عبدالجبار الرفاعي يجمع بين معرفة القديم، وفي الوقت ذاته خبير في الفكر الحديث.
علي الشدوي
من بعثنا من مرقدنا ... ( يس ، 52). يوفق العلماء بين نصوص عذاب القبر. ويرون أن الآية محتملة المعنى ، وليست نصا في عذاب القبر؛ والقاعدة الأصولية هي نص محتمل الدلالة لا يعارِض نصوصا قطعية واضحة. هنا يظهر الإشكال بوضوح؛ إذ إن قطعية عذاب القبر لم تستند إلى دليل قرآني صريح، بل استندت إلى بناء استدلالي تراكمي قوامه أحاديث آحاد صحيحة الإسناد، وتأويلات مخصوصة لآيات محتملة. القرآن هو المصدر الأول، لكنه لا يتضمن نصا مباشرا غير قابل للتأويل على عذاب يقع بين الموت والبعث، بل يقدم توصيفا عاما للبرزخ، والزمن، والبعث، بلغة تسمح بقراءات متعددة، منها هذه الآية.
ويبدو لي أن هذه القاعدة (نص محتمل الدلالة لا يعارض نصوصا قطعية محتملة) تعمل ابوصفها آلية تحصين، فهي تصنف الآية فورا كمحتملة، وترفع الأحاديث إلى مرتبة القطعي لا بذاتها، بل بإجماع لاحق على معناها، فيصبح الخلاف ليس مع الآية، بل مع الإجماع المؤوِّل. وبهذا تنتقل القطعية من كونها خاصية دلالية إلى وضعٍ معياري يمنع إعادة السؤال: هل العذاب حسي أم معنوي؟ دائم أم منقطع؟ عام أم خاص؟
لا تحل هذه القاعدة التعارض بقدر ما تجمده، وتمنع إمكان قراءة قرآنية مختلفة للبرزخ، ليس لأنها قراءة غير صحيحة، بل لأنها تربك العقيدة المستقرة. فاستخدام هذه القاعدة في عذاب القبر ليس ضرورة عقلية، بل قرارا منهجيا اختار اليقين التراثي على الانفتاح الدلالي.
علاوة على ذلك فهي ليست قاعدة عقلية خالصة. هي منهج ترجيحي بُني بعد وقوع التعارض ظاهريا، لا قبله. نقدها يبدأ من أن وصف النص بالقطعي أو المحتمل ليس معطى موضوعيا دائما، بل حكم اجتهادي يتأثر باللغة، والسياق، والنسق العقدي المسبق؛ فكثير من النصوص التي وصفت بالقطعية في التراث كانت في حقيقتها قطعية عند مذهب، ظنية عند آخر.
ثم إن هذه القاعدة تفترض أن التعارض لا يمكن أن يكون إلا ظاهريا، وتغلق منذ البداية احتمال أن يكون الفهم الموروث للنص القطعي نفسه محل مراجعة، فتحول القطع من خاصية للنص إلى حصانة للتفسير. كما أنها تعمل بوصفها أداة لحسم الخلاف لا لتحريره، إذ تستدعى بعد تشكل الموقف العقدي لتبرير استبعاده للقراءة البديلة، لا لاستكشاف إمكاناتها الدلالية.
لذلك فالقيمة المنهجية للقاعدة ليست في كونها حقيقة أصولية، بل في كونها اختيارا إبستمولوجيا يقدم استقرار العقيدة على المخاطرة التأويلية، وهو اختيار مفهوم تاريخيا، لكنه قابل للنقد عقليا وغير ملزِم فلسفيا. ما أريد قوله لا يتعلق بمعنى الآية، ولا عذاب القبر ؛ بل بحاجة القواعد الأصولية إلى إعادة قراءتها من منظور أبستمولوجي، لعل الدكتور عبدالجبار الرفاعي يجد وقتا فهو الأقدر على فعل ذلك؛ لأنه يجمع بين معرفة القديم، وفي الوقت ذاته خبير في الفكر الحديث.
https://www.facebook.com/share/p/1CZ5QbDqw5/?
علي الشدوي
من بعثنا من مرقدنا ... ( يس ، 52). يوفق العلماء بين نصوص عذاب القبر. ويرون أن الآية محتملة المعنى ، وليست نصا في عذاب القبر؛ والقاعدة الأصولية هي نص محتمل الدلالة لا يعارِض نصوصا قطعية واضحة. هنا يظهر الإشكال بوضوح؛ إذ إن قطعية عذاب القبر لم تستند إلى دليل قرآني صريح، بل استندت إلى بناء استدلالي تراكمي قوامه أحاديث آحاد صحيحة الإسناد، وتأويلات مخصوصة لآيات محتملة. القرآن هو المصدر الأول، لكنه لا يتضمن نصا مباشرا غير قابل للتأويل على عذاب يقع بين الموت والبعث، بل يقدم توصيفا عاما للبرزخ، والزمن، والبعث، بلغة تسمح بقراءات متعددة، منها هذه الآية.
