عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
725 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
إن افتراض بناء مجتمع على الرحمة وحدها افتراض غير واقعي، لأن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يتحقق ما دام الإنسان إنسانًا. غير أن الرحمة تظل قيمة إنسانية رفيعة تسمو بحياة الفرد والجماعة، إذ تنفي بعض العقوبات عفوًا، أو تخفف من قسوة بعض العقوبات الأخرى، كما تغدو هدفًا نبيلًا ينشده الدين ليوقظ به ضمير الإنسان، ويرتقي به إلى أجمل حالة إنسانية يمكن أن تتحلى بها شخصيته.
الرحمة تنتج ما لا تنتجه العدالة، فمن الرحمة يتوالد الغفران والعفو والعطف والرفق واللين والشفقة، لذلك يستطيع من يعيش الرحمة حالة في أعماقه أن يتحمل الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيع العفو عنها. الرحيم يتحمل ما لا يتحمله غيره، ويعفو عما لا يعفو عنه سواه من البشر. والكائن البشري لا يتصف بالرحمة بطبعه، إذ ينزع في كثير من الأحيان إلى التسلط على الآخرين والاستحواذ على ما في حياتهم، ولعل في ذلك سر تركيز القرآن الكريم على الرحمة وكثافة حضورها فيه، وجعلها إطارًا مرجعيًا وبوصلة دلالية ترشد إلى ما تشير إليه آياته وسوره. الرحمة حالة يمكن أن يعيشها الإنسان، غير أن التحقق بها ليس يسيرًا، ولا يتمثلها أكثر الناس بسهولة، لأنها شاقة على النفس، إذ تحول نزعات العدوان المترسبة في أعماق الإنسان دون امتلاكها على الدوام.
 الإنسان كائن يتغلب في حياته أحيانًا الشر على الخير، والتوحش على الرحمة، ولولا الأخلاق والدين والقانون لما كانت الحياة ممكنة. لقد أسهمت الأخلاق والأديان والقوانين في خفض جانب كبير من الطاقة التدميرية للتوحش في الأرض، فغدت الحياة قابلة للاستمرار. ولا يتأنسن الإنسان إلا بالرحمة، ومن دونها يتساوى هذا الكائن مع أي وحش مفترس. والكائن البشري ليس خيرًا بطبعه، وإنما يمتلك استعدادًا لأن يكون خيرًا أو شريرًا، ونادرًا ما ينجو الإنسان في نشأته من آثار العوامل التي تكوّن نواة السلوك العدواني في شخصيته، ولو تحرر منها أكثر الناس لكانوا أكثر رحمة. لذلك يتطلب الحد من تأثير هذه العوامل أن ينشأ الإنسان في بيئة تربوية صحية، وتنمو شخصيته في فضاء من التربية الأخلاقية والحياة الروحية الملهمة والثقافة الحيوية المتنوعة، كي تترسخ فيه النزعات الخيرة، وتتولد في روحه بذرة المحبة وتنمو باستمرار، فتغدو طاقة تلهم أجمل معاني الحياة، وتكرس الرحمة وما يتولد عنها من قيم العفو والغفران والشفقة على الخلق، وما يحمي الإنسان من الاغتراب الوجودي. https://alzawraapaper.com/content.php?id=385784
العواطف تغذّي التربية أكثر من العقل

د. عبد الجبار الرفاعي                                                          
مهما كان الإنسان صغيرًا أو كبيرًا فإنه يحتاج إلى الحب والدعم العاطفي. الخلطة السحرية في التربية والتعليم يغذّيها القلب والعواطف قبل العقل، لأن العاطفة أعمق أثرًا في بناء الإنسانوتكريس شخصيته. إذا أراد المعلم التأثير الفعال في أذهان تلامذته فعليه أن يبدأ بعواطفهم، لأن العاطفة توقظ القابلية على التعلم، وتفتح العقل لتلقي المعرفة. كلما ازدادت العواطف الصادقة ازداد تحفيز المواهب، واستيقظ الوعي، واغتنت المهارات. الاعتراف بمنجز التلميذ، والإعجاب بجهوده، وتشجيعه، من أكثر ما يبعث الثقة في نفسه، ويمنحه الشجاعة على اكتشاف طاقاته الكامنة. التاريخ صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، التفكير يتجاذبه سلطان العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقل والتفكير النقدي من جهة أخرى، لذلك تتجلى قيمة الفلسفة والعلوم في قدرتها على إيقاظ العقل وتمكينه من النظر الحر الذي يراجع المسلمات ويختبر الأفكار خارج اندفاع العاطفة وانغلاق الهوية.
القلب مرآة يضيئها الحب، القلب الذي يعيش الحب لا تدركه الشيخوخة، الحب يغيّر ما دام متوهجًا، في الحب يتجلى أجمل ما في الإنسان، وتنبعث منابع الخير المودعة في أعماقه. في التربية والتعليم الحب يغيّر؛ يوقظ العقل، ويروي المواهب، ويطور المهارات، ويفجر الطاقات الكامنة. في العلاقات الإنسانية الحب يغيّر؛ الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي. عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحب، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسان الحب، وأنفس طور وجودي للإنسان الحب، وأثمن وجود للإنسان الحب، وأزكى وجود للإنسان الحب، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحب. في بعض الحالات يتسامى الحب ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالم، وذلك ما يجعل وجود هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يشعر الإنسان بمتعة وجوده في العالم كالحب. الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر.  
