منهج عبد الجبار الرفاعي في كتابه.. "مقدمة في علم الكلام الجديد" تمت يوم الأحد 5.10.2026 مناقشة رسالة الماجستير الموسومة: "منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه: مقدمة في علم الكلام الجديد"، التي قدّمها محمود الطائي إلى قسم العقيدة والفكر الإسلامي في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، وأُجيزت بتقدير جيد جدًا عالٍ. وقد استقرأت هذه الرسالة المناهج العلمية التي اعتمدها في تدوين هذا الكتاب، وسعى من خلالها إلى معالجة مشاكل عدة من منظورٍ مختلف عن المنظور التراثي. فذهب من خلال ما انتهجه من مناهج علمية إلى تحديد وظيفة الدين بإجابته عن سؤال المعنى، وتحديد وظيفة علم الكلام الجديد بتفسير وفهم وتحليل حقيقة المعتقدات في ضوء معطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، والانتقال من الدفاع بوصفه وظيفة اقترنت بعلمِ الكلام القديم والنزاع حول حقيقة ( الكلام الإلهي )، بوصفها المسألةَ المركزية في الكلام القديم، إلى تقديم قراءة جديدة لظاهرة الوحي، بوصفها المسألةَ الـمـركزية في علم الكلام الجديد وتجديد الفكر الديني، كما ذهب من خلال ما انتهجه من مناهج عـلمية إلى رسم صورة لله تعالى تليق بعـدالته، ورحمته ، وجماله ، ونوره، وهي غير تلك الصورة التي رسمها المتكلمون في علم الكلام القديم، وتشكَّلت في سياق العنف والحروب والصراعات وانتشار العبودية. وخلص الباحث في رسالته إلى شرح المناهج التي استعملها الرفاعي، حيث كشف كتاب "مقدمة في علم الكلام الجديد" عن تعدد المناهج التي وظفها عبد الجبار الرفاعي في بناء رؤيته لعلم الكلام الجديد، إذ اعتمد المنهج النقدي في تفكيك البنى الكلامية التقليدية، والمنهج التحليلي في تفسير المفاهيم والكشف عن طبقاتها المعرفية، والمنهج التأويلي "الهرمنيوطيقي" في قراءة النصوص الدينية والتراث، والمنهج المقارن في الموازنة بين الرؤى والمذاهب والأفكار، كما استعمل المنهج التاريخي والسياقي لفهم نشأة الأفكار وتحولاتها، والمنهج الإنساني "الأنثروبولوجي" للكشف عن مركزية الإنسان في الدين، والمنهج المقاصدي الأخلاقي لاستعادة القيم المهدرة في المدونة الكلامية والفقهية، إلى جانب المنهج الفلسفي والعرفاني في بحث المطلق والنسبي وتجربة الإيمان، والمنهج التجديدي في الدعوة إلى إعادة بناء الفكر الديني بالاستفادة من معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة. كذلك يوظف الرفاعي المنهج التفكيكي والنقد الذاتي والاستشرافي في مراجعة التراث وتصنيف العلوم، ويستعين بالمنهج الوصفي والتفسيري والتصويري والحواري في عرضه للأفكار، مع حضور واضح للأسلوب البرهاني والاقناعي، الأمر الذي يكشف عن منهجية مركبة تلتقي فيها الفلسفة والعلوم الحديثة والتأويل والنقد والبعد الإنساني بغية تأسيس "علم كلام جديد" يحرر الدين من انغلاق التراث، ويخفض شعور الإنسان بالاغتراب الميتافيزيقي، ويروي الظمأ الأنطولوجي للروح.
https://www.almothaqaf.com/e4/987479
https://www.almothaqaf.com/e4/987479
صحيفة المثقف
منهج عبد الجبار الرفاعي في كتابه.. "مقدمة في علم الكلام الجديد"
تمت يوم الأحد 5.10.2026 مناقشة رسالة الماجستير الموسومة: "منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه: مقدمة في علم الكلام الجديد"، التي قدّمها محمود الطائي إلى قس
تحدث د. عبد الجبار الرفاعي، في: "جمعية فرانكفورت لتعزيز الدراسات الإسلامية" في ألمانيا، بتاريخ 5.5.2026 حول: "نسيان سؤال المعرفة في إحياء وإصلاح الفكر الديني وحضوره في الكلام الجديد".
أدار الندوة: د. جمال الدين بن عبد الجليل.
أدار الندوة: د. جمال الدين بن عبد الجليل.
حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا
د. عبد الجبار الرفاعي
عندما تتشكل الهوية في سياق إمبراطوري، فإنها تتغذى من نرجسية الكبرياء الإمبراطوري، وتولد مشبعة بشعور الغلبة، ممتلئة بإحساس الثروة المادية والثراء المعنوي والرمزي، فخورة بذاتها، مركزية في رؤيتها للعالم، تتوهم أنها المعيار الوحيد لغيرها، وأنها الأصل وما عداها فروع وهوامش. أما حين تتشكل الهوية في سياق احتلالات متعاقبة واستعباد أجنبي، فإنها تولد مقهورة مستلبة، متشظية البنية، مكسورة الإرادة، عاجزة عن الاعتزاز بالذات أو استشعار السيادة. الهوية التي تنمو على الهامش تصير جرحًا مفتوحًا، فلا ترى نفسها بما يليق بها، وإنما تثقلها عقدة النقص، فتتطلع إلى الآخر بعين الهيبة والإجلال، وتظل عالقة في مراياه، تدور في مداراته، وتسقط أحلامها في مشاريعه، وتعيش على تصوراته عن الذات والتاريخ والعالم.
الهوية المتشكلة في بلد محتل، يعاني من الاضطهاد، ويفتقر الى منابع الشعور بالعزة والكرامة والفاعلية، تنتج انسانًا مأزومًا مقهورًا، يفشل في تعريف ذاته، مشدودًا الى الخارج بحثًا عن بديل. يسعى الإنسان في هذه الحالة الى تقمص هوية الآخر للهروب من واقعه، فيغترب عن نفسه، ويغدو منفيًا في داخله، مستلبًا في وجدانه، غريبًا في وطنه. هذا ما عاشه العراقي طويلًا تحت وطأة الاحتلالات والسلطات الوافدة، التي لم تعبر عن ذاته، ولم تنبع من ثقافته، ولم تجسد إرادته، فأعاق ذلك بناء وتجذير هوية وطنية ترسخ شعوره العميق بالانتماء لأرضه، وتغذي الذاكرة الجمعية بالروح الوطنية.
في سياق ذلك تشكل لدى العراقي وعي مأزوم، وشعور بالانتماء إلى هوية معاقة، جعله في كثير من الأحيان ينظر إلى الخارج مرجعًا للشرعية ومصدرًا للقوة. في مثل هذه الظروف تتحول الهوية إلى جرح مفتوح يعطل إمكان ولادة وعي وطني سيادي، ويفاقم هشاشة الانتماء، ويضعف القدرة على بناء دولة حديثة تنبثق من الذات، وتستعيد ثقتها بنفسها. دولة تستلهم حضارات العراق وثقافته ورموزه، وتوظف معطيات الفكر السياسي الحديث، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، يعيد للمواطن شعوره بالعزة والكرامة، عبر انتمائه إلى أرضه ومصالحه المشتركة مع شركائه في التاريخ والمصير.
مقارنة الهوية الوطنية العراقية بهويات وطنية لشعوب أخرى تكشف حجم الفارق، إذ استطاعت شعوب عانت من الاحتلال والقهر، أن تولّد من جراحها طاقة إيجابية، وبنت على آلامها وعيًا سياديًا،كما فعلت بعض دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو شعوب فيتنام وشرق آسيا، التي نهضت من ركام الاستعمار والحروب لتؤسس دولًا حديثة صناعية. أما العراقي فبفعل توالي الاحتلالات وطول أمدها، وغياب دولة وطنية متجذرة في لاشعوره السياسي ظل أسير وعي مأزوم، عاجزًا عن تحويل مأساته الى مشروع جامع، ولبث في دائرة التبعية والبحث عن خلاص خارجي. هنا تكمن المفارقة، إذ نجحت شعوب في تحويل جراحها الى ولادات جديدة، في حين ظل الجرح العراقي مفتوحًا، يعيد إنتاج الاغتراب السياسي، الذي يعيق إقامة دولة المواطنة الحديثة.
واحدة من أبرز آثار الاحتلالات الأجنبية المتوالية لبلاد الرافدين أن المحتل كان يفرض تغييرًا في البنية الديموغرافية، وذلك التغيير يقود إلى اختلال النسيج المجتمعي لأهل الأرض الأصليين. المحتل يصحبه جنوده ولا يأتي وحده، وغالبًا ما ترافقه كتل بشرية من قومه تقيم مستوطنات في الأرض المحتلة. هؤلاء، حين يمكثون في البلاد لسنوات، يتحولون إلى مكون من مكونات المجتمع، لكنهم يواجهون عقبات متعددة في عملية الاندماج، ويستبطنون دائمًا هوياتهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، وقيمهم، الراسخة في لاشعورهم الفردي والجمعي. إثر ذلك ينشأ اضطراب الهويات، ويظهر ازدواج الولاء، إذ يظلون منتمين في لاشعورهم السياسي إلى أقوامهم وقيمهم وثقافاتهم وأرضهم وأوطانهم من جهة، ومن جهة أخرى يسعون للانتماء إلى هوية البلاد التي استوطنوها، فيواجهون ممانعة ورفضًا. يؤدي هذا الاضطراب إلى تصدع الهوية الوطنية للسكان الأصليين كلما تعرض الوطن للاجتياح، خاصة في بلد مثل العراق توالت عليه الاحتلالات في عصوره المختلفة.
الامتداد المتصل لسلطات محتلة لم تتجذر في تربة العراق، واستيعاب كتل بشرية لم تنبثق من نسيجه الاجتماعي والقيمي والثقافي والرمزي التاريخي، رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، وأعاق تشكل هوية وطنية جامعة، وقوّض الإمكان التاريخي لولادة دولة تمثل الهوية الوطنية العراقية. تلك السلطات، ومن هاجر معها من أقوامها، لم تنبثق من الأرض العراقية، ولم تتجذر في ثقافتها وذاكرتها، وإنما بددت إمكانات ولادة دولة تعبر عن الهوية العراقية وتكرس الانتماء للوطن. هذا الامتداد الطويل للسلطات غير الوطنية أفضى إلى انقطاع الذاكرة السياسية، وتعطيل تراكم الخبرة المحلية، وحال دون تشكّل مدينة عراقية تعكس معنى الدولة، وتؤسس لنمط عيش حديث يقوم على القانون والمؤسسات، وعندما تندثر المدينة تندثر معها البنية المؤسِّسة للدولة.