ويبدو لي أن هذه القاعدة (نص محتمل الدلالة لا يعارض نصوصا قطعية محتملة) تعمل ابوصفها آلية تحصين، فهي تصنف الآية فورا كمحتملة، وترفع الأحاديث إلى مرتبة القطعي لا بذاتها، بل بإجماع لاحق على معناها، فيصبح الخلاف ليس مع الآية، بل مع الإجماع المؤوِّل. وبهذا تنتقل القطعية من كونها خاصية دلالية إلى وضعٍ معياري يمنع إعادة السؤال: هل العذاب حسي أم معنوي؟ دائم أم منقطع؟ عام أم خاص؟
لا تحل هذه القاعدة التعارض بقدر ما تجمده، وتمنع إمكان قراءة قرآنية مختلفة للبرزخ، ليس لأنها قراءة غير صحيحة، بل لأنها تربك العقيدة المستقرة. فاستخدام هذه القاعدة في عذاب القبر ليس ضرورة عقلية، بل قرارا منهجيا اختار اليقين التراثي على الانفتاح الدلالي.
علاوة على ذلك فهي ليست قاعدة عقلية خالصة. هي منهج ترجيحي بُني بعد وقوع التعارض ظاهريا، لا قبله. نقدها يبدأ من أن وصف النص بالقطعي أو المحتمل ليس معطى موضوعيا دائما، بل حكم اجتهادي يتأثر باللغة، والسياق، والنسق العقدي المسبق؛ فكثير من النصوص التي وصفت بالقطعية في التراث كانت في حقيقتها قطعية عند مذهب، ظنية عند آخر.
ثم إن هذه القاعدة تفترض أن التعارض لا يمكن أن يكون إلا ظاهريا، وتغلق منذ البداية احتمال أن يكون الفهم الموروث للنص القطعي نفسه محل مراجعة، فتحول القطع من خاصية للنص إلى حصانة للتفسير. كما أنها تعمل بوصفها أداة لحسم الخلاف لا لتحريره، إذ تستدعى بعد تشكل الموقف العقدي لتبرير استبعاده للقراءة البديلة، لا لاستكشاف إمكاناتها الدلالية.
لذلك فالقيمة المنهجية للقاعدة ليست في كونها حقيقة أصولية، بل في كونها اختيارا إبستمولوجيا يقدم استقرار العقيدة على المخاطرة التأويلية، وهو اختيار مفهوم تاريخيا، لكنه قابل للنقد عقليا وغير ملزِم فلسفيا. ما أريد قوله لا يتعلق بمعنى الآية، ولا عذاب القبر ؛ بل بحاجة القواعد الأصولية إلى إعادة قراءتها من منظور أبستمولوجي، لعل الدكتور عبدالجبار الرفاعي يجد وقتا فهو الأقدر على فعل ذلك؛ لأنه يجمع بين معرفة القديم، وفي الوقت ذاته خبير في الفكر الحديث.
https://www.facebook.com/share/p/1CZ5QbDqw5/?
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
"مالك بن نبي: هاجس الهوية والصراع الحضاري". تحليل نقدي لفكر #مالك_بن_نبي، في كتاب: "مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث".
عبد_الجبار_الرفاعي_وتجديد_الفكر_الديني_رؤية_نقدية_لمعاجلة_التطرف.pdf
439 KB
عبد الجبار الرفاعي وتجديد الفكر الديني: رؤية نقدية لمعاجلة التطرف والإرهاب - كاظم عبد النبي لعيبي، أ. د. علي عبد الهادي المرهج - بحث في مجلة آداب المستنصرية، المجلد 49، العدد 112، 375 - 383. مرفق نسخة PDF من البحث.
صدر هذا الكتاب بالفارسية الذي وصلني اليوم عن جامعة ارلنغن في نورنبيرغ بألمانيا. الحوار الاول في الكتاب أجراه معي د. عباس پويا، أستاذ الدراسات الإسلامية في هذه الجامعة.
الوجود_الخوارزمي_بوصفه_قطيعة_انطولوجية_عبدالجبار_الرفاعي.pdf
333.2 KB
الوجود الخوارزمي بوصفه قطيعة انطولوجية - عبدالجبار الرفاعي
{أكرهك}! د. عبد الجبار الرفاعي
"أكرهك"! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.
في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.
الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.
مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.
لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.
"أكرهك"! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.
في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.
الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.
مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.
لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.
شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط. الإنسان كائن تتداخل في أعماقه نوازع متباينة، وتتجاور في داخله ميول متعارضة، يلتقي في شخصيته الخير والشر، والرحمة والقسوة، والسخاء والجفاء، كما تلتقي في سلوكه دوافع ظاهرة وأخرى خفية. لذلك تبدو أفعال الإنسان في كثير من الأحيان متناقضة أو غامضة، لأن ما يظهر من سلوكه ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه.
الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.
لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده. https://alsabaah.iq/129435-.html
الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.
لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده. https://alsabaah.iq/129435-.html
العجز عن التراكم عجز عن بناء الدولة
د. عبد الجبار الرفاعي
الهدم أسهل من البناء في العلاقات الإنسانية وفي مختلف مجالات الحياة؛ فتهديم ما يتشكل عبر الزمن لا يحتاج إلا إلى لحظة انفعال عاصف، أما تشييده فيتطلب صبرًا طويلًا وتراكمًا بطيئًا للخبرة ورأس المال المادي والرمزي والعمل. تهديم البناء أيسر كلفة من تشييده، كما أن إهدار المال أسهل من تحصيله عبر جهد شاق، وإفساد الحب وتسميم القلب بالكراهية، بكلمات قاسية ووشايات لئيمة، أيسر من تطهير القلب وتهذيبه بالمحبة والرحمة. تقويض الدولة أسرع بكثير من تأسيسها؛ فقد تكفي شعارات غاضبة، وإشاعات زائفة، وإيقاد للعنف كي يتصدع كيان الدولة وتتهشم أسسها، بينما يحتاج بناء دولة حقيقية إلى زمن طويل يتكون فيه وعي بالمواطنة، وتتجذر فيه الأخلاق العامة، وتتشكل مؤسسات تحمي القانون وتصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. إشعال الحرب أيسر من صناعة السلام، لأن الحرب تستدعي الغرائز العدوانية الكامنة في الإنسان، أما السلام فيحتاج إلى حكمة أخلاقية تروّض تلك الغرائز. التخلص من سلطة جائرة قد يحدث في لحظة انفجار تاريخي، غير أن تأسيس سلطة عادلة ودولة حديثة يتطلب تربية طويلة على الأخلاق والحكمة، والالتزام بالقانون. العدل ثمرة لنبتة تنمو في تربة الضمير الأخلاقي الحي، بينما الظلم يولد حين تستبد النزعة العدوانية بالإنسان، لذلك يبقى بناء الإنسان الأخلاقي الذي يحترم القانون ويطبقه الشرط الأعمق لبناء الدولة العادلة.
الحضارة مسار ادخارٍ وتراكمٍ لا ينقطع؛كذلك المدينة والدولة لا تولدان إلا من رحم هذا الادخار المتواصل في الثروة المادية والسياسة والمعنوية، وفي الوعي والمعرفة والقيم والرموز والآداب والفنون. المجتمع الذي يعجز عن تنمية رصيده على الدوام يعجز عن تأسيس دولة راسخة، لأن الدولة ليست كيانًا يُشيَّد بالعاطفة أو يقوم بالشعارات، وإنما ثمرة زمن طويل من الادخار وتراكم الثروات والخبرات والعلوم والقيم، يتجذر في الوعي الفردي والجمعي، ويصوغ ذاكرة مشتركة، ويكرّس إدراكًا عميقًا بالمصالح المشتركة والمصير الواحد.
اقتصاد الحياة البدوية اقتصادٌ رعويٌّ بطبيعته، الاقتصاد الرعوي يفتقر إلى قابلية الادخار والتراكم، فلا تتوفر لديه الشروط التي تسمح بتراكم الثروة، ولا يخلق البيئة الملائمة لإنتاج المعارف وتطوير المهارات وتنمية رأس المال. في هذا النمط من العيش لا تتكامل عناصر الإنتاج الأساسية، من رأس مال مادي ومعرفي، وعملٍ مستقر، وأرضٍ يرتبط بها الإنسان ارتباطًا دائمًا. الترحال المتواصل يضعف التفاعل الخلّاق مع المكان، ويحول دون نشوء علاقة راسخة بالأرض، لذلك لا تتكوّن رابطة وجودية وروحية ونفسية وعاطفية بمكان محدد، وهي الرابطة التي تنمو في ظلها المدينة، وتتجذر في أفقها الدولة. الحياة البدوية، بما تفرضه من ترحالٍ دائم، تفتقر إلى شروط الاستقرار، فلا يتكوّن فيها إحساس عميق بالعلاقة الوثيقة بالأرض، لأن هذه العلاقة لا تتشكل إلا في سياق إقامة طويلة وتوطن مستقر يجعل المكان حاضرًا في وجدان الإنسان وشعوره. ما دام يقوم اقتصاد البادية على الرعي، الذي هو نمط من العيش يتشكل في أفق الترحال الدائم وملاحقة المراعي ومصادر الماء، لذلك يفتقر إلى الشروط التي تسمح بتكوين اقتصاد مركّب قائم على الإنتاج المتواصل وتراكم الثروة والخبرة. في نمط الإنتاج الرعوي لا تتكوّن علاقة بالأرض بوصفها مجالًا للعمل والاستثمار، لأن الأرض تُرتاد مؤقتًا ثم يُغادرها الإنسان إلى غيرها. لذلك يختلف اقتصاد البادية عن الاقتصاد الذي يتأسس على امتلاك الأرض والعقار، والعمل الزراعي والحرفي، وتراكم المهارات، ونشوء التجارة وتبادل المنافع. التوطن في المكان يتيح للإنسان أن يطوّر أدوات عمله وخبراته، وأن يبني شبكات إنتاج وتبادل مستمرة، ومن هذا التراكم تنشأ الأسواق وتزدهر الحرف وتتشكّل المدن. المدينة والدولة لا تولدان إلا في فضاء الإقامة بالمكان، حيث تتجذر صلة الإنسان بالأرض عبر العمل والمكوث المستمر، فتتشكّل ذاكرة مشتركة وهوية للمكان، وتنبثق في أفقها المؤسسات التي تنظّم العيش المشترك.
