ مِن أنفِه! مَشهَدٌ رَائِع! لِمَ لَم أُترجِم الخيالَ إلى واقِعٍ بينما يُغادِر الغُرفَةَ ليَدخل إلى الحمّام، وهو يُغَمغِم بصَوتٍ يصِلني، ومُؤكّد يختَرِق مَسامِع (الجيران) :- عَلياء، أنا مَشغولٌ حتّى في يَومِ عُطلَتِي، لا تَعلمين بالطَبع أينَ كُنت ولا بأَيّ شَقاءٍ أُعانِي في الخَارِج! أنتِ هُنا، تَجلِسين مع آية، ولَم تُعِدِّي حتّى الطَعَام!، أصبَحتُ أهتَمّ بكُلِ شَيءٍ في هَذه الأُسرَة، بدأتُ أندَم على السَفَر، لَم تُعِدِيّ الطَعام، صَحيح؟! أنا مُرهَقٌ جدًا حتى لا أقوى على الخُروجِ و تَنَاو...
لَم يتوَقّف، بل أنا مَن أوقَفتُ بدَاخلي إرادَةَ الإنصات، و جَلَستُ في الصالةِ لأتفَرّج وآية بمِنديلِ رأسِها تُشارِكني الفُرجَة كعادَتِها.
ها هو قَد أنهى حَمّامَه وتوجّه رَأسًا إلى المَطبخ، الطَعامُ مُعَدٌّ بالفِعل، وثَلاثةُ أطباقٍ مِن الكُشَري الشَهِيّ تَقبَعُ بإذعانٍ هُناك. التهَم ما التهَمَ مِنها و لَم يُعَلِّق، أحبَبتُ في هَذه اللَّحظة مَطبَخِي المَفتوحَ برَحابَةٍ على الصالَة؛ كَي أتمَعّن في وَجهِه، علّني أجِد إجابَةً لسُؤالٍ يَقرَعُ عَقلِي الآن بمِطرَقَةٍ مِن حَديد، لِماذا أحبَبتُه؟! بَل لِمَاذا ما أزال أُحِبّه؟!
خَرج و تجوّل قليلاً في الشَقّةِ بِلا هَدَف ثم اندَسّ خَلفَ حَاسوبِه لنِصفِ ساعةٍ بتَركيزٍ ثَاقب، ليَهجع بعدَها إلى الفِراش، وتَنتَظِم أنفاسُه فِي دَقائقٍ مَعدودة مُسافِرًا لدُنيا الأحلام.. أتساءَل أحيانًا يا عمرو، هَل تستَطِيعَ الحُلم؟!
جلَستُ لأُكمِل هِندامِي أمامَ مِنضَدَةِ الزِينَة، وأنا أتَطلّع خَلفِي إلى (زوجي) عَلامَةِ التَعجُّبِ الَقابِعَةِ بهَناءٍ على الفِراش، عَلامَة تَعَجُّبٍ التَصَق مَصيري بِها لعدّةِ أسباب، سأسرِدُها عَليكم وأنا أُتَمِّم هَيئتِي وأُساعِد آية في ارتِداءِ ثِيابِها.
أسبابُ التِصاقي بعَلامَةِ التَعجُّب:
أ – أسبابٌ شَخصِيّة.
ب- أسبابٌ عَائِليّة.
السّبَبُ الشّخصِي، والوَحِيد هو أنّي أحبَبتُه. مَسألَةٌ قَدَريّةٌ بَحتَة، تمامًا كما يَسير شَخصٌ مُسالِم في أحَدِ الشَّوارِع ويسقُط عَلَيه فَجأة بَقايا جِسمٍ فَضائِيٍ مُحتَرِق، فيُردِيه قَتيلاً. لا أعلم إن كان حدَث هذا حقًا! ولكنّي أحبَبت عمرو بهَذه الطَرِيقة؛ عَلامَةُ تَعجُّبٍ جَليدِيّة وله ابتسامَةٌ سَاحِرَة، عِلاوةً على أنّه ابنُ خالتي، فمِن المَنطِقيّ جدًا أن أقَع فِي غَرَامِه.
ليتَني ما فَعَلت!
أمّا الأسباب العَائليّة، فهُما سبَبَان، أوّلهُما هَلَعُ أمي مِن شَبَحِ العُنوسَة والثّاني، صَفقَةُ بروش الأمِيرَة شهدزان (جدّتِي الكُبرى) زَوجة الأمِير نُعمان (جَدّي الأكبر) أيضًا هو الآخر. هكذا أخبَرونا مِرارًا، هي حِكايةٌ طَويلة، سأقُصّها فيما بعد، رغمَ أنّي لا أُصَدّقُها بالطَبع، ولا أحدَ يُمكِنُه التَصدِيق أنّ علامةَ التَعجُّبِ النَائِمِ خَلفِي هذا، تَجرِي فِي عُروقِه دِماءٌ مَلَكِيّة!
