أما الرؤية التاريخية العلمية فتذهب إلى أن الأديان تتأثر بطبيعة المجتمعات الإنسانية المتنوعة، تبعًا لتنوع الزمان والمحيط والإثنية والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أن هناك تأثيرًا وتأثرًا متبادلًا بين الدين والمجتمع. مثلما يؤثر الدين في المجتمع، ويسهم في إنتاج رؤيته للعالم، ويعمل على صوغ نمط حياته، يعمل المجتمع أيضًا على إنتاج صورته الخاصة للدين، وصياغة نمط التدين الذي يشبهه. لو ظهرت البوذية في الجزيرة العربية لأضحت مشابهة للمجتمع العربي، ولو ظهرت الهندوسية في اليونان لأضحت مشابهة للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحية في الصين لأضحت مشابهة للمجتمع الصيني، وهكذا الحال في الأديان الأخرى. وكما تؤثر المجتمعات في الأديان، تؤثر الأديان في المجتمعات، فما فعلته البوذية في المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة لها لا يقل عن فعل المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة للبوذية فيها، وما فعله الإسلام بالأندلس لا يقل عن فعل الأندلس بالإسلام.
لا يكفي الحكم على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدونتها، أو بشهادات أتباعها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها، إنما يتم ذلك بمقارنتها بالديانات الأخرى، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعات، في الماضي والحاضر.
ليس هناك دين يحتكر المحبة والحريات والحقوق واحترام كرامة الكائن البشري، وليس هناك تاريخ دين منزه عن التعصب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان.ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصح نسيان مظالم الفتوحات الإسلامية، مثلما لا يصح نسيان مآسي الحروب الصليبية، والجرائم الشنيعة للصهيونية في فلسطين ولبنان وغيرهما.
المعروف عن البوذية أنها ديانة غير تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سلمًا، فلم يتحدث لنا التاريخ عن حروب تم خوضها أو دماء أبرياء سفكت باسمها، كما هو معروف عن ديانات أخرى، لكن مع كل ذلك تناقلت وسائل الإعلام صورًا ومشاهد مريعة لأعمال عنف مأساوية ضد مسلمي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعات بوذية بتحريض رهبان بوذيين متطرفين.
الموقف الأخلاقي يفرض على أتباع كل دين الكشف عن أرشيفات الماضي، وإعلان كل ما يختبئ فيها، وفضح منابع التعصب والكراهية في تراثهم مثلما يفضحونها لدى غيرهم، والاعتراف بأخطائهم كما يتحدثون عن أخطاء غيرهم.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386474
لا يكفي الحكم على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدونتها، أو بشهادات أتباعها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها، إنما يتم ذلك بمقارنتها بالديانات الأخرى، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعات، في الماضي والحاضر.
ليس هناك دين يحتكر المحبة والحريات والحقوق واحترام كرامة الكائن البشري، وليس هناك تاريخ دين منزه عن التعصب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان.ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصح نسيان مظالم الفتوحات الإسلامية، مثلما لا يصح نسيان مآسي الحروب الصليبية، والجرائم الشنيعة للصهيونية في فلسطين ولبنان وغيرهما.
المعروف عن البوذية أنها ديانة غير تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سلمًا، فلم يتحدث لنا التاريخ عن حروب تم خوضها أو دماء أبرياء سفكت باسمها، كما هو معروف عن ديانات أخرى، لكن مع كل ذلك تناقلت وسائل الإعلام صورًا ومشاهد مريعة لأعمال عنف مأساوية ضد مسلمي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعات بوذية بتحريض رهبان بوذيين متطرفين.
الموقف الأخلاقي يفرض على أتباع كل دين الكشف عن أرشيفات الماضي، وإعلان كل ما يختبئ فيها، وفضح منابع التعصب والكراهية في تراثهم مثلما يفضحونها لدى غيرهم، والاعتراف بأخطائهم كما يتحدثون عن أخطاء غيرهم.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386474
جريدة الزوراء العراقية
الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية
ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران الإنسان لا يعيش في فراغ ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه ، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه الدين كائن حي، يتشكل
الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية
د. عبد الجبار الرفاعي
الدين كائن حي، يتشكل ويتحول تبعًا لتحول أنماط الفهم والعيش. يتطور حين تنبض فيه الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، ويذبل حين تنغلق آفاقه ويغدو تفسير نصوصه أسير التكرار والاجترار. ما من ديانة بقيت على صورة واحدة في التاريخ؛ فكم من ديانة انفتحت على الإنسان والعالم ثم انكمشت في قوالب مغلقة، وكم من ديانة ضاقت آفاقها في مرحلة من تاريخها ثم استعادت حيويتها وانفتاحها في مرحلة أخرى. ذلك أن مفسري النصوص الدينية لا يقرؤونها خارج شروطهم الإنسانية، وإنما تتدخل في فهمهم رؤيتهم للعالم، وثقافتهم، ونمط عيشهم، ونشأتهم، وتربيتهم، وتكوينهم المعرفي، وأحكامهم المسبقة، وآفاق انتظارهم من الدين. من هنا يتجدد فهم النصوص بتجدد الإنسان، وتتغير طرائق تفسيرها بتغير الأسئلة التي يفرضها العصر، والحاجات التي يستيقظ عليها الوعي البشري في كل زمان. من هنا تنشأ الحاجة إلى تتابع النبوات في تاريخ الأديان، وإلى ظهور المصلحين والمجددين، وتنبثق الضرورة الدائمة لإصلاح التدين، وتجديد فهم الدين، وإعادة تفسير نصوصه بما يوقظ ما تختزنه من طاقات روحية وأخلاقية وجمالية قادرة على إرواء الظمأ الأنطولوجي للإنسان، وصون كرامته، وإثراء حياته، وتجديد صلته بالمعنى الروحي والأخلاقي الذي تتطلبه حياته في كل عصر.
دراسة أثر كل دين وأنماط التدين التي تتشكل في فضائه تتطلب أن يعتمد الدارس معادلة مثلثة للفهم، إذ لا بد أن يعاين الدارس ذلك الدين بوصفه نصًا أولًا، ويتعرف ثانيًا على شخصية الإنسان المعتقد بهذا النص فردًا ومجتمعًا، ويكتشف طبيعة الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسان وكل ما يحفل به عصره ثالثًا. هذه العناصر الثلاثة تشكل توليفة متفاعلة يؤثر كل منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماط التدين تبعًا لاختلاف الناس أفرادًا ومجتمعات، واختلاف واقعهم وعصرهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلاف كيفية تلقي النصوص الدينية. ربما يكون التدين دافئًا، لينًا، رقيقًا، رحيمًا، كما لدى القليل من الأشخاص الذين يولدون في واقع يستمعون فيه إلى صوت المحبة والعطف والشفقة والتراحم، ويحظون بتربية وتعليم سليمين. وربما يكون التدين شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرضون إلى اضطهاد وعنف في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمين.
تنشأ الثغرات في دراسة الأديان من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المثلثة للفهم، لذلك تتطلب دراسة الأديان أن يتعاطى الدارس مع نصوصها وتراثها الديني بمنطق الباحث الذي يعتمد مناهج البحث العلمي، وينشد فهم المغزى العميق لهذه النصوص، ويهمه التعرف على دلالات التراث في فضاء السياقات الخاصة التي تشكل فيها، والسعي لاكتشاف الآثار الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتها نصوص هذه الأديان، وكيفيات تمثلها في الحياة البشرية. ولا أظن أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها، لو كان الدارس مولعًا بالتبشير بمعتقده ولا يريد إلا ترويجه، والحرص على إدخال الآخر فيه، على وفق اعتقاده بأن معتقده هو الحق، وكل ما سواه باطل.
الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفية نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدراسات الدينية من الرؤية التقليدية، التي كانت ترى الدين ونصوصه مرجعية نهائية في تفسير وفهم كل شيء، إلى رؤية تخضع تعبيرات الدين وتجلياته في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تمثلات بشرية، وكل ما هو بشري يقع في مدارات عقل الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. وإن كانت نصوص الدين مقدسة، غير أن تفسيرها وتأويلها وفهمها يتجلى فيها الأفق التاريخي الذي يتموضع فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهم عابرًا للإطار المعرفي لذلك الإنسان.
ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران. الإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه. وتتجلى هذه المشروطيات في: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان، ولا يتجسد الدين في حياة الإنسان إلا من خلال هذه المشروطيات، إذ يتلقى الإنسان النص الديني ويفهمه ويؤول دلالاته في ضوئها. لذلك يتنوع فهم الدين وتفسير نصوصه بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم، واختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وتجاربهم في الحياة. النص الديني واحد، غير أن معناه يتكشف في آفاق متعددة، تبعًا لتنوع طرائق التلقي، وتعدد الخبرات الإنسانية، وتنوع الشروط التي يتكون في سياقها وعي الإنسان ورؤيته للعالم.
الرؤية اللاتاريخية للدين ترى الأديان قارة ساكنة، وكأن الأديان تؤثر في المجتمعات وتعمل على تغييرها من دون أن تتغير هي أو تتأثر.
د. عبد الجبار الرفاعي
الدين كائن حي، يتشكل ويتحول تبعًا لتحول أنماط الفهم والعيش. يتطور حين تنبض فيه الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، ويذبل حين تنغلق آفاقه ويغدو تفسير نصوصه أسير التكرار والاجترار. ما من ديانة بقيت على صورة واحدة في التاريخ؛ فكم من ديانة انفتحت على الإنسان والعالم ثم انكمشت في قوالب مغلقة، وكم من ديانة ضاقت آفاقها في مرحلة من تاريخها ثم استعادت حيويتها وانفتاحها في مرحلة أخرى. ذلك أن مفسري النصوص الدينية لا يقرؤونها خارج شروطهم الإنسانية، وإنما تتدخل في فهمهم رؤيتهم للعالم، وثقافتهم، ونمط عيشهم، ونشأتهم، وتربيتهم، وتكوينهم المعرفي، وأحكامهم المسبقة، وآفاق انتظارهم من الدين. من هنا يتجدد فهم النصوص بتجدد الإنسان، وتتغير طرائق تفسيرها بتغير الأسئلة التي يفرضها العصر، والحاجات التي يستيقظ عليها الوعي البشري في كل زمان. من هنا تنشأ الحاجة إلى تتابع النبوات في تاريخ الأديان، وإلى ظهور المصلحين والمجددين، وتنبثق الضرورة الدائمة لإصلاح التدين، وتجديد فهم الدين، وإعادة تفسير نصوصه بما يوقظ ما تختزنه من طاقات روحية وأخلاقية وجمالية قادرة على إرواء الظمأ الأنطولوجي للإنسان، وصون كرامته، وإثراء حياته، وتجديد صلته بالمعنى الروحي والأخلاقي الذي تتطلبه حياته في كل عصر.
دراسة أثر كل دين وأنماط التدين التي تتشكل في فضائه تتطلب أن يعتمد الدارس معادلة مثلثة للفهم، إذ لا بد أن يعاين الدارس ذلك الدين بوصفه نصًا أولًا، ويتعرف ثانيًا على شخصية الإنسان المعتقد بهذا النص فردًا ومجتمعًا، ويكتشف طبيعة الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسان وكل ما يحفل به عصره ثالثًا. هذه العناصر الثلاثة تشكل توليفة متفاعلة يؤثر كل منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماط التدين تبعًا لاختلاف الناس أفرادًا ومجتمعات، واختلاف واقعهم وعصرهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلاف كيفية تلقي النصوص الدينية. ربما يكون التدين دافئًا، لينًا، رقيقًا، رحيمًا، كما لدى القليل من الأشخاص الذين يولدون في واقع يستمعون فيه إلى صوت المحبة والعطف والشفقة والتراحم، ويحظون بتربية وتعليم سليمين. وربما يكون التدين شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرضون إلى اضطهاد وعنف في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمين.
تنشأ الثغرات في دراسة الأديان من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المثلثة للفهم، لذلك تتطلب دراسة الأديان أن يتعاطى الدارس مع نصوصها وتراثها الديني بمنطق الباحث الذي يعتمد مناهج البحث العلمي، وينشد فهم المغزى العميق لهذه النصوص، ويهمه التعرف على دلالات التراث في فضاء السياقات الخاصة التي تشكل فيها، والسعي لاكتشاف الآثار الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتها نصوص هذه الأديان، وكيفيات تمثلها في الحياة البشرية. ولا أظن أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها، لو كان الدارس مولعًا بالتبشير بمعتقده ولا يريد إلا ترويجه، والحرص على إدخال الآخر فيه، على وفق اعتقاده بأن معتقده هو الحق، وكل ما سواه باطل.
الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفية نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدراسات الدينية من الرؤية التقليدية، التي كانت ترى الدين ونصوصه مرجعية نهائية في تفسير وفهم كل شيء، إلى رؤية تخضع تعبيرات الدين وتجلياته في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تمثلات بشرية، وكل ما هو بشري يقع في مدارات عقل الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. وإن كانت نصوص الدين مقدسة، غير أن تفسيرها وتأويلها وفهمها يتجلى فيها الأفق التاريخي الذي يتموضع فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهم عابرًا للإطار المعرفي لذلك الإنسان.
ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران. الإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه. وتتجلى هذه المشروطيات في: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان، ولا يتجسد الدين في حياة الإنسان إلا من خلال هذه المشروطيات، إذ يتلقى الإنسان النص الديني ويفهمه ويؤول دلالاته في ضوئها. لذلك يتنوع فهم الدين وتفسير نصوصه بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم، واختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وتجاربهم في الحياة. النص الديني واحد، غير أن معناه يتكشف في آفاق متعددة، تبعًا لتنوع طرائق التلقي، وتعدد الخبرات الإنسانية، وتنوع الشروط التي يتكون في سياقها وعي الإنسان ورؤيته للعالم.
الرؤية اللاتاريخية للدين ترى الأديان قارة ساكنة، وكأن الأديان تؤثر في المجتمعات وتعمل على تغييرها من دون أن تتغير هي أو تتأثر.
جريدة الزوراء العراقية
الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية
ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران الإنسان لا يعيش في فراغ ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه ، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه الدين كائن حي، يتشكل
ومما زادنا ارتباطا بهذه المجلة الظاهرة الفكرية، أنها تقوم، في جميع مراحلها الفكرية والتحريرية والفنية، على عمل تطوعي شريف وغير مسبوق؛ إذ لا تتوفر لها ميزانية، كما تحرر مواضيعها في أكثر من بلد، ويقود فريق تحريرها عائلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بتدبير مقتدر من المناضلة (أم محمد)، الأم والزوجة، ويتولى الابن الإخراج والتنظيم، ويشرف الدكتور الرفاعي على العلاقات العامة، وعلى التواصل مع الكتاب، وعلى اقتراح المحاور، وعلى الإشراف العلمي على التحرير. فبهذا المجهود العائلي الاستثنائي، مازالت هذه المجلة مستمرة، لم تفرط لحظة في جودة المادة الفكرية التي تقدمها لقرائها على طول العالم العربي والإسلامي.
