عبدالجبار الرفاعي
3.66K subscribers
730 photos
59 videos
284 files
1.26K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
ومما زادنا ارتباطا بهذه المجلة الظاهرة الفكرية، أنها تقوم، في جميع مراحلها الفكرية والتحريرية والفنية، على عمل تطوعي شريف وغير مسبوق؛ إذ لا تتوفر لها ميزانية، كما تحرر مواضيعها في أكثر من بلد، ويقود فريق تحريرها عائلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بتدبير مقتدر من المناضلة (أم محمد)، الأم والزوجة، ويتولى الابن الإخراج والتنظيم، ويشرف الدكتور الرفاعي على العلاقات العامة، وعلى التواصل مع الكتاب، وعلى اقتراح المحاور، وعلى الإشراف العلمي على التحرير. فبهذا المجهود العائلي الاستثنائي، مازالت هذه المجلة مستمرة، لم تفرط لحظة في جودة المادة الفكرية التي تقدمها لقرائها على طول العالم العربي والإسلامي.
ومن خلال هذه المجلة – الظاهرة الفكرية، انفتحت أمام الشباب المغربي، في أكادير وغيره، آفاق جديدة للتفكير الديني؛ فاقتنعنا بأن التاريخ لم يعد يصنعه الأبطال ولا الأيديولوجيات، في هذا الزمن الإفتراضي الذي سطت فيه على الإنسان تكنولوجيا المعلوميات. كما لم يعد ممكنا التفكير المغلق داخل إطار المفاهيم والآراء الموروثة، بل لابد من تدشين حالة فكرية جديدة، تقوم على السؤال الذي ينسل منه سؤال وأسئلة، والخروج من دائرة الجزمية في المجال اللاهوتي، وصياغة رؤى تقوم على النقد والنقاش، خارج أي منطق تبشيري أو دعائي،ظاهر أو متستر، لمفكر أو لمركز أو لدولة أو لطائفة.
وظلت المجلة وفية لموضوعها الرئيس ، أي “المعرفة الدينية”؛ من منطلق أصالة الدين في حياة الإنسان، الدين مجسدا في السلوك والشعائر والطقوس والممارسات، من خلال تمثلات متنوعة تغشى الاجتماع البشري كله. فالدين ليس هامشيا في حياة الإنسان، كما تدعي بعض المقاربات المتحيزة والعدوانية ضد الدين وضد المتدينين، بل هو الحاسم في مراحل ومنعطفات هامة في التاريخ. فعمليات التغيير الاجتماعي والسياسي ترتبط، بشكل جدلي معقد ومتين، مع تحولات المقدس وتمثلاته وتوظيفه. حتى إن هابرماس اعتبر كل ماعدا الدين “ثرثرة ما بعد الحداثة”. وسعت المجلة من خلال دراستها والمقدمات التوجيهية لمديرها عبد الجبار الرفاعي إلى التأكيد على أن أبدية الدين لا تعني سكونه وجموده وثباته، بل هو متحرك ومتغير؛ فهو موجود باستمرار، لكن تجلياته متنوعة، كما أنه يتعرض لتوظيف الناس وتلاعباتهم؛ إذ يوظف في المعارك السياسية والصراعات الاجتماعية، كما يخضع لأنماط من التفسير والتأويل تستجيب لمتطلبات الفضاء البشري المتغير.
ورغم الطابع المعاصر والسجالي للقضايا الفكرية التي تطرقها المجلة، وكذا التداعيات السياسية لتلك القضايا، ظلت المجلة ذات منحى تخصصي، مما يعوق تداولها وانتشارها وسط عامة المثقفين والمهتمين. كما ظلت وفية لسقف الحرية المرتفع والواسع، وظلت أقدر من غيرها على استيعاب الأفكار والأفكار المضادة، سواء صدرت عن الحداثيين أو عن المحافظين. كما أخرجت، بأسلوبها الاستيعابي، القارئ من تقاطبات “الطائفية الثقافية والفكرية”، التي ترسخها بعض المنابر والمجلات والمراكز مما يغذي الاستقطاب الطائفي، ويزكي الصراع المذهبي المدمر على صعيد الأمة، من خلال الترويج لمذهبيات سياسية ميتة أو قاتلة، ومغلقة ومعادية للإنسان، ولحرياته وحقوقه.
وفتحت المجلة آفاق البحث الديني في المغرب، من خلال نشر أبحاث ودراسات معمقة في الفكر الديني لنخبة من الكتاب والباحثين والمفكرين المتخصصين، من خلال استثمار العلوم الاجتماعية والإنسانية في تحليل الظواهر الدينية. كما حملت تلك الأبحاث والدراسات والمقدمات نفسا شجاعا في المراجعات النقدية والحوارات والنقاش لمختلف المقولات والمفاهيم والرؤى المتداولة في المعرفة الدينية.
وتميزت المجلة بموضوعية التعامل مع الباحثين؛ إذ لم تتحيز لفئة دون أخرى، ولم تروج لمقولات مفكر دون غيره، وعادة ما تنشر الرأي والرأي النقيض، في القضية الواحدة، في إطار الاستيعاب النقدي للمعرفة الدينية وللتراث. وكان مساهمة، بذلك، في مساعدة القارئ على بناء عقلية نقدية وتركيبية، تنحاز لمطلب المعرفة على مطلب الأيديولوجيا. فالمجلة تعمق الفهم النقدي التركيبي للموروث الديني، وتدعو إلى التحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، باعتباره كما من النصوص يلزم حفظها واجترارها خارج عمليات التحليل والتدبر والنقد والتركيب. كما رسخت المجلة أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة في دراسة المعرفة الدينية، خاصة فلسفة العلم (الإبستمولوجيا)، وعلم النفس (السيكولوجيا)، وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)، وعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا)، والقانون، والعلوم السياسية، واللسانيات، والتأويليات (الهيرمينوطيقا)؛ استثمار أدواتها التحليلية والتفسيرية والإجرائية في قراءة النص الديني، ودراسة أنماط التجارب الدينية، والخبرات السلوكية المؤسسة على الإيمان الديني.

أطروحة عبد الجبار الرفاعي الفكرية
عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في
المغرب

د.محمد همام

قرأت اسم عبد الجبار الرفاعي أول مرة في مجلة وجدتها عند صاحب كشك صغير بمدينة أكادير جنوب المغرب بعنوان: “قضايا إسلامية” منذ مايقرب من عشرين سنة؛ تحولت بعد ذلك إلى “قضايا إسلاميةمعاصرة”.أثارتني مواضيعها واستفزني الحس النقدي البارز الذي يسكن مقالاتها. كما أغرتني المقدمات النقدية التي يكتبها مديرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، أو يقدم بها لملفاتها الغنية والخطيرة والمتعلقة بتجديد التفكير الديني. وأصبحت مداوما على اقتنائها والاطلاع على أغلب دراساتها.
وفي سنة 2003م قدر لي أن أذهب إلى الحج، وقدر أن ألتقي بالدكتور عبد الجبار الرفاعي، في رحاب الحرم المكي، وعلى هامش ندوة الحج، التي تنظمها سنويا وزارة الحج السعودية، فاكتشفت أنه مفكر عراقي عاش بين العراق وايران ولبنان. ورافقته قرابة شهر، فاكتشفت فيه عالما متضلعا ومفكر ناقدا ومثقفا عضويا استثنائيا. وجدت الرجل صاحب شبكة علاقات متنوعة وغنية تربطه بكل ألوان الطيف الفكري في العالم العربي والإسلامي. والعجيب في هذا الرجل أنه انفتح علي من دون حواجز، واصطحبني معه إلى جل الملتقيات الفكرية التي يحضرها في الحج،وهي كثيرة بالمناسبة. ورافقته في زيارة استثنائية للعلامة محمد حسين فضل الله،رحمه الله، وقضينا معه لحظات فكرية ممتعة ومتنوعة، رفقة صديقي الدكتور فريد شكري، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، والدكتور سعيد شبار، الأستاذ بجامعة “مولاي سليمان ببني ملال، المغرب.
وخلال مدة شهر، اكتشفت عبد الجبار الإنسان والعالم؛رجل هادئ الطباع وغني من حيث الاطلاع الإسلامي، صاحب قدرة فكرية ومنهجية على تركيب أفكار نقدية واجتهادية، وبروح نقدية عميقة، وسعة صدر رحبة ومثيرة. باحث ومفكر مطلع على التراث ومستوعب بشكل متعمق لثقافة العصر، ومدارسه الفلسفية والفكرية والنقدية.رجل متخلق وعميق التدين؛ رأيته يرتعش ويبكي أمام الكعبة، كما رأيته بحسه النقدي الصارم، وشجاعته الفكرية عند النزال المعرفي والمقاربة التحليلية للفكر الديني، فاكتشفت فلسفته الفكرية والتي عبر لي عنها، وكتبها أكثر من مرة، وهي أن الدين أبدي في الحياة البشرية، وأن نزعة التدين كما يعيشها تمثل بالنسبة له ظمأ أنطولوجيا لا يروى، وهو الذي كان يقول لي في مكة، ونحن في الفندق، في العزيزية بمكة، في منتصف الليل، هيا بنا إلى الحرم لنرتوي بالنظر إلى الكعبة والصلاة ! فظمؤه الديني يروى بالتواصل مع المطلق، والذي يتجسد عنده في الإيمان والأخلاق والنزعة الإنسانية.
ومن خلال هذه “الصحبة” لهذا العالم المتخلق، ازددت يقينا بقيمة النقد من داخل الفضاء الديني، وبقدرة الفكر النقدي على بناء معمار ديني مملوء بالإنسانية والأخلاقية والإيمان، قادر على إرواء ظمأ الإنسان المعاصرالحائر.
وعند عودتي إلى المغرب تمتنت اتصالاتي بعبد الجبار عبر الإنترنيت،وأخبرت زملائي الباحثين بعلاقاتي به، وعرفت بفكره، وبمجلته وسط أصدقائي في أكادير أولا، ثم في المغرب ثانيا، وعند بعض أصدقائي في بلاد أخرى. وكنا ننتظر، بشوق كبير، صدور عدد جديد من المجلة التي كان لها الأثر الكبير على الشباب الديني في أكادير وفي المغرب، وكنا عندها حديثي عهد بمغادرة التنظيم، والبحث عن آفاق جديدة ورحبة، لا تضيق بالسؤال وبالنقد.

دور مجلة قضايا إسلامية معاصرة في تعزيز مسار التجديد الديني في المغرب
عرفت من خلال ملازمتي وصحبتي للدكتور عبد الجبار الرفاعي في مكة خبايا هذه المجلة – الظاهرة الفكرية ! فقد تأسست أولا سنة 1994 تحت اسم ” قضايا إسلامية”،ثم أصبحت “قضايا إسلامية معاصرة”، تحمل رسالة طموحة وعنيدة وأحلاما عريضة بتجديد الفكر الديني وتحديثه بروح اجتهادية متوثبة وحس نقدي شجاع. فأخرجت بذلك المجلة نقاشات المثقفين الدينيين، ذوي النزوع النقدي، من الحلقات المغلقة والجلسات المحدودة في الحوزة العلمية في قم، لتلتحم بالنقاشات النقدية في الفضاء السني، في مجال التداول العام. وكأني بالمجلة تعيد الدور الذي قام به المفكر القلق أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، لما أخرج مناقشات “إخوان الصفا”، إلى العلن وضمنها كتابه “المقابسات” ! ودعمت المجلة خطها الفكري بسلاسل كتب تجاوزت اليوم المائة، وبمركز يسمى: “مركز دراسات فلسفة الدين” في بغداد، في إطار فلسفة فكرية تقوم على النقد والطموح الجامح للتجديد والاجتهاد وإعادة بناء النظام الفكري والديني للأمة.
إن المتأمل في المنجز الفكري الواسع للدكتور عبد الجبار الرفاعي، يمكن أن يلخصه في فكرتين أساسيتين ومنطلق منهجي، مما كان له الأثر الواسع على البحث الديني الحديث، ليس في المغرب وحسب، بل في العالم الإسلامي برمته؛ والفكرتان هما: إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وتحديث التفكير الديني، والمنطلق المنهجي هو: المنطلق الذاتي للتحديث.
ويتجلى مطلب إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، عند عبد الجبار الرفاعي، في سعيه إلى تحرير الدين مما يسميه بـ “الفهم المتوحش”؛ فهم يحول الدين إلى منبع للعدوان والتعصب والكراهية. ويكون التحرير والإنقاذ بكشف النزعة الإنسانية العميقة في الدين والمتمثلة في الجوانب التنزيهية السامية، والتي تصطفي الإنسان، وترفع مكانته ،وتلح على تكريمه، حيا وميتا، وأن حياته هي مناط الاستخلاف والتكليف، وموطن المسؤولية والأمانة التي يحملها.
ويقتضي إبراز النزعة الإنسانية في الدين، بنظر عبد الجبار الرفاعي، تخليصه من التوظيفات البغيضة التي زجت به في حروب دموية “مقدسة”، واستعماله للتحريض على الموت، وتعبئة الأتباع وإلقائهم في معارك تنتهك كافة المحرمات. كما تقتضي هذه الوظيفة الإنقاذية تجاوز الأطروحات التحديثية المقلدة، خصوصا في العالم العربي، والتي تربط النزعة الإنسانية بسياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية غربية، تشكلت في القرن الثامن عشر في أوربا بعد القطيعة مع اللاهوت الديني الوسيطي؛ أي أن النزعة الإنسانية، وفق هذه المقاربة المحدودة، لا يمكن أن تتمحور حول “الاله”، وإنما حول “الإنسان”، وهو ما لم يحصل في الماضي ويحصل اليوم ! لكن القراءة النقدية للتاريخ، والقراءة التحليلية للنصوص الدينية،والتقويم النقدي للموروث الديني الإسلامي، هذا العمل الذي أنجزه عبد الجبار الرفاعي وينجزه، هو الذي يمكننا، بنظره ، من النفاذ إلى البؤر المضيئة في النصوص، والتراث المتنوع الذي يحمله؛ من منطلقات أساسية، وأهداف عامة، ومقاصد كلية، بعيدا عن الإسقاطات الأيديولوجية الإقصائية والمعتقدات القمعية. عندها نستطيع، بنظر الرفاعي، التخلص من نزعات الهيمنة بالدين، وإخضاع الناس، ومراقبة الضمائر، وتفتيش العقائد.
إن إحياء النزعة الإنسانية في الدين، من منظور الرفاعي، يقوض الطاغوت، ويفضح المشروعيات الزائفة القائمة على تأويل متوحش للدين. والنزعة الإنسانية لا تنتعش إلا في أجواء الحرية والديمقراطية، وسيادة قيم التعدد والاختلاف المؤسسة للمجتمع المتمدن.
ولا يخفي عبد الجبار الرفاعي أن مجهود إحياء النزعة الإنسانية في الدين سيتعرض لمقاومة اللاهوت الكلاسيكي القائم على التفسيرات المتعسفة والقمعية للنصوص، وعلى الصورة النمطية “للإله” المستلب لحالات ذهنية ومصالح اجتماعية للاهوتيين أو السياسيين.فالنزعة الإنسانية في الدين تستلهم الصفات الجمالية للاله وأسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، البارئ، المصور، الوهاب، الرزاق، البصير، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم… وهذا الاستحضارالإنساني والجمالي للإله، يعاكس المقاربات السلفية التي تتكتم عن المعاني الإنسانية في الدين، لتنحت دينا خاصا بها، وتشكله في إطار وعيها وخلفياتها وتحيزاتها وافتراضاتها الذهنية؛ دين غريب عن الدين المؤسس؛ أو قل بتعبيرعلي شريعتي: “دين ضد الدين”، أو بتعبير الصادق النيهوم: “إسلام ضد الإسلام” ! دين مشبع بالإكراه والقيود والإصر والأغلال؛ أي مجموعة من المقولات والشعارات المغلقة التي تستنزف الطاقة الحيوية والإبداعية والإنسانية لرسالة الدين، وتحوله إلى ركام من الأعباء ينوء الناس بحملها؛ دين مملوء بقيم بدوية رديئة.
إن إنقاذ النزعة الإنسانية للدين، من منظور الأطروحة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي، تعني استيعاب الحياة الروحية الخصبة في الدين، وإحياء التجارب الإيمانية المتنوعة، للعيش في عالم ممتلئ بالمعنى، يتخلق فيه الإنسان بأخلاق الله، وفي مقدمتها حب الآخرين، وتمني الخير لهم. فالحب هو منبع إلهام الحياة الروحية، ومصدر الانجذاب إلى الله تعالى. والحب رحمة، وهو الابتعاد عن مظاهر الكراهية والإكراه.
أما فكرة تحديث التفكير الديني، في المشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي، فيمكن تلمس معالمه في المقدمات التي يضعها الرفاعي بين يدي الملفات المتخصصة للمحلة؛ وكذا في الدراسات التي ينشرها في أكثر من منبر؛ فقد تعرضت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” بالنقد والدراسة والتحليل للمؤسسات الدينية، باعتبارها نمطا من التمثلات الاجتماعية للدين، وبحكم تأطيرها داخل سوسيولوجيا الجماعة ومطامعها وأغراضها وانتظاراتها ونماذجها المعرفية. فالمؤسسة، سواء كانت دينية أو سياسية، هي تعبير عن المصالح، الظاهرة والخفية، في المجتمع. لذلك تتم دراسة الظاهرة الدينية كظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة عابرة للمجتمع والتاريخ، كما تريد أن تقنعنا به التيارات الدوغمائية والمثالية.
ولكن، رغم ذلك، فالمؤسسة الدينية، وهي منطلق التحديث الديني بنظر الرفاعي، تتمتع بسلطة معنوية ورمزية رهيبة؛ إذ تخضع، بشكل طوعي، أتباعها، وتوفر لذاتها من خلالهم إمكانيات ضخمة مادية ومعنوية. لذا فإن التحديث الديني لابد أن يمس المؤسسة الدينية لدورها الخطير في المجتمعات التقليدية. وتحديث هذه المؤسسة، بنظر الرفاعي، له ارتباط جدلي وثيق بتحديث المجتمع الذي يحضنها وتنمو فيه وتتحرك وتؤثر. وعليه، لابد من إقناع المؤسسة الدينية بضرورة التحديث، من منطلق أن المعرفة الدينية جزء من المعرفة البشرية المتداخلة والمتشابكة، من منظور فلسفة العلم، مما يقتضي استجابة المعرفة الدينية في بناها التحتية العميقة للتحولات التي تعرفها المعرفة البشرية، وإلا ستبقى خارج التاريخ وخارج التطور وخارج الأجندة الإنسانية المعاصرة.
ويحدد الرفاعي منطلقا منهجيا أساسيا لإنجاز هذه المهمات التجديدية في المعرفة الدينية، وهو ما يسميه ب “المنطق الذاتي للتحديث”؛ أي المراهنة على التحديث من داخل الفضاء الديني، وتجاوز المنطق الخارجي في التحديث الذي رفع لواءه رفاعة رافع الطهطاوي، والذي وصل إلى الباب المسدود، وعمق التقاطب الجذري بين الإسلاميين والعلمانيين؛ كتجل سياسي اليوم لفشل مشروع التحديث الديني من الخارج.
إن تحديث التفكير الديني من خارج المؤسسة الدينية، ومن خارج الفضاء الديني، بنظر عبد الجبار الرفاعي، عملية محدودة وفاشلة، في غياب الاستيعاب الداخلي للمنطق الديني، واستئناف وتركيب المعارف الإسلامية. ولهذا السبب يكون تجديد الفقهاء وعلماء الدين، على الرغم من محدوديته من حيث السعة العقلية والفكرية، أكثر أثرا ممن يحملون لواء التحديث من خارج الفضاء الديني. ولنا عبرة في حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها مارتن لوثر. فتحديث المسجد لا ينبثق إلا من داخل المسجد، عندها يتوفر التحديث على المشروعية، كما يتوفر له حامل اجتماعي، الشيء الذي تفتقده الدعوات التحديثية من خارج الفضاء الديني، فتبقى معزولة بدون أثر، لأنها تقدم نماذج تحديثية هجينة ومغتربة بل وممسوخة، غير قادرة على التأثير على الحركات الاجتماعية والسياسية، عكس عمليات التحديث الذاتي بمنطق داخلي، مدعمة بمشروعية ذات عمق سوسيولوجي وأنثروبولوجي، وليس عمقا ميتافيزيقيا أو فقهيا وحسب. ويعمق من هذه المفارقة ركوب النماذج التحديثية من خارج الفضاء الديني على مقاربات ضحلة للدين والمقدس بعامة، تفتقد إلى التعمق في الدين ودراسة التراث الديني، والمعرفة الدقيقة بمسالكه ودروبه، فتقتصر تلك المقاربات التحديثية من خارج، على الشعارات، وسرعان ما تتحول إلى مدونات في السباب والتهجم على الدين وعلى المتدينين بعناوين هجائية صاخبة وعصابية، ومقولات جارحة للضمير الديني للناس؛ هجاء لمقدساته ورموزه بعبارات قاسية وصادمة، مما يولد ردود فعل عنيفة من الناس، الذين تنتابهم حالة نفسية دفاعية وطبيعية بسبب خشيتهم على مقدساتهم ورموزهم الدينية، وهي عندهم ممتلكات رمزية وروحية ثمينة، مما يزيد يكرس حالة من التدين ذي البعد الواحد، والذي تنادي به الجماعات السلفية فتهدر، بذلك، مضامين الدين الروحانية والمعنوية والإنسانية.

إن عبد الجبار الرفاعي،المفكر العراقي الرحالة، لم يكن مدير مجلة وحسب، كما أن المجلة لم تكن منبرا إعلاميا وحسب، بل أبدع مجلة هي في حد ذاتها ظاهرة ثقافية معاصرة، حاملة لروح التجديد الديني بمنطق ذاتي، وكان بمثابة منسق لخطوط فكرية تبدو متباعدة، لكنه استطاع تقريبها وخلق التكامل بينها بحكم خبرته الفكرية الواسعة، من أجل تجديد ديني ذاتي ينزع نزوعا إنسانيا خارج المذهب وخارج الطائفة. لذا لن يستغرب قارئ المجلة وجود عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان ومجتهد شبستري إلى جانب محمد أركون ومحمد سبيلا وعبد المجيد الشرفي، إلى جانب طه عبد الرحمن وأبي القاسم حاج محمد وطه جابر العلواني، وكوكبة من المفكرين والباحثين الشباب المسكونين بهم الإبداع والنقد والتجديد، مما كان له الأثر على الحاسة النقدية والتحليلية للشباب الديني في المغرب. فشكرا عبد الجبار الرفاعي وشكرا مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”.
https://www.hespress.com/عبد-الجبار-الرفاعي-ملهما-للتفكير-الدي-128804.html
في الأمومة تتجلى ذروة التضحية

د. عبد الجبار الرفاعي
بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية. فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.
الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط. الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع. كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم.
من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا. وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.
لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.
كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويجمي كرامتهم من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء،كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.
على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف "أبو عادل". كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف. حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب.
كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلى نجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه.كان أبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ من روعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ في ضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأ أيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه.كلما استغاثت به أمه هبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حين أستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعن في محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًا يوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرف حدودًا.
الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.
حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها. https://alsabaah.iq/133152-.html
على هذا الرابط تتوفر المجموعة الكاملة لمجلة قضايا إسلامية معاصرة المتخصصة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، التي يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد. تصدر المجلة منذ 30 عاما، صدر العدد الأول سنة 1997 ومازالت تصدر حتى اليوم، الأعداد المتاحة 1 -80، ما عدا العدد الأخير الذي نترقب صدوره ورقيا الأيام القادمة: https://www.noor-book.com/u/%D8%AF-sharp-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/books
وقد أسهم هذا التحريض المتواصل على الفلسفة والعلوم الإنسانية في تعطيل الإفادة من مناهجها ومكاسبها في دراسة علوم الدين، حتى غدا التفكير فيها يدور في حلقة مغلقة، يبدأ حيث ينتهي وينتهي حيث يبدأ.
عندما تتحول المعرفة العلمية إلى موضوع للإيمان أو العقيدة، تفقد طبيعتها النقدية وتغترب عن ذاتها. ما يسمى بـ"أسلمة المعرفة" وأشباهها محاولة لإضفاء هوية دينية على المعرفة، في حين أن المعرفة العلمية تنبثق من السؤال والمراجعة والتمحيص لا على التسليم المطلق. حين تتدخل الهويات المغلقة في العلم تخنق روحه الحية وتفسد آلياته من الداخل. ويُعد ما يعرف بـ"الإعجاز العلمي" أحد أبرز تجليات هذا التداخل بين الأيديولوجيا والمعرفة العلمية.كان إنكار الأبعاد الكونية للفلسفة وعلوم الإنسان من أعقد مآزق العقل الديني والقومي في عصرنا. وقد تجلى ذلك في مشاريع سعت إلى اكتشاف هوية دينية أو قومية للعلم والمعرفة، فاستنزفت الأموال والجهود من دون نتائج حقيقية. وتدفع نوستالجيا الهوية بعضهم إلى الدعوة لقطيعة مع المعارف الحديثة بدعوى تحقيق الذات الحضارية، مع أن سؤالًا بسيطًا يكشف هشاشة هذه الدعوى: كيف يمكن الاستغناء عن العلوم الحديثة، الطبيعية والإنسانية والتطبيقية، وهي التي تشكل اليوم البنية المعرفية المشتركة للعالم كله!
إدمان مديح الماضي والحنين إليه في أحاديثنا وكتاباتنا ليس إلا تعبيرًا عن الإخفاق في الحضور الفعلي في عالم اليوم بمنجز حقيقي، فمَن يعجز عن الحضور بمنجزه يلجأ إلى ما يوهمه بالحضور. مديح الماضي أحد أشكال استجداء الاعتراف من الآخر الذي يفرض حضوره في العالم بمنجزه، والحنين إلى الماضي يفضي إلى الضياع في أنفاق التراث والغرق في متاهاته، واستنساخ تجارب القدماء في كل شيء. عندئذ يكفّ العقل عن أن يكون عقلًا حيًا، ويتعطل التفكير عن التساؤل والنقد، ويستقيل الوعي من مسؤوليته التاريخية. التقليد مقبرة العقل؛ فعندما يستعير الإنسان وعي أسلافه ويفكر بعقولهم، يودع عقله في مقبرة التاريخ، ويعيش حاضره بعين لا ترى، وبفهم لا يلد معنى جديدًا.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386627
الهوية المغلقة تتلاعب بالمعرفة

د. عبد الجبار الرفاعي
تعمد الهوية المغلقة إلى التلاعب بالمعرفة؛ فبدلًا من أن تكون المعرفة سعيًا متواصلًا لاكتشاف الحقيقة، وأفقًا مفتوحًا للأسئلة والمراجعات النقدية، تتحول إلى أداة للدفاع عن الهوية وتبرير أخطائها وإخفاقاتها. ولا تكتفي بتسخير المعرفة لهذه الغاية، وإنما تعمل على غلق منافذ التساؤل والنقد، ومنع أية محاولة لتمحيص التراث خارج رؤيتها. كما تغذي الحنين إلى الماضي عبر التكرار والمبالغة، وتنسج له صورًا فاتنة في المتخيل الجمعي، تظهره عالمًا مضيئًا لا تشوبه عتمة، وتخفي ما فيه من تناقضات وإخفاقات.
حقل العلم غير حقل الدين، وحقل المعرفة غير حقل الإيمان. وظيفة العلم غير وظيفة الدين، ووظيفة المعرفة غير وظيفة الإيمان، كما أن مهمة رجل العلم في الحياة تختلف عن مهمة رجل الدين. العلوم كونية، لا هوية دينية أو اعتقادية أو أيديولوجية لها. ولو حاول كل مجتمع أن يبتكر العلوم من جديد، ويشتقها في سياقات دينه ومعتقده وميراثه، بدعوى أن العلوم أسيرة بيئات منتجيها وثقافاتهم ودياناتهم وهوياتهم، لأفضى ذلك إلى تعدد العلوم والمعارف بعدد الهويات والأديان والمعتقدات والثقافات في المجتمعات البشرية. وهذا أمر يتعذر تحققه، فضلًا عن أن البشرية احتاجت إلى آلاف السنين حتى بلغت العلوم ما بلغته اليوم من تراكم ونضج. ويكذب هذا الزعم الحضور المكثف للعلوم والمعارف في العالم كله؛ إذ نجد العلوم ذاتها ماثلة في مراكز الأبحاث والتربية والتعليم والتكنولوجيا ومختلف مجالات الحياة، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية، أو أستراليا، أو بريطانيا، أو روسيا، أو فرنسا، أو الهند، أو الصين، أو اليابان، أو ماليزيا، أو إيران، أو تركيا، أو مصر، وغيرها من بلدان العالم.
منطق التاريخ وقوانينه شاملان، غير أن شعورًا كامنًا في لاوعي كثير من الناس في مجتمعنا يوحي لهم بأنهم استثناء في حضارتهم وهويتهم ومعتقدهم وثقافتهم وتاريخهم، وكأن تاريخهم لا يخضع لما تخضع له تواريخ المجتمعات الأخرى من قوانين، وثقافتهم تتفوق على كل الثقافات، وتراثهم يختلف عن كل تراث، وهويتهم تنفرد بخصوصيات استثنائية. ظل هذا الشعور بالخصوصية والاستثناء يغذي الهوية باستمرار، حتى تصلبت وانغلقت على نفسها، وبلغت حالة تتخيل فيها أنها مكتفية بذاتها، وتعتقد أن كل ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدها به ماضيها. عندئذ يتحول التراث إلى منجم زاخر بكل ما هو ضروري للبناء والنهوض، وتتوهم هذه الهوية أن معارفها الموروثة تغنيها عن كل علم ومعرفة تبتكرهما المجتمعات الأخرى، بدعوى أن تلك المعارف منتجات أجنبية تنتهك خصوصيتها، وتهدد هويتها، وتقود إلى تغريبها.
في إطار الهوية المغلقة الساكنة، يخفق الإنسان في تحقيق حضور حقيقي في عالم يتغير فيه كل شيء، لأن الحضور الفعلي يفرض عليه أن يتغير مع تغير العالم. لم تعد أسوار أية هوية تعاند التاريخ قادرة على حماية نفسها أو الإبقاء على كل ما كان كما كان، في عالم بات فيه التغيير شرطًا للبقاء. حين تنغلق الثقافة والهوية والحضارة على ذاتها، وتتوهم أنها نهائية ومكتفية، تدخل مسار التراجع والاندثار، وتتعرض للنسيان. لا معرفة حية مكتفية بذاتها، ولا ثقافة حية مكتفية بذاتها، ولا هوية حية مكتفية بذاتها، ولا حضارة حية مكتفية بذاتها؛ فالحياة تتجدد بالانفتاح والتفاعل، ويبدأ الأفول حين تنغلق على نفسها وتكتفي بما ورثته من ماضيها.
كل هوية حية مركبة تغتني بالانفتاح والتفاعل مع غيرها من الهويات، وكل ثقافة حية مركبة تغتني بالتفاعل مع غيرها من الثقافات، وكل حضارة حية مركبة تنصهر فيها مكونات حضارات متعددة. لا تزدهر الحضارة إلا من خلال التفاعل الخلّاق للخبرات الإنسانية المشتركة، حين تلتقي في مركب أكثف ينتج أثمن ما أنجزه الإنسان في مسيرته الحضارية. موكب الحضارات عالمي ومحلي في آنٍ واحد. أما العلوم الطبيعية والعلوم الصرفة فهي علوم كونية، في حين يغلب البعد الكوني على العلوم الإنسانية، وإن ظلت تحمل بصمة العالم وثقافته وهويته. تعيد الهوية المغلقة بناء نظام معرفي خاص بها، وتحرص على تمييزه بلغة ومصطلحات خاصة، وتعمل على شيطنة المصادر الخارجية للمعرفة، خاصة في الفلسفة والعلوم الإنسانية، عبر تشويهها وتقويلها ما لا تقول. وأحيانًا تستعير بعض نظرياتها ومفاهيمها، ثم تخلع عليها تسميات تراثية لتبدو وكأنها من إنتاجها الخاص. يتجلى ذلك في محاولات "أسلمة" بعض العلوم الإنسانية، كعلم النفس، حين يُعاد إنتاج كثير من مفاهيمه الحديثة بأسماء مستمدة من التراث الديني، من دون إضافة معرفية حقيقية، ويتكرر الأمر نفسه في غيره من علوم الإنسان والمجتمع.
يوظَّف المقدس في الهوية المغلقة أداةً لاحتكار المعرفة، فيتحول التراث إلى مرجعية وحيدة تُقاس بها مشروعية المعارف وقبولها أو رفضها. وتُستعمل لغة عاطفية مشحونة بمفردات من قبيل "الغزو الثقافي" لتوصيف كل معرفة تأتي من خارج التراث، مع تعبئة المجتمع ضدها.
البحث عن الطمأنينة والبحث عن الحقيقة

د. عبد الجبار الرفاعي
البحث عن الطمأنينة شيء، والبحث عن الحقيقة شيء آخر. الطمأنينة ثمرة الحياة الروحية، أما الحقيقة فتبحث عنها الفلسفة والعلوم الطبيعية والإنسانية. إثراء الحياة الروحية يهب الإنسان سلام القلب وسكينة الروح، فيما توقظ الفلسفة والعلوم قلق العقل، وتدفعه إلى التساؤل المفتوح الذي لا يعرف خاتمة نهائية. الإنسانُ في أعماقه لا يطلب الحقيقة دائمًا بقدر ما يطلب الطمأنينة، لذلك يميل إلى كل ما يخفف قلقه الوجودي، ويمنحه شعورًا بالأمان والمعنى، حتى لو كان ما يتكئ عليه وهمًا لذيذًا. كثيرٌ من البشر لا يحتملون مواجهة الحقيقة حين تكون قاسيةً أو عاريةً بلا قناع، لذلك يفضلون أحيانًا أوهامًا دافئة تداوي هشاشتهم، وتمنح أرواحهم شيئًا من السكينة.
من مظاهر افتقار الفلسفة إلى معناها: السعي إلى الظفر بالطمأنينة من خلالها، لا السعي إلى اكتشاف الحقيقة. الفلسفة لا تمنح يقينًا نهائيًا بقدر ما توقظ الأسئلة الكبرى، وتدفع العقل إلى التفكير المفتوح في معنى الوجود والقضايا المجهولة أو المنسية. الفلسفة تفكيرٌ متسائل يُنهك العقل، ويبعث القلق الوجودي، ويوقظ في الإنسان أسئلةً قد تفضي إلى الاكتئاب، لأنها تدفعه إلى مواجهة وهنه، والتحديق في الحياة والمصير والموت، من دون أن تهبه أجوبة نهائية مطمئنة. يقول جيل دولوز: "وظيفة الفلسفة أن تبث الحزن، الفلسفة التي لا تُحزن أحداً ولا تُزعج أحداً ليست بفلسفة. فائدتها أن تُلحق الأذى بالغباء، أن تجعل الغباء شيئاً مخزيًا، وأن تفضح كل صور الدناءة الفكرية".
البحث عن الطمأنينة في الفلسفة استنزف عقل لاهوتيين أذكياء في الأديان المتنوعة، وعلماء كلام عباقرة في الإسلام. وظيفة الحياة الروحية في الدين اكتشاف منابع الطمأنينة، والخلاص من التساؤلات الأبدية المزعجة التي يطرحها باستمرار العقل الفلسفي، عبر أجوبة نهائية للأسئلة الميتافيزيقية الكبرى وغلقها. تواصل الفلسفة إيقاظ السؤال، وتدفع العقل إلى الارتحال الدائم في الأسئلة من دون محطة أخيرة. العقل اللاهوتي الذكي بارع، يمنح الإنسان الحائر فرصة للخلاص من مرارات القلق، لذلك يلجأ أحيانًا إلى تفكير ينتهي إلى غلق نافذة تلك الأسئلة. ولا يصل إلى ذلك إلا بالفرار من العقل الفلسفي، فينتهي إلى نتائج على الضد مما تقوده إليه الفلسفة. هكذا نراه يبدأ بمقدمات فلسفية ومنطقية، وينتهي إلى نتائج لاهوتية، بغية ترسيخ اليقين بمسلّمات اللاهوت وعلم الكلام، والظفر بكفّ العقل عن الأسئلة المثيرة. 
الفلسفة ضربٌ من التفكير العقلي خارج اللاهوت. لغةُ الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآةٌ لحدوده وآفاقه. لا تتكلم لغةُ الفلسفة ومفاهيمُها لغة اللاهوت والمتخيَّل والاسطورة واللامعقول ومفاهيمها، لأن لكلِّ حقلٍ لغته الخاصة في التعبير عن العالم وفهم الإنسان لوجوده. يظلّ العقل معيارًا وسلطةً على كل ضرب من أنشطة الذهن مهما كان.
واحدة من مشكلات التفكير الديني: التفكير بالفلسفة ضد الفلسفة، والتحدث والكتابة بلغة تحاكي لغةَ الفلسفة، إلا أنها تنتهي إلى نقيضها. يجري توظيف اللاهوت وعلم الكلم والتصوف داخل الفلسفة، كما يجري التفكير في فلسفة الدين بعقل كلامي أو فقهي، الأمرُ الذي ينقض كونها فلسفة دين. هذا ما نلمسه لدى مَن يفكرون في التعددية الدينية بعقل المتكلم أو الفقيه، إذ ينشدون الدفاع عن مسلّمات متوارثة، ولا ينشغلون بالتفكير الفلسفي في الدين، المولعبتفسير الظاهرة قبل الانشغال بالدفاع عنها، والتمحيص العقلي للأدلة على المعتقدات الدينية، وتبرير كل ما تتضمنه نصوصها وتفسيراتها عبر العصور، وقبوله كما هو، من دون مساءلة أو إعادة تفكير في سياقاته التاريخية ودلالاته الإنسانية، وما يعكسه من ظروف المجتمع الذي ولد الدين فيه، وما أنتجه المتخيَّل الفعّال للجماعات التي اعتنقته، وعاشت تحت إكراهات الواقع وتحولاته المتواصلة.
يتسيّد تفكير لاهوتي بالعربية يكتب الفلسفةَ برؤية علم الكلام للعالم ومقولاته، وذوق صوفي يكتب الفلسفةَ بمرآة التصوف ومكاشفاته. صارت هذه صنعةَ جماعة من المفكرين الذين نحتوا لأنفسهم أسماءً كبيرة، وأُغرم بهم شبابٌ عرب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلت كتابات هؤلاء المفكرين مواقعَ متقدمة في الجامعات والدراسات العليا، على الرغم من أنهم يفكرون في الفلسفة بعقلٍ كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفي، ويصدرون مقولات كلامية وفتاوى فقهية لا صلة لها بالتفكير الفلسفي، وإن تنكرت بلغة الفلاسفة، وتحدثت بمصطلحاتهم، وحاكت أساليبهم في التعبير. الإغواء في لغة هؤلاء يعود إلى توكئهم على لغة ومصطلحات ومفاهيم الفلسفة، وفلسفة المنطق، وفلسفة اللغة، والألسنيات، والعلوم الإنسانية الحديثة، وإن كانوا يعملون بمراوغة على تعبئتها بمضامين غريبة عنها، فتغدو وكأنها لاهوتٌ متنكر يتحدث بلغة الفلسفة، ويستعير معجمها، فيما يظلّ وفيًّا لمواقفه الكلامية وأحكامه الفقهية المسبقة.
هذه المحاولات المتنوعة تسعى إلى خلع غطاء ديني على الفلسفة، وتعمل على أسلمتها. أسلمة الفلسفة ضربٌ من التفلسف ضدّ الفلسفة، وإن كان مَن يدعو إلى ذلك عبقريًّا. هذا ليس غريبًا، فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا فذًّا في مجال يقظ من عقله، وعلى الضد من ذلك في مجال آخر نائم من عقله، تحكمه فيه المسلّمات الموروثة، ويعجز فيه عن ممارسة التفكير النقدي الذي يمارسه في مجالات أخرى. يتراجع العقل وينزاح بالتدريج، بعد أن تتسع المساحة النائمة فيه، فتعطّل ما هو يقظ. تدهشك قدرتُه على توظيف المغالطات المنطقية لعقله اليقظ، للاستدلال على أوهام عقله النائم. المراوغات الذهنية والثغرات المنطقية في تفكير العباقرة يتطلب تفسيرُها الانتباهَ إلى حضور هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. هذا هو السر الذي يجعل بعضهم يبدأ بمقدمات عقلية، وينتهي إلى نتائج غير معقولة، أو يشرع بالتفكير الفلسفي الحر، ثم ينتهي إلى يقين مغلق يناقض مقدماته الأولى.
العقل الفلسفي لا يتحقّق إلا أن تكون آفاقُه رحبة، يفكّر خارجَ المعتقدات والهويات والأيديولوجيات المغلقة. الأطر المقيِّدة للتفكير العقلي الحر تمارس تمويهًا بعنوانات مراوغة عبر الأدب والفن والدين والأسطورة، وأخطر أشكال هذا التمويه حين تتخفّى المعتقداتُ والأيديولوجيات والهويات من وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة.
العقل الفلسفي قلّما يتوطن في بيئة الثقافة الشعرية، لأن الفلسفة تعكس أعمق تجليات العقل البرهاني، فيما يتوالد الشعر ويزدهر في فضاء المخيّلة، ويعاند العقلَ البرهاني، ويحتفي بالإيحاء والحدس والصورة، أكثر من احتفائه بالاستدلال والبرهان. إن كانت البيئةُ فلسفيةً بالأصل، كما في ألمانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، تصبح بيئةً خصبة لظهور شعراء يبدعون شعرًا مشبعًا برؤيا فلسفية، على غرار فريدريش هولدرلين (1770 -1843)، وإن كانت بيئةُ الثقافة شعريةً بالأصل، فنادرًا ما نرى فيها ولادةَ فيلسوف، كما في تمركز الثقافة العربية على الشعر قبل الإسلام. الإنتاج الثقافي للبيئة يشبهها؛ ففي البيئة الفقيرة عقليًّا تسود ثقافةٌ تخيّلية، أما في البيئة الخصبة عقليًّا فتزدهر المعرفةُ المركبة العميقة، ويتسع أفقُ التفكير النقدي، وتتوالد أسئلةُ الفلسفة والعلوم والإنسانيات.
https://alsabaah.iq/133477-.html
في حين يحاول الرفاعي أن يؤسس لرؤية ترى في الدين مجالًا لإرواء العطش الوجودي، كما يعرفه بوصفه: "حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية"، شريطة أن يتحرر من الجمود والتوظيف الأيديولوجي، وأن يستعيد بعده الروحي والأخلاقي والإنساني.
https://almothaqaf.org/readings-2/988059
الظمأ الأنطولوجي عند عبد الجبار الرفاعي وعطش الكينونة عند تولستوي وهِرمان هِسّه وساراماغو

د. ناجي الفتلاوي
ابتداء اسمح لنفسي بصياغة مكثفة لمفهوم الظمأ الانطولوجي عند المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي ويمكنني القول: إن الظمأ الأنطولوجي هو شعور الإنسان الدائم بالنقص الوجودي الذي يدفعه إلى البحث عن المعنى والحقيقة والسكينة الروحية، بوصفه حاجةً أصيلةً في الكينونة الإنسانية لا تقل أهمية عن حاجاته البيولوجية. يرى الرفاعي أن الدين في جوهره التاريخي والروحي نشأ، استجابةً لهذا الظمأ، أي بوصفه محاولةً لإرواء عطش الإنسان إلى المعنى، لا مجرد منظومة من الأحكام والطقوس.
وانطلاقًا مما تقدم، وولوجًا إلى مقاربة رباعية يحضر فيها ليو تولستوي وجوزيه ساراماغو وهرمان هِسّه، فضلًا عن الرفاعي، يمكن أن ننتهي إلى تعريف مكثف "للظمأ الأنطولوجي" بأنه "صرخة الروح للاستيقاظ"، أو أنه "عطش الروح إلى المطلق، ذلك العطش الذي لا ترويه مباهج الدنيا، وإنما يرويه المعنى حين يستقر في أعماق الكينونة". فليس الجوع إلى الخبز وحده ما يحرك الإنسان، ولا العطش إلى الماء وحده ما يدفعه إلى البحث، ففي أعماق الكائن البشري عطش آخر أشد خفاءً وأكثر إلحاحًا، عطش لا ترويه الثروة ولا السلطة ولا الألقاب الزائفة ولا أوهام العظمة والشهرة، ولا لذة التعرف إلى تضاريس الحياة وتجاربها المتنوعة. إنه ما يسميه الرفاعي "الظمأ الأنطولوجي"، هو ذلك الشوق العميق إلى المعنى، والشعور بالحاجة إلى ما يمنح الوجود قيمة تتجاوز حدود اليومي والعابر. يرى الرفاعي أن الإنسان، فضلًا عن كونه كائنًا بيولوجيًا واجتماعيًا، هو أيضًا كائن معنوي وروحي يعيش قلقًا وجوديًا دائمًا، يمكن وصفه بالقلق النبيل، لأن في داخله فراغًا لا تستطيع المادة وما يترشح عنها أن تملأه. الظمأ الأنطولوجي عنده هو الحاجة الأصيلة إلى المعنى الخلاق، وإلى اكتشاف أسرار ما وراء الحياة والموت والألم والحب والمصير. إنه سؤال البدايات، والغوص بحثًا عن الجذور.
وعندما ننتقل إلى الروسي ليو تولستوي، الكاتب والمفكر والروائي المتوفى سنة 1910، نجد أنفسنا أمام تجربة مشابهة، وإن اختلفت اللغة والمصطلحات. فقد بلغ تولستوي قمة المجد الأدبي والاجتماعي، ثم وجد نفسه فجأة أمام سؤال مرعب: لماذا أعيش؟ وما جدوى هذا النجاح كله إذا كان الموت ينتظر الجميع؟ في كتابه "اعتراف" يصف تلك الأزمة الوجودية التي كادت تدفعه إلى الانتحار. لم يكن ينقصه شيء من متاع الدنيا، غير أن روحه كانت تصرخ طلبًا للمعنى. هنا يتجلى الظمأ الأنطولوجي في صورته الحادة؛ المشكلة ليست في فقدان الأشياء، وإنما في فقدان دلالتها.
أما هرمان هِسّه، الروائي الألماني السويسري وأحد أبرز كتّاب القرن العشرين، فقد عبّر عن هذا الظمأ بلغة أكثر شاعرية وروحانية، ففي "سدهارتا" و"دميان" و"ذئب البراري" تتكرر صورة الإنسان الذي يشعر بالغربة عن ذاته والعالم، فينطلق في رحلة داخلية بحثًا عن الحقيقة. والأزمة الوجودية عند هِسّه ليست لعنة، وإنما بداية تحول روحي؛ الروح لا تستيقظ إلا عندما تشعر بعدم كفاية الأجوبة الجاهزة، وتدرك أن الامتلاء الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما من رحلة اكتشاف الذات.
أما جوزيه ساراماغو، الروائي والكاتب والصحفي البرتغالي المتوفى سنة 2010، والحائز جائزة نوبل للآداب سنة 1998، فيقارب المسألة من زاوية مختلفة. ففي أعماله الروائية تتجلى هشاشة المعنى عندما تفقد المؤسسات قدرتها على إقناع الإنسان، ويجد الفرد نفسه وحيدًا أمام أسئلة المصير والحرية والمسؤولية. تبدو شخصياته وكأنها تعيش في عالم فقد يقينياته الكبرى، لكنها لا تتوقف عن البحث. إن الظمأ عند ساراماغو ليس بحثًا عن أجوبة نهائية، بقدر ما هو مقاومة للفراغ وإصرار على أن الإنسان لا يكتمل إلا بالسؤال، فهو كائن خُلق ليسأل.
وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الفكرية لهؤلاء الأربعة، فإن ثمة خيطًا عميقًا يجمع بينهم. الظمأ الأنطولوجي عند الرفاعي، وأزمة المعنى عند تولستوي، والرحلة الروحية عند هِسّه، والبحث القلق عند ساراماغو، كلها تعبر عن حقيقة واحدة مفادها أن الإنسان أكبر من حاجاته المادية، ففي داخله توق دائم إلى ما يتجاوز الواقع المباشر، وإلى ما يمنحه إحساسًا بأن حياته ليست حادثة عابرة في كون صامت.
غير أن الاختلاف يتجلى في مآلات هذا الظمأ؛ فتولستوي انتهى إلى الإيمان بوصفه جوابًا عن سؤال المعنى، ورأى هِسّه أن الطريق يمر عبر التجربة الروحية الفردية واكتشاف الذات، أما ساراماغو فظل أقرب إلى أفق السؤال المفتوح، حيث لا توجد إجابات نهائية بقدر ما توجد مسؤولية إنسانية مستمرة في مواجهة العبث.
التحربة الدينية في علم الكلام المعاصر: عبد الجبّار الرّفاعي أنموذجا، مريم عزيز عبد، كلية الآداب، جامعة واسط بالعراق، 2024.
23. موقف عبد الجبار الرفاعي من التراث الكلامي الإسلامي: عرض ومناقشة، شروق محمد محمد هاشم بصرة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، 2024.
24. الإنسان ومشكلة المعرفة في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منال عوني عبد الخالق غنيم،كلية الآداب بجامعة طنطا، مصر، 2025.
25. آفاق فلسفة الدين عربيا: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، بلبية فريحة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، بجامعة ابن خلدون، في مدينة تيارت، غربي الجزائر، 2025.
26. التجربة الدينية دراسة مقارنة بين محمد إقبال وعبد الجبار الرفاعي، فاطمة صالح عزيز، كلية الامام الكاظم ببغداد، 2025.