(هل أعدَدتِ الكُشَري!) أتمنّى أن تُصاب بتَلَبُّكٍ معوِيٍّ حادّ، أمِيرٌ مُغتَرِبٌ فِي لندن، يَشتَهِي الكُشَري في عِيدِ زَوَاجِه المُوافِق للأسَفِ لعِيد مِيلادِه الواحِد والثلاثين.
👍5❤2
سامَحَكِ اللهُ يا أمي! لِمَ لم تَرفُضِي ابنَ أُختِك، وتَحبِسيني بغُرفَتي مِثل أُمّهاتِ المَاضِي؟! كنتُ سأبكي قَليلاً -أو كَثيرًا- حتّى أمَلّ وأُعاوِد مُزاوَلَة الحَياة ثُم مَا بِها العُنوسة؟! تأمّلتُ نَفسِي بالمِرآةِ مُخفِيةً خَلفِي عَلامةَ تَعجُّبِي، فَتاةٌ مَمشوقَة وذاتَ قوامٍ رَائِع وحَاصِلَة على مَاجِستير رياض أطفال -بدون عَلامة تَعجُّب- مَا أحلى الحَياة! للَحظَةٍ شَعرتُ بنَسائمِ الحُريّة تُهَدهِد خَيالي إلى أن أطلّت آية بِجانِبي في المِرآة، بابتِسامةٍ عَريضةٍ كأنّي ألتَقِط صورةً وهي ستُشارِكَني إيّاها، بتَطوِيقِها لخَصرِي بذِراعِها الصّغير.
ارتدَيتُ مِعطَفًا أنيقًا أُخفِى به مَفاتِني ووشاحًا لرَأسي يُحاكِيه أناقَةً، فُستانِي الرّائِع سيَجِد جُمهورًا كَبيرًا مِن الفَتيات، خاصةً وقَد زَيّنتُه بِبروش (شهدزان) فلَم أُعِدْه لمُستَقَرّه في صُندوقِه الصّدَفيّ بخِزانَةِ مَلابِسي؛ كَي يُدرِكن أيَ دَلالٍ يُغرِقني به (ابنُ رَئِيسة) وقبلَ أن أخطو خارِجَ الشَقّة، وكَفُ آية مُستَقِرٌّ فِي يَدِي، جَذبتُها لأُوصِيها الوَصايا التي باتَت تَحفَظُها وتُغيظُني بتِكرارِها كَمَا فَعلَت الآن "و لَن آكُل أو أشرب شَيئًا حتّى تُشيري لِي يا أمي!"
هَممتُ بالخُروج، فجَذَبتنِي بقُوّة وهمَسَت فِي أُذُنِي بشَيء، لأهمِس لها بَعدَها:- لا يا آية، لَن يصلُح هذا مَع والدِك ولَكِن في البِداية، هَل تُشارِكيني خُطّة (سِحرِ الفِيديو كليب وتَنسِيق الثّانَوية العامّة)؟
هتفَت بحَماس: "موافِقَة، و لَكن ما مَعنى هذا؟!". ابتسَمتُ لها وقد التمَعَت الفِكرَةُ في ذِهني، وقُلتُ لها:- عندما نَعود سأُخبِرُك.
قبّلَتنِي بقُوّةٍ ثُم انطلَقَت مُسرِعَة لتَسبِقني إلى شَقّة الإنجليزيّةِ الأنيقة التي ستَستَقبِلني الآن بحَفَاوَةٍ قَائلة: "أهلاً علياء".
مينة أحمد
غسَلتُ وَجهي بالماءِ الباردِ مِرارًا و تِكرارًا، رُبّما أُحاوِلُ أن أجِد (مَنْ أنا!) بَين كُلِ رَشقَةٍ وأُخرى، لَولا لُطفِ الله لكَان ذَلك الرّجُل إما مَيتًا أو بِحالَةٍ مُزرِية، وبعدَ جرعَةِ الخَوفِ الكَبيرةِ التي تَلقّيتُها، تَبيّن أنّه مَن عبَرَ مِن مَكانٍ خَاطئ. تمَالَكتُ نَفسي وأخَذتُ نَفَسًا عَميقًا وأنا أُرَدِّد "لَن أُفسِد يَومِي المُميّز" وكأنّي ما عُدتُ لتَوّي مِن مَوعِدِ طَلَبِ طَلاق! أُراهِنُ أنّه أسرَع طَلَب! رُبّما تَسَرّعتُ فِيه، لَكنّه صَحيح رغمَ بَقاءِ الأحداثِ الأخرى فِي قَلبِي، لكن لابد مِن النُهوض، وهذا ما اعتَدتُه؛ أنهَضُ بعدَ كُلِ سُقوط، وهذا لا يَعني تَجاوُز الأمرَ ببَساطة، بل هُمومي أُرتِّبُها مِثل الكُتُب، وأعِيدُ تَقلِيبَها كُلَّ مَرّة.