الشروط المادية والمعنوية والرمزية اللازمة لبناء الدولة تستدعي استثمارًا طويل الأمد في الإنسان والمكان، لأن الدولة لا تنشأ في الفراغ، وإنما تتشكل في سياق تاريخي يتراكم فيه رأس المال والخبيرة والعلم والمعرفة والقيم. ويبدأ ذلك من قابلية الادخار والتراكم بوصفهما الأساس لكل عملية إنتاج مستدام، إذ يتيح التراكم تنمية الثروة وتوسيع رأس المال المادي والمعرفي، ويخلق بيئة تسمح بتطوير المهارات والخبرات، وتوليد المعارف التي تُغذّي الاقتصاد والمجتمع معًا. في هذا الأفق يتكوّن اقتصاد قادر على إعادة إنتاج الثروة وتنميتها، وتتشكل البنية الثقافية والقيمية التي تساند قيام المؤسسات، فيغدو التراكم المادي والمعنوي والرمزي الشرط العميق الذي تنمو في ظله الدولة وتترسخ.
د. عبد الجبار الرفاعي
الهدم أسهل من البناء في العلاقات الإنسانية وفي مختلف مجالات الحياة؛ فتهديم ما يتشكل عبر الزمن لا يحتاج إلا إلى لحظة انفعال عاصف، أما تشييده فيتطلب صبرًا طويلًا وتراكمًا بطيئًا للخبرة ورأس المال المادي والرمزي والعمل. تهديم البناء أيسر كلفة من تشييده، كما أن إهدار المال أسهل من تحصيله عبر جهد شاق، وإفساد الحب وتسميم القلب بالكراهية، بكلمات قاسية ووشايات لئيمة، أيسر من تطهير القلب وتهذيبه بالمحبة والرحمة. تقويض الدولة أسرع بكثير من تأسيسها؛ فقد تكفي شعارات غاضبة، وإشاعات زائفة، وإيقاد للعنف كي يتصدع كيان الدولة وتتهشم أسسها، بينما يحتاج بناء دولة حقيقية إلى زمن طويل يتكون فيه وعي بالمواطنة، وتتجذر فيه الأخلاق العامة، وتتشكل مؤسسات تحمي القانون وتصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. إشعال الحرب أيسر من صناعة السلام، لأن الحرب تستدعي الغرائز العدوانية الكامنة في الإنسان، أما السلام فيحتاج إلى حكمة أخلاقية تروّض تلك الغرائز. التخلص من سلطة جائرة قد يحدث في لحظة انفجار تاريخي، غير أن تأسيس سلطة عادلة ودولة حديثة يتطلب تربية طويلة على الأخلاق والحكمة، والالتزام بالقانون. العدل ثمرة لنبتة تنمو في تربة الضمير الأخلاقي الحي، بينما الظلم يولد حين تستبد النزعة العدوانية بالإنسان، لذلك يبقى بناء الإنسان الأخلاقي الذي يحترم القانون ويطبقه الشرط الأعمق لبناء الدولة العادلة.
الحضارة مسار ادخارٍ وتراكمٍ لا ينقطع؛كذلك المدينة والدولة لا تولدان إلا من رحم هذا الادخار المتواصل في الثروة المادية والسياسة والمعنوية، وفي الوعي والمعرفة والقيم والرموز والآداب والفنون. المجتمع الذي يعجز عن تنمية رصيده على الدوام يعجز عن تأسيس دولة راسخة، لأن الدولة ليست كيانًا يُشيَّد بالعاطفة أو يقوم بالشعارات، وإنما ثمرة زمن طويل من الادخار وتراكم الثروات والخبرات والعلوم والقيم، يتجذر في الوعي الفردي والجمعي، ويصوغ ذاكرة مشتركة، ويكرّس إدراكًا عميقًا بالمصالح المشتركة والمصير الواحد.