كل مجتمع يتوطنه الحب، والفن، والتدين العقلاني الأخلاقي، تتوطنهقيم احترام المختلف في المعتقد، والعيش المشترك في إطار الاختلاف والتنوع، وإن كان مثل هذا المجتمع يظل حلمًا أكثر من تحققه في الواقع. الدين والحب والفن يغذي كل منها الآخر ويتغذى منه. الرؤية الجمالية لله والعالم تتوالد من التفاعل الإيجابي الخلاق لهذه العناصر الثلاثة. تظل المحبة الرصيد الأسمى للعلاقات الإنسانية، ومن يوقف حياته للاستثمار في المحبة يراها دواء للقلوب، ولكل داء في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبة رافد غزير يغذي الصلة بالله ويكرسها. العرفان في الأديان يوقظ في الأرواح لغة الحب والجمال.
الحب كيمياء تصهر عناصر متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفة كأنها إكسير يحول كل شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمة عندما تنطقها لغة القلب المشفقة، فالرحمة تعيد ترميم كل شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. غير أن الحب ولا الرحمة لا يكونان بديلًا للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشر الكامن في الإنسان.
العقل والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشر الكامن في باطنه. الإيمان والمحبة والأخلاق هي ما يخفف وطأة الشر الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقي الخالص والإنسان الكامل يتنكر له الواقع، لأنه لا يشبه طبيعة الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناء نادر. لا يمكن الاستغناء عن العدالة بالرحمة، فالرحمة ليست بديلًا عن العدالة في بناء أي جماعة بشرية أو بناء أي دولة. الظلم مقيم في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرضان عليه الكدح والتنافس والصراع، لذلك تمنع العدالة أن ينتهي سعي الإنسان إلى تأمين مصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.
 لا مجتمع في الأرض يخلو من الشر الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، ولا مجتمع يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسس المجتمعات والدول على الحب وحده، أو الرحمة وحدها، أو الشفقة وحدها، أو العطاء وحده. لا تعني الدعوة للحب إلغاء النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا القوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على التداول السلمي للسلطة والأسس العلمية الحديثة. ولا تعني الدعوة للرحمة إلغاء القوانين الجنائية والجزائية العادلة، كما لا تعني الدعوة للإنفاق والعطاء إلغاء الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوة للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاء النظام الإداري الحديث. الدعوة إلى شيء لا تعني إلغاء ما سواه.
تمت اليوم 5.10.2026 مناقشة رسالة الماجستير الموسومة: “منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه: مقدمة في علم الكلام الجديد”، التي قدّمها محمود الطائي إلى قسم العقيدة والفكر الإسلامي في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، وأُجيزت بتقدير جيد جدًا عالٍ.
القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي
القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا الأفذاذُ من البشر. القيمُ ضرورةٌ للحياة الإنسانية، وهي شرطٌ لوجود كلِّ مجتمع حيوي خلّاق.
هناك ثلاث مجموعاتٍ من القيمِ التي ينهلُ منها الإنسانُ وتشبِعُ متطلباتٍ معنويةً أساسية لحياته، وهي: القيم الروحية، والقيم الأخلاقية، والقيم الجمالية، ولكلّ واحدةٍ منها وظيفتُها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق للإنسان كمالًا على شاكلته، ويشبِعُ احتياجاتٍ أساسيةً في حياة الفرد والمجتمع. وبين هذه المجموعات الثلاث للقيم علاقةٌ عضويةٌ من التأثر والتأثير المتبادَل، فوجودُ كلٍّ منها يعزّز وجودَ الأخرى ويثريها، وترسيخُ كلٍّ منها يرسّخ وجودَ الأخرى ويكرّسها.
الحقيقةُ القيمية كالحقيقة الدينية، يدركهما الإنسانُ بالتدريج عبر التاريخ، فمع تقدّمِ الزمن تتضح رؤيةُ الإنسان وتنضج وتتكامل، تبعًا لتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته، وتكاملِ مناهج وأدوات المعرفة التي يوظفها في الفهم. مصاديقُ تحقّق القيم نسبيٌّ في حياة الفرد والجماعة، كما أن السعادةَ والنجاحَ والكمالَ نسبيةٌ.
الكرامةُ والكونيةُ هما المعيارُ الذي تتحدّد على أساسه القيمُ الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيمَ شاملةٌ، وأنها قانونٌ كلّي يصلح للتعميم لكلِّ الناس الذين تتوحد مصائرُهم في الأرض، فمهما كان الإنسانُ فإنه يحتاجُ الكرامة، لأن الكرامةَ تتحقّق بها إنسانيتُه، يحتاجها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضِّ النظر عن دينه وإثنيته وثقافته وعصره.كما يحتاجُ الإنسانُ مهما كان: الصدقَ والمساواةَ والحريةَ والعدلَ والأمانةَ، وهي كلّها تكرِّس الكرامةَ وتحميها من الانتهاك. الكرامةُ والحرية والمساواة والعدل والصدق والأمانة كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعي بمفهومِها واكتشافِ مصاديقها دفعةً واحدة، بل تَطَلَّبَ وصولُ الإنسانية إلى الوعي بمعانيها المعروفة اليوم، والتعرّفُ على حدودها وتطبيقاتها ومصاديقها عبورَ محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا عبر التاريخ. وذلك ما انتهى إليه الإعلانُ العالَمي لحقوق الإنسان، فلم تعد حقوقُ الإنسان الكونية قيمًا ترتبط عضويًّا بالثقافة المحلية والهوية المجتمعية؛ ذلك أن بعضَ الثقافاتِ المحلية والهوياتِ المجتمعية يتمايزُ فيها البشرُ، وتتفاوتُ حدودُ مكانتهم ومساحةُ حقوقهم وحرياتهم تبعًا لجنسهم ومعتقدهم وإثنيتهم.