د. عبد الجبار الرفاعي
عندما تتشكل الهوية في سياق إمبراطوري، فإنها تتغذى من نرجسية الكبرياء الإمبراطوري، وتولد مشبعة بشعور الغلبة، ممتلئة بإحساس الثروة المادية والثراء المعنوي والرمزي، فخورة بذاتها، مركزية في رؤيتها للعالم، تتوهم أنها المعيار الوحيد لغيرها، وأنها الأصل وما عداها فروع وهوامش. أما حين تتشكل الهوية في سياق احتلالات متعاقبة واستعباد أجنبي، فإنها تولد مقهورة مستلبة، متشظية البنية، مكسورة الإرادة، عاجزة عن الاعتزاز بالذات أو استشعار السيادة. الهوية التي تنمو على الهامش تصير جرحًا مفتوحًا، فلا ترى نفسها بما يليق بها، وإنما تثقلها عقدة النقص، فتتطلع إلى الآخر بعين الهيبة والإجلال، وتظل عالقة في مراياه، تدور في مداراته، وتسقط أحلامها في مشاريعه، وتعيش على تصوراته عن الذات والتاريخ والعالم.
الهوية المتشكلة في بلد محتل، يعاني من الاضطهاد، ويفتقر الى منابع الشعور بالعزة والكرامة والفاعلية، تنتج انسانًا مأزومًا مقهورًا، يفشل في تعريف ذاته، مشدودًا الى الخارج بحثًا عن بديل. يسعى الإنسان في هذه الحالة الى تقمص هوية الآخر للهروب من واقعه، فيغترب عن نفسه، ويغدو منفيًا في داخله، مستلبًا في وجدانه، غريبًا في وطنه. هذا ما عاشه العراقي طويلًا تحت وطأة الاحتلالات والسلطات الوافدة، التي لم تعبر عن ذاته، ولم تنبع من ثقافته، ولم تجسد إرادته، فأعاق ذلك بناء وتجذير هوية وطنية ترسخ شعوره العميق بالانتماء لأرضه، وتغذي الذاكرة الجمعية بالروح الوطنية.
في سياق ذلك تشكل لدى العراقي وعي مأزوم، وشعور بالانتماء إلى هوية معاقة، جعله في كثير من الأحيان ينظر إلى الخارج مرجعًا للشرعية ومصدرًا للقوة. في مثل هذه الظروف تتحول الهوية إلى جرح مفتوح يعطل إمكان ولادة وعي وطني سيادي، ويفاقم هشاشة الانتماء، ويضعف القدرة على بناء دولة حديثة تنبثق من الذات، وتستعيد ثقتها بنفسها. دولة تستلهم حضارات العراق وثقافته ورموزه، وتوظف معطيات الفكر السياسي الحديث، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، يعيد للمواطن شعوره بالعزة والكرامة، عبر انتمائه إلى أرضه ومصالحه المشتركة مع شركائه في التاريخ والمصير.
مقارنة الهوية الوطنية العراقية بهويات وطنية لشعوب أخرى تكشف حجم الفارق، إذ استطاعت شعوب عانت من الاحتلال والقهر، أن تولّد من جراحها طاقة إيجابية، وبنت على آلامها وعيًا سياديًا،كما فعلت بعض دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو شعوب فيتنام وشرق آسيا، التي نهضت من ركام الاستعمار والحروب لتؤسس دولًا حديثة صناعية. أما العراقي فبفعل توالي الاحتلالات وطول أمدها، وغياب دولة وطنية متجذرة في لاشعوره السياسي ظل أسير وعي مأزوم، عاجزًا عن تحويل مأساته الى مشروع جامع، ولبث في دائرة التبعية والبحث عن خلاص خارجي. هنا تكمن المفارقة، إذ نجحت شعوب في تحويل جراحها الى ولادات جديدة، في حين ظل الجرح العراقي مفتوحًا، يعيد إنتاج الاغتراب السياسي، الذي يعيق إقامة دولة المواطنة الحديثة.
واحدة من أبرز آثار الاحتلالات الأجنبية المتوالية لبلاد الرافدين أن المحتل كان يفرض تغييرًا في البنية الديموغرافية، وذلك التغيير يقود إلى اختلال النسيج المجتمعي لأهل الأرض الأصليين. المحتل يصحبه جنوده ولا يأتي وحده، وغالبًا ما ترافقه كتل بشرية من قومه تقيم مستوطنات في الأرض المحتلة. هؤلاء، حين يمكثون في البلاد لسنوات، يتحولون إلى مكون من مكونات المجتمع، لكنهم يواجهون عقبات متعددة في عملية الاندماج، ويستبطنون دائمًا هوياتهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، وقيمهم، الراسخة في لاشعورهم الفردي والجمعي. إثر ذلك ينشأ اضطراب الهويات، ويظهر ازدواج الولاء، إذ يظلون منتمين في لاشعورهم السياسي إلى أقوامهم وقيمهم وثقافاتهم وأرضهم وأوطانهم من جهة، ومن جهة أخرى يسعون للانتماء إلى هوية البلاد التي استوطنوها، فيواجهون ممانعة ورفضًا. يؤدي هذا الاضطراب إلى تصدع الهوية الوطنية للسكان الأصليين كلما تعرض الوطن للاجتياح، خاصة في بلد مثل العراق توالت عليه الاحتلالات في عصوره المختلفة.
الامتداد المتصل لسلطات محتلة لم تتجذر في تربة العراق، واستيعاب كتل بشرية لم تنبثق من نسيجه الاجتماعي والقيمي والثقافي والرمزي التاريخي، رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، وأعاق تشكل هوية وطنية جامعة، وقوّض الإمكان التاريخي لولادة دولة تمثل الهوية الوطنية العراقية. تلك السلطات، ومن هاجر معها من أقوامها، لم تنبثق من الأرض العراقية، ولم تتجذر في ثقافتها وذاكرتها، وإنما بددت إمكانات ولادة دولة تعبر عن الهوية العراقية وتكرس الانتماء للوطن. هذا الامتداد الطويل للسلطات غير الوطنية أفضى إلى انقطاع الذاكرة السياسية، وتعطيل تراكم الخبرة المحلية، وحال دون تشكّل مدينة عراقية تعكس معنى الدولة، وتؤسس لنمط عيش حديث يقوم على القانون والمؤسسات، وعندما تندثر المدينة تندثر معها البنية المؤسِّسة للدولة.
غيابُ أيِّ أفقٍ للتربية على المواطنة في أدبيات الإسلام السياسي السني والشيعي يُفضي إلى إضعاف الضمير الوطني، ويطفئ في وعي الإنسان إحساسه العميق بالانتماء إلى هويته الوطنية. حين تستبدل الهوية الوطنية بهوياتٍ مستعارة، يتآكل الشعور بالمصير المشترك، ويغدو الوطن كيانًا باهتًا في الوجدان، لا يوقظ ولاءً ولا يستدعي تضحية. عندئذٍ تتبدد رمزية الوطن في المخيلة، ولا يكترث أبناؤه بما يعكس حضوره ويكرسه في الوجدان، بل يزدرى بعضهم رموزه، كالميراث الحضاري العريق، والعلَم، والنشيد الوطني، والفنون، والرياضة، وأمثالها. مثلًا التأهل لكأس العالم يمثل قيمة ثمينة، تعزز رصيد الوطن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتلتقي عليها الهوية الوطنية لكل أبناء الوطن، وتحتجب الهويات الطائفية والعرقية وكل ما يتسبب في الانقسام.
التأهلُ لكأس العالم ليس حدثًا رياضيًا عابرًا، إنما هو لحظةٌ كثيفةُ المعنى في وعي المواطن، تتجلى فيها طاقةُ الانتماء في أبهى صورها. حين يحضر الوطن في هذا المحفل الكوني، يتعزز رصيده السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتحوّل إلى حضورٍ رمزيٍّ يوقظ الشعور بالكرامة، ويُنعش الإحساس بالمصير المشترك. في هذه اللحظة، تلتقي الهوية الوطنية بكل تنوّعاتها، وتتراجع الهويات الضيقة، الطائفية والعرقية، إلى الظل، وينفتح الأفق أمام معنى جامع يرى الإنسان فيه ذاته جزءًا من كلٍّ أكبر يحتضنه. لهذا تنفق الدول موارد هائلة من أجل هذا الحضور، كما فعلت قطر في قرارها الذكي، حين انفقت 120,000,000,000$ من أجل أن تستضيف كأس العالم، ولتكون مركزًا كونيًا في لحظة رياضية جامعة للعالم. ما يتحقق في كأس العالم يُقاس بما يخلقه من رأسمال رمزي، وصورةٍ ذهنيةٍ للوطن في الوعي العالمي، وما يغرسه في وجدان أبنائه من ثقةٍ بأنفسهم، واعتزازهم بوطنهم. إن حضور كأس العالم يتجاوز الرياضة إلى كونه فعلًا يعيد بناء المعنى الوطني السياسي، ويمنح الدولة مكانة دولية استثنائية، ويرسخ الانتماء للوطن لدى أهله، في لحظة تلتقي فيها القلوب قبل الشعارات، وتتوحد فيها المشاعر قبل الخطابات، وتستفيق فيها الذاكرة الوطنية بوصفها حاضنة لمعانى المصالح والمصائر والعيش المشترك.
https://alsabaah.iq/132252-.html
التأهلُ لكأس العالم ليس حدثًا رياضيًا عابرًا، إنما هو لحظةٌ كثيفةُ المعنى في وعي المواطن، تتجلى فيها طاقةُ الانتماء في أبهى صورها. حين يحضر الوطن في هذا المحفل الكوني، يتعزز رصيده السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتحوّل إلى حضورٍ رمزيٍّ يوقظ الشعور بالكرامة، ويُنعش الإحساس بالمصير المشترك. في هذه اللحظة، تلتقي الهوية الوطنية بكل تنوّعاتها، وتتراجع الهويات الضيقة، الطائفية والعرقية، إلى الظل، وينفتح الأفق أمام معنى جامع يرى الإنسان فيه ذاته جزءًا من كلٍّ أكبر يحتضنه. لهذا تنفق الدول موارد هائلة من أجل هذا الحضور، كما فعلت قطر في قرارها الذكي، حين انفقت 120,000,000,000$ من أجل أن تستضيف كأس العالم، ولتكون مركزًا كونيًا في لحظة رياضية جامعة للعالم. ما يتحقق في كأس العالم يُقاس بما يخلقه من رأسمال رمزي، وصورةٍ ذهنيةٍ للوطن في الوعي العالمي، وما يغرسه في وجدان أبنائه من ثقةٍ بأنفسهم، واعتزازهم بوطنهم. إن حضور كأس العالم يتجاوز الرياضة إلى كونه فعلًا يعيد بناء المعنى الوطني السياسي، ويمنح الدولة مكانة دولية استثنائية، ويرسخ الانتماء للوطن لدى أهله، في لحظة تلتقي فيها القلوب قبل الشعارات، وتتوحد فيها المشاعر قبل الخطابات، وتستفيق فيها الذاكرة الوطنية بوصفها حاضنة لمعانى المصالح والمصائر والعيش المشترك.
https://alsabaah.iq/132252-.html
الرفاعي يمنحك طريقة جديدة للنظر للعالم
ستار الزهيري
رغم انشغالي هذه الأيام ببناء منزلي الجديد، وما يرافق ذلك من تعب وضيق وقت وتفاصيل لا تنتهي، إلا أنني أحاول في الوقت نفسه أن أبني شيئاً آخر أكثر عمقاً من الجدران والسقوف؛ أحاول أن أبني أفكاري ووعيي وأسئلتي، مستعيناً بما يقدمه عبد الجبار الرفاعي من قراءة مختلفة للإنسان والدين والتراث.