ذهبتُ للمَطبَخ؛ مَكان المَرأة المُفضّل مَهما بَلغَت مَكانتُها (مَكاني المُفضّل للتَفكِير)...لا أُنكِر أنّي خَائفةٌ مِن رَدّةِ فِعلِ عَلِيّ، خُصوصًا بعدَ رِسالَتِه وكَلامِ وَالِدَتِه قبلَ فِترة، وهِي تُشبِهه بالحَليمِ إذا غَضِب أثناءَ كَلامِها اللّطِيف المُبَطّن بنَبرَةِ تَهدِيد، حتّى كَلامِ خَوَلة يَرِنّ في أُذُنِي رغمَ تَشكِيكِها الدّائِم بكُلِ ما حَولها، لدَرَجة أفقِدُ بها أعصابِي، لَو تَعرِف بالكارِثة التي أقدَمتُ علَيها وهي تَحُثّني على إتمامِ زَواجِي مِن عَلِيّ: (فَكّري مَعي يا عَزيزَتي مينة..
أبوكِ كان عَبدًا لمؤامراتٍ حاكَتها له شُكوكُه وعقلُه المَريض، والتي كُنتِ ضَحِيّتَها؛ فأمُك لَا أرَها ضَحيّةً أبدًا، ابنُ عَمّك وخالِك صنعا مؤامرةً بمُحاولتِهما لإقناعِك بالدّراسةِ في الخارج، أخوك يحيكُ لكِ المؤامرات دائمًا، بدءًا مِن مُحاولاتِه الطُفوليّة كَي يُلهيكِ عن شِجاراتِ والدَيكِ، وانتهاءً بتَرحيلِك معه للخارِج، ويبدو أن خِطبتك مؤامرة مِن مؤامراتِه والآن أخبريني، مَن الرَجُل الوحيد في حياتِك، الذي لَم يكِد لكِ مؤامرةً يومًا؟ هذا الرجل رفَض أن يستخدِم هذا النوع الإيجابي مِن المؤامرات، أتعلمين لماذا؟ لأنّه يؤمن و يثِق بكِ، ويكرَه أن يحصُل على مآربِه نتيجةَ خِداعٍ ومؤامرات، رَجُل – رغمَ طبيعتي الشكّاكَة– أثِقُ بأنّه يُحبّك وسيُسعِدُك، رَجُل يُدعى عَلِيّ. انسِي الماضي يا مينة و تزوّجِيه، وإلا سأُزوّجُه للآنسة آية عمرو عبد السلام، على الأقل سترتاح علياء إن تخلّصَت من إزعاجِ ابنتِها). آية وعلياء رغمًا عنّي أضحكُ عندما أتذكّرهما و طريقَة تحاوُرهما، وتلك الصغيرة تُحاوِل أن تظهَر بمَظهرِ الكبيرة، وهَوَس علياء بالنّظافة، استغرَبتُ مرّة وسألتُها (كيف تستَطيع التَعامُل مع ابنتِها، أو بالأحرى كيفَ تتحمّلها!) أخبرتني: (إنّ الأمومةَ سِرٌ لا تُدرِكُه إلاّ مَن تُجرّبه، أنتِ تَرين آية مُشاغِبَة ولا تَستطيعين تَحمُّلَها، لكن ستَعرفين عِندما يكون لديكِ طِفل، لن تشعُري باتّجاهِه إلاّ بعَاطفةٍ لا تَستطيعين تفسيرَها) ولا أظُنّ أنّي سأُجرّب هذا الإحساس، رغمَ اشتِياقي ليكون لي طِفل لي وَحدي، يُشبِه مَن أُحِب.
ارتدَيتُ مِعطَفًا أنيقًا أُخفِى به مَفاتِني ووشاحًا لرَأسي يُحاكِيه أناقَةً، فُستانِي الرّائِع سيَجِد جُمهورًا كَبيرًا مِن الفَتيات، خاصةً وقَد زَيّنتُه بِبروش (شهدزان) فلَم أُعِدْه لمُستَقَرّه في صُندوقِه الصّدَفيّ بخِزانَةِ مَلابِسي؛ كَي يُدرِكن أيَ دَلالٍ يُغرِقني به (ابنُ رَئِيسة) وقبلَ أن أخطو خارِجَ الشَقّة، وكَفُ آية مُستَقِرٌّ فِي يَدِي، جَذبتُها لأُوصِيها الوَصايا التي باتَت تَحفَظُها وتُغيظُني بتِكرارِها كَمَا فَعلَت الآن "و لَن آكُل أو أشرب شَيئًا حتّى تُشيري لِي يا أمي!"