لا حياةَ أخلاقية بلا قيمٍ كلية كونية تتجاوز الزمانَ والمكان والواقع، وتتموضع بوصفها معايير ثابتة للحق والخير والعدل والفضيلة والسلام والصدق والكرامة والمساواة والحرية والأمانة. مفاهيمُ هذه القيم تقف خارج التاريخ، لكن تطبيقاتِها تاريخية، تتناغم على الدوام وإيقاعَ رؤية الإنسان للعالَم وعلومه ومعارفه، وتعبّر مصاديقُها عن وعيه وتطوره الحضاري وثقافته ونمط عيشه في كلِّ عصر. يرى إيمانويل كانت أَنَّ: "الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء... وبالمثل القانون الأخلاقي، أو قانون الحرية، وهو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيًّا، إذا سيطر العقل على كل ميوله. فإن كان هذا قانونًا، فيجب ألا يكون له استثناء مهما تكن الظروف، كما أنه لا يمكن أن يكون صادقًا بالنسبة إلى أناس دون أناس، بل يجب أن يصدق على الجميع على السواء. خذ مثلًا: الواجب. إنه ليس واجبًا عليّ فقط دون غيري، وليس واجبًا في ظرف دون ظرف آخر، ولا يحتمل أي استثناء لمصلحة هذا أو ذاك. والأخلاق يجب أن تتألف من قوانين صادقة بالنسبة إلى كل الكائنات العاقلة على السواء". ويذهب كانت أيضًا إلى أنّ على الإنسان الذي يفعل أيَّ فعلٍ أن يفعله بالشكل الذي يصيّره تشريعًا عامًا لكلِّ البشر، إذ يقول: "افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة سلوكك أن تصبح مبدأ لتشريع عام... افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائما، وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة". نعني بالأخلاقِ هنا ما يحكمُ به العقلُ العملي أو العقلُ الأخلاقي، وهي الأخلاقُ بالمعنى الفلسفي، ولا نعني بها الأخلاقَ بمعنى الأحكام على وفق التصنيف الفقهي، أو ما عرُف بالآدابِ الشرعيةِ في تراثنا، وهذه الآدابُ ضربٌ من الأحكامِ الفقهية، عندما أضحى مفهومُ الشريعةِ مطابقًا لمفهومِ الفقه.
لا تتنكّر القيمُ الأخلاقية الكونية للحقِّ في الاختلاف، والحقِّ في الاعتقاد، والحقِّ في التفكير، والحقِّ في إبداء النظر، والحقِّ في التعبير.
التكفيرُ يصادر كلَّ هذه الحقوق ويتنكّر لها، لأنه لا يرى إلا وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا يعتقد إلا بوجود صورةٍ واحدةٍ لله، وتصورٍ واحد لصفاته، وطريقٍ واحد إليه، وقوالبَ جزميةٍ للاعتقاد به، وكلماتٍ أبديةٍ في التعبير عنه.
ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناءِ ضميرٍ أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من: انتهاك الكرامة، وتضييع الحقوق، وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ لماذا كانت مدونةُ الأخلاق شحيحةً، مقارنةً بمدوناتِ الحديث والرجال والتفسير والفقه والكلام واللغة وغيرها؟ لماذا يفتقر هذا التراث، على الرغم من سعته، إلى مقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري في ضوءِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والمعارف الحديثة، لئلا تُكرِه الإنسانَ وتعنّفه على فعلِ ما هو الضدّ من طبيعتِه الإنسانية؟
إن ما نعنيه بافتقارِه لمقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادّة، وُلِدت في سياقات متنوعة، تعود إلى مجتمعاتٍ عاشت في أزمنةٍ مختلفة، وتنحدر من ثقافاتٍ متعدّدة وهوياتٍ متنوعة، وتحيل إلى مرجعياتٍ ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره الأخلاقي، وصياغةِ رؤيةٍ تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة تَوازُنٍ تستجيب لاحتياجات مكوّنات طبيعة الكائن البشري، وتشبعها في سياق أخلاقي؛ لا يقدّم الجسدَ قربانًا للروح، ولا يجعل العقلَ قربانًا للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.