فبعض الكتّاب يمنحونك معلومات، أما الرفاعي فيمنحك طريقة جديدة للنظر إلى العالم.
في كل مرة يقترب فيها عبد الجبار الرفاعي من التراث، لا يقترب منه بوصفه مخزناً للمقدسات الجاهزة، بل بوصفه غابة كثيفة من الأسئلة، والرموز، والأقنعة، والطبقات التاريخية المتراكمة.
هو لا يدخل إلى النصوص القديمة حاملاً مطرقة الهدم، كما يتهمه خصومه، ولا يحمل مبخرة التقديس الأعمى كما يفعل حراس الموروث، بل يدخل وفي يده مصباح التأويل، محاولاً فك الألغاز التي تراكمت عبر القرون حول الدين، والإنسان، والمعنى.
لقد تعامل كثيرون مع التراث وكأنه صندوق مغلق لا يجوز فتحه، بينما رأى الرفاعي أن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في العقول التي جمدت التاريخ وحولت التجارب البشرية إلى يقينيات نهائية.
ولهذا كان مشروعه أقرب إلى محاولة تحرير الروح من سجون الشروح والحواشي والخوف المتراكم.
حين يقرأ التصوف لا يقرأه كطقوس غامضة، بل كبحث عميق عن المعنى الإنساني.
وحين يناقش الفقه أو علم الكلام، فإنه يحاول كشف اللحظة التاريخية التي أنتجت تلك الأفكار، لا تحويلها إلى قوانين أبدية فوق الزمن.
إنه يفتش دائماً عن الإنسان المختبئ خلف ركام المصطلحات.
ميزة الرفاعي أنه لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يوقظ القلق الفكري.
يعيد فتح الملفات التي أغلقتها السلطات الدينية والسياسية معاً، ويذكّر القارئ بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وأن التراث ليس متحفاً للصمت، بل مادة حية قابلة للفهم والنقد وإعادة القراءة.
وبعد إعادة قراءة كتب عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، يتبين أن الرجل لم يُكتشف كما ينبغي بعد، وأن كثيرين مرّوا على مشروعه الفكري مروراً سريعاً دون التوقف عند طبقاته العميقة.
فكل قراءة جديدة تكشف زاوية مختلفة، وكأنك لا تقرأ كاتباً واحداً، بل عوالم متجاورة من الفلسفة، والعرفان، وعلم الكلام، وأسئلة الإنسان القلقة.
شخصياً، كلما تعمقت في نصوصه ازددت اقتناعاً أن الرفاعي ليس مجرد مفكر يكتب عن الدين، بل عقل يحاول إعادة ترميم العلاقة بين الإنسان وروحه في زمن امتلأ بالضجيج والتعصب واليقين الأعمى.
ولهذا يبدو الإعجاب به ليس انبهاراً عابراً بكاتب، بل تقديراً نادراً لشخص امتلك شجاعة السؤال، وهدوء الحكيم، وجرأة العبور داخل المناطق التي يخشى كثيرون الاقتراب منها.
في عالمنا العربي، حيث يُكافأ المكرر ويُحاصر المختلف، تبدو محاولة فك الألغاز التراثية مغامرة خطرة.
لكن من دون هذه المغامرة سنبقى ندور داخل المتاهة نفسها، نكرر الأسئلة القديمة، ونخاف حتى من مجرد التفكير خارج الجدران التي بناها الأسلاف.
https://www.facebook.com/share/p/1Hj53Mtbx2/?
ستار الزهيري
رغم انشغالي هذه الأيام ببناء منزلي الجديد، وما يرافق ذلك من تعب وضيق وقت وتفاصيل لا تنتهي، إلا أنني أحاول في الوقت نفسه أن أبني شيئاً آخر أكثر عمقاً من الجدران والسقوف؛ أحاول أن أبني أفكاري ووعيي وأسئلتي، مستعيناً بما يقدمه عبد الجبار الرفاعي من قراءة مختلفة للإنسان والدين والتراث.
فبعض الكتّاب يمنحونك معلومات، أما الرفاعي فيمنحك طريقة جديدة للنظر إلى العالم.
في كل مرة يقترب فيها عبد الجبار الرفاعي من التراث، لا يقترب منه بوصفه مخزناً للمقدسات الجاهزة، بل بوصفه غابة كثيفة من الأسئلة، والرموز، والأقنعة، والطبقات التاريخية المتراكمة.
هو لا يدخل إلى النصوص القديمة حاملاً مطرقة الهدم، كما يتهمه خصومه، ولا يحمل مبخرة التقديس الأعمى كما يفعل حراس الموروث، بل يدخل وفي يده مصباح التأويل، محاولاً فك الألغاز التي تراكمت عبر القرون حول الدين، والإنسان، والمعنى.
لقد تعامل كثيرون مع التراث وكأنه صندوق مغلق لا يجوز فتحه، بينما رأى الرفاعي أن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في العقول التي جمدت التاريخ وحولت التجارب البشرية إلى يقينيات نهائية.
ولهذا كان مشروعه أقرب إلى محاولة تحرير الروح من سجون الشروح والحواشي والخوف المتراكم.
حين يقرأ التصوف لا يقرأه كطقوس غامضة، بل كبحث عميق عن المعنى الإنساني.
وحين يناقش الفقه أو علم الكلام، فإنه يحاول كشف اللحظة التاريخية التي أنتجت تلك الأفكار، لا تحويلها إلى قوانين أبدية فوق الزمن.
إنه يفتش دائماً عن الإنسان المختبئ خلف ركام المصطلحات.
ميزة الرفاعي أنه لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يوقظ القلق الفكري.
يعيد فتح الملفات التي أغلقتها السلطات الدينية والسياسية معاً، ويذكّر القارئ بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وأن التراث ليس متحفاً للصمت، بل مادة حية قابلة للفهم والنقد وإعادة القراءة.
وبعد إعادة قراءة كتب عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، يتبين أن الرجل لم يُكتشف كما ينبغي بعد، وأن كثيرين مرّوا على مشروعه الفكري مروراً سريعاً دون التوقف عند طبقاته العميقة.
فكل قراءة جديدة تكشف زاوية مختلفة، وكأنك لا تقرأ كاتباً واحداً، بل عوالم متجاورة من الفلسفة، والعرفان، وعلم الكلام، وأسئلة الإنسان القلقة.
شخصياً، كلما تعمقت في نصوصه ازددت اقتناعاً أن الرفاعي ليس مجرد مفكر يكتب عن الدين، بل عقل يحاول إعادة ترميم العلاقة بين الإنسان وروحه في زمن امتلأ بالضجيج والتعصب واليقين الأعمى.
ولهذا يبدو الإعجاب به ليس انبهاراً عابراً بكاتب، بل تقديراً نادراً لشخص امتلك شجاعة السؤال، وهدوء الحكيم، وجرأة العبور داخل المناطق التي يخشى كثيرون الاقتراب منها.
في عالمنا العربي، حيث يُكافأ المكرر ويُحاصر المختلف، تبدو محاولة فك الألغاز التراثية مغامرة خطرة.
لكن من دون هذه المغامرة سنبقى ندور داخل المتاهة نفسها، نكرر الأسئلة القديمة، ونخاف حتى من مجرد التفكير خارج الجدران التي بناها الأسلاف.
https://www.facebook.com/share/p/1Hj53Mtbx2/?
تنحسر مرجعيةُ العقل في مجتمعاتٍ غير متعلمة تتفشى فيها العبوديةُ الطوعية، واستعبادُ الوعي، والانقيادُ الأعمى، وتخديرُ الضمير الأخلاقي. العاطفة والروح تعملان بخفاءٍ للتأثير في العقل، والتحكّم بتفسيراته وصناعة أحكامه وقراراته. يعودُ سوءُ الفهم بين الفلاسفة، واختلافُ طرائقِ فهمهم إلى تأثيرِ العاطفةِ والروحِ والذاتِ في تفسيراتِ العقلِ وأحكامِه على نحوٍ خفي، على الرغم من أن الفلاسفة هم الأكثر صرامةً في اعتمادِ العقل والعملِ على توظيفه في كلِّ شيء. لا خلاف في الفلسفة حول كون العقل هو الذي يرسم حدودَه، ويحدّد وظيفتَه، ويكتشف مصادرَ معرفته. الخلاف بين الفلاسفة أنفسهم حول حدود العقل، وماهية هذا العقل وتعريفه، ومجالاته، وكيفية إدراكه، ونوع مدركاته.
الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤال اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالد الأسئلة مجددًا من الإجابات التي يقدمونها.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386182
الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤال اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالد الأسئلة مجددًا من الإجابات التي يقدمونها.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386182
جريدة الزوراء العراقية
لا محرم في التفكير الفلسفي
لا ممنوعَ ولا محرَّمَ ولا مقدَّسَ في التفكير الفلسفي، الممنوعُ الوحيدُ في التفكير الفلسفي هو تحريمُ التفكير الفلسفي الحر، بذريعة التحرش بالمقدَّس. لا معنى للفلسفة من دون التفكير الفلسفي الحر. ظلَّ التفكيرُ في وجود
لا محرَّمَ في التفكير الفلسفي
د. عبد الجبار الرفاعي
لا ممنوعَ ولا محرَّمَ ولا مقدَّسَ في التفكير الفلسفي، الممنوعُ الوحيدُ في التفكير الفلسفي هو تحريمُ التفكير الفلسفي الحر، بذريعة التحرش بالمقدَّس. لا معنى للفلسفة من دون التفكير الفلسفي الحر. ظلَّ التفكيرُ في وجود الله سؤالًا أبديًا يواكب العقل الفلسفي منذ فجر التأمل الإنساني. وما من فيلسوفٍ كبيرٍ إلا وتوقف عند هذا السؤال، إثباتًا أو نفيًا أو نقدًا. في كتاب إيمانويل كانط "نقد العقل المحض" نقرأ أعمق المعالجات الفلسفية لمسألة وجود الله، إذ رأى كانط أن العقلَ النظري يعجز عن الحسم في إثبات وجوده أو نفيه، لأن الله ليس موضوعًا للتجربة الحسية ولا يُدرَك بالبرهان العقلي الخالص. نقدَ إيمانويل كانط الأدلة التقليدية على وجود الله، كالبرهان الأنطولوجي والكوني والغائي، ورأى أن العقل النظري يعجز عن الحسم في هذه المسألة، ثم انتهى إلى أن الإيمان بالله ضرورة أخلاقية، لأن اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني.