اقتصاد الحياة البدوية اقتصادٌ رعويٌّ بطبيعته، الاقتصاد الرعوي يفتقر إلى قابلية الادخار والتراكم، فلا تتوفر لديه الشروط التي تسمح بتراكم الثروة، ولا يخلق البيئة الملائمة لإنتاج المعارف وتطوير المهارات وتنمية رأس المال. في هذا النمط من العيش لا تتكامل عناصر الإنتاج الأساسية، من رأس مال مادي ومعرفي، وعملٍ مستقر، وأرضٍ يرتبط بها الإنسان ارتباطًا دائمًا. الترحال المتواصل يضعف التفاعل الخلّاق مع المكان، ويحول دون نشوء علاقة راسخة بالأرض، لذلك لا تتكوّن رابطة وجودية وروحية ونفسية وعاطفية بمكان محدد، وهي الرابطة التي تنمو في ظلها المدينة، وتتجذر في أفقها الدولة. الحياة البدوية، بما تفرضه من ترحالٍ دائم، تفتقر إلى شروط الاستقرار، فلا يتكوّن فيها إحساس عميق بالعلاقة الوثيقة بالأرض، لأن هذه العلاقة لا تتشكل إلا في سياق إقامة طويلة وتوطن مستقر يجعل المكان حاضرًا في وجدان الإنسان وشعوره. ما دام يقوم اقتصاد البادية على الرعي، الذي هو نمط من العيش يتشكل في أفق الترحال الدائم وملاحقة المراعي ومصادر الماء، لذلك يفتقر إلى الشروط التي تسمح بتكوين اقتصاد مركّب قائم على الإنتاج المتواصل وتراكم الثروة والخبرة. في نمط الإنتاج الرعوي لا تتكوّن علاقة بالأرض بوصفها مجالًا للعمل والاستثمار، لأن الأرض تُرتاد مؤقتًا ثم يُغادرها الإنسان إلى غيرها. لذلك يختلف اقتصاد البادية عن الاقتصاد الذي يتأسس على امتلاك الأرض والعقار، والعمل الزراعي والحرفي، وتراكم المهارات، ونشوء التجارة وتبادل المنافع. التوطن في المكان يتيح للإنسان أن يطوّر أدوات عمله وخبراته، وأن يبني شبكات إنتاج وتبادل مستمرة، ومن هذا التراكم تنشأ الأسواق وتزدهر الحرف وتتشكّل المدن. المدينة والدولة لا تولدان إلا في فضاء الإقامة بالمكان، حيث تتجذر صلة الإنسان بالأرض عبر العمل والمكوث المستمر، فتتشكّل ذاكرة مشتركة وهوية للمكان، وتنبثق في أفقها المؤسسات التي تنظّم العيش المشترك.
الشروط المادية والمعنوية والرمزية اللازمة لبناء الدولة تستدعي استثمارًا طويل الأمد في الإنسان والمكان، لأن الدولة لا تنشأ في الفراغ، وإنما تتشكل في سياق تاريخي يتراكم فيه رأس المال والخبيرة والعلم والمعرفة والقيم. ويبدأ ذلك من قابلية الادخار والتراكم بوصفهما الأساس لكل عملية إنتاج مستدام، إذ يتيح التراكم تنمية الثروة وتوسيع رأس المال المادي والمعرفي، ويخلق بيئة تسمح بتطوير المهارات والخبرات، وتوليد المعارف التي تُغذّي الاقتصاد والمجتمع معًا. في هذا الأفق يتكوّن اقتصاد قادر على إعادة إنتاج الثروة وتنميتها، وتتشكل البنية الثقافية والقيمية التي تساند قيام المؤسسات، فيغدو التراكم المادي والمعنوي والرمزي الشرط العميق الذي تنمو في ظله الدولة وتترسخ.
بناء الدولة الحديثة يعتمد على اقتصاد متين، وسياسة رشيدة، وقيم راسخة، ومعارف متجددة، وثقافة حيّة، وفنون وجمال ورموز تثري الذاكرة الوطنية، وتمنح المجتمع صورًا ملهمة للمعنى المشترك. بناء الدول يستغرق أزمنة مديدة، قد تمتد لعشرات السنين أو قرون، إذ يتطلب نشوؤها مراكمة متواصلة للوعي والمعارف والمهارات والخبرات والرموز، وإعدادًا للشروط والعناصر التي تؤهل المجتمع لأن يؤسس دولة حديثة. الدولة الحديثة لا تنهض إلا إذا ارتكزت على تراكم طويل يرسخ هويتها الوطنية، ويصون كرامة مواطنيها، ويضمن استمرارها في مواجهة التحولات والتحديات.
