قصص من وحي الأعضاء
9.36K subscribers
163 links
روايات قسم قصص من وحي الأعضاء بمنتدي روايتي
Download Telegram
أجل، اليومُ هو اجتماع نون عربية، يا إلهي! لقد نسيتُ الدعوة في حين أن خالد يتذكّرها، هل يُعقل أنّه فعلاً مُهتمٌ بريتشيل؟! هل هناك مؤامرة جديدة تُحاك حولي دونَ أن أنتبه لها؟!


*****************
10
علياء عبد الحميد

(يا صباح الخير ياللي معانا الكروان غنّا وصحانا)
هكذا كنتُ أغني طربًا بانتهاء التنظيف الصباحي، بينما أرتشفُ كوباً من الشاي الساخن بجلسة هادئة في غرفة المعيشة، وبريقُ النظافة يلتمع من كل شيءٍ حولي.
بين لحظة وأختها كعادتها اجتثّت آية ببساطة مزاجي الرائق من جذوره وهي تقتل ذُبابة بمضرب الذباب على منضدة مُنخفضة تتوسّط الغرفة، صرخةٌ أطلقتُها مفجوعة على مصير جهدي، ونظرةٌ مُخيفة رأيتُ أثرَها في وجه ابنتي وهي تُلملم ذعرَها وتجري لتغتسل وتُبدل ثيابها.
تجُيدْ الانتقام مني هذه الصّغِيرة، كُل هَذا لأنِي لم أذهبْ بهاِ في يَوم العُطلَة للحَفل الاسِتثنَائِي بعِيد المعُلم مثل بسمة ابنة ديمة وأيمن ابن مُونيا.
أعدتُ كَرّة التنظيف والتعقيم بجهدٍ أكبر هذه المرة، وأنا ألعن ذُبابَ مصر ولندن وكل ذباب العالم (من أين تسلّلت هذه المؤذية؟) وجدتُها من شُرفة المطبخ وقد نسيتُها مفتوحة للأسف الشديد.
السيمفونية السابعة لبيتهوفن! مَن مزاجُه رائق بهذا الصباح؟ لابد أنها (ريتشيل زينب) أو (زينب ريتشيل) مالكة العقــار
حقيقةً لا أعلم من أين يأتون بهذه الأسماء الغريبة! في كل مرة أحيّيها أرتبك بأي اسمٍ أُناديها، فتُسارع هي بابتسامةٍ عريضة لتُصافحني قائلةً " أهلاً علياء " تنطِق اسمي بطريقة غريبة جدا، هي طيبة لا تحتمل إزعاجَ حتى مُجرد قطٍ شريد ولكن ابتسامتَها حُلوة، حُلوةٌ لدرجة أصابت فجأة نظرَ عمرو الضعيف بالحدّةِ وهو يحدق من خلفِ نظارته الطبية مبهورا بابتسامتها ويُبادلها بأخرى أكثر اتساعًا (عمرو ابن رئيسة)!
أتساءل كثيرا هل يعلم عمرو أن ابتسامةً أجمل من ابتسامة تلك الـ ريتشيل زينب كانت سببًا في مأساتي الزوجية. ابتسامتُه هو.
ابتسامة تُدرك منها المعنى الحقيقي للصفاء، تُشرق عن صفّين من الأسنان الرائعة مُتألقة البياض وغمازة شقية في خده الأيسر، يصيبُني الخدر حين يبتسم، أجدُ نفسي عدتُ مُراهقة في الخامسة عشرة من عُمري لا أُجيد التصرُف فقط أتسمّر ببلاهةٍ أمامه، حتى هو لا يُلاحظ تأثير ابتسامته الجارف في قلبي. يضربُني بهذا الزلزال دومًا ثم ينصرف لشئونه بمُنتهى البراءة.
ابتسامة جعلتني أرتضي اشتياقي الجارف لأبي وأمي، واغترابي الحديث، ووحدتي بمدينة الضباب وأتّخذ من هذه الشقةِ الأنيقة بغُرفِها الثلاثة واللون الأخضر الذي تتكرر بهجةُ درجاتِه على الأثاث والجدران والأرضيات، وهذا الشارع الجميل والهادئ مُستقر اً آمناً بعيداً عن سيطرةِ رئيسة على حياتي.
خالتي الكُبرى وحماتي المَصون، إن كان ابنُها الوحيد لا ينتبه لي غالبًا، فهي دائمة التيقظ لكل شاردة وواردة، حتى أدراج ملابسي الخاصة تتفحّصها بفُضولٍ مُتبجِح، ثمانِ سنوات من الزواج المُجمّد بفضلِها هي!، وبفضل سكني في نفس البناية التي تقطنها، مجيئي للندن هو بداية للاستقلال، للتحرُرِ من عقدة رئيسة، بداية لي مع عمرو أُشعِره فيها بحُبّي دون رقيبٍ أو مُنغِص.
فرّت دمعةُ ساخنة من عيني، لأجد آية تُسرع بمسحِها وهي تُربّت على كتفي. ضممتُها لصدري ثم أبعدتُها قليلاً لأتأمل ملامحَها، أحبُ هذه الفتاة رغم شجارِنا المُتواصِل خاصةً عندما يسألها أحدٌ عن اسمِها، فتنطلِق صائحةً (آية عمرو عبد السلام)، لا أعلم تعريفًا لماهية الأمومة، فقط عندما أراها يختلجُ قلبي بسعادةٍ تُشعرني أن زواجي من عمرو مهما كانت أيامي فاترةً به، ولكنه يستحق المُحاولَة. خاصةً وهي تربط رأسَها بهذا المِنديل، فتبدو لي كامرأةٍ صغيرة قام زوجُها بتطليقها ثلاثَ مرّاتٍ وتُلاحقُه ببؤسٍ في المحاكم كي تُحصِّل نفقاتها هي وأطفالها. آية تُشبه رئيسة كثيرًا أليس كذلك؟!
انتبهتُ لميعاد اتصالي بأمي عبر الانترنت، طلبتُ من آية الابتعاد قليلا وأسرعت مُتحمّسةً ليصِلني صوتُ أمي الحبيبة عابرًا المُحيطات مُحمّلاً بدفئها
:- افتقدتُكِ أيتُها النكديّة، كيف حالُك؟ كلُ عامٍ وأنتِ بخير.
اندفعت قائلةً دون مُقدِّمات: - أمي، أُريد عيدَ زواجي لهذا العام أن يكون مُميَّزًا؛ أرهقَتني شقيقتُك ثماني سنواتٍ في صدِّ فُضولِها وتدخُلِها في حياتي، لأكتشفُ اليوم أنّها أول مرّة نقضيه مُنفردَين بدونِها.
صمتت قليلاً لتتنَهّد قائلةً:- قومي بالرَقصِ له.
شهقْتُ وأخبرتُها:- أمي، خُطوةٌ خُطوة، أريدُ لهذا اليوم أن يكون مميزًا، لا أن يشُك عمرو في استقرارِي النفسي!
ضحكَت عاليًا ثم قالت:- خُطوة خُطوة بعد ثماني سنواتٍ من الزواج!، أنتِ بلهاء، وأنا أريدُ الذِهاب؛ أبوكِ سيستيقظ بعد دقائق.
وصلتْها أنفاسي المَكتومة ببكاءٍ وَشيك لتتراجع قائلةً:- حسنًا لا تَبكِي حبيبتي.. ماذا تريدين؟
تمَلمَلتُ في السؤال، ثم أطلقتُه دفعةً واحدة:- أمي كيف تضحكين هذه الضحكة الرَّقيعة؟
نهتني مُتفاجِئة:- علياااااااااء!
اعتذرتُ منها، وأخبرتُها أنني لم أجِد وصفًا لها غير هذا.
10👍3
أخبرَتني مُشفِقة:- حبيبتي، هذا سينبُع من داخلِك، لا يحتاج إلى تعليم، ولكن لا تنسَي أن ترتدي الفستانَ الأحمر مَكشوف الأكتافِ الذي انتقيتُه لكِ قبلَ سفرِك، و زَيّنيه بالبروش، إياكِ أن تنسيه، ببساطة، اجعلي مِن نفسِك امرأة قبل الوصولِ الوَشيك لزوجِك.. إلى اللقاء.
هرولتُ إلى خِزانةِ الملابس وأنا أُذكِر نفسي.. البروش، والفستانُ الرَقيع، والضَحِكةُ الحمراء.. البروش والفستانُ الرَّقيع والضحكةُ الحمراء.
أحكمتُ الخطة، وتمارَضْتُ في الفِراش. وبعدَ دقائق دار المِفتاحُ بمقبض الباب ليُعلن عن وصولِ عمرو، استقبلَتْه آية بحفاوَةٍ كعادتِها، وأنا قرّرتُ استغلالَ شوقهما المُتبادَل في تهدِئة ارتباكي المُتزايِد، ولكن آية لَم تمنحني تلك الفُسحة وهي تُخبِره عِندما سألها عني
:- أمي في غرفتها متعبة، لأن جدتِي علّمَتها اليوم الضَحكةَ الرَقيعة!
صاح بها مُستنكِرًا: - علّمَتها ماذا؟!
كادَت أن تُعيدها على مَسامِعه لولا أن رأتني أقفُ بِبابِ الغُرفَة أحدجُها بنظراتٍ مُتوَعّدة، وقد وجَدتُ فيها بهذا المِنديل صورةً مُصغّرَةً مِن رَئيسة، مَلأني شُعورٌ بالقَهرِ والغَيظ وهي تُهروِلُ إلى غُرفتِها هاربة، ليَنتَشِلني مِن كُلِ هذا صوتُ صَفيرٍ مُرتفِع، بينما يُخبرُني مُتأمِلاً :- حدَثَ في مِثل هَذا اليَوم!
التفَتُ إلى التَقوِيم، لأجِدُه يومَ السبت، يومَ اجتماعي وجاراتي في مَنزلِ ريتشيل زينب، ولَكن مَهلاً.... مَن أطلَق هذا الصَفِير؟!
************
10👍1
مينة أحمد

