تفشت في جيلنا والجيل السابق اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي ينتمي إلى فضاء أيديولوجي عابر للحدود قبل انتمائه إلى وطنه، فيرى ذاته في الاتحاد السوفياتي ومحوره، أو في الصين والدول التي تدور في فلكها، يستمد منها تصوره للسياسة والدولة والمجتمع. وكان القومي العربي يقدم انتماءه إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية على انتمائه الوطني، ويرتبط رمزيًا بقيادتها وتنعكس في رؤيته ومواقفه السياسية مواقفها ورؤيتها. كما تمثلت في تجربة جمال عبد الناصر وأمثاله من القوميين، بما حملته من قدرة على تعبئة الجماهير، وصياغة خطاب تجييشي عاصف عابر للحدود. ثم اتخذ الانتماء لدى تيارات الإسلام السياسي مسارًا مماثلًا، إذ غدا الارتباط بالدول أو المرجعيات الدينية، كل بحسب موقفه المذهبي، متقدمًا على الانتماء الوطني، بما يعيد إنتاج ولاءات تتجاوز الدولة وتضعف مركزيتها في وعي المواطن.
عشتُ اضطرابات الهوية السياسية بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يمثل الهوية الأصلية، وأن العقيدة لا تحدها أرض، كما رسخته أدبياتها في وعينا. في تلك المرحلة تراجع حضور الوطن بوصفه أرضًا وتاريخًا وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة، وتوارى في وعينا، فلم نعد نرى في الانتماء إليه إطارًا جامعًا يوحّدنا مع أبناء هذه الأرض الذين نتقاسم معهم العيش على تربة العراق الطيبة. هيمنت ولاءات عابرة للحدود، تستمد معناها من خطاب أيديولوجي يعلو على الواقع ويتجاوز شروطه، فحجبت معنى الوطن، وأضعفت الشعور بالانتماء إليه.
لم تنكشف لي هويتي العراقية، وتنبعث في ضميري، ولم يترسخ انتمائي الفعلي إلى وطني، إلا في تجربة المنافي، حين عشت سنوات طويلة في أكثر من بلد.كنت أواجه في كل مرة نظرة الآخر إلي بوصفـي أجنبيًا، منزوع الحقوق قياسًا بما يتمتع به هو، ومقيد الحريات قياسًا بما يملكه. في ذلك الامتحان القاسي للغربة أخذت الهوية الوطنية تستيقظ في أعماقي، حتى استفاقت بكامل حضورها، لحظة تذوقت معنى الخلاص من اغتراب امتد عقودًا، وعشت بهجة الكرامة تحت سماء وطني العراق، إذ لا سماء كسماء وطني. منحني العيش على أرض العراق، بعد عودتي من المنفى، شعورًا بالثقة والعزة والرفعة، وأنا أستعيد صلتي بأرض انتميت إليها وجودًا وثقافة وتاريخًا، وتكونت في أفيائها هويتي الوطنية الأولى. https://almothaqaf.org/aqlam-3/987132
عشتُ اضطرابات الهوية السياسية بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يمثل الهوية الأصلية، وأن العقيدة لا تحدها أرض، كما رسخته أدبياتها في وعينا. في تلك المرحلة تراجع حضور الوطن بوصفه أرضًا وتاريخًا وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة، وتوارى في وعينا، فلم نعد نرى في الانتماء إليه إطارًا جامعًا يوحّدنا مع أبناء هذه الأرض الذين نتقاسم معهم العيش على تربة العراق الطيبة. هيمنت ولاءات عابرة للحدود، تستمد معناها من خطاب أيديولوجي يعلو على الواقع ويتجاوز شروطه، فحجبت معنى الوطن، وأضعفت الشعور بالانتماء إليه.
لم تنكشف لي هويتي العراقية، وتنبعث في ضميري، ولم يترسخ انتمائي الفعلي إلى وطني، إلا في تجربة المنافي، حين عشت سنوات طويلة في أكثر من بلد.كنت أواجه في كل مرة نظرة الآخر إلي بوصفـي أجنبيًا، منزوع الحقوق قياسًا بما يتمتع به هو، ومقيد الحريات قياسًا بما يملكه. في ذلك الامتحان القاسي للغربة أخذت الهوية الوطنية تستيقظ في أعماقي، حتى استفاقت بكامل حضورها، لحظة تذوقت معنى الخلاص من اغتراب امتد عقودًا، وعشت بهجة الكرامة تحت سماء وطني العراق، إذ لا سماء كسماء وطني. منحني العيش على أرض العراق، بعد عودتي من المنفى، شعورًا بالثقة والعزة والرفعة، وأنا أستعيد صلتي بأرض انتميت إليها وجودًا وثقافة وتاريخًا، وتكونت في أفيائها هويتي الوطنية الأولى. https://almothaqaf.org/aqlam-3/987132
صحيفة المثقف
عبد الجبار الرفاعي: الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض
ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر الم
الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض
د. عبد الجبار الرفاعي
ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر المتضامنة، وعلى شعور حي بالانتماء إلى الوطن، بوصفه أفقًا جامعًا وملاذًا إنسانيًا يأوي إليه الجميع. تتحقق دولة المواطنة حين تتجسد المساواة الفعلية بين المواطنين في الحقوق وأمام القانون، ويتكافأ الجميع في الفرص، وتُسند المسؤوليات إلى كل مواطن وفقًا ومواهبه وإمكاناته وتكوينه العلمي وتخصصه، في إطار نظام عادل يضمن كرامة الإنسان ويصون حرياته ويحمي حقوقه، ويؤسس لعقد اجتماعي يربط بين الدولة ومواطنيها على قاعدة العدالة والإنصاف.
أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء إلى العقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بصرف النظر عن انتمائه إلى وطن آخر، حتى لو كان في أقصى أطراف الأرض، إذ تتراجع الجغرافيا في هذه الحالة إلى مرتبة ثانوية، ويغدو الرابط العقدي هو المحدد لشكل الانتماء وحدوده. في حين تحرس الحدود الوطنية سيادة الدولة وتصونها من أي نفوذ خارجي أيًا كان مصدره، ولا تسمح بتوظيف موارد الوطن وثرواته خارج مصالح أبنائه تحت أية ذريعة. حدود الدولة الوطنية ترسمها خارطة الأرض، وما تعكسه من إرادة سياسية وهوية جامعة تتجسد في حماية المجال الوطني، وضمان توجيه ثرواته لبنائه وعيش مواطنيه.
الحدود الأيديولوجية لا تحمي الأوطان، إنها تفتّت خرائطها، وتحولها إلى كيان مفتوح لا يختص بالمواطنين، يتّسع لكل من يعتنق أيديولوجيا السلطة. تكشف ذلك تجارب الأنظمة اليسارية والقومية، منذ تأسيس الاتحاد السوفياتي وما تلاه، كما يتكرر اليوم في أنظمة أصولية في بعض الدول. في هذا الواقع يُعامل الأجنبي المتبني للأيديولوجيا ذاتها بوصفه شريكًا كامل الشرعية، يتمتع بحقوق واسعة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وقد يفضي هذا النمط من الشراكة إلى اختلال ميزان السيادة، حين يتمادى هذا الشريك في توظيف موقعه، فيتجاوز حدود المشاركة إلى الهيمنة، ويغدو في بعض المواقف أقدر على توجيه القرار من الحاكم والمواطن معًا.
ينبغي أن يتجذر الحس الوطني في تشكل الهوية في وعي كل مواطن في مجتمعنا، على أساس أسبقية الانتماء إلى الوطن بوصفه الإطار الجامع، فيرى العراقي نفسه عراقيًا أولًا، ثم عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، ثم مسلمًا أو مسيحيًا أو مندائيًا أو إيزيديًا، ثم شيعيًا أو سنيًا أو كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا أو أرثوذكسيًا، وهكذا في تدرج يرسخ وحدة المجال الوطني من دون أن يلغي تنوع الانتماءات. في هذا الترتيب لا تذوب الهويات الفرعية، وإنما تنتظم في أفق وطني أوسع، يضمن تماسك المجتمع، ويحول دون انقسامه إلى ولاءات متنازعة تقوّض الدولة، وتبدد إمكان العيش المشترك. هذا التسلسل الهوياتي يمكننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، ويؤسس للمواطنة الدستورية بوصفها القاعدة التي تقوم عليها الدولة اليوم، حيث تنتظم الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي واحد، ينتمي فيه الجميع إلى أرض مشتركة، ومصائر مترابطة، وتاريخ واحد، ويتضامنون على مصالح جامعة. في سياق هذا الفهم لا يُلغى التنوع، وإنما يُعاد ترتيبه داخل إطار وطني يضمن تماسك المجتمع واستقرار الدولة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتتقدم الطائفة أو القومية، ويتراجع الوطن إلى مرتبة دنيا، يتعذر تشييد دولة المواطنة بمعناها السياسي، ويخفق مشروع الدولة الحديثة، لأن الولاءات المتنازعة تستنزف المجال العام وتبدد إمكان بناء عقد وطني جامع.
اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يزيح الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص تحكمه العصبية، ويقيمه هاجس الدفاع عن الهوية الفرعية بدل الهوية الوطنية الجامعة. حين تتصدر القومية أو الطائفة موقع الهوية الأولى، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، يتآكل المعنى الذي يجمع المواطنين في إطار واحد، ويضمحل أثر المصالح المشتركة والمصائر المتداخلة والتاريخ المشترك في بناء الدولة. في هذا المجتمع يتفكك المجال العام إلى ولاءات متنازعة، ويغدو العقد الوطني هشًا، عاجزًا عن تأسيس سلطة عادلة تمثل الجميع وتصون كرامتهم. عندئذ تتوارى الهوية الوطنية خلف الهوية الفرعية، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن، ويغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها يظل مشروطًا بولاء سابق أو موازٍ للجماعة، ووضع كهذا لا يتيح قيام عقد اجتماعي يلتقي عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية الطائفية والقومية وتغيب الهوية الوطنية، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بسواه ممن يعيش معه على أرضه ويلتقي معه في المصائر والمصالح، فيغدو الوطن ساحة لصراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المتضامنة.
د. عبد الجبار الرفاعي
ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر المتضامنة، وعلى شعور حي بالانتماء إلى الوطن، بوصفه أفقًا جامعًا وملاذًا إنسانيًا يأوي إليه الجميع. تتحقق دولة المواطنة حين تتجسد المساواة الفعلية بين المواطنين في الحقوق وأمام القانون، ويتكافأ الجميع في الفرص، وتُسند المسؤوليات إلى كل مواطن وفقًا ومواهبه وإمكاناته وتكوينه العلمي وتخصصه، في إطار نظام عادل يضمن كرامة الإنسان ويصون حرياته ويحمي حقوقه، ويؤسس لعقد اجتماعي يربط بين الدولة ومواطنيها على قاعدة العدالة والإنصاف.
أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء إلى العقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بصرف النظر عن انتمائه إلى وطن آخر، حتى لو كان في أقصى أطراف الأرض، إذ تتراجع الجغرافيا في هذه الحالة إلى مرتبة ثانوية، ويغدو الرابط العقدي هو المحدد لشكل الانتماء وحدوده. في حين تحرس الحدود الوطنية سيادة الدولة وتصونها من أي نفوذ خارجي أيًا كان مصدره، ولا تسمح بتوظيف موارد الوطن وثرواته خارج مصالح أبنائه تحت أية ذريعة. حدود الدولة الوطنية ترسمها خارطة الأرض، وما تعكسه من إرادة سياسية وهوية جامعة تتجسد في حماية المجال الوطني، وضمان توجيه ثرواته لبنائه وعيش مواطنيه.
الحدود الأيديولوجية لا تحمي الأوطان، إنها تفتّت خرائطها، وتحولها إلى كيان مفتوح لا يختص بالمواطنين، يتّسع لكل من يعتنق أيديولوجيا السلطة. تكشف ذلك تجارب الأنظمة اليسارية والقومية، منذ تأسيس الاتحاد السوفياتي وما تلاه، كما يتكرر اليوم في أنظمة أصولية في بعض الدول. في هذا الواقع يُعامل الأجنبي المتبني للأيديولوجيا ذاتها بوصفه شريكًا كامل الشرعية، يتمتع بحقوق واسعة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وقد يفضي هذا النمط من الشراكة إلى اختلال ميزان السيادة، حين يتمادى هذا الشريك في توظيف موقعه، فيتجاوز حدود المشاركة إلى الهيمنة، ويغدو في بعض المواقف أقدر على توجيه القرار من الحاكم والمواطن معًا.
ينبغي أن يتجذر الحس الوطني في تشكل الهوية في وعي كل مواطن في مجتمعنا، على أساس أسبقية الانتماء إلى الوطن بوصفه الإطار الجامع، فيرى العراقي نفسه عراقيًا أولًا، ثم عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، ثم مسلمًا أو مسيحيًا أو مندائيًا أو إيزيديًا، ثم شيعيًا أو سنيًا أو كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا أو أرثوذكسيًا، وهكذا في تدرج يرسخ وحدة المجال الوطني من دون أن يلغي تنوع الانتماءات. في هذا الترتيب لا تذوب الهويات الفرعية، وإنما تنتظم في أفق وطني أوسع، يضمن تماسك المجتمع، ويحول دون انقسامه إلى ولاءات متنازعة تقوّض الدولة، وتبدد إمكان العيش المشترك. هذا التسلسل الهوياتي يمكننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، ويؤسس للمواطنة الدستورية بوصفها القاعدة التي تقوم عليها الدولة اليوم، حيث تنتظم الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي واحد، ينتمي فيه الجميع إلى أرض مشتركة، ومصائر مترابطة، وتاريخ واحد، ويتضامنون على مصالح جامعة. في سياق هذا الفهم لا يُلغى التنوع، وإنما يُعاد ترتيبه داخل إطار وطني يضمن تماسك المجتمع واستقرار الدولة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتتقدم الطائفة أو القومية، ويتراجع الوطن إلى مرتبة دنيا، يتعذر تشييد دولة المواطنة بمعناها السياسي، ويخفق مشروع الدولة الحديثة، لأن الولاءات المتنازعة تستنزف المجال العام وتبدد إمكان بناء عقد وطني جامع.
اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يزيح الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص تحكمه العصبية، ويقيمه هاجس الدفاع عن الهوية الفرعية بدل الهوية الوطنية الجامعة. حين تتصدر القومية أو الطائفة موقع الهوية الأولى، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، يتآكل المعنى الذي يجمع المواطنين في إطار واحد، ويضمحل أثر المصالح المشتركة والمصائر المتداخلة والتاريخ المشترك في بناء الدولة. في هذا المجتمع يتفكك المجال العام إلى ولاءات متنازعة، ويغدو العقد الوطني هشًا، عاجزًا عن تأسيس سلطة عادلة تمثل الجميع وتصون كرامتهم. عندئذ تتوارى الهوية الوطنية خلف الهوية الفرعية، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن، ويغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها يظل مشروطًا بولاء سابق أو موازٍ للجماعة، ووضع كهذا لا يتيح قيام عقد اجتماعي يلتقي عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية الطائفية والقومية وتغيب الهوية الوطنية، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بسواه ممن يعيش معه على أرضه ويلتقي معه في المصائر والمصالح، فيغدو الوطن ساحة لصراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المتضامنة.
صحيفة المثقف
عبد الجبار الرفاعي: الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض
ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر الم
هذه القناة تختص بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد وتجديد الفكر الديني .. رابط القناة لمن يود متابعتها:
https://whatsapp.com/channel/0029Vb7YMS87IUYWcpRw3W0N
https://whatsapp.com/channel/0029Vb7YMS87IUYWcpRw3W0N
مفهوم الوحي في علم الكالم الجديد: دراسة مقارنة بين أراء عبد الجبار الرفاعي وعبد الكريم سروش - بقلم: د. حنان شهاب احمد - الجامعة المستنصرية- كلية التربية الأساسية. مجلة دراسات في التاريخ والآثار.
ندوة "لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين" للدكتور عبد الجبار الرفاعي، في: "المنتدى العالمي للغة العربية"، مساء الجمعة 31 أكتوبر 2025. استغرقت الندوة مع المناقشات نحو 3 ساعات.
https://www.youtube.com/watch?v=CZDVi1CZRBE
https://www.youtube.com/watch?v=CZDVi1CZRBE
YouTube
ندوة "لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين" للأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي، الجمعة 31 أكتوبر 2025
ندوة المنتدى العالمي للغة العربية يوم الجمعة 31 تشرين الثاني/ أكتوبر 2025:
"لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين"
تقديم: الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي
إدارة الندوة: أ.د. أحمد الكلابي
إدارة المنصة: أ. يعرب أكرم
"لغة الدين: رؤية في آفاق فلسفة الدين"
تقديم: الأستاذ الدكتور عبد الجبار الرفاعي
إدارة الندوة: أ.د. أحمد الكلابي
إدارة المنصة: أ. يعرب أكرم
محاضرة في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية
https://youtu.be/FTqwhKgQM7c?is=rbc-BFJVMMygSntV
https://youtu.be/FTqwhKgQM7c?is=rbc-BFJVMMygSntV
YouTube
محاضرة د. عبدالجبار الرفاعي في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية
محاضرة د عبدالجبار الرفاعي في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية- يوم الإثنين الموافق 12/6/2023 - بعنوان "الإنسان في علم الكلام الجديد".