الحقُّ في الاختلاف يفرض بناءَ قيمِ التنوع والتعدّدية والعيش المشترك، لكن يتعذر ذلك في مجتمع تتفشّى فيه أحكامُ تكفير المختلِف في المعتقد. التكفير هو اللغم الأخطر في التراث الذي يقوّض كلَّ مسعىً للانخراط في العصر، إنه عنصرُ الممانعة الأقسى والأعنف لحضورِ المسلم الفاعل اليوم في العالَم. التكفيرُ في علم الكلام القديم يمنع المسلمَ من التفاعل العضوي الخلّاق داخل المجتمعات المتنوعة الأديان والثقافات، كما يمنع ولادةَ المواطنة بوصفها ركيزةَ بناء الدولة الحديثة، لذلك يتعذّر بناءُ الدولة الحديثة في البلاد التي تعتمد مقولاتِ الكلام القديم وتتخذها مرجعيةً في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبرامجها.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=385990
منهج عبد الجبار الرفاعي في كتابه.. "مقدمة في علم الكلام الجديد" تمت يوم الأحد 5.10.2026 مناقشة رسالة الماجستير الموسومة: "منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه: مقدمة في علم الكلام الجديد"، التي قدّمها محمود الطائي إلى قسم العقيدة والفكر الإسلامي في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، وأُجيزت بتقدير جيد جدًا عالٍ. وقد استقرأت هذه الرسالة المناهج العلمية التي اعتمدها في تدوين هذا الكتاب، وسعى من خلالها إلى معالجة مشاكل عدة من منظورٍ مختلف عن المنظور التراثي. فذهب من خلال ما انتهجه من مناهج علمية إلى تحديد وظيفة الدين بإجابته عن سؤال المعنى، وتحديد وظيفة علم الكلام الجديد بتفسير وفهم وتحليل حقيقة المعتقدات في ضوء معطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، والانتقال من الدفاع بوصفه وظيفة اقترنت بعلمِ الكلام القديم والنزاع حول حقيقة ( الكلام الإلهي )، بوصفها المسألةَ المركزية في الكلام القديم، إلى تقديم قراءة جديدة لظاهرة الوحي، بوصفها المسألةَ الـمـركزية في علم الكلام الجديد وتجديد الفكر الديني، كما ذهب من خلال ما انتهجه من مناهج عـلمية إلى رسم صورة لله تعالى تليق بعـدالته، ورحمته ، وجماله ، ونوره، وهي غير تلك الصورة التي رسمها المتكلمون في علم الكلام القديم، وتشكَّلت في سياق العنف والحروب والصراعات وانتشار العبودية. وخلص الباحث في رسالته إلى شرح المناهج التي استعملها الرفاعي، حيث كشف كتاب "مقدمة في علم الكلام الجديد" عن تعدد المناهج التي وظفها عبد الجبار الرفاعي في بناء رؤيته لعلم الكلام الجديد، إذ اعتمد المنهج النقدي في تفكيك البنى الكلامية التقليدية، والمنهج التحليلي في تفسير المفاهيم والكشف عن طبقاتها المعرفية، والمنهج التأويلي "الهرمنيوطيقي" في قراءة النصوص الدينية والتراث، والمنهج المقارن في الموازنة بين الرؤى والمذاهب والأفكار، كما استعمل المنهج التاريخي والسياقي لفهم نشأة الأفكار وتحولاتها، والمنهج الإنساني "الأنثروبولوجي" للكشف عن مركزية الإنسان في الدين، والمنهج المقاصدي الأخلاقي لاستعادة القيم المهدرة في المدونة الكلامية والفقهية، إلى جانب المنهج الفلسفي والعرفاني في بحث المطلق والنسبي وتجربة الإيمان، والمنهج التجديدي في الدعوة إلى إعادة بناء الفكر الديني بالاستفادة من معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة. كذلك يوظف الرفاعي المنهج التفكيكي والنقد الذاتي والاستشرافي في مراجعة التراث وتصنيف العلوم، ويستعين بالمنهج الوصفي والتفسيري والتصويري والحواري في عرضه للأفكار، مع حضور واضح للأسلوب البرهاني والاقناعي، الأمر الذي يكشف عن منهجية مركبة تلتقي فيها الفلسفة والعلوم الحديثة والتأويل والنقد والبعد الإنساني بغية تأسيس "علم كلام جديد" يحرر الدين من انغلاق التراث، ويخفض شعور الإنسان بالاغتراب الميتافيزيقي، ويروي الظمأ الأنطولوجي للروح.

https://www.almothaqaf.com/e4/987479
تحدث د. عبد الجبار الرفاعي، في: "جمعية فرانكفورت لتعزيز الدراسات الإسلامية" في ألمانيا، بتاريخ 5.5.2026 حول: "نسيان سؤال المعرفة في إحياء وإصلاح الفكر الديني وحضوره في الكلام الجديد".
أدار الندوة: د. جمال الدين بن عبد الجليل.
حين تصير الهوية جرحًا مفتوحًا

د. عبد الجبار الرفاعي
عندما تتشكل الهوية في سياق إمبراطوري، فإنها تتغذى من نرجسية الكبرياء الإمبراطوري، وتولد مشبعة بشعور الغلبة، ممتلئة بإحساس الثروة المادية والثراء المعنوي والرمزي، فخورة بذاتها، مركزية في رؤيتها للعالم، تتوهم أنها المعيار الوحيد لغيرها، وأنها الأصل وما عداها فروع وهوامش. أما حين تتشكل الهوية في سياق احتلالات متعاقبة واستعباد أجنبي، فإنها تولد مقهورة مستلبة، متشظية البنية، مكسورة الإرادة، عاجزة عن الاعتزاز بالذات أو استشعار السيادة. الهوية التي تنمو على الهامش تصير جرحًا مفتوحًا، فلا ترى نفسها بما يليق بها، وإنما تثقلها عقدة النقص، فتتطلع إلى الآخر بعين الهيبة والإجلال، وتظل عالقة في مراياه، تدور في مداراته، وتسقط أحلامها في مشاريعه، وتعيش على تصوراته عن الذات والتاريخ والعالم.