هَممتُ بالخُروج، فجَذَبتنِي بقُوّة وهمَسَت فِي أُذُنِي بشَيء، لأهمِس لها بَعدَها:- لا يا آية، لَن يصلُح هذا مَع والدِك ولَكِن في البِداية، هَل تُشارِكيني خُطّة (سِحرِ الفِيديو كليب وتَنسِيق الثّانَوية العامّة)؟
هتفَت بحَماس: "موافِقَة، و لَكن ما مَعنى هذا؟!". ابتسَمتُ لها وقد التمَعَت الفِكرَةُ في ذِهني، وقُلتُ لها:- عندما نَعود سأُخبِرُك.
قبّلَتنِي بقُوّةٍ ثُم انطلَقَت مُسرِعَة لتَسبِقني إلى شَقّة الإنجليزيّةِ الأنيقة التي ستَستَقبِلني الآن بحَفَاوَةٍ قَائلة: "أهلاً علياء".
مينة أحمد
غسَلتُ وَجهي بالماءِ الباردِ مِرارًا و تِكرارًا، رُبّما أُحاوِلُ أن أجِد (مَنْ أنا!) بَين كُلِ رَشقَةٍ وأُخرى، لَولا لُطفِ الله لكَان ذَلك الرّجُل إما مَيتًا أو بِحالَةٍ مُزرِية، وبعدَ جرعَةِ الخَوفِ الكَبيرةِ التي تَلقّيتُها، تَبيّن أنّه مَن عبَرَ مِن مَكانٍ خَاطئ. تمَالَكتُ نَفسي وأخَذتُ نَفَسًا عَميقًا وأنا أُرَدِّد "لَن أُفسِد يَومِي المُميّز" وكأنّي ما عُدتُ لتَوّي مِن مَوعِدِ طَلَبِ طَلاق! أُراهِنُ أنّه أسرَع طَلَب! رُبّما تَسَرّعتُ فِيه، لَكنّه صَحيح رغمَ بَقاءِ الأحداثِ الأخرى فِي قَلبِي، لكن لابد مِن النُهوض، وهذا ما اعتَدتُه؛ أنهَضُ بعدَ كُلِ سُقوط، وهذا لا يَعني تَجاوُز الأمرَ ببَساطة، بل هُمومي أُرتِّبُها مِثل الكُتُب، وأعِيدُ تَقلِيبَها كُلَّ مَرّة.
ذهبتُ للمَطبَخ؛ مَكان المَرأة المُفضّل مَهما بَلغَت مَكانتُها (مَكاني المُفضّل للتَفكِير)...لا أُنكِر أنّي خَائفةٌ مِن رَدّةِ فِعلِ عَلِيّ، خُصوصًا بعدَ رِسالَتِه وكَلامِ وَالِدَتِه قبلَ فِترة، وهِي تُشبِهه بالحَليمِ إذا غَضِب أثناءَ كَلامِها اللّطِيف المُبَطّن بنَبرَةِ تَهدِيد، حتّى كَلامِ خَوَلة يَرِنّ في أُذُنِي رغمَ تَشكِيكِها الدّائِم بكُلِ ما حَولها، لدَرَجة أفقِدُ بها أعصابِي، لَو تَعرِف بالكارِثة التي أقدَمتُ علَيها وهي تَحُثّني على إتمامِ زَواجِي مِن عَلِيّ: (فَكّري مَعي يا عَزيزَتي مينة..