#عبدالجبار_الرفاعي #الفلسفة #فلسفة #علم_الكلام #علم_الكلام_الجديد #الانسان
#عبدالجبار_الرفاعي #الفلسفة #فلسفة #علم_الكلام #علم_الكلام_الجديد #الانسان
الاغتراب السياسي عن الوطن
د. عبد الجبار الرفاعي
غياب صورة الدولة في الوعي السياسي لم يكن فراغًا سياسيًا عابرًا، بل مرآةً لغياب أعمق لذاكرة الدولة والوطن والمواطنة، وعدم ادراك مكانتها في حياة الإنسان، بوصفها الإطار الذي يصون كرامته، ويحمي حرياته، ويضمن حقوقه، ويمنح وجوده معنى الانتماء. حين تغيب الدولة لا يختفي نظام الحكم فحسب، بل تتلاشى أيضًا الخبرة التاريخية التي تُراكم معنى الدولة في اللاشعور السياسي الجمعي، فينشأ وعيٌ مرتبك عاجز عن إدراك ضرورتها ووظائفها، وتخيّل صورة الدولة بوصفها بيتًا جامعًا لكل أبنائها.
في هذا السياق يصعب بناء مشروع وطني عراقي جامع ينهض من الذات وينفتح على العالم، لأن غياب الدولة يبدد البوصلة ويُربك العلاقة بين الإنسان وأرضه، ويضعف القدرة على تحويل الإمكان إلى فعل. يظل المشروع الوطني معلقًا ما لم يتأسس على وعي سياسي يعيد اكتشاف الدولة بوصفها أفقًا للعيش المشترك لا أداةً للهيمنة، ويعيد بناء الهوية في سياق يُعلي من كرامة الإنسان ويصون حرياته ويكفل حقوقه بوصفه مواطنًا لا تابعًا لهوية مستعارة. عندئذ يمكن استثمار الموارد البشرية واستثمار ثروات الأرض في إطار مشروع حيّ يجسّد الهوية الوطنية ويحمي التعددية والتنوع المجتمعي، ويحوّل التنوع من مصدر صراع إلى مصدر غنى، ويعيد للدولة معناها بوصفها تعبيرًا عن إرادة مجتمعها وحاضنةً لحاضره ومستقبله.
فقدان ذاكرة الدولة كان نتيجة لسلسة من الاحتلالات لأرضنا، فبعد احتلال هولاكو لبغداد، كان وطننا رهينة سلطات أجنبية متعاقبة، فاقدًا لسيادته الوطنية لمدة 663 سنة، تناوبت على احتلاله دول وممالك وإمبراطوريات مختلفة، حتى ولادة الدولة الوطنية الحديثة في القرن العشرين. لم تنبع هذه السلطات من نسيجه الثقافي والقيمي والاجتماعي والرمزي، وميراث حضاراته العريقة وذاكرته، ولم تعبر عن إرادته السياسية، بل كرست الاغتراب السياسي وأجهضت تشكل الهوية الوطنية. أولى سلطات الاحتلال المغولي للعراق كانت الدولة الإيلخانية (1258–1335م)، التي تأسست بعد سقوط بغداد على يد هولاكو، وحكمها الإيلخانيون من سلالته حتى تفكك دولتهم بوفاة أبي سعيد بهادر خان. وبعد انهيارها ظهرت دولة الجلائريين (1335–1432م)، وهي سلالة من أصول مغولية ترتبط بالإيلخانيين، واتخذت بغداد مركزًا لحكمها ردحًا من الزمن. في العهد الجلائري تعرّض العراق لاجتياحين تيموريين بالغَي التدمير، الأول سنة 1393م حين دخل تيمورلنك بغداد ثم انسحب فعاد الجلائريون إلى السلطة، والثاني سنة 1401م حين دخل المدينة مجددًا وارتكب مجزرة شنيعة، ودمّر عمرانها ونسيجها الثقافي والرمزي، ثم غادرها من دون أن يؤسس حكمًا تيموريًا مستقرًا، فظلّ التدخل التيموري عسكريًا تدميريًا لا دولة حاكمة. فقدَ الجلائريون بغداد نهائيًا سنة 1411م بعد دخول القره قويونلو إليها، مع استمرار وجودهم السياسي حتى 1432م في مناطق أخرى من العراق، ثم خضع العراق لحكم القره قويونلو التركمان (1432–1468م)، قبل أن تنتقل السيطرة إلى الآق قويونلو التركمان (1468–1508م).
ثم جاء الصفويون فاحتلوا العراق ابتداءً من سنة 1508م حين دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد، وظل حكمهم قائمًا حتى سنة 1534م، عندما دخل السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد منهياً حكمهم. منذ ذلك التاريخ بدأ الاحتلال العثماني للعراق، واستمر مع بعض الاضطرابات والصراع مع الصفويين، حتى حملة السلطان مراد الرابع سنة 1638م التي انتهت بتوقيع معاهدة زهاب "قصر شيرين" سنة 1639م، والتي كرّست السيطرة العثمانية على العراق. مكث الاحتلال العثماني قائمًا بلا انقطاع بعد ذلك حتى دخول القوات البريطانية بغداد في 11 آذار/مارس 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى، منهيًا بذلك الحكم العثماني الذي دام قرونًا. ومنذ ذلك التاريخ خضع العراق للاحتلال ثم الانتداب البريطاني، الذي استمر حتى إعلان تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921م بتنصيب فيصل الأول ملكًا على العراق تحت الانتداب.
الاحتلالات المفرضة على العراق ومواطنيه بالإكراه، أنتجت حالة تناشز حادة بين العراقي وأرض ولد وعاش ويموت عليها، فالتبس عليه التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير في هذه الأرض، ونفر من وطنه لنفوره من سلطات الاحتلال المتعاقبة، واضطهادها واستعبادها للعراقي، وتعسفها في استلاب ثروات أرضه. العراق الوطن ثابت، أما السلطات المحتلة فزائلة مهما امتد احتلالها للأرض، وكذلك الأنظمة والحكومات التي تعاقبت بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، زائلة أيضًا. العراق الوطن شيء، وتلك الأنظمة والحكومات، سواء كانت ديمقراطية أو فاشية، شيء آخر. لا يصادر العراق الوطن نظام حكم، ولا يصح اختزال الهوية الوطنية في شخص الحاكم، أيًا تكن كيفية إدارته للسلطة ووفائه للعراق. الوطن أعرق وأبقى وأكبر من أي حاكم، العراق الوطن أبدي، والحاكم زائل بعد حين.
د. عبد الجبار الرفاعي
غياب صورة الدولة في الوعي السياسي لم يكن فراغًا سياسيًا عابرًا، بل مرآةً لغياب أعمق لذاكرة الدولة والوطن والمواطنة، وعدم ادراك مكانتها في حياة الإنسان، بوصفها الإطار الذي يصون كرامته، ويحمي حرياته، ويضمن حقوقه، ويمنح وجوده معنى الانتماء. حين تغيب الدولة لا يختفي نظام الحكم فحسب، بل تتلاشى أيضًا الخبرة التاريخية التي تُراكم معنى الدولة في اللاشعور السياسي الجمعي، فينشأ وعيٌ مرتبك عاجز عن إدراك ضرورتها ووظائفها، وتخيّل صورة الدولة بوصفها بيتًا جامعًا لكل أبنائها.
في هذا السياق يصعب بناء مشروع وطني عراقي جامع ينهض من الذات وينفتح على العالم، لأن غياب الدولة يبدد البوصلة ويُربك العلاقة بين الإنسان وأرضه، ويضعف القدرة على تحويل الإمكان إلى فعل. يظل المشروع الوطني معلقًا ما لم يتأسس على وعي سياسي يعيد اكتشاف الدولة بوصفها أفقًا للعيش المشترك لا أداةً للهيمنة، ويعيد بناء الهوية في سياق يُعلي من كرامة الإنسان ويصون حرياته ويكفل حقوقه بوصفه مواطنًا لا تابعًا لهوية مستعارة. عندئذ يمكن استثمار الموارد البشرية واستثمار ثروات الأرض في إطار مشروع حيّ يجسّد الهوية الوطنية ويحمي التعددية والتنوع المجتمعي، ويحوّل التنوع من مصدر صراع إلى مصدر غنى، ويعيد للدولة معناها بوصفها تعبيرًا عن إرادة مجتمعها وحاضنةً لحاضره ومستقبله.
فقدان ذاكرة الدولة كان نتيجة لسلسة من الاحتلالات لأرضنا، فبعد احتلال هولاكو لبغداد، كان وطننا رهينة سلطات أجنبية متعاقبة، فاقدًا لسيادته الوطنية لمدة 663 سنة، تناوبت على احتلاله دول وممالك وإمبراطوريات مختلفة، حتى ولادة الدولة الوطنية الحديثة في القرن العشرين. لم تنبع هذه السلطات من نسيجه الثقافي والقيمي والاجتماعي والرمزي، وميراث حضاراته العريقة وذاكرته، ولم تعبر عن إرادته السياسية، بل كرست الاغتراب السياسي وأجهضت تشكل الهوية الوطنية. أولى سلطات الاحتلال المغولي للعراق كانت الدولة الإيلخانية (1258–1335م)، التي تأسست بعد سقوط بغداد على يد هولاكو، وحكمها الإيلخانيون من سلالته حتى تفكك دولتهم بوفاة أبي سعيد بهادر خان. وبعد انهيارها ظهرت دولة الجلائريين (1335–1432م)، وهي سلالة من أصول مغولية ترتبط بالإيلخانيين، واتخذت بغداد مركزًا لحكمها ردحًا من الزمن. في العهد الجلائري تعرّض العراق لاجتياحين تيموريين بالغَي التدمير، الأول سنة 1393م حين دخل تيمورلنك بغداد ثم انسحب فعاد الجلائريون إلى السلطة، والثاني سنة 1401م حين دخل المدينة مجددًا وارتكب مجزرة شنيعة، ودمّر عمرانها ونسيجها الثقافي والرمزي، ثم غادرها من دون أن يؤسس حكمًا تيموريًا مستقرًا، فظلّ التدخل التيموري عسكريًا تدميريًا لا دولة حاكمة. فقدَ الجلائريون بغداد نهائيًا سنة 1411م بعد دخول القره قويونلو إليها، مع استمرار وجودهم السياسي حتى 1432م في مناطق أخرى من العراق، ثم خضع العراق لحكم القره قويونلو التركمان (1432–1468م)، قبل أن تنتقل السيطرة إلى الآق قويونلو التركمان (1468–1508م).
ثم جاء الصفويون فاحتلوا العراق ابتداءً من سنة 1508م حين دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد، وظل حكمهم قائمًا حتى سنة 1534م، عندما دخل السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد منهياً حكمهم. منذ ذلك التاريخ بدأ الاحتلال العثماني للعراق، واستمر مع بعض الاضطرابات والصراع مع الصفويين، حتى حملة السلطان مراد الرابع سنة 1638م التي انتهت بتوقيع معاهدة زهاب "قصر شيرين" سنة 1639م، والتي كرّست السيطرة العثمانية على العراق. مكث الاحتلال العثماني قائمًا بلا انقطاع بعد ذلك حتى دخول القوات البريطانية بغداد في 11 آذار/مارس 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى، منهيًا بذلك الحكم العثماني الذي دام قرونًا. ومنذ ذلك التاريخ خضع العراق للاحتلال ثم الانتداب البريطاني، الذي استمر حتى إعلان تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921م بتنصيب فيصل الأول ملكًا على العراق تحت الانتداب.
الاحتلالات المفرضة على العراق ومواطنيه بالإكراه، أنتجت حالة تناشز حادة بين العراقي وأرض ولد وعاش ويموت عليها، فالتبس عليه التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير في هذه الأرض، ونفر من وطنه لنفوره من سلطات الاحتلال المتعاقبة، واضطهادها واستعبادها للعراقي، وتعسفها في استلاب ثروات أرضه. العراق الوطن ثابت، أما السلطات المحتلة فزائلة مهما امتد احتلالها للأرض، وكذلك الأنظمة والحكومات التي تعاقبت بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، زائلة أيضًا. العراق الوطن شيء، وتلك الأنظمة والحكومات، سواء كانت ديمقراطية أو فاشية، شيء آخر. لا يصادر العراق الوطن نظام حكم، ولا يصح اختزال الهوية الوطنية في شخص الحاكم، أيًا تكن كيفية إدارته للسلطة ووفائه للعراق. الوطن أعرق وأبقى وأكبر من أي حاكم، العراق الوطن أبدي، والحاكم زائل بعد حين.
لم تتكون في العراق دولة تمثل مشروعًا وطنيًا، ولا مؤسسات تنتج الوعي السياسي، بل ظل البلد يدار بمنطق السلطة المستوردة والسلطة الغريبة، لا بمنطق الدولة الوطنية، ما أفضى إلى بنية اجتماعية ما زالت تنتمي إلى ما قبل الدولة، إذ تتوزع على قبائل وعشائر وجماعات تتحكم فيها العصبيات وتنهشها النزاعات والثارات، فأعاق ذلك ترسيخ الشعور بالانتماء إلى أرض واحدة، وأخّر تكون الوعي السياسي بضرورة الدولة، وأضعف منسوب الثقة بالمصير المشترك، وأنتج تشوهات واضطرابات حادة في الهوية الوطنية.
ما أسهم في عسر ولادة وترسخ مفهوم "المواطن" بمعناه السياسي الحديث هو شيوع مفهوم "المكونات الطائفية والإثنية" في تقاسم السلطة بعد 2003، وهو ما أفضى إلى ترسيخ بارادايم مكوناتي بديل للبارادايم الوطني الذي تنصهر فيه جميع الطوائف والقوميات في هوية وطنية جامعة، تتجاوز الانتماءات الفرعية وتنهض على أسس المواطنة المتساوية. أعاد البارادايم المكوناتي إنتاج الهويات الطائفية والقومية بطريقة جعلت كل واحدة منها تعامل بوصفها كيانًا مستقلًا منغلقًا على ذاته، متجاوزًا الانتماء الوطني، وعابرًا للحدود السياسية للدولة، بحيث أضحى "المكون" يخص مصلحة مَن يشترك معه في الانتماء للطائفة أو القومية غالبًا، حتى إن كان أجنبيًا لا ينتمي إلى العراق، في حين لا تعني مصالح الشريك في الوطن شيئًا إذا كان من مكون آخر. هكذا تفرض الهوية الفرعية على المواطن، ليقدم الولاء والانحياز لمصلحة الجماعة ولو على حساب المصالح الوطنية، فتتقدم الروابط القومية والطائفية على رابطة المواطنة، وتختزل الدولة إلى تجمع موزع بين مكونات، لا إلى وطن يحتضن مصالح ومصائر الجميع ويصوغ هويتهم الجامعة. هذا النمط من الوعي عطل تشكل مفهوم المواطن بوصفه كائنًا حقوقيًا يتساوى مع غيره في كيان سياسي واحد، وأسس لهوية تعيد إنتاج الانقسام، وتستنزف إمكانات بناء دولة المواطنة الحديثة.
الحكومات الوطنية تبني دولها وهي تستثمر في التنمية الشاملة المستدامة، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. التنمية بمعناها الاقتصادي والسياسي والعلمي والثقافي والاجتماعي الحديث تبتني على تكريس الانتماء للأرض والمصالح والمصائر الوطنية المشتركة. تجهض الأيديولوجيات اليسارية والأصولية مشروع التنمية، لأنها لا تنظر إلى الإنسان بوصفه مواطنًا ينتمي إلى وطن له حقوق وواجبات مشتركة، وإنما تراه من خلال انتمائه الأيديولوجي أو العقائدي. لذلك تمنح ولاءها ورعايتها لمن يشاركها المعتقد، حتى لو كان ينتمي إلى وطن آخر، فيما تُهمِل مصلحة أبناء الوطن واحتياجاتهم إذا اختلفوا معها في العقيدة أو الأيديولوجيا.
https://alsabaah.iq/131505-.html
ما أسهم في عسر ولادة وترسخ مفهوم "المواطن" بمعناه السياسي الحديث هو شيوع مفهوم "المكونات الطائفية والإثنية" في تقاسم السلطة بعد 2003، وهو ما أفضى إلى ترسيخ بارادايم مكوناتي بديل للبارادايم الوطني الذي تنصهر فيه جميع الطوائف والقوميات في هوية وطنية جامعة، تتجاوز الانتماءات الفرعية وتنهض على أسس المواطنة المتساوية. أعاد البارادايم المكوناتي إنتاج الهويات الطائفية والقومية بطريقة جعلت كل واحدة منها تعامل بوصفها كيانًا مستقلًا منغلقًا على ذاته، متجاوزًا الانتماء الوطني، وعابرًا للحدود السياسية للدولة، بحيث أضحى "المكون" يخص مصلحة مَن يشترك معه في الانتماء للطائفة أو القومية غالبًا، حتى إن كان أجنبيًا لا ينتمي إلى العراق، في حين لا تعني مصالح الشريك في الوطن شيئًا إذا كان من مكون آخر. هكذا تفرض الهوية الفرعية على المواطن، ليقدم الولاء والانحياز لمصلحة الجماعة ولو على حساب المصالح الوطنية، فتتقدم الروابط القومية والطائفية على رابطة المواطنة، وتختزل الدولة إلى تجمع موزع بين مكونات، لا إلى وطن يحتضن مصالح ومصائر الجميع ويصوغ هويتهم الجامعة. هذا النمط من الوعي عطل تشكل مفهوم المواطن بوصفه كائنًا حقوقيًا يتساوى مع غيره في كيان سياسي واحد، وأسس لهوية تعيد إنتاج الانقسام، وتستنزف إمكانات بناء دولة المواطنة الحديثة.
الحكومات الوطنية تبني دولها وهي تستثمر في التنمية الشاملة المستدامة، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. التنمية بمعناها الاقتصادي والسياسي والعلمي والثقافي والاجتماعي الحديث تبتني على تكريس الانتماء للأرض والمصالح والمصائر الوطنية المشتركة. تجهض الأيديولوجيات اليسارية والأصولية مشروع التنمية، لأنها لا تنظر إلى الإنسان بوصفه مواطنًا ينتمي إلى وطن له حقوق وواجبات مشتركة، وإنما تراه من خلال انتمائه الأيديولوجي أو العقائدي. لذلك تمنح ولاءها ورعايتها لمن يشاركها المعتقد، حتى لو كان ينتمي إلى وطن آخر، فيما تُهمِل مصلحة أبناء الوطن واحتياجاتهم إذا اختلفوا معها في العقيدة أو الأيديولوجيا.
https://alsabaah.iq/131505-.html
ندوة حول: فلسفة ملا ملا صدر الشيرازي ومرجعياتها - الجامعة المستنصرية،
د. عبدالجبار الرفاعي
https://youtube.com/watch?v=l09TIgy1FVs&feature=shared
د. عبدالجبار الرفاعي
https://youtube.com/watch?v=l09TIgy1FVs&feature=shared
YouTube
د عبد الجبار الرفاعي وورشته العالمية الموسومة فلسفة ملا صدرا الشيرازي ومرجعياتها
إن افتراض بناء مجتمع على الرحمة وحدها افتراض غير واقعي، لأن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يتحقق ما دام الإنسان إنسانًا. غير أن الرحمة تظل قيمة إنسانية رفيعة تسمو بحياة الفرد والجماعة، إذ تنفي بعض العقوبات عفوًا، أو تخفف من قسوة بعض العقوبات الأخرى، كما تغدو هدفًا نبيلًا ينشده الدين ليوقظ به ضمير الإنسان، ويرتقي به إلى أجمل حالة إنسانية يمكن أن تتحلى بها شخصيته.
الرحمة تنتج ما لا تنتجه العدالة، فمن الرحمة يتوالد الغفران والعفو والعطف والرفق واللين والشفقة، لذلك يستطيع من يعيش الرحمة حالة في أعماقه أن يتحمل الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيع العفو عنها. الرحيم يتحمل ما لا يتحمله غيره، ويعفو عما لا يعفو عنه سواه من البشر. والكائن البشري لا يتصف بالرحمة بطبعه، إذ ينزع في كثير من الأحيان إلى التسلط على الآخرين والاستحواذ على ما في حياتهم، ولعل في ذلك سر تركيز القرآن الكريم على الرحمة وكثافة حضورها فيه، وجعلها إطارًا مرجعيًا وبوصلة دلالية ترشد إلى ما تشير إليه آياته وسوره. الرحمة حالة يمكن أن يعيشها الإنسان، غير أن التحقق بها ليس يسيرًا، ولا يتمثلها أكثر الناس بسهولة، لأنها شاقة على النفس، إذ تحول نزعات العدوان المترسبة في أعماق الإنسان دون امتلاكها على الدوام.
الإنسان كائن يتغلب في حياته أحيانًا الشر على الخير، والتوحش على الرحمة، ولولا الأخلاق والدين والقانون لما كانت الحياة ممكنة. لقد أسهمت الأخلاق والأديان والقوانين في خفض جانب كبير من الطاقة التدميرية للتوحش في الأرض، فغدت الحياة قابلة للاستمرار. ولا يتأنسن الإنسان إلا بالرحمة، ومن دونها يتساوى هذا الكائن مع أي وحش مفترس. والكائن البشري ليس خيرًا بطبعه، وإنما يمتلك استعدادًا لأن يكون خيرًا أو شريرًا، ونادرًا ما ينجو الإنسان في نشأته من آثار العوامل التي تكوّن نواة السلوك العدواني في شخصيته، ولو تحرر منها أكثر الناس لكانوا أكثر رحمة. لذلك يتطلب الحد من تأثير هذه العوامل أن ينشأ الإنسان في بيئة تربوية صحية، وتنمو شخصيته في فضاء من التربية الأخلاقية والحياة الروحية الملهمة والثقافة الحيوية المتنوعة، كي تترسخ فيه النزعات الخيرة، وتتولد في روحه بذرة المحبة وتنمو باستمرار، فتغدو طاقة تلهم أجمل معاني الحياة، وتكرس الرحمة وما يتولد عنها من قيم العفو والغفران والشفقة على الخلق، وما يحمي الإنسان من الاغتراب الوجودي. https://alzawraapaper.com/content.php?id=385784
الرحمة تنتج ما لا تنتجه العدالة، فمن الرحمة يتوالد الغفران والعفو والعطف والرفق واللين والشفقة، لذلك يستطيع من يعيش الرحمة حالة في أعماقه أن يتحمل الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيع العفو عنها. الرحيم يتحمل ما لا يتحمله غيره، ويعفو عما لا يعفو عنه سواه من البشر. والكائن البشري لا يتصف بالرحمة بطبعه، إذ ينزع في كثير من الأحيان إلى التسلط على الآخرين والاستحواذ على ما في حياتهم، ولعل في ذلك سر تركيز القرآن الكريم على الرحمة وكثافة حضورها فيه، وجعلها إطارًا مرجعيًا وبوصلة دلالية ترشد إلى ما تشير إليه آياته وسوره. الرحمة حالة يمكن أن يعيشها الإنسان، غير أن التحقق بها ليس يسيرًا، ولا يتمثلها أكثر الناس بسهولة، لأنها شاقة على النفس، إذ تحول نزعات العدوان المترسبة في أعماق الإنسان دون امتلاكها على الدوام.
الإنسان كائن يتغلب في حياته أحيانًا الشر على الخير، والتوحش على الرحمة، ولولا الأخلاق والدين والقانون لما كانت الحياة ممكنة. لقد أسهمت الأخلاق والأديان والقوانين في خفض جانب كبير من الطاقة التدميرية للتوحش في الأرض، فغدت الحياة قابلة للاستمرار. ولا يتأنسن الإنسان إلا بالرحمة، ومن دونها يتساوى هذا الكائن مع أي وحش مفترس. والكائن البشري ليس خيرًا بطبعه، وإنما يمتلك استعدادًا لأن يكون خيرًا أو شريرًا، ونادرًا ما ينجو الإنسان في نشأته من آثار العوامل التي تكوّن نواة السلوك العدواني في شخصيته، ولو تحرر منها أكثر الناس لكانوا أكثر رحمة. لذلك يتطلب الحد من تأثير هذه العوامل أن ينشأ الإنسان في بيئة تربوية صحية، وتنمو شخصيته في فضاء من التربية الأخلاقية والحياة الروحية الملهمة والثقافة الحيوية المتنوعة، كي تترسخ فيه النزعات الخيرة، وتتولد في روحه بذرة المحبة وتنمو باستمرار، فتغدو طاقة تلهم أجمل معاني الحياة، وتكرس الرحمة وما يتولد عنها من قيم العفو والغفران والشفقة على الخلق، وما يحمي الإنسان من الاغتراب الوجودي. https://alzawraapaper.com/content.php?id=385784
جريدة الزوراء العراقية
العواطف تغذي التربية أكثر من العقل
مهما كان الإنسان صغيرًا أو كبيرًا فإنه يحتاج إلى الحب والدعم العاطفي. الخلطة السحرية في التربية والتعليم يغذّيها القلب والعواطف قبل العقل، لأن العاطفة أعمق أثرًا في بناء الإنسان وتكريس شخصيته. إذا أراد المعلم التأثير
العواطف تغذّي التربية أكثر من العقل
د. عبد الجبار الرفاعي مهما كان الإنسان صغيرًا أو كبيرًا فإنه يحتاج إلى الحب والدعم العاطفي. الخلطة السحرية في التربية والتعليم يغذّيها القلب والعواطف قبل العقل، لأن العاطفة أعمق أثرًا في بناء الإنسانوتكريس شخصيته. إذا أراد المعلم التأثير الفعال في أذهان تلامذته فعليه أن يبدأ بعواطفهم، لأن العاطفة توقظ القابلية على التعلم، وتفتح العقل لتلقي المعرفة. كلما ازدادت العواطف الصادقة ازداد تحفيز المواهب، واستيقظ الوعي، واغتنت المهارات. الاعتراف بمنجز التلميذ، والإعجاب بجهوده، وتشجيعه، من أكثر ما يبعث الثقة في نفسه، ويمنحه الشجاعة على اكتشاف طاقاته الكامنة. التاريخ صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، التفكير يتجاذبه سلطان العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقل والتفكير النقدي من جهة أخرى، لذلك تتجلى قيمة الفلسفة والعلوم في قدرتها على إيقاظ العقل وتمكينه من النظر الحر الذي يراجع المسلمات ويختبر الأفكار خارج اندفاع العاطفة وانغلاق الهوية.
القلب مرآة يضيئها الحب، القلب الذي يعيش الحب لا تدركه الشيخوخة، الحب يغيّر ما دام متوهجًا، في الحب يتجلى أجمل ما في الإنسان، وتنبعث منابع الخير المودعة في أعماقه. في التربية والتعليم الحب يغيّر؛ يوقظ العقل، ويروي المواهب، ويطور المهارات، ويفجر الطاقات الكامنة. في العلاقات الإنسانية الحب يغيّر؛ الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي. عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحب، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسان الحب، وأنفس طور وجودي للإنسان الحب، وأثمن وجود للإنسان الحب، وأزكى وجود للإنسان الحب، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحب. في بعض الحالات يتسامى الحب ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالم، وذلك ما يجعل وجود هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يشعر الإنسان بمتعة وجوده في العالم كالحب. الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر.
كل مجتمع يتوطنه الحب، والفن، والتدين العقلاني الأخلاقي، تتوطنهقيم احترام المختلف في المعتقد، والعيش المشترك في إطار الاختلاف والتنوع، وإن كان مثل هذا المجتمع يظل حلمًا أكثر من تحققه في الواقع. الدين والحب والفن يغذي كل منها الآخر ويتغذى منه. الرؤية الجمالية لله والعالم تتوالد من التفاعل الإيجابي الخلاق لهذه العناصر الثلاثة. تظل المحبة الرصيد الأسمى للعلاقات الإنسانية، ومن يوقف حياته للاستثمار في المحبة يراها دواء للقلوب، ولكل داء في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبة رافد غزير يغذي الصلة بالله ويكرسها. العرفان في الأديان يوقظ في الأرواح لغة الحب والجمال.
الحب كيمياء تصهر عناصر متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفة كأنها إكسير يحول كل شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمة عندما تنطقها لغة القلب المشفقة، فالرحمة تعيد ترميم كل شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. غير أن الحب ولا الرحمة لا يكونان بديلًا للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشر الكامن في الإنسان.
العقل والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشر الكامن في باطنه. الإيمان والمحبة والأخلاق هي ما يخفف وطأة الشر الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقي الخالص والإنسان الكامل يتنكر له الواقع، لأنه لا يشبه طبيعة الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناء نادر. لا يمكن الاستغناء عن العدالة بالرحمة، فالرحمة ليست بديلًا عن العدالة في بناء أي جماعة بشرية أو بناء أي دولة. الظلم مقيم في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرضان عليه الكدح والتنافس والصراع، لذلك تمنع العدالة أن ينتهي سعي الإنسان إلى تأمين مصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.
لا مجتمع في الأرض يخلو من الشر الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، ولا مجتمع يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسس المجتمعات والدول على الحب وحده، أو الرحمة وحدها، أو الشفقة وحدها، أو العطاء وحده. لا تعني الدعوة للحب إلغاء النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا القوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على التداول السلمي للسلطة والأسس العلمية الحديثة. ولا تعني الدعوة للرحمة إلغاء القوانين الجنائية والجزائية العادلة، كما لا تعني الدعوة للإنفاق والعطاء إلغاء الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوة للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاء النظام الإداري الحديث. الدعوة إلى شيء لا تعني إلغاء ما سواه.
د. عبد الجبار الرفاعي مهما كان الإنسان صغيرًا أو كبيرًا فإنه يحتاج إلى الحب والدعم العاطفي. الخلطة السحرية في التربية والتعليم يغذّيها القلب والعواطف قبل العقل، لأن العاطفة أعمق أثرًا في بناء الإنسانوتكريس شخصيته. إذا أراد المعلم التأثير الفعال في أذهان تلامذته فعليه أن يبدأ بعواطفهم، لأن العاطفة توقظ القابلية على التعلم، وتفتح العقل لتلقي المعرفة. كلما ازدادت العواطف الصادقة ازداد تحفيز المواهب، واستيقظ الوعي، واغتنت المهارات. الاعتراف بمنجز التلميذ، والإعجاب بجهوده، وتشجيعه، من أكثر ما يبعث الثقة في نفسه، ويمنحه الشجاعة على اكتشاف طاقاته الكامنة. التاريخ صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، التفكير يتجاذبه سلطان العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقل والتفكير النقدي من جهة أخرى، لذلك تتجلى قيمة الفلسفة والعلوم في قدرتها على إيقاظ العقل وتمكينه من النظر الحر الذي يراجع المسلمات ويختبر الأفكار خارج اندفاع العاطفة وانغلاق الهوية.
القلب مرآة يضيئها الحب، القلب الذي يعيش الحب لا تدركه الشيخوخة، الحب يغيّر ما دام متوهجًا، في الحب يتجلى أجمل ما في الإنسان، وتنبعث منابع الخير المودعة في أعماقه. في التربية والتعليم الحب يغيّر؛ يوقظ العقل، ويروي المواهب، ويطور المهارات، ويفجر الطاقات الكامنة. في العلاقات الإنسانية الحب يغيّر؛ الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي. عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحب، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسان الحب، وأنفس طور وجودي للإنسان الحب، وأثمن وجود للإنسان الحب، وأزكى وجود للإنسان الحب، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحب. في بعض الحالات يتسامى الحب ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالم، وذلك ما يجعل وجود هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يشعر الإنسان بمتعة وجوده في العالم كالحب. الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر.
كل مجتمع يتوطنه الحب، والفن، والتدين العقلاني الأخلاقي، تتوطنهقيم احترام المختلف في المعتقد، والعيش المشترك في إطار الاختلاف والتنوع، وإن كان مثل هذا المجتمع يظل حلمًا أكثر من تحققه في الواقع. الدين والحب والفن يغذي كل منها الآخر ويتغذى منه. الرؤية الجمالية لله والعالم تتوالد من التفاعل الإيجابي الخلاق لهذه العناصر الثلاثة. تظل المحبة الرصيد الأسمى للعلاقات الإنسانية، ومن يوقف حياته للاستثمار في المحبة يراها دواء للقلوب، ولكل داء في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبة رافد غزير يغذي الصلة بالله ويكرسها. العرفان في الأديان يوقظ في الأرواح لغة الحب والجمال.
الحب كيمياء تصهر عناصر متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفة كأنها إكسير يحول كل شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمة عندما تنطقها لغة القلب المشفقة، فالرحمة تعيد ترميم كل شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. غير أن الحب ولا الرحمة لا يكونان بديلًا للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشر الكامن في الإنسان.
العقل والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشر الكامن في باطنه. الإيمان والمحبة والأخلاق هي ما يخفف وطأة الشر الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقي الخالص والإنسان الكامل يتنكر له الواقع، لأنه لا يشبه طبيعة الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناء نادر. لا يمكن الاستغناء عن العدالة بالرحمة، فالرحمة ليست بديلًا عن العدالة في بناء أي جماعة بشرية أو بناء أي دولة. الظلم مقيم في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرضان عليه الكدح والتنافس والصراع، لذلك تمنع العدالة أن ينتهي سعي الإنسان إلى تأمين مصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.
لا مجتمع في الأرض يخلو من الشر الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، ولا مجتمع يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسس المجتمعات والدول على الحب وحده، أو الرحمة وحدها، أو الشفقة وحدها، أو العطاء وحده. لا تعني الدعوة للحب إلغاء النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا القوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على التداول السلمي للسلطة والأسس العلمية الحديثة. ولا تعني الدعوة للرحمة إلغاء القوانين الجنائية والجزائية العادلة، كما لا تعني الدعوة للإنفاق والعطاء إلغاء الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوة للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاء النظام الإداري الحديث. الدعوة إلى شيء لا تعني إلغاء ما سواه.
جريدة الزوراء العراقية
العواطف تغذي التربية أكثر من العقل
مهما كان الإنسان صغيرًا أو كبيرًا فإنه يحتاج إلى الحب والدعم العاطفي. الخلطة السحرية في التربية والتعليم يغذّيها القلب والعواطف قبل العقل، لأن العاطفة أعمق أثرًا في بناء الإنسان وتكريس شخصيته. إذا أراد المعلم التأثير
القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان
د. عبد الجبار الرفاعي
القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا الأفذاذُ من البشر. القيمُ ضرورةٌ للحياة الإنسانية، وهي شرطٌ لوجود كلِّ مجتمع حيوي خلّاق.
هناك ثلاث مجموعاتٍ من القيمِ التي ينهلُ منها الإنسانُ وتشبِعُ متطلباتٍ معنويةً أساسية لحياته، وهي: القيم الروحية، والقيم الأخلاقية، والقيم الجمالية، ولكلّ واحدةٍ منها وظيفتُها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق للإنسان كمالًا على شاكلته، ويشبِعُ احتياجاتٍ أساسيةً في حياة الفرد والمجتمع. وبين هذه المجموعات الثلاث للقيم علاقةٌ عضويةٌ من التأثر والتأثير المتبادَل، فوجودُ كلٍّ منها يعزّز وجودَ الأخرى ويثريها، وترسيخُ كلٍّ منها يرسّخ وجودَ الأخرى ويكرّسها.
الحقيقةُ القيمية كالحقيقة الدينية، يدركهما الإنسانُ بالتدريج عبر التاريخ، فمع تقدّمِ الزمن تتضح رؤيةُ الإنسان وتنضج وتتكامل، تبعًا لتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته، وتكاملِ مناهج وأدوات المعرفة التي يوظفها في الفهم. مصاديقُ تحقّق القيم نسبيٌّ في حياة الفرد والجماعة، كما أن السعادةَ والنجاحَ والكمالَ نسبيةٌ.
الكرامةُ والكونيةُ هما المعيارُ الذي تتحدّد على أساسه القيمُ الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيمَ شاملةٌ، وأنها قانونٌ كلّي يصلح للتعميم لكلِّ الناس الذين تتوحد مصائرُهم في الأرض، فمهما كان الإنسانُ فإنه يحتاجُ الكرامة، لأن الكرامةَ تتحقّق بها إنسانيتُه، يحتاجها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضِّ النظر عن دينه وإثنيته وثقافته وعصره.كما يحتاجُ الإنسانُ مهما كان: الصدقَ والمساواةَ والحريةَ والعدلَ والأمانةَ، وهي كلّها تكرِّس الكرامةَ وتحميها من الانتهاك. الكرامةُ والحرية والمساواة والعدل والصدق والأمانة كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعي بمفهومِها واكتشافِ مصاديقها دفعةً واحدة، بل تَطَلَّبَ وصولُ الإنسانية إلى الوعي بمعانيها المعروفة اليوم، والتعرّفُ على حدودها وتطبيقاتها ومصاديقها عبورَ محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا عبر التاريخ. وذلك ما انتهى إليه الإعلانُ العالَمي لحقوق الإنسان، فلم تعد حقوقُ الإنسان الكونية قيمًا ترتبط عضويًّا بالثقافة المحلية والهوية المجتمعية؛ ذلك أن بعضَ الثقافاتِ المحلية والهوياتِ المجتمعية يتمايزُ فيها البشرُ، وتتفاوتُ حدودُ مكانتهم ومساحةُ حقوقهم وحرياتهم تبعًا لجنسهم ومعتقدهم وإثنيتهم.
لا حياةَ أخلاقية بلا قيمٍ كلية كونية تتجاوز الزمانَ والمكان والواقع، وتتموضع بوصفها معايير ثابتة للحق والخير والعدل والفضيلة والسلام والصدق والكرامة والمساواة والحرية والأمانة. مفاهيمُ هذه القيم تقف خارج التاريخ، لكن تطبيقاتِها تاريخية، تتناغم على الدوام وإيقاعَ رؤية الإنسان للعالَم وعلومه ومعارفه، وتعبّر مصاديقُها عن وعيه وتطوره الحضاري وثقافته ونمط عيشه في كلِّ عصر. يرى إيمانويل كانت أَنَّ: "الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء... وبالمثل القانون الأخلاقي، أو قانون الحرية، وهو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيًّا، إذا سيطر العقل على كل ميوله. فإن كان هذا قانونًا، فيجب ألا يكون له استثناء مهما تكن الظروف، كما أنه لا يمكن أن يكون صادقًا بالنسبة إلى أناس دون أناس، بل يجب أن يصدق على الجميع على السواء. خذ مثلًا: الواجب. إنه ليس واجبًا عليّ فقط دون غيري، وليس واجبًا في ظرف دون ظرف آخر، ولا يحتمل أي استثناء لمصلحة هذا أو ذاك. والأخلاق يجب أن تتألف من قوانين صادقة بالنسبة إلى كل الكائنات العاقلة على السواء". ويذهب كانت أيضًا إلى أنّ على الإنسان الذي يفعل أيَّ فعلٍ أن يفعله بالشكل الذي يصيّره تشريعًا عامًا لكلِّ البشر، إذ يقول: "افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة سلوكك أن تصبح مبدأ لتشريع عام... افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائما، وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة". نعني بالأخلاقِ هنا ما يحكمُ به العقلُ العملي أو العقلُ الأخلاقي، وهي الأخلاقُ بالمعنى الفلسفي، ولا نعني بها الأخلاقَ بمعنى الأحكام على وفق التصنيف الفقهي، أو ما عرُف بالآدابِ الشرعيةِ في تراثنا، وهذه الآدابُ ضربٌ من الأحكامِ الفقهية، عندما أضحى مفهومُ الشريعةِ مطابقًا لمفهومِ الفقه.
لا تتنكّر القيمُ الأخلاقية الكونية للحقِّ في الاختلاف، والحقِّ في الاعتقاد، والحقِّ في التفكير، والحقِّ في إبداء النظر، والحقِّ في التعبير.
د. عبد الجبار الرفاعي
القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا الأفذاذُ من البشر. القيمُ ضرورةٌ للحياة الإنسانية، وهي شرطٌ لوجود كلِّ مجتمع حيوي خلّاق.
هناك ثلاث مجموعاتٍ من القيمِ التي ينهلُ منها الإنسانُ وتشبِعُ متطلباتٍ معنويةً أساسية لحياته، وهي: القيم الروحية، والقيم الأخلاقية، والقيم الجمالية، ولكلّ واحدةٍ منها وظيفتُها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق للإنسان كمالًا على شاكلته، ويشبِعُ احتياجاتٍ أساسيةً في حياة الفرد والمجتمع. وبين هذه المجموعات الثلاث للقيم علاقةٌ عضويةٌ من التأثر والتأثير المتبادَل، فوجودُ كلٍّ منها يعزّز وجودَ الأخرى ويثريها، وترسيخُ كلٍّ منها يرسّخ وجودَ الأخرى ويكرّسها.
الحقيقةُ القيمية كالحقيقة الدينية، يدركهما الإنسانُ بالتدريج عبر التاريخ، فمع تقدّمِ الزمن تتضح رؤيةُ الإنسان وتنضج وتتكامل، تبعًا لتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته، وتكاملِ مناهج وأدوات المعرفة التي يوظفها في الفهم. مصاديقُ تحقّق القيم نسبيٌّ في حياة الفرد والجماعة، كما أن السعادةَ والنجاحَ والكمالَ نسبيةٌ.
الكرامةُ والكونيةُ هما المعيارُ الذي تتحدّد على أساسه القيمُ الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيمَ شاملةٌ، وأنها قانونٌ كلّي يصلح للتعميم لكلِّ الناس الذين تتوحد مصائرُهم في الأرض، فمهما كان الإنسانُ فإنه يحتاجُ الكرامة، لأن الكرامةَ تتحقّق بها إنسانيتُه، يحتاجها كلُّ إنسان بوصفه إنسانًا، بغضِّ النظر عن دينه وإثنيته وثقافته وعصره.كما يحتاجُ الإنسانُ مهما كان: الصدقَ والمساواةَ والحريةَ والعدلَ والأمانةَ، وهي كلّها تكرِّس الكرامةَ وتحميها من الانتهاك. الكرامةُ والحرية والمساواة والعدل والصدق والأمانة كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعي بمفهومِها واكتشافِ مصاديقها دفعةً واحدة، بل تَطَلَّبَ وصولُ الإنسانية إلى الوعي بمعانيها المعروفة اليوم، والتعرّفُ على حدودها وتطبيقاتها ومصاديقها عبورَ محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا عبر التاريخ. وذلك ما انتهى إليه الإعلانُ العالَمي لحقوق الإنسان، فلم تعد حقوقُ الإنسان الكونية قيمًا ترتبط عضويًّا بالثقافة المحلية والهوية المجتمعية؛ ذلك أن بعضَ الثقافاتِ المحلية والهوياتِ المجتمعية يتمايزُ فيها البشرُ، وتتفاوتُ حدودُ مكانتهم ومساحةُ حقوقهم وحرياتهم تبعًا لجنسهم ومعتقدهم وإثنيتهم.
لا حياةَ أخلاقية بلا قيمٍ كلية كونية تتجاوز الزمانَ والمكان والواقع، وتتموضع بوصفها معايير ثابتة للحق والخير والعدل والفضيلة والسلام والصدق والكرامة والمساواة والحرية والأمانة. مفاهيمُ هذه القيم تقف خارج التاريخ، لكن تطبيقاتِها تاريخية، تتناغم على الدوام وإيقاعَ رؤية الإنسان للعالَم وعلومه ومعارفه، وتعبّر مصاديقُها عن وعيه وتطوره الحضاري وثقافته ونمط عيشه في كلِّ عصر. يرى إيمانويل كانت أَنَّ: "الصفة المميزة الجوهرية لأي قانون هي أنه كلي، أي صادق بالنسبة إلى جميع الأحوال بدون استثناء... وبالمثل القانون الأخلاقي، أو قانون الحرية، وهو القانون الذي يقول إن الفاعل الأخلاقي يتصرف أخلاقيًّا، إذا سيطر العقل على كل ميوله. فإن كان هذا قانونًا، فيجب ألا يكون له استثناء مهما تكن الظروف، كما أنه لا يمكن أن يكون صادقًا بالنسبة إلى أناس دون أناس، بل يجب أن يصدق على الجميع على السواء. خذ مثلًا: الواجب. إنه ليس واجبًا عليّ فقط دون غيري، وليس واجبًا في ظرف دون ظرف آخر، ولا يحتمل أي استثناء لمصلحة هذا أو ذاك. والأخلاق يجب أن تتألف من قوانين صادقة بالنسبة إلى كل الكائنات العاقلة على السواء". ويذهب كانت أيضًا إلى أنّ على الإنسان الذي يفعل أيَّ فعلٍ أن يفعله بالشكل الذي يصيّره تشريعًا عامًا لكلِّ البشر، إذ يقول: "افعل الفعل بحيث يمكن لمسلمة سلوكك أن تصبح مبدأ لتشريع عام... افعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك باعتبارها دائما، وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة". نعني بالأخلاقِ هنا ما يحكمُ به العقلُ العملي أو العقلُ الأخلاقي، وهي الأخلاقُ بالمعنى الفلسفي، ولا نعني بها الأخلاقَ بمعنى الأحكام على وفق التصنيف الفقهي، أو ما عرُف بالآدابِ الشرعيةِ في تراثنا، وهذه الآدابُ ضربٌ من الأحكامِ الفقهية، عندما أضحى مفهومُ الشريعةِ مطابقًا لمفهومِ الفقه.
لا تتنكّر القيمُ الأخلاقية الكونية للحقِّ في الاختلاف، والحقِّ في الاعتقاد، والحقِّ في التفكير، والحقِّ في إبداء النظر، والحقِّ في التعبير.
التكفيرُ يصادر كلَّ هذه الحقوق ويتنكّر لها، لأنه لا يرى إلا وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا يعتقد إلا بوجود صورةٍ واحدةٍ لله، وتصورٍ واحد لصفاته، وطريقٍ واحد إليه، وقوالبَ جزميةٍ للاعتقاد به، وكلماتٍ أبديةٍ في التعبير عنه.
ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناءِ ضميرٍ أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من: انتهاك الكرامة، وتضييع الحقوق، وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ لماذا كانت مدونةُ الأخلاق شحيحةً، مقارنةً بمدوناتِ الحديث والرجال والتفسير والفقه والكلام واللغة وغيرها؟ لماذا يفتقر هذا التراث، على الرغم من سعته، إلى مقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري في ضوءِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والمعارف الحديثة، لئلا تُكرِه الإنسانَ وتعنّفه على فعلِ ما هو الضدّ من طبيعتِه الإنسانية؟
إن ما نعنيه بافتقارِه لمقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادّة، وُلِدت في سياقات متنوعة، تعود إلى مجتمعاتٍ عاشت في أزمنةٍ مختلفة، وتنحدر من ثقافاتٍ متعدّدة وهوياتٍ متنوعة، وتحيل إلى مرجعياتٍ ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره الأخلاقي، وصياغةِ رؤيةٍ تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة تَوازُنٍ تستجيب لاحتياجات مكوّنات طبيعة الكائن البشري، وتشبعها في سياق أخلاقي؛ لا يقدّم الجسدَ قربانًا للروح، ولا يجعل العقلَ قربانًا للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.
الحقُّ في الاختلاف يفرض بناءَ قيمِ التنوع والتعدّدية والعيش المشترك، لكن يتعذر ذلك في مجتمع تتفشّى فيه أحكامُ تكفير المختلِف في المعتقد. التكفير هو اللغم الأخطر في التراث الذي يقوّض كلَّ مسعىً للانخراط في العصر، إنه عنصرُ الممانعة الأقسى والأعنف لحضورِ المسلم الفاعل اليوم في العالَم. التكفيرُ في علم الكلام القديم يمنع المسلمَ من التفاعل العضوي الخلّاق داخل المجتمعات المتنوعة الأديان والثقافات، كما يمنع ولادةَ المواطنة بوصفها ركيزةَ بناء الدولة الحديثة، لذلك يتعذّر بناءُ الدولة الحديثة في البلاد التي تعتمد مقولاتِ الكلام القديم وتتخذها مرجعيةً في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبرامجها.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=385990
ألا يجدر بنا أن نُسائل التراثَ الأخلاقي في عالَم الإسلام، لماذا عجز عن الوفاء ببناءِ ضميرٍ أخلاقي يحمي حياةَ الفرد والمجتمع من: انتهاك الكرامة، وتضييع الحقوق، وتجاوز الخصوصيات الشخصية؟ لماذا كانت مدونةُ الأخلاق شحيحةً، مقارنةً بمدوناتِ الحديث والرجال والتفسير والفقه والكلام واللغة وغيرها؟ لماذا يفتقر هذا التراث، على الرغم من سعته، إلى مقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري في ضوءِ الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والمعارف الحديثة، لئلا تُكرِه الإنسانَ وتعنّفه على فعلِ ما هو الضدّ من طبيعتِه الإنسانية؟
إن ما نعنيه بافتقارِه لمقاربةٍ واقعية تتبصّر طبيعةَ الكائن البشري بعمق: أنه تراثٌ يتسع لعناصر متضادّة، وُلِدت في سياقات متنوعة، تعود إلى مجتمعاتٍ عاشت في أزمنةٍ مختلفة، وتنحدر من ثقافاتٍ متعدّدة وهوياتٍ متنوعة، وتحيل إلى مرجعياتٍ ليست موحدة. لذلك أخفق هذا التراثُ في تأليفِ المختلِف، وتوحيدِ المتعدّد، بالتعرّفِ على مشتركاته واستخلاصِ جوهره الأخلاقي، وصياغةِ رؤيةٍ تكرّس الحياةَ الأخلاقية، وتنشد تحقيقَ معادلة تَوازُنٍ تستجيب لاحتياجات مكوّنات طبيعة الكائن البشري، وتشبعها في سياق أخلاقي؛ لا يقدّم الجسدَ قربانًا للروح، ولا يجعل العقلَ قربانًا للمشاعر والعواطف، ولا يختزل الكلَّ في واحد.
الحقُّ في الاختلاف يفرض بناءَ قيمِ التنوع والتعدّدية والعيش المشترك، لكن يتعذر ذلك في مجتمع تتفشّى فيه أحكامُ تكفير المختلِف في المعتقد. التكفير هو اللغم الأخطر في التراث الذي يقوّض كلَّ مسعىً للانخراط في العصر، إنه عنصرُ الممانعة الأقسى والأعنف لحضورِ المسلم الفاعل اليوم في العالَم. التكفيرُ في علم الكلام القديم يمنع المسلمَ من التفاعل العضوي الخلّاق داخل المجتمعات المتنوعة الأديان والثقافات، كما يمنع ولادةَ المواطنة بوصفها ركيزةَ بناء الدولة الحديثة، لذلك يتعذّر بناءُ الدولة الحديثة في البلاد التي تعتمد مقولاتِ الكلام القديم وتتخذها مرجعيةً في دساتيرها وتشريعاتها وقوانينها وبرامجها.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=385990
جريدة الزوراء العراقية
القيم ضرورة لأنسنة الإنسان
القيمُ ضرورةٌ لأنسنة الإنسان، الإنسانُ بلا قيم يخرج من إنسانيته ويتحول إلى كائنٍ متوحش مخيف. القيمُ مُثُلٌ سامية يتطلع ويسعى الإنسانُ للتحقّق بها، لتتكاملَ شخصيتُه، ويثري حياتَه بالمعنى، ولن يبلغ مدياتِها القصوى إلّا