الهوية المتشكلة في بلد محتل، يعاني من الاضطهاد، ويفتقر الى منابع الشعور بالعزة والكرامة والفاعلية، تنتج انسانًا مأزومًا مقهورًا، يفشل في تعريف ذاته، مشدودًا الى الخارج بحثًا عن بديل. يسعى الإنسان في هذه الحالة الى تقمص هوية الآخر للهروب من واقعه، فيغترب عن نفسه، ويغدو منفيًا في داخله، مستلبًا في وجدانه، غريبًا في وطنه. هذا ما عاشه العراقي طويلًا تحت وطأة الاحتلالات والسلطات الوافدة، التي لم تعبر عن ذاته، ولم تنبع من ثقافته، ولم تجسد إرادته، فأعاق ذلك بناء وتجذير هوية وطنية ترسخ شعوره العميق بالانتماء لأرضه، وتغذي الذاكرة الجمعية بالروح الوطنية.
في سياق ذلك تشكل لدى العراقي وعي مأزوم، وشعور بالانتماء إلى هوية معاقة، جعله في كثير من الأحيان ينظر إلى الخارج مرجعًا للشرعية ومصدرًا للقوة. في مثل هذه الظروف تتحول الهوية إلى جرح مفتوح يعطل إمكان ولادة وعي وطني سيادي، ويفاقم هشاشة الانتماء، ويضعف القدرة على بناء دولة حديثة تنبثق من الذات، وتستعيد ثقتها بنفسها. دولة تستلهم حضارات العراق وثقافته ورموزه، وتوظف معطيات الفكر السياسي الحديث، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، يعيد للمواطن شعوره بالعزة والكرامة، عبر انتمائه إلى أرضه ومصالحه المشتركة مع شركائه في التاريخ والمصير.
مقارنة الهوية الوطنية العراقية بهويات وطنية لشعوب أخرى تكشف حجم الفارق، إذ استطاعت شعوب عانت من الاحتلال والقهر، أن تولّد من جراحها طاقة إيجابية، وبنت على آلامها وعيًا سياديًا،كما فعلت بعض دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو شعوب فيتنام وشرق آسيا، التي نهضت من ركام الاستعمار والحروب لتؤسس دولًا حديثة صناعية. أما العراقي فبفعل توالي الاحتلالات وطول أمدها، وغياب دولة وطنية متجذرة في لاشعوره السياسي ظل أسير وعي مأزوم، عاجزًا عن تحويل مأساته الى مشروع جامع، ولبث في دائرة التبعية والبحث عن خلاص خارجي. هنا تكمن المفارقة، إذ نجحت شعوب في تحويل جراحها الى ولادات جديدة، في حين ظل الجرح العراقي مفتوحًا، يعيد إنتاج الاغتراب السياسي، الذي يعيق إقامة دولة المواطنة الحديثة.
واحدة من أبرز آثار الاحتلالات الأجنبية المتوالية لبلاد الرافدين أن المحتل كان يفرض تغييرًا في البنية الديموغرافية، وذلك التغيير يقود إلى اختلال النسيج المجتمعي لأهل الأرض الأصليين. المحتل يصحبه جنوده ولا يأتي وحده، وغالبًا ما ترافقه كتل بشرية من قومه تقيم مستوطنات في الأرض المحتلة. هؤلاء، حين يمكثون في البلاد لسنوات، يتحولون إلى مكون من مكونات المجتمع، لكنهم يواجهون عقبات متعددة في عملية الاندماج، ويستبطنون دائمًا هوياتهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، وقيمهم، الراسخة في لاشعورهم الفردي والجمعي. إثر ذلك ينشأ اضطراب الهويات، ويظهر ازدواج الولاء، إذ يظلون منتمين في لاشعورهم السياسي إلى أقوامهم وقيمهم وثقافاتهم وأرضهم وأوطانهم من جهة، ومن جهة أخرى يسعون للانتماء إلى هوية البلاد التي استوطنوها، فيواجهون ممانعة ورفضًا. يؤدي هذا الاضطراب إلى تصدع الهوية الوطنية للسكان الأصليين كلما تعرض الوطن للاجتياح، خاصة في بلد مثل العراق توالت عليه الاحتلالات في عصوره المختلفة.
الامتداد المتصل لسلطات محتلة لم تتجذر في تربة العراق، واستيعاب كتل بشرية لم تنبثق من نسيجه الاجتماعي والقيمي والثقافي والرمزي التاريخي، رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، وأعاق تشكل هوية وطنية جامعة، وقوّض الإمكان التاريخي لولادة دولة تمثل الهوية الوطنية العراقية. تلك السلطات، ومن هاجر معها من أقوامها، لم تنبثق من الأرض العراقية، ولم تتجذر في ثقافتها وذاكرتها، وإنما بددت إمكانات ولادة دولة تعبر عن الهوية العراقية وتكرس الانتماء للوطن. هذا الامتداد الطويل للسلطات غير الوطنية أفضى إلى انقطاع الذاكرة السياسية، وتعطيل تراكم الخبرة المحلية، وحال دون تشكّل مدينة عراقية تعكس معنى الدولة، وتؤسس لنمط عيش حديث يقوم على القانون والمؤسسات، وعندما تندثر المدينة تندثر معها البنية المؤسِّسة للدولة.