أبوكِ كان عَبدًا لمؤامراتٍ حاكَتها له شُكوكُه وعقلُه المَريض، والتي كُنتِ ضَحِيّتَها؛ فأمُك لَا أرَها ضَحيّةً أبدًا، ابنُ عَمّك وخالِك صنعا مؤامرةً بمُحاولتِهما لإقناعِك بالدّراسةِ في الخارج، أخوك يحيكُ لكِ المؤامرات دائمًا، بدءًا مِن مُحاولاتِه الطُفوليّة كَي يُلهيكِ عن شِجاراتِ والدَيكِ، وانتهاءً بتَرحيلِك معه للخارِج، ويبدو أن خِطبتك مؤامرة مِن مؤامراتِه والآن أخبريني، مَن الرَجُل الوحيد في حياتِك، الذي لَم يكِد لكِ مؤامرةً يومًا؟ هذا الرجل رفَض أن يستخدِم هذا النوع الإيجابي مِن المؤامرات، أتعلمين لماذا؟ لأنّه يؤمن و يثِق بكِ، ويكرَه أن يحصُل على مآربِه نتيجةَ خِداعٍ ومؤامرات، رَجُل – رغمَ طبيعتي الشكّاكَة– أثِقُ بأنّه يُحبّك وسيُسعِدُك، رَجُل يُدعى عَلِيّ. انسِي الماضي يا مينة و تزوّجِيه، وإلا سأُزوّجُه للآنسة آية عمرو عبد السلام، على الأقل سترتاح علياء إن تخلّصَت من إزعاجِ ابنتِها). آية وعلياء رغمًا عنّي أضحكُ عندما أتذكّرهما و طريقَة تحاوُرهما، وتلك الصغيرة تُحاوِل أن تظهَر بمَظهرِ الكبيرة، وهَوَس علياء بالنّظافة، استغرَبتُ مرّة وسألتُها (كيف تستَطيع التَعامُل مع ابنتِها، أو بالأحرى كيفَ تتحمّلها!) أخبرتني: (إنّ الأمومةَ سِرٌ لا تُدرِكُه إلاّ مَن تُجرّبه، أنتِ تَرين آية مُشاغِبَة ولا تَستطيعين تَحمُّلَها، لكن ستَعرفين عِندما يكون لديكِ طِفل، لن تشعُري باتّجاهِه إلاّ بعَاطفةٍ لا تَستطيعين تفسيرَها) ولا أظُنّ أنّي سأُجرّب هذا الإحساس، رغمَ اشتِياقي ليكون لي طِفل لي وَحدي، يُشبِه مَن أُحِب.
👍8❤4
سأترُك إخبارَ مازن بقراري لحِينِ عَودتي. اتّجَهتُ لغُرفَتي، وبدَأتُ حَملةَ التَنقيبِ عمّا سأرتديه اليوم، واتَتني اللَحظة لأكون إنسانة ثانية، وكذلك جاراتي ثيابهنّ جميلة، خُصوصًا الوافِدَة الجديدة (لين) وأنا لستُ إنسانة مُختلِفَة عنهنّ، ومِن حقّي أن أظهرَ بمَظهَرٍ أُنثَوِيٍّ جَميل. قلبتُ كثيرًا حتّى سقَطَت يدي على فُستانٍ بلَونٍ بُرتقالِيٍ غَامِق، لمَستُه بكُلِ رِقّة، وتذَكّرتُ أنّي لَم أرتَديه منذُ أن جلَبَه لي عَلِيّ، ذَوقُه جَميل، وكأنّه يَنطِق بالحياة. سأرتَديه اليَوم -و لسُخرِيَة القَدَر- دونًا عَن كُلِ الأيّام، أشعُر بخِنجَرٍ يُمزّق قَلبي.
أنهَيتُ ارتداءَ الفُستان، ونظَرتُ لنَفسي بغَرَابة! فُستان عَارِي الأكمام، وفَتحةُ الصَدرِ واسِعة نَوعًا ما، طُولُه يُلامِس رُكبتيّ، وحِزامٌ بُنِيّ يُزيّنُ الخَصر، يُحدّدُ الجَسَدَ بطَريقَةٍ جَميلة.. اليَوم، سأعِيش لنَفسِي فَقَط، سارَعتُ بوَضعِ لمساتٍ من الماكياج، سرّحتُ شَعرِي الأسود الناعم ورَفعتُ نِصفَه بمشبكٍ صغير ثم ارتدَيتُ حِذاءً بُنيّ عَاليَ الكَعبَين، ومَضيتُ بسُرعة لغُرفَةِ مازن. فتَحتُ الباب بينما أظن أنّه غَير مَوجود، لكنّه كان هُناك، يضَع بَعضَ الأوراق في الخِزنة، حالما رآني تصَنّع الدَّهشَةَ وهو يَقول: "عفوًا آنستي، يبدو أنّكِ دَخلتِ بالخَطأ إلى غُرفتي!". فعَاد يقول، وابتسامَةٌ تُزيّن وجهَه: "جميلة، وكأنّ الشمسَ أشرَقَت على بُستانِ بُرتقال، يبدو أن رؤيَة عليّ لها تأثير مُميّز". قالَها وهو يَغمِز بعَينِه (لا تَعرِف يا أخي، أنّي أدوسُ جَمرًا وألوكُ شَوكًا وأبتَسِم كَذِبًا) ادّعَيتُ الغَضَب واتّجَهتُ أيضًا للخزنة التي يحتَفِظ فيها بأوراقِ الشَرِكة المُهمّة وأنا أحتَفِظ فيها بخاتَمِ جدّتي - مُرتَبِطة بجِهازِ إنذارٍ كحالِ الشَقّة، لأن، حَسب قَولِه، ما فيها لا يخُصّه هو فقَط – أهدَته لي قبلَ سَنةٍ من سفَري، والكُل ظَنّ أنّها فعلَت ذلك لأنّي أُشبِهُها كثيرًا، لكنّها عرفَت أنّي أعشق الأشياءَ القديمة والخاتم يَعودُ للقَرنِ التاسِع عَشر، اشتراه جَدّي مِن مزادٍ في لندن وأهداه لها؛ من الغَربِ إلى الشّرق، وها هو يَعود إلى الغَربِ الضَبابِي. لابأسَ من ارتِدائه مع دِبلَةِ الخُطوبةِ التي تسكُن بِنصَرِي منذُ عقد قراننا، ورُبّما فقطَ لهذه الأيّام.
