قصص من وحي الأعضاء
9.36K subscribers
163 links
روايات قسم قصص من وحي الأعضاء بمنتدي روايتي
Download Telegram
#نون_عربية في حلة جديدة 2022
أعزّتنا رواد قصص من وحى الأعضاء، بكل حب..نُقدّم لكم رواية نون عربية
مع صُحبة أقلامٍ كتبت فأبدعت على صفحات روايتي، هذه الرواية المشتركة هو نتاج عمل اشرف عليه وأعدّه فريق اشراف وحي الاعضاء عان 2012
وخاصة مشرفتنا السابقة ومن مؤسسي القسم؛ سارة Sarah صاحبة فكرة الرواية بجمع اقلام مميزة لكتابتها وأشرفت بنفسها على كل التفاصيل،فألف حب وامتنان وتقدير لها.
نقدم لكم الرواية اليوم بحلّة جديدة ونسخة أكثر وضوحاً، فكثير من القراء اشتكوا من عدم وضوح النسخة الاصلية وصعب عليهم قراءتها، ولهذا عملنا بجد لإعادة تجميعها، فنرجو ان تنال رضاكم وتستمتعوا بقراءتها
رواية بقلم نخبة من كاتبات وكُتّاب قسم وحي الأعضاء، باللغة العربية الفصحى، مع استخدام لبعض الحوار المتفرقة القليلة باللهجات المحلية لبلداننا العربية لإضفاء بصمتنا وروحنا.
أسماء الكاتبات والكُتاب المشاركين بكتابة الرواية (حسب الظهور)؛
(حسب الظهور)؛
سارة جوزيف.. بقلم الكاتبة السعودية سارة Sarah
ريتشيل زينب.. بقلم الكاتبة العراقية كاردينيا الغوازي
خولة سعود.. بقلم الكاتبة السعودية واعدة
مينة أحمد.. بقلم الكاتبة العراقية نسيم الغروب
مونيا العلوي.. بقلم الكاتبة المغربية ماروسكا
علياء عبد الحميد.. بقلم الكاتبة المصرية فاطمة كرم
ديمة مصطفى.. بقلم الكاتبة السورية بلومي
لين الطاهر.. بقلم الكاتبة الأردنية مهاتي
الحرباء والزئبق.. بقلم الكاتب المصري كونان
***************
ستنزل حلقاتها يومياً وحصريا على منتدى روايتي قسم وحي الاعضاء على هذا الرابط https://www.rewity.com/forum/t488297.html
👍157👏1
***سيتم نشر فصول رواية نون عربية عبر قناة قصص من وحي الاعضاء بالتليجرام وذلك بشكل استثنائي كونها عمل مشترك بين مجموعة من كاتبات القسم وبالتنسيق مع فريق الاشراف***
10👍3
المقدمة



سَأقلب مَعكم الصَّفَحَات، كَمَا تَفَعَلُ هي بورقةٍ كُتِبَ أعَلاَها (مُقَدِّمة)، تَعِبَت مِن قراءتها لأنهَا ستكون مدخلها للعِمَارَة، ثُمَّ قَلَّبَت بَينَ يَديهَا عَدد من القصاصات المُلْوَنة واتجهت إلى الحائِط الكَبِير خَلَفَ مكتَبِهَا، إلى اللوح الخَشَبِيّ المُثَبّت عَليه تَحْدِيداً، أخذَت الدبابيس بلون البِطَاقَاتِ وهِيَ تُحَدِّث نَفسهَا؛
(انقضى شَهَر من المراقبة وَجَمَع المَعْلُومات واليَوْم أنجَزَّت أول الصَّفَحَاتِ، أوه جاراتي الغالِيّات استعددن للظهور على لَوَّحَتي)
وبَدأت بالتثبيت أولاً ريتشيل وأخَر القِصَّاصَاتِ لليّن الجَارَة السَابِعة، أسَنَدت كَفَّيهَا عَلَّى مكَتَبِهَا بَعد أن انتهت مِنّ تَرْتِيب البطاقات وتأملت ما تَحْتويه مِنّ مَعْلُومَات عَنْ شُخُوصِها، أخَرَجَت الورق الملون مِنّ داخِل المُغْلَف.. مَعَ صَوت العَصَافِير.. وصَوت معدات البناء، ومظَاهِر الحَيَاة الَّتِي تُزعِجهَا لا تستَطِيع العَمَلَ عَلى ما بدأت بِه، تُحِبّ أن تَخلِقَ لَهَا دائِما ًجَواً خَاصاً هادئاً ليحتوي صخبها وجنونها الَّذِي تُنثِرُه هُنَا وهُنَاك، تَمَدَّدَت عَلى سريرها وعينيها مُغلقتان، وصَوت فَيْرُوز تُغَنِيّ؛
خذني يا حبيبي.. على بيت ما له أبواب، خدني يا حبيبي على قمر الغياب نساني بالغفى بأيام الصفا تترجع الليالي ويرجعوا الأحباب.. يا حبيبي يا حبيبي يا حبيبي.. خدني ولا تخدني الفرحة على الطريق.. حبك بيحصدني وما عندك رفيق.. يا أمير الصيف وين أخذت الصيف بشوفك وما بشوفك وضايع بالضباب
والخيوط التي وجدتها تَنّتظم فِي رأسِهَا، نَفَضت عَنْها فِرَاشها وهِيَ تسمع خطوات سَرِيعة عَلى دَرَجَ البنَاية لدَقائِق طَويلَة تساءلت (هَلْ المصْعَد مُعَطَّل)
وعِنْدَمَا فَتحْت بابَ شقّتهَا الأرَضَّية ظَهَرَت لها ريتشيل بِقَوامها الطَوِيل.
(ما يزال الوقت مُبَكِّرا يا خَفِيفة الظَل، ألا تَعرف رَشِيقة القَدّ بأنهَا توقظ سُكَّان العمارة بنِزُولهَا السَرِيع عَلَّى الدَرَجَ وتُنغّص عَليهِم يَوْم عُطلَتِهم؟!)
نَفَخَت بَغَضَب وأغَلَقت البَاب واتجهت إلى مكتَبِها تُفَكر، يَجب أن أصل إلى نَتِيجة، وعِنْدما رَفَعَت رأسَها للقِصَّاصاتِ المُلوَنة ابتَسَمَت للجَارات السَبُع بِحبُورٍ..


**********
13👍12
ريتشيل زينب

في الثالثة والثلاثين، طويلة رشيقة، لم تكن جميلة لكنها جذابة بشعرها الذي يتموج بين اللونين الأشقر والكستنائي، عينان خضراوان وبشرة بيضاء رقيقة قد تظنها ستتمزق من أي خدش بسيط!
حيويتها أكثر ما يميزها، لا ليست الحيوية فقط، بل الهدوء الذي تتحرك فيه لتنجز مهامها اليومية.
خفيفة الظل.. حنونة.. متفهمة لأي شخص أو على الأقل تحاول أن تتفهم، شديدة الذكاء رغم أن ذلك لا يبدو عليها! وأخيرا.. عاطفية، عاطفية جدا، قد يبدو هذا غريبا لأفكار العرب عن الانجليز عموما، وقد يفسرها البعض لأصولها التركية و.. العربية أيضا ً.
تقول عن حياتها؛
(اسمي مركب؛ كما يفعل الانجليز عادة، لكن والديّ اقتسماه بينهما كما حاولا اقتسام توجهاتي، بالإضافة للغتي الأم الانجليزية تعلمت لغتين، التركية والعربية، أصر والدي أن أتعلمهما فأصبحت أتقن القراءة والكتابة أما التكلم فظلت تلك اللكنة الخاصة كلعنة تلاحقني لأنها كانت تثير امتعاض أبي، لكنه كان مرتاحا أني على الأقل أستطيع أن أقرأ وأكتب وبالأخص؛ أن أقرأ،
ربما شعرت ببعض الضياع في فترة المراهقة بين ثقافتين مختلفتين تماماً لم يجمعهما إلا بوجود الخالق والإيمان بحرية الإنسان وفكره،في الطفولة اعتدت أن أذهب مع والدي للمسجد بينما أمي تلتزم الصمت، وكنت أرى هذا غريبا نظرا لأنها كانت دوما تتناقش مع أبي في كل شيء بمرح طبيعي إلا مسألة ذهابي للمسجد! الأطفال يتقبلون الأمور ببساطة، أبي مسلم وأمي مسيحية، إذا أنا مسلمة لأني أتبع أبي، هذا ما قاله لي، لكن ما لم أفهمه هو لماذا أحمل جنسيتين بدلاً من جنسية واحدة؟! فأنا انجليزية وتركية، أمي انجليزية أما أبي فأمره أكثر تعقيدا! فهو تركي من أصل عربي وحامل للجنسية الإنجليزية.
كانت معضلة أرهقت عقلي عندما كنت في التاسعة ولا أكف عن التفكير بكل صغيرة وكبيرة تحدث حولي، معضلة حلّها لي والدي أخيراً عندما أخبرني أن الإنسان يمكنه حمل جنسيات متعددة لأنه تنظيم دنيوي، لكن الدين تنظيم إلهي ويجب أن نكون محددين فيه، وببساطة.. اقتنعت.
هذا الاقتناع تزلزل في المراهقة عندما شعرت بالاختلاف عن أقراني، فالمسلمات اللواتي كُنّ معي ملامحهن تنبئ بوضوح عن الريح القادمة من الشرق الأوسط، أما أنا فلم آخذ من أبي شيئاً، فحملت جينات أمي الشكلية لأكون انجليزية الهيئة حتى الصميم، كنتُ مثارا لسخرية الطلبة الانجليز وريبة الطلبة المسلمين! فلم يعترف بي لا هؤلاء ولا هؤلاء، كم كانت فترة عصيبة في حياتي، ولكن والديّ أحسنا التعامل معي وكانا خير معين لأتجاوزها مع بعض الجروح في روحي التي لم تندمل حتى الان.
كم افتقد والديّ، وفاتهما وأنا في السنة الأخيرة من الجامعة كانت ضربة قاصمة لي، ولكني فتاة قوية كما كانا يقولان لي دائما واجتزت الامر كما اجتزت الكثير، بنيت نفسي ولي عملي الذي أحبه كمديرة لقسم الحسابات في شركة محترمة ولي شقتي الخاصة التي أعشقها لأني أثّثتها بنفسي قطعة.. قطعة، مع بعض التذكارات النفيسة من والديّ.
لا يعكر عليّ صفو حياتي إلا احساسا مضنيا بالوحدة يداهمني بين فترة وأخرى، أريد أن أتزوج، أريد أن أنجب أطفالا، أنا في الثالثة والثلاثين ولم تكن لي علاقات عاطفية حقيقية، على الأقل لم تكم جسدية، لأني آمنت من أعماقي أنها طهارة للروح وعفّة للنفس أن أكون لرجل بمباركة من الله، فمتى سأجد رفيق الدرب؟!)