غيابُ أيِّ أفقٍ للتربية على المواطنة في أدبيات الإسلام السياسي السني والشيعي يُفضي إلى إضعاف الضمير الوطني، ويطفئ في وعي الإنسان إحساسه العميق بالانتماء إلى هويته الوطنية. حين تستبدل الهوية الوطنية بهوياتٍ مستعارة، يتآكل الشعور بالمصير المشترك، ويغدو الوطن كيانًا باهتًا في الوجدان، لا يوقظ ولاءً ولا يستدعي تضحية. عندئذٍ تتبدد رمزية الوطن في المخيلة، ولا يكترث أبناؤه بما يعكس حضوره ويكرسه في الوجدان، بل يزدرى بعضهم رموزه، كالميراث الحضاري العريق، والعلَم، والنشيد الوطني، والفنون، والرياضة، وأمثالها. مثلًا ‏التأهل لكأس العالم يمثل قيمة ثمينة، تعزز رصيد الوطن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتلتقي عليها الهوية الوطنية لكل أبناء الوطن، وتحتجب الهويات الطائفية والعرقية وكل ما يتسبب في الانقسام.
التأهلُ لكأس العالم ليس حدثًا رياضيًا عابرًا، إنما هو لحظةٌ كثيفةُ المعنى في وعي المواطن، تتجلى فيها طاقةُ الانتماء في أبهى صورها. حين يحضر الوطن في هذا المحفل الكوني، يتعزز رصيده السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتحوّل إلى حضورٍ رمزيٍّ يوقظ الشعور بالكرامة، ويُنعش الإحساس بالمصير المشترك. في هذه اللحظة، تلتقي الهوية الوطنية بكل تنوّعاتها، وتتراجع الهويات الضيقة، الطائفية والعرقية، إلى الظل، وينفتح الأفق أمام معنى جامع يرى الإنسان فيه ذاته جزءًا من كلٍّ أكبر يحتضنه. لهذا تنفق الدول موارد هائلة من أجل هذا الحضور، كما فعلت قطر في قرارها الذكي، حين انفقت 120,000,000,000$ من أجل أن تستضيف كأس العالم، ولتكون مركزًا كونيًا في لحظة رياضية جامعة للعالم. ما يتحقق في كأس العالم يُقاس بما يخلقه من رأسمال رمزي، وصورةٍ ذهنيةٍ للوطن في الوعي العالمي، وما يغرسه في وجدان أبنائه من ثقةٍ بأنفسهم، واعتزازهم بوطنهم. إن حضور كأس العالم يتجاوز الرياضة إلى كونه فعلًا يعيد بناء المعنى الوطني السياسي، ويمنح الدولة مكانة دولية استثنائية، ويرسخ الانتماء للوطن لدى أهله، في لحظة تلتقي فيها القلوب قبل الشعارات، وتتوحد فيها المشاعر قبل الخطابات، وتستفيق فيها الذاكرة الوطنية بوصفها حاضنة لمعانى المصالح والمصائر والعيش المشترك.
https://alsabaah.iq/132252-.html
الرفاعي يمنحك طريقة جديدة للنظر للعالم

ستار الزهيري
رغم انشغالي هذه الأيام ببناء منزلي الجديد، وما يرافق ذلك من تعب وضيق وقت وتفاصيل لا تنتهي، إلا أنني أحاول في الوقت نفسه أن أبني شيئاً آخر أكثر عمقاً من الجدران والسقوف؛ أحاول أن أبني أفكاري ووعيي وأسئلتي، مستعيناً بما يقدمه عبد الجبار الرفاعي من قراءة مختلفة للإنسان والدين والتراث.
فبعض الكتّاب يمنحونك معلومات، أما الرفاعي فيمنحك طريقة جديدة للنظر إلى العالم.
في كل مرة يقترب فيها عبد الجبار الرفاعي من التراث، لا يقترب منه بوصفه مخزناً للمقدسات الجاهزة، بل بوصفه غابة كثيفة من الأسئلة، والرموز، والأقنعة، والطبقات التاريخية المتراكمة.
هو لا يدخل إلى النصوص القديمة حاملاً مطرقة الهدم، كما يتهمه خصومه، ولا يحمل مبخرة التقديس الأعمى كما يفعل حراس الموروث، بل يدخل وفي يده مصباح التأويل، محاولاً فك الألغاز التي تراكمت عبر القرون حول الدين، والإنسان، والمعنى.
لقد تعامل كثيرون مع التراث وكأنه صندوق مغلق لا يجوز فتحه، بينما رأى الرفاعي أن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في العقول التي جمدت التاريخ وحولت التجارب البشرية إلى يقينيات نهائية.
ولهذا كان مشروعه أقرب إلى محاولة تحرير الروح من سجون الشروح والحواشي والخوف المتراكم.
حين يقرأ التصوف لا يقرأه كطقوس غامضة، بل كبحث عميق عن المعنى الإنساني.
وحين يناقش الفقه أو علم الكلام، فإنه يحاول كشف اللحظة التاريخية التي أنتجت تلك الأفكار، لا تحويلها إلى قوانين أبدية فوق الزمن.
إنه يفتش دائماً عن الإنسان المختبئ خلف ركام المصطلحات.
ميزة الرفاعي أنه لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يوقظ القلق الفكري.
يعيد فتح الملفات التي أغلقتها السلطات الدينية والسياسية معاً، ويذكّر القارئ بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وأن التراث ليس متحفاً للصمت، بل مادة حية قابلة للفهم والنقد وإعادة القراءة.
وبعد إعادة قراءة كتب عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، يتبين أن الرجل لم يُكتشف كما ينبغي بعد، وأن كثيرين مرّوا على مشروعه الفكري مروراً سريعاً دون التوقف عند طبقاته العميقة.