طيري يا طيارة طيري يا ورق وخيطان.. بدي أرجع بنت صغيرة على سطح الجيران
ينساني الزمان على سطح الجيران.. علي فوق سطوح بعاد على النسمة الخجولة
أخدوني معون الولاد وردولي الطفولة.. ضحكات الصبيان وغناني زمان
رد لي كتبي ومدرستي
كل مرة أسمعها أشعر بنقص واختناق، وأحلم بمكان أريد الهروب إليه في داخل نفسي.. ليتني كنت من ورق وخيوط وأعيش لحظات قصيرة، ولكنها مفرحة.. ومن غير قيود الماضي.. إلى يوم أعود فيه إلى مدرستي، وأضم كتبي إلى صدري وأنسى ما حولي وكل شيء يغرقني، ومن ثم أتمزق بعدها كما يحصل للطائرة الورقية، وتأخذ الرياح بقاياها في أراض متفرقة.. تبقى مجرد أحلام ترسمها فيروز بكلماتها.
يا إلهي، لا أعرف ما الجنون الذي اعتراني وأنا أنتظر (علي) في تلك الحديقة الصغيرة من أجل أن.. كما قال
(نتحدث في حياتنا!) أي حياة يتحدث فيها وهو وجدني ألعب مع أولئك الأطفال، وأنا أحمل تلك الطائرة الورقية وأركض بها علها ترفرف وتأخذ معها كل مشاعري. رأيت الصدمة في عيونه وهو يراني بتلك الهيئة، وملابسي قد فعل الركض فعله بها وللحق أول ما قدمت إلى الحديقة كنت أنيقة، ولكن هذا حالي ككل مرة.. قصدت أن يراني هكذا، لكن كل تصرف فعلته كان صادقا، لأني أعيش معهم تلك اللحظات بإحساس طفلة وليس امرأة ناضجة على وشك الزواج. وهو تلقى الصدمة، ولكنه ابتلعها وقهقه ضاحكا لهيئتي تلك، وأنا أبتسم كالبلهاء بوجهه، لم يقل شيئا، بل قرص وجنتي وهمس (أحبك بأي شكل تكونيه) وتركني أعيش شتاتي وحرماني لنفسي من لحظات جميلة.. كانت إحدى خططي لدفعه لفك الارتباط، لكنها تركت جرحا كبيرا في داخلي.
ليس لي ذنب أنني أصبحت هكذا بسبب عائلتي؛ لم يراعوا الخوف بداخلي من مشاكلهم، وبدأت أعزل نفسي بعيدا عن المحيطين بي حتى في المدرسة كنت أجلس في أخر الصف صامتة، خائفة من اللحظة التي أعود بها للمنزل وأسمع صراخه مجددا وبكاء والدتي، فتقسو نظرتي وتتسارع نبضات قلبي.. فتطبعت عيناي بتلك القسوة.. حياتي لابد أن تبدأ هكذا بجرعة من الذكريات المؤلمة حتى أستمد منها قوتي وأثبت لنفسي أني أسير على الطريق الصحيح، ولتصبح الذكريات في حالتي سما بطيئا ينهش روحي بدل أن تكون غذاء لها.. كالعادة أظن أن دماغي سيجف يوما ما؛ من تلك البرودة التي أمتصها من زجاج النافذة بإسكاني جبيني عليها علها تخمد قليلا من النيران التي تستعر في داخلي.
اليوم هو عطلة، يعني، لا عمل ولا أرقام، وحتى في هذا اليوم يجافيني النوم، ولابد أن أهرب منه بالاستيقاظ مبكرا وأفرغ قليلا من طاقتي بالسير بلا وجهة، فقط أشغل نفسي بما ومن حولي! وأيضا ينقصنا الكثير من الأغراض ولا أحب أن أزعج مازن في يوم راحته وهو للحق تحمل الكثير، وبالذات مني، لكن يا شقيقي العزيز ستتلقى المزيد من صدماتي.
باردة تلك الأجواء، تذكرني ببرودة أرضية الغرفة، وأنا أختبئ ليلا في إحدى زواياها هربا من تلك الكوابيس التي
تراودني منذ أن كنت صغيرة؛ لا أعلم ولكني أجد القليل من الأمان والراحة بالتقاء الجدارين!
الأشياء المعتادة التي آخذها من السوبر ماركت، والتي أصبحت رتيبة وأحفظها عن ظهر قلب لأنها من متطلبات حياتي المنظمة.. ألقي التحية بصمت لبائع الجرائد، وأخذ ما أريده وأمضي بسرعة لأنني لا أحبذ الاختلاط كثيرا وعلاقاتي محدودة؛ لأنني أقيم بشرنقة خاصة وليس من السهل تمزيقها، فقط أناس قليلون أسمح لهم بالتقرب مني ومنهم ابن عمي الذي يكبرني باثني عشر عاما، كنت سابقا ملتصقة به كالعلقة، هو وشقيقي، لا أنفك أتبعهما في كل مكان لأنني أشعر بالراحة معهما، حتى كبرت وأصبح حالي كأمي تحت الإقامة الجبرية في المنزل، فقط أخرج للمدرسة؛ لأنني كما يقول والدي سأصبح مثل أمي..... أمي لم ترتكب جرما، فقط أحبته حد الجنون وعارضت أهلها، وتمردت فوق تمردها وخيرتهم بين الموافقة على زواجها بموافقتهم أو من دونها، ولم يجدوا غير أن يرضخوا لما تريده: لأنها ابنتهم
المدللة، وأفضل من أن تطالهم ألسنة الناس، ولتثبت لها الأيام ما حذروها منه... مرت أيامهما بعسل وذلك الفارس الذي عشقته والدتي يغدق عليها بالحب يوما بعد يوم، وظنت أن أهلها على خطأ،
لكن دوام الحال من المحال، وانقلب الحب إلى شك،
وأباح له العشق أن يهينها مرارا وتكرارا، ويقدم كرامتها قربانا للتقرب من ظنونه، ولكنها كانت تسكت، وتصور لنا والدنا بأبهى صورة وهي تحكي لنا قصة ما قبل النوم عن الفارس الذي أنقذ الأميرة، ويعيشان بسعادة مع أطفالهما الثلاثة.. لكنك نسيت يا أمي أننا كبرنا، وبدأنا نسمع صراخكما ونفهم مشاكلكما
رغم محاولة مازن أن يشغلنا بأي شيء أو يرفع صوت التلفاز حتى لا نسمع، لكن هيهات، ما يسمع مرة ينطبع بالذاكرة، ويشمها بوشم لا فكاك منه.. لا أعرف كيف يفكر! لا أنكر أن أمي أخطأت وهي تنساق وراء
قلبها وتقابله من دون علم أهلها، لكنها ظنت أنه سيبقى يثق بها كما كان، وليس أن يشك بها كلما خرجت لمكان، وأنها ستقابل أحدهم مثلما فعلت معه!
9👍3
هذا ما كان ينقصني، كلب السيد ريتشارد، إن لم يصادفني في طريق الذهاب يقتنصني عندما أعود، ولا ينفك يلاحقني وينبح عاليا، أظنه كما يقولون، يشتم رائحة الخوف، وأنا أخاف الكلاب، لكن لن أظهر له ذلك وتلك القوة التي بنيتها تنهار لوجود كلب! هذه المرة وقفت أمامه وانحنيت لمستواه، ونظرت له بقوة وقسوة، ومثلما توقعت انسحب بكل هدوء! ههههه.. النظرة الشريرة، حتى الكلاب تنفع معهم، أصبحت جزءاً مني بعد أن اعتدتها مع البشر وخصوصا في مكان عملي؛ نظرا لميزاتي، أولها مسلمة، ومحجبة، وأصغر من أولئك الصلع الذين يطمحون لهذا المنصب، وبنظرهم لا أستحقه .. هم يتذمرون من وجود (فتاة الصحراء) بينهم،
لا يعرفون أني بت أعشق هذا اللقب؛ لأنه يذكرني بالدفء والحيوية بدلا من هذا البرود الذي يعيشون فيه... صحيح أن كل شيء منظم في حياتهم، بدءا من الشوارع والمنازل والشركات.. أشبه ما يكونون بالروبوتات! وتلك الحدائق الجميلة ومظاهر
النظافة، والمطر الذي أعشقه، لكنه ليس مثل مطر بلدي؛ حيث يكون رقيقا، وتكتسي الأرض بمظاهر الحياة، لكن هنا، الأمطار والثلوج قاسية، ولا أشعر أن أحدا يبالي بها كما كنا نفعل ونحن صغارا.. ربما لأنهم اعتادوا عليه في
حياتهم.. الشيء الذي يريحني، أن لا أحد يتدخل في حياة الآخر، حتى الأقرباء قليلا ما يلتقون، وليس مثلما عندنا: كل صغيرة وكبيرة يحشرون أنوفهم بها، وليس كما يقولون صلة الرحم! وكالعادة ألتقي بالسيدة اليزابيث، امرأة كبيرة بالسن تسكن لوحدها، وأبناؤها يزورونها بين الحين والآخر. في بادئ الأمر كانت تلقبني بالمغرورة المتعالية؛ لا يعرفون أني اعتدت أن أرفع رأسي وأنا أمشي وعيني دائما بعين محدثي، أو كما يقولون بالعامية (عينها ماتنكسر)، أو تلك الفتاة قليلة أدب! لماذا ؟!، هل الأدب أن ننكس رؤوسنا ونخشى النظر في عيون الآخرين؟!.
والآن، السيدة إليزابيث اكتفت بالمغرورة: لأنني رغم كل شيء متواضعة، ولا أحب أن أتكبر على أحد، وأحيانا أسمعها تهمس بالمجنونة! لا أعرف، تضحكني تلك العجوز حتى وأنا في أحلك حالاتي، وأخيرا دلفت إلى شقتنا: التي هي جزء من تلك العمارة التي تجمع ما بين الشرق والغرب في تفاصيلها، وهي أول شيء جعلني أشعر بالألفة، وأصر على الاستقرار في هذا المكان منذ سنتين.
مازن، ذلك الكسول، لابد أنه ما زال نائما.. لا أنسى مشوار العذاب الذي أقطعه حتى يستيقظ، وأجرب كل الطرق المجنونة، آخرها؛ أقفز على سريره بقوة، ومرات متتالية، لأحدث ما يشبه الزلزال! لكن هذه الطريقة أتركها عندما أشعر بالذنب، وأجده ما زال إلى جواري وأنا متمسكة بيده أغط في نوم عميق، وهو ما بين إغفاءة وأخرى.. كم تمنيت أن أتخلص من تلك الكوابيس لأجله هو؛ لذلك ذهبت إلى طبيب نفسي.. لكنها ما زالت تراود حياتي، وهو من يتعذب مثلما أنا أتعذب؛ لأن صراخي يصل له بسهولة ويقضي ليله ساهرا إلى جواري كما كان يفعل منذ أن كنت صغيرة، اليوم
سأحدث الزلزال في غرفته بعد أن أعد له فطورا معتبرا، والأكيد الأساسي فيه البيض؛ لأنه يحبه كثيرا... ما زالت
الساعة التاسعة، لو كان يوما آخر لكنت غارقة في العمل الذي أستهلك فيه معظم وقتي، من الساعة الثامنة صباحا حتى الرابعة عصرا.. أعود منهكة لا أقوى على رفع رأسي، وهذا ما أريده.. علي، أفتقدتك اليوم كثيرا، أين رسالتك الصباحية التي أدمنت عليها كثيرا؟!... أما المسائية، فهي مليئة بأشواق ومشاعر ترهقني حد البكاء.. أحيانا أرد برسالة أقرب ما تكون للرسمية وأرسلها الى صديقة وليس.. إلى خطيبي، ولكنه يقول هذا أفضل من أن لا تردى بشيء.. الطيب عند ذكره.. (صباح الحب من قلب عشق روحك تمناها
عشق همسك عشق خطك ومراسيلك يتحراها)
يا رب امنحني الصبر.
حبه يقتلني ويتركني شتاتا لا أعرف أين أستقر، لكنه يستحق من تمنحه الاستقرار، لا أن يلحق لحظات جنونها وانقلاب مشاعرها وخوفها وهروبها الدائم.. هو بحاجة لمن تؤنس وحدته وينام قرير العين، لا أن يصدم بكوابيسها وبحثها عن زاوية تختبئ بها... أحبك،
وسيبقى حبك أجمل شيء في حياتي، لكني لا أستطيع إلا أن أرى حياة أمي وحبها الذي أصبح مصدر عذابها.
كنت أظن كما يظن غيري، أن الحرية هي أن نخرج خارج المنزل، أو خارج الوطن الذي نعيش فيه.. لكن تبين لي أن ذلك خاطئ؛ إن لم نتحرر من قيود أنفسنا وقيود الماضي لن نعرف طعم الحرية.. هذا ما أدركته بعد خروجي المشبوه من العراق قبل عشر سنوات، تلقيت أجمل هدية في حياتي.
7👍3
عجة البيض! أتمنى أن لا تكون احترقت وأنا واقفة أقلب بصفحات الماضي.. الحمد لله ما تزال سالمة وقابلة للأكل وللصراحة لونها الذهبي شهي جدا.. هذا أقل ما أقدمه لمازن، وأنا أحاول أن أعوض ولو القليل من غيابنا عن الوطن ببعض الأكلات العراقية التي أعدها في أيام العطل؛ لأن الوقت بباقي الأيام لا يسمح بإعداد شيء يتطلب وقتا، سأذهب لإيقاظ ذلك الكسول حتى نخرج قليلا.. قبل أن أكمل جملتي كان يجلس إلى الطاولة! استغربت وجوده، قال لي بأن الرائحة أغرته أكثر من النوم.. جلسنا نتناول الفطور بصمت وأنا أنظر لوجهه الذي لازمني منذ ذلك اليوم كالعادة كانت أمي تعد الفطور بابتسامة مزيفة، وأثار
البكاء واضحة عليها وهي تحاول أن تخفي ما حدث؛ لأن مازن كان قد عاد من لندن بعد أربع سنوات من الغربة، لكنها كانت زيارة ولم ينفك يقنعني بأن أرافقه وأدرس الطب النفسي كما أحلم هناك؛ لأن في بلدنا لا يحبذون هذه الاختصاصات، لكني فضّلت البقاء إلى جانب والدتي، وحتى خالي كان يحاول إقناعي.. وابن عمي، حتى مللت من هذا الموضوع وصرخت بوجههم كعادتي عندما أنهي نقاش، خرج خالي على أثره، وبعده بقليل ذهبت إلى مدرستي لأعرف النتيجة وأسناني تصطك من الخوف، ماذا إن لم يكن معدلي كما أردت؟! هل سيضيع حلمي، وأرضى بأي تخصص آخر؟! وظننت أن الحياة ابتسمت لي عندما تحقق لي ما أردت وعدت إلى البيت أحمل حلمي معي، لأجد كابوسي قد سبقه وهي تنال
ضربات موجعة لم تعرف جزءاً معينا من جسدها، صدمت لهذا وذهبت إليه، ودفعته بكل قوة لكن ذلك لم يزده إلا غضبا.. وأصبحت أنا الضحية الجديدة هذه المرة، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لأنه ظن أن خالي رجل غريب دخل إلى المنزل!... انتهى ذلك اليوم بوجود والدتي في المستشفى بسبب إصابتها بكسور، وترقد في روحها كلمة الطلاق التي مزقت بقايا الحب المهترئ، وأنا بحالة انهيار عصبي وصدمة قوية؛ بعد أن حبسني في المنزل ومزق نتيجتي، وقرر تزويجي لابن عمي الذي كان وما زال أخا كبيرا وناصحا لي في كل مرحلة من حياتي، وتذكرت أنه في السنة الأخيرة.. دائما يقول لي "إنني أخوك ولا تصدقي أي شيء آخر يقال لك".
ما بين غفلة وأخرى، وجدت نفسي في المطار، يمسك مازن بمعصمي وأنا كالدمية أتبعه حيث يريد.. عرفت فيما بعد، أنهم خططوا منذ فترة لذهابي للندن بعد أن أصبحت الحلقة الأضعف في الموضوع.. وابن عمي كان يشاغلهم فيما نحن نهرب تحت جنح الليل.. سنين طويلة مرت، حرمت فيها من حضن والدتي ودفء وطني وماء النهرين، حتى دراستي، اخترت تخصصا بعيدا عما حلمت؛ لأنني لم أكن أريد أن أتعامل مباشرة مع مشاعر الناس... صحوت من شرودي على صوت مازن وهو يقول لي بأنني لم أترك أي شيء في الصحون! ويتعجب لمقدرتي على أكل هذه الكمية دون أن يزداد وزني، وكأنه لا يعرف السر وهو كان موجوداً عند الطبيب، ويخبره بأن مشاعري المختلفة التي أكتم أكثرها في داخلي تحرق السعرات الحرارية بكثرة.. هذا عدا عن نوبات الغضب. نظفت كل شيء بسرعة، وأعددت عجينة الزلابية.. وفكرت بوجبة الغداء قبل أن نخرج لنلعب كرة السلة قليلا، رغم أنني لست طويلة، وتذمر مازن من برودة الجو وتساقط الثلوج.. لكنه اعتاد أن رأيي هو النهائي.. أخذنا الطريق مشيا لأنه لم يكن بعيدا، وهو ملعب صغير يرتاده القليل من الناس في هذا الجو البارد.
كنت أمشي براحة وأحيانا أسابق مازن، والأجمل، ليس هنالك من يستغرب.. اعتدت على هذه الملابس، بكنزة طويلة فوق الركبة بقليل، وبنطلون جينز، وحذاء رياضي... مثل كل مرة؛ ألعب قليلا حسب أصول اللعبة، وباقي الوقت، أسرق الكرة وأحتضنها حتى أصل إلى السلة وأرميها فيها. نسيت البرد وشعلة من النشاط تدب في، لكننا توقفنا بعد فترة، وذهب ليحضر قهوة لنجلس في الحديقة.. ولكن ما أن ذهب حتى وجدت شابا يجلس قريبا مني، بتسريحة شعره الغريبة وواضح أنه مراهق، لكنه كان طويلا.. تركت المكان، لكنه عاد ليتبعني، وبدأ يرمي كلماته البذيئة! لم أشعر به إلا وهو يحاول سحب حجابي!! كل تعقلي ذهب أدراج الرياح وأنا الكمه بقوة ليسقط أرضا وهذا بفضل دروس الدفاع عن النفس، وبضع تمارين من الملاكمة ولم أكتف بهذا؛ بل وجدتني أنهال عليه ضربا حتى أدميت وجهه! ولم أشعر إلا ومازن يمسك خصري ويرفعني كي لا أقتل ذلك الفتى.. لكنني أردت بأن يفلتني؛ حتى أتم ما بدأته، وانفض كل غضبي بذلك التافه "توقفي ستقتلينه! هل جننتِ! يا إلهي، كأنني لا أعرفك، لا أرى في ملامحك أيا من مينة التي أعرفها! ليس هنالك إلا واحدة نظرتها شرسة، ومستعدة لارتكاب جريمة! وتريدينني أن أتركك وأعود للعراق؟! ما الذي حصل في تلك الدقائق القليلة، وكيف انقلب حالك بهذه السرعة؟".. دفعته بعيدا ومازلت أتنفس بسرعة.. وفجرت البقية الباقية: "عن أي مينة تتحدث؟!
6👍3😢1
تلك الجبانة ماتت.. لم يعد لها وجود، أستطيع أن أدافع عن نفسي، حتى لو ارتكبت جريمة! لا يهمني أحد، أتركوني أعيش حياتي كيفما أشاء.. كل تلك السنين وأنتم تقررون ماذا أفعل! كأنني زورق بين أمواج عاتية.. من الآن وصاعدا، كل شيء في حياتي سيسير حسبما أريد، وما حدث ليس من شانك أو شأن أي أحد.
عدت إلى الشقة والغضب يسيرني، وأصبحت أكثر تصميما على ما أنوي.. لم أعرف كيف أعددت الغداء وبالي مشغول بتأخر مازن، ولكنني لست نادمة على ما حدث.. أرسلت لعلي، وأخبرته أن يلاقيني الساعة الثالثة عصرا في المقهى.. عاد مازن، ومرت فترة الغداء بصمت كئيب.. وشرعت بتنظيف الأطباق والمطبخ، ولم أشعر إلا وهو يحتضنني، ويقبلني على جبيني ويتمتم باعتذار.. لم أرد عليه بشيء، وانسحبت بهدوء، تركت العنان لدموعي وأنا أفكر باليوم الذي سيتخلى فيه الجميع عني.. وسأبدأ اليوم بعلي الذي يشعرني وجوده بأني أنثى، جميلة ورقيقة ومحبوبة، ويجعل قلبي يخفق بقوة لأقل لمسة عفوية.. بقيت ساعة وأنا أحضر في عقلي ما سأقوله له بكلمات مختصرة حتى لا تفضحني مشاعري.. ارتديت ملابسي والتي كانت عملية وألوانها كئيبة كمزاجي، والآن لابد من أن أستقل سيارتي؛ لأن الطريق ليس قريبا، والثلج بدأ يتساقط بغزارة.. وصلت إلى المكان الذي كان فيه أحد مقالبي لعلي، عندما اتفقنا في مرة سابقة أن نلتقي هنا، أتيت.. ولكني لم أدخل.. وبقيت أراقبه وهو جالس لوحده وينظر لساعته بتوتر.. وبعد أن مرت خمس وأربعون دقيقة فتحت هاتفي الذي كان مغلقا.. واتصلت مباشرة، وهو يسألني عن تأخري وسبب إغلاق هاتفي فكذبت مرة أخرى، وقلت له بأن الشحن نفذ وكنت نائمة ونسيت اللقاء، وليس لي مزاج للخروج..
الآن أجاب بشيء من العصبية "حسنا".. وخرج من المقهى بعصبية وضرب إطار السيارة بقدمه لينفس عن غضبه، وباب السيارة لم يسلم أيضا.. والآن، أنا قادمة، ولم أتخلف لأني أريد الانتهاء من الموضوع بسرعة.. هذه المرة انتظرته لأني جئت قبل الوقت.
دخل وأدخل صاعقة إلى قلبي بطوله الجذاب وجسده الخالي من العيوب، وبشرته المائلة إلى السمرة قليلا.. وعيناه بلون العسل قويتان، ولكن فيهما الكثير من الحنان.. والابتسامة التي خصني بها، لا أستحقها وأنا الجالسة بكل رسمية وكأنني في مقابلة عمل.. اعتدت على حديثه الرقيق ونظراته العاشقة، وللحظة ترددت، وفكرت بأنه لا بأس من التفكير بنفسي والاحتفاظ بوجوده بجانبي: ومن حقي أن أكون أنانية، لكنني تراجعت، وتذكرت أنه لم يخطئ بحقي، وتحمل لفترة طويلة صدي الدائم له.
أدخلت كمية كبيرة من الهواء إلى رئتي، وفجرت قنبلتي بوجهه وأنا أنقل له الكلمات ببرود يخالف الأعاصير التي في داخلي.. حملت حقيبتي وخرجت، وهو ما زال صامتا، لم ينطق بكلمة! كنت أركض أكثر مما أمشي، لأصل للسيارة حتى ألقي نفسي بها.. لم أعرف كيف قدت السيارة والدموع تغشي عيني، وقبل أن أصل وصلتني رسالته (جبانة! ظننتك أشجع من أن تلقي كلمتك وتهربي كالأرنب المذعور! لكن هذه المرة لن تسير الأمور كما تريدين؛ سنة ونصف كانت كافية لتأخذي وقتك بالتفكير، والآن الأمور آلت لي، وما تريدينه لن يكون لك ولو على جثتي) هذه أول مرة يستعمل هذه الكلمات! لكن يبدو أن صبره قد نفد.
رنة منبه التذكير نبهتني وعرفتها؛ لأنها تذكير بموعد لقاء نون عربية عند ريتشيل..
فجأة كبحت جماح الفرامل وأطلقت الذعر في نفسي وأنا لا أعرف هل صدمت ذلك الرجل أم لا؟!