**************
15👍11
خولة سعود



ذات الثلاثين عاما، متوسطة الطول والجسم، سوداء الشعر، بنية العينين، سمراء البشرة، ناعمة الملامح، تعيش في لندن منذ زواجها بخالد قبل خمس سنوات، لديهما توأمين في سنتهما الأولى واللذان لا يتوقفان عن الصراخ والصياح للحظة.. لديها قناعه غريبة عن المؤامرة وتقول (بأن إجابات محرك البحث قوقل يقولون إن نظرية المؤامرة هي وسوسة وشك وهي شماعة الجبناء، وتنفي هذه التهمه عن نفسها.)
وتقول عن حياتها؛
(حياتي ما هي إلا مؤامرة بعد أربع بنات، أرادت أمي التوقف عن الإنجاب، فقرر أبي أن يتزوج ثانية لتنجب له صبي، حينها قررت أمي أن تحمل بي وهكذا حضرت إلى هذا العالم... إذن ولادتي كانت مؤامرة من أمي لمنع أبي من الزواج والذي تزوج للأسف.
قبل خمس سنوات، وعندما تقدم (خالد سعد) لخطبتي، نجحت خالتي - زوجة أبي - في إقناعنا جميعاً بالموافقة على خالد، وتم الأمر وتزوجت لأكتشف في النهاية أن خالتي خطابة وأنها هي من دلته علينا.. إذن زواجي كان مؤامرة من خالتي حتى تحصل على المال من زوجي.
في الحقيقة أنا شاكرة لهذه المؤامرتين، لأن الأولى وهبتني بعد الله تعالي الحياة، حياتي التي نمت بين أسرة سعودية محافظة تقليدية بحته، والتي قامت - سامحها الله- بمحاربتي بسبب سفري للخارج، مع الأخذ بالعلم بأنهم وافقوا عندما أخبرهم خالد وقت الخطبة بأنه يريدني أن أستقر معه في بريطانيا. أعود وأقول إني شاكرة للمؤامرة الثانية أيضا لأنها وهبتني بفضلٍ من الله زوج غير موجود إلا في قصص الخيال، فزوجي الرائع خالد يعيش في لندن منذ أكثر من خمسة عشر سنة، ذلك أنه حصل على بعثة بعد الثانوية، فدرس البكالوريوس والماجستير و من ثم تم تعينه في إحدى شركات البناء المرموقة كمهندس تنفيذي، عيشه في لندن - باعتبارها بلد أجنبي غير مسلم - لم يقم بإفساده، بل على العكس، أولاً زاد تمسكه و فهمه للدين، ثانياً أصبح عقله متفتح و واعي و متفهم، ثالثاً اكتسب الكثير من العادات و المبادئ الجيدة المنتشرة في أوروبا)
ترى أن أهم مرحلتين في حياتها تمت عن طريق المؤامرة، فقد أصبحت الخبيرة في اكتشاف المؤامرات.
ومازالت تساؤلاتها عن المؤامرة مستمرة
(هل انتقالي إلى لندن مؤامرة؟ هل سكن الأسر العربية في عمارتنا هي مؤامرة؟ بل والأهم من ذلك هل بكاء وصياح طفليّ هو مؤامرة؟)


**********
9👍4
مينة أحمد



ثمان وعشرون عاماً، عراقية الجنسية، عربية الملامح بعينين بنيتين، أكثر الناس يصفونهما بالقاسيتين، متوسطة الطول، رشيقة، بسبب الحرق المستمر للسعرات الحرارية من المزاج الفوضوي المشتت الذي تعيش فيه.
تقول عن حياتها
(حياتي أقرب إلى الرتابة والملل عدا من نوبات الغضب التي أشعر معها إني مازلت على وجه البسيطة وتشعرني بعدها بالراحة.
ثلاثة أرباعي أعيش في الماضي الذي نسجته حولي كأسلاك شائكة من لحظة هروبي من أرض وطني أو الأصح مُهربة من قبل خالي و أخي تحت جُنح الليل و أنا في حالة انهيار لم أعي ما حصل منذ لحظة طلاق أمي و هي نفسها لحظة نجاحي بالثانوية و أيضا حتى لا أكون زوجة ثانية لابن عمي و في نفس الوقت أم لأولاد لم تنجبهم زوجته الأولى.. لأنفي تلك اللحظة اكتشفت أشياء كثيرة كنت أهرب منها وزواج والديّ كان عن قصة حب.. مرت عشر سنوات وأنا أعيش مع شقيقي مازن في تلك البلاد الباردة كمشاعري الباهتة التي أصبحت تحت التهديد بلون الربيع الذي بدأ يكتسيها من حب قررت أن أنهيه حتى يبقى ذكرى جميلة و لا يتحول إلى كابوس كما حصل مع والدتي، و هو ما يعيشه الربع الرابع من نفسي في صراع دائم من التلذذ بتلك المشاعر الجميلة أو التفكير بخطة وكذبة جديدة لأبعد عني صديق شقيقي و هو في نفس الوقت خطيبي الذي وافقتُ عليه مجبرة راضية.
مع العلم كل من يرانا يظننا متناسبين، ففارق العمر جميل يكبرني بأربع سنوات عمره (32) عاماً، ناجحان في عملنا و الأكثر تميزا هي علاقة الصداقة و الأخوة التي تربطه بأخي منذ (14) عشر سنة، ظنا أن علاقتهما تتوطد أكبر بوجودي عامل مشترك بينهم، يحب عمله كثيراً في هندسة الطاقة النووية و ينوي إكمال الدكتوراه في هذا المجال و يثني على اختياري لدراسة الاقتصاد و للقسم المالي بالذات و لا يعرف لِمَ اخترت هذا المجال و مقدار الصعوبة التي أواجهها و ما أزال أواجهها لأثبت لنفسي أولاً و لمن أعمل معهم إني قادرة على تحمل المسؤولية و إحراز النجاح أكثر وأكثر)
مرتبطة بعلي صديق شقيقها وتصف علاقتهما؛
(لا أعرف كيف يستطيع أن يتحملني ويصبر طوال تلك السنة والنصف وأنا في جفاء مستمر معه وصد لأي محاولة تواصل عادية بين فتاة وخطيبها الشاب الوسيم مع العلم بأنه تم عقد القران دون علم أبي، فقط أمي وأخي وخالي هم من يعرفون، سأطالب بجائزة الأوسكار لإجادتي اختراع الكذب والحجج حتى أتهرب من ذلك الارتباط ولقاء علي ليس كرهاً بل خوفا و هروبا من المستقبل.)


***********
👍87
مونيا العلوي

ست وعشرون سنة، متزوجة ولديها طفل في سنته الرابعة، مغربية الجنسية والأصول والملامح، في خليط ممتزج من السمات العربية والأندلسية مع البهارات الفرنسية، ذات قوام رشيق.
تقول عن حياتها؛
(أنا إعصار بحد ذاته في البيت وحتى في العمل، إعصار يدور ولا يهدأ أبداً، 'مجنونة' هكذا سموني أخواتي العاقلات (عاقلات كما يرونهم والدي والمقربين) في المغرب، لأنني ببساطة خلقت عالماً خاصاً بي، مسموح لأي أحد الدخول إليه ولكن غير مسموح تماماً هدمه أو تهديد وجوده، أهم ما يميز عالمي أنني أستطيع فعل كل شيء و كل شيء ممكن.. أعيش من أجل كل شيء، أدافع عن أفكاري و أصرخ بها حتى لو كانت ستتسبب في الحرب العالمية الثالثة، و بسبب أفكاري و معتقداتي، طُردت من المغرب بطريقة لطيفة، عندما جلبت مشاكل عديدة لوالدي، على أثر جنوني و احتجاجاتي و المظاهرات السياسية التي كنت أترأس تنظيمها، فضل والدي أن يرسلني خارج البلاد بحجة إكمال دراستي، أكملتها في فرنسا، لكي أجوب بعدها كل البلدان، مهنتي و هوايتي في نفس الوقت كانت و ماتزال هي التصوير و التقاط اللقطات النادرة و الغريبة، قد لا يرى البعض شيئاً مميزاً في تلك الصور التي ألتقط بينما أنا أراها رائعة و مميزة للغاية.. التقيت بعدها في إنجلترا بـ ياسر زوجي في رحلة لي للقبور الملكية البريطانية، كان لقائنا غريباً، طبعاً بسببي بعد أن أحدثت مشكلة عويصة له عندما استخف بي.. لكي نتزوج بعدها عن حب مجنون، بعد أن أثرنا جنون بعضنا البعض.. شخصيته العملية والصارمة في عمله ومع زملائه كانت تتغير كلياً معي أنا.. يرى في جنوني نفسه عندما كان مراهقاً بينما أنا أهم ما أحببته فيه أنه تقبل جنوني بسعة صدر، بل هو السبب الأول لزواجنا معاً.. تقبل عالمي الذي بنيته بنفسي ووضعت أساساته وجعلتها قوية متينة لي.. دخل إليه.. لم يعتبره عالمه الخاص لكنه أحب التشارك به معي.. دفعت ثمن حبي له غالياً وهو أنني لم أعد أستطيع التنقل أينما أردت.. لأنني استقريت معه في إنجلترا منذ أن تزوجنا.. أحب التجوال واكتشاف العالم بأسراره وخباياه لكنني أختنق لو بقيت في مكان واحد لمدة طويلة إلا بلدي، فهي قاعدة استثنائية.. شيئان جعلاني أصبر على مكوثي هنا في لندن.. أولهما زياد والشيء الثاني هو إقامتي في هذه العمارة التي تجعلني أشعر بأنني في الجامعة العربية وليس في لندن حيث ضباب أوروبا وصقيعها يتربع على عرش سمات المدينة.. هناك شيء ثالث جعلني أصبر على اضطراري للاستقرار هنا.. وهو بأنني سأوصل أفكاري وآرائي لبلدي ولكل البلدان العربية عبر الكتابة التي أصبحت شغوفة بها.. كتب جريئة سياسياً.. كان فيها ناقدي ومناقشي وقارئي الأول هو زوجي.. زوجي الذي أعرف بأنه يشعر بالذنب لتركه لي وحيدة معظم الوقت بسبب انشغاله بأعماله لذلك يدع لي حرية إخراج نفسي من ضباب لندن إلى النور بأفكاري الجريئة.. مع أنني لم أتذمر يوماً من انشغاله، حتى لو أنني افتقدته كثيراً.. ألم أقل لكم مجنونة.. ليس عليّ التذمر لأن القاعدة الأولى في عالمي هي أخذ الأمور بروية وتفهم طبعاً بعيداً عن الأمور السياسية.. هناك تختلف القواعد.. زياد يدعني أجن كما أريد وأصرخ وأعبر بطرقي الخاصة المجنونة.. لكنني أعرف جيداً بأنه كمن يربطني بحبل يرخيه عندما يرى بأن جنوني مازال في حدود المعقول بالنسبة له.. لكن يشده عندما يراني قد بدأت فى تجاوز تلك الحدود التي وضعها بنفسه والتي مازلت غير مهتمة بمعرفتها.)