ناداني مازن، فالتفَتُّ إليه، "استمتعي بحياتِك ولا تترُكِي الماضي يسرِقك مِن حاضِرِك ومُستقبَلِك وتذَكّري أنّي مَوجودٌ دائمًا إلى جانِبِك مَهما حَدَث". أرهقَتني كَلِماتُه، فقلتُ له: "أعرِفُ ذلك، وأوقَن به بقَلبي والآن، سأتأخّر! سأُصَلّي المَغرِب، وأنطَلِق إلى نونِنا العربيّة" حيثُ أشعُر بالرّاحة وأنا أستَمتِع بحِواراتِنا رغمَ اختلافِ طِباعِنا. "لا تَنسِي أن تُسلّمِي لي على كوكتيل الأصول والجاذِبيّة ريتشيل!". قالها وهو يُمسِك قَلبَه بطَريقةٍ مَسرحيّة.
أكمَلتُ صلاتي وذَهبتُ لأُحضِر عباءَتي و حِجابي، وأنا أضَعُ هاتِفي في الحَقِيبة، سَمِعتُ صوتَ إغلاقِ الباب، فتوقعت خُروجِ مازن لأصدم برؤية عَلِيّ يَستَنِد إلى البابِ مِن الدّاخِل، ووَجهُه يَحمِل تَعابير مُضطَرِبَة، ما بينَ الغَضَبِ والتَعَبِ والشُحوب، وشَعرُه مُبَعثَر، فألجَمَتني الصَدمةُ مِن وجودِه ومَظهِره، وخَشيتُ من الآتي.
تصنّعتُ الشّجاعَةَ التي فَقدتُها كُلَها، وصَوتُ والدي يَعود ليَرِنّ بأُذُنَي مع بُكاء والدتي، فقلتُ له: "مازن خَرَج!"
ردّ بغَضَبٍ وبصَوتٍ مُخيف: "أعرِفُ ذلك، وهو يَعرِف بوجودي، وأيضًا أنتِ ذاهِبةٌ للِقاءِ جاراتِك؛ فلا داعِ لطَردِي بلُطف، لأنّي سأنتَظِرُك هُنا وهذا شيءٌ لا أقبلُ النّقاشَ فيه؛ لأن حياتَنا أصبحَت مُجرّد لُعبةٍ بينَ يدَيكِ، تتَسلّين بها دونَ أيِ اعتبارٍ لمَشاعِرِي، أو رُبّما اكتشَفتِ أن ارتباطَنا غير مُجدٍ بعدَ دِراسةٍ أجريتِها كما في عَمَلِك وامسَحي نظرةَ الذُعرِ مِن عَينَيكِ لأنّي لَن ألتَهِمك!". اتّهاماتُه مزّقَت روحي، وعقدَةُ حاجبَيه تزداد بينما عيناه أصبحتا بنَظَراتِ صَقرٍ سيَنقَضّ على فَريسَتِه في أي لحظة، لأدرك أخيرًا أنّني أقِفُ بذلك الفُستانِ أمامَه؛ فطوالَ السَنةِ والنِصف الماضية، كنتُ أرتدي كُلَ شيءٍ مُحتَشِمٍ أمامَه وأبتَعِد عنه قَدرَ الإمكان.