هناك فرق بين الفلسفة واللاهوت في الأديان، وعلم الكلام في الإسلام. في اللاهوت وعلم الكلام يوجد سقف نهائي وحدود للتفكير، أما في الفلسفة فلا حدود للتفكير. التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان خارج إطار دينه، مهما كان دينه، ولا يعني ذلك ضرورة التخلي عن انتمائه الديني، وإنما أن يفكر بعيدًا عما تفرضه عليه رؤيته الدينية في حيز الوعي، وأن يُخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص. وهكذا ينبغي أن يكون موقف صاحب أية عقيدة عندما يفكر تفكيرًا فلسفيًا. فإذا أراد البوذي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وإذا أراد المسلم أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته، وهكذا كل صاحب دين مهما كان دينه. ولا يعني ذلك التخلص من الانتماء الديني، وإنما التفكير بعيدًا عما تفرضه الرؤية الدينية من تحيزات في فضاء الوعي، كما يحدث باستمرار. أما تنوع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، فهذه قضية ماثلة لكل قارئ متمرس بالفلسفة. غير أن ميزة العقل الفلسفي تكمن في أنه لا يصدر عن مرجعيات وتحيزات واعية تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، مع أن ذلك لا ينفي تأثير التحيزات اللاواعية لدى كل إنسان، الناتجة عن البنية السيكولوجية لشخصية الفيلسوف، وتأثير كيفية تربية عائلته ومجتمعه وأحكامه المسبقة، وغير ذلك من العوامل المتنوعة في تكوين لاوعيه.
الفلسفةُ إيقاظٌ متواصلٌ للعقل، وتحريرٌ له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والسلطات بمختلف أنماطها، ومن الإكراهات، والخرافات، والأوهام. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقلُ من أنماط الوصايات المتنوعة، والمسلّمات المتوارثة غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخلَ فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه. التفكيرُ الفلسفي تفكيرُ نقدي، والتفكير النقدي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكيرُ الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.
كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده وتمحيصه في الفلسفة، العقل نفسه يخضع لمساءلةِ العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلةِ أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقلُ، العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، فيكون هو مرجعية تمحيصِ تفكيره، ومرجعية ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقلُ ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروحُ والعاطفةُ في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارجَ حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلصَ الإنسانُ من تأثيرٍ خفيّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام. العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشرية. العقل هو الذي يتولى توصيفَ وتصنيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.
الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحدُ العناصر ويتراجع دورُ العناصر الأخرى. في الفلسفة يتغلب العقلُ ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعلُ الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقلُ الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسارَ لهما على الدوام.
د. عبد الجبار الرفاعي
لا ممنوعَ ولا محرَّمَ ولا مقدَّسَ في التفكير الفلسفي، الممنوعُ الوحيدُ في التفكير الفلسفي هو تحريمُ التفكير الفلسفي الحر، بذريعة التحرش بالمقدَّس. لا معنى للفلسفة من دون التفكير الفلسفي الحر. ظلَّ التفكيرُ في وجود الله سؤالًا أبديًا يواكب العقل الفلسفي منذ فجر التأمل الإنساني. وما من فيلسوفٍ كبيرٍ إلا وتوقف عند هذا السؤال، إثباتًا أو نفيًا أو نقدًا. في كتاب إيمانويل كانط "نقد العقل المحض" نقرأ أعمق المعالجات الفلسفية لمسألة وجود الله، إذ رأى كانط أن العقلَ النظري يعجز عن الحسم في إثبات وجوده أو نفيه، لأن الله ليس موضوعًا للتجربة الحسية ولا يُدرَك بالبرهان العقلي الخالص. نقدَ إيمانويل كانط الأدلة التقليدية على وجود الله، كالبرهان الأنطولوجي والكوني والغائي، ورأى أن العقل النظري يعجز عن الحسم في هذه المسألة، ثم انتهى إلى أن الإيمان بالله ضرورة أخلاقية، لأن اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني.
هناك فرق بين الفلسفة واللاهوت في الأديان، وعلم الكلام في الإسلام. في اللاهوت وعلم الكلام يوجد سقف نهائي وحدود للتفكير، أما في الفلسفة فلا حدود للتفكير. التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان خارج إطار دينه، مهما كان دينه، ولا يعني ذلك ضرورة التخلي عن انتمائه الديني، وإنما أن يفكر بعيدًا عما تفرضه عليه رؤيته الدينية في حيز الوعي، وأن يُخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص. وهكذا ينبغي أن يكون موقف صاحب أية عقيدة عندما يفكر تفكيرًا فلسفيًا. فإذا أراد البوذي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وإذا أراد المسلم أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته، وهكذا كل صاحب دين مهما كان دينه. ولا يعني ذلك التخلص من الانتماء الديني، وإنما التفكير بعيدًا عما تفرضه الرؤية الدينية من تحيزات في فضاء الوعي، كما يحدث باستمرار. أما تنوع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، فهذه قضية ماثلة لكل قارئ متمرس بالفلسفة. غير أن ميزة العقل الفلسفي تكمن في أنه لا يصدر عن مرجعيات وتحيزات واعية تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، مع أن ذلك لا ينفي تأثير التحيزات اللاواعية لدى كل إنسان، الناتجة عن البنية السيكولوجية لشخصية الفيلسوف، وتأثير كيفية تربية عائلته ومجتمعه وأحكامه المسبقة، وغير ذلك من العوامل المتنوعة في تكوين لاوعيه.
الفلسفةُ إيقاظٌ متواصلٌ للعقل، وتحريرٌ له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والسلطات بمختلف أنماطها، ومن الإكراهات، والخرافات، والأوهام. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقلُ من أنماط الوصايات المتنوعة، والمسلّمات المتوارثة غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخلَ فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه. التفكيرُ الفلسفي تفكيرُ نقدي، والتفكير النقدي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكيرُ الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.
كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده وتمحيصه في الفلسفة، العقل نفسه يخضع لمساءلةِ العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلةِ أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقلُ، العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، فيكون هو مرجعية تمحيصِ تفكيره، ومرجعية ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقلُ ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروحُ والعاطفةُ في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارجَ حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلصَ الإنسانُ من تأثيرٍ خفيّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام. العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشرية. العقل هو الذي يتولى توصيفَ وتصنيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.
الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحدُ العناصر ويتراجع دورُ العناصر الأخرى. في الفلسفة يتغلب العقلُ ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعلُ الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقلُ الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسارَ لهما على الدوام.
جريدة الزوراء العراقية
لا محرم في التفكير الفلسفي
لا ممنوعَ ولا محرَّمَ ولا مقدَّسَ في التفكير الفلسفي، الممنوعُ الوحيدُ في التفكير الفلسفي هو تحريمُ التفكير الفلسفي الحر، بذريعة التحرش بالمقدَّس. لا معنى للفلسفة من دون التفكير الفلسفي الحر. ظلَّ التفكيرُ في وجود
الأديان التي استفاقت راجعت الصور الخلّابة التي تملأ مخيلتها التاريخية، فدرستها بعناية، وغربلتها ومحصتها في ضوء المناهج الحديثة في دراسة الأديان، وتأملت بدقةٍ سردياتها، وفتشت عن منابع إلهامها وكيفية تشكلها عبر الزمان، وامتلكت شجاعة الاعتراف بما اكتنف مسيرتها من انتهاكاتٍ لكرامة الغير، وحاولت أن تستبعد ما تراكم في تراثها من أحكامٍ تنبذ كل مَن لا يعتنقها.
أدركت بعض الأديان متأخرةً ضرورة احترام كل إنسان بوصفه إنسانًا، وأنه لا يمكن إدارة الاختلاف والتنوع في المجتمعات إلا عندما يُحترم المختلف بما أنه إنسانٌ يشترك مع الجميع في إنسانيته، بالمعنى الذي تتأسس عليه حقوقه الطبيعية والمدنية كافةً. والاحترام سلوكٌ أخلاقي يتجاوز التسامح، لأن التسامح قد ينطوي أحيانًا على شعورٍ مستترٍ بالتفوق، في حين أن الاحترام اعترافٌ متبادل بكرامة الإنسان وحقه في الاختلاف. التسامح يتضمن أحيانًا إشارةً خفيةً بالعلو على المختلف، فأنت تتسامح معه كرمًا منك، وتفضلًا، وعطفًا، ورأفةً، وكأنك الأكثر إنسانيةً والأعلى مقامًا والمتفوق عليه. أما الضمير الأخلاقي اليقظ فيفرض احترام المختلف بوصفه إنسانًا لا غير، لا بوصفه منتميًا إلى قوميةٍ أو هويةٍ أو دينٍ أو معتقد. نحترم المختلف لأن الله كرّمه مثلما كرّمنا، كل إنسان يولد مكرمًا، وتسبق كرامته كل انتماءاته وهوياته واختلافاته.
ما أعنيه بالتسامح هو الشعور بمنح الغفران لإنسانٍ يُنظر إليه بوصفه مخطئًا في معتقده، إنسان لا يعرف الحقيقة كما يعرفها مَن يمنحه العفو ويغض الطرف عن خطئه. التسامح بهذا المعنى يبتني على الاعتقاد بوجود طريقٍ واحدٍ لإدراك الحقيقة، في حين أن الاحترام يبتني على تعدد الطرق إلى الحقيقة، ويحيل إلى تنوع وجوهها، والاختلاف في وسائل فهمها والتعبير عنها. يختلف المعنى الذي أقصده للتسامح عن المفهوم الشائع له، لأن نشأة مفهوم التسامح وتطوره في السياق الغربي الحديث لا تتطابق مع مفهومه في السياقات التراثية، ولا مع ما يحيل إليه مدلوله في المعجم العربي، حيث يقترن غالبًا بالعفو والصفح والتفضل، أكثر من اقترانه بالاعتراف المتبادل بكرامة الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386394
أدركت بعض الأديان متأخرةً ضرورة احترام كل إنسان بوصفه إنسانًا، وأنه لا يمكن إدارة الاختلاف والتنوع في المجتمعات إلا عندما يُحترم المختلف بما أنه إنسانٌ يشترك مع الجميع في إنسانيته، بالمعنى الذي تتأسس عليه حقوقه الطبيعية والمدنية كافةً. والاحترام سلوكٌ أخلاقي يتجاوز التسامح، لأن التسامح قد ينطوي أحيانًا على شعورٍ مستترٍ بالتفوق، في حين أن الاحترام اعترافٌ متبادل بكرامة الإنسان وحقه في الاختلاف. التسامح يتضمن أحيانًا إشارةً خفيةً بالعلو على المختلف، فأنت تتسامح معه كرمًا منك، وتفضلًا، وعطفًا، ورأفةً، وكأنك الأكثر إنسانيةً والأعلى مقامًا والمتفوق عليه. أما الضمير الأخلاقي اليقظ فيفرض احترام المختلف بوصفه إنسانًا لا غير، لا بوصفه منتميًا إلى قوميةٍ أو هويةٍ أو دينٍ أو معتقد. نحترم المختلف لأن الله كرّمه مثلما كرّمنا، كل إنسان يولد مكرمًا، وتسبق كرامته كل انتماءاته وهوياته واختلافاته.