*************
7👍6
علياء عبد الحميد

تبلغ من العمر 28 عاماً ملامحها مصرية خمرية البشرة وعيونها سوداء والكحل رباني أما رشاقة قوامها الطويل فهذا لا يعود لأي حمية فقط معدل الحرق عندها أعلى قليلاً من الطبيعي!
هي الابنة الوحيدة لوالديها حصلت على ماجستير رياض أطفال الشهادة تزين بها حائط غرفة معيشتها في إطار جميل.
تقول عن نفسها
(أنا زوجة لعمرو عبد السلام ابن خالتي الكبرى يكبرني بعامين، تزوجنا منذ كنت في العشرين من عمري أي في عامي الجامعي الثاني، هو هادئ الطباع تقريباً لا يبالي بأي شيء أنا من تبالي بكل الأشياء!
له غمازة في خده الأيسر تضيء وجهه عندما يبتسم، في الصغر كانت تثير فضولي حد لمسها، وعندما كبرنا كانت السبب الرئيسي في قبولي لزواجي من ابنٍ لخالةٍ تدعى رئيسة وهي رئيسة اسمٌ على مسمى! أما ما درسته في تخصصي أطبقه على ابنتي الوحيدة آية عمرو عبد السلام، عمرها الآن سبع سنوات، انتقلنا حديثاً لإنجلترا كي يكمل عمرو دراساته العليا في إدارة الأعمال.
الحياة مريحة هنا فكل ما حولي نظيف لا أضطر لمسح الشقة ثلاث مرات يومياً فقط أكتفي باثنتين واحدة في الصباح والأخرى في المساء، أشتاق كثيراً لأمي وأبي نتيجة لهذا الاغتراب، ولكن رغم كل شيء هكذا أفضل!)




************
9👍4
ديمة مصطفى



تبلغ من العمر 27 عاماً، ذات جمال هادئ.. شعر كستنائي طويل بلا نهاية.. وعينين بلون الشهد.. وملامح شامية مميزة.. تكللها غمازة شقت ذقنها، وأفصحت عن تمردها.. وطباعها النارية..
تقول؛
(لم أُخلق على الإطلاق لأكون زوجة عادية وربة منزل تقليدية.. تركيبتي صُممت لأكون أحد معالم الإبداع في هذه الدنيا.. وإن كنت ربيبة إحدى الحارات الشعبية لمدينة حلب.. هذا لا يعني أن أقضي حياتي في صنع المحاشي والكبب.. عندما تقدم لي (إياد الأمين)، الذي ارتحل قبل سنوات طويلة إلى لندن للتقدم لامتحان الإم بي إيه في دراسة الجدوى والتسويق، واستقر فيها بعد نجاحه، وجدت في زواجي منه فرصة لمغادرة عالمٍ لا يعترف بإبداع النساء.. هناك.. في بلد يقر بالمساواة بين الرجل والمرأة.. مع زوج يبدو في غاية التحضر.. بعويناته الأنيقة.. وملابسه المهندمة.
سافرت معه دون أن أدرك بأنني أسافر من حلب كبيرة مساحتها (..)، إلى حلب صغيرة حدودها شقة الزوجية!
أنا أكره الطهي وأكره التنظيف ولم أُخلق بتاتاً كي أقوم بأي مهام منزلية.. وها أنا.. غارقة منذ ساعات في لف ورق العنب.. وكأنني لم أغادر قط مطبخ أمي.. أصرخ بين لحظة وأخرى في ولديَّ طالبة منهما التزام الهدوء.. أسترق النظر عبر نافذة المطبخ.. أتأمل لندن التي لم أعرفها إلا من خلال زوجي.. برفقته ومن خلال عينيه.. أسرح في عوالم صنعها خيالي.. لا أملك إلا أن أختلق قصصاً وحكايا.. أتأمل في حياة من حولي في العمارة التي أختار القدر أن تكون سجني منذ زواجي وانتقالي إليها قبل 8سنوات.
ينام أطفالي في الثامنة ويعود زوجي في التاسعة.. ساعة واحدة هي ما أناله يومياً من الحرية.. قد أتصل فيها بعلياء لأثرثر معها قليلا عل زوجها قد تأخر.. أو أمر بريتشيل لأستعير منها كتاباً جديداً.. وقد أشاهد حلقة قديمة معادة من مسلسل أمريكي ممل أو ربما أقضي الوقت في فعل لا شيء على الإطلاق.. أحلم بالحياة التي كان عليّ أن أحظى بها.. لولا تكاتف سوء حظي مع القدر في حرماني منها!)


*************
10👍4
لين الطاهر

في الثالثة والعشرون، متزوجة منذ خمسة أشهر من الدكتور راشد عاهد الحسيني.. فخر والديه وعائلته الكريمة، ابن عمتها، اثنا عشر سنة هي الفارق العمري بينهما..
تقول؛ (وبالرغم من أنه ابن عمتي إلا أنني أكاد لا أعرفه! كنت أراه بمنظار خاص ليتجسد عالمه كله في صور متلاحقة لعمل وكتب ودراسة.. أعترف بأني كنت معجبة بنجاحه و أبحاثه التي كان يحدث بها والدي حين كان يأتي من الولايات المتحدة خلال سنواته الدراسية.. لكنه لم يتخط بتفكيري أكثر من ذلك... فلم يكن يمثل لي إلا القدوة الحسنة خصوصاً وإني أحب مهنة الطب كثيرا وكان حلمي أن أصبح يوماً ما طبيبة لكن أمي حبيبتي رفضت ذلك لأسباب لم تقنعني وقتها! هذا لا يمنع إني راضية تماما الآن لأني اخترت دراسة الكيمياء الحيوية التي أحببتها كثيرا وما أزال، حين تقدم راشد لخطبتي شعرتُ بأن الأمر اتفاق مسبق بين أمي و عمتي......فأمي بحكمتها و معرفتها بي أدركت أن راشد كرجل مستقل وشخصية قيادية سيكون خير زوج لي... و عمتي التي تحب بكرها بجنون أمومي مُحبّب كانت دائما تحتضنني بطريقتها الخاصة كلما رأتني و لا تناديني إلّا ب(العروس)...كنت فتاة هادئة أمام الناس محبوبة من الجميع لكن في بيتنا كنت الدينامو والمحرك الأساسي لكل المشاكسات و الضحكات التي كانت تنتهي غالباً بكلمات حازمة تطلقها أمي نحوي وتحذرني بوجوب الكف عن هذا اللهو الطفولي...لم يكن لي صديقات بالمعنى الفعلي...أسرتي الدافئة هيكل حياتي.. وانحصر اهتمامي في مدرستي و كتبي ثم جامعتي ومحاضراتي فتميزت أكاديمياً في كل المراحل...في مكتبة الجامعة قضيت معظم أوقات فراغي و وجدت في القراءة كل ميولي و هواياتي... ربما القراءة هي من جعلتني رومانسية بأفكاري و مشاعري و أحاسيسي و آمنت و صدقت بأن الجميع سيكونون بخير و سيعيشون بحب وسعادة... إلى الأبد! كم كنت حالمة.. وما أزال!
هنا الآن في بيتي الذي أحبه في بريطانيا مع راشد دكتوري الخشن.. والذي اكتشفت أن حصونه العديدة لا بد لي من اقتحامها واحداً تلو الآخر لأصل لقلبه العتيد كما أحب وأتمنى.)


*********
7👍5
سارة جوزيف



تَمَعَّنَت النَظَر في المَعْلُومات.. لَفَحَت أنفهَا رائِحَة البَيض المَقلِيّ.. فَتذَكَّرَت أنهَا لَمْ تأكُل شيئاً منذ البارحة، تَوَجَّهت لَمطْبخها الصَّغِير وأعَدَّت إفطاراً شهَيَّاً مُكَوَّناً مِنّ البَيض والتوست الَمُحَمَّص وكُوب مِنّ القَهْوَة.
ولَمْ تَنَسَ عادَتها الصَّبَاحِيّة في قِرَاءَة الصُحُفِ، فَخَرجت لِصنْدُوقٍ في مَدْخَل العِمَارَة وأخذت الصُحُفَ، انتبهت لِمونيا تُجلِس ابنها في مَقْعَده في السَيَّارَة (هَلْ ستأخُذُه إلى الحَضَانَة في يَوْم العُطْلَة؟)، دَخَلَت شَقّتها تُحَدِّث نَفسَها عَنْ النِظام في لَنْدَن والحُرية التِي لمُؤَسّسَاتها التَعْلِيمية وغيرها مَن القِطَاعات الحُكُومِيّة والأهلية فَالبعض لا عُطْلَة له إلّا يَوْم الأحَد فَقَطْ.. وَسَخَرَت مِنّ المُوَظَف العَرَبيّ في الَوَطنِ العَرَبيّ يعَمَل بِنصفِ دَوَام.. أما في خارج بَلَده يَكُون مُلْتَزِماً وَدقِيقَاً فِي وَقتِه ومُخلِّصَاً فِي عَمَلِه!
اتجهت لِفُطُورِها الشَهِيّ وشَرَعَت في أكلِّه، ثُمَّ غَسلت الأطباق وغَيَّرَت مَلاَبِسَها.. ستأخذُ كَلبها المُدَلَّل في نُزْهَة صَبَاحِيّة فِي حَدِيقَة الحَيّ، حَتَّى تَعَود لتأخذ قَيْلُولَة طَوِيلَة وبَعدها سَتَقتحِم اجتماع النْون العَرَبِيَّة الَّذِي عَلِمَت عَنْه بالصُدْفَة مِن آية عَمرو عَبد السلام ذات العيونِ الشَقِيّة..
وقَبل خُروجهَا رَتَّبَت الأورَاق المُلوَنة بألوْانِ الطيفِ على دُرجِ مكَتَبها حَتَّى تَعود بَعدها وتُفَرِّغ كُلَ ما فِي جُعبتها فِيهَا.. ابتدأت باللّونِ الأزَرَقِ المَلَكِيّ وانتهت بالورْدي الحالم الرُومانسِيّ.. وما تزال فَيْرُوز تُعَطِّر صَبَاحَهَا بألحانِ أُغنِيَّة (يا شادي الألحَانِ آه أسمِعنَا رَنّة العِيدَانِ)
****************
10👍5
الحلقة الاولى