***************
8👍3
ديمة مصطفى

أستيقظ كلَ يومٍ في تمامِ الساعة السابعة صباحًا..
وقبل أن ترتفع شهقاتُ المُعجبين وتستدير أعيُن الحُسّاد، أوضح بأن استيقاظي هذا خارجٌ تمامًا عن إرادتي؛ فابنتي بسمة _البالغة مِن العمر سبع سنوات_ تستيقظ منذُ الأزلِ عند الفجر، تنتظر بمُعجزةٍ مرورَ الوقتِ حتى يدفع ضوءُ النهار ظلمةَ الليل، فتقفز فوق سريري لتوقظني بصخَبِها المُعتاد مُطالِبةً إيّاي بإعدادِ فُطورِها، وتجهيزِ حقيبتِها المدرسية.
بسمة بهجةُ حياتي بلا نقاش. إلا أنها سببُ تعاستي أيضًا؛ فاكتشافي لحملي بعد أسابيع قليلةٍ من زواجي أحبط كلَ خُططي المُستقبَلية وذهب بها أدراجَ الرياح، لا دراسة، لا عمل، لا أي حياةٍ اجتماعيةٍ خارج جُدرانِ هذا المبنى وإياد كان مسرورًا جدًا بهذا التواطؤ القدريّ ضدي؛ فزوجي _المُتبَجِّح دائمًا بتحضُّرِه وحداثَةِ تفكيرِه_ كان زوجًا شرقيًا تقليديًا جدًا في الصميم .
الساعةُ السابعة صباحًا، إياد يكون قد استيقظ بدورِه في ذلك الوقت، وعِماد الصغير _البالِغُ من العُمرِ أربعَ سنوات_ يبدأُ جولتَه المُعتادَة في البحثِ عمّا يُحطمه في أنحاءِ المنزل.
إفطارُنا تقليديٌ تمامًا. لا يُشبه_ لا مِن بعيدٍ ولا مِن قريب_ ما يُفطر به الإنجليز؛ طبَقا الزيتِ والزعتر، الجبنة، البيضُ المَسلوق. ثم سلَطة الإفطارِ التي يُفضّلُها إياد بالطماطم والبقدونس والبصل. مَن ينظُر إلينا في جِلستِنا هذه لا يُصدّق على الإطلاق أننا نُقيم في لندن منذُ ثماني سنوات. وكأننا نأبى أن تنتشلنا الغُربةُ من عاداتِنا وتقاليدنا حتى في الأكل. وقد انتشلَتنا مِن لَمّة أحبائنا.
قبلَ أن يُغادر.. يُلقي عليّ إياد بعض الكليشيهات اليوميّة المُحبّبَة؛ (لا تنسي ترتيبَ المكتبة. هل غسلتِ قميصي الأزرق؟ أين وضعتِ مفاتيحي؟ أحب أن آكل اليوم بعض الـ....! هل تحتاجين إلى مزيدٍ من المال؟ إن عُدت باكرًا هذا المساء، قد نخرُج لنتمشى قليلاً.)
- يخرُج مُصطحبًا بسمة إلى مدخَلِ العمارة، حيثُ ينتظرها (الباص) عادةً ليأخُذها إلى المدرسةِ الواقعة على بُعدِ حارَتين، فأغرِقُ أنا في أعمالي المُعتادَة؛ تنظيفُ المطبخ وقد شعّت فيه الفوضى بعدَ وليمةِ الإفطار، ترتيب الشقّة، ومسحُ الغُبار. عارفةً بأن إياد المُتيقِّظ دائمًا لكُلِ تقصيرٍ مني لن يتورّع عن تمريرِ إصبَعِه فوقَ الأسطُح ليتأكّد من تلميعِها..
مُلاحقةُ عِماد في أنحاءِ المكان. وإنقاذُ ما تبقّى مِن تُحَفٍ رخيصة اشتريتها يومًا مِن مَعرَضٍ للتُحَفِ المَصنوعة في الصين. ثم آخذ دقائقَ معدودةً لشُربِ قَدحٍ مِن القهوة، بينما أجلسُ إلى جانبِ النافذة أتأمّل الحيَّ المُحيط بنا. مُستغلّةً انشغال عِماد في مُتابعة الرسومِ المتحركة. قد أتلقى اتصالاً من الوطن، وقد أصبح هذا نادرًا مَع توافُرِ خِدمة الإنترنت وكفاءة برنامج السكايبي في الحلولِ محلَّ الاتصالات التقليدية. وإن كان هذا قد حرمني من لذّةِ انتظارِ الهاتفِ الأسبوعي كما السابق، وتسابُقِ لساني مع أنفاسي كُلما كلّمتُ أمي في مُحاولةٍ منّي لسَكبِ أكبر قَدرٍ مِن المعلوماتِ والأخبار في أذنها وفي أقصرِ وقتٍ مُمكن.
أخيرًا، يأتي الوقتُ المُفضَّل لديّ من النَهار، أُلبِس عماد أثقلَ ملابسِه وأكثرَها عمليّة وأرتدي مِعطفي السميك فوق مَلابسي العفوِيّة وأذهبُ به إلى محلِ البقالةِ الواقعِ في نهايةِ الشارع. أسير الهُوينى مُمسكةً مِعصمَه بأصابعٍ مِن حديد؛ كَي لا يهرُب منّي _وقد فعلَها مئات المرّات من قبل_ فأقضي ساعةً في البحثِ عنه. أتأمّل المتاجرَ في طريقي، هناك مَخبزٌ تفوحُ منه رائحةُ الخُبزِ الطازَج، والكعك الشهيّ فأشتري منه قطعتِين لي ولعماد. ومكتبةٌ اعتدت المرورَ بها يوميًا لمَعرفةِ جديدِها من الكُتب. أُلقي التحيّةَ على بائعةِ الورودِ العجوز، وأمنعُ عِماد _بمُعجزة_ مِن مَدِّ يدِه وتمزيقِ وَردتَين. أُراقِبُ المارّة من الرائحين والغُداة. أتساءَلُ عمّا يفكرون بِه؟! ما الذي يشغل حيواتهم فيرسم تلكَ التعابيرِ المُختلفةِ على مُحيّا كُلٍ منهم؟! أصِل إلى مَحلِ البِقالة، فآخذُ وقتي في اختيار مُشترياتي. لقد اشتهى إياد أن يأكل الأُرزَ مَع الفريك واللحم.. ألا يمتلِك هذا الرجُلِ أيَّ مُخيّلة؟
حسنًا. لَن أطبخ اليوم، سأُعلِنُها إجازةً رسميّة لأدواتِ المطبخ، وأقوم بتَحمِير بعضِ قِطع الستيك مع البطاطس والسلطة.. سيحتجّ إياد قليلاً، ثم يأكُل كالعادة؛ _كمُعظمِ الرجال_ يُجيد زوجي الصُراخَ والتَذمُّر ثُم استغلالَ المَوجودِ أبشعَ استغلال.
عُدتُ إلى البيت، وضعتُ عِماد في سريرِه ليحظى بقَيلولَتِه، وركضتُ أصنعُ قدحَ القهوةِ الثاني. مممم.. ماذا أفعلُ خلالَ النصفِ ساعةٍ المُتاحَةِ لي قبل استيقاظِه وعودة بسمة من المدرسة لتستلِم منّي إدارةَ البيتِ بشقاوَتِها و لسانِها الطّوِيل؟
مِن ضِمن الخِيارات الكثيرةِ المُتاحةِ أمامي. كان تناوُل قطعةٍ من الشوكولا الغاليةِ الثمن _التي أُخبئُها في خِزانتي عَن أيدي وأفواه أفراد عائلتي_ أكثرَها إغراءً.
8👍4
وكأنني أتذوّقُ قطعةً من الجَنة اختصرت بمَزيجٍ سحريّ من الكاكاو والحليب ونكهةِ البُندق. ممممممم.. تذوب في فمي لاغيةً كلَ مشاغلي وهمومي.. وماذا إن كنتُ في النهاية مُجرّد ربةِ منزلٍ تقليديّة؟ وماذا لو كان أعظمُ إنجازاتي هو منحَ أبنائي أفضلَ حياةٍ، ومساعدتهم على النجاح؟ ماذا لو عُرِفتُ طوال عمري كحرَمِ (إياد الأمين) بدون أن أمتلك أيَّ هويّةٍ تُميّزُني وتُخَلِّدني بعد مماتي؟ أليست هذه قصة الملايين من النساءِ غيري؟
- ثم إن إياد رجلٌ رائع يستحق أن أُقدّم كلَ هذه التضحيات لأجله. صحيح؟ ففي النهاية مازلتُ أملك جزءًا مُهمًا من نفسي غيرَ قابلٍ للمساس، إنه عقلي؛ أستطيعُ أن أكون فيه أيَ شيء آخر أريدُه. تلك الصحفيّةِ التي حلمتُ يومًا أن أكونها، أو الرسّامة التي تمنّيتُ أن يسطُع اسمي مُعلِنًا عنها، المرأة الاجتماعية الجميلة والأنيقة والمُتباهِية بشخصيتِها القوية. رُبما كان لي نصيبًا في السياسة، فأنتمي إلى أحدِ أحزابِ المُعارضَةِ التي يمتلئ بها المَهجر.
(أنا ديمة مصطفى، أتحدّث إليكم من قناةِ الجزيرة، يستضيفُني فيصلُ القاسم في حوارٍ ساخن عن الظُلمِ الذي تُعانيه الطبقةُ الفقيرةُ في الوطن.)
كرااااااااااااش.... صوتُ تحطُّمٍ أيقظني من أحلامِ اليقَظة، لأُدرك بأن قطعةَ الشوكولا قد انتهت، وأن عماد قد استيقظ، كما اقترب مَوعِدُ عودةِ بسمة وعليّ أن أبدأ بإعدادِ الطعام.
دخلتُ إلى المَطبخ وأنا أجُرّ عماد لأُجلسه رغمًا عنه أمام ناظريّ أثناءَ عملي؛ كَي لا يحطم شيئًا جديدًا.
هذه هي حياتي. بلا أيِّ مُبالغَة، تتكرّر الوقائعُ نفسُها بوتيرةٍ مُختلفةٍ يومًا بعدَ يوم، على الأقل، في مِثل هذا اليومِ من كُلِ أُسبوع، أجتمعُ مع نساءِ العمارة في جِلسةٍ نسائيّةٍ خالِصة، نتشارَك فيها التذمُّر حولَ حيواتنا المُملّة؛ أن تعرف بأنّ هناك من يُعاني مِثلك مِن واقعيّة ورتابةِ العيش، من ذلك التواتُرِ بين السعادةِ والحُزن، الرضا والغضب، الطمأنينةِ والقلَق أمرٌ مُريحٌ للغاية، وإن كان فيه شيئًا من الأنانية
بالإضافة إلى عقلي، الشيء الوحيد الذي فشِل إياد في السيطرةِ عليه، مَوعدي الأُسبوعي مع رَفيقات كِفاحي المُحاصَرات بقَدرٍ مُتفاوِت من قُيودِ تاريخِنا الشرقيّ. لكُلٍ منّا عالمُها، أسرارُها، عائلتُها وحياتُها، إلا أنّنا جميعًا ندورُ في فلَكٍ واحِد وهو هذه العمارةِ العَجيبة! ماذا تراني أرتدي هذا المساء؟