الدولة تحتاج إلى بيئة مجتمعية تتيح لهذا التراكم أن يتجذر ويتنامى. المدينة تمثل البيئة الحاضنة لبناء الدولة، والنقلة النوعية التي يتجاوز فيها المجتمع التكوينات القبلية المغلقة المبنية على رابطة الدم، ويبدأ رحلة البحث عن هوية مجتمعية مدنية جامعة. المدينة لا تختزل في العمران، بل تعكس ثقافة ورموز وقيم ومصالح ومصائر مشتركة، تتجلى في نمط عيش يعبر عن اقتصاد وإدارة وتنظيم يختلف عن البادية والقرية، وعلاقات اجتماعية جديدة، تنتظم فيها الحياة على قاعدة القانون لا العصبية، والمصلحة العامة لا الغلبة. القبيلة البدوية تعجز عن بناء وعي بالأرض بوصفها وطنًا، لأن علاقتها بالأرض علاقة مؤقتة مشروطة بتوفر الماء والكلأ. أما المدينة فتكرس علاقة الإنسان ورابطته بالأرض، وتوفر الشرط الأساس لأن تنبثق من هذا الارتباط علاقة المواطنة، بوصفها انتماء طوعيًا، ومسؤولية مشتركة، ومشاركة في الحقوق والواجبات، على أساس القانون، لا على رابطة الدم كالقبيلة. الدولة تتأسس على بنية المدينة ونسيجها العمراني، وعلى شبكات المصالح والمصائر المشتركة والعلاقات المجتمعية فيها، وعلى مؤسساتها وثقافتها وقيمها ورموزها. المصالح والقوانين والقيم في المدينة مشترك حيوي فعال، يلتقي عنده المختلفون، ويجد فيه كل من يقيم على أرضها موقعًا في الفضاء العام، ودورًا في إنتاج العيش المشترك. في المدينة يغادر الإنسان رابطة العصبية، ليتحقق في أفق تتولد فيه هويته من الذاكرة المشتركة، والثقافة الموحدة، والشراكة في المصالح والمصائر، وتتحرر فيه المواطنة من الانتماءات المغلقة، لتغدو تعبيرًا عن وعي جديد بالذات والآخر، والعيش في ظل دولة تجسد العقل، وتكفل الكرامة، وتصون الحرية، وتؤسس لمجتمع مفتوح.
غياب الدولة في وطننا عطّل تحقّق ما عبر عنه الفيلسوف الألماني هيغل: "الدولة بوصفها تجليًا للعقل... والتجلي الواقعي للروح الأخلاقية"، إذ رأى أن: "الفرد لا يحقق حريته الحقيقية إلا في الدولة، لأنها التعبير الكامل عن الحرية العقلانية"، هيغل في كتابه: "مبادئ فلسفة الحق"، ص 53. الدولة، حين تتأسس بوصفها تعبيرًا عن العقل والحرية، تخلق للإنسان فضاءً ينضبط فيه اندفاع الغرائز والعصبيات والانفعالات، ويتكوّن فيه وعي بالمواطنة يتجاوز حدود الجماعات المغلقة إلى أفق المصلحة المشتركة. لذلك لا تقتصر الدولة على كونها جهازًا لإدارة السلطة، وإنما تشكّل إطارًا أخلاقيًا وقانونيًا ينتظم فيه العيش المشترك، وتترسخ فيه القيم التي تصوغ الإرادة العامة. وحين يغيب هذا الإطار، أو يظل هشًّا ومضطربًا، يتعطل تشكّل الوعي الوطني، لأن المجتمع يبقى أسير ولاءات ضيقة وعلاقات ما قبل الدولة، فتتعثر عملية انتقاله إلى وعي مدني جامع. بهذا المعنى ترك غياب الدولة، بما هي تجلٍ للعقل وتجسيد للحرية العقلانية، أثرًا عميقًا في إعاقة نشوء وعي وطني عراقي، وتعطيل تجذّره وتطوره.