ريتشيل زينب

صوت المنبّه علا بخُفوتٍ ليتصاعد تدريجيًا، مددت يدي بمللٍ لأطفئه، لم أكن نائمة أصلا فأنا مستيقظة منذ أكثر من ساعة وصوت المنبه الآن ما هو إلا إنذار لي أن الوقت قد حان، إنها السادسة صباحًا وعلي الاستعداد لطقوسِي اليومية، رميت خلف ظهري الأفكار التي تؤرقني وقفزت من سريرِي برشاقة متوجهةً نحو الحمّام، بعد نصفِ ساعةٍ كنت أُغلق باب شقتي مرتديةً ملابسي الرياضية رابطة شعرِي كذيل حصان، استدرت ناحية الدرج كعادتي مُتجاهلةً استخدام المِصعد رغم أني في الطابق الرابع، غادرت المبنى لأبدأ هرولَتي اليومية والتي تستمر لنصف ساعة عادةً، تنهيدة خرجت من صدري رغما عني، بالي كان مشغولاً بترتيبِ يومي، يفترض أن اليوم عطلة ولكن بسبب الجرد السنوي المتأخر علي الذهاب للعمل، ولكني سأحاول الخروج بأسرع ما أستطع فما يزال أمامي الكثير من المهام، عليّ أن أتسوّق استعدادًا لدعوة جاراتي غريبات الأطوار!
لم أستطع منع ابتسامتي وأنا أفكر بهن، إنهن محبوبات رغم غرابةِ طباع بعضهن، شعور بسعادة ماكرة تسلل اليّ وأنا أُفكر بالمفاجأة التي سأقدّمها لهنّ الليلة، أنا أكاد أعرف كلَ واحدةٍ منهن كيف تفكر بي ولذلك أحب صدمهن دومًا.
" صباح الخير زينب "
صوته الرجولي المألوف جاءني من الخلف وجفلني! عددت حتى ثلاثة قبل أن أرسم ابتسامة لطيفة على وجهي ورددتُ تحية الصباح على خليل؛ الشاب التركي الوسيم الذي يرافقُني أحيانًا في هرولتِي الصباحية، هو الوحيد الذي يُناديني زينب، وهو سبب أرقي!
أطرقتُ برأسِي لأخفي بعض تأثري به واكتفيت بأن أمنحه مسافةً ليهرول بجانبِي، عاد السؤال يلح عليّ، السؤال الذي لم أجرؤ حتىِ الآن على طرحه عليه؛ (كم عمرُك؟).
يبدو شابًا في نهاية العشرينات ورُبما _أو آمل_ أنّه في بداية الثلاثينات، جاء للسكن في المبنى المُجاور قبل ثلاثة أشهر، عيناه البنيتان يلمع فيهما بعضُ الإعجاب كلما نظر اليّ، تعرّفَت عليه لأول مرة عندما ارتطمنا ببعضنا البعض في إحدى زوايا المبنى، كنّا نهرول ولكن في اتجاهاتٍ مُتعاكسة، ومنذ ذلك اليوم اتّفقنا على اتجاهٍ واحد، دومًا يظهر من خلفي رغم أنه لا يُهرول يوميًا؛ فعملُه ليلاً في المقهى يُرهقه، خصوصًا أن لديه جامعة في النهار فهو يُحضر لرسالة الماجستير في علوم الفيزياء.
عاد السؤال يعذب تركيزي وأنا أنظر إليه بطرفِ عيني، كم عمرُك؟ لا أريدُ التورُط مع رجلٍ يصغرني بالكثير، لا أستطيع تجاوز الفكرة السخيفة، لكن هذه أنا!
يمكنني تجاوز فارق سنة أو سنتين، ولكن ليس أكثر، يا إلهي لا تجعله أصغر من الحادية والثلاثين! تلك التنهيدة خرجت من صدري رغما عني مرة أخرى، يا إلهي ما بي؟!هل أصبحَت يائسة هكذا لأبحث عن رجلٍ بنفسِي؟! ولكن ماذا أفعل إذا كان كلُ الرجال الذين يُعجبون بي مسيحيون! أما المسلمون فيتخوّفون من نصفِي الانجليزي المُتمثِل في أمِي، أوشك أحيانا أن أصرُخ عاليًا بما قاله لي والدي عندما كنت في التاسعة "إن الجنسية هي تنظيمٌ دُنيوي، أما الدين فهو تنظيمٌ إلهي" وأنا قد حدّدت خيارَي بالإسلام، هل صعب أن أجِد ما أريد؟! أنا لا أطلب الكثير، أريد فقط شاباً مُسلماً مُتفتّحاً، هادئاً مُتفهِماً، كما كان والدي، مُحبًا حنونًا، أنا أحتاجُه الآن، أُريد أن أتزوج، أريد أطفالاً..
" زينب؟ " أجفلتُ ثانيةً لألتفت نحو رفيقِي ثم ابتسمت خجلا من صمتي وقلت " نعم " ردّ خليل " لقد وصلنا للمبنى الذي تقطنينه " تلفّتُّ حولي فاكتشفت أني وصلَت فعلاً، شعرت بالحرارة تشع من وجهي وأنا أرُد عليه " آسفة كنت سارحة قليلاً " ابتسم لي تلك الابتسامة التي تُسرع خفقات قلبي وهو يقول " لاحظتُ ذلك، أرجو أن تحصُلي على ما يشغلك " عضضت شفتَي السُفلى من الداخل وأنا أنظُر إليه، لم أستطع منع نفسي من التفكير " أرجو أن لا يقِلّ عمرُك عن الحادية والثلاثين " ثم أضفت وأنا أراقبه يُلوّح لي وهو يبتعد مُهرولاً " وأرجو أن تكون مُعجبًا بي فعلا!"
حياتي كلُها هرولة وأنا أحبُ هذا النمط، أحب أن أشعر بالحيوية والنشاط لأواجه يومي المُرهِق بابتسامة، أُحب عملي _هذا مؤكد_ ولكن هذا لا ينفي أني بدأتُ أُصاب بالملل من الروتين اليومي، عادت الأفكارُ نفسها تُهاجمني بقوّةٍ وأنا أترجّل من سيارتي، " أريدُ زوجًا، أريدُ أطفالاً " تنهدتُ وأنا أُغلق البابَ وأُعاين صورتي في انعكاسِها على زُجاجِ النافذة،
***
حدقتُ بتسريحةِ شعري اللطيفة وبدلتي الرمادية التي تُناسبني تمامًا، حدقتُ بتمعُنٍ مُختلف في تقاطيعِ وجهي، وهمست " لستُ مُبهِرة، ولكن لديّ عينان جميلتان وشعرٌ بلونٍ مُميّز، خليل أخبرني أنه لَم يرَ شعرًا بهذا التدرُج اللوني سابقًا! "
تأوهت وأنا أبتعد وشعرت بالحنق فأنّبت نفسي بصوت مسموع " لابد أنّي اصبحت مَجنونة أو مهووسة على أقل تقدير، تماسكي زينب وإلا فقدتِ عقلكِ نهائيًا " أسرعت في خطواتي ناحية مبني الشركة حيث أعمل ووجدت نفسي اردد بعبوس وحنق أكبر " هل أصبحتِ تُفضلين اسمَ زينب وحده الآن؟!"
***
7👍3
ساعات مرّت حتى غادرت المبنى مرةً أخرى، أفكاري تحوم حول مارك، ذلك الشاب المُتحذلق الذي يظنّ نفسه ظريفًا وهو يُحاول استمالتَي بنكاتٍ سمجة! لقد ظنّ أني سأستجيب له أو على الأقل يستغلّ لُطفَي الطبيعي مع الناس فلا أردعُه بحزم، إنه جديدٌ ولا يعرفُني جيدًا، قد أكون لطيفةً فعلاً، ولكني لا أعتبر الأمر ضُعفًا، بل إنسانيًا، وعند اللزوم أعرف جيدًا كيف أوقف التافهين أمثال مارك هذا، لكن الأمر يتعدّى المزاح السمِج، مارك يُثير في نفسِي شعورًا غريبًا بالنفور رغم أن شكله مقبولٌ وقد تجده بعضُ الفتيات وسيمًا، ولكن هناك شيء مُريب فيه يجعلني أنفر منه وأتوجس مما يُمكن أن يُقدم عليه.
ركنتُ سيارتي في مرأب السوق الكبير الذي أقصدُه عادةً وهبطتُ بخطواتٍ مُسرعة وأنا أنظُر لساعتِي وأفكر أني تأخّرَت قليلاً، سرعان ما داعبت الابتسامةً ثغرَي وأنا أدخل السوق لأتوجّه مُباشرةً ناحية قسمِ البُهار.
اشتريت ما أحتاجه وأنا راضية عن نفسِي، خرجتُ بالعربة الحديديّةِ التي تُستخدَم لنقلِ المُشترَيات وتوجّهَت ناحية سيارتِي، فتحَتُ الصندوقَ الخلفي ووضعَت فيه الأكياس، ثم أغلقَته وأعدت العربة للمكان المُخصّص ثم عدت مرّة أخرى لسيارتي.
وصلت لمكان سكني، أسرعتُ لأخرج من سيارتِي وأنا أنظر لساعتي مرّة أخرى،
علّقتُ حقيبتَي الجلدية الضخمة والتي تخُصّ العمل على كتفِي ثم أغلقتُ الباب وتوجّهتُ ناحيةَ الصندوقِ الخلفي لأفتحه، التقطت الأكياس على عجل، كنت أحمل أكياسَ المُشتريات بصعوبة بالإضافة طبعًا لحقيبتِي الجلدية، ظهر أمامي طفلٌ في الثامنة يقود دراجتَه دون مهارةٍ تُذكر، توجّه نحوَي مُباشرةً تحت أنظارِي المَذهولة! لم أشعر إلا بسقوطي أرضًا على ظهرِي ومعي أحمالي الثقيلة والطفلُ أصبح بقدرةِ قادرٍ قابعًا فوقَ صدرِي! حمدَت الله أن رأسي لم يرتطِم بقوّة على أرضِ الرصيف الصلبة، ثم نظرتُ لوجهِ الطفل المُرتبك، أشفقتُ عليه، فابتسمت ابتسامةً عريضة وأنا أغمز له " عليك أن تجِد طريقةً أكثرَ رقّة للتقرُّب من فتاةٍ جميلة " ضحِك الطفل عاليًا لتتحوّل ضحكتَه إلى تعبيرٍ مُتفاجئ وهو يشعُر بذراعين قويتين ترفعانه بعيدًا عني بينما كنت ابتسم باستسلامٍ مرِح لوجه خليل، قال خليل للطفل بعد أن وضعه أرضًا ومدّ يده لي يُساعدني على الوقوف " بل عليكَ أولاً أن تجِد فتاة أخرى غير فتاتي " ضحك الطفل مرةً أخرى بينما توقفتُ تمامًا عن ترتيبِ ملابسِي، كلمة (فتاتي) خرقت أذنيّ! أخذتُ أنظُر لخليل بما يُشبه الصدمة وهو ينحني أرضًا ليُلملم أكياس المُشتريات التي تبعثرَت محتوياتُها على الرصيف، حاول الطفلُ مساعدتَه، ولكن خليل شكرَه بلُطفٍ وأخبرَه أن يهتم بدراجتِه ويقودُها بحذر ليعود إلى بيته، وانطلق الطفل بعد أن اعتذر مني ولوّح لي ولخليل، وقاد دراجتَه بحذَرٍ مُبالَغ فيه! ضحك خليل وهو يراقبه ثم استقام واقفًا حامِلاً معه كلَ الأكياس بيد وحقيبتي الجلدية باليدِ الأخرى، كنت في حالةٍ ارتباكٍ شديد، وأدركت ببساطة أن بشرتي الشفافة خذلتني بالاحمرار الذي يكسوها الآن. أخذتُ الحقيبةَ الجلديّة من يدِه الكبيرة دون أن أنظُر لوجهِه، تفكيري كان مُنحصرًا فقط في الهرَب!
مددت يدَي لآخذ أكياس المُشتريات منه وأنا أُتمتِم بكلماتِ شُكرٍ جَوفاء، لكنه لم يُعطِني شيئًا! رفعتُ وجهي إليه وأنا ألعن سخافتَي فوجدته يبتسم برقّة، ابتلعتُ ريقَي ثم قلت بصوتٍ خرج مَبحوحًا رغمًا عني " أستطيعُ حملَها بمُفردي " اتّسعَت ابتسامتُه وهو يقول " مؤكد تستطيعين، لكني أُحبّ مُساعدتِك " للحَظاتٍ حدّقتُ به وأفكارٌ مجنونة تسجِن خطواتي بينما خليل ينظُر إليّ بطريقةٍ غريبة وابتسامتُه الدافئة تنحسِر، تنحنحتُ وأنا أتوسّل لشجاعتِي أن لا تخُني، قلت بصوتٍ جاهدت لأبثّه بعضَ الثقة " خليل، كَم عمرُك؟"