********
7
مونيا العلوي

كنتُ أنظر في المِرآةِ الأماميّةِ لسيارتي، إلى طِفلي الصغير أيمن ذي الأربع سنوات، الذي يجلس فِي الخَلفِ مُثبَّتًا على كُرسي الأطفال. ابتسامةٌ واسعةٌ كانت مُرتَسمةً عَلى شفتيّ وأنا أرى التقطيبةَ التي رسمَها على جَبينِه ومَلامِحِه الصغيرةِ التي لُوِيَت تَعبيرًا عَن غضَبِه وعَدمِ رِضاه؛ لاضطّرارِه للذِهاب إلى المدرسة، هي في الحقيقة رَوضة للأطفال، لِمَن هُم في مِثلِ سِنّه ولَيست مَدرسة. كلُ صباح أوصِلُه إلى تلك المدرسةِ بنفسي في سيارتي الخاصة، لكي أذهب بعدها إلى عملي -الذي بدأتُ أمَلّه- في تلك المجلّةِ المشهورة في لندن. -كالعادة- غيّرتُ في السنة أكثرَ مِن ثلاثِ مرّاتٍ مكانَ عملي؛ أنا أبحثُ عن الإثارةِ والشغَف والراحةِ النفسيّةِ في عملي. ضَحِكتُ مع نفسي وأنا أعترفُ قائلةً: لا، بَل إنني أعشقُ التغيير ورؤية كلِ ما هو جديد. تجديد حياتي! كم أتمنى لو أستطيع الآن السفرَ إلى تنزانيا، أو إلى الهندِ مثلاً؛ سأجِدُ ما يستحقّ عدسَتِي هناك عن جدارة، لكنني لا أستطيع حاليًا. سافرتُ مرّة لكينيا مع ياسر وأيمن، لكن الاثنين مَرِضا هُناك عند تغيُّرِ الجو عليهما بقوة، خصوصًا ابني الصغير الذي أُصِيب بإسهالٍ حاد، فعُدنا على وَجهِ السرعة إلى لندن. مازال ياسر لا يُصدّق نفسَه بأنه طاوعني للسفر الى كينيا، ويستغرِب لحَدّ الآن لأنني لَم أمرِض مثلهما؛ ببساطة، لأنني تعوّدتُ على تلك البلدان وأجوائِها المُختلفة؛ فقبل زواجي سافرتُ إلى دولٍ عديدة هناك. مِن أجلِ العمل على مشاريعٍ تصويرية وإنجاز كتالوجات للصورِ النادرة والغريبة، كانت أجملُها في تلك الدولِ الإفريقية، حيثُ الطبيعةِ المُتوحشة، وثقافة مُختلفة رائعة. آآه كم أشتاقُ للذهاب إلى هُناك، لا، بَل آآه كم أشتاقُ للذهاب إلى المغربِ أيضًا. تلاشَت ابتسامتي وأنا أُديرُ المِقود حتى أتّخذُ مُنعطفًا آخر، حيثُ مدرسةِ طفلي.
توقّفتُ عن النظرِ بين كلِ حينٍ وآخر إلى طفلي عبرَ المرآة، وانتبهتُ أكثرَ إلى الطريق؛ حتى أركنُ السيارةَ أمامَ بابِ المدرسةِ الذي كان مفتوحًا، مليئًا بالآباءِ الذين كانوا يُوصلون أولادَهم ويُودّعونَهم.. نزلتُ من سيارتي بسرعة، وتوجّهتُ إلى البابِ الخلفيّ حيثُ يقبع طفلي. كنتُ أُحاول أن أحمل أيمن من كُرسيه -الذي كان مُتشبثاً به- والذي بدأ بالصُّراخِ حالَ أن بدأتُ أفكّ أحزمة الوقايةِ مِن على كرسيه. لَم أهتم لصُراخِه ذاك؛ فأنا متعودةٌ عليه -كما يقول ياسر- أيمن أخذَ مِن جيناتي المجنونة الكثير؛ فهو عَنيدٌ للغايةِ مثلي، وتصرُفاتُه مجنونة في بعضِ الأحيان. أكثر من سَنة، وأنا آتي به لهذه المدرسة، ولَم يتخلَّ يومًا عن صُراخِه هذا الذي يعرف بأنه بدون فائدة؛ في داخلِه هو لن يستسلم، يعتبر بأنه في يومٍ ما، سينجح بأن يجعلني أقتنعُ بعدَمِ أخذِه إلى المدرسة. تجاهلتُ صُراخَه وحركات جسدِه العُدوانية الغيرِ مُستقرة حتى لا أُدخله إلى مدرسته، وحملتُه ضامّةً إيّاه بينَ ذِراعيّ جيدًا. أعرِفُ لِمَ يكره هذه الروضة! نفس السببِ الذي جعلني -أنا أيضًا- أكره مدرستي عند صغري، شعرتُ بأوّلِ يَومٍ لي فيها، بأنّها مكانٌ مُغلَق مليء بالقوانين الصّارمة التي كانت تكتم على أنفاسي التي تُنادي كلُها بالحُريّة، الحُريّة.. والحُريّة، هكذا هو إبني. لكنّه يجب أن يعرف -كما عرفتُ أنا- بأنّه لاحقاً سيُحب الحُريّة لأسبابٍ كبيرة جدًا، ويحتاجُ للدِّراسة، وتحَمُّلِ بعضِ الكَبْت؛ حتى يَصِل إلى مَناصبٍ أكبر، مَناصِب ليست هي القُوّة أو السُلطة، إنما هي الكرامة وتحقيقُ الذات.
وضعتُه على الأرض، كان يبكي الآن، فعدّلتُ له قُبّعتَه الصوفية التي كان يرتديها هي وشالَه الوثيرَ الذي استقرّ حولَ رقبتِه الصغيرة. رأيتُ المُعلِّمة المسئولة عنه تقِف أمامَنا، ولَم تفُتني نظرات العبوسِ التي ظهرَت -لجُزءٍ من الثانية- على ملامحِها؛ مِن بُكاءِ أيمن الذي ملّت منه المسكينة لأشهُرٍ كثيرة، ويأسِها في مُحاولةِ بثِّ الحُب فيه لمدرستِه. مسحتُ دموعَه وأنا أهمسُ في أُذُنِه بالكلِمةِ السِحريّة: "انظر، ألكسندرا تنتظرُك عِندَ الباب!"
ابتسمتُ بمَكرٍ وأنا أراه يلتفت بسرعة بوجهِهِ الطفوليّ الباكي لكي يرَى تلك الفتاةِ الإنجليزية الصغيرة، ألكسندرا، التي يظلّ يحكي لي عنها في البيت.
هي شريكتُه في الطاولة، وفي اللعِبِ في المدرسة. ابتسم لها، فأشارَت له لكي يدخُلا إلى المدرسة، ليَركُض إليها بعدَها تارِكًا المُعلمة واقفةً أمامي تنظُر بتعجُب إلى ألكسندرا، التي تجعله يتقبّل تمضيةَ يومِه في المدرسة بدون بُكاء ككُلِ صباحٍ يبدأ فيه يومه. أثناءَ ركضِه صرختُ له قائلةً:
"أُحبُّك"
قَهقَهتُ عندما عادَ إليّ راكِضًا ثانيةً؛ لكي يرُدّ عليّ هو الآخر بصَوتِه الطفوليّ الجميل: "أُحبُّك مامي"
9👍4
كانت قُبلتُه لي طويلة، وهو يضمّني بكِلتَي يدَيه، يُحاول أن يعصِرني بتلك الأذرُعِ الصغيرةِ الضعيفة. قبّلتُه أنا الأُخرى، واستغربتُ لقُبلتِه التي طالت أكثرَ من دقائق، لكي أشعُر بحركاتِه المُشاغِبة الماكرة كالعادة! أبعَدتُه عنّي بسرعة، لكي يركض هاربًا منّي داخلاً المدرسة تحتَ أنظاري، وضَحِكاتُه تصِل إلى أذنيّ وأنا أمسح لُعابَه عن وجنتي إثر تلك القُبلةِ الماكرة، التي تعمّد فيها أن يترُك لُعابَه على بشرتي! يا إلهي! عِندما أُفكّر أجد بأنني كنتُ أكثرَ مَكرًا منه أثناء صِغَري (أعانَ اللهُ والِدَتي). قُلتُ ذلك وتوجّهتُ إلى سيارتي الرُباعيّة الدفعِ السوداء، أُحِب سيارتي هذه؛ لأنّها مُناسبة جدًا للسفرِ بها، خُصوصًا عِندما أُسافر مع زوجي وطفلي، كما أنّها خيرُ رفيقٍ لي، ومُساعِد لي للتجوالِ بينَ تِلال وسُهولِ لندن؛ لالتقاطِ صورٍ قَد أُضيفها إلى ألبومات صُوري الكثيرة المُميّزَة. دخلتُ وعِندما جلستُ خلفَ المِقوَد، قلتُ لنفسي بنَبرةٍ حازِمة تتفَجّر إصرارًا وثقة: "والآن.. إلى العَمَلِ الجَادّ" أدَرتُ سيارتي، وبدأتُ أنهبُ شوارعَ لندن مُتوجِّهَةً إلى تلك المنطقة الراقية جدًا. اليَوم، لَن يكون يومًا عاديًا بالنسبةِ لي؛ فلَن أذهب اليومَ لعمَلِي كما خطّطت، كيفَ أذهَب وأترُك صَيديَ الثمين الذي على وشكِ أن يقع بينَ براثنِ يدي؟! سِياسيٌّ كَبيرٌ عَربيّ، حطّت قدماه أرضَ لندن البارِدة منذُ أيّام. إنّه هُنا فِي رحلةٍ خاصة غيرُ مَعروفةٍ أسبابُها، وغيرُ مُعلَن عنها إعلاميًا، خاصة جدًا، وبالتأكيد.. لا علاقةَ لها بالبلاد! السياسيّ الذي يُجهّز الآن لدُخولِ البرلمان -بعد أشهُر- والتَربُّع على عَرشِه، هو الآن في لندن حتى يعيش حياتَه الفاسدة، ويُظهِر وَجهَه الحقيقي هُنا بعيدًا عَن الإعلامِ في بلده. سأؤكِّد للجميع بأنّه ليس أهلاً لذلك المَنصب وبأنه سارقٌ كبيرٌ لأموالِ الشعب.
رِحلتُه المُكلِّفَة هذه -والخاصّة- إلى لندن، هي بالتأكيد على حِسابِ أموالِ الشّعبِ المسكين، سأُفرِغ جيوبَه مِن تلك الأموالِ المَسروقة بسرعة كما أدخلها إليها بسرعة، ولو كان آخرَ ما أفعله في حياتي! مونيا العلوي ليس لديها أفضلَ من الجنون! لَن يوقفني شيءٌ عمّا أُريدُ تحقيقَه الآن؛ فمنذُ قدومِه إلى هنا وأنا أتبعُ خطواته، خطوة خطوة ودون أن يدري أحدٌ عن مُخطّطاتي. لا أُنكِر بأنني لجأتُ إلى مُساعداتٍ كثيرة من أصدقاءٍ مُقرّبين لي في التصويرِ الإعلامي والصحافي، إضافةً إلى ناشطين سياسيّين كثيرين يترصّدون خطوات سارقي الشعوب العربيّة هُنا في أوروبا، وذلك كلّه؛ لكي أصِل إلى ما في جُعبتي الآن.
عليّ أن أجِد دلائلَ أكبر على ذلك السياسيّ البارز. لدَيه اليوم اجتماعٌ خاص مع رِجالِ أعمالٍ عرب وأجانب لَم أستطِع معرفة مَن هُم، لكنّني عرِفتُ المكان بالطبع الذي سيُقام فيه اجتماعُ غداءٍ يبدو عاديًا للمَرءِ على غيرِ مَضمونِه الحقيقي. هذا الرجل لديه نقاطٌ سوداء كثيرة في ملفِّه الخاص! وأنا عليّ أن أحرِص على كشفِها للجميع، أوَلَيس على الشخصيّات السياسيّة البارزة في بلدانِنا العربيّة أن تُحاسَب على كُلِ سِنْت تَقوم بإخراجِه، كما يحدُث في أوروبا بالضبط؟! إذن.. هذا الرجُل عليه أن يُحاسَب على ما يقوم بتكديسِه في جيوبِه مِن مالٍ عام.. الرجلُ اشترى مؤخرًا بيتًا فخمًا في لندن بمبلَغٍ ضخم جدًا، إضافةً إلى أموالٍ تُضافُ لحِسابِ امرأةٍ هُنا -في لندن- هو على معرفةٍ بها.
5👍3