ما أعنيه بالتسامح هو الشعور بمنح الغفران لإنسانٍ يُنظر إليه بوصفه مخطئًا في معتقده، إنسان لا يعرف الحقيقة كما يعرفها مَن يمنحه العفو ويغض الطرف عن خطئه. التسامح بهذا المعنى يبتني على الاعتقاد بوجود طريقٍ واحدٍ لإدراك الحقيقة، في حين أن الاحترام يبتني على تعدد الطرق إلى الحقيقة، ويحيل إلى تنوع وجوهها، والاختلاف في وسائل فهمها والتعبير عنها. يختلف المعنى الذي أقصده للتسامح عن المفهوم الشائع له، لأن نشأة مفهوم التسامح وتطوره في السياق الغربي الحديث لا تتطابق مع مفهومه في السياقات التراثية، ولا مع ما يحيل إليه مدلوله في المعجم العربي، حيث يقترن غالبًا بالعفو والصفح والتفضل، أكثر من اقترانه بالاعتراف المتبادل بكرامة الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386394
جريدة الزوراء العراقية
لم تتـــوحّد البشــــرية في ديـــن واحـــد
تنامى منذ عدة سنوات عدد المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تهتم بالتسامح والتعايش وقبول الآخر والحوار بين الأديان، وهي ظاهرة صحية في فضاء تتفاقم فيه أزمات التدين، وتستحوذ فيه الجماعات المتشددة على صدارة المشهد
لم تتوحّد البشرية في دين واحد
د. عبد الجبار الرفاعي
تنامى منذ عدة سنوات عدد المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تهتم بالتسامح والتعايش وقبول الآخر والحوار بين الأديان، وهي ظاهرة صحية في فضاء تتفاقم فيه أزمات التدين، وتستحوذ فيه الجماعات المتشددة على صدارة المشهد الإعلامي. غير أننا قلما نستمع في مثل هذه الملتقيات إلى حديثٍ واقعي يلامس الجذور العميقة للعنف والكراهية، لأن معظم المتحدثين يكررون عباراتٍ أضحت أقرب إلى لافتاتٍ للمجاملات في العلاقات العامة، لغةً تحتشد بالثناء والتمجيد، وتفتقر إلى مساءلةٍ صريحةٍ للبنى المغلقة التي تنتج الإقصاء، وتعيد إنتاج الخوف من المختلف، وتعطل إمكان التفاهم الإنساني العميق بين أتباع الأديان والثقافات.
كل الكلمات والعبارات تتفق على أن تراثات الأديان ومواقفها وأفعالها وممارساتها منزّهةٌ من هذا العنف المتوحش المتفشي، وكل متحدث ينزع إلى تبرئة دينه ومذهبه وتراثه من كل ما يمكن أن يسيء إلى الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا، على الرغم من أن الممارسات المتشددة تصدر عن أفرادٍ متدينين ينتمون إلى جماعاتٍ دينيةٍ معروفة، وتستند إلى مدوناتٍ كلاميةٍ وفقهيةٍ وتراثيةٍ راسخةٍ في الذاكرة الدينية، تغذّي أحيانًا رؤيةً مغلقةً للعالم والإنسان، وتمنح العنف مشروعيةً رمزيةً حين يوظف الدين خارج أفقه الأخلاقي والروحي والجمالي.
إن تبرئة تراث الدين وممارسات أتباعه لم تعد ذات جدوى اليوم، المشكلة لا تكمن في الإنكار، وإنما في العجز عن الاعتراف الصريح بما يجري في الواقع. الضروري هو امتلاك شجاعة النظر إلى الحضور الطاغي لنمطٍ من التدين المتشدد الذي يستقي منابعه من تدينٍ مولعٍ بالموت، وتغذّيه مؤسسات التربية والتعليم والتثقيف والإعلام والمنابر الدينية، عبر إعادة إنتاج مفاهيم مغلقة في فهم الإنسان والعالم والحقيقة، وترسيخها في الوعي الجمعي بوصفها التعبير الوحيد عن الحق والحقيقة، الأمر الذي يفضي إلى إقصاء المختلف، وإضعاف قيم التعاطف والرحمة والمحبة والعيش المشترك.
لا يمكن فرض دينٍ واحدٍ على البشرية، البشر لم يتوحدوا عبر التاريخ في معتقدٍ واحد، ولم تتطابق تجاربهم الروحية ورؤاهم للعالم وإجاباتهم عن الأسئلة الميتافيزيقية.كل محاولةٍ لاحتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضور دينٍ بعينه عبر العنف والإقصاء وإبادة المختلف، تنتهي إلى إنتاج المزيد من الكراهية والعنف. الإيمان لا يولد بالإكراه، ولا تنبثق التجربة الروحية من الخوف، لأن الصلة بالله لا تتحقق بالقوة، وإنما تنمو في فضاء الحرية والاقتناع والتعاطف والرحمة.
كل وقائع الحروب تكذّب الوهم القائل بإمكان إفناء الأديان أو اقتلاعها من حياة البشر. لم تستطع الإبادات الجماعية، ولا حملات الاضطهاد، ولا العنف المنظم، أن تمحو مكونًا دينيًا من الوجود. ذلك ما تشهد عليه بوضوح حياة دياناتٍ غير تبشيرية، ودياناتٍ قديمةٍ تعود نشأتها إلى ما قبل الميلاد، ظل حضورها الديموغرافي محدودًا، غير أنها واصلت البقاء، وعاندت عذاباتها، وفرضت حضورها في التاريخ الإنساني، على الرغم مما تعرضت له من تعسفٍ واضطهادٍ وقتلٍ مريعٍ في محطاتٍ متعددةٍ من مسيرتها. الدين حاجةٌ متجذرةٌ في البنية الوجودية للإنسان، تتجدد كلما بحث الإنسان عن معنى لحياته، وملاذٍ يبدد قلقه، وأفقٍ يروي ظمأه إلى الطمأنينة والسكينة والمعنى.
لم نجد ديانةً يتنازل عنها جميع المعتنقين لها، إثر اقتناعهم بحجج ديانةٍ أخرى على بطلانها. قد يقتنع بعض الأفراد أحيانًا، غير أنه يتعذر أن يقتنع كل أتباع دينٍ بحجج أتباع دينٍ آخر، مهما بدت تلك الحجج مقنعةً لأصحابها. ذلك أن الجدل بين تصورين مختلفين للحقيقة، ورؤيتين مختلفتين لله والإنسان والعالم، لا ينتهي إلى نتيجةٍ منطقيةٍ حاسمة، لأن كل رؤيةٍ تنبثق من شعورٍ نفسي، وأفقٍ إيماني، وتجربةٍ روحية، وتاريخٍ طويلٍ خاص من التفسير والتأويل.
مضافًا إلى أنه لا يمكن إعادة بناء كل تفاصيل نشأة الأديان في ضوء أفقٍ تاريخيٍّ متأخرٍ كثيرًا عن عصر مؤسسيها، ولا التعرف على جميع ظروف نشأتها وتحولاتها عبر الزمان. تاريخ كل ديانةٍ تعيد الجماعة المؤمنة تكوينه باستمرارٍ في ضوء مخيلتها، وتغذيه بما تختزنه من أحلامٍ ومطامحَ وصورٍ مثاليةٍ عن ذاتها وماضيها. تظل الجماعة أسيرةَ الصور الخلّابة التي رسمتها لمعتقداتها ورسختها في وعيها الجمعي، وما لم تقرأ تاريخها خارج الأطر المغلقة لمعتقداتها، فإنها تلبث تبالغ في الإعلاء بتميّز دينها، وتصر على تفوقه على سواه، حتى تتحول هذه الرؤية إلى عنصرٍ عميقٍ في اللاوعي الجمعي، ويشتد حضورها إلى الحد الذي يؤثر في اختيارات الجماعة ومساراتها التاريخية ومصائرها.
د. عبد الجبار الرفاعي
تنامى منذ عدة سنوات عدد المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تهتم بالتسامح والتعايش وقبول الآخر والحوار بين الأديان، وهي ظاهرة صحية في فضاء تتفاقم فيه أزمات التدين، وتستحوذ فيه الجماعات المتشددة على صدارة المشهد الإعلامي. غير أننا قلما نستمع في مثل هذه الملتقيات إلى حديثٍ واقعي يلامس الجذور العميقة للعنف والكراهية، لأن معظم المتحدثين يكررون عباراتٍ أضحت أقرب إلى لافتاتٍ للمجاملات في العلاقات العامة، لغةً تحتشد بالثناء والتمجيد، وتفتقر إلى مساءلةٍ صريحةٍ للبنى المغلقة التي تنتج الإقصاء، وتعيد إنتاج الخوف من المختلف، وتعطل إمكان التفاهم الإنساني العميق بين أتباع الأديان والثقافات.
كل الكلمات والعبارات تتفق على أن تراثات الأديان ومواقفها وأفعالها وممارساتها منزّهةٌ من هذا العنف المتوحش المتفشي، وكل متحدث ينزع إلى تبرئة دينه ومذهبه وتراثه من كل ما يمكن أن يسيء إلى الإنسان وحقه في أن يكون مختلفًا، على الرغم من أن الممارسات المتشددة تصدر عن أفرادٍ متدينين ينتمون إلى جماعاتٍ دينيةٍ معروفة، وتستند إلى مدوناتٍ كلاميةٍ وفقهيةٍ وتراثيةٍ راسخةٍ في الذاكرة الدينية، تغذّي أحيانًا رؤيةً مغلقةً للعالم والإنسان، وتمنح العنف مشروعيةً رمزيةً حين يوظف الدين خارج أفقه الأخلاقي والروحي والجمالي.