*************
7👍1
خولة سعود

بينما أمسكُ باليمنى إبريقَ الماءِ الساخِن وأسكبُه في زُجاجَةِ الحليب التي أمسكُ بها بيدي اليُسرى، قلتُ لخالتي - زوجة أبي- عن طريقِ الهاتف النقّال المُثبَّت بواسطةِ رأسي وكتفي "الآن الساعة الواحدة ظهرًا في السعودية، صحيح؟"
أجابت بالإيجاب وسألتني عن الوقتِ عندنا، فتمتَمت "الآن الساعة العاشرة صباحًا" ثم أضَفت "كيف حال أمي و أبي؟"
أخبرتني أنهما بخير، فسألتُ بصوتٍ خَفيض "مازالا لا يريدان التحدث إليّ؟"
أغمضتُ عينيّ وأنا أسمع كلامَها، ثم قاطعتُها بغضَب "لا خالتي، لا تلومي نفسِك، لستِ السبب فيما يحدث بيني وبين والديّ، خالد أخبرَ الجميع بأننا سنُسافر إلى لندن، وقد وافقوا وكانوا سعيدين بذلك، كلُ ما يحدث هو بسببِ جارنا أبي صالح وزوجتِه الذَين لن أسامحهما أبدًا "
استمعت إلى محاولاتِها للتخفيف عني، ثم همستُ مُنهيةً الاتصال "حسنًا خالتي سأحادثُكِ فيما بعد، أوصلي لإخوتي سلامي وحُبي. في حفظ الله"
أغلقتُ الزجاجةَ بعد أن أضفتُ أربعة ملاعِق من حليبِ الأطفال، و قمتُ برجّها بأصابعٍ مُرتجِفة، السببُ الوحيدُ الذي يمنعني من الدعاء على أبي صالح و زوجته هو أبناؤهما فقط، لا أُنكر أني كنتُ ألعنهما في البداية، لكني أقلعتُ بعد أن غضِب خالد عليّ لمدة ثلاثةِ أيام عندما سمعني فى إحدى المرّات، لازلتُ أذكر كلماته الرقيقة بعدما اعتذرتُ إليه في اليومِ الثالث "خولة، لا تعتذري منّي، أنتِ لم تُخطئي في حقّي بَل في حقِ اللهِ تعالى، البشرُ لا يملكون حقَ إدخالِ أحدٍ في رحمةِ الله أو طردِه منها، هذا حقٌ لله فقط، و نحنُ لا نلعن إلا من لعنَه اللهُ و رسولُه صلى الله عليه و سلم"
توقفتُ عن لعنِهما، لكن قلبي لم يتوقّف عن كرهِهما للحظة، و كيف لا أكرههما و بفضلِهما قاطعني والداي؛ فبعد زواجي بستّةِ أشهُر، لاحظتُ تهرُب والديّ من مُحادثتي، والاكتفاء بإيصال سلامِهما عليّ عن طريق إخوتي و خالتي، لكن بعد ستّةِ أشهُرٍ أُخرى تجاهلُهما لي زادَ عن حدِّه، كما أنّي أصبحتُ أشعُر بنبرةِ الخوفِ و الحُزنِ في أصوات إخوتي عند مُحادثتي، فانتهى بي المطافُ إلى الاتصالِ بخالتي و بُكائي و رجائي لها أن تُخبرني بما حدَث، حينها رقّت لحالي و أخبرَتني بالطامّة، لقد أعلن أبي أنّي سافرتُ دونَ علمِه هو و أمي، و أقسَم أنهما بريئان منّي ولن يُسامحانني أبدًا.
بالتأكيد قرارُ أبي لم يكُن صُدفة، بل نتيجة مُؤامرة قام بها جارُنا أبو صالح و زوجتُه، اللذان حقدا عليّ منذ أن رفضتُ الزواجَ بابنهما العاطلِ صالح، و اللذان رأيَا أن في سفَرِي إلى بريطانيا فُرصةً للانتقام منّي؛ فبعد زواجي و سفري، بدأ أبو صالح بالتكلُم عن بريطانيا و فسادِها و انحلالِها، و أنها دولةُ كُفرٍ و شِرك، و أن بريطانيا بطولِها و عرضِها لا تحوي سِوى حاناتٍ للخُمور، و صالاتٍ للقُمار، و بيوتٍ للفاحِشة، ثم تطوّر الأمرُ فأصبح يخترِع إحصائياتٍ عن نِسبةِ السُعوديّين الذين تنصّروا و باعوا دينَهم في بريطانيا، و يُعطي أمثلةً خياليّة عن عائلاتٍ سُعوديّة أصابها الانحلالُ هناك، و أخيرا أصابَ الوترَ الحسّاس، و أخذ يقول - كما أخبرتني خالتي- أنّه في هذا الوقت أصبحَ الأبُ يُهمِل ابنَه، و يُرسِله لبريطانيا حتى يتخلّص مِنه، بل الأدهى و الأمَرّ أن الأبَ أصبح يُرسِل ابنتَه لهذه الدَولةِ الكافرة، و قد يتحجّج الأبُ بأن ابنتَه لَم تذهَب وحدَها، بَل برِفقَةِ زَوجِها، و لكني أقول له ماذا تفعل ابنتُك و زوجُها في دولةٍ فاسدةٍ كافرة، ألَم يجد زوجُ ابنتِك عملاً إلا في هذه الدولةِ الفاسقة!، ثم ما أدراك بماذا تقضي ابنتُك الساعات التي يغيب فيها زوجُها أثناءَ عملِه، و لنقُل أن عملَه (مهندس) مثلاً، إن الأبَ الذي يُرسل ابنتَه هناك يجلِب العارَ و المَذلّة لقريتِنا و يفضحُنا عند القُرى و القبائل الأخرى.
يا للمُصادفة يا أبا صالح! لَم تجِد دولةً تتحدّث عنها سِوى بريطانيا! ولم تجِد مثلاً تضربُه لعملِ الزوج سوى مهنة المهندس!
_باختصار_ لَم تذهب اتهامات جارِنا العزيز أدراجَ الرياح، بل انتشرت انتشارَ النارِ في الهشيم، و كيف لا تنتشر أخبارٌ كهذه في قريتي (شوية) و هي إحدى قُرى الرياض و التي تبعُد عنها حوالي مائتي كيلو متر، قرية إلى الآن لا تحتوي على طرق رئيسية و لا مدارس كافية بل و لا حتى أمارة أو بلدية تهتم بشئونها، و طالما أن التطور لم يحط رحاله فيها بعد، فمن الطبيعي أن يكون الجهل والتخلُف السمة السائدة في أهلها، فالمرأةُ ما تزال عارًا عندهم، و ما يزال المُبشّرُ بأنثى وجهه مسودٌ و هو كظيم، قرية لم تكن تعرف ما هي بريطانيا من الأساس. والنتيجة إعلانُ أبي أنّي سافرتُ دون علمه هو وأمي، وقسمُه بأنهما بريئان مني ولن يسامحانني أبدًا.
حينها آمنتُ أن حياة الإنسان ما هي إلا مؤامرات تُحاك من حوله، قد تكون جيدة كولادتي وزواجي، وقد تكون خبيثة كبراءة والديّ مني، وجعلتُ نظرية المؤامرة هاجسي وأصبحتُ أبحث عنها واكتشف الخبيث منها حتى لا يقع ضحيتها أحد بريء كما وقعتُ...
"ماذا تفعلين هنا؟"
5👍5
انتفضت مُجفلة من الصوت، الأمر الذي أدّى إلى سقوط زجاجة الحليب من يدي إلى الأرض، لكنها لم تتحطّم لحُسن الحظ، التفت بغضب وصرخت "ماذا لو أصابتني سكتة قلبية ومتّ، ماذا سيحدث لأشرف وأسعد حينها؟"
قال من بين ضحكاتِه "لن يحدُث لهما شيء، لأنني ببساطة سأتزوج بعد موتك، وستعتني زوجتي بهما، ما رأيك في جارتِنا ريتشيل، هل تعتقدين أنها ستكون زوجة مُناسبة لي؟"
تجاهلتُه وانحنيتُ ألتقط الزجاجة، هذا هو المهندس خالد سعد، الطويل الوسيم ذو البشرة البيضاء، والذي يجعلني أتساءل دومًا ما الخير العظيم الذي صنعته في حياتي والذي كان نتيجته أن وهبني الله خالد! استقمتُ ووضعتُ الزجاجة على الطاولة، ثم بدأتُ بتجهيز الزجاجة الثانية وأنا أقولُ ببرود "ما الذي تفعله هنا؟ يُفترَض أنك لا تعود قبل الساعة الخامسة"
رد عليّ "صحيح، الأمرُ أن لديّ الآن زيارة لبضعة مباني للإشراف على العُمّال، وخِفتُ أن يضيع مني هذا أثناء تنقُّلي" و رفع ذاكرةَ تخزينٍ خارجيّة أمامي مُكملاً بابتسامة "تعرفين أنّه حياتي، و لا أستطيعُ تركه في المكتب أو في السيارة؛ لذا قدِمتُ لأضعه في المنزل"
بالتأكيد سيكون خائفًا عليها؛ فذاكرةُ التخزينِ هذه تحوي كلَ ملفات ومُخطّطات مَشروعِه الذي يعمل عليه منذ سنتين، والذي يأمل أن يكون نقلةً عظيمة في مستقبله وعمله، كما أنه يعِد بأننا سنكون فاحشي الثراء من وراءِ هذا المشروع. مددتُ يدي متمتمه "هات"
أعطاني إياه ثم قال بعتب "والآن ما سبب هذه الأخلاق السيئة التي تتحلّين بها اليوم؟"
نظرت إلى عينيه، فأدركتُ أنه يعرف تمامًا سبب تكدُّري، لذا قلت بحنق "أكرهك عندما تدَّعي الغباء"
قال متصنعًا الصدمة "أيُعقل أن ادعائي للغباء مؤامرة!"
خالد يعرف بهوسي بالمؤامرات، فلم أستطع إخفاء أمر كهذا عنه، لكن ولأنه لا يوجد زوج عمومًا _وسعودي خصوصًا_ يُحب أن تكون زوجتُه كثيرةَ الشك والتفكير؛ فإني أكون حذرة في كلامي معه عن المؤامرات، فأكتفي بإخباره بمؤامرة واحدة في اليوم. صحيح أنه يتعمد إغاظتي أحيانًا بذِكر المؤامرات كما يفعل الآن لكنه لم يسخر يومًا من تفكيري ولم يتهمني بالوسوسة أو الجنون، بل إنه يوافقني على بعض ما أقول ويعطيني أدلة لتأكيد فكرتي، ويُنهي كل نقاشٍ لنا عن المؤامرات بقوله بابتسامة صادقة مُحبة "أنتِ مُحللة سياسية من الدرجة الأولى"
لم أرُدّ على سخريته، فاقترب خالد مني وأمسك بيدي وهو يقول بعاطفة "والداكِ سيُدركان يومًا ما خطأَهما يا خولة، سيُدركان مدى روعة ابنتهما، أتعلمين قبل ساعة فقط، قال لي صديقي إدوارد أنه يتمنى لو أن امرأته مُنَقّبة مثلك، ماذا يريد الرجل أكثر من أن تكون امرأتُه مصدرَ فخرٍ له؟" ثم طبع قبلة ناعمة على باطن يدي، وانصرف من المطبخ وهو يقول "سأذهب لأقبل شيطانيّ الصغيرين، لقد اشتقتُ لهما"
نظرت إلى يدي وأنا أفكر بكلامه، بريطانيا دولة ديمقراطية، لذا فإن ارتداء النقاب لم يمثل لي مشكلة كبيرة، بالتأكيد الأمر ليس مريحًا كثيرًا؛ فالأنظار الفضولية تلاحقُني، وما يزال بعضُ الأطفال يبكون عندما يرونني، بل إنّي أتعرض أحيانًا إلى المُضايقات، فقد كنتُ أمشي مع خالد يومًا في شارع يمتلئ بالناس عندما مرّت سيارة بقُربِنا وصرخ شابٌ بأعلى صوته وهو يشير بإصبعه عليّ "أوه، انظروا إلى النينجا". ولكيلا أكون مُتحيزة فلابد أن أعترف أن البعض كانوا يُعجبون بذلك، ففي إحدى المرات عندما كنتُ في الحديقة مع خالد، اقترب منّا رجل وقال لي "أنتِ تُعجبيني هكذا، أنا سعيدٌ برؤيتِك" لقد توقّعتُ من خالد أن يلكُمه، ولكنّه بدلاً من ذلك ابتسم له و شكره فأدركت حينها أن الرجل كان يقصِد نِقابي. أيضًا أنا مازلتُ أذكر الشُرطي الذي سألني "لماذا ترتدين هكذا؟" ظننتُ أنه يُريد القبضَ عليّ، فاحتميتُ خلف ظهرِ خالد الذي أبعدَني عنه وطلب منّي أن أُجيب الشُرطي على سؤالِه، رفضتُ أن أتكلّم، فتحدث معه خالد بضع دقائق ثم انصرَف الشرطي بعد أن ابتسم لي، حينها قال لي خالد بعتَب "لماذا لم تُجيبيه! إنه يُريد أن يستفسر فقط عن الغرض من الحِجاب والنِقاب. خولة إذا لم نُعطِهم الإجابات الصحيحة عن دينِنا، فمن الذي سيُعطيهم؟"
"خولة!"
التفَتُّ إلى خالد الواقف بجوارِ باب المطبخ، والذي قال لي ببراءة "لقد استيقظ طِفلاكِ"
لا!، لقد ناما قبلَ ساعة واحدة فقط. هتفتُ بغضبٍ مُتهمةً إيّاه "أنت أيقظتهما!"
ابتسم ابتسامةً واسعة وقال بنبرة تحمل اعتذار أعرف أنه لا يعنيه "فقط أردتُ أن أُقبّلهما"
لقد نسيتُ لوَهلة أن خالد مِن أكثرِ الناس الذين يستمتعون بحَبْك مؤامراتٍ لإزعاجي وإخراجي عن طوري. قلتُ مِن بينِ أسناني "اخرُج قبلَ أن أقتُلك"
قال مرحًا "حسنًا، بالمناسبة اليوم هو يومُ اجتماعكن مع ريتشيل صحيح؟، أوصلي إليها سلامي الحار!"
أمسكتُ بمِلعقةٍ خشبيّة كانت على الطاولة، و قذفتُه بها بكُل قوّتي، لكنه فرّ مُسرعًا إلى الخارج ترافقُه ضحكاتُه العالية.
7👍6
أجل، اليومُ هو اجتماع نون عربية، يا إلهي! لقد نسيتُ الدعوة في حين أن خالد يتذكّرها، هل يُعقل أنّه فعلاً مُهتمٌ بريتشيل؟! هل هناك مؤامرة جديدة تُحاك حولي دونَ أن أنتبه لها؟!