يا لَلعار ويا للمُصيبة لأنني اكتشفتُ كلَ هذا عنه بطَريقةٍ كادت أن تكون شِبه مُستحيلة! علينا أن ننهض من سُباتِنا، وأن نضَع حدًا لمِثلِ هؤلاء، لِمن يتحكّمون بمَصيرِنا ومَصيرِ مُستقبلِنا و مُستقبَلِ أولادِنا. خفّفتُ سرعةَ سيارتي وأنا أدخلُ إلى تلك المنطقة من لندن، حيثُ يقع واحدٌ من أفخمِ فنادقِ العالم المعروفة على نهرٍ التايمز. أوقفتُ سيارتي على أبعَدِ نقطةٍ من المكان، وفي نَفسِ الوقت كانت نقطة تُمَكِّنني من تَمشِيطِ المكانِ كلّه بعيني، نقطة جعلَت المكانَ مَكشوفًا لي بأكملِه. دسَستُ يدي في جيوبِ مِعطفي -الذي كان يَصِل إلى خصري- عندما خرجتُ من سيارتي. كنتُ أنظر إلى الفندقِ من بَعيدٍ مِن تحتِ نظارتيّ السوداوين الأنيقتين رغمَ الضبابِ الذي كان يلُفّ المكان! بينما كانت خصلاتُ شعري الأسود الطويل المُنفردة بتمرُّدٍ حولَ وجهي تطيرُ مع الرِياح أمامَ عينيّ. كنتُ أُبعِدُها بينَ الحينِ والآخر عن وجهي؛ حتى أستطيع النظرَ بوُضوحٍ إلى الفندق. أريدُ معرفةَ من سيكون برِفقةَ ذلك الرجلِ السياسي عندما يدخُل الفندق، رُبما أستطيعُ تصويرَهما. كنتُ على وشكِ أن أعود؛ لكي أجلِس في سيارتي وأنتظِر في داخلِها قدومَ ضحيتي عندما مرّت سيارةٌ أمامي، سيّارة فِضيّة رياضيّة، تُشبِه تمامًا، بل تبدو لي بأنها نفسها سيارةُ ياسر زوجي! أبعدتُ النظارات عن عيني مُنذَهِلة، وأنا أتأكّد مِن أنّه -هو نفسه ياسر- يتوقّف بسيارتِه أمامَ الفُندقِ الفخم؛ لكي ينزِل من السيارة، كان هو بكُلّ تأكيد، مع أنّه كان بعيدًا عن نظري وكان موليًا ظهرَه لي وهو يُسلّم المفاتيح لواحدٍ من سائقي الفُندق، إلا أنني استطعتُ أن أعرِفه؛ لا يُمكن ألاّ أعرِف زوجي! حتى أنه يرتدي نفسَ المِعطف الأسودِ الطويل الذي أخرجتُه من خِزانتِه هذا الصباح؛ لكي يرتديه فوق طقمِه الأنيق قبل أن يتوجّه لعملِه. قامتُه الطويلة، رسمةُ جسدِه مِن الوراء كافية لكي أتأكّد من أنه ياسر. أعدتُ وضعَ نظاراتي بسرعة على عيني عندما التفَت ياسر بتلقائية إلى الوراء. زمَمتُ شفتيّ بغيظ. لقد رآني! مِن كُلِ تلك المسافة استطاعَ أن يُميّزني! استسلمتُ للأمرِ الواقع وأنا أراه يستَرجِع مفاتيح سيارتِه، ويعود إليها حتى يسوقها مِن جديدٍ مُستديرًا بها ناحيتي، فتنهّدتُ بصمت.
لَم أكُن أريدُه أن يعرف بهذه الطريقة، صحيحٌ لَم أُخفِ عنه يومًا ما أقومُ به، كُنتُ أريدُ إخبارَه لكنني لَم أكنُ أجدُ الوقتَ الكافي معه حتى أتكلّم عن موضوعٍ مثل هذا، يحتاجُ إلى الكثيرِ مِن الوقتِ لإقناعِه؛ فبالتأكيد سيرفُض الخُطوَة لأنّها جريئةٌ كثيرًا؛ فهي أكثر من إعطاءِ رأيي بالقلمِ والورق في الأمورِ السياسيّة التي تتعلّق ببلدِنا المغرب، فأنا أبحثُ الآن عن دلائلٍ حيّة عن تلك الآراء. (لا داعي لكي أُنكر الأمرَ الآن أمام ياسر أكثر) قلتُ ذلك لنفسي وأنا أقِف عِند مُقدّمةِ سيارتي، عندما أوقَف هو سيارتَه بمُقابلَتي وخرج منها.
تقدّم منّي بخطواتٍ كبيرة واثقة، كنتُ أتأمّله مِن تحتِ نظاراتي، لم تَكُن هناك مشاعر مرسومة على وَجهِه غير الجُمودِ والبُرود، وذلك لم يجعلني أتوقّع ردّةَ فعلِه، (مهما كانت ردّةُ فعلِه، ما يهمّني أنني مُقتنِعةٌ بما أفعله الآن)، هكذا قلتُ لنفسي وأنا أراه يقِف أمامي لا تُفرِقنا عن بعض سِوى خُطوتَين، كنتُ أنتظر ما سيقوله، لكنّه فاجأني عندما مدّ يدَيه المُغطّتَين بقُفّازَين جِلديّين أنيقين إليّ، ونزَع نظارتيّ السوداوتين عن عينيّ لكي تلتقى عيونُنا مُباشرةً، فتكلم عندها أخيرًا ليقول: "بحَقّ الله، ما الذي تفعلينه هُنا مونيا؟!"
أجبتُه بسؤالٍ أنا الأُخرى: "نفسُ السؤالِ أريدُ أن أطرحه عليكَ ياسر! ما الذي تفعله هُنا بحَقّ الله؟!"
أجابَ بنَبرةِ مَلَلٍ جعلَت صورتَه التي كانت قبلَ قليلٍ صارمةً وحازمة تتلاشى، ويظهر وجهُه الآخر معي، الذي جعلني أقعُ في هواه منذ أن اكتشفتُ ذلك الوجه فيه، الحقيقةً إنه رجلٌ مَرِح ومُتفَهِّم للغاية "اجتماعُ عمَلٍ -كالعادة- سيجمعُني مع عُمَلاءٍ جُدُد، بإحدى قاعات الاجتماعات بهذا الفندق"
لمستُ تعَبًا في كلماتِه، أعرف بأنّه مُتعَبٌ مِن عملِه، وبأنّ التوتُرَ هو سيّدُ عملِه ولا يُحِبّ الخسارة، إنّه شخصٌ يكره الخسارة، لذلك أعرف كَم يُعاني لكي يصمُد أمامَ الرِياحِ القويّةِ التي تُحاول أن تسقطه في عالمِ الأعمال، لكنّه قويٌ، قويٌ لدرَجة أن ينسى نفسَه في الكثيرِ من الأحيان مِن أجل طموحاتِه والنجاح في عملِه، نجاح لا أعرِف له حدود! أغمَض عينَيه عندما وضعتُ إبهامي على صدغَيه وبدأتُ أقوم بحركاتٍ مُهَدئة ستُساعده كثيرًا لكي أجيبُ بعدها بنبرةٍ لطيفة: "في نفسِ الفُندق أيضًا، سيُقام اجتماعٌ آخر لسياسيٍّ مَعروف في بلادِنا، وجودُه هنا ليس مُعلَنًا عنه، بَل هو سريّ لمَصالحِه الشخصيّة التي تضرّ بالبلد، وهذه فُرصتي الذهبيّة لكي أُعطي دلائل على فسادِه، وبأنّه عارٌ على برلمانِ بلادِنا وعلى ذلك المَنصِب الذي يُريد أخذَه بغَيرِ حق".
6👍3
كنتُ أتكلّم وفي نَفسِ الوقت أُحاوِل أن أسترِق النظرَ إلى الفُندق حتى أرى إنْ كان قَد وصل مَن أبحثُ عنه.. التفَتُّ إلى ياسر مرّةً أُخرى عِندما لَم أَرَ شيئًا وعندما أبعَد هو الآخر يدَيّ عَن صدغَيه، لكي يقول لي وقد ارتسَم على ملامِحِه البُرودُ مِن جديد -على الأقل بُرود ولَيس غضَب-: "لِماذا لَمْ تُخبرِيني بأنّك تقومين بمُغامراتٍ جديدة؟ بَل كيف تركتِ عملك وأتَيتِ إلى هُنا تتجسّسين على سياسيّ معروف؟!عَمَلُك هو التصويرُ فِي مجلّة فوتوغرافية للندن، وليس تَتَبُّع آثارِ خطوات السّاسَة وكشف أسرارِهم الخطيرة."
كِدتُ أن أفتحَ فمي، أدافِعُ عَن نفسي وعَن أفكارِي بقوّة، وقد ثارت ثائرتي كالعادة، كنتُ أريدُ أن أقول (إنّني مُواطِنة تُريد مَعرفَة حقيقة من ينوي أن يترأّس مَركزًا مُهمًّا في حكومَةِ بلادِها، كما على الشَعبِ بأكمَلِه مَعرفة حقائق مَن يلعبون بحياتِهم وبمُستقبَلِهم)، لكن ياسر كان أسرَع منّي، حين وضَع شفتَيه على جبيني يُقبّله برقّة -كالعادة- تُذيبُني، وهي الوحيدة التي تجعلُني أبتلِع حِدّةَ لساني، وهَمَسَ لي: "لن نتكلّم الآن عن هذا الموضوع، حسنًا، في الحقيقة أنا أعرِف كيفَ تُفكّرِين الآن وبأنّ الواجِبَ يُنادِيكِ لكن واجِبَ طِفلِك وزَوجِك يُناديانِك أيضًا، عُودِي إلى البيت أو إلى عمَلِك في المجلة، وعندما أعودُ إلى البيت سنتناقَش عن هذا الموضوعِ الخطيرِ الذي أخفَيتِه عنّي."
أبعَدتُ يدَيه عنّي بقوّة وأنا أصيحُ في ظِلّ ذلك الجَوِ القارس البرودة: "مُستَحِيل! لَن أعود ياسر، أنتَ تطلُب منّي أن أرمي فُرصةً أتَت على طَبَقٍ مِن ذَهَب وراءَ ظَهرِي ببساطة! هذا أمرٌ مُهمٌ يتعلّق بشَعبٍ بأكمَلِه ولَيس بِنا فقط أنا وأنت ثُم متى قصّرتُ معك أو مع أيمن؟!"
"أنا أُوافق بأن تُعلِني آراءك عَن مِثل هؤلاء السّاسَةِ بحُريّةٍ و جرأة، لكن ليس أن تُلاحِقيهم شخصيًا! هذا خطير"
لَم ألتفت إليه، إذ كنتُ مُولِيةً له ظهري أبدًا غَير مُقتَنِعة بكلامِه. شعُرتُ بكلامِه هذه المرة استخفافًا بقدراتي، لكنّه -كالعادة- يعلَم بطُرُقِه المُلتَوِيَة كيف أقتَنِع بكَلامِه وأؤمن به. ضمّني بذِراعَيه إليه، وهمَس في أُذُني مِن جديد: "مونيا، المَكانُ مُراقَب مِن كُلِ زواياه، كُل ما يُحِيط بهذا الفُندُق مُراقَب، لَن تَستطيعِي فِعلَ شيء. لا تُخاطِري بحياتِك! ماذا تُريدين أن تعرفي؟ أن تتأكّدي بأنّه قادِمٌ إلى الفُندق؟" توقّف لكي يتنَهّد باستسلام ويُكمِل بعدَها: "أنا لَدَيّ اجتماع في نَفسِ الفُندق، سأُحاول أن أنقل لكِ ما ستراه عيناي"
لَم أكُن راضية عن كَلامِه؛ كنتُ أريدُ أن أكتَشِف الأمورَ بنَفسي، لكن كلامَه، وحركاته الخبيثة جعلتني أنقادُ وراءَه مُستسلِمَة أدخُلُ إلى سيارتي التي فتَحَ بابَها لي بنَفسِه.. كنتُ أُصِرّ دَومًا على القِيامِ بكُلِ شَيءٍ بنَفسي، لكنّني الآن أعرِف بأنّني سأُخفِق كما قال ياسر؛ فالمكانُ فِعلاً مُراقَب. لا أستطِيع أن آتي بدَليلٍ واحد -بوُقوفِي هنا- على ذلك السِياسيّ، ولا حتّى صورة!
دخلتُ سيّارتي، فأقفَل هو بنَفسِه البابَ ورائي. أنزَلتُ الزُجاجَ لِكي أُودّعُه، لكنّه تكلّم قائلاً: "ألَم تُغيّري رأيك في تغيير مكانِ إقامَتِنا؟ متى ستقبَلِين بأن نشتري بيتًا كبيرًا يخُصّنا وحدَنا، بدَلَ أن نتشارَك عمارةً مَع أُناسٍ آخرين؟"
كنتُ أعرِف بأنّه يُغيّر المَوضوع، فقط بطَريقةٍ ذكيّة كشفتُها كعادتي؛ لأنّه يعرِف بأنّ ذلك مُستحيل، وبأنّنا تكلّمنا مِرارًا فِي أمرِ السَكَن، لكنّني أجَبتُ عليه بنَفسِ الجَوابِ ككُلِ مرّة: "مُستَحِيل، تَعرِف بأنّ واحدًا مِن شُروطي للبَقاءِ في لندن هو السَّكَنُ في عمارةِ ريتشيل، غيرها فلا!... مع تلك العائلات العربيّة أشعُر بأنّني في أحضانِ العالَمِ العربِيّ، وليس في بِلادٍ بارِدة مُمِلّة لا تَمُتّ لتقالِيدي وعاداتي ودِيني بِصِلَة! لَن أُغَيّر العمارة ولو بقَصرِ المَلِكة إليزابيث"
لَم يُجِبني إلا بابتسامةٍ رسمَهَا على شفتَيه، كان يُعيد بِضعَ خصلاتٍ مُتمَرِّدة تَحومُ حولَ وجهي خَلفَ أُذُنِي، وأنا أُكمِل كلامي قائلةً: "ثم إن أفضَلَ ما يُعجِبني في تلك العمارة، هو الاجتماعُ الذي نُقيمُه كُلَ يَومِ سَبت، اجتماع نِساءِ العمارة، نِساء عربيّات برِئاسة -الإنجليزية والتركية- ريتشيل زينب، أنا أُحبّ تلك الاجتماعات؛ ففيها نجِدُ أنفُسَنا في عَالَمٍ آخر، عالَم نحنُ مِنه، بعيدًا عن ما نعيشُه مِن قَسوَةِ الغُربة، عالَم نُضطّرُ أن نَخرُج مِنه حالَ أن نَخرُج مِن ذلك الاجتماع وأنا مُتشوِّقةٌ لاجتماعِ هذا الأسبوع، الذي سيَكونُ اليَومْ "