فكل قراءة جديدة تكشف زاوية مختلفة، وكأنك لا تقرأ كاتباً واحداً، بل عوالم متجاورة من الفلسفة، والعرفان، وعلم الكلام، وأسئلة الإنسان القلقة.
شخصياً، كلما تعمقت في نصوصه ازددت اقتناعاً أن الرفاعي ليس مجرد مفكر يكتب عن الدين، بل عقل يحاول إعادة ترميم العلاقة بين الإنسان وروحه في زمن امتلأ بالضجيج والتعصب واليقين الأعمى.
ولهذا يبدو الإعجاب به ليس انبهاراً عابراً بكاتب، بل تقديراً نادراً لشخص امتلك شجاعة السؤال، وهدوء الحكيم، وجرأة العبور داخل المناطق التي يخشى كثيرون الاقتراب منها.
في عالمنا العربي، حيث يُكافأ المكرر ويُحاصر المختلف، تبدو محاولة فك الألغاز التراثية مغامرة خطرة.
لكن من دون هذه المغامرة سنبقى ندور داخل المتاهة نفسها، نكرر الأسئلة القديمة، ونخاف حتى من مجرد التفكير خارج الجدران التي بناها الأسلاف.

https://www.facebook.com/share/p/1Hj53Mtbx2/?
تجديد الفكر الفلسفي والديني عند عبد الجبار الرفاعي

تأليف: بلال علي بلال حميد

صدر هذا الكتاب حديثًا باللغة التركية في إزمير بتركيا، 2026.
تنحسر مرجعيةُ العقل في مجتمعاتٍ غير متعلمة تتفشى فيها العبوديةُ الطوعية، واستعبادُ الوعي، والانقيادُ الأعمى، وتخديرُ الضمير الأخلاقي. العاطفة والروح تعملان بخفاءٍ للتأثير في العقل، والتحكّم بتفسيراته وصناعة أحكامه وقراراته. يعودُ سوءُ الفهم بين الفلاسفة، واختلافُ طرائقِ فهمهم إلى تأثيرِ العاطفةِ والروحِ والذاتِ في تفسيراتِ العقلِ وأحكامِه على نحوٍ خفي، على الرغم من أن الفلاسفة هم الأكثر صرامةً في اعتمادِ العقل والعملِ على توظيفه في كلِّ شيء. لا خلاف في الفلسفة حول كون العقل هو الذي يرسم حدودَه، ويحدّد وظيفتَه، ويكتشف مصادرَ معرفته. الخلاف بين الفلاسفة أنفسهم حول حدود العقل، وماهية هذا العقل وتعريفه، ومجالاته، وكيفية إدراكه، ونوع مدركاته.
الفيلسوف يجيب عن سؤالِ المبدأ والمصير، والحياة والموت، وغيرها من الأسئلة الوجودية الكبرى، ويجيب عن كلِّ سؤال خارج العلم بالمعنى التجريبي. لا نهاية للفلسفة، يظلّ الإنسانُ يتفلسف مادامت الحياةُ والموت، وما دامت الأسئلةُ الوجودية التي لا تجيب عنها العلوم. ‌‏العلم غير الميتافيزيقا، كلُّ سؤال وجواب ميتافيزيقي بالإثبات أو النفي هو تفلسف خارج حقل العلم. عندما يقدّم أحدُ علماء الطبيعية أجوبةً عقلية للأسئلة الوجودية الكبرى، ينتقل تفكيرُه من حقل العلم إلى حقل الفلسفة بهذه الأجوبة. علاقةُ الفلسفة باللاهوت ديناميكية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوتُ بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤال اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات، إنه سؤالٌ مفتوح، وكلُّ سؤال مفتوح مَنجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسةَ تفشِّي اللامعقول وتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ في حدوده ويمنع تغوّلَ الأوهام إلا الفلسفة، ولا يتجدّد اللاهوتُ إلا عندما يعيد النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملها بعيون فلسفية. لا تداوي الفلسفةُ جروحَ الروح والقلب، العقل الفلسفي مشاغب لمن يمتلك قدرةً ذهنية على إيقاظه بالتساؤل العميق حتى في البداهات. التاريخ والواقع يشهدان بأن الأذكياء جدًّا والعباقرة تعذِّب وعيَهم الأسئلةُ الوجودية الكبرى التي لا جواب نهائي لها، حياة كثير من الفلاسفة كانت تقلقها الأسئلة وتوالد الأسئلة مجددًا من الإجابات التي يقدمونها.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=386182
لا محرَّمَ في التفكير الفلسفي

د. عبد الجبار الرفاعي
لا ممنوعَ ولا محرَّمَ ولا مقدَّسَ في التفكير الفلسفي، الممنوعُ الوحيدُ في التفكير الفلسفي هو تحريمُ التفكير الفلسفي الحر، بذريعة التحرش بالمقدَّس. لا معنى للفلسفة من دون التفكير الفلسفي الحر. ظلَّ التفكيرُ في وجود الله سؤالًا أبديًا يواكب العقل الفلسفي منذ فجر التأمل الإنساني. وما من فيلسوفٍ كبيرٍ إلا وتوقف عند هذا السؤال، إثباتًا أو نفيًا أو نقدًا. في كتاب إيمانويل كانط "نقد العقل المحض" نقرأ أعمق المعالجات الفلسفية لمسألة وجود الله، إذ رأى كانط أن العقلَ النظري يعجز عن الحسم في إثبات وجوده أو نفيه، لأن الله ليس موضوعًا للتجربة الحسية ولا يُدرَك بالبرهان العقلي الخالص. نقدَ إيمانويل كانط الأدلة التقليدية على وجود الله، كالبرهان الأنطولوجي والكوني والغائي، ورأى أن العقل النظري يعجز عن الحسم في هذه المسألة، ثم انتهى إلى أن الإيمان بالله ضرورة أخلاقية، لأن اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني.