ومن خلال هذه المجلة – الظاهرة الفكرية، انفتحت أمام الشباب المغربي، في أكادير وغيره، آفاق جديدة للتفكير الديني؛ فاقتنعنا بأن التاريخ لم يعد يصنعه الأبطال ولا الأيديولوجيات، في هذا الزمن الإفتراضي الذي سطت فيه على الإنسان تكنولوجيا المعلوميات. كما لم يعد ممكنا التفكير المغلق داخل إطار المفاهيم والآراء الموروثة، بل لابد من تدشين حالة فكرية جديدة، تقوم على السؤال الذي ينسل منه سؤال وأسئلة، والخروج من دائرة الجزمية في المجال اللاهوتي، وصياغة رؤى تقوم على النقد والنقاش، خارج أي منطق تبشيري أو دعائي،ظاهر أو متستر، لمفكر أو لمركز أو لدولة أو لطائفة.
وظلت المجلة وفية لموضوعها الرئيس ، أي “المعرفة الدينية”؛ من منطلق أصالة الدين في حياة الإنسان، الدين مجسدا في السلوك والشعائر والطقوس والممارسات، من خلال تمثلات متنوعة تغشى الاجتماع البشري كله. فالدين ليس هامشيا في حياة الإنسان، كما تدعي بعض المقاربات المتحيزة والعدوانية ضد الدين وضد المتدينين، بل هو الحاسم في مراحل ومنعطفات هامة في التاريخ. فعمليات التغيير الاجتماعي والسياسي ترتبط، بشكل جدلي معقد ومتين، مع تحولات المقدس وتمثلاته وتوظيفه. حتى إن هابرماس اعتبر كل ماعدا الدين “ثرثرة ما بعد الحداثة”. وسعت المجلة من خلال دراستها والمقدمات التوجيهية لمديرها عبد الجبار الرفاعي إلى التأكيد على أن أبدية الدين لا تعني سكونه وجموده وثباته، بل هو متحرك ومتغير؛ فهو موجود باستمرار، لكن تجلياته متنوعة، كما أنه يتعرض لتوظيف الناس وتلاعباتهم؛ إذ يوظف في المعارك السياسية والصراعات الاجتماعية، كما يخضع لأنماط من التفسير والتأويل تستجيب لمتطلبات الفضاء البشري المتغير.
ورغم الطابع المعاصر والسجالي للقضايا الفكرية التي تطرقها المجلة، وكذا التداعيات السياسية لتلك القضايا، ظلت المجلة ذات منحى تخصصي، مما يعوق تداولها وانتشارها وسط عامة المثقفين والمهتمين. كما ظلت وفية لسقف الحرية المرتفع والواسع، وظلت أقدر من غيرها على استيعاب الأفكار والأفكار المضادة، سواء صدرت عن الحداثيين أو عن المحافظين. كما أخرجت، بأسلوبها الاستيعابي، القارئ من تقاطبات “الطائفية الثقافية والفكرية”، التي ترسخها بعض المنابر والمجلات والمراكز مما يغذي الاستقطاب الطائفي، ويزكي الصراع المذهبي المدمر على صعيد الأمة، من خلال الترويج لمذهبيات سياسية ميتة أو قاتلة، ومغلقة ومعادية للإنسان، ولحرياته وحقوقه.
وفتحت المجلة آفاق البحث الديني في المغرب، من خلال نشر أبحاث ودراسات معمقة في الفكر الديني لنخبة من الكتاب والباحثين والمفكرين المتخصصين، من خلال استثمار العلوم الاجتماعية والإنسانية في تحليل الظواهر الدينية. كما حملت تلك الأبحاث والدراسات والمقدمات نفسا شجاعا في المراجعات النقدية والحوارات والنقاش لمختلف المقولات والمفاهيم والرؤى المتداولة في المعرفة الدينية.
وتميزت المجلة بموضوعية التعامل مع الباحثين؛ إذ لم تتحيز لفئة دون أخرى، ولم تروج لمقولات مفكر دون غيره، وعادة ما تنشر الرأي والرأي النقيض، في القضية الواحدة، في إطار الاستيعاب النقدي للمعرفة الدينية وللتراث. وكان مساهمة، بذلك، في مساعدة القارئ على بناء عقلية نقدية وتركيبية، تنحاز لمطلب المعرفة على مطلب الأيديولوجيا. فالمجلة تعمق الفهم النقدي التركيبي للموروث الديني، وتدعو إلى التحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، باعتباره كما من النصوص يلزم حفظها واجترارها خارج عمليات التحليل والتدبر والنقد والتركيب. كما رسخت المجلة أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة في دراسة المعرفة الدينية، خاصة فلسفة العلم (الإبستمولوجيا)، وعلم النفس (السيكولوجيا)، وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)، وعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا)، والقانون، والعلوم السياسية، واللسانيات، والتأويليات (الهيرمينوطيقا)؛ استثمار أدواتها التحليلية والتفسيرية والإجرائية في قراءة النص الديني، ودراسة أنماط التجارب الدينية، والخبرات السلوكية المؤسسة على الإيمان الديني.
أطروحة عبد الجبار الرفاعي الفكرية
ومن خلال هذه المجلة – الظاهرة الفكرية، انفتحت أمام الشباب المغربي، في أكادير وغيره، آفاق جديدة للتفكير الديني؛ فاقتنعنا بأن التاريخ لم يعد يصنعه الأبطال ولا الأيديولوجيات، في هذا الزمن الإفتراضي الذي سطت فيه على الإنسان تكنولوجيا المعلوميات. كما لم يعد ممكنا التفكير المغلق داخل إطار المفاهيم والآراء الموروثة، بل لابد من تدشين حالة فكرية جديدة، تقوم على السؤال الذي ينسل منه سؤال وأسئلة، والخروج من دائرة الجزمية في المجال اللاهوتي، وصياغة رؤى تقوم على النقد والنقاش، خارج أي منطق تبشيري أو دعائي،ظاهر أو متستر، لمفكر أو لمركز أو لدولة أو لطائفة.
وظلت المجلة وفية لموضوعها الرئيس ، أي “المعرفة الدينية”؛ من منطلق أصالة الدين في حياة الإنسان، الدين مجسدا في السلوك والشعائر والطقوس والممارسات، من خلال تمثلات متنوعة تغشى الاجتماع البشري كله. فالدين ليس هامشيا في حياة الإنسان، كما تدعي بعض المقاربات المتحيزة والعدوانية ضد الدين وضد المتدينين، بل هو الحاسم في مراحل ومنعطفات هامة في التاريخ. فعمليات التغيير الاجتماعي والسياسي ترتبط، بشكل جدلي معقد ومتين، مع تحولات المقدس وتمثلاته وتوظيفه. حتى إن هابرماس اعتبر كل ماعدا الدين “ثرثرة ما بعد الحداثة”. وسعت المجلة من خلال دراستها والمقدمات التوجيهية لمديرها عبد الجبار الرفاعي إلى التأكيد على أن أبدية الدين لا تعني سكونه وجموده وثباته، بل هو متحرك ومتغير؛ فهو موجود باستمرار، لكن تجلياته متنوعة، كما أنه يتعرض لتوظيف الناس وتلاعباتهم؛ إذ يوظف في المعارك السياسية والصراعات الاجتماعية، كما يخضع لأنماط من التفسير والتأويل تستجيب لمتطلبات الفضاء البشري المتغير.