**************
6👍2
لين الطاهر

قبلَةٌ خَفِيفَةٌ على وَجنَتِي، شعُرتُ بها وأنا أسمَعُ هَمسًا حنونًا باسمي.. تمَلمَلتُ قَليلاً بينَ الوَسائد، وقد تسرّبَت شَمسُ الصَّباحِ الباكرِ للغُرفَة، بنُورٍ خَافِت عَبْرَ السّتائِر المُخمَلِيّة التي تُغطّي مُعظَمَ النّافِذَة.. شعُرتُ برَائِحةِ رَاشد العَطِرَة تتغَلغَل إلى أنفاسي الدافئة، وبقايا مِن عِطري يمتَزِج بعِطرِه الأخّاذ، و قد مَال قَليلاً نَحوِي ليَهمِس في أُذُنِي بتعبيره الصباحي المُعتاد:
- صَباحُ الوَرد ليني.
دفَنتُ رأسي في وسادتي وأنا أهمِسُ بِالرد، أكادُ أذوب خَجَلاً مِنه، و حَياءً من ابتسامَتِه المَاكِرَةِ المُنتَصِرَةِ التي أراها عادةً على وجهِه بعدَ أن يغمرُني بحُبّه المُتطَلِّب.. شعُرتُ باقترابِه منّي حِينَ سمِعتُ صوتَ أنفاسِه الدافئة، وهو يَهمِس قَريبًا من أُذُني:
- ارتاحِي اليوم حبيبتي..
قبّلنِي مرّةً أخرى على شعري وأتبع قائلاً:
- لا أُرِيدُ شيئًا على الغَداءِ اليوم.. قد أتأخّر في المُستَشفَى.
أومَأتُ برَأسي دُونَ أن أُدِير وَجهي نحوَه، مسّدَت يدُه شَعرِي قبلَ أن يَقِف مُبتَعِدًا، وهو يَقول بصَوتِه الرَّخِيم الذي يُخفِي فِيه ضَحِكَتَه السّاخِرَة منّي ومِن حَيائي الشّدِيد منه:
- سأتّصِل بكِ ليني، انتبهي لنَفسِك.
بَعدَ ساعاتٍ قليلة، كنتُ أقِفُ أمَامَ مِرآتي و أنا أُجَفّفُ شَعرِي الطَويل، بينَما أُدَندِن لحنًا ناعِمًا لفَيروز (سألتَك حبيبي) وأنا أُفَكّر في رَاشد كالعادة، ابتسامةٌ حُلوة ارتسمَت على شفتيّ، و أنا أتأمّل عيناي ثم غمَرَت وجنتاي حُمرَةُ الخَجَل عِندما تذكّرتُ ما كان بَينَنا منذُ ساعات.
آهٍ يا راشد، أنتَ دائمًا تُحبّني وبقوّة.. لكن بصمت! أتمنّى مِن كُلِ قلبي أن تَهمس لي بكَلِماتِ الحُبِ والغَزَلِ التي أراها مِرارًا وتكرارًا في الأفلامِ التي أُشاهِدُها، أقرأُها في الروايات، وأسمعُها في الأغاني. تَنهِيدَةٌ طويلة أطلَقتُها قبلَ أن أُرَدّد بهَمسٍ حنون كَلِمات (كُنْ صَدِيقي)، لِماذا تنسى حِين تلقاني نِصفَ الكلام، تكلّم، تكلّم، فأنا مُتعَبَةٌ مِن قِصَصِ العِشقِ وأخبار الغَرَام.
أخرَجتُ لِساني لانعكاسِي في المِرآة، قَبل أن أبتَسِم بسَعادة وأنا أُحرّكُ كَتِفي دلالاً:
- سترى يا حَجَرَ الجرانيت كيفَ ستخرُج مِنكَ كَلِمات الحُبِ و أعذَبُها ليلاً و نهارًا.
أتبَعتُ جُملتي بضَحِكةٍ ناعِمَة، وأنا أتخيّل راشد بتَقاطِيعه الحادّة و الصّارِمَة يتفوّه بتلك الكلماتِ هَامِسًا بها، وهو يَحمِل الورودَ الحمراء خلفَ ظهرِه لتكون مُفاجأةً لي! هَزَزتُ رأسي نَفيًا، بينما لا زِلتُ أضحَك مِن خَيالاتي عَن رَاشِدِي الوَقور لاستِحالَةِ تلك الفِكرة.
فِي تَمامِ الساعةِ الحَادِية عشرة صباحًا، أتمَمتُ تَرتِيبَ بيتي وتَنظِيفَه و تَعطِيرَه برَوَائِح (دهن العودِ) الجميل الذي أحضَرتُه مَعِي؛ لأنّني أعشق رائحَتَه التي تُذكّرُني بالروح العربيّةِ الشرقيّةِ التي أشتاقُ إلَيها. سرَحتُ بأفكارِي بَعيدًا، نحوَ وطني وأهلي و أحبابي، وأنا أُرَدّدُ في نَفسِي ما كانت تقولُه أمي (عاملين إيه في الغُربة، أعزّ الناس حبايبنا) وهي تُحادِثني على الهاتف... فتَحتُ بابَ الشُرفَة لأخرُج إليها وأستَنشِق بعضَ الهواء؛ عَلّه يطرد ما أثقَلَ صَدرِي مِن شُعورٍ بالوَحدةِ و الحنين لأمّي و أبي وإخوتي.. مسحتُ دمعتي التي نزِلَت شوقًا لَهم، وأنا أرسمُ ابتسامةً على وَجهِي مِن جَدِيد، بينما أتذكّر أبي وهو يقول لي (أنّني أملِكُ أجملَ ابتسامَة تنبُع مِن القلب).
كنتُ أتأمّل الشّارِعَ المُمتَدّ أمامي، وأنا أقِفُ في شُرفَتِي، وشاهدتُ على بُعدِ أمتار قَلِيلة سيّدةً وَقور تَحمِل سلّة كبيرة و جَميلة مِن القشِّ في يدِها، تَحوِي أزهارًا مِن كُلِ الألوان. شعرتُ بفَرحةٍ غامِرة و أنا أراها تسأل كُلَ مَن يمُرّ -عبرَ هذا الطريق- أن يبتاع مِن أزهارِها. كان الطَرِيقُ مَكسوًا بالأشجارِ على حافّتَيه اللّتَين ازدانَتا بالأزهارِ أيضًا، بدا لي المَشهد وكأنه خَارِجٌ مِن رواية (مازالت أُمنياتي أحلامًا) لكاتبة أُحبّها كثيرًا. اجتاحَني إحساسٌ غَريب برغبةٍ في شِراءِ تلك الأزهار؛ كَي أحمِلُها وأُغرِق وَجهِي بينَ وُرَيقاتِها لأستَنشِق عبيرَها، و أدور حولَ الأشجارِ فَرحًا بهذا النهارِ الجميل! أرسَلَت الفِكرةُ ابتسامةً ناعمةً إلى شفتيّ، وأنا أشعُر بارتياحٍ وطمأنينة يبثّان سعادةً صافِيةً إلى قلبي.
كنتُ أتمشّى في ذلك الممَرّ المشجر حاملةً أزهاري التي ابتعتُها من السيّدة، عندما انتبهتُ لأن هُناك مَن يُناديني، رفَعتُ رأسي، لأجِد راشد على بُعدِ خطواتٍ منّي! استغرَبتُ جدًا وُجودَه في هذا الوَقت، و في هذا المكانِ بالذات! كان يقتَرِب منّي بخُطواتٍ غاضِبة، لقد كان غاضِبًا جدًا و قد ارتسَم العُنفُ على تَعابِيرِ وَجهِه الذي بدا مُسودًّا مِن شِدّةِ انفِعالِه، صرَخ بي مُعنِّفًا :
7👍1
- لِماذا لَم تُخبريني أنّكِ ستخرُجِين من المنزل؟! وأين هاتِفِك الجوّال؟ ربما لا يجِب أن أسألِك عنه، بما أنّك تمُرّين بإحدى حَالاتِك الجُنونيّةِ النّادِرَة. يَجِب أن يتم إضافَة خِدمة لجوّالِك، تقول أن المُتَّصَل به سَاهِمٌ وهو يَحمِل الأزهار و يسرح بينَ الأشجار!
اتّسعَت عَيناي رُعبًا وأنا أدورُ بنظراتي حَولي؛ كَي أرى إن كان صَوتُه المُجلجل قد استقطَب الجَماهِير أم ليس بَعد! شعُرتُ بارتِجافةٍ تهُزّ ساقيّ وأنا أهبِطُ مِن خيالاتي الرومانسية مُصطَدِمَةً بصَخَبِ راشد المُفاجِئ. حثَثتُ خُطاي المُرتَبِكَة نَحو مدخَلِ البِناية؛ فِي مُحاولَةٍ منّي لجَرِّ راشد إلى شقّتِنا بعيدًا عن أعيُنِ المُتطفّلِين، في الوَقتِ الذي رطّبتُ شفتيّ بتَوتُّرٍ وأنا أُجيبُه بصَوتٍ خافِت:
- راشد، أرجوك! أخفِض صَوتَك، نَسِيتُ هاتفي النقّال في البَيت.. أرجوك لا تصنَع جَلَبة أمامَ الناس!
رأيت شرارات الغضبِ تتطاير مِن نظراتِه، وأنا أبتعِد عنه مُهروِلَةً باتجاهِ المِصعد، فيما كان يُلحِق بي وهو لا يُطيق صَبرًا على الانفِجارِ بوَجهي مُحدثًا جَلَبةً حقيقيّة. ازدَرَدتُ رِيقي، وأنا أضغَطُ على الرّقم (أربعة) حيثُ شقّتِنا التي تقبَعُ في الطابقِ الرابِع، وما أن أغلَق المِصعَد بابَه عَلينا حتى سَمِعتُ صَوتَ تَنفُّسِ رَاشد الغاضب، وهو يَلتَفِت إليّ قابضًا على ذِراعيّ بعُنفٍ شديد، و يقولُ مُوبِّخًا:
- باللهِ عَليكِ يا لين، متى ستتعلّمين مَعنى المسؤولية؟! متى ستُفكّرين مرّةً قبلَ أن تتصرّفي؟!
كان راشد فِي قِمّةِ غَضَبِه وهو يرعد رَعدًا فِي وجهي، رَجوتُه بَاكيةً أن يُخفِض صَوتَه خَوفًا مِن أن يَنفَتِح بابُ المِصعد، فيرانا أحَدُ سُكّانِ البِناية.
خرَجتُ مِن المِصعَد فورَ انفِتاحِه، لألتَصِق بِبابِ شقّتِنا في مُحاوَلَةٍ منّي لأختفي من أمامِ راشد، الذي لم أعرِف كيفَ فتحَ الباب، وأصبحنا داخلَ الشقّةِ أخيرًا. كنتُ أرتجِف مِن الخَوفِ والانفِعال، و اتّجَهتُ إلى غُرفَتي بسُرعة، و دموعي لَم تتوقّف، و مازلتُ أسمَعُ تساؤلات راشد الغَاضِبة عن سَبَبِ عَدَمِ اتّصالِي به، و إخبارِه بخروجي.
هروَلتُ إلى غُرفَتي وأغلقتُها خَلفي بالمفتاح لأتحصّن داخلها مِن راشد وألقَيتُ بنَفسِي على سَريرِي وأنا أبكي بحرقَةٍ وألم مِن هذا الراشد وتقَلُّباتِه التي أرهقَتنِي! أعتَرِف أنّني أخطأت بعَدَمِ الاتّصالِ به، وأعرِف أنّني أخطأتُ أيضًا بعَدَمِ إخبارِه عن نُزهَتِي. ولكن هل يتطلّب نِسياني كُلَّ هذا الغَضَبِ الهَادِر! نَظَرتُ إلى الأزهار التي وضعتُها بجانبي على السّرِير، وتحسّرتُ على يَومِي المُشرِق الذي اغتالَه راشِد كعادَتِه.
تذكّرتُ فجأةً - وأنا أتأمّل أزهاري- الدعوَةَ التي كنتُ أنتظِرها منذُ فِترة، دعوَة جارَتِي (زَينب) التي أُحبّها لطِيبَتِها وعُذوبَتِها وشعُرتُ بالمَرارة وأنا أُدرِك استحالَة خُروجِي وأنا أشعُرُ بكُلِ هذا الألَمِ في داخلي.. سأعتَذِرُ عَنِ الدعوة، يَجِبُ أن أعتذر، لَن أتمكّن مِن الذِّهاب وأنا حزينة هكذا.
طرَقاتٌ حَازِمَة ومُصمِّمَة على بابي، أيقظَتني مِن سَهوَتِي، حيثُ سمِعتُ راشد يُناشِدُني بصَوتِه القَويّ:
- افتحي البابَ يا لين، و كفاكِ تصرفات طفوليّة.
لَم أُجبه، وبقيتُ مُستَلقِيةً على سريري أُحدِّقُ في النافذة، لحظات قصيرة مضَت قبلَ أن أسمع راشد يُنادِيني، ولكن بطَريقَتِه الخاصّة هذه المرة:
- هيا يا ليني، افتحي الباب.
أغمَضتُ عَينيّ وقد فَرّت دمعةٌ حارّة على وَجنَتي، وأنا أشعُرُ بتَعَبٍ حَقِيقيّ في قلبي، سَبَبُه راشد!
سارة جوزيف
استيقظت مِنّ قيلُوْلتِهَا لِتَعَودَ لِمْكَتَبِهَا ناعِسة مُبتَسِمَة بسُخْرِيَة مِنّ هذه الإنجْلِيزِيّة (ريتشيل) تزاول لُعْبَة 'العثمنَة' عَلَّى النْسوة العَرَبيّاتِ فِي عِمَارَتِهَا كَمَا يفعلها الأترَاكُ في الوطنِ العَرَبيّ.
استدراج العَربِ إلى الزَمَنِ الجَمِيلِ فِي نَظَرِهم؛ زَمَنُ سُلطَة دار السَعَادَةِ (إستَانبُول) عَلَّى الَوْلاياتِ العَرَبِيَّة شَرقَاً وغَربَاً، ولَكِنّ لُعبَتهم لَمْ تَأتِ هَذه المَرَّة بفَرمَانَاتِ سُلْطانِية؛ وإنَمَا باسم حُرِّيَّة الشُعوبِ وباسم التَبَادَل الثَقَافِيّ والحَضَارِيّ وكأنَهَم لَمْ يسَلِبُوا حُرِّيَّة العَرَبيّ يَوْماً ويحَاولُون طَمَسَ هَوِيَته بالطُورانِيَة البغِيضة.
أوه ريتشيل.. ألَمْ يَكُن يَوْماً عِرقَكِ الإنجليزيّ مُسْتَبِدّاً أيضَاً فُوَرِثَ التَّرِكَة العَرَبِيَّة وقَسمهَا وقَضَى عَلى نَصفَكِ الآخر التركي..
لا يَهُم.. المُهِم أن أعَرفَ مَاذَا يحَدُث فِي اجتماعاتكن مُنْذ شَهَر؟ أسكُن بَينكن ولَمْ تدَعْونِي إليها، هَلْ أنَا مَنبُوذة لهَذِه الدَّرَجَة حَتَّى لا ترَغبّن فِي حُضُورِي؟! فَلدي كُل المُقَوِّمَاتِ الَّتِي لَدَى جَارَاتك، ريتشيل.. العَرِق العَرَبيّ الأصِيل واللُغَة العَرَبية الفُصحَى، (أم إنه العَرِق الأمريكي هُوَ سَبب نُفُوِركن مِني؟).




**************
7👍1
الزئبق.. والاغتيال



بينما كانت أيام الحياة تمضي بالفتيات العربيات في رتابة كنـُسخٍ كربونية ليومٍ قدريٍ لحوح. يومٌ اعتدن الشرود يستعرضنه كل صباح على جناح الخاطر.. واعتادت هي تتبُّع تفاصيل حياتهن بفضولٍ مقيت.. كان هو هناك. على الشاطئ الآخر من البحر. يغدو ويروح، جيئةً وذهاباً في غرفته الفسيحة.. يضرب جانب ساقه بعصى قصيره في يده، خطواته المرتبكة تهمس بقلق خواطره وملامحه توحي بتفكيرِ عميق يحلق به خارج نطاق هذه الغرفة الفسيحة الكائنة بالطابق الثاني.. في هذا المبنى الضخم المعنـْوَن بلافتة كبيرة كُتب عليها: "إدارة حماية التراب الوطني" إنه الجنرال حميدو بن موسى، المدير العام لهذه المؤسسة الأمنية.
وهو على هذا الحال دخل عليه ضابط أقل منه رتبةً.. و ما إن ولج ذلك الضابط إلى الغرفة حتى صاح فيه الجنرال قائلاً: لا.. أنا لا أوافق على هذه الخطة.. لابد أن يتم التخلص من هذه المتمردة بطريقة لا تُثير الشبهات حولنا، لا أريد أن نـُوضع في مَوْضع الحـَرَجْ مع اسكتلانديارد.
إن مونيا العلوي تخطت كل الخطوط الحمراء بعد نشرها لهذه الصور التي التقطتها لسجناء "بولمهارز" ومن الخطر السكوت عليها بعد الآن، فهي في كل يوم بكاميرتها وبقلمها المتمرد تمزق بكارة أسرارٍ خطيرة وتنكأ جراحاً تنزف تمرداً وثورة.. أنا أوافق على تصفيتها ولكن ليس بأيدينا نحن.
وقف الضابط صامتاً حتى أنهى الجنرال حديثه ثم أجابه قائلاً: من أجل هذا جئت إليك الآن يا سيدي.. إنما جئت لأعرض عليك خطتنا البديلة
انتبه له الجنرال كمن يستحثه على مواصلة الحديث، فأكمل الضابط دون توقف؛
لدينا هنا أحد السجناء.. إنه الشيطانُ بنفسه ولصٌ محترف، لا تعرف له كل أجهزة الأمن الدولية هوية.. له ألف وجه.. وبحوزته العشرات من جوازات السفر بجنسيات مختلفة، والمئات من بطاقات الهوية.. لا نعرف له اسما سوى لقبه المعروف به: "مسيو ميركري".. هكذا تعرفه أجهزة الأمن، قبضنا عليه في مطار مراكش بطلبٍ من الإنتربول وليس لدينا إتهام محدد نوجهه إليه.. نحن مضطرون للإفراج عنه وحتى وإن لم نفرج عنه فإنه في غضون أيام بل ساعات.. يمكنه الهرب.. فالمعلومات التي لدينا أنه تمكن من الهرب من معظم سجون العالم شديدة الحراسة بكل يُسر.
وأكمل الضابط؛ طوال الأيام الثلاثة الماضية، حاولنا شتى الطرق لمعرفة اسمه الحقيقي أو جنسيته ولم نفلح.. حتى التعذيب لم يفلح معه وكأن جسده صُنع من خلايا ميتة.. لم يزده التعذيب إلا ضحكاً وسخرية منا.. إنه لص بدرجة شيطان.. كل متاحف أوروبا تنتظر زياراته الليلية بقلقٍ ورعب، فهو فنان عاشق للتحف التاريخية الثمينة والنادرة.
كان الجنرال ينصت في اهتمام حتى انتهى الضابط من حديثه.
ابتسم الجنرال قائلاً: هذا رائع.. أنا أدركت المغزى الذي ترمي إليه، أحضر لي هذا المدعو بالزئبق فوراً.
فإذا بالضابط يقوله له؛ لقد أحضرته معي بالفعل.. إنه بالباب يا سيدي.
وفـُتح الباب بأمر من الضابط.. ليدخل منه شاب ثلاثيني، طويل القامة أبيض البشرة وكأنه أوروبي المولد.. أسود العينين أكحلهما كأنه عربي الأصل. باسم الشفاه شيطاني النظرة وكأنه جحيمي النشأة. وقف أمام الجنرال.. مكتوف الرسغين والقدمين بسلاسلَ من حديد، لكنه يعبث بين إصبعيه بقطعتين من النرد بلامبالاة مستهيناً ساخراً.. فسأله الجنرال:
- ما الذي أتى بك إلى بلادنا؟
- جئت لأسرق تحفة من أحد متاحفكم سيدي.. من دار الماخزين، أنوي سرقة الطربوش الأزرق المزخرف بالكوبالت والمينا.
- أبهذه البساطة!؟
- نعم سيدي.. و لقد استرحت من عناء السفر لديكم ثلاثة أيام، أظنها كافية كاستراحة لي ولابد أن أذهب الليلة لممارسة عملي الذي جئت من أجله.. مع خالص شكري لكم على استضافتي هذه الأيام الثلاثة.. فاستضافتكم المرحة المسلية ستظل محل تقديري.
- ما رأيك لو منحناك مطلبك دون عناء السرقة منك؟
- لا سيدي، أشكرك.. فمتعتي من التحف سرقتها وليس اقتنائها.. ولكن دعني أوافقك لأعرف المقابل الذي تطلبه نظير هديتك.
- عملية بسيطة... اغتيال فتاه دون أي إشارة لنا.. ستحظى بعدها بكل دعم تطلبه منا وبعد أن تنفذ مهمتك و تهدأ الأمور، سنسعى بكل إمكانياتنا لإسقاط جميع التهم لدى الإنتربول الدولي عنك، فما رأيك في هذه الصفقة؟
- صفقة رابحة بالنسبة لي.. رغم أن مهنتي المفضلة هي السرقة و لم أجرب مهنة القاتل المحترف قبل الآن.. ولكنها أحد أحلامي التي أريد أن أضيفها إلى سجلي.
- إذن! أنت توافق على تصفية هذه الفتاه المتمردة لصالحنا؟
- أهي جميلة؟
- بارعة الحسن و الجمال، ولكنها ناشطة حقوقية وسياسية كرصاصة خرجت من فوهة بندقية تكاد تصيبنا جميعاً.
صمت اللص صمتا لم يطـُل كثيراً ثم أعرب قائلاً للجنرال؛ أنا أوافق سيدي، سوف أقوم بالمهمة لأجلكم.. فأنا أكره الجميلات لأنهن نقطة ضعفي الوحيدة.. هاتِ ما عندك من معلومات عنها لأضع خطتي الليلة وأنا في طريقي للمطار فور انتهائي من سرقة المتحف.
- ألا زلتُ تُصر على سرقة المتحف حتى بعد أن قررنا منحك مبتغاك؟
- سيدي، مبتغاي المتعة وأنا أسرقه بيدي.
7👍5
- لا أعتقد أنك ستستطيع إتمام هذه السرقة... خاصة بعد علمنا بنواياك.
ابتسم اللص و هو يغادر غرفة الجنرال يرافقه الضابط إلى غرفة الأخير وجلس فيها أقل من الساعة.. علم فيها اللص كل المعلومات المتاحة عن مونيا العلوي و حصل على صورة حديثة لها.. وعنوانها في لندن.
وضع الزئبق الصورة في جيبه بعد أن تأملها وهمس لها؛ أنا آسف أيتها الفاتنة، ليس بيني وبينك ما يسوء ولكنه العمل عزيزتي ثم غادر السجن ليتوجه إلى المطار تحت رقابة رجال الأمن، إلا أن رجال الأمن بعد دقائق لم يجدوا للزئبق أثراُ و كأنه تبخر في الهواء فجأة، فظل رجال الأمن المراقبون يضربون أخماساً بأسداس حتى قـَرُبَ موعد إقلاع الطائرة المتجهة إلى لندن.. ليظهر الزئبق أمامهم في المطار فجأة كما أختفى فجأة وكأنه كان أمام أعينهم طوال الوقت شفافا غير مرئي.
ساعده الجنرال في إنهاء إجراءات دخوله للطائرة بسرعه ليلحق بها وما إن أقلعت الطائرة من مطار مراكش ودلف الجنرال إلى سيارته عائداً لمكتبه حتى سمع رنين تليفونه.
أجاب مُحـَدّثه ورفع حاجبيه ذهولاً حين أخبره المُحَدِّث بأن متحف دار الماخزين قد تمت سرقته منذ نصف الساعة.
****************************
6
سارة جوزيف

ارتدت ملابسها وهي تراقب عقــارب الساعة، باقي نصف ساعة على اجتماعهن.. قدمت العشاء لكلبها المدلل وصدح الصوت اللبناني المختار هذا المساء زياد الرحباني...
تعي نقعد بالفي
مش لحدا هالفي
حبيني و فكري شوي
بلا ولا شي
وحدك...
بلا و لا شي
بلا كل أنواع تيابك
بلا كل شي في تزيين
بلا كل أصحاب صحابك
الثقلا والمهضومين
تعي نقعد بالفي
مش لحدا هالفي
حبيني و فكري شوي
أنه غريب الأطوار الأستاذ نبيه الساكن في الشقة المجاورة لها، صباحا موسيقى غربية وفي المساء أصوات لبنانية تثير حنين الرجل الخمسيني
(هل أحببت يوما؟) سألته يوما فضحك حتى احمر وجهه ودمعت عينيه وقال لها (ومازلت..)
وغمز بعينيه، ابتسمت لإياد الأمين عابس الوجه فرد الابتسامة وأغلقت باب شقتها فإذا بعمرو والد أية يمر متجاهلا وقوفها ليدخل عند نبيه، هل أيضا الرجال أصبح لديهم اجتماعات تخصهم؟ أخرجها من تساؤلاتها رنين هاتفها واسم (دايمون أدم) فردت بلهفة (أدم أهلا بك).
فرد غاضبا (تبا لك سارة جوزيف هل مازلت كالفارة في جحرك، تراقبين بصمت؟) سألته بدهشة (ماذا هناك آدم؟ لماذا أنت غاضب؟)
(الوقت يمضي وأنت لم تبعثي لي بورقة واحدة حتى يطمئن قلبي، هل كتبت شيئا أم مازلت في مرحلة المراقبة وجمع المعلومات؟..) (أدم..)
قاطعها بصوت أقل حدة فيه رجاء (منذ لقائي بمارك وحديثه عن هذه التركية وعمارتها وطبيعة ساكنيها ظهرت الفكرة، حملتك إياها وأيقنت بأنها ستولد على صفحاتك ولم أرَ لها ما سواك سارة.. لا تخذليني عزيزتي)
ابتسمت تتخيل قسمات وجهه الوسيم بائسا، قلقا من فشلها؛ فقالت له بصوت يحمل أكثر من معنى (أدم أنت أستاذي ومنك تعلمت القاعدة الأمريكية.. لا عداء دائم ولا صداقة مستمرة، المصلحة هي المهمة.. أعلم جيدا بأنك عندما تفقد الأمل في سوف تنهي اسم سارة جوزيف، فلا تستخدم حيلك علي لتبين لي أنك تستطيع أن تجد غيري.. فأنا كعباءة العربي تتنكر بها لتصل لما تريده.)
أنهت اتصالها ليلفت انتباهها هذا الغريب الذي يدخل العمارة وشاهدته اليوم يخرج منها قبل أن يفزعها صوت أستاذ نبيه من خلفها يدعوها على فنجان قهوة..