*****************
10
علياء عبد الحميد

(يا صباح الخير ياللي معانا الكروان غنّا وصحانا)
هكذا كنتُ أغني طربًا بانتهاء التنظيف الصباحي، بينما أرتشفُ كوباً من الشاي الساخن بجلسة هادئة في غرفة المعيشة، وبريقُ النظافة يلتمع من كل شيءٍ حولي.
بين لحظة وأختها كعادتها اجتثّت آية ببساطة مزاجي الرائق من جذوره وهي تقتل ذُبابة بمضرب الذباب على منضدة مُنخفضة تتوسّط الغرفة، صرخةٌ أطلقتُها مفجوعة على مصير جهدي، ونظرةٌ مُخيفة رأيتُ أثرَها في وجه ابنتي وهي تُلملم ذعرَها وتجري لتغتسل وتُبدل ثيابها.
تجُيدْ الانتقام مني هذه الصّغِيرة، كُل هَذا لأنِي لم أذهبْ بهاِ في يَوم العُطلَة للحَفل الاسِتثنَائِي بعِيد المعُلم مثل بسمة ابنة ديمة وأيمن ابن مُونيا.
أعدتُ كَرّة التنظيف والتعقيم بجهدٍ أكبر هذه المرة، وأنا ألعن ذُبابَ مصر ولندن وكل ذباب العالم (من أين تسلّلت هذه المؤذية؟) وجدتُها من شُرفة المطبخ وقد نسيتُها مفتوحة للأسف الشديد.
السيمفونية السابعة لبيتهوفن! مَن مزاجُه رائق بهذا الصباح؟ لابد أنها (ريتشيل زينب) أو (زينب ريتشيل) مالكة العقــار
حقيقةً لا أعلم من أين يأتون بهذه الأسماء الغريبة! في كل مرة أحيّيها أرتبك بأي اسمٍ أُناديها، فتُسارع هي بابتسامةٍ عريضة لتُصافحني قائلةً " أهلاً علياء " تنطِق اسمي بطريقة غريبة جدا، هي طيبة لا تحتمل إزعاجَ حتى مُجرد قطٍ شريد ولكن ابتسامتَها حُلوة، حُلوةٌ لدرجة أصابت فجأة نظرَ عمرو الضعيف بالحدّةِ وهو يحدق من خلفِ نظارته الطبية مبهورا بابتسامتها ويُبادلها بأخرى أكثر اتساعًا (عمرو ابن رئيسة)!
أتساءل كثيرا هل يعلم عمرو أن ابتسامةً أجمل من ابتسامة تلك الـ ريتشيل زينب كانت سببًا في مأساتي الزوجية. ابتسامتُه هو.
ابتسامة تُدرك منها المعنى الحقيقي للصفاء، تُشرق عن صفّين من الأسنان الرائعة مُتألقة البياض وغمازة شقية في خده الأيسر، يصيبُني الخدر حين يبتسم، أجدُ نفسي عدتُ مُراهقة في الخامسة عشرة من عُمري لا أُجيد التصرُف فقط أتسمّر ببلاهةٍ أمامه، حتى هو لا يُلاحظ تأثير ابتسامته الجارف في قلبي. يضربُني بهذا الزلزال دومًا ثم ينصرف لشئونه بمُنتهى البراءة.
ابتسامة جعلتني أرتضي اشتياقي الجارف لأبي وأمي، واغترابي الحديث، ووحدتي بمدينة الضباب وأتّخذ من هذه الشقةِ الأنيقة بغُرفِها الثلاثة واللون الأخضر الذي تتكرر بهجةُ درجاتِه على الأثاث والجدران والأرضيات، وهذا الشارع الجميل والهادئ مُستقر اً آمناً بعيداً عن سيطرةِ رئيسة على حياتي.
خالتي الكُبرى وحماتي المَصون، إن كان ابنُها الوحيد لا ينتبه لي غالبًا، فهي دائمة التيقظ لكل شاردة وواردة، حتى أدراج ملابسي الخاصة تتفحّصها بفُضولٍ مُتبجِح، ثمانِ سنوات من الزواج المُجمّد بفضلِها هي!، وبفضل سكني في نفس البناية التي تقطنها، مجيئي للندن هو بداية للاستقلال، للتحرُرِ من عقدة رئيسة، بداية لي مع عمرو أُشعِره فيها بحُبّي دون رقيبٍ أو مُنغِص.
فرّت دمعةُ ساخنة من عيني، لأجد آية تُسرع بمسحِها وهي تُربّت على كتفي. ضممتُها لصدري ثم أبعدتُها قليلاً لأتأمل ملامحَها، أحبُ هذه الفتاة رغم شجارِنا المُتواصِل خاصةً عندما يسألها أحدٌ عن اسمِها، فتنطلِق صائحةً (آية عمرو عبد السلام)، لا أعلم تعريفًا لماهية الأمومة، فقط عندما أراها يختلجُ قلبي بسعادةٍ تُشعرني أن زواجي من عمرو مهما كانت أيامي فاترةً به، ولكنه يستحق المُحاولَة. خاصةً وهي تربط رأسَها بهذا المِنديل، فتبدو لي كامرأةٍ صغيرة قام زوجُها بتطليقها ثلاثَ مرّاتٍ وتُلاحقُه ببؤسٍ في المحاكم كي تُحصِّل نفقاتها هي وأطفالها. آية تُشبه رئيسة كثيرًا أليس كذلك؟!
انتبهتُ لميعاد اتصالي بأمي عبر الانترنت، طلبتُ من آية الابتعاد قليلا وأسرعت مُتحمّسةً ليصِلني صوتُ أمي الحبيبة عابرًا المُحيطات مُحمّلاً بدفئها
:- افتقدتُكِ أيتُها النكديّة، كيف حالُك؟ كلُ عامٍ وأنتِ بخير.
اندفعت قائلةً دون مُقدِّمات: - أمي، أُريد عيدَ زواجي لهذا العام أن يكون مُميَّزًا؛ أرهقَتني شقيقتُك ثماني سنواتٍ في صدِّ فُضولِها وتدخُلِها في حياتي، لأكتشفُ اليوم أنّها أول مرّة نقضيه مُنفردَين بدونِها.
صمتت قليلاً لتتنَهّد قائلةً:- قومي بالرَقصِ له.
شهقْتُ وأخبرتُها:- أمي، خُطوةٌ خُطوة، أريدُ لهذا اليوم أن يكون مميزًا، لا أن يشُك عمرو في استقرارِي النفسي!
ضحكَت عاليًا ثم قالت:- خُطوة خُطوة بعد ثماني سنواتٍ من الزواج!، أنتِ بلهاء، وأنا أريدُ الذِهاب؛ أبوكِ سيستيقظ بعد دقائق.
وصلتْها أنفاسي المَكتومة ببكاءٍ وَشيك لتتراجع قائلةً:- حسنًا لا تَبكِي حبيبتي.. ماذا تريدين؟
تمَلمَلتُ في السؤال، ثم أطلقتُه دفعةً واحدة:- أمي كيف تضحكين هذه الضحكة الرَّقيعة؟
نهتني مُتفاجِئة:- علياااااااااء!
اعتذرتُ منها، وأخبرتُها أنني لم أجِد وصفًا لها غير هذا.
10👍3
أخبرَتني مُشفِقة:- حبيبتي، هذا سينبُع من داخلِك، لا يحتاج إلى تعليم، ولكن لا تنسَي أن ترتدي الفستانَ الأحمر مَكشوف الأكتافِ الذي انتقيتُه لكِ قبلَ سفرِك، و زَيّنيه بالبروش، إياكِ أن تنسيه، ببساطة، اجعلي مِن نفسِك امرأة قبل الوصولِ الوَشيك لزوجِك.. إلى اللقاء.
هرولتُ إلى خِزانةِ الملابس وأنا أُذكِر نفسي.. البروش، والفستانُ الرَقيع، والضَحِكةُ الحمراء.. البروش والفستانُ الرَّقيع والضحكةُ الحمراء.
أحكمتُ الخطة، وتمارَضْتُ في الفِراش. وبعدَ دقائق دار المِفتاحُ بمقبض الباب ليُعلن عن وصولِ عمرو، استقبلَتْه آية بحفاوَةٍ كعادتِها، وأنا قرّرتُ استغلالَ شوقهما المُتبادَل في تهدِئة ارتباكي المُتزايِد، ولكن آية لَم تمنحني تلك الفُسحة وهي تُخبِره عِندما سألها عني
:- أمي في غرفتها متعبة، لأن جدتِي علّمَتها اليوم الضَحكةَ الرَقيعة!
صاح بها مُستنكِرًا: - علّمَتها ماذا؟!
كادَت أن تُعيدها على مَسامِعه لولا أن رأتني أقفُ بِبابِ الغُرفَة أحدجُها بنظراتٍ مُتوَعّدة، وقد وجَدتُ فيها بهذا المِنديل صورةً مُصغّرَةً مِن رَئيسة، مَلأني شُعورٌ بالقَهرِ والغَيظ وهي تُهروِلُ إلى غُرفتِها هاربة، ليَنتَشِلني مِن كُلِ هذا صوتُ صَفيرٍ مُرتفِع، بينما يُخبرُني مُتأمِلاً :- حدَثَ في مِثل هَذا اليَوم!
التفَتُ إلى التَقوِيم، لأجِدُه يومَ السبت، يومَ اجتماعي وجاراتي في مَنزلِ ريتشيل زينب، ولَكن مَهلاً.... مَن أطلَق هذا الصَفِير؟!
************
10👍1
مينة أحمد