ورغم الطابع المعاصر والسجالي للقضايا الفكرية التي تطرقها المجلة، وكذا التداعيات السياسية لتلك القضايا، ظلت المجلة ذات منحى تخصصي، مما يعوق تداولها وانتشارها وسط عامة المثقفين والمهتمين. كما ظلت وفية لسقف الحرية المرتفع والواسع، وظلت أقدر من غيرها على استيعاب الأفكار والأفكار المضادة، سواء صدرت عن الحداثيين أو عن المحافظين. كما أخرجت، بأسلوبها الاستيعابي، القارئ من تقاطبات “الطائفية الثقافية والفكرية”، التي ترسخها بعض المنابر والمجلات والمراكز مما يغذي الاستقطاب الطائفي، ويزكي الصراع المذهبي المدمر على صعيد الأمة، من خلال الترويج لمذهبيات سياسية ميتة أو قاتلة، ومغلقة ومعادية للإنسان، ولحرياته وحقوقه.
وفتحت المجلة آفاق البحث الديني في المغرب، من خلال نشر أبحاث ودراسات معمقة في الفكر الديني لنخبة من الكتاب والباحثين والمفكرين المتخصصين، من خلال استثمار العلوم الاجتماعية والإنسانية في تحليل الظواهر الدينية. كما حملت تلك الأبحاث والدراسات والمقدمات نفسا شجاعا في المراجعات النقدية والحوارات والنقاش لمختلف المقولات والمفاهيم والرؤى المتداولة في المعرفة الدينية.
وتميزت المجلة بموضوعية التعامل مع الباحثين؛ إذ لم تتحيز لفئة دون أخرى، ولم تروج لمقولات مفكر دون غيره، وعادة ما تنشر الرأي والرأي النقيض، في القضية الواحدة، في إطار الاستيعاب النقدي للمعرفة الدينية وللتراث. وكان مساهمة، بذلك، في مساعدة القارئ على بناء عقلية نقدية وتركيبية، تنحاز لمطلب المعرفة على مطلب الأيديولوجيا. فالمجلة تعمق الفهم النقدي التركيبي للموروث الديني، وتدعو إلى التحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، باعتباره كما من النصوص يلزم حفظها واجترارها خارج عمليات التحليل والتدبر والنقد والتركيب. كما رسخت المجلة أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة في دراسة المعرفة الدينية، خاصة فلسفة العلم (الإبستمولوجيا)، وعلم النفس (السيكولوجيا)، وعلم الاجتماع (السوسيولوجيا)، وعلم الإناسة (الأنثروبولوجيا)، والقانون، والعلوم السياسية، واللسانيات، والتأويليات (الهيرمينوطيقا)؛ استثمار أدواتها التحليلية والتفسيرية والإجرائية في قراءة النص الديني، ودراسة أنماط التجارب الدينية، والخبرات السلوكية المؤسسة على الإيمان الديني.
أطروحة عبد الجبار الرفاعي الفكرية
عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في
المغرب
د.محمد همام
قرأت اسم عبد الجبار الرفاعي أول مرة في مجلة وجدتها عند صاحب كشك صغير بمدينة أكادير جنوب المغرب بعنوان: “قضايا إسلامية” منذ مايقرب من عشرين سنة؛ تحولت بعد ذلك إلى “قضايا إسلاميةمعاصرة”.أثارتني مواضيعها واستفزني الحس النقدي البارز الذي يسكن مقالاتها. كما أغرتني المقدمات النقدية التي يكتبها مديرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، أو يقدم بها لملفاتها الغنية والخطيرة والمتعلقة بتجديد التفكير الديني. وأصبحت مداوما على اقتنائها والاطلاع على أغلب دراساتها.
وفي سنة 2003م قدر لي أن أذهب إلى الحج، وقدر أن ألتقي بالدكتور عبد الجبار الرفاعي، في رحاب الحرم المكي، وعلى هامش ندوة الحج، التي تنظمها سنويا وزارة الحج السعودية، فاكتشفت أنه مفكر عراقي عاش بين العراق وايران ولبنان. ورافقته قرابة شهر، فاكتشفت فيه عالما متضلعا ومفكر ناقدا ومثقفا عضويا استثنائيا. وجدت الرجل صاحب شبكة علاقات متنوعة وغنية تربطه بكل ألوان الطيف الفكري في العالم العربي والإسلامي. والعجيب في هذا الرجل أنه انفتح علي من دون حواجز، واصطحبني معه إلى جل الملتقيات الفكرية التي يحضرها في الحج،وهي كثيرة بالمناسبة. ورافقته في زيارة استثنائية للعلامة محمد حسين فضل الله،رحمه الله، وقضينا معه لحظات فكرية ممتعة ومتنوعة، رفقة صديقي الدكتور فريد شكري، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، والدكتور سعيد شبار، الأستاذ بجامعة “مولاي سليمان ببني ملال، المغرب.
وخلال مدة شهر، اكتشفت عبد الجبار الإنسان والعالم؛رجل هادئ الطباع وغني من حيث الاطلاع الإسلامي، صاحب قدرة فكرية ومنهجية على تركيب أفكار نقدية واجتهادية، وبروح نقدية عميقة، وسعة صدر رحبة ومثيرة. باحث ومفكر مطلع على التراث ومستوعب بشكل متعمق لثقافة العصر، ومدارسه الفلسفية والفكرية والنقدية.رجل متخلق وعميق التدين؛ رأيته يرتعش ويبكي أمام الكعبة، كما رأيته بحسه النقدي الصارم، وشجاعته الفكرية عند النزال المعرفي والمقاربة التحليلية للفكر الديني، فاكتشفت فلسفته الفكرية والتي عبر لي عنها، وكتبها أكثر من مرة، وهي أن الدين أبدي في الحياة البشرية، وأن نزعة التدين كما يعيشها تمثل بالنسبة له ظمأ أنطولوجيا لا يروى، وهو الذي كان يقول لي في مكة، ونحن في الفندق، في العزيزية بمكة، في منتصف الليل، هيا بنا إلى الحرم لنرتوي بالنظر إلى الكعبة والصلاة ! فظمؤه الديني يروى بالتواصل مع المطلق، والذي يتجسد عنده في الإيمان والأخلاق والنزعة الإنسانية.
ومن خلال هذه “الصحبة” لهذا العالم المتخلق، ازددت يقينا بقيمة النقد من داخل الفضاء الديني، وبقدرة الفكر النقدي على بناء معمار ديني مملوء بالإنسانية والأخلاقية والإيمان، قادر على إرواء ظمأ الإنسان المعاصرالحائر.
وعند عودتي إلى المغرب تمتنت اتصالاتي بعبد الجبار عبر الإنترنيت،وأخبرت زملائي الباحثين بعلاقاتي به، وعرفت بفكره، وبمجلته وسط أصدقائي في أكادير أولا، ثم في المغرب ثانيا، وعند بعض أصدقائي في بلاد أخرى. وكنا ننتظر، بشوق كبير، صدور عدد جديد من المجلة التي كان لها الأثر الكبير على الشباب الديني في أكادير وفي المغرب، وكنا عندها حديثي عهد بمغادرة التنظيم، والبحث عن آفاق جديدة ورحبة، لا تضيق بالسؤال وبالنقد.