https://alsabaah.iq/129640-.html
الدولة تحتاج إلى بيئة مجتمعية تتيح لهذا التراكم أن يتجذر ويتنامى. المدينة تمثل البيئة الحاضنة لبناء الدولة، والنقلة النوعية التي يتجاوز فيها المجتمع التكوينات القبلية المغلقة المبنية على رابطة الدم، ويبدأ رحلة البحث عن هوية مجتمعية مدنية جامعة. المدينة لا تختزل في العمران، بل تعكس ثقافة ورموز وقيم ومصالح ومصائر مشتركة، تتجلى في نمط عيش يعبر عن اقتصاد وإدارة وتنظيم يختلف عن البادية والقرية، وعلاقات اجتماعية جديدة، تنتظم فيها الحياة على قاعدة القانون لا العصبية، والمصلحة العامة لا الغلبة. القبيلة البدوية تعجز عن بناء وعي بالأرض بوصفها وطنًا، لأن علاقتها بالأرض علاقة مؤقتة مشروطة بتوفر الماء والكلأ. أما المدينة فتكرس علاقة الإنسان ورابطته بالأرض، وتوفر الشرط الأساس لأن تنبثق من هذا الارتباط علاقة المواطنة، بوصفها انتماء طوعيًا، ومسؤولية مشتركة، ومشاركة في الحقوق والواجبات، على أساس القانون، لا على رابطة الدم كالقبيلة. الدولة تتأسس على بنية المدينة ونسيجها العمراني، وعلى شبكات المصالح والمصائر المشتركة والعلاقات المجتمعية فيها، وعلى مؤسساتها وثقافتها وقيمها ورموزها. المصالح والقوانين والقيم في المدينة مشترك حيوي فعال، يلتقي عنده المختلفون، ويجد فيه كل من يقيم على أرضها موقعًا في الفضاء العام، ودورًا في إنتاج العيش المشترك. في المدينة يغادر الإنسان رابطة العصبية، ليتحقق في أفق تتولد فيه هويته من الذاكرة المشتركة، والثقافة الموحدة، والشراكة في المصالح والمصائر، وتتحرر فيه المواطنة من الانتماءات المغلقة، لتغدو تعبيرًا عن وعي جديد بالذات والآخر، والعيش في ظل دولة تجسد العقل، وتكفل الكرامة، وتصون الحرية، وتؤسس لمجتمع مفتوح.
غياب الدولة في وطننا عطّل تحقّق ما عبر عنه الفيلسوف الألماني هيغل: "الدولة بوصفها تجليًا للعقل... والتجلي الواقعي للروح الأخلاقية"، إذ رأى أن: "الفرد لا يحقق حريته الحقيقية إلا في الدولة، لأنها التعبير الكامل عن الحرية العقلانية"، هيغل في كتابه: "مبادئ فلسفة الحق"، ص 53. الدولة، حين تتأسس بوصفها تعبيرًا عن العقل والحرية، تخلق للإنسان فضاءً ينضبط فيه اندفاع الغرائز والعصبيات والانفعالات، ويتكوّن فيه وعي بالمواطنة يتجاوز حدود الجماعات المغلقة إلى أفق المصلحة المشتركة. لذلك لا تقتصر الدولة على كونها جهازًا لإدارة السلطة، وإنما تشكّل إطارًا أخلاقيًا وقانونيًا ينتظم فيه العيش المشترك، وتترسخ فيه القيم التي تصوغ الإرادة العامة. وحين يغيب هذا الإطار، أو يظل هشًّا ومضطربًا، يتعطل تشكّل الوعي الوطني، لأن المجتمع يبقى أسير ولاءات ضيقة وعلاقات ما قبل الدولة، فتتعثر عملية انتقاله إلى وعي مدني جامع. بهذا المعنى ترك غياب الدولة، بما هي تجلٍ للعقل وتجسيد للحرية العقلانية، أثرًا عميقًا في إعاقة نشوء وعي وطني عراقي، وتعطيل تجذّره وتطوره.
https://alsabaah.iq/129640-.html
لا تقوم الدولة الوطنية الحديثة على حدود أيديولوجيا عقائدية تضيق برؤية الإنسان خارج تصوراتها، ولا على منظور طائفي أو قومي مغلق يعجز عن احتضان التعدد. إن تقديم الهوية الاعتقادية، أو الطائفية، أو القومية على الهوية الوطنية يُفشل مشروع الدولة الحديثة، ويعيد إنتاج الانقسام، ويقوّض إمكان قيام دولة جامعة يجد فيها الوطن أبناءه جميعًا، ويؤمّن لهم شروط الأمن، والعدالة، والحرية، والمساواة. تتأسس الدولة الوطنية على ميثاق وطني جامع يحتضن الخصوصيات الثقافية والدينية، ويمنحها إطارًا للعيش المشترك، من غير أن يسمح لها بتصدّر المجال العام أو التحول إلى أدوات لتفتيت أسس الدولة المدنية أو تهديد عقدها الاجتماعي. الوحدة الوطنية تمثل الأفق الذي تنتظم فيه الانتماءات الفرعية، وتكتسب معناها، وتغدو مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع والانقسام. في هذا الأفق تتجلى الدولة بوصفها فضاءً أخلاقيًا لحماية كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا جهازًا لفرض هوية واحدة أو احتكار معنى الانتماء، إذ لا يكتمل معنى الوطن إلا حين يشعر كل فرد أن انتماءه إليه لا يُنتقص بسبب دينه أو مذهبه أو قوميته، وأنه شريك متكافئ في الحقوق والواجبات. المواطنة ليست توصيفًا قانونيًا مجردًا، إنها تجربة عيش يومي يتجسد فيها الاعتراف المتبادل، ويترسخ فيها الشعور بالانتماء، ويتحول فيها التنوع إلى طاقة خلّاقة لبناء الحياة المشتركة.
حين تستبدل الهوية الوطنية بهويات ضيقة يتولد اغتراب سياسي في وعي الإنسان، فيشعر أنه يعيش في وطن لا يعترف به، فيتصدع الانتماء ويضعف الإحساس بالمصير المشترك وتتآكل الثقة، فيغدو الوطن مجال تنازع واحتراب. أما الدولة التي تقوم على العدالة والحرية وعقد اجتماعي عادل، فإنها تتيح للإنسان أن يكون ذاته من غير خوف، وأن يعبّر عن معتقده من غير إقصاء، وأن يشارك بوصفه مواطنًا لا تابعًا. في هذه الدولة تلتقي الانتماءات في أفق إنساني مشترك تصوغه الحرية والمساواة والاحترام والتضامن، فتتشكل هوية وطنية حيّة تتجدد مع صيرورة الزمن، وتغدو ضمانة للاستقرار وأفقًا يتسع للجميع.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=384854
حين تستبدل الهوية الوطنية بهويات ضيقة يتولد اغتراب سياسي في وعي الإنسان، فيشعر أنه يعيش في وطن لا يعترف به، فيتصدع الانتماء ويضعف الإحساس بالمصير المشترك وتتآكل الثقة، فيغدو الوطن مجال تنازع واحتراب. أما الدولة التي تقوم على العدالة والحرية وعقد اجتماعي عادل، فإنها تتيح للإنسان أن يكون ذاته من غير خوف، وأن يعبّر عن معتقده من غير إقصاء، وأن يشارك بوصفه مواطنًا لا تابعًا. في هذه الدولة تلتقي الانتماءات في أفق إنساني مشترك تصوغه الحرية والمساواة والاحترام والتضامن، فتتشكل هوية وطنية حيّة تتجدد مع صيرورة الزمن، وتغدو ضمانة للاستقرار وأفقًا يتسع للجميع.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=384854
جريدة الزوراء العراقية
لم تتأسس دولة مواطنة حديثة على الدين
في دولة المواطنة، يمكن للإنسان أن يكون مواطنًا كاملًا، تصون الدولة كرامته، وتحمي حرياته وحقوقه، وتعترف به شريكًا في الوطن، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا، من غير أن تسأله عن دينه، أو مذهبه، أو قوميته، أو ثقافته.
لم تتأسس دولة مواطنة حديثة على الدين
د. عبد الجبار الرفاعي
في دولة المواطنة، يمكن للإنسان أن يكون مواطنًا كاملًا، تصون الدولة كرامته، وتحمي حرياته وحقوقه، وتعترف به شريكًا في الوطن، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا، من غير أن تسأله عن دينه، أو مذهبه، أو قوميته، أو ثقافته. المواطنة رابطة حقوقية قانونية جامعة، لا امتيازًا تمنحه السلطة، ولا منزلة تُمنح بدرجات متفاوتة. جميع المواطنين متساوون في الانتماء إلى الوطن، ومتساوون في الحريات والحقوق والواجبات، ومتساوون أمام القانون. لا تقوم الدولة الحديثة على أيديولوجيا دينية أو طائفية أو قومية مغلقة، لأن هذه الأيديولوجيات تضيق بالتعدد، وتعيد إنتاج الانقسام، وتهدد وحدة المجتمع، وإنما تنهض الدولة الحديثة على ميثاق وطني جامع يحتضن التنوع والخصوصيات الثقافية والدينية، وينظم حضورها في الفضاء العام، من غير أن يسمح لها بتفكيك الوحدة الوطنية أو تقويض العقد الاجتماعي. تمثل الهوية الوطنية الإطار الجامع الذي تنتظم فيه سائر الهويات، وتكتسب معناها، وتتحول إلى مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع. دولة المواطنة والقانون لا تعادي الدين، ولا تنفي القيم الأخلاقية، وإنما تحرر الدين من التوظيف السياسي، وتصون الأخلاق من الابتذال الأيديولوجي، فتتيح للدين أن يبقى تجربة روحية وأفقًا للمعنى، وتمنح الأخلاق مجالها الإنساني، وتمنع تحويلهما إلى أدوات للهيمنة أو الإقصاء. بهذا المعنى، تحقق الدولة الحديثة شرط العيش المشترك، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، وتحمي كرامته، وتؤسس لمجتمع يرى في القانون ضمانته، وفي المواطنة رابطته الجامعة، وفي التعدد ثراءً لا تهديدًا.
لم تتأسس دولة المواطنة الحديثة على الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية، وإنما قامت على