أنهَيتُ ارتداءَ الفُستان، ونظَرتُ لنَفسي بغَرَابة! فُستان عَارِي الأكمام، وفَتحةُ الصَدرِ واسِعة نَوعًا ما، طُولُه يُلامِس رُكبتيّ، وحِزامٌ بُنِيّ يُزيّنُ الخَصر، يُحدّدُ الجَسَدَ بطَريقَةٍ جَميلة.. اليَوم، سأعِيش لنَفسِي فَقَط، سارَعتُ بوَضعِ لمساتٍ من الماكياج، سرّحتُ شَعرِي الأسود الناعم ورَفعتُ نِصفَه بمشبكٍ صغير ثم ارتدَيتُ حِذاءً بُنيّ عَاليَ الكَعبَين، ومَضيتُ بسُرعة لغُرفَةِ مازن. فتَحتُ الباب بينما أظن أنّه غَير مَوجود، لكنّه كان هُناك، يضَع بَعضَ الأوراق في الخِزنة، حالما رآني تصَنّع الدَّهشَةَ وهو يَقول: "عفوًا آنستي، يبدو أنّكِ دَخلتِ بالخَطأ إلى غُرفتي!". فعَاد يقول، وابتسامَةٌ تُزيّن وجهَه: "جميلة، وكأنّ الشمسَ أشرَقَت على بُستانِ بُرتقال، يبدو أن رؤيَة عليّ لها تأثير مُميّز". قالَها وهو يَغمِز بعَينِه (لا تَعرِف يا أخي، أنّي أدوسُ جَمرًا وألوكُ شَوكًا وأبتَسِم كَذِبًا) ادّعَيتُ الغَضَب واتّجَهتُ أيضًا للخزنة التي يحتَفِظ فيها بأوراقِ الشَرِكة المُهمّة وأنا أحتَفِظ فيها بخاتَمِ جدّتي - مُرتَبِطة بجِهازِ إنذارٍ كحالِ الشَقّة، لأن، حَسب قَولِه، ما فيها لا يخُصّه هو فقَط – أهدَته لي قبلَ سَنةٍ من سفَري، والكُل ظَنّ أنّها فعلَت ذلك لأنّي أُشبِهُها كثيرًا، لكنّها عرفَت أنّي أعشق الأشياءَ القديمة والخاتم يَعودُ للقَرنِ التاسِع عَشر، اشتراه جَدّي مِن مزادٍ في لندن وأهداه لها؛ من الغَربِ إلى الشّرق، وها هو يَعود إلى الغَربِ الضَبابِي. لابأسَ من ارتِدائه مع دِبلَةِ الخُطوبةِ التي تسكُن بِنصَرِي منذُ عقد قراننا، ورُبّما فقطَ لهذه الأيّام.
ناداني مازن، فالتفَتُّ إليه، "استمتعي بحياتِك ولا تترُكِي الماضي يسرِقك مِن حاضِرِك ومُستقبَلِك وتذَكّري أنّي مَوجودٌ دائمًا إلى جانِبِك مَهما حَدَث". أرهقَتني كَلِماتُه، فقلتُ له: "أعرِفُ ذلك، وأوقَن به بقَلبي والآن، سأتأخّر! سأُصَلّي المَغرِب، وأنطَلِق إلى نونِنا العربيّة" حيثُ أشعُر بالرّاحة وأنا أستَمتِع بحِواراتِنا رغمَ اختلافِ طِباعِنا. "لا تَنسِي أن تُسلّمِي لي على كوكتيل الأصول والجاذِبيّة ريتشيل!". قالها وهو يُمسِك قَلبَه بطَريقةٍ مَسرحيّة.
أكمَلتُ صلاتي وذَهبتُ لأُحضِر عباءَتي و حِجابي، وأنا أضَعُ هاتِفي في الحَقِيبة، سَمِعتُ صوتَ إغلاقِ الباب، فتوقعت خُروجِ مازن لأصدم برؤية عَلِيّ يَستَنِد إلى البابِ مِن الدّاخِل، ووَجهُه يَحمِل تَعابير مُضطَرِبَة، ما بينَ الغَضَبِ والتَعَبِ والشُحوب، وشَعرُه مُبَعثَر، فألجَمَتني الصَدمةُ مِن وجودِه ومَظهِره، وخَشيتُ من الآتي.
تصنّعتُ الشّجاعَةَ التي فَقدتُها كُلَها، وصَوتُ والدي يَعود ليَرِنّ بأُذُنَي مع بُكاء والدتي، فقلتُ له: "مازن خَرَج!"
ردّ بغَضَبٍ وبصَوتٍ مُخيف: "أعرِفُ ذلك، وهو يَعرِف بوجودي، وأيضًا أنتِ ذاهِبةٌ للِقاءِ جاراتِك؛ فلا داعِ لطَردِي بلُطف، لأنّي سأنتَظِرُك هُنا وهذا شيءٌ لا أقبلُ النّقاشَ فيه؛ لأن حياتَنا أصبحَت مُجرّد لُعبةٍ بينَ يدَيكِ، تتَسلّين بها دونَ أيِ اعتبارٍ لمَشاعِرِي، أو رُبّما اكتشَفتِ أن ارتباطَنا غير مُجدٍ بعدَ دِراسةٍ أجريتِها كما في عَمَلِك وامسَحي نظرةَ الذُعرِ مِن عَينَيكِ لأنّي لَن ألتَهِمك!". اتّهاماتُه مزّقَت روحي، وعقدَةُ حاجبَيه تزداد بينما عيناه أصبحتا بنَظَراتِ صَقرٍ سيَنقَضّ على فَريسَتِه في أي لحظة، لأدرك أخيرًا أنّني أقِفُ بذلك الفُستانِ أمامَه؛ فطوالَ السَنةِ والنِصف الماضية، كنتُ أرتدي كُلَ شيءٍ مُحتَشِمٍ أمامَه وأبتَعِد عنه قَدرَ الإمكان.