دور مجلة قضايا إسلامية معاصرة في تعزيز مسار التجديد الديني في المغرب
عرفت من خلال ملازمتي وصحبتي للدكتور عبد الجبار الرفاعي في مكة خبايا هذه المجلة – الظاهرة الفكرية ! فقد تأسست أولا سنة 1994 تحت اسم ” قضايا إسلامية”،ثم أصبحت “قضايا إسلامية معاصرة”، تحمل رسالة طموحة وعنيدة وأحلاما عريضة بتجديد الفكر الديني وتحديثه بروح اجتهادية متوثبة وحس نقدي شجاع. فأخرجت بذلك المجلة نقاشات المثقفين الدينيين، ذوي النزوع النقدي، من الحلقات المغلقة والجلسات المحدودة في الحوزة العلمية في قم، لتلتحم بالنقاشات النقدية في الفضاء السني، في مجال التداول العام. وكأني بالمجلة تعيد الدور الذي قام به المفكر القلق أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، لما أخرج مناقشات “إخوان الصفا”، إلى العلن وضمنها كتابه “المقابسات” ! ودعمت المجلة خطها الفكري بسلاسل كتب تجاوزت اليوم المائة، وبمركز يسمى: “مركز دراسات فلسفة الدين” في بغداد، في إطار فلسفة فكرية تقوم على النقد والطموح الجامح للتجديد والاجتهاد وإعادة بناء النظام الفكري والديني للأمة.
المغرب
د.محمد همام
قرأت اسم عبد الجبار الرفاعي أول مرة في مجلة وجدتها عند صاحب كشك صغير بمدينة أكادير جنوب المغرب بعنوان: “قضايا إسلامية” منذ مايقرب من عشرين سنة؛ تحولت بعد ذلك إلى “قضايا إسلاميةمعاصرة”.أثارتني مواضيعها واستفزني الحس النقدي البارز الذي يسكن مقالاتها. كما أغرتني المقدمات النقدية التي يكتبها مديرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، أو يقدم بها لملفاتها الغنية والخطيرة والمتعلقة بتجديد التفكير الديني. وأصبحت مداوما على اقتنائها والاطلاع على أغلب دراساتها.
وفي سنة 2003م قدر لي أن أذهب إلى الحج، وقدر أن ألتقي بالدكتور عبد الجبار الرفاعي، في رحاب الحرم المكي، وعلى هامش ندوة الحج، التي تنظمها سنويا وزارة الحج السعودية، فاكتشفت أنه مفكر عراقي عاش بين العراق وايران ولبنان. ورافقته قرابة شهر، فاكتشفت فيه عالما متضلعا ومفكر ناقدا ومثقفا عضويا استثنائيا. وجدت الرجل صاحب شبكة علاقات متنوعة وغنية تربطه بكل ألوان الطيف الفكري في العالم العربي والإسلامي. والعجيب في هذا الرجل أنه انفتح علي من دون حواجز، واصطحبني معه إلى جل الملتقيات الفكرية التي يحضرها في الحج،وهي كثيرة بالمناسبة. ورافقته في زيارة استثنائية للعلامة محمد حسين فضل الله،رحمه الله، وقضينا معه لحظات فكرية ممتعة ومتنوعة، رفقة صديقي الدكتور فريد شكري، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية، والدكتور سعيد شبار، الأستاذ بجامعة “مولاي سليمان ببني ملال، المغرب.
وخلال مدة شهر، اكتشفت عبد الجبار الإنسان والعالم؛رجل هادئ الطباع وغني من حيث الاطلاع الإسلامي، صاحب قدرة فكرية ومنهجية على تركيب أفكار نقدية واجتهادية، وبروح نقدية عميقة، وسعة صدر رحبة ومثيرة. باحث ومفكر مطلع على التراث ومستوعب بشكل متعمق لثقافة العصر، ومدارسه الفلسفية والفكرية والنقدية.رجل متخلق وعميق التدين؛ رأيته يرتعش ويبكي أمام الكعبة، كما رأيته بحسه النقدي الصارم، وشجاعته الفكرية عند النزال المعرفي والمقاربة التحليلية للفكر الديني، فاكتشفت فلسفته الفكرية والتي عبر لي عنها، وكتبها أكثر من مرة، وهي أن الدين أبدي في الحياة البشرية، وأن نزعة التدين كما يعيشها تمثل بالنسبة له ظمأ أنطولوجيا لا يروى، وهو الذي كان يقول لي في مكة، ونحن في الفندق، في العزيزية بمكة، في منتصف الليل، هيا بنا إلى الحرم لنرتوي بالنظر إلى الكعبة والصلاة ! فظمؤه الديني يروى بالتواصل مع المطلق، والذي يتجسد عنده في الإيمان والأخلاق والنزعة الإنسانية.
ومن خلال هذه “الصحبة” لهذا العالم المتخلق، ازددت يقينا بقيمة النقد من داخل الفضاء الديني، وبقدرة الفكر النقدي على بناء معمار ديني مملوء بالإنسانية والأخلاقية والإيمان، قادر على إرواء ظمأ الإنسان المعاصرالحائر.
وعند عودتي إلى المغرب تمتنت اتصالاتي بعبد الجبار عبر الإنترنيت،وأخبرت زملائي الباحثين بعلاقاتي به، وعرفت بفكره، وبمجلته وسط أصدقائي في أكادير أولا، ثم في المغرب ثانيا، وعند بعض أصدقائي في بلاد أخرى. وكنا ننتظر، بشوق كبير، صدور عدد جديد من المجلة التي كان لها الأثر الكبير على الشباب الديني في أكادير وفي المغرب، وكنا عندها حديثي عهد بمغادرة التنظيم، والبحث عن آفاق جديدة ورحبة، لا تضيق بالسؤال وبالنقد.
دور مجلة قضايا إسلامية معاصرة في تعزيز مسار التجديد الديني في المغرب
عرفت من خلال ملازمتي وصحبتي للدكتور عبد الجبار الرفاعي في مكة خبايا هذه المجلة – الظاهرة الفكرية ! فقد تأسست أولا سنة 1994 تحت اسم ” قضايا إسلامية”،ثم أصبحت “قضايا إسلامية معاصرة”، تحمل رسالة طموحة وعنيدة وأحلاما عريضة بتجديد الفكر الديني وتحديثه بروح اجتهادية متوثبة وحس نقدي شجاع. فأخرجت بذلك المجلة نقاشات المثقفين الدينيين، ذوي النزوع النقدي، من الحلقات المغلقة والجلسات المحدودة في الحوزة العلمية في قم، لتلتحم بالنقاشات النقدية في الفضاء السني، في مجال التداول العام. وكأني بالمجلة تعيد الدور الذي قام به المفكر القلق أبو حيان التوحيدي، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، لما أخرج مناقشات “إخوان الصفا”، إلى العلن وضمنها كتابه “المقابسات” ! ودعمت المجلة خطها الفكري بسلاسل كتب تجاوزت اليوم المائة، وبمركز يسمى: “مركز دراسات فلسفة الدين” في بغداد، في إطار فلسفة فكرية تقوم على النقد والطموح الجامح للتجديد والاجتهاد وإعادة بناء النظام الفكري والديني للأمة.
هسبيريس
عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في المغرب
قرأت اسم عبد الجبار الرفاعي أول مرة في مجلة وجدتها عند صاحب كشك صغير بمدينة أكادير جنوب المغرب....
إن المتأمل في المنجز الفكري الواسع للدكتور عبد الجبار الرفاعي، يمكن أن يلخصه في فكرتين أساسيتين ومنطلق منهجي، مما كان له الأثر الواسع على البحث الديني الحديث، ليس في المغرب وحسب، بل في العالم الإسلامي برمته؛ والفكرتان هما: إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وتحديث التفكير الديني، والمنطلق المنهجي هو: المنطلق الذاتي للتحديث.