هناك فرق بين الفلسفة واللاهوت في الأديان، وعلم الكلام في الإسلام. في اللاهوت وعلم الكلام يوجد سقف نهائي وحدود للتفكير، أما في الفلسفة فلا حدود للتفكير. التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان خارج إطار دينه، مهما كان دينه، ولا يعني ذلك ضرورة التخلي عن انتمائه الديني، وإنما أن يفكر بعيدًا عما تفرضه عليه رؤيته الدينية في حيز الوعي، وأن يُخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص. وهكذا ينبغي أن يكون موقف صاحب أية عقيدة عندما يفكر تفكيرًا فلسفيًا. فإذا أراد البوذي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وإذا أراد المسلم أن يفكر تفكيرًا فلسفيًا، فلا يتحقق ذلك إلا إذا فكّر خارج عقيدته، وهكذا كل صاحب دين مهما كان دينه. ولا يعني ذلك التخلص من الانتماء الديني، وإنما التفكير بعيدًا عما تفرضه الرؤية الدينية من تحيزات في فضاء الوعي، كما يحدث باستمرار. أما تنوع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، فهذه قضية ماثلة لكل قارئ متمرس بالفلسفة. غير أن ميزة العقل الفلسفي تكمن في أنه لا يصدر عن مرجعيات وتحيزات واعية تتحكم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، مع أن ذلك لا ينفي تأثير التحيزات اللاواعية لدى كل إنسان، الناتجة عن البنية السيكولوجية لشخصية الفيلسوف، وتأثير كيفية تربية عائلته ومجتمعه وأحكامه المسبقة، وغير ذلك من العوامل المتنوعة في تكوين لاوعيه.
الفلسفةُ إيقاظٌ متواصلٌ للعقل، وتحريرٌ له من تسلط المعتقدات، والأيديولوجيات، والهويات، والسلطات بمختلف أنماطها، ومن الإكراهات، والخرافات، والأوهام. التفكير الفلسفي يبدأ لحظة يتحرّر العقلُ من أنماط الوصايات المتنوعة، والمسلّمات المتوارثة غير البديهية. تتجلى قوةُ العقل في معرفته لحدوده، وقدرته على التفكير داخلَ فضائه، والخلاص من أوهامه، ومما هو زائف من أحكامه. التفكيرُ الفلسفي تفكيرُ نقدي، والتفكير النقدي على الضدّ من الاعتقاد النهائي المغلق، التفكيرُ الفلسفي متحرّر من الحدود والقيود والشروط والأسوار المغلقة.
كلُّ شيء يخضع لمُساءَلة العقل ونقده وتمحيصه في الفلسفة، العقل نفسه يخضع لمساءلةِ العقل، وتمحيصِ مفاهيمه، وغربلةِ أحكامه، وطريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لحقيقة معرفته، ومصادرها، وقيمتها. لا يضع الحدودَ للعقل إلا العقلُ، العقل يرسم حدودَه وما هو داخلٌ في فضائه، ويتدخل ببيان حقيقةِ ما هو خارج حدوده. لا يصدق التفكيرُ فلسفيًّا إلا لحظةَ يكتفي العقلُ في تصديقاتِه وحججِه وأحكامِه بذاته، فيكون هو مرجعية تمحيصِ تفكيره، ومرجعية ما سواه، والحكم عليه إثباتًا أو نفيًا. عندما يصمت العقلُ ويكفُّ عن وظيفته، تدخلُ الروحُ والعاطفةُ في متاهات. العقل يريد ألا نستمع منه إلا إلى صوته الخاص، من دون أن تشوّش عليه وتربكه وتنهكه أصواتٌ خارجَ حدوده. العقل يحكم بعدم إمكان أن يتخلصَ الإنسانُ من تأثيرٍ خفيّ لذاته وعواطفه ومشاعره والمحيط الذي يعيش فيه بشكلٍ تام. العقل يحكم بوجود الدين في الحياة ويحدّد مجالاته، ووجود المتخيّل ويحدّد مجالاته، والمثيولوجيات والأساطير ويحدّد مجالاتها، ويعلن بأنها من الثوابت الأبديَّة في الثقافات البشرية. العقل هو الذي يتولى توصيفَ وتصنيفَ هذه الموضوعات ويحكم عليها إثباتًا أو نفيًا، ويرسم خرائطَها ويضع حدودَها.
الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد. طبيعة الإنسان تتَّسع للوحدة والتفاعل الحيوي للعاطفة والروح والعقل. ‏هذه الوحدة أحيانًا يتغلب فيها أحدُ العناصر ويتراجع دورُ العناصر الأخرى. في الفلسفة يتغلب العقلُ ليصير هو المرجعية في الحكم والقرار، وبتغلُّبه يتحقق التفاعلُ الخلّاق بين العقل والروح والعاطفة. يضع العقلُ الروحَ والعاطفةَ في حدودهما، وهو الذي يصحّح المسارَ لهما على الدوام.