طيري يا طيارة طيري يا ورق وخيطان.. بدي أرجع بنت صغيرة على سطح الجيران
ينساني الزمان على سطح الجيران.. علي فوق سطوح بعاد على النسمة الخجولة
أخدوني معون الولاد وردولي الطفولة.. ضحكات الصبيان وغناني زمان
رد لي كتبي ومدرستي
كل مرة أسمعها أشعر بنقص واختناق، وأحلم بمكان أريد الهروب إليه في داخل نفسي.. ليتني كنت من ورق وخيوط وأعيش لحظات قصيرة، ولكنها مفرحة.. ومن غير قيود الماضي.. إلى يوم أعود فيه إلى مدرستي، وأضم كتبي إلى صدري وأنسى ما حولي وكل شيء يغرقني، ومن ثم أتمزق بعدها كما يحصل للطائرة الورقية، وتأخذ الرياح بقاياها في أراض متفرقة.. تبقى مجرد أحلام ترسمها فيروز بكلماتها.
يا إلهي، لا أعرف ما الجنون الذي اعتراني وأنا أنتظر (علي) في تلك الحديقة الصغيرة من أجل أن.. كما قال
(نتحدث في حياتنا!) أي حياة يتحدث فيها وهو وجدني ألعب مع أولئك الأطفال، وأنا أحمل تلك الطائرة الورقية وأركض بها علها ترفرف وتأخذ معها كل مشاعري. رأيت الصدمة في عيونه وهو يراني بتلك الهيئة، وملابسي قد فعل الركض فعله بها وللحق أول ما قدمت إلى الحديقة كنت أنيقة، ولكن هذا حالي ككل مرة.. قصدت أن يراني هكذا، لكن كل تصرف فعلته كان صادقا، لأني أعيش معهم تلك اللحظات بإحساس طفلة وليس امرأة ناضجة على وشك الزواج. وهو تلقى الصدمة، ولكنه ابتلعها وقهقه ضاحكا لهيئتي تلك، وأنا أبتسم كالبلهاء بوجهه، لم يقل شيئا، بل قرص وجنتي وهمس (أحبك بأي شكل تكونيه) وتركني أعيش شتاتي وحرماني لنفسي من لحظات جميلة.. كانت إحدى خططي لدفعه لفك الارتباط، لكنها تركت جرحا كبيرا في داخلي.
ليس لي ذنب أنني أصبحت هكذا بسبب عائلتي؛ لم يراعوا الخوف بداخلي من مشاكلهم، وبدأت أعزل نفسي بعيدا عن المحيطين بي حتى في المدرسة كنت أجلس في أخر الصف صامتة، خائفة من اللحظة التي أعود بها للمنزل وأسمع صراخه مجددا وبكاء والدتي، فتقسو نظرتي وتتسارع نبضات قلبي.. فتطبعت عيناي بتلك القسوة.. حياتي لابد أن تبدأ هكذا بجرعة من الذكريات المؤلمة حتى أستمد منها قوتي وأثبت لنفسي أني أسير على الطريق الصحيح، ولتصبح الذكريات في حالتي سما بطيئا ينهش روحي بدل أن تكون غذاء لها.. كالعادة أظن أن دماغي سيجف يوما ما؛ من تلك البرودة التي أمتصها من زجاج النافذة بإسكاني جبيني عليها علها تخمد قليلا من النيران التي تستعر في داخلي.
اليوم هو عطلة، يعني، لا عمل ولا أرقام، وحتى في هذا اليوم يجافيني النوم، ولابد أن أهرب منه بالاستيقاظ مبكرا وأفرغ قليلا من طاقتي بالسير بلا وجهة، فقط أشغل نفسي بما ومن حولي! وأيضا ينقصنا الكثير من الأغراض ولا أحب أن أزعج مازن في يوم راحته وهو للحق تحمل الكثير، وبالذات مني، لكن يا شقيقي العزيز ستتلقى المزيد من صدماتي.
باردة تلك الأجواء، تذكرني ببرودة أرضية الغرفة، وأنا أختبئ ليلا في إحدى زواياها هربا من تلك الكوابيس التي
تراودني منذ أن كنت صغيرة؛ لا أعلم ولكني أجد القليل من الأمان والراحة بالتقاء الجدارين!
الأشياء المعتادة التي آخذها من السوبر ماركت، والتي أصبحت رتيبة وأحفظها عن ظهر قلب لأنها من متطلبات حياتي المنظمة.. ألقي التحية بصمت لبائع الجرائد، وأخذ ما أريده وأمضي بسرعة لأنني لا أحبذ الاختلاط كثيرا وعلاقاتي محدودة؛ لأنني أقيم بشرنقة خاصة وليس من السهل تمزيقها، فقط أناس قليلون أسمح لهم بالتقرب مني ومنهم ابن عمي الذي يكبرني باثني عشر عاما، كنت سابقا ملتصقة به كالعلقة، هو وشقيقي، لا أنفك أتبعهما في كل مكان لأنني أشعر بالراحة معهما، حتى كبرت وأصبح حالي كأمي تحت الإقامة الجبرية في المنزل، فقط أخرج للمدرسة؛ لأنني كما يقول والدي سأصبح مثل أمي..... أمي لم ترتكب جرما، فقط أحبته حد الجنون وعارضت أهلها، وتمردت فوق تمردها وخيرتهم بين الموافقة على زواجها بموافقتهم أو من دونها، ولم يجدوا غير أن يرضخوا لما تريده: لأنها ابنتهم
المدللة، وأفضل من أن تطالهم ألسنة الناس، ولتثبت لها الأيام ما حذروها منه... مرت أيامهما بعسل وذلك الفارس الذي عشقته والدتي يغدق عليها بالحب يوما بعد يوم، وظنت أن أهلها على خطأ،
لكن دوام الحال من المحال، وانقلب الحب إلى شك،
وأباح له العشق أن يهينها مرارا وتكرارا، ويقدم كرامتها قربانا للتقرب من ظنونه، ولكنها كانت تسكت، وتصور لنا والدنا بأبهى صورة وهي تحكي لنا قصة ما قبل النوم عن الفارس الذي أنقذ الأميرة، ويعيشان بسعادة مع أطفالهما الثلاثة.. لكنك نسيت يا أمي أننا كبرنا، وبدأنا نسمع صراخكما ونفهم مشاكلكما
رغم محاولة مازن أن يشغلنا بأي شيء أو يرفع صوت التلفاز حتى لا نسمع، لكن هيهات، ما يسمع مرة ينطبع بالذاكرة، ويشمها بوشم لا فكاك منه.. لا أعرف كيف يفكر! لا أنكر أن أمي أخطأت وهي تنساق وراء
قلبها وتقابله من دون علم أهلها، لكنها ظنت أنه سيبقى يثق بها كما كان، وليس أن يشك بها كلما خرجت لمكان، وأنها ستقابل أحدهم مثلما فعلت معه!
9👍3
هذا ما كان ينقصني، كلب السيد ريتشارد، إن لم يصادفني في طريق الذهاب يقتنصني عندما أعود، ولا ينفك يلاحقني وينبح عاليا، أظنه كما يقولون، يشتم رائحة الخوف، وأنا أخاف الكلاب، لكن لن أظهر له ذلك وتلك القوة التي بنيتها تنهار لوجود كلب! هذه المرة وقفت أمامه وانحنيت لمستواه، ونظرت له بقوة وقسوة، ومثلما توقعت انسحب بكل هدوء! ههههه.. النظرة الشريرة، حتى الكلاب تنفع معهم، أصبحت جزءاً مني بعد أن اعتدتها مع البشر وخصوصا في مكان عملي؛ نظرا لميزاتي، أولها مسلمة، ومحجبة، وأصغر من أولئك الصلع الذين يطمحون لهذا المنصب، وبنظرهم لا أستحقه .. هم يتذمرون من وجود (فتاة الصحراء) بينهم،
لا يعرفون أني بت أعشق هذا اللقب؛ لأنه يذكرني بالدفء والحيوية بدلا من هذا البرود الذي يعيشون فيه... صحيح أن كل شيء منظم في حياتهم، بدءا من الشوارع والمنازل والشركات.. أشبه ما يكونون بالروبوتات! وتلك الحدائق الجميلة ومظاهر
النظافة، والمطر الذي أعشقه، لكنه ليس مثل مطر بلدي؛ حيث يكون رقيقا، وتكتسي الأرض بمظاهر الحياة، لكن هنا، الأمطار والثلوج قاسية، ولا أشعر أن أحدا يبالي بها كما كنا نفعل ونحن صغارا.. ربما لأنهم اعتادوا عليه في
حياتهم.. الشيء الذي يريحني، أن لا أحد يتدخل في حياة الآخر، حتى الأقرباء قليلا ما يلتقون، وليس مثلما عندنا: كل صغيرة وكبيرة يحشرون أنوفهم بها، وليس كما يقولون صلة الرحم! وكالعادة ألتقي بالسيدة اليزابيث، امرأة كبيرة بالسن تسكن لوحدها، وأبناؤها يزورونها بين الحين والآخر. في بادئ الأمر كانت تلقبني بالمغرورة المتعالية؛ لا يعرفون أني اعتدت أن أرفع رأسي وأنا أمشي وعيني دائما بعين محدثي، أو كما يقولون بالعامية (عينها ماتنكسر)، أو تلك الفتاة قليلة أدب! لماذا ؟!، هل الأدب أن ننكس رؤوسنا ونخشى النظر في عيون الآخرين؟!.
والآن، السيدة إليزابيث اكتفت بالمغرورة: لأنني رغم كل شيء متواضعة، ولا أحب أن أتكبر على أحد، وأحيانا أسمعها تهمس بالمجنونة! لا أعرف، تضحكني تلك العجوز حتى وأنا في أحلك حالاتي، وأخيرا دلفت إلى شقتنا: التي هي جزء من تلك العمارة التي تجمع ما بين الشرق والغرب في تفاصيلها، وهي أول شيء جعلني أشعر بالألفة، وأصر على الاستقرار في هذا المكان منذ سنتين.