ويتجلى مطلب إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، عند عبد الجبار الرفاعي، في سعيه إلى تحرير الدين مما يسميه بـ “الفهم المتوحش”؛ فهم يحول الدين إلى منبع للعدوان والتعصب والكراهية. ويكون التحرير والإنقاذ بكشف النزعة الإنسانية العميقة في الدين والمتمثلة في الجوانب التنزيهية السامية، والتي تصطفي الإنسان، وترفع مكانته ،وتلح على تكريمه، حيا وميتا، وأن حياته هي مناط الاستخلاف والتكليف، وموطن المسؤولية والأمانة التي يحملها.
ويقتضي إبراز النزعة الإنسانية في الدين، بنظر عبد الجبار الرفاعي، تخليصه من التوظيفات البغيضة التي زجت به في حروب دموية “مقدسة”، واستعماله للتحريض على الموت، وتعبئة الأتباع وإلقائهم في معارك تنتهك كافة المحرمات. كما تقتضي هذه الوظيفة الإنقاذية تجاوز الأطروحات التحديثية المقلدة، خصوصا في العالم العربي، والتي تربط النزعة الإنسانية بسياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية غربية، تشكلت في القرن الثامن عشر في أوربا بعد القطيعة مع اللاهوت الديني الوسيطي؛ أي أن النزعة الإنسانية، وفق هذه المقاربة المحدودة، لا يمكن أن تتمحور حول “الاله”، وإنما حول “الإنسان”، وهو ما لم يحصل في الماضي ويحصل اليوم ! لكن القراءة النقدية للتاريخ، والقراءة التحليلية للنصوص الدينية،والتقويم النقدي للموروث الديني الإسلامي، هذا العمل الذي أنجزه عبد الجبار الرفاعي وينجزه، هو الذي يمكننا، بنظره ، من النفاذ إلى البؤر المضيئة في النصوص، والتراث المتنوع الذي يحمله؛ من منطلقات أساسية، وأهداف عامة، ومقاصد كلية، بعيدا عن الإسقاطات الأيديولوجية الإقصائية والمعتقدات القمعية. عندها نستطيع، بنظر الرفاعي، التخلص من نزعات الهيمنة بالدين، وإخضاع الناس، ومراقبة الضمائر، وتفتيش العقائد.
إن إحياء النزعة الإنسانية في الدين، من منظور الرفاعي، يقوض الطاغوت، ويفضح المشروعيات الزائفة القائمة على تأويل متوحش للدين. والنزعة الإنسانية لا تنتعش إلا في أجواء الحرية والديمقراطية، وسيادة قيم التعدد والاختلاف المؤسسة للمجتمع المتمدن.
ولا يخفي عبد الجبار الرفاعي أن مجهود إحياء النزعة الإنسانية في الدين سيتعرض لمقاومة اللاهوت الكلاسيكي القائم على التفسيرات المتعسفة والقمعية للنصوص، وعلى الصورة النمطية “للإله” المستلب لحالات ذهنية ومصالح اجتماعية للاهوتيين أو السياسيين.فالنزعة الإنسانية في الدين تستلهم الصفات الجمالية للاله وأسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، البارئ، المصور، الوهاب، الرزاق، البصير، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم… وهذا الاستحضارالإنساني والجمالي للإله، يعاكس المقاربات السلفية التي تتكتم عن المعاني الإنسانية في الدين، لتنحت دينا خاصا بها، وتشكله في إطار وعيها وخلفياتها وتحيزاتها وافتراضاتها الذهنية؛ دين غريب عن الدين المؤسس؛ أو قل بتعبيرعلي شريعتي: “دين ضد الدين”، أو بتعبير الصادق النيهوم: “إسلام ضد الإسلام” ! دين مشبع بالإكراه والقيود والإصر والأغلال؛ أي مجموعة من المقولات والشعارات المغلقة التي تستنزف الطاقة الحيوية والإبداعية والإنسانية لرسالة الدين، وتحوله إلى ركام من الأعباء ينوء الناس بحملها؛ دين مملوء بقيم بدوية رديئة.
إن إنقاذ النزعة الإنسانية للدين، من منظور الأطروحة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي، تعني استيعاب الحياة الروحية الخصبة في الدين، وإحياء التجارب الإيمانية المتنوعة، للعيش في عالم ممتلئ بالمعنى، يتخلق فيه الإنسان بأخلاق الله، وفي مقدمتها حب الآخرين، وتمني الخير لهم. فالحب هو منبع إلهام الحياة الروحية، ومصدر الانجذاب إلى الله تعالى. والحب رحمة، وهو الابتعاد عن مظاهر الكراهية والإكراه.
أما فكرة تحديث التفكير الديني، في المشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي، فيمكن تلمس معالمه في المقدمات التي يضعها الرفاعي بين يدي الملفات المتخصصة للمحلة؛ وكذا في الدراسات التي ينشرها في أكثر من منبر؛ فقد تعرضت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” بالنقد والدراسة والتحليل للمؤسسات الدينية، باعتبارها نمطا من التمثلات الاجتماعية للدين، وبحكم تأطيرها داخل سوسيولوجيا الجماعة ومطامعها وأغراضها وانتظاراتها ونماذجها المعرفية. فالمؤسسة، سواء كانت دينية أو سياسية، هي تعبير عن المصالح، الظاهرة والخفية، في المجتمع. لذلك تتم دراسة الظاهرة الدينية كظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة عابرة للمجتمع والتاريخ، كما تريد أن تقنعنا به التيارات الدوغمائية والمثالية.
ويتجلى مطلب إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، عند عبد الجبار الرفاعي، في سعيه إلى تحرير الدين مما يسميه بـ “الفهم المتوحش”؛ فهم يحول الدين إلى منبع للعدوان والتعصب والكراهية. ويكون التحرير والإنقاذ بكشف النزعة الإنسانية العميقة في الدين والمتمثلة في الجوانب التنزيهية السامية، والتي تصطفي الإنسان، وترفع مكانته ،وتلح على تكريمه، حيا وميتا، وأن حياته هي مناط الاستخلاف والتكليف، وموطن المسؤولية والأمانة التي يحملها.
ويقتضي إبراز النزعة الإنسانية في الدين، بنظر عبد الجبار الرفاعي، تخليصه من التوظيفات البغيضة التي زجت به في حروب دموية “مقدسة”، واستعماله للتحريض على الموت، وتعبئة الأتباع وإلقائهم في معارك تنتهك كافة المحرمات. كما تقتضي هذه الوظيفة الإنقاذية تجاوز الأطروحات التحديثية المقلدة، خصوصا في العالم العربي، والتي تربط النزعة الإنسانية بسياقات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية غربية، تشكلت في القرن الثامن عشر في أوربا بعد القطيعة مع اللاهوت الديني الوسيطي؛ أي أن النزعة الإنسانية، وفق هذه المقاربة المحدودة، لا يمكن أن تتمحور حول “الاله”، وإنما حول “الإنسان”، وهو ما لم يحصل في الماضي ويحصل اليوم ! لكن القراءة النقدية للتاريخ، والقراءة التحليلية للنصوص الدينية،والتقويم النقدي للموروث الديني الإسلامي، هذا العمل الذي أنجزه عبد الجبار الرفاعي وينجزه، هو الذي يمكننا، بنظره ، من النفاذ إلى البؤر المضيئة في النصوص، والتراث المتنوع الذي يحمله؛ من منطلقات أساسية، وأهداف عامة، ومقاصد كلية، بعيدا عن الإسقاطات الأيديولوجية الإقصائية والمعتقدات القمعية. عندها نستطيع، بنظر الرفاعي، التخلص من نزعات الهيمنة بالدين، وإخضاع الناس، ومراقبة الضمائر، وتفتيش العقائد.