إن تبرئة تراث الدين وممارسات أتباعه لم تعد ذات جدوى اليوم، المشكلة لا تكمن في الإنكار، وإنما في العجز عن الاعتراف الصريح بما يجري في الواقع. الضروري هو امتلاك شجاعة النظر إلى الحضور الطاغي لنمطٍ من التدين المتشدد الذي يستقي منابعه من تدينٍ مولعٍ بالموت، وتغذّيه مؤسسات التربية والتعليم والتثقيف والإعلام والمنابر الدينية، عبر إعادة إنتاج مفاهيم مغلقة في فهم الإنسان والعالم والحقيقة، وترسيخها في الوعي الجمعي بوصفها التعبير الوحيد عن الحق والحقيقة، الأمر الذي يفضي إلى إقصاء المختلف، وإضعاف قيم التعاطف والرحمة والمحبة والعيش المشترك.
لا يمكن فرض دينٍ واحدٍ على البشرية، البشر لم يتوحدوا عبر التاريخ في معتقدٍ واحد، ولم تتطابق تجاربهم الروحية ورؤاهم للعالم وإجاباتهم عن الأسئلة الميتافيزيقية.كل محاولةٍ لاحتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضور دينٍ بعينه عبر العنف والإقصاء وإبادة المختلف، تنتهي إلى إنتاج المزيد من الكراهية والعنف. الإيمان لا يولد بالإكراه، ولا تنبثق التجربة الروحية من الخوف، لأن الصلة بالله لا تتحقق بالقوة، وإنما تنمو في فضاء الحرية والاقتناع والتعاطف والرحمة.
كل وقائع الحروب تكذّب الوهم القائل بإمكان إفناء الأديان أو اقتلاعها من حياة البشر. لم تستطع الإبادات الجماعية، ولا حملات الاضطهاد، ولا العنف المنظم، أن تمحو مكونًا دينيًا من الوجود. ذلك ما تشهد عليه بوضوح حياة دياناتٍ غير تبشيرية، ودياناتٍ قديمةٍ تعود نشأتها إلى ما قبل الميلاد، ظل حضورها الديموغرافي محدودًا، غير أنها واصلت البقاء، وعاندت عذاباتها، وفرضت حضورها في التاريخ الإنساني، على الرغم مما تعرضت له من تعسفٍ واضطهادٍ وقتلٍ مريعٍ في محطاتٍ متعددةٍ من مسيرتها. الدين حاجةٌ متجذرةٌ في البنية الوجودية للإنسان، تتجدد كلما بحث الإنسان عن معنى لحياته، وملاذٍ يبدد قلقه، وأفقٍ يروي ظمأه إلى الطمأنينة والسكينة والمعنى.
لم نجد ديانةً يتنازل عنها جميع المعتنقين لها، إثر اقتناعهم بحجج ديانةٍ أخرى على بطلانها. قد يقتنع بعض الأفراد أحيانًا، غير أنه يتعذر أن يقتنع كل أتباع دينٍ بحجج أتباع دينٍ آخر، مهما بدت تلك الحجج مقنعةً لأصحابها. ذلك أن الجدل بين تصورين مختلفين للحقيقة، ورؤيتين مختلفتين لله والإنسان والعالم، لا ينتهي إلى نتيجةٍ منطقيةٍ حاسمة، لأن كل رؤيةٍ تنبثق من شعورٍ نفسي، وأفقٍ إيماني، وتجربةٍ روحية، وتاريخٍ طويلٍ خاص من التفسير والتأويل.
مضافًا إلى أنه لا يمكن إعادة بناء كل تفاصيل نشأة الأديان في ضوء أفقٍ تاريخيٍّ متأخرٍ كثيرًا عن عصر مؤسسيها، ولا التعرف على جميع ظروف نشأتها وتحولاتها عبر الزمان. تاريخ كل ديانةٍ تعيد الجماعة المؤمنة تكوينه باستمرارٍ في ضوء مخيلتها، وتغذيه بما تختزنه من أحلامٍ ومطامحَ وصورٍ مثاليةٍ عن ذاتها وماضيها. تظل الجماعة أسيرةَ الصور الخلّابة التي رسمتها لمعتقداتها ورسختها في وعيها الجمعي، وما لم تقرأ تاريخها خارج الأطر المغلقة لمعتقداتها، فإنها تلبث تبالغ في الإعلاء بتميّز دينها، وتصر على تفوقه على سواه، حتى تتحول هذه الرؤية إلى عنصرٍ عميقٍ في اللاوعي الجمعي، ويشتد حضورها إلى الحد الذي يؤثر في اختيارات الجماعة ومساراتها التاريخية ومصائرها.
جريدة الزوراء العراقية
لم تتـــوحّد البشــــرية في ديـــن واحـــد
تنامى منذ عدة سنوات عدد المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تهتم بالتسامح والتعايش وقبول الآخر والحوار بين الأديان، وهي ظاهرة صحية في فضاء تتفاقم فيه أزمات التدين، وتستحوذ فيه الجماعات المتشددة على صدارة المشهد
ابن قِبَة الرازي وعبد الجبار الرفاعي .. لماذا تعجز بيئتنا عن إنتاج العقل الكلامي الحي؟
ستار الزهيري
كثيرًا ما شغلت ذهني شخصية ابن قِبَة الرازي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري، وجعلتني أتساءل: لماذا لا تعيد الإمامية إنتاج شخصية مماثلة لها في هذا العصر؟ ولطالما وجدتُ في عبد الجبار الرفاعي شيئًا من هذه الروح، لا من حيث التطابق الكامل بين الشخصيتين، وإنما من حيث الجرأة على فتح الأسئلة المؤجلة، ومحاولة إعادة بناء التفكير الديني بلغة تتجاوز التكرار والانغلاق. فظاهرة ابن قِبَة لم تكن مجرد موهبة فردية عابرة، وإنما كانت ثمرة بيئة علمية حيّة تضجّ بالجدل والأسئلة والاحتكاك الحقيقي بين المدارس الفكرية المختلفة، فقد خرج من وسط كانت فيه المعتزلة والإمامية والفلاسفة وأهل الحديث يتناظرون علنًا، من غير حساسية مفرطة ولا خوف من السؤال، وكان الانتقال بين المدارس الفكرية يُنظر إليه على أنه تحوّل معرفي، لا خيانة للهوية.
تميّز ابن قِبَة بقدرته على الجمع بين العقل والنص، فلم يكن أسير النقل الجامد، ولا أسير التأمل العقلي المنفصل عن التراث. كما عرف خصومه من الداخل، لأنه مرّ بتجربة الاعتزال واطّلع على مناهجه الكلامية، لذلك جاءت ردوده دقيقة وعميقة، لا تقوم على التشويه أو الكاريكاتير الفكري للطرف الآخر.كان يمتلك شجاعة فكرية في مناقشة القضايا الحساسة، مع لغة جدلية قوية ومنهج استدلالي منظم، جعله من أوائل من منحوا للكلام الإمامي طابعًا عقليًا متماسكًا.
وهنا يكمن أحد أهم وجوه الالتقاء مع عبد الجبار الرفاعي؛ فكلاهما انطلق من داخل المعرفة الدينية، لا من خارجها، وكلاهما حاول أن يفتح نافذة على الفكر الإنساني الأوسع، من غير أن يتعامل مع التراث على أنه كتلة جامدة مغلقة. كما أن الرفاعي، مثل ابن قِبَة، لا يكتفي بالتكرار أو الشرح، وإنما يسعى إلى مساءلة البنى الفكرية السائدة، وإثارة الأسئلة التي يتجنبها الخطاب التقليدي.
كما استفاد ابن قِبَة من أدوات المعتزلة والمنطق الكلامي في بناء رؤيته والدفاع عنها، ينفتح عبد الجبار الرفاعي على الفلسفة والعلوم الإنسانية ليدرس التجارب الروحية، ويستثمر المناهج الحديثة وأسئلتها في إعادة فهم الدين وقراءة نصوصه، والسعي إلى تحريره من الانغلاق الكلامي والفقهي، ليستعيد لغته الروحية والأخلاقية والجمالية، في أفق أكثر إنسانية وعمقًا.
كذلك يشترك الاثنان في أن كليهما أثار حساسية داخل بيئته؛ لأن العقل النقدي يوقظ الأسئلة المؤجلة، ويكشف ما تستتر عليه البنى الفكرية الموروثة، لذلك يُقلق أكثر مما يُطمئن، خاصة في البيئات التي اعتادت اليقين السريع، وأَلِفَت تكرار الأجوبة الجاهزة.
الشخصيات المؤسسة لا تُستقبل بسهولة، لأن المجتمعات المعتادة على اليقين السريع تضيق غالبًا بمن يعيد فتح الأسئلة، أو يدعو إلى مراجعة طرائق التفكير الموروثة، ذلك أن السؤال النقدي يربك الطمأنينة التي تسكن إليها الذهنيات المغلقة، ويكشف هشاشة كثير من المسلّمات التي ترسخت مع الزمن.
لقد كان علم الكلام في عصر ابن قِبَة علمًا حيًّا، يتصل بأسئلة الإنسان والوجود والمعرفة والسياسة، ويتفاعل مع التحولات الفكرية الكبرى في عصره. أما اليوم فكثيرًا ما ينحدر إلى دفاع عاطفي، أو إعادة تدوير لشروح قديمة، منفصلة عن قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية العميقة.
لهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى شخصيات تمتلك روح ابن قِبَة وجرأة عبد الجبار الرفاعي؛ شخصيات تنتمي إلى التراث من داخله، من غير أن تستسلم لسلطته المغلقة، وتنفتح على العقل والفلسفة والعلوم الإنسانية وأسئلة الإنسان المعاصر من غير خوف أو ارتياب. شخصيات تجمع بين الإيمان والشجاعة النقدية، وبين الوفاء للمعنى الروحي للدين والقدرة على مراجعة البنى الكلامية والفقهية الموروثة. ذلك أن نهضة الفكر لا تتحقق بالحفظ والتكرار وحدهما، وإنما تبدأ حين يستيقظ السؤال، ويتحرر العقل من رهبة المألوف، ويغدو التفكير مغامرة لا تكرارًا لما قاله الأسلاف.
https://almothaqaf.com/aqlam/987769-ستار-الزهيري-ابن-ق%D9%90بَة-الرازي-وعبد-الجبار-الرفاعي
ستار الزهيري
كثيرًا ما شغلت ذهني شخصية ابن قِبَة الرازي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري، وجعلتني أتساءل: لماذا لا تعيد الإمامية إنتاج شخصية مماثلة لها في هذا العصر؟ ولطالما وجدتُ في عبد الجبار الرفاعي شيئًا من هذه الروح، لا من حيث التطابق الكامل بين الشخصيتين، وإنما من حيث الجرأة على فتح الأسئلة المؤجلة، ومحاولة إعادة بناء التفكير الديني بلغة تتجاوز التكرار والانغلاق. فظاهرة ابن قِبَة لم تكن مجرد موهبة فردية عابرة، وإنما كانت ثمرة بيئة علمية حيّة تضجّ بالجدل والأسئلة والاحتكاك الحقيقي بين المدارس الفكرية المختلفة، فقد خرج من وسط كانت فيه المعتزلة والإمامية والفلاسفة وأهل الحديث يتناظرون علنًا، من غير حساسية مفرطة ولا خوف من السؤال، وكان الانتقال بين المدارس الفكرية يُنظر إليه على أنه تحوّل معرفي، لا خيانة للهوية.