27. سؤال التجديد في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، اعداد: شيماء قدح، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة محمد بوضياف المسيلة في الجزائر، 2025.
28. تجديد الفكر الفلسفي والديني لدى عبد الجبار الرفاعي"، بلال الحمداني، كلية الإلهيات في جامعة دكوز ايلول في مدينة ازمير، تركيا، 2026.
29. منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه مقدمة في علم الكلام الجديد، محمود الطائي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الموصل، 2026.
30. علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة، مخلوف شمس الدين، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة عبد الحميد مهري، قسنطينة 02، الجزائر، 2026.
https://almothaqaf.org/e4/988062
تمت اليوم الخميس 11-6-2026 مناقشة رسالة الماجستير التي قدمها الطالب مخلوف شمس الدين في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة عبد الحميد مهري – قسنطينة 2، في الجزائر، بعنوان: "علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة". وقد مُنحت الرسالة تقدير "جيد جدًا". هذه الرسالة هي الثلاثون في تسلسل أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.
وفيما يأتي قائمة بأطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير التي تمت مناقشتها حتى اليوم:
أولا. الدكتوراه:
1. الفكر الإسلامي المعاصر والتجديد في علم الكلام: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، اطروحة دكتوراه، صافية مناد،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة وهران بالجزائر، 2020.
2. النزعة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر عند حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، اطروحة دكتوراه، حسين علي منصور، كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
3. في تأويلية علم الكلام: قراءة زمانية مركبة في أعمال يمنى طريف الخولي وباسل الطائي، وعبد الجبار الرفاعي ومحمد إقبال، إيمان مخينيني، أطروحة ما بعد الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سوسة في تونس، 2023.
4. الموقف من التصوف الإسلامي في الفكر العربي المعاصر: من العراق هادي العلوي، وعبد الجبار الرفاعي، ومن مصر زكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، ومن سوريا طيب تيزيني، وأدونيس، ومن المغرب محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن، اطروحة دكتوراه، رغد سليم داود، كلية الآداب في الجامعة المستنصرية ببغداد، 2024.
5. نقد العقل التراثي، جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: "عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي"، اطروحة دكتوراه، علي المدَن، جامعة الأديان والمذاهب بقم، 2016.

ثانيا. الماجستير:
6. التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، مروة حسن فرحان الأعرجي،كلية الآداب بجامعة الكوفة، 2017.
7. تفكيك بنية التعصب في الفكر الإسلامي: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، علي قاسم محمد، كلية العلو الإسلامية بجامعة بغداد، 2018.
8. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، أحمد لقمان فهمي، المعهد العالي للحضارة الإسلامية، جامعة الزيتونة، 2019.
9. علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي: عرض ومناقشة، راضية نوري، وفاء بن قطران، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر في الوادي بالجزائر، 2020.
10. الانهمام بالإنسان في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي نموذجا، بن شليخ مريم،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة عبد الحميد بن باديس في مستغانم بالجزائر، 2021.
11. التجديد الديني في الفكر الشيعي المعاصر: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، طارق أمين، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة في تونس، 2022.
12. التجديد في علم الكلام الأسلامي: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، أسعد صباح شنان،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2022.
13. مسألة الكرامة الإنسانية في علم الكلام المعاصر بين مشروعي عبد المجيد النجار وعبد الجبار الرفاعي، مسعودة الأعور، مروة عـــــزوز، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر الوادي، 2022.
14. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، سهيلة شريكي، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامـــــعة محمد بوضيـــــاف – مسيـــلة في الجزائر، 2022.
15. الإنسان بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد: الراغب الأصفهاني وعبد الجبار الرفاعي نموذجا، هاجر فرزولي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة -1 الحاج لخضر، الجزائر، 2023.
16. تجديد علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، حراث أنغام، مشري روفيدة، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامعة الشهيد الشيخ العربي التسي بتبسة، الجزائر، 2023.
17. الكرامة الإنسانية في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي من خلال كتابه الدين والكرامة الإنسانية، زينب بشار أحمد الخفاف، كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، 2023.
18. مبادئ تفسير القرآن عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي: دراسة نقدية،كلية العلوم والمعارف القرآنية في جامعة الاديان والمذاهب بقم، 2023.
19. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد: دراسة مقارنة بين محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي، داود سالم عيسى حسن،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2023.
20. مفهوم الوحي عند عبد الجبار الرفاعي وحيدر حب الله، سرى مقداد شاكر،كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
21. فلسفة الدّين في فكر عبد الجبّار الرّفاعي: أنسنة الإسلاميّات أم أسلمة الإنسانيّات؟، روي روبير عيد، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية، 2024.
22.
وهي رؤية تتكشف فيها الإمكانات المعرفية والإبستيمولوجية للقراء، لبناء فهمهم المتجدد لآيات القرآن، وكذلك سائر الكتب المقدسة في الأزمنة المتوالية.
يستمد كل إنسان فهمه من ذاته ووجوده الخاص، وأحكامه السابقة، وأفق انتظاره. يتلون الفهم على الدوام بفضاء الذات وخبراتها. لا يًفهم الإيمان إلا في فضاء الإيمان، فما لم يتحقق الإنسان بالحياة الروحية ليس بوسعه تقديم فهم واضح لها. مثلما لا يفهم طبيعة الحب إلا مَن يتذوق الحب، ولا يفهم البهجة إلا مَن تشرق نفسه ابتهاجًا بالنور، ولا يفهم القلق إلا مَن يمزقه القلق.
تنكشف ذات المفسر في كيفية تلقيه للنص وتفاعله معه، وفي الكيفية التي يعيد بها بناء معانيه وفهم دلالاته. لا يقرأ المفسر النص بعين محايدة منفصلة عن تكوينه المعرفي وخبرته الحياتية، إذ تتدخل رؤيته للعالم، ومسلّماته الفكرية، وخلفياته الثقافية، وأفق انتظاره في تشكيل فهمه وتأويله. كل تفسير يحمل بصمة صاحبه، ويعكس جانبًا من شخصيته العلمية والروحية والوجدانية. يرى المفسر ما تسمح له رؤيته باكتشافه، وما تتيحه أدواته المعرفية من إمكانات للفهم. النص الواحد قد يلد قراءات متعددة، لا لأن معناه متناقض، وإنما لتنوع تكوين المفسرين ومناهجهم وأسئلتهم وآفاق انتظارهم.
لا يرى المفسر في النص إلا ما تسمح له ذاته والواقع الذي يعيش فيه باكتشافه، وما تتيحه أدواته المعرفية من إمكانات للفهم. القراءة ليست استنساخًا لمعنى جاهز، وإنما هي حوار حي بين النص والقارئ والواقع، يتكشف فيه المعنى تدريجيًا، كما تتكشف فيه ذات المفسر. لذلك لا يخبرنا التفسير عن النص وحده، وإنما يخبرنا أيضًا عن الإنسان الذي يفسره، وعن رؤيته للعالم وموقفه من الحياة والإنسان والوجود، وعن حياته ونمط عيشه. في كل تفسير ينعكس شيء من أحلام المفسر وأسئلته وهموم عصره وتطلعاته، حتى يغدو التفسير مرآة للواقع ومرآة للمفسر في آن واحد.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386810