إن إحياء النزعة الإنسانية في الدين، من منظور الرفاعي، يقوض الطاغوت، ويفضح المشروعيات الزائفة القائمة على تأويل متوحش للدين. والنزعة الإنسانية لا تنتعش إلا في أجواء الحرية والديمقراطية، وسيادة قيم التعدد والاختلاف المؤسسة للمجتمع المتمدن.
ولا يخفي عبد الجبار الرفاعي أن مجهود إحياء النزعة الإنسانية في الدين سيتعرض لمقاومة اللاهوت الكلاسيكي القائم على التفسيرات المتعسفة والقمعية للنصوص، وعلى الصورة النمطية “للإله” المستلب لحالات ذهنية ومصالح اجتماعية للاهوتيين أو السياسيين.فالنزعة الإنسانية في الدين تستلهم الصفات الجمالية للاله وأسمائه الحسنى: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، البارئ، المصور، الوهاب، الرزاق، البصير، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم… وهذا الاستحضارالإنساني والجمالي للإله، يعاكس المقاربات السلفية التي تتكتم عن المعاني الإنسانية في الدين، لتنحت دينا خاصا بها، وتشكله في إطار وعيها وخلفياتها وتحيزاتها وافتراضاتها الذهنية؛ دين غريب عن الدين المؤسس؛ أو قل بتعبيرعلي شريعتي: “دين ضد الدين”، أو بتعبير الصادق النيهوم: “إسلام ضد الإسلام” ! دين مشبع بالإكراه والقيود والإصر والأغلال؛ أي مجموعة من المقولات والشعارات المغلقة التي تستنزف الطاقة الحيوية والإبداعية والإنسانية لرسالة الدين، وتحوله إلى ركام من الأعباء ينوء الناس بحملها؛ دين مملوء بقيم بدوية رديئة.
إن إنقاذ النزعة الإنسانية للدين، من منظور الأطروحة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي، تعني استيعاب الحياة الروحية الخصبة في الدين، وإحياء التجارب الإيمانية المتنوعة، للعيش في عالم ممتلئ بالمعنى، يتخلق فيه الإنسان بأخلاق الله، وفي مقدمتها حب الآخرين، وتمني الخير لهم. فالحب هو منبع إلهام الحياة الروحية، ومصدر الانجذاب إلى الله تعالى. والحب رحمة، وهو الابتعاد عن مظاهر الكراهية والإكراه.
أما فكرة تحديث التفكير الديني، في المشروع الفكري لعبد الجبار الرفاعي، فيمكن تلمس معالمه في المقدمات التي يضعها الرفاعي بين يدي الملفات المتخصصة للمحلة؛ وكذا في الدراسات التي ينشرها في أكثر من منبر؛ فقد تعرضت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” بالنقد والدراسة والتحليل للمؤسسات الدينية، باعتبارها نمطا من التمثلات الاجتماعية للدين، وبحكم تأطيرها داخل سوسيولوجيا الجماعة ومطامعها وأغراضها وانتظاراتها ونماذجها المعرفية. فالمؤسسة، سواء كانت دينية أو سياسية، هي تعبير عن المصالح، الظاهرة والخفية، في المجتمع. لذلك تتم دراسة الظاهرة الدينية كظاهرة اجتماعية وليست ظاهرة عابرة للمجتمع والتاريخ، كما تريد أن تقنعنا به التيارات الدوغمائية والمثالية.
ولكن، رغم ذلك، فالمؤسسة الدينية، وهي منطلق التحديث الديني بنظر الرفاعي، تتمتع بسلطة معنوية ورمزية رهيبة؛ إذ تخضع، بشكل طوعي، أتباعها، وتوفر لذاتها من خلالهم إمكانيات ضخمة مادية ومعنوية. لذا فإن التحديث الديني لابد أن يمس المؤسسة الدينية لدورها الخطير في المجتمعات التقليدية. وتحديث هذه المؤسسة، بنظر الرفاعي، له ارتباط جدلي وثيق بتحديث المجتمع الذي يحضنها وتنمو فيه وتتحرك وتؤثر. وعليه، لابد من إقناع المؤسسة الدينية بضرورة التحديث، من منطلق أن المعرفة الدينية جزء من المعرفة البشرية المتداخلة والمتشابكة، من منظور فلسفة العلم، مما يقتضي استجابة المعرفة الدينية في بناها التحتية العميقة للتحولات التي تعرفها المعرفة البشرية، وإلا ستبقى خارج التاريخ وخارج التطور وخارج الأجندة الإنسانية المعاصرة.
ويحدد الرفاعي منطلقا منهجيا أساسيا لإنجاز هذه المهمات التجديدية في المعرفة الدينية، وهو ما يسميه ب “المنطق الذاتي للتحديث”؛ أي المراهنة على التحديث من داخل الفضاء الديني، وتجاوز المنطق الخارجي في التحديث الذي رفع لواءه رفاعة رافع الطهطاوي، والذي وصل إلى الباب المسدود، وعمق التقاطب الجذري بين الإسلاميين والعلمانيين؛ كتجل سياسي اليوم لفشل مشروع التحديث الديني من الخارج.
إن تحديث التفكير الديني من خارج المؤسسة الدينية، ومن خارج الفضاء الديني، بنظر عبد الجبار الرفاعي، عملية محدودة وفاشلة، في غياب الاستيعاب الداخلي للمنطق الديني، واستئناف وتركيب المعارف الإسلامية. ولهذا السبب يكون تجديد الفقهاء وعلماء الدين، على الرغم من محدوديته من حيث السعة العقلية والفكرية، أكثر أثرا ممن يحملون لواء التحديث من خارج الفضاء الديني. ولنا عبرة في حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها مارتن لوثر. فتحديث المسجد لا ينبثق إلا من داخل المسجد، عندها يتوفر التحديث على المشروعية، كما يتوفر له حامل اجتماعي، الشيء الذي تفتقده الدعوات التحديثية من خارج الفضاء الديني، فتبقى معزولة بدون أثر، لأنها تقدم نماذج تحديثية هجينة ومغتربة بل وممسوخة، غير قادرة على التأثير على الحركات الاجتماعية والسياسية، عكس عمليات التحديث الذاتي بمنطق داخلي، مدعمة بمشروعية ذات عمق سوسيولوجي وأنثروبولوجي، وليس عمقا ميتافيزيقيا أو فقهيا وحسب. ويعمق من هذه المفارقة ركوب النماذج التحديثية من خارج الفضاء الديني على مقاربات ضحلة للدين والمقدس بعامة، تفتقد إلى التعمق في الدين ودراسة التراث الديني، والمعرفة الدقيقة بمسالكه ودروبه، فتقتصر تلك المقاربات التحديثية من خارج، على الشعارات، وسرعان ما تتحول إلى مدونات في السباب والتهجم على الدين وعلى المتدينين بعناوين هجائية صاخبة وعصابية، ومقولات جارحة للضمير الديني للناس؛ هجاء لمقدساته ورموزه بعبارات قاسية وصادمة، مما يولد ردود فعل عنيفة من الناس، الذين تنتابهم حالة نفسية دفاعية وطبيعية بسبب خشيتهم على مقدساتهم ورموزهم الدينية، وهي عندهم ممتلكات رمزية وروحية ثمينة، مما يزيد يكرس حالة من التدين ذي البعد الواحد، والذي تنادي به الجماعات السلفية فتهدر، بذلك، مضامين الدين الروحانية والمعنوية والإنسانية.