تميّز ابن قِبَة بقدرته على الجمع بين العقل والنص، فلم يكن أسير النقل الجامد، ولا أسير التأمل العقلي المنفصل عن التراث. كما عرف خصومه من الداخل، لأنه مرّ بتجربة الاعتزال واطّلع على مناهجه الكلامية، لذلك جاءت ردوده دقيقة وعميقة، لا تقوم على التشويه أو الكاريكاتير الفكري للطرف الآخر.كان يمتلك شجاعة فكرية في مناقشة القضايا الحساسة، مع لغة جدلية قوية ومنهج استدلالي منظم، جعله من أوائل من منحوا للكلام الإمامي طابعًا عقليًا متماسكًا.
وهنا يكمن أحد أهم وجوه الالتقاء مع عبد الجبار الرفاعي؛ فكلاهما انطلق من داخل المعرفة الدينية، لا من خارجها، وكلاهما حاول أن يفتح نافذة على الفكر الإنساني الأوسع، من غير أن يتعامل مع التراث على أنه كتلة جامدة مغلقة. كما أن الرفاعي، مثل ابن قِبَة، لا يكتفي بالتكرار أو الشرح، وإنما يسعى إلى مساءلة البنى الفكرية السائدة، وإثارة الأسئلة التي يتجنبها الخطاب التقليدي.
كما استفاد ابن قِبَة من أدوات المعتزلة والمنطق الكلامي في بناء رؤيته والدفاع عنها، ينفتح عبد الجبار الرفاعي على الفلسفة والعلوم الإنسانية ليدرس التجارب الروحية، ويستثمر المناهج الحديثة وأسئلتها في إعادة فهم الدين وقراءة نصوصه، والسعي إلى تحريره من الانغلاق الكلامي والفقهي، ليستعيد لغته الروحية والأخلاقية والجمالية، في أفق أكثر إنسانية وعمقًا.
كذلك يشترك الاثنان في أن كليهما أثار حساسية داخل بيئته؛ لأن العقل النقدي يوقظ الأسئلة المؤجلة، ويكشف ما تستتر عليه البنى الفكرية الموروثة، لذلك يُقلق أكثر مما يُطمئن، خاصة في البيئات التي اعتادت اليقين السريع، وأَلِفَت تكرار الأجوبة الجاهزة.
الشخصيات المؤسسة لا تُستقبل بسهولة، لأن المجتمعات المعتادة على اليقين السريع تضيق غالبًا بمن يعيد فتح الأسئلة، أو يدعو إلى مراجعة طرائق التفكير الموروثة، ذلك أن السؤال النقدي يربك الطمأنينة التي تسكن إليها الذهنيات المغلقة، ويكشف هشاشة كثير من المسلّمات التي ترسخت مع الزمن.
لقد كان علم الكلام في عصر ابن قِبَة علمًا حيًّا، يتصل بأسئلة الإنسان والوجود والمعرفة والسياسة، ويتفاعل مع التحولات الفكرية الكبرى في عصره. أما اليوم فكثيرًا ما ينحدر إلى دفاع عاطفي، أو إعادة تدوير لشروح قديمة، منفصلة عن قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية العميقة.
لهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى شخصيات تمتلك روح ابن قِبَة وجرأة عبد الجبار الرفاعي؛ شخصيات تنتمي إلى التراث من داخله، من غير أن تستسلم لسلطته المغلقة، وتنفتح على العقل والفلسفة والعلوم الإنسانية وأسئلة الإنسان المعاصر من غير خوف أو ارتياب. شخصيات تجمع بين الإيمان والشجاعة النقدية، وبين الوفاء للمعنى الروحي للدين والقدرة على مراجعة البنى الكلامية والفقهية الموروثة. ذلك أن نهضة الفكر لا تتحقق بالحفظ والتكرار وحدهما، وإنما تبدأ حين يستيقظ السؤال، ويتحرر العقل من رهبة المألوف، ويغدو التفكير مغامرة لا تكرارًا لما قاله الأسلاف.
https://almothaqaf.com/aqlam/987769-ستار-الزهيري-ابن-ق%D9%90بَة-الرازي-وعبد-الجبار-الرفاعي
صحيفة المثقف
ستار الزهيري: ابن قِبَة الرازي وعبد الجبار الرفاعي
لماذا تعجز بيئتنا عن إنتاج العقل الكلامي الحي؟
كثيرًا ما شغلت ذهني شخصية ابن قِبَة الرازي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوفي في أوائل
كثيرًا ما شغلت ذهني شخصية ابن قِبَة الرازي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوفي في أوائل
وهو يرى أن تجديدًا جذريًا للمقولات اللاهوتية وحده القادر على استعادة الطاقة الروحية للإسلام، وفي الوقت نفسه تأسيس حوار ديني صادق بين الأديان. ويهدف “علم الكلام الجديد”، في هذا الأفق، إلى القطيعة مع كل أشكال الشرعنة اللاهوتية للتمييز والعنف التي تستمد مبادئها وأسسها من علم الكلام التقليدي.
من هنا يطرح الرفاعي السؤال الآتي: هل تشكل الافتراضات الإبستمولوجية، والمقولات اللاهوتية، والغايات التي يتصورها لعلم الكلام الجديد، جهازًا لاهوتيًا فعّالًا حقًا لبناء لاهوت منفتح على الحوار بين الأديان، بوصفه السدّ الوحيد في مواجهة أخطار الصراعات الجديدة التي تغذيها القراءات المغلقة والإقصائية؟ وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ. وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها عبد الجبار الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ المؤسسة لعلم الكلام الجديد، قبل تقويم مدى قدرته الفعلية على إعادة تأسيس فضاء لاهوتي مهيأ للحوار بين الأديان.
أولًا: عجز علم الكلام عن الحوار بين الأديان
يرى عبد الجبار الرفاعي أن عجز علم الكلام عن تقديم أطر لاهوتية صالحة للحوار، سواء مع أتباع الديانات الأخرى أو مع العالم الحديث، يعود إلى عدة عوامل. فمن جهة، تحمل هذه المنظومة الكلامية تصورًا لاهوتيًا لله يقوم على منطق السيد والعبد. ومن جهة أخرى، ظلّ علم الكلام مشبعًا بوظيفته الأصلية المتمثلة في الدفاع عن الإسلام وحمايته، الأمر الذي قاده كثيرًا إلى ممارسة التكفير، وهي ممارسة ما تزال آثارها حاضرة، على الأقل في الذهنيات، رغم تخلي مؤسسات أكاديمية عديدة، مثل الأزهر الشريف، عن استعمالها الصريح. كما أن مساواة علم الكلام بالدين نفسه أسهمت في تجميد الفكر اللاهوتي الإسلامي، وحكمت عليه بالتكرار المستمر، في مفارقة لافتة.
وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.
ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ “مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر.
من هنا يطرح الرفاعي السؤال الآتي: هل تشكل الافتراضات الإبستمولوجية، والمقولات اللاهوتية، والغايات التي يتصورها لعلم الكلام الجديد، جهازًا لاهوتيًا فعّالًا حقًا لبناء لاهوت منفتح على الحوار بين الأديان، بوصفه السدّ الوحيد في مواجهة أخطار الصراعات الجديدة التي تغذيها القراءات المغلقة والإقصائية؟ وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ. وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها عبد الجبار الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ المؤسسة لعلم الكلام الجديد، قبل تقويم مدى قدرته الفعلية على إعادة تأسيس فضاء لاهوتي مهيأ للحوار بين الأديان.
أولًا: عجز علم الكلام عن الحوار بين الأديان
يرى عبد الجبار الرفاعي أن عجز علم الكلام عن تقديم أطر لاهوتية صالحة للحوار، سواء مع أتباع الديانات الأخرى أو مع العالم الحديث، يعود إلى عدة عوامل. فمن جهة، تحمل هذه المنظومة الكلامية تصورًا لاهوتيًا لله يقوم على منطق السيد والعبد. ومن جهة أخرى، ظلّ علم الكلام مشبعًا بوظيفته الأصلية المتمثلة في الدفاع عن الإسلام وحمايته، الأمر الذي قاده كثيرًا إلى ممارسة التكفير، وهي ممارسة ما تزال آثارها حاضرة، على الأقل في الذهنيات، رغم تخلي مؤسسات أكاديمية عديدة، مثل الأزهر الشريف، عن استعمالها الصريح. كما أن مساواة علم الكلام بالدين نفسه أسهمت في تجميد الفكر اللاهوتي الإسلامي، وحكمت عليه بالتكرار المستمر، في مفارقة لافتة.
وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.
ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ “مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر.
وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه.
هكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”، أصبح من المتعذر، بحسب عبد الجبار الرفاعي، قيام أي حوار صادق أو تعايش حقيقي. ولذلك يخلص إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويبيّن الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في بداياته.
وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإن كثيرًا من علماء الكلام المسلمين يرفضون اليوم أي حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من آثار في تفكيرهم اللاهوتي. المفارقة، بحسب عبد الجبار الرفاعي، أن المبرر الذي يُقدَّم لهذا الرفض يقوم على الخوف من “تغريب” علم الكلام، أي من أن يؤدي الانفتاح على فلسفات نشأت خارج الثقافة الإسلامية إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة نوع من المساواة بين علم الكلام والدين نفسه، بحيث تُعدّ كل محاولة لتجاوز المدرسة الأشعرية أو نقدها أو الانفتاح على آفاق جديدة بمثابة طعن في الدين برمته. ولهذا تُفسَّر كل معارضة بوصفها علامة على إنكار الضروري أو بدعة، حتى غدا علم الكلام، الذي كان يُنظر إليه بوصفه “أشرف العلوم”، مصفوفة جامدة منغلقة على ذاتها، كثيرًا ما تحظى بدعم السلطات السياسية التي تستمد منه شرعية حكمها.
يرى الرفاعي أن الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان لا تتجاوز غالبًا حدود المجاملات واللياقات الأخلاقية من دون أثر حقيقي، لأنها تبقى خارج البنية اللاهوتية التقليدية، ولا تدفع اللاهوت الإسلامي إلى إعادة التفكير في نفسه انطلاقًا من ضرورة الحوار والاعتراف بالآخر. كما أن عجز علم الكلام عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي حكم المتكلمين الأوائل حرم اللاهوت الإسلامي من امتلاك المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي فرضها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. ويرى الرفاعي أن جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل كرامة الإنسان، وهي فكرة تقع في صميم تشكل الذات الحديثة وحقوق الإنسان، مع أن القرآن، بحسب رأيه، يتيح تأسيسًا لاهوتيًا واضحًا لها.
هكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”، أصبح من المتعذر، بحسب عبد الجبار الرفاعي، قيام أي حوار صادق أو تعايش حقيقي. ولذلك يخلص إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويبيّن الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في بداياته.
وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإن كثيرًا من علماء الكلام المسلمين يرفضون اليوم أي حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من آثار في تفكيرهم اللاهوتي. المفارقة، بحسب عبد الجبار الرفاعي، أن المبرر الذي يُقدَّم لهذا الرفض يقوم على الخوف من “تغريب” علم الكلام، أي من أن يؤدي الانفتاح على فلسفات نشأت خارج الثقافة الإسلامية إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة نوع من المساواة بين علم الكلام والدين نفسه، بحيث تُعدّ كل محاولة لتجاوز المدرسة الأشعرية أو نقدها أو الانفتاح على آفاق جديدة بمثابة طعن في الدين برمته. ولهذا تُفسَّر كل معارضة بوصفها علامة على إنكار الضروري أو بدعة، حتى غدا علم الكلام، الذي كان يُنظر إليه بوصفه “أشرف العلوم”، مصفوفة جامدة منغلقة على ذاتها، كثيرًا ما تحظى بدعم السلطات السياسية التي تستمد منه شرعية حكمها.
يرى الرفاعي أن الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان لا تتجاوز غالبًا حدود المجاملات واللياقات الأخلاقية من دون أثر حقيقي، لأنها تبقى خارج البنية اللاهوتية التقليدية، ولا تدفع اللاهوت الإسلامي إلى إعادة التفكير في نفسه انطلاقًا من ضرورة الحوار والاعتراف بالآخر. كما أن عجز علم الكلام عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي حكم المتكلمين الأوائل حرم اللاهوت الإسلامي من امتلاك المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي فرضها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. ويرى الرفاعي أن جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل كرامة الإنسان، وهي فكرة تقع في صميم تشكل الذات الحديثة وحقوق الإنسان، مع أن القرآن، بحسب رأيه، يتيح تأسيسًا لاهوتيًا واضحًا لها.
ومن هنا يدافع الرفاعي عن ضرورة بناء “علم كلام جديد”، ويتساءل الكاتب عن مفاهيم هذا العلم الجديد وطبيعته ومنظومته القيمية ومنهجيته.
ثانيًا: علم الكلام الجديد، دعوة إلى قطيعة إبستمولوجية
تُعدّ فكرة “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرة محورية، إذ لا يتعلق الأمر عنده بإصلاح أو إحياء بالمعنى التقليدي، وإنما بضرورة التفكيك والقطيعة مع الرؤى اللاهوتية القديمة. فالرفاعي، وهو يفكر خارج الأسوار التقليدية، يسعى إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات الموروثة، ومن الشروح على الشروح والحواشي على الحواشي. يرى الرفاعي أن أول من استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو المفكر الهندي شبلي النعماني، غير أن الدلالة التي قصدها تختلف عن المعنى الذي يمنحه الرفاعي لهذا المفهوم اليوم. فشبلي النعماني كان يريد معالجة قضايا جديدة فرضتها الحداثة، من دون اقتراح إطار إبستمولوجي جديد للتفكير فيها. فقد انشغل موضوع “علم الكلام الجديد” لديه بقضايا مثل الانتحار، والرق، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بقصد الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي، من غير أن يفتح مسافة نقدية تجاه التصورات الكلامية عن الله، إذ بقي اشتغاله محصورًا في مستوى الشريعة، ولم يتناول بنية المعتقدات نفسها. أما هذا التحدي تحديدًا فهو ما يريد الرفاعي مواجهته. ولا يرى الرفاعي أن “علم الكلام الجديد” يمثل مدرسة مغلقة، وإنما يعدّه جزءًا من تيار عام يمتد في أثر مفكرين هنود مثل سيد أحمد خان. كما يدرج ضمن هذا التيار أسماء مثل محمد إقبال وأمين الخولي، الذي كان يؤكد أن “تطور العقائد واجب”. ويرى بعض المفكرين، مثل حسن حنفي، أن المطلوب هو ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان من أجل بناء “لاهوت للتحرر”، في حين يدعو آخرون، مثل محمد عابد الجابري، إلى توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة، بينما يرى محمد أركون ضرورة تجديد المنهج.
ويرى آخرون ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر إدخال المقاربة التاريخية النقدية مثلًا، من أجل فهم كيفية تشكّل المقولات والبُنى الفكرية الموروثة من القرون الماضية وسياقات إنتاجها. ومن ثم فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة، إذ ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في الوسط الشيعي مع مفكرين مثل: عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحسن كديور. وهذه الرؤية تنقض الاعتقاد بأن الفكر الكلامي التقليدي يمثل حقيقة ثابتة ونهائية، لأن أطروحات المتكلمين، بحسب عبد الجبار الرفاعي، ليست سوى “أجوبة ظرفية” عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والظروف التي عاشوا فيها. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية تبقى بطبيعتها أسئلة أزلية، غير أن الإجابات عنها ترتبط دائمًا برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”. لذلك يرى ضرورة استيعاب “المنعطف الهرمنيوطيقي”، الذي لا يعني التحرر من الدين نفسه، وإنما التحرر من البُنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتغذي أحلام الجماعة وطموحاتها ونرجسيتها، بحيث تبقى الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية. ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد الذي دعا إليه عدد من اللاهوتيين لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه أو التحول إلى معرفة متداولة على نطاق واسع في التعليم الديني، لأن “المفكرين الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب بدع أو نزعات هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية التي تعلن حاجتها إلى التجديد، مثل الأزهر الشريف، بقي خطابها، بحسب رأيه، خطابًا بلاغيًا في معظمه، لأن علم الكلام الذي يُدرّس فعليًا ما يزال هو علم الكلام الأشعري التقليدي. كما أن كثيرًا من الداعين إلى تجديد أصول الدين لم ينجحوا في فتح الطريق نحو تفسير متجدد للوحي، مع أن هذا التفسير يمثل الشرط الضروري لكل تجديد حقيقي. ولذلك يرى الرفاعي ضرورة إنجاز جينالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح المختلفة، وتحليل أسباب إخفاقها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد على ولادة التجديد اللاهوتي المنشود وانتشاره. وفي هذا الأفق يؤكد الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد…”.
في هذا الأفق يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وتشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. ويرى أن هذا التحول الجذري وحده القادر على إتاحة فهم مختلف تمامًا للحقائق اللاهوتية. فلم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما هو غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات الدينية ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة.
ثانيًا: علم الكلام الجديد، دعوة إلى قطيعة إبستمولوجية
تُعدّ فكرة “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرة محورية، إذ لا يتعلق الأمر عنده بإصلاح أو إحياء بالمعنى التقليدي، وإنما بضرورة التفكيك والقطيعة مع الرؤى اللاهوتية القديمة. فالرفاعي، وهو يفكر خارج الأسوار التقليدية، يسعى إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات الموروثة، ومن الشروح على الشروح والحواشي على الحواشي. يرى الرفاعي أن أول من استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو المفكر الهندي شبلي النعماني، غير أن الدلالة التي قصدها تختلف عن المعنى الذي يمنحه الرفاعي لهذا المفهوم اليوم. فشبلي النعماني كان يريد معالجة قضايا جديدة فرضتها الحداثة، من دون اقتراح إطار إبستمولوجي جديد للتفكير فيها. فقد انشغل موضوع “علم الكلام الجديد” لديه بقضايا مثل الانتحار، والرق، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بقصد الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي، من غير أن يفتح مسافة نقدية تجاه التصورات الكلامية عن الله، إذ بقي اشتغاله محصورًا في مستوى الشريعة، ولم يتناول بنية المعتقدات نفسها. أما هذا التحدي تحديدًا فهو ما يريد الرفاعي مواجهته. ولا يرى الرفاعي أن “علم الكلام الجديد” يمثل مدرسة مغلقة، وإنما يعدّه جزءًا من تيار عام يمتد في أثر مفكرين هنود مثل سيد أحمد خان. كما يدرج ضمن هذا التيار أسماء مثل محمد إقبال وأمين الخولي، الذي كان يؤكد أن “تطور العقائد واجب”. ويرى بعض المفكرين، مثل حسن حنفي، أن المطلوب هو ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان من أجل بناء “لاهوت للتحرر”، في حين يدعو آخرون، مثل محمد عابد الجابري، إلى توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة، بينما يرى محمد أركون ضرورة تجديد المنهج.
ويرى آخرون ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر إدخال المقاربة التاريخية النقدية مثلًا، من أجل فهم كيفية تشكّل المقولات والبُنى الفكرية الموروثة من القرون الماضية وسياقات إنتاجها. ومن ثم فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة، إذ ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في الوسط الشيعي مع مفكرين مثل: عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحسن كديور. وهذه الرؤية تنقض الاعتقاد بأن الفكر الكلامي التقليدي يمثل حقيقة ثابتة ونهائية، لأن أطروحات المتكلمين، بحسب عبد الجبار الرفاعي، ليست سوى “أجوبة ظرفية” عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والظروف التي عاشوا فيها. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية تبقى بطبيعتها أسئلة أزلية، غير أن الإجابات عنها ترتبط دائمًا برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”. لذلك يرى ضرورة استيعاب “المنعطف الهرمنيوطيقي”، الذي لا يعني التحرر من الدين نفسه، وإنما التحرر من البُنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتغذي أحلام الجماعة وطموحاتها ونرجسيتها، بحيث تبقى الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية. ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد الذي دعا إليه عدد من اللاهوتيين لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه أو التحول إلى معرفة متداولة على نطاق واسع في التعليم الديني، لأن “المفكرين الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب بدع أو نزعات هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية التي تعلن حاجتها إلى التجديد، مثل الأزهر الشريف، بقي خطابها، بحسب رأيه، خطابًا بلاغيًا في معظمه، لأن علم الكلام الذي يُدرّس فعليًا ما يزال هو علم الكلام الأشعري التقليدي. كما أن كثيرًا من الداعين إلى تجديد أصول الدين لم ينجحوا في فتح الطريق نحو تفسير متجدد للوحي، مع أن هذا التفسير يمثل الشرط الضروري لكل تجديد حقيقي. ولذلك يرى الرفاعي ضرورة إنجاز جينالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح المختلفة، وتحليل أسباب إخفاقها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد على ولادة التجديد اللاهوتي المنشود وانتشاره. وفي هذا الأفق يؤكد الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد…”.
في هذا الأفق يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وتشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. ويرى أن هذا التحول الجذري وحده القادر على إتاحة فهم مختلف تمامًا للحقائق اللاهوتية. فلم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما هو غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات الدينية ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة.