عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
725 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
ترجمة فارسية لحوار د. عباس بويا، مع د. عبد الجبار الرفاعي، ومجموعة من الخبراء في علم الكلام الجديد . ‏صدر الكتاب في ألمانيا عن جامعة: Friedrich-Alexander University Erlangen-Nürnberg المدينة التي يقع فيها مركز الجامعة: Erlangen
‏يصدر في الأيام القادمة العدد 81 - 82، لمجلة قضايا الإسلامية معاصرة، بهذا العدد تواصل المجلة صدورها منذ 30 سنة. يتناول العدد قضايا حول: "نقد البراديغم الغربي الجديد لدراسة القرآن الكريم". ويتضمن العدد مجموعة من الحوارات والدراسات المترجمة والعربية، التي تتناول: تشكل النص القرآني والانتقال من القرآن إلى المصحف. يقع العدد في 457 صفحة. وهي المرة الأولى التي تتناول فيها مجلة عربية محكمة هذا الموضوع الإشكالي من منظور نقدي.
https://ajis.com.au/index.php/ajis/article/view/755?utm_source=chatgpt.com

‏بيانات الورقة
   •   العنوان: Reinterpreting Theology: ʿAbd al-Jabbār al-Rifāʿī and Neo-Kalam Discourse
   •   المؤلفان: Mujaddid bin Abdullah، وSyed Mohammad Hilmi bin Syed Abdul Rahman
   •   المجلة: Australian Journal of Islamic Studies
   •   مكان الصدور: تصدر في Australia، عن Islamic Sciences and Research Academy of Australia في سيدني

الترجمة العربية للورقة:
في العقود الأخيرة، جذب تجديد الفكر الإسلامي اهتمام العديد من المثقفين المسلمين. وقد نشأ هذا الخطاب أساسًا في القرن التاسع عشر واستمر في التوسع حتى اليوم. كما أن تراجع حال المجتمع الإسلامي أسهم في تنامي الوعي بأهمية التجديد اللاهوتي، حتى أصبح علم الكلام الجديد (Neo-Kalam) أحد أبرز القضايا المطروحة في الخطاب الإسلامي المعاصر.
يُعدّ عبد الجبار الرفاعي شخصية بارزة ومنخرطة بعمق في مجال علم الكلام الجديد، ويتجلى ذلك في مؤلفاته العديدة وجهوده الأكاديمية. ومع ذلك، فإن محاولات إصلاح علم الكلام لم تصل بعد إلى صياغات ومفاهيم واضحة تحظى بإجماع جماعي.
في هذا السياق، تتناول هذه المقالة أثر أفكار الرفاعي في علم الكلام الجديد على قضايا الفكر الإسلامي المعاصر. وتعتمد هذه الدراسة منهجًا نوعيًا، حيث جُمعت البيانات من خلال البحث المكتبي، وتم تحليلها باستخدام المناهج التاريخية والاستقرائية والاستنباطية والمقارنة.

وتتوصل الدراسة إلى أن فكرة علم الكلام الجديد التي طرحها الرفاعي جاءت في إطار تحول نموذجي (Paradigm Shift). إذ يسعى مشروعه إلى إعادة تفكيك الفكر الإسلامي من خلال مقاربة مستمدة من العلوم الاجتماعية الحديثة. وقد بدأ هذا الجهد عبر المرور بإطار تشكّل علم الكلام الكلاسيكي من حيث أنطولوجيته وإبستمولوجيته وأكسيولوجيته. ومع ذلك، فقد أثارت جهوده مزيجًا من النقد والتقدير في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر.
يناقش هذا البحث مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في الإسلام، بوصفه محاولة لتجديد علم الكلام، عبر إعادة تفسيره بما ينسجم مع تحولات الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية. يرى الباحثان أن علم الكلام التقليدي لم يعد قادرًا على الاستجابة لتحديات العصر، الأمر الذي يستدعي إعادة بنائه على أسس معرفية وإنسانية جديدة.
أولًا: أزمة علم الكلام التقليدي يرى البحث أن علم الكلام الكلاسيكي نشأ في سياق الدفاع عن العقيدة، فتركّزت وظيفته في:
   •   تثبيت الإيمان عبر الجدل والمناظرة
   •   الرد على الخصوم
   •   بناء منظومة يقينية مغلقة
غير أن هذا العلم، بصيغته التراثية، لم يعد قادرًا على:
   •   معالجة القلق الوجودي للإنسان الحديث
   •   الإجابة عن أسئلة المعنى
   •   مواكبة تطور العلوم الإنسانية
ولهذا أصبح، في نظر الباحثين، علمًا يعيد إنتاج ذاته دون أن يفتح أفقًا جديدًا للفهم.

ثانيًا: نحو علم كلام جديد
يقدّم الرفاعي تصورًا بديلًا لما يسميه “علم الكلام الجديد”، وهو علم:
   •   لا يكتفي بالدفاع عن العقيدة
   •   بل ينشغل بفهم الدين بوصفه تجربة إنسانية

ويؤكد هذا المشروع على أن:
   •   الدين ليس مجرد منظومة اعتقادية
   •   بل هو استجابة لحاجة الإنسان العميقة إلى المعنى

ثالثًا: الدين بوصفه تجربة وجودية
يركّز الرفاعي على أن الإيمان:
   •   ليس تكرارًا لمقولات جاهزة
   •   بل تجربة داخلية يعيشها الإنسان
في هذا السياق، يتحول الدين من:
   •   “قضية نظرية”
إلى:
   •   “خبرة روحية”
تمنح الإنسان:
   •   الطمأنينة
   •   الإحساس بالمعنى
   •   القدرة على مواجهة القلق الوجودي

رابعًا: مركزية الإنسان وكرامته

يضع الرفاعي الإنسان في مركز الفهم الديني، بحيث:
   •   تصبح كرامة الإنسان معيارًا للتأويل
   •   ويغدو الدين في خدمة الإنسان لا العكس

ويؤكد البحث أن هذا التحول:
   •   يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه كائنًا حرًا
   •   ويحرر الدين من الاستخدامات الأيديولوجية

خامسًا: البعد الروحي والجمالي للدين
يشدد المشروع على أن الدين:
   •   لا يُختزل في الحلال والحرام
   •   ولا في القواعد الفقهية
ويتجلى في:
   •   التجربة الروحية
   •   الإحساس بالجمال
   •   الانفتاح على المعنى

هذا البعد هو ما أهملته القراءات التقليدية، التي ركزت على البعد القانوني والجدلي.

سادسًا: الانفتاح على العلوم الحديثة

يدعو الرفاعي إلى الإفادة من:
   •   الفلسفة الحديثة
   •   علم النفس
   •   الأنثروبولوجيا

من أجل:
   •   فهم أعمق للدين
   •   وتحرير الخطاب الديني من انغلاقه

سابعًا: التحول من العقيدة إلى المعنى
يخلص البحث إلى أن مشروع الرفاعي يمثل انتقالًا من:
   •   دين يقوم على اليقين المغلق
إلى:
   •   دين بوصفه أفقًا مفتوحًا للمعنى
حيث يصبح الإيمان:
   •   تجربة حية
   •   لا منظومة جامدة

خاتمة
يؤكد البحث أن مشروع الرفاعي في “علم الكلام الجديد”:
   •   يمثل مساهمة بارزة في تجديد الفكر الديني المعاصر
   •   ويعيد بناء العلاقة بين الإنسان والدين على أسس إنسانية وروحية وجمالية
كما يفتح هذا المشروع أفقًا لفهم الدين بوصفه:
   •   مصدرًا للمعنى
   •   لا أداة للهيمنة أو الصراع.
غياب دراسة المتخيَّل في كتابات الإسلاميين

د. عبد الجبار الرفاعي
قدّمتُ ورقةً بعنوان: "الوحي عند ابن عربي وتعدد القراءات، أو الخطاب على قدر فهم السامع" في: المؤتمر اللاهوتي السادس، الذي بحث: "النص القرآني والنص الكتابي: التشكل والحقيقة"، المنعقد بكلية العلوم اللاهوتية والدراسات الرعائية في الجامعة الأنطونية "بيروت"، بتاريخ 24-25/6/2011. أشرتُ في ورقتي إلى الخيال في التراث عند الفلاسفة والعرفاء المسلمين، والمتخيَّل في الدراسات الحديثة، فعقّب أحدُ المشاركين في المؤتمر، ممن يُحذّرون من توظيف مناهج وأدوات الفلسفة والعلوم الإنسانية في دراسة وتمحيص التراث الديني، ويظن أن كلَّ شيء مستودَع في تراثنا، ونحن كسالى لم نكتشفه. اعترض بكلامٍ ملخصه: الخيال موجود في تراثنا، فلماذا نستعير العلومَ الإنسانية الغربية الغريبة عن تراثنا ومجتمعاتنا وهويتنا. فقلتُ له: المتخيَّل غير الخيال بمدلوله الميتافيزيقي المعروف في التراث عند الفارابي والفلاسفة ومحيي الدين بن عربي والعرفاء. المتخيَّل الديني الذي أتحدث عنه يعنى دراسةَ تمثّلات الدين من منظور سوسيولوجي وأنثروبولوجي وسيكولوجي وسردي وتاريخي، في ضوء ما أنجزته المعرفة العلمية من مكاسب ثمينة في هذا الحقل.
مناسبةُ هذا الحديث هي غيابُ دراسة المتخيَّل في تفكير الإسلاميين وكتاباتهم بالمعنى المتداول في علوم الإنسان والمجتمع. معجم المتخيَّل بدلالاته ومجالاته ومباحثه الحديثة غريبٌ على العقل التراثي، لم يألفه هذا العقل، ولم يتجذّر في اللاشعور إلا بمعناه التراثي. لم أقرأ عند الكتّاب الأزهريين والحوزويين ومَن تعلّموا في معاهد التعليم الديني التقليدية، ولا غيرهم من الكتّاب الإسلاميين في خارج هذه المعاهد، دراسات للمتخيَّل الديني وآثاره المختلفة في كلّ مجالات الحياة الفردية والمجتمعية. وكيفية تشكّل المتخيَّل المتشدِّد والعنيف والمتوحش، وكيف نتحرر من هذا النوعَ من هذا المتخيَّل المخيف الذي أنهك مجتمعاتنا، واستنزف طاقاتها، وورط شبابها في متاهات مظلمة، غرقت فيها قلوبُهم في كراهية سوداء، وتخبطت عقولُهم في ليل دامس، وضاعت أحلامُهم واضمحلت نهائيًا.
حاولت الكتابةَ عن هذا الموضوع البالغ الأهمية منذ سنوات في كتاباتي المتواصلة عن الدين وتمثلاته المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع. وتحدّثتُ عن أهمية المتخيّل الديني بتفصيلٍ أكثر في كتاب: "مقدمة في علم الكلام الجديد"، وشدّدتُ على ضرورة دراسته بوصفه أحدَ المنابع الأساسية المؤسسة لعلم الكلام القديم، وضرورة عبورها لمن يتطلع لبناء كلامٍ جديد، يهتم بدراسة وتحليل المتخيل، ويتعرف على الوسائل اللازمة والمنابع الضرورية لتشكيل متخيّل آخر يواكب الواقع. ففي الحديث عن الركن الثامن من الأركان التسعة لإشادة الكلام الجديد كتبت: "دراسة المتخيّل الديني وتحليل كيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في انتاج مقولات علم الكلام القديم. المتخيّل الديني منبع كبيرٌ للبنية الأساسية لعلم الكلام القديم. علم الكلام الجديد يجب أن يهتم بالكيفية التي يتشكل فيها المتخيل ويتوالد، ووسائل اعادة بنائه بالشكل الذي يجعله منبعًا للمعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يتناغم ومتطلبات المسلم في عالم تتسارع فيه كل يوم وتيرة التغير والتجدد بنحو مهول" . وتحدّثتُ في الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الكتاب الجديد: "مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث"، تحت عنوان: "في المتخيَّل تولد الأديانُ ولادةً ثانية"، في سياق الحديث عن ضعف حضور دراسة المتخيَّل الديني في الجامعات العراقية، مايلي: "ألحقنا هذه الفقرة بهذا الفصل، لتنبيه الباحثين في علوم الدين في وطننا العراق إلى ضرورةِ الاهتمام بدراسةِ المتخيَّل الديني، وأثرِه وفاعلياتِه الواسعة في تشكّلِ السرديات الدينية وقراءةِ النصوص، وولادةِ الأديان ولادةً ثانية، وكيفيةِ نشأة الفرق والجماعات، والكشفِ عن أن كثيرا من النزاعات والحروب الدينية تعود للاستحواذِ على مصادر إنتاج المتخيَّل الديني، فمَن يمتلك تلك المصادر يمتلك حاضرَ أتباع الدين ومصائرهم" .
وأخيرًا بدأتُ أنشر سلسلةَ مقالات في جريدة الصباح البغدادية منذ 17-1-2024، حول الولادة الثانية للدين في المتخيّل، لأن تجاهلَ دراسة أثر المتخيَّل في فهم الدين وتفسير وظيفته أحدُ أبرز الثغرات عند الكتّاب الذين مازالوا يفكرون في السياق المغلق للعقل التراثي هذا العصر. اكتشافُ جغرافيا المتخيَّل وفاعلياتِه ضروريةٌ للكشف عن نشأةِ وتطور الأديان، وأثرِ مخيّلة الجماعة في إنتاج المعنى الديني، وكيفيةِ ولادة وتضخّم مخيلتها في سياق: رغباتها، وأمنياتها، وأشواقها، وأحلامها، وأوهامها، ومسعاها للتعويض عن كلِّ ما تعجز عن إنجازه في عالمها الأرضي، بنحوٍ يمسي ذلك المتخيَّلُ شديدَ التأثير في حياة الفرد والجماعة، وربما يطغى تأثيرُه، فيتسلط عليها ويأسر حاضرَها ومصائرَها.
المتخيَّل الديني متجذّرٌ في اللاشعور الجمعي والفردي، مَن يفكّر بتديّن عقلاني أخلاقي جمالي يظلّ عاجزًا عن إعادة إنتاجه في ضوء رؤيته، لافتقاره إلى الوسائل اللازمة لإنتاجه وتشكّله. المؤسساتُ الدينية والسياسية والمجتمعية هي مَن يمتلك تلك الوسائل، ولا يمتلكها إنسانٌ فرد خارج مجالها. المتخيَّل المغلق ينمو ويزدهر في مناخات التدين الشعبي، الذي لا يألف صرامةَ العقل البرهاني، وتتكدس وتنشط في هذا المتخيَّل فاعليةُ الذاكرة الشعبية والفلكلور والقيم الموروثة. روافد تشكّل هذا المتخيَّل لا تخضع للعقل ولا تستفتي حججَه، ولا تحتاج أدواتِ استدلاته بالضرورة. تهرب من العقل، وتعمل على تحصينِ نفسها بوسائلها الخاصة لئلا يفكّكها ويقوّضها، وهي محصنةٌ منه على الدوام، إذ تحتضنها مشاعرُ يختفي العقلُ فيها وراءَ العواطف والانفعالات والهواجس والمخاوف.
تجاهلُ دراسة المتخيّل، وعدم إدراك الحاجة لإعادة بنائه، يجهضُ المساعي الجدية للتجديد. لا ينجز التجديدُ شيئًا من وعوده من دون ذلك، دراسةُ المتخيّل الديني وتحليلُ كيفية تشكله، وروافد تغذيته، ومديات حضوره في إنتاج المعنى الديني، ضرورةٌ تفرضها عمليةُ التجديد. المتخيَّل المغلق عقبةٌ تجهض كلَّ المساعي الجدّية لإيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين. بالإمكان إعادةُ إنتاجِ المتخيَّل، ولا يتعذر تشكّلُ المجتمع المتخيَّل بالذهن في آفاق رؤيةٍ تجديدية طموحة للدين، مواكبةٍ للوقع ومتطلباته وإيقاعه السريع والشديد التغيير. وأيضًا لا يتعذّر العملُ بجدية على تمكين هذا المتخيَّل وحضوره في الواقع المجتمعي، وإن كانت شروطُ إنتاجه تتطلب جهودًا مجتمعية هائلة تخرج عن قدرة الفرد.
كي ينجز التجديدُ شيئًا من وعوده لا خيارَ إلا بدراسة المتخيَّل في ضوء المعطيات الجديدة للعلوم والمعارف، والتعرف على مجالاته وحدوده وآثاره، وتعبيراته الباهضة في الدولة والسياسة والسلطات المتعددة، والقيم والثقافة والعلاقات الاجتماعية، والعمل على بناء متخيَّلٍ رحب، لا يخشى العقلانية النقدية، وتترسخ فيه القيم الروحية والأخلاقية والجمالية، ويحتفي بالكرامة بوصفها جوهر إنسانية الدين. وهي مهمةٌ لا أظن العقلَ الذي هو مرجعية التجديد يتقنها بمهارة إلا بعد محاولات وجهود مكثفة تتواصل سنوات طويلة.
ما هو متراكم وغاطس في البنية اللاشعورية للمجتمعات في العصور المختلفة لا يمكن التحرّرُ من أسره تمامًا. في ضوء ذلك يظل العملُ على بناء متخيَّلٍ رحب في مجتمعاتنا حلمًا صعب المنال جدًا، لأنه يتطلب وعيًا عميقًا بضرورة النهوض بهذه المهمة العظمى، وتضامنًا واسعًا للمؤسسات المتنوعة في المجتمع، وتوظيفًا محترفًا للثقافة والآداب والفنون ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتعاونًا وجهودًا مشتركة للسلطات المتعددة في مجتمعاتنا، وبالذات السلطتين السياسية والروحية.
في الكتابة عن هذا الموضوع وغيره أقترح إجابات، لم أراهن يومًا على أنها جزمية أو نهائية. القارئ الذكي يتنبه إلى أن كتابتي تحاول إثارةَ الأسئلة، أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. هذه الأسئلة أسئلتي الشخصية، فقد كنت ومازلت مشغولًا بأسئلة الوجود، وأسئلة المعنى. في أسئلتي أفكّر عدة سنوات، وألاحق كلَّ كتاب ومعلومة حولها، وأقرأ كلَّ شيء أظفر به يتناولها، وأسعى لاكتشاف الطرق المتنوعة لتفسيرها والجواب عنها، وأحاول أخيرًا تقديم تفسيري وجوابي. من يراقب سيرتي الفكرية يرى كيف عبرَ عقلي عدةَ محطات ولم يتوقف، بفضل تلك الأسئلة. ليست هذه الرحلة الشيقة عبر المحطات إلا سلسلة دحض للأجوبة الخاطئة عن أسئلة الوجود والمعنى في حياتي.

https://alsabaah.iq/92553-.html
ينظر إلى الحقيقة بوصفها ملكًا حصريًا لا يقبل القسمة، فتتحول اللغة في هذا الواقع إلى أداة تعبئة، وتغدو الهوية سورًا يحاصر المعنى ويمنع انفتاحه، فيُختزل الإنسان في انتمائه، ويُختزل العالم في صورة واحدة لا ترى إلا ذاتها. في مقابل ذلك، تمثل الهوية الوطنية مشروعًا لبناء كيان سياسي يتسع للجميع، يقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون، حيث تكون المواطنة أساس الانتماء، والعدالة شرط الشرعية، وأفقًا مفتوحًا تتعايش فيه الاختلافات وتتكامل فيه الخصوصيات دون أن تفقد وحدتها في إطار جامع. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار للمعنى والسلطة والوطن والمواطن، تختزل الحقيقة في تفسير واحد، وتختطف الوطن لحساب جماعة، فتقوض وحدة المجتمع، وتزعزع أسس الدولة الوطنية، لأن الكيان السياسي لا يستقر إلا حين يقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء، ولا على ادعاء امتلاك الحقيقة باسم العقيدة.
حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا أصولية، يجري ترحيله من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُعاد توطينه في حقول الصراع على السلطة والثروة، كما جرى في تجارب الأيديولوجيات القومية واليسارية. في هذا التحول يفقد الدين رسالته بوصفه أفقًا للمعنى، ويتحول إلى أداة للاستحواذ، ويُختزل في تنازع النفوذ والسيطرة، وتُسخَّر لغته لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم باسم الدفاع عن العقيدة. عندئذ تهبط رسالة الدين من غايتها في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى وظيفة أيديولوجية مغلقة لا ترى في العالم إلا ساحة صراع. في هذا الواقع، لا تعترف الأصوليات بالهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا، ولا تُقر بشرعية الدولة التي تقوم على هذه الهوية وتكفل استيعاب التنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، إنما تعمل على تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل من لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية، فتفكك المجال العام، وتُقوّض إمكان بناء دولة تحتضن الجميع على أساس المساواة والعدالة والمواطنة وحق كل مواطن أن يكون مختلفًا.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=385190
الهوية الوطنية بمعنى والهوية العقائدية بمعنى آخر

د. عبد الجبار الرفاعي
الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصاب الهوية الوطنية يتأسس على الانتماء إلى رقعة جغرافية، ومصير مشترك، ومصالح يلتقي فيها الجميع، وتاريخ تتوالى فيه التجارب، وذاكرة جمعية تتشكل في وعي الناس، وتتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة تتحذر في اللاشعور السياسي، لا تلغي الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية، بل تحتضنها في أفق عيش مشترك. وتتكشف ملامح هذه الثقافة فيما يتراكم في العقل الجمعي من سرديات تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الممتدة في الزمن، بحيث تغدو الهوية الوطنية إطارًا جامعًا يمنح المعنى للانتماء، ويصون كرامة الإنسان بوصفه مواطنًا قبل كل انتماء آخر.كما تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة، وفي كل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في بناء الوطن وتجذير الانتماء إليه عبر التاريخ، وأسهمت في تشييد كيانه السياسي والثقافي والرمزي والديني والقيمي. وتنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية، وفي الأديان والمعتقدات، والأساطير والأمثال، والعلوم والمعارف المتنوعة. كذلك يكون الشعار الرسمي للدولة مرآة لهذه الهوية، مضافًا إلى النشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتستعيد ما هو جميل في الماضي حضورًا متجددًا في وعي الجماعة. وتتكشف الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وفي كل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية، ويغذي الإحساس بالارتباط العاطفي العميق بالوطن، ويعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم جزءًا حيًا من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركين في مصيره، ومسؤولين عن تنميته وحمايته.
الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تنغلق على مكون واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لهوية فرعية دينية أو طائفية أو قومية دون سواها. إنها هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وتؤمن بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بحق المواطن أن يكون مختلفًا في إطار كيان سياسي واحد، وعلى شراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته. تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتؤسس للمساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص بوصفهما شرطًا للكرامة والعيش المشترك. وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ "العدالة بوصفها إنصافًا"، كما بلوره جون رولز (1921–2002) في كتابه "نظرية في العدالة"، حيث لا تتحقق العدالة إلا حين تُصان حقوق الجميع على قدم المساواة، وتُوزع الفرص بما يضمن لكل إنسان إمكانات متكافئة في بناء حياته والمشاركة في صناعة مصيره. وتخضع الجميع لسلطة القانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تعيد بناء الانتماء للوطن، وتحرر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيد توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات الدينية أو المذهبية أو القومية، بل تعيد إدماجها في أفق الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فروعًا تلتقي جميعها فيه. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، حين يتحول هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية الأيديولوجية بالانغلاق، إذ تنبني على يقين مغلق يختزل العالم في ثنائية حادة: مَن ينتمي إليها، ومَن يقع خارجها. في أفقها يتضخم وهم الاصطفاء، ويتشكل وعي متعالٍ يستمد شرعيته من شعور بالتفوق المتخيل، فتغدو الهوية الجمعية مشروطة بنفي الآخر وإقصائه، لا بالانفتاح عليه أو الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا. في هذا الواقع، لا يعود الانتماء للوطن مرجعية جامعة، إذ يتراجع لصالح ولاء ضيق يستمد معناه من الجماعة العقائدية، فتتآكل فكرة الدولة بوصفها إطارًا مشتركًا، وتختزل في كيان هش لا يحتمل التعدد. ومع هذا الاختزال، تُهمَّش المصلحة الوطنية، ويعاد ترتيب سلم القيم على نحو يجعل الولاءات الفرعية مقدمة على كل أفق جامع، فينحسر المعنى الإنساني للسياسة، وتفقد الجماعة قدرتها على إنتاج معاني العيش المشترك الذي يؤسس للسلم والعدالة. تنتج الهوية الأيديولوجية العقائدية خطابًا تعبويًا مشحونًا باليقين المغلق، لا يعترف بالتنوع، ولا يحتمل الاختلاف، ولا يقر بحق الآخر في العيش المشترك.
من العقيدة المغلقة إلى أفق المعنى: كيف أعاد عبد الجبار الرفاعي صياغة “علم الكلام الجديد”؟

إعداد مجلة التنويري

قراءة في ورقة بحثية تسلط الضوء على انتقال الفكر الديني من اليقين المغلق إلى رحابة التجربة الروحية وأسئلة المعنى.

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها إنسان العصر الحديث، وتصاعد وتيرة القلق الوجودي وأسئلة المعنى، تبدو المنظومات التراثية أحياناً عاجزة عن تقديم إجابات تواكب هذه التحديات. في هذا السياق، تبرز محاولات جادة لتجديد الفكر الديني، لعل من أهمها مشروع المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي.
تسلط ورقة بحثية حديثة، نُشرت في “مجلة الدراسات الإسلامية الأسترالية” (Australian Journal of Islamic Studies) للباحثين مجدد بن عبد الله وسيد محمد حلمي، الضوء على هذا المشروع الاستثنائي. وتقدم الورقة، الصادرة عن أكاديمية العلوم والأبحاث الإسلامية في سيدني، قراءة تحليلية معمقة لمحاولة الرفاعي إعادة بناء وتفسير اللاهوت الإسلامي، أو ما يُعرف بـ “علم الكلام الجديد”، لينسجم مع الأسئلة الوجودية للإنسان المعاصر

أزمة علم الكلام التقليدي في مواجهة القلق الوجودي:
يشير البحث إلى أن علم الكلام الكلاسيكي نشأ في سياق تاريخي محدد كان هدفه الأساسي الدفاع عن العقيدة، وتثبيت الإيمان عبر أدوات الجدل والمناظرة، والرد على الخصوم لبناء منظومة يقينية مغلقة.
غير أن الباحثين يؤكدان أن هذا العلم بصيغته التراثية قد استنفد أغراضه؛ فلم يعد قادراً على معالجة القلق الوجودي الذي ينهش إنسان اليوم، ولا الإجابة عن أسئلته الملحة حول “المعنى”. لقد تخلّف علم الكلام التقليدي عن مواكبة التطور الهائل في العلوم الإنسانية، ليتحول إلى حقل معرفي يعيد إنتاج ذاته، ويجتر مقولاته، دون أن يفتح أفقاً جديداً للفهم أو يقدم عزاءً للروح المنهكة.

تأسيس “علم الكلام الجديد”: الدين بوصفه تجربة روحية:
كبديل لهذا الانغلاق، يقدم عبد الجبار الرفاعي منظوره لـ “علم الكلام الجديد”. هذا العلم لا يكتفي بلعب دور المحامي المدافع عن العقيدة، بل ينشغل، وبشكل أعمق، بفهم الدين بوصفه تجربة إنسانية حية.
يؤكد الرفاعي أن الدين يتجاوز كونه مجرد منظومة اعتقادية جافة، ليكون استجابة فطرية لحاجة الإنسان العميقة إلى المعنى. في هذا المشروع، لا يعود الإيمان مجرد تكرار لمقولات كلامية جاهزة، بل يتحول إلى تجربة داخلية وخبرة روحية تمنح الإنسان الطمأنينة، وتسلحه بالقدرة على مواجهة العبث والقلق الوجودي. إنه انتقال جريء بالدين من حيز “القضية النظرية” الباردة إلى دفء “الخبرة الروحية”.

كرامة الإنسان كمعيار لتأويل وتجديد الفكر الديني:
من أبرز ملامح مشروع الرفاعي، كما ترصدها الورقة البحثية، هو إعادته تموضع الإنسان في قلب الفهم الديني. في هذا النسق، تصبح “كرامة الإنسان” هي المعيار الأعلى والميزان الحساس لأي تأويل للنصوص الدينية.
هذه النزعة الإنسانية تجعل الدين في خدمة الإنسان، وليس العكس. ويؤكد الباحثان أن هذا التحول الجذري يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه كائناً حراً ومسؤولاً، وفي الوقت ذاته، يحرر الخطاب الديني من براثن الاستخدامات الأيديولوجية والتوظيف السياسي الذي أفرغه من محتواه الروحي.

البعد الجمالي والانفتاح على العلوم الإنسانية الحديثة:
يأخذنا مقال الباحثين إلى زاوية أخرى لطالما أُهملت في القراءات التقليدية، وهي البعدان الروحي والجمالي. يشدد الرفاعي على أن الدين لا يمكن اختزاله في ثنائية “الحلال والحرام” أو حبسه في صرامة القواعد الفقهية الجافة. بل يتجلى الدين الحقيقي في التجربة الروحية العميقة، والإحساس المرهف بالجمال، والانفتاح اللامحدود على المعنى.
ولتحقيق هذا الانفتاح، يدعو الرفاعي بوضوح إلى ضرورة الإفادة القصوى من الفلسفة الحديثة، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا. فهذه العلوم ليست خصماً للدين، بل هي أدوات معرفية لا غنى عنها لتحقيق فهم أعمق للنص المقدس، وتحرير الخطاب الديني من عزلته وانغلاقه التاريخي.

خاتمة: من اليقين المغلق إلى فضاء المعنى:
تخلص الورقة البحثية الأسترالية إلى أن مشروع عبد الجبار الرفاعي يمثل نقلة نوعية في مسار تجديد الفكر الديني المعاصر. إنه انتقال شجاع من دين يقوم على سرديات “اليقين المغلق”، إلى دين يُفهم بوصفه “أفقاً مفتوحاً للمعنى”.
في “علم الكلام الجديد”، يصبح الإيمان تجربة حية نابضة بالحياة، لا منظومة قانونية جامدة. وبذلك، ينجح الرفاعي في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان وخالقه على أسس إنسانية، روحية، وجمالية، مقدماً الدين للعالم الحديث بوصفه نبعاً للمعنى والسلام الداخلي، لا أداة للهيمنة، أو وقوداً للصراع.
https://altanweeri.net/18406/من-العقيدة-المغلقة-إلى-أفق-المعنى-كيف-أ/
تفشت في جيلنا والجيل السابق اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي ينتمي إلى فضاء أيديولوجي عابر للحدود قبل انتمائه إلى وطنه، فيرى ذاته في الاتحاد السوفياتي ومحوره، أو في الصين والدول التي تدور في فلكها، يستمد منها تصوره للسياسة والدولة والمجتمع. وكان القومي العربي يقدم انتماءه إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية على انتمائه الوطني، ويرتبط رمزيًا بقيادتها وتنعكس في رؤيته ومواقفه السياسية مواقفها ورؤيتها. كما تمثلت في تجربة جمال عبد الناصر وأمثاله من القوميين، بما حملته من قدرة على تعبئة الجماهير، وصياغة خطاب تجييشي عاصف عابر للحدود. ثم اتخذ الانتماء لدى تيارات الإسلام السياسي مسارًا مماثلًا، إذ غدا الارتباط بالدول أو المرجعيات الدينية، كل بحسب موقفه المذهبي، متقدمًا على الانتماء الوطني، بما يعيد إنتاج ولاءات تتجاوز الدولة وتضعف مركزيتها في وعي المواطن.
عشتُ اضطرابات الهوية السياسية بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يمثل الهوية الأصلية، وأن العقيدة لا تحدها أرض، كما رسخته أدبياتها في وعينا. في تلك المرحلة تراجع حضور الوطن بوصفه أرضًا وتاريخًا وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة، وتوارى في وعينا، فلم نعد نرى في الانتماء إليه إطارًا جامعًا يوحّدنا مع أبناء هذه الأرض الذين نتقاسم معهم العيش على تربة العراق الطيبة. هيمنت ولاءات عابرة للحدود، تستمد معناها من خطاب أيديولوجي يعلو على الواقع ويتجاوز شروطه، فحجبت معنى الوطن، وأضعفت الشعور بالانتماء إليه.
لم تنكشف لي هويتي العراقية، وتنبعث في ضميري، ولم يترسخ انتمائي الفعلي إلى وطني، إلا في تجربة المنافي، حين عشت سنوات طويلة في أكثر من بلد.كنت أواجه في كل مرة نظرة الآخر إلي بوصفـي أجنبيًا، منزوع الحقوق قياسًا بما يتمتع به هو، ومقيد الحريات قياسًا بما يملكه. في ذلك الامتحان القاسي للغربة أخذت الهوية الوطنية تستيقظ في أعماقي، حتى استفاقت بكامل حضورها، لحظة تذوقت معنى الخلاص من اغتراب امتد عقودًا، وعشت بهجة الكرامة تحت سماء وطني العراق، إذ لا سماء كسماء وطني. منحني العيش على أرض العراق، بعد عودتي من المنفى، شعورًا بالثقة والعزة والرفعة، وأنا أستعيد صلتي بأرض انتميت إليها وجودًا وثقافة وتاريخًا، وتكونت في أفيائها هويتي الوطنية الأولى. https://almothaqaf.org/aqlam-3/987132
الدولة الوطنية ترسم حدودها خرائط الأرض

د. عبد الجبار الرفاعي
ترسم حدود الدولة الوطنية الحديثة خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، غير أن كيانها لا ينهض بالجغرافيا وحدها، بل يتأسس على شبكة من المصالح المشتركة والمصائر المتضامنة، وعلى شعور حي بالانتماء إلى الوطن، بوصفه أفقًا جامعًا وملاذًا إنسانيًا يأوي إليه الجميع. تتحقق دولة المواطنة حين تتجسد المساواة الفعلية بين المواطنين في الحقوق وأمام القانون، ويتكافأ الجميع في الفرص، وتُسند المسؤوليات إلى كل مواطن وفقًا ومواهبه وإمكاناته وتكوينه العلمي وتخصصه، في إطار نظام عادل يضمن كرامة الإنسان ويصون حرياته ويحمي حقوقه، ويؤسس لعقد اجتماعي يربط بين الدولة ومواطنيها على قاعدة العدالة والإنصاف.
أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء إلى العقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بصرف النظر عن انتمائه إلى وطن آخر، حتى لو كان في أقصى أطراف الأرض، إذ تتراجع الجغرافيا في هذه الحالة إلى مرتبة ثانوية، ويغدو الرابط العقدي هو المحدد لشكل الانتماء وحدوده. في حين تحرس الحدود الوطنية سيادة الدولة وتصونها من أي نفوذ خارجي أيًا كان مصدره، ولا تسمح بتوظيف موارد الوطن وثرواته خارج مصالح أبنائه تحت أية ذريعة. حدود الدولة الوطنية ترسمها خارطة الأرض، وما تعكسه من إرادة سياسية وهوية جامعة تتجسد في حماية المجال الوطني، وضمان توجيه ثرواته لبنائه وعيش مواطنيه.
الحدود الأيديولوجية لا تحمي الأوطان، إنها تفتّت خرائطها، وتحولها إلى كيان مفتوح لا يختص بالمواطنين، يتّسع لكل من يعتنق أيديولوجيا السلطة. تكشف ذلك تجارب الأنظمة اليسارية والقومية، منذ تأسيس الاتحاد السوفياتي وما تلاه، كما يتكرر اليوم في أنظمة أصولية في بعض الدول. في هذا الواقع يُعامل الأجنبي المتبني للأيديولوجيا ذاتها بوصفه شريكًا كامل الشرعية، يتمتع بحقوق واسعة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وقد يفضي هذا النمط من الشراكة إلى اختلال ميزان السيادة، حين يتمادى هذا الشريك في توظيف موقعه، فيتجاوز حدود المشاركة إلى الهيمنة، ويغدو في بعض المواقف أقدر على توجيه القرار من الحاكم والمواطن معًا.
ينبغي أن يتجذر الحس الوطني في تشكل الهوية في وعي كل مواطن في مجتمعنا، على أساس أسبقية الانتماء إلى الوطن بوصفه الإطار الجامع، فيرى العراقي نفسه عراقيًا أولًا، ثم عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، ثم مسلمًا أو مسيحيًا أو مندائيًا أو إيزيديًا، ثم شيعيًا أو سنيًا أو كاثوليكيًا أو بروتستانتيًا أو أرثوذكسيًا، وهكذا في تدرج يرسخ وحدة المجال الوطني من دون أن يلغي تنوع الانتماءات. في هذا الترتيب لا تذوب الهويات الفرعية، وإنما تنتظم في أفق وطني أوسع، يضمن تماسك المجتمع، ويحول دون انقسامه إلى ولاءات متنازعة تقوّض الدولة، وتبدد إمكان العيش المشترك. هذا التسلسل الهوياتي يمكننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، ويؤسس للمواطنة الدستورية بوصفها القاعدة التي تقوم عليها الدولة اليوم، حيث تنتظم الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي واحد، ينتمي فيه الجميع إلى أرض مشتركة، ومصائر مترابطة، وتاريخ واحد، ويتضامنون على مصالح جامعة. في سياق هذا الفهم لا يُلغى التنوع، وإنما يُعاد ترتيبه داخل إطار وطني يضمن تماسك المجتمع واستقرار الدولة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتتقدم الطائفة أو القومية، ويتراجع الوطن إلى مرتبة دنيا، يتعذر تشييد دولة المواطنة بمعناها السياسي، ويخفق مشروع الدولة الحديثة، لأن الولاءات المتنازعة تستنزف المجال العام وتبدد إمكان بناء عقد وطني جامع.
اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يزيح الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص تحكمه العصبية، ويقيمه هاجس الدفاع عن الهوية الفرعية بدل الهوية الوطنية الجامعة. حين تتصدر القومية أو الطائفة موقع الهوية الأولى، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، يتآكل المعنى الذي يجمع المواطنين في إطار واحد، ويضمحل أثر المصالح المشتركة والمصائر المتداخلة والتاريخ المشترك في بناء الدولة. في هذا المجتمع يتفكك المجال العام إلى ولاءات متنازعة، ويغدو العقد الوطني هشًا، عاجزًا عن تأسيس سلطة عادلة تمثل الجميع وتصون كرامتهم. عندئذ تتوارى الهوية الوطنية خلف الهوية الفرعية، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن، ويغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها يظل مشروطًا بولاء سابق أو موازٍ للجماعة، ووضع كهذا لا يتيح قيام عقد اجتماعي يلتقي عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية الطائفية والقومية وتغيب الهوية الوطنية، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بسواه ممن يعيش معه على أرضه ويلتقي معه في المصائر والمصالح، فيغدو الوطن ساحة لصراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المتضامنة.
‏ هذه القناة تختص بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد وتجديد الفكر الديني .. رابط القناة لمن يود متابعتها:

https://whatsapp.com/channel/0029Vb7YMS87IUYWcpRw3W0N
مفهوم الوحي في علم الكالم الجديد: دراسة مقارنة بين أراء عبد الجبار الرفاعي وعبد الكريم سروش - بقلم: د. حنان شهاب احمد - الجامعة المستنصرية- كلية التربية الأساسية. مجلة دراسات في التاريخ والآثار.
الاغتراب السياسي عن الوطن

د. عبد الجبار الرفاعي

غياب صورة الدولة في الوعي السياسي لم يكن فراغًا سياسيًا عابرًا، بل مرآةً لغياب أعمق لذاكرة الدولة والوطن والمواطنة، وعدم ادراك مكانتها في حياة الإنسان، بوصفها الإطار الذي يصون كرامته، ويحمي حرياته، ويضمن حقوقه، ويمنح وجوده معنى الانتماء. حين تغيب الدولة لا يختفي نظام الحكم فحسب، بل تتلاشى أيضًا الخبرة التاريخية التي تُراكم معنى الدولة في اللاشعور السياسي الجمعي، فينشأ وعيٌ مرتبك عاجز عن إدراك ضرورتها ووظائفها، وتخيّل صورة الدولة بوصفها بيتًا جامعًا لكل أبنائها.
في هذا السياق يصعب بناء مشروع وطني عراقي جامع ينهض من الذات وينفتح على العالم، لأن غياب الدولة يبدد البوصلة ويُربك العلاقة بين الإنسان وأرضه، ويضعف القدرة على تحويل الإمكان إلى فعل. يظل المشروع الوطني معلقًا ما لم يتأسس على وعي سياسي يعيد اكتشاف الدولة بوصفها أفقًا للعيش المشترك لا أداةً للهيمنة، ويعيد بناء الهوية في سياق يُعلي من كرامة الإنسان ويصون حرياته ويكفل حقوقه بوصفه مواطنًا لا تابعًا لهوية مستعارة. عندئذ يمكن استثمار الموارد البشرية واستثمار ثروات الأرض في إطار مشروع حيّ يجسّد الهوية الوطنية ويحمي التعددية والتنوع المجتمعي، ويحوّل التنوع من مصدر صراع إلى مصدر غنى، ويعيد للدولة معناها بوصفها تعبيرًا عن إرادة مجتمعها وحاضنةً لحاضره ومستقبله.
فقدان ذاكرة الدولة كان نتيجة لسلسة من الاحتلالات لأرضنا، فبعد احتلال هولاكو لبغداد، كان وطننا رهينة سلطات أجنبية متعاقبة، فاقدًا لسيادته الوطنية لمدة 663 سنة، تناوبت على احتلاله دول وممالك وإمبراطوريات مختلفة، حتى ولادة الدولة الوطنية الحديثة في القرن العشرين. لم تنبع هذه السلطات من نسيجه الثقافي والقيمي والاجتماعي والرمزي، وميراث حضاراته العريقة وذاكرته، ولم تعبر عن إرادته السياسية، بل كرست الاغتراب السياسي وأجهضت تشكل الهوية الوطنية. أولى سلطات الاحتلال المغولي للعراق كانت الدولة الإيلخانية (1258–1335م)، التي تأسست بعد سقوط بغداد على يد هولاكو، وحكمها الإيلخانيون من سلالته حتى تفكك دولتهم بوفاة أبي سعيد بهادر خان. وبعد انهيارها ظهرت دولة الجلائريين (1335–1432م)، وهي سلالة من أصول مغولية ترتبط بالإيلخانيين، واتخذت بغداد مركزًا لحكمها ردحًا من الزمن. في العهد الجلائري تعرّض العراق لاجتياحين تيموريين بالغَي التدمير، الأول سنة 1393م حين دخل تيمورلنك بغداد ثم انسحب فعاد الجلائريون إلى السلطة، والثاني سنة 1401م حين دخل المدينة مجددًا وارتكب مجزرة شنيعة، ودمّر عمرانها ونسيجها الثقافي والرمزي، ثم غادرها من دون أن يؤسس حكمًا تيموريًا مستقرًا، فظلّ التدخل التيموري عسكريًا تدميريًا لا دولة حاكمة. فقدَ الجلائريون بغداد نهائيًا سنة 1411م بعد دخول القره قويونلو إليها، مع استمرار وجودهم السياسي حتى 1432م في مناطق أخرى من العراق، ثم خضع العراق لحكم القره قويونلو التركمان (1432–1468م)، قبل أن تنتقل السيطرة إلى الآق قويونلو التركمان (1468–1508م).
ثم جاء الصفويون فاحتلوا العراق ابتداءً من سنة 1508م حين دخل الشاه إسماعيل الصفوي بغداد، وظل حكمهم قائمًا حتى سنة 1534م، عندما دخل السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد منهياً حكمهم. منذ ذلك التاريخ بدأ الاحتلال العثماني للعراق، واستمر مع بعض الاضطرابات والصراع مع الصفويين، حتى حملة السلطان مراد الرابع سنة 1638م التي انتهت بتوقيع معاهدة زهاب "قصر شيرين" سنة 1639م، والتي كرّست السيطرة العثمانية على العراق. مكث الاحتلال العثماني قائمًا بلا انقطاع بعد ذلك حتى دخول القوات البريطانية بغداد في 11 آذار/مارس 1917م أثناء الحرب العالمية الأولى، منهيًا بذلك الحكم العثماني الذي دام قرونًا. ومنذ ذلك التاريخ خضع العراق للاحتلال ثم الانتداب البريطاني، الذي استمر حتى إعلان تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921م بتنصيب فيصل الأول ملكًا على العراق تحت الانتداب.
الاحتلالات المفرضة على العراق ومواطنيه بالإكراه، أنتجت حالة تناشز حادة بين العراقي وأرض ولد وعاش ويموت عليها، فالتبس عليه التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير في هذه الأرض، ونفر من وطنه لنفوره من سلطات الاحتلال المتعاقبة، واضطهادها واستعبادها للعراقي، وتعسفها في استلاب ثروات أرضه. العراق الوطن ثابت، أما السلطات المحتلة فزائلة مهما امتد احتلالها للأرض، وكذلك الأنظمة والحكومات التي تعاقبت بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، زائلة أيضًا. العراق الوطن شيء، وتلك الأنظمة والحكومات، سواء كانت ديمقراطية أو فاشية، شيء آخر. لا يصادر العراق الوطن نظام حكم، ولا يصح اختزال الهوية الوطنية في شخص الحاكم، أيًا تكن كيفية إدارته للسلطة ووفائه للعراق. الوطن أعرق وأبقى وأكبر من أي حاكم، العراق الوطن أبدي، والحاكم زائل بعد حين.
لم تتكون في العراق دولة تمثل مشروعًا وطنيًا، ولا مؤسسات تنتج الوعي السياسي، بل ظل البلد يدار بمنطق السلطة المستوردة والسلطة الغريبة، لا بمنطق الدولة الوطنية، ما أفضى إلى بنية اجتماعية ما زالت تنتمي إلى ما قبل الدولة، إذ تتوزع على قبائل وعشائر وجماعات تتحكم فيها العصبيات وتنهشها النزاعات والثارات، فأعاق ذلك ترسيخ الشعور بالانتماء إلى أرض واحدة، وأخّر تكون الوعي السياسي بضرورة الدولة، وأضعف منسوب الثقة بالمصير المشترك، وأنتج تشوهات واضطرابات حادة في الهوية الوطنية.
ما أسهم في عسر ولادة وترسخ مفهوم "المواطن" بمعناه السياسي الحديث هو شيوع مفهوم "المكونات الطائفية والإثنية" في تقاسم السلطة بعد 2003، وهو ما أفضى إلى ترسيخ بارادايم مكوناتي بديل للبارادايم الوطني الذي تنصهر فيه جميع الطوائف والقوميات في هوية وطنية جامعة، تتجاوز الانتماءات الفرعية وتنهض على أسس المواطنة المتساوية. أعاد البارادايم المكوناتي إنتاج الهويات الطائفية والقومية بطريقة جعلت كل واحدة منها تعامل بوصفها كيانًا مستقلًا منغلقًا على ذاته، متجاوزًا الانتماء الوطني، وعابرًا للحدود السياسية للدولة، بحيث أضحى "المكون" يخص مصلحة مَن يشترك معه في الانتماء للطائفة أو القومية غالبًا، حتى إن كان أجنبيًا لا ينتمي إلى العراق، في حين لا تعني مصالح الشريك في الوطن شيئًا إذا كان من مكون آخر. هكذا تفرض الهوية الفرعية على المواطن، ليقدم الولاء والانحياز لمصلحة الجماعة ولو على حساب المصالح الوطنية، فتتقدم الروابط القومية والطائفية على رابطة المواطنة، وتختزل الدولة إلى تجمع موزع بين مكونات، لا إلى وطن يحتضن مصالح ومصائر الجميع ويصوغ هويتهم الجامعة. هذا النمط من الوعي عطل تشكل مفهوم المواطن بوصفه كائنًا حقوقيًا يتساوى مع غيره في كيان سياسي واحد، وأسس لهوية تعيد إنتاج الانقسام، وتستنزف إمكانات بناء دولة المواطنة الحديثة.
‏الحكومات الوطنية تبني دولها وهي تستثمر في التنمية الشاملة المستدامة، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. التنمية بمعناها الاقتصادي والسياسي والعلمي والثقافي والاجتماعي الحديث تبتني على تكريس الانتماء للأرض والمصالح والمصائر الوطنية المشتركة. تجهض الأيديولوجيات اليسارية والأصولية مشروع التنمية، لأنها لا تنظر إلى الإنسان بوصفه مواطنًا ينتمي إلى وطن له حقوق وواجبات مشتركة، وإنما تراه من خلال انتمائه الأيديولوجي أو العقائدي. لذلك تمنح ولاءها ورعايتها لمن يشاركها المعتقد، حتى لو كان ينتمي إلى وطن آخر، فيما تُهمِل مصلحة أبناء الوطن واحتياجاتهم إذا اختلفوا معها في العقيدة أو الأيديولوجيا.

https://alsabaah.iq/131505-.html