إن عبد الجبار الرفاعي،المفكر العراقي الرحالة، لم يكن مدير مجلة وحسب، كما أن المجلة لم تكن منبرا إعلاميا وحسب، بل أبدع مجلة هي في حد ذاتها ظاهرة ثقافية معاصرة، حاملة لروح التجديد الديني بمنطق ذاتي، وكان بمثابة منسق لخطوط فكرية تبدو متباعدة، لكنه استطاع تقريبها وخلق التكامل بينها بحكم خبرته الفكرية الواسعة، من أجل تجديد ديني ذاتي ينزع نزوعا إنسانيا خارج المذهب وخارج الطائفة. لذا لن يستغرب قارئ المجلة وجود عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان ومجتهد شبستري إلى جانب محمد أركون ومحمد سبيلا وعبد المجيد الشرفي، إلى جانب طه عبد الرحمن وأبي القاسم حاج محمد وطه جابر العلواني، وكوكبة من المفكرين والباحثين الشباب المسكونين بهم الإبداع والنقد والتجديد، مما كان له الأثر على الحاسة النقدية والتحليلية للشباب الديني في المغرب. فشكرا عبد الجبار الرفاعي وشكرا مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”.
https://www.hespress.com/عبد-الجبار-الرفاعي-ملهما-للتفكير-الدي-128804.html
ويحدد الرفاعي منطلقا منهجيا أساسيا لإنجاز هذه المهمات التجديدية في المعرفة الدينية، وهو ما يسميه ب “المنطق الذاتي للتحديث”؛ أي المراهنة على التحديث من داخل الفضاء الديني، وتجاوز المنطق الخارجي في التحديث الذي رفع لواءه رفاعة رافع الطهطاوي، والذي وصل إلى الباب المسدود، وعمق التقاطب الجذري بين الإسلاميين والعلمانيين؛ كتجل سياسي اليوم لفشل مشروع التحديث الديني من الخارج.
إن تحديث التفكير الديني من خارج المؤسسة الدينية، ومن خارج الفضاء الديني، بنظر عبد الجبار الرفاعي، عملية محدودة وفاشلة، في غياب الاستيعاب الداخلي للمنطق الديني، واستئناف وتركيب المعارف الإسلامية. ولهذا السبب يكون تجديد الفقهاء وعلماء الدين، على الرغم من محدوديته من حيث السعة العقلية والفكرية، أكثر أثرا ممن يحملون لواء التحديث من خارج الفضاء الديني. ولنا عبرة في حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها مارتن لوثر. فتحديث المسجد لا ينبثق إلا من داخل المسجد، عندها يتوفر التحديث على المشروعية، كما يتوفر له حامل اجتماعي، الشيء الذي تفتقده الدعوات التحديثية من خارج الفضاء الديني، فتبقى معزولة بدون أثر، لأنها تقدم نماذج تحديثية هجينة ومغتربة بل وممسوخة، غير قادرة على التأثير على الحركات الاجتماعية والسياسية، عكس عمليات التحديث الذاتي بمنطق داخلي، مدعمة بمشروعية ذات عمق سوسيولوجي وأنثروبولوجي، وليس عمقا ميتافيزيقيا أو فقهيا وحسب. ويعمق من هذه المفارقة ركوب النماذج التحديثية من خارج الفضاء الديني على مقاربات ضحلة للدين والمقدس بعامة، تفتقد إلى التعمق في الدين ودراسة التراث الديني، والمعرفة الدقيقة بمسالكه ودروبه، فتقتصر تلك المقاربات التحديثية من خارج، على الشعارات، وسرعان ما تتحول إلى مدونات في السباب والتهجم على الدين وعلى المتدينين بعناوين هجائية صاخبة وعصابية، ومقولات جارحة للضمير الديني للناس؛ هجاء لمقدساته ورموزه بعبارات قاسية وصادمة، مما يولد ردود فعل عنيفة من الناس، الذين تنتابهم حالة نفسية دفاعية وطبيعية بسبب خشيتهم على مقدساتهم ورموزهم الدينية، وهي عندهم ممتلكات رمزية وروحية ثمينة، مما يزيد يكرس حالة من التدين ذي البعد الواحد، والذي تنادي به الجماعات السلفية فتهدر، بذلك، مضامين الدين الروحانية والمعنوية والإنسانية.
إن عبد الجبار الرفاعي،المفكر العراقي الرحالة، لم يكن مدير مجلة وحسب، كما أن المجلة لم تكن منبرا إعلاميا وحسب، بل أبدع مجلة هي في حد ذاتها ظاهرة ثقافية معاصرة، حاملة لروح التجديد الديني بمنطق ذاتي، وكان بمثابة منسق لخطوط فكرية تبدو متباعدة، لكنه استطاع تقريبها وخلق التكامل بينها بحكم خبرته الفكرية الواسعة، من أجل تجديد ديني ذاتي ينزع نزوعا إنسانيا خارج المذهب وخارج الطائفة. لذا لن يستغرب قارئ المجلة وجود عبد الكريم سروش ومصطفى ملكيان ومجتهد شبستري إلى جانب محمد أركون ومحمد سبيلا وعبد المجيد الشرفي، إلى جانب طه عبد الرحمن وأبي القاسم حاج محمد وطه جابر العلواني، وكوكبة من المفكرين والباحثين الشباب المسكونين بهم الإبداع والنقد والتجديد، مما كان له الأثر على الحاسة النقدية والتحليلية للشباب الديني في المغرب. فشكرا عبد الجبار الرفاعي وشكرا مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”.
https://www.hespress.com/عبد-الجبار-الرفاعي-ملهما-للتفكير-الدي-128804.html
هسبيريس
عبد الجبار الرفاعي ملهما للتفكير الديني الجديد في المغرب
قرأت اسم عبد الجبار الرفاعي أول مرة في مجلة وجدتها عند صاحب كشك صغير بمدينة أكادير جنوب المغرب....
في الأمومة تتجلى ذروة التضحية
د. عبد الجبار الرفاعي
بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية. فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.
الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط. الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع. كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم.
من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا. وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.
لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.
كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويجمي كرامتهم من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء،كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.
على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف "أبو عادل". كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف. حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب.
د. عبد الجبار الرفاعي
بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية. فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.
الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط. الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع. كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم.
من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا. وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.
لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.
كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويجمي كرامتهم من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء،كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.
على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف "أبو عادل". كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف. حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب.
كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلى نجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه.كان أبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ من روعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ في ضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأ أيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه.كلما استغاثت به أمه هبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حين أستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعن في محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًا يوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرف حدودًا.
الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.
حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها. https://alsabaah.iq/133152-.html
الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.
حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها. https://alsabaah.iq/133152-.html
على هذا الرابط تتوفر المجموعة الكاملة لمجلة قضايا إسلامية معاصرة المتخصصة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، التي يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد. تصدر المجلة منذ 30 عاما، صدر العدد الأول سنة 1997 ومازالت تصدر حتى اليوم، الأعداد المتاحة 1 -80، ما عدا العدد الأخير الذي نترقب صدوره ورقيا الأيام القادمة: https://www.noor-book.com/u/%D8%AF-sharp-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/books
Noor-Book
الكتب المنشورة ل د عبدالجبار الرفاعي
عبد الجبار الرفاعي مفكر عراقي وأستاذ فلسفة إسلامية مواليد ذي قار العراق سنة 1954 حاصل على عدة شهادات أكاديمية منها دكتوراه فلسفة إسلامية بتقدير امتياز 2005 وماجستير علم كلام 1990 وبكالوريوس دراسات إسلامية 1988 ودبلوم فني زراعي 1975 وله رؤية فلسفية حو