مازن، ذلك الكسول، لابد أنه ما زال نائما.. لا أنسى مشوار العذاب الذي أقطعه حتى يستيقظ، وأجرب كل الطرق المجنونة، آخرها؛ أقفز على سريره بقوة، ومرات متتالية، لأحدث ما يشبه الزلزال! لكن هذه الطريقة أتركها عندما أشعر بالذنب، وأجده ما زال إلى جواري وأنا متمسكة بيده أغط في نوم عميق، وهو ما بين إغفاءة وأخرى.. كم تمنيت أن أتخلص من تلك الكوابيس لأجله هو؛ لذلك ذهبت إلى طبيب نفسي.. لكنها ما زالت تراود حياتي، وهو من يتعذب مثلما أنا أتعذب؛ لأن صراخي يصل له بسهولة ويقضي ليله ساهرا إلى جواري كما كان يفعل منذ أن كنت صغيرة، اليوم
سأحدث الزلزال في غرفته بعد أن أعد له فطورا معتبرا، والأكيد الأساسي فيه البيض؛ لأنه يحبه كثيرا... ما زالت
الساعة التاسعة، لو كان يوما آخر لكنت غارقة في العمل الذي أستهلك فيه معظم وقتي، من الساعة الثامنة صباحا حتى الرابعة عصرا.. أعود منهكة لا أقوى على رفع رأسي، وهذا ما أريده.. علي، أفتقدتك اليوم كثيرا، أين رسالتك الصباحية التي أدمنت عليها كثيرا؟!... أما المسائية، فهي مليئة بأشواق ومشاعر ترهقني حد البكاء.. أحيانا أرد برسالة أقرب ما تكون للرسمية وأرسلها الى صديقة وليس.. إلى خطيبي، ولكنه يقول هذا أفضل من أن لا تردى بشيء.. الطيب عند ذكره.. (صباح الحب من قلب عشق روحك تمناها
عشق همسك عشق خطك ومراسيلك يتحراها)
يا رب امنحني الصبر.
حبه يقتلني ويتركني شتاتا لا أعرف أين أستقر، لكنه يستحق من تمنحه الاستقرار، لا أن يلحق لحظات جنونها وانقلاب مشاعرها وخوفها وهروبها الدائم.. هو بحاجة لمن تؤنس وحدته وينام قرير العين، لا أن يصدم بكوابيسها وبحثها عن زاوية تختبئ بها... أحبك،
وسيبقى حبك أجمل شيء في حياتي، لكني لا أستطيع إلا أن أرى حياة أمي وحبها الذي أصبح مصدر عذابها.
كنت أظن كما يظن غيري، أن الحرية هي أن نخرج خارج المنزل، أو خارج الوطن الذي نعيش فيه.. لكن تبين لي أن ذلك خاطئ؛ إن لم نتحرر من قيود أنفسنا وقيود الماضي لن نعرف طعم الحرية.. هذا ما أدركته بعد خروجي المشبوه من العراق قبل عشر سنوات، تلقيت أجمل هدية في حياتي.
7👍3
عجة البيض! أتمنى أن لا تكون احترقت وأنا واقفة أقلب بصفحات الماضي.. الحمد لله ما تزال سالمة وقابلة للأكل وللصراحة لونها الذهبي شهي جدا.. هذا أقل ما أقدمه لمازن، وأنا أحاول أن أعوض ولو القليل من غيابنا عن الوطن ببعض الأكلات العراقية التي أعدها في أيام العطل؛ لأن الوقت بباقي الأيام لا يسمح بإعداد شيء يتطلب وقتا، سأذهب لإيقاظ ذلك الكسول حتى نخرج قليلا.. قبل أن أكمل جملتي كان يجلس إلى الطاولة! استغربت وجوده، قال لي بأن الرائحة أغرته أكثر من النوم.. جلسنا نتناول الفطور بصمت وأنا أنظر لوجهه الذي لازمني منذ ذلك اليوم كالعادة كانت أمي تعد الفطور بابتسامة مزيفة، وأثار
البكاء واضحة عليها وهي تحاول أن تخفي ما حدث؛ لأن مازن كان قد عاد من لندن بعد أربع سنوات من الغربة، لكنها كانت زيارة ولم ينفك يقنعني بأن أرافقه وأدرس الطب النفسي كما أحلم هناك؛ لأن في بلدنا لا يحبذون هذه الاختصاصات، لكني فضّلت البقاء إلى جانب والدتي، وحتى خالي كان يحاول إقناعي.. وابن عمي، حتى مللت من هذا الموضوع وصرخت بوجههم كعادتي عندما أنهي نقاش، خرج خالي على أثره، وبعده بقليل ذهبت إلى مدرستي لأعرف النتيجة وأسناني تصطك من الخوف، ماذا إن لم يكن معدلي كما أردت؟! هل سيضيع حلمي، وأرضى بأي تخصص آخر؟! وظننت أن الحياة ابتسمت لي عندما تحقق لي ما أردت وعدت إلى البيت أحمل حلمي معي، لأجد كابوسي قد سبقه وهي تنال
ضربات موجعة لم تعرف جزءاً معينا من جسدها، صدمت لهذا وذهبت إليه، ودفعته بكل قوة لكن ذلك لم يزده إلا غضبا.. وأصبحت أنا الضحية الجديدة هذه المرة، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ لأنه ظن أن خالي رجل غريب دخل إلى المنزل!... انتهى ذلك اليوم بوجود والدتي في المستشفى بسبب إصابتها بكسور، وترقد في روحها كلمة الطلاق التي مزقت بقايا الحب المهترئ، وأنا بحالة انهيار عصبي وصدمة قوية؛ بعد أن حبسني في المنزل ومزق نتيجتي، وقرر تزويجي لابن عمي الذي كان وما زال أخا كبيرا وناصحا لي في كل مرحلة من حياتي، وتذكرت أنه في السنة الأخيرة.. دائما يقول لي "إنني أخوك ولا تصدقي أي شيء آخر يقال لك".
ما بين غفلة وأخرى، وجدت نفسي في المطار، يمسك مازن بمعصمي وأنا كالدمية أتبعه حيث يريد.. عرفت فيما بعد، أنهم خططوا منذ فترة لذهابي للندن بعد أن أصبحت الحلقة الأضعف في الموضوع.. وابن عمي كان يشاغلهم فيما نحن نهرب تحت جنح الليل.. سنين طويلة مرت، حرمت فيها من حضن والدتي ودفء وطني وماء النهرين، حتى دراستي، اخترت تخصصا بعيدا عما حلمت؛ لأنني لم أكن أريد أن أتعامل مباشرة مع مشاعر الناس... صحوت من شرودي على صوت مازن وهو يقول لي بأنني لم أترك أي شيء في الصحون! ويتعجب لمقدرتي على أكل هذه الكمية دون أن يزداد وزني، وكأنه لا يعرف السر وهو كان موجوداً عند الطبيب، ويخبره بأن مشاعري المختلفة التي أكتم أكثرها في داخلي تحرق السعرات الحرارية بكثرة.. هذا عدا عن نوبات الغضب. نظفت كل شيء بسرعة، وأعددت عجينة الزلابية.. وفكرت بوجبة الغداء قبل أن نخرج لنلعب كرة السلة قليلا، رغم أنني لست طويلة، وتذمر مازن من برودة الجو وتساقط الثلوج.. لكنه اعتاد أن رأيي هو النهائي.. أخذنا الطريق مشيا لأنه لم يكن بعيدا، وهو ملعب صغير يرتاده القليل من الناس في هذا الجو البارد.
كنت أمشي براحة وأحيانا أسابق مازن، والأجمل، ليس هنالك من يستغرب.. اعتدت على هذه الملابس، بكنزة طويلة فوق الركبة بقليل، وبنطلون جينز، وحذاء رياضي... مثل كل مرة؛ ألعب قليلا حسب أصول اللعبة، وباقي الوقت، أسرق الكرة وأحتضنها حتى أصل إلى السلة وأرميها فيها. نسيت البرد وشعلة من النشاط تدب في، لكننا توقفنا بعد فترة، وذهب ليحضر قهوة لنجلس في الحديقة.. ولكن ما أن ذهب حتى وجدت شابا يجلس قريبا مني، بتسريحة شعره الغريبة وواضح أنه مراهق، لكنه كان طويلا.. تركت المكان، لكنه عاد ليتبعني، وبدأ يرمي كلماته البذيئة! لم أشعر به إلا وهو يحاول سحب حجابي!! كل تعقلي ذهب أدراج الرياح وأنا الكمه بقوة ليسقط أرضا وهذا بفضل دروس الدفاع عن النفس، وبضع تمارين من الملاكمة ولم أكتف بهذا؛ بل وجدتني أنهال عليه ضربا حتى أدميت وجهه! ولم أشعر إلا ومازن يمسك خصري ويرفعني كي لا أقتل ذلك الفتى.. لكنني أردت بأن يفلتني؛ حتى أتم ما بدأته، وانفض كل غضبي بذلك التافه "توقفي ستقتلينه! هل جننتِ! يا إلهي، كأنني لا أعرفك، لا أرى في ملامحك أيا من مينة التي أعرفها! ليس هنالك إلا واحدة نظرتها شرسة، ومستعدة لارتكاب جريمة! وتريدينني أن أتركك وأعود للعراق؟! ما الذي حصل في تلك الدقائق القليلة، وكيف انقلب حالك بهذه السرعة؟".. دفعته بعيدا ومازلت أتنفس بسرعة.. وفجرت البقية الباقية: "عن أي مينة تتحدث؟!
6👍3😢1