👍6❤1
في غَمرَةِ أفكاري، وجدتُ نفسي أعضُّ شفتِي السُفلى ككُلِ مرّةٍ أشعُر فيها بالحَرَج، يبدو أنّ أفكاري لا مَحلّ لها من الإعراب وأنا أشعُر بصَدمة وأصابِعه تسحب شَفتِي من تحتِ كمّاشَةِ أسنانه بينما يُغمِض عينَيه قائلا: "اضطُرِرتُ لتَحمُّلِ هذه الحرَكة لفِترةٍ طَويلة، تُعذّبيني بها!" إنها رَغبةٌ عَارِمة بأن أنتَقِم مِن نَفسي قبلَ غَيرِي؛ فأنا اعتدتُ هذه الحرَكة منذُ أن كنتُ صَغيرة؛ أرَدتُ أن أنطِق بذلك، لكن حرَكةَ أصابِعِه وهي تَمُرّ على ذِراعي مَقرونَةً بكَلِماتِه حالت دون تحرك لساني : "دومًا بَشرتُك دافئة، ولَونُها حَيّرني حتّى بِتُّ أوقِن أنّ الشَمسَ تَسرِق مِنكِ دفئها، تُحاوِل مجاراة لَونَ بَشرَتِك الجميل؛ لَستِ سمراء ولا بَيضاء، لَونٌ ذَهبِيٌّ خَفيفٌ يَغمُرُكِ!". خَفَقاتُ قَلبي باتَت كطُبولِ الحَربِ تَضرِب بعُنفٍ وبِدَوِيٍّ عالِ، ورُكبتاي كالهُلام لا تَحمِلان ثِقَلَ جِسمي وكأنّه شَعُر بي فأحاطَت ذِراعُه بخَصري. حركَتُه تلك زادَت الأمرَ سوءًا، ولَم أعُد أملِكُ مِن مينة شيئًا وهو يُقبِّلُني برِقّةٍ و شَوق، تُشبِه تلكَ القُبَلِ التي لا يَخجَلُ الرِّجالُ هُنا مِن إغداقِ النساء بها أمام الناس، فاستَسلَمتُ لمَشاعِري التي تَعرّفتُ عَليها مُتأخِّرَة.
رنّةُ هاتِفِه أعادَتني إلى الوَاقِع وأدرَكت أنّ المَوقِف ليسَ في صَالِحي، فابتَعدتُ بسُرعةٍ اتبَعتُها بارتداءِ عَباءَتِي وحِجابي بسُرعَة وهو يَرُدّ على مُحدِّثِه. أمسَكتُ مِقبَضَ البابِ بسُرعَة وفتَحتُه لأسمَعه يقولُ لي: "لستُ نَادِمًا ولا آسِفًا على ما حدَثَ قبلَ قَليل، وقد انتَظرتُ كَثيرًا حتّى كَرِهني الصَبر.. الحديثُ بينَنا سيكونُ طَويلاً عِندما تَعودين". أغلَقتُ الباب، واستنَدتُ عليه مِن الخارِج أهمس لنفسي (أنا النادِمة أشَدّ النَدَم). وبعدَها اتّجَهتُ للسُلّم بدلاً مِن المِصعَد، صعودًا لشَقّةِ ريتشيل في الطابقِ الرابِع؛ كَي أتمالَك نَفسي قَليلاً.
**********
رنّةُ هاتِفِه أعادَتني إلى الوَاقِع وأدرَكت أنّ المَوقِف ليسَ في صَالِحي، فابتَعدتُ بسُرعةٍ اتبَعتُها بارتداءِ عَباءَتِي وحِجابي بسُرعَة وهو يَرُدّ على مُحدِّثِه. أمسَكتُ مِقبَضَ البابِ بسُرعَة وفتَحتُه لأسمَعه يقولُ لي: "لستُ نَادِمًا ولا آسِفًا على ما حدَثَ قبلَ قَليل، وقد انتَظرتُ كَثيرًا حتّى كَرِهني الصَبر.. الحديثُ بينَنا سيكونُ طَويلاً عِندما تَعودين". أغلَقتُ الباب، واستنَدتُ عليه مِن الخارِج أهمس لنفسي (أنا النادِمة أشَدّ النَدَم). وبعدَها اتّجَهتُ للسُلّم بدلاً مِن المِصعَد، صعودًا لشَقّةِ ريتشيل في الطابقِ الرابِع؛ كَي أتمالَك نَفسي قَليلاً.
**********
❤4👍3