*************



انتهت الحلقة
قراءة ممتعة
7
الحربــــــاء.. والسطو

بالأمس، هناك بمنطقة فيكتوريان على خليج دوغلاس بلندن وعندما كانت الساعة في رسغ مستر "ريتشارد برنارد" تشير إلى الحادية عشر مساءاً.. وهو يجلس مستغرقاً في التفكير بغرفته بالطابق الأول بفندق "ويستيرن بالاس" فجأة انقطع التيار الكهربي لثواني معدودة ثم لم تلبث أن عادت الأضواء وسمع ريتشارد جلبة وضوضاء مصدرها صالة القمار بالطابق الذي يعلو غرفته ثم انطلقت صافرات رجال الشرطة تدوي في سكون الليل، فقام ريتشارد يستطلع الأمر من شرفة غرفته.. فإذا به يجد نفسه أمام هذه النـَمِرة التي قفزت من الطابق الثاني إلى شرفته.
إنها هي! هذه الفتاة الرشيقة صارخة الجمال، الفتاة التي وُلدت لا لشيء إلا لتسرق.
كل خلية من خلاياها احترفت السرقة بغير عناء، فهذه عيونها قد سرقت من البحر غموضه ومن السماء ألوانها وهتان شفتاها قد اختلست من الجوري لونه و رحيقه وها هما وجناتها قد جردت الياقوت من حُمرته و الشفق من سحره وقت الغروب وهذه خصلات شعرها الليلكي الفاحم ترقص بنعومة على ساحة المرمر الأبيض الناصع المُسمى جبين.
منذ لحظات كانت هذه الفاتنة تجلس مع جموع المقامرين حول طاولة البوكر وأكوام من دولارات الرهان مكدسة على حواف الطاولة، فإذا بها تقفز فجأة فرحةً بالفوز تهتف؛ رويال بلاك جاك؛ ثم تـلُقي على الطاولة أمام الجموع بكارت الآس ومدت يديها لتحتض أكداس الدولارات، فإذا بموزع الأوراق يهتف بها؛ توقفي! هذا خداع! ها هو الآس بيدي فكيف يكون معكِ!؟
رفعت يدها عن الطاولة ونظرت إلى موزع الأوراق بابتسامه تنحر الإرادة في نفوس الرجال في هذه اللحظة، وإذا بالكهرباء تنطفئ ليعود النور بعد ثواني وقد خلت الطاولة من كل سنت كان عليها وليس لهذه الجميلة الساحرة وجود، فـساد الهرج والمرج بالصالة وانطلق رجال الشرطة يعدون بصافراتهم في هذا المبني الضخم.
وقفت أمام ريتشارد في هدوء وسكينة وكأن شيئاً لم يكن.. باردة الأعصاب وبعينيها بريق المغامرة والمرح.
أزاحته بيدها قليلاً لتمر من باب الشرفة إلى داخل الغرفة وهي تحادثه و كأنها تعرفه منذ سنين بينما يسير هو خلفها متعجباً، يمطرها بوابل من الأسئلة..
- من أنتِ؟ لماذا دخلتِ غرفتي؟ ما الذي يحدث؟ ما سر هذه الجلبة بالفندق؟
دخلت تتهادى في هدوء إلى الغرفة وألقت بنفسها على الأريكة ثم قالت وهي ترفع له حاجبيها باستغراب ودهشة.
- من أنتِ؟ أهذا السؤال لي أنا؟ ألستَ من سكان لندن؟ لقد خذلتني أيها السيد! كنت أظن أني غنية عن التعريف حتى صفعتني بهذه الحقيقة المرة الآن، لقد خدشت مشاعري الرقيقة بقسوتك هذه.
جلس السيد ريتشارد أمامها وقد ضاقت عيناه فجأة كمن أقتنص فكرة كانت هاربة منه وقال لها وهو يصر على كلماته.
- لقد عرفت من أنتِ... أنتِ أحد لصوص الصالات بالتأكيد جئتِ للاختباء بشقتي حتى تهدأ مطاردتك.. أليس كذلك؟
- هو ذاك أيها العبقري، لكني لازلت أشعر بالإحباط من حديثك.. أنك تـُدمي مشاعري... أنا لست أحد اللصوص، أنا أميرتهم المتوجة يا سيد''
- ريتشارد، اسمي ريتشارد برنارد.. رئيس شركة إيداس للإنشاء والتعمير وقد ساقتك الأقدار لي في الوقت المناسب، فمنذ لحظات و قبل وصولك كنت أفكر في عقد صفقة مع أحد اللصوص ولا أظن أني سأجد من هي أبرع من أميرتهم، فما رأيك في العمل لصالحي؟
- أسمع أولاً و بعدها أقرر.
- الموضوع ببساطة أن إحدى الشركات الخليجية أعلنت عن مناقصة دولية لبناء عدد من المجمعات السكنية و الأبراج وشركتنا وكذا العديد من شركات البناء والتشييد بإنجلترا تـقوم بإعداد العروض المناسبة لهذه المناقصة وأهم شركة منافسة لشركتنا هي شركة برود واي ماليان للبناء وقد كلفت هذه الشركة أحد مهندسيها الأكفاء لإعداد هذه المناقصة.. هو شاب من بلد عربي أسمه خالد سعد وقد علمنا أنه انتهى من تصميم المنشآت وعروض أسعارها وهو يحفظ هذا الملف بفلاش ميموري بشقته.
- و ما هو دوري في هذه العملية؟! هل تطلب مني أن أغريه بفتنتي وجمالي واستنطقه بسحري فيكشف لي أسرار هذه التصميمات وعروض الأسعار، لقد أخطأت يا سيد ريتشارد، أنا لصة محترمة جداً ولستُ فتاة ليل.
- لا. لم أقصد هذا أيتها اللصة المحترمة، إنما قصدت فقط أن تسرقي لنا الفلاش ميموري قبل تقديم المناقصة ولك أن تحددي قيمة الشيك المطلوبة نظير هذا، فشركتي ستتعرض للإفلاس إن لم نفز بصفقة المباني هذه.
صمتت هُنيهة تفكر ثم قالت؛ لا بأس.. بعد الغد يكون الفلاش ميموري لديك وساعتها نتحدث عن نصيبي. فتهللت أسارير ريتشارد وراح يُلقنها بالمعلومات اللازمة عن المهندس خالد سعد وعنوان سكنه.
ولما أخذت منه كل المعلومات التي تريدها قالت في دلال وأنوثة وكأنها توجه إليه سؤالاً:
- أليس من طبيعة الرجل الجنتلمان أن يعزم ضيوفه على كأس من الويسكي!؟
2👍2😢1
قام ريتشارد مسرعاً إلى مطبخ الشقة يشعر بالغبطة بعد أن عقد معها هذه الصفقة، يُمنِّي نفسه بليلة ساخنة مع هذه الفتنة الأسطورية التي هبطت عليه من السماء كزوار الأحلام ولكنه عاد بعد قليل.. لتسقط زجاجة الويسكي من يده عندما وجد الفتاة قد اختفت من الغرفة ولمح حقيبته مفتوحة، وليس بها ما كان بها من مال، ووجد عوضاً عنه بطاقة من أوراق اللعب مكتوبٌ عليه.
" شكراً ريتشارد، نلتقي بعد الغد، حار قـُبلاتي.. الحرباء."


******
7
الحلقة الثانية

لين الطاهر

امتدّت يدا راشد بخفّةٍ إلى حِجابي الذي لازلتُ أرتديه حين غَفَوتُ على سَريري، وانتزَع الدبابيس برفقٍ ساحبًا حِجابي برقّةٍ مُتناهية؛ حِرصًا منه على ألاّ أستيقظ من نومي.. كنتُ لازلتُ مغمضةً عيناي وأنا أشعُر بشعري ينتشر على يدِ راشد، وقد تغلغلَت أنامِلُه السمراء لتُداعِب فروة رأسي بحرَكاتٍ رتيبة أرسلَت الاستِرخاءَ إلى نفسي المُعذَّبَة، و دونَ أن أشعُر أفلتَت منّي تنهيدةٌ مضطربة و قد شعرتُ بارتجافٍ يُهدّد بنَوبة بُكاءٍ جديدة....شعرتُ بعدَها بضغطٍ خفيفٍ على شفتيّ أرسل قشعريرةً في أوصالي، وهمستُ بحُزنٍ دونَ أن أستطيع فتح عيناي:
_ ر اا شـ..د..
فتحتُ عيناي بعد أن شعرتُ به يمسح على وجنتي، و أسرتني عيناه اللتان كانتا تحدّقان في وجهي الباكي بحنانٍ و شغَفٍ اشتقتُ إليهما، لكنني سُرعان ما تذكّرتُ ما حدث قبلَ نومي، فعادت التقطيبةُ ترتَسِم على جبيني، و استدرَكتُ قائلةً:
-كيف دخلتَ إلى هنا؟!
أجابني راشد و هو يتأمّل عبوسي، وشِبهُ ابتسامةٍ ترتسِم على وجهِه:
- بسهولةٍ حبيبتي.
لَم يعجبني جوابُه المُتهكِّم و قلتُ له:
- و لكنّها ليسَت المرّة الأولى التي أُغلقُ فيها غُرفتي فـ....
قاطعني راشد بابتسامة:
- و ليست المرّة الأولى التي أدخلُ فيها إلى الغرفة...الأمرُ بسيطٌ حيبتي؛ مفَكٌ كبير، و آخرٌ صَغير، وأُصبِحُ بجانِبِك..
أكمَلَ راشد و قد رأى علامات الاستفهامِ ترتَسِم على ملامِحِي التي يُدقِّق فيها:
- كنتُ أدخُل لأطمئِنّ عليكِ بعدَ نوباتِ غضبِك المُعتادة، لأجِدِك تنامين كالجميلةِ النائمة، لكنك لَم تكونِ تستيقظين عندما كنتُ أُقبّلك أيّتُها النائمة..
بدِفاعٍ أجبتُه:
- أولاً، أنا لَم أكُن أغضبُ بلا سبب، وأنت تعرِف أنّك كنت تصرُخ في وجهي وأنا لا أحتَمِلُ ذلك، ثُم أنّني أشُكّ أنك كنت تُقبّلني، لأنّي لَم أشعُر بأيٍّ منها، أو ربما كنت تتعمّد أن تُقبّلني بخِفّةٍ حِرصًا مِنك على عدَم إيقاظي لترتاح من صُحبتِي التي يبدو أنّها تبعث فيكَ الضجرَ و الملل و...
امتدّت أناملُ راشد نحوَ فمي الذي يُكيل له الاتهامات، و اقترَب مِن وجهي هامسًا بعَبَقِه الرُجوليِّ الخاص أمام فمي -الذي مازالت يدُه تُغطّيه- بمُداعبةٍ أفقدَتني تركيزي:
- أنا لا أمَلّ منك أبدًا ليني..أنت..
قطَع كلماته وهو يُبعِد أناملَه بخفّةٍ عن شفتيّ، وأمسَك بذقني رافعًا وجهي نحوَه، فيما امتدّت يدُه الأخرى خلفَ رأسي؛ ليسحبني نحوَه غامرًا إيّاي بقُبلةٍ أودَعَها شوقَه و حبَّه وأسفه ...نعم، أسَفه...هكذا شعُرت.
كنتُ أوّلَ من ابتعد وقد فرّت دمعةٌ على خدّي وأنا أقولُ له بصوتٍ مُتأثّرٍ بينما أبكي من الألمِ الذي اجتاحني لصُراخِه عليّ بتلك الطريقة:
- لقد أحرجتَني راشد، أحرجتني جدًا وأنت تصرخ في وجهي ونحنُ في الشارعِ أمامَ المارّة، لستُ طفلة لتُعاملني بهذه الطريقَةِ المُوبِّخَةِ لي!
لَم أستطِع التحمُّل، وأجهَشتُ بالبُكاءِ من جديدٍ وأنا أتذكّر ما حدث قبل قليل.
عادَ الغضبُ ليرتَسِم على وَجهِ راشد، وهو يشُدّ على أسنانِه مانِعًا نفسَه مِن الانفلاتِ مرّةً أخرى وقال:
- لين، لقد مررتُ بأسوأ صباحٍ على الإطلاق، و إن كنتِ تعتقدين أنني أحرجتُك، فأنتِ بالمُقابل قد أرعبتِنِي، حتى أنّى تركتُ المُستشفى دونَ أن أعتذِر عن العمليةِ المُتوجّب عليّ القيام بها، و قُدتُ سيارتي كالمجنون لأصِل إليكِ وأنا أبتَهِل إلى الله ألاّ يكون قد أصابك سوء.
كنتُ أستمِع إليه و قد صدمني ما سبّبتُه له مِن قلقٍ لَم أكُن أبدًا أقصدُه.
وحين رأى راشد ملامِحي وهي تلين، أكمَل بصَوتٍ أكثرَ لُطفًا:
- اتّصلتُ بك مِرارًا على الهاتفِ الأرضيّ لكنّك لَم تُجيبِي، فكرت بأنك ربما تستحمّين، أو ربما تُجفّفِين شعرك، وعاودتُ الاتصالَ بعدَها على هاتفِك المَحمول لكنّك لَم تُجيبِ أيضًا.. ثُم جُنّ جنوني حين اتّصلتُ مرة أخرى ووجدتُ الهاتفَ مُغلَق! لا تعرفين الأفكارَ التي عصِفَت بي، كِدتُ أموتُ من القلقِ عليكِ، وعندما عدتُ وجدتُك تسرحين مع أزهارِك، وأنا الغَبيّ كِدتُ أُصاب بجلطةٍ قلبيّةٍ خَوفًا عليكِ.. كَيف تُريدينني أن أتكلّم معِك برقّة في الوقتِ الذي أرغبُ فيه بصَفعِك؟!
فتحتُ عيناي و قد شعرتُ بذُعرٍ حقيقي مِن فكرةِ أن يصفعني راشد.. نظرتُ دونَ أن أنتبِه إلى يدَيه الكبيرتين، وفكّرتُ برُعبٍ أنّني ربما أموتُ لو فَعَلها؛ فهو قويٌ و... ثُم رفعتُ عيناي لوجهِه وقد أثارَت تعبيراتُه المُخيفة الرُعبَ في قلبي وشعرتُ براشد يتأمّلني و هو يستوعب الصدمةَ التي سبّبَها لي بكلماتِه، رأيت ملامِحَ وجهِه تكتَسِي باللُطف، وشعرتُ بأنفاسِه تهدأ وهو يأخذ نفسًا عميقًا طويلاً قبل أن يُكمل و قد أحاط كتفيّ بذِراعِه وشدّني إليه بينما يهُزّ رأسَه بعِتابٍ لي:
- و طبعًا عندما عُدت، وجدتُ الهاتفَ في دُرجِ المِنضدَةِ الصغيرةِ الموجودةِ بجانِبِ السرير مُغلَقًا؛ لأنّه فارغٌ من الشحنِ كالعادة!
حاولتُ أن أُدافع عن نفسي و أجِد الأعذارَ لراشد، فبلّلتُ شفتيّ بارتباكٍ وأنا أقولُ بصَوتٍ مَهزوز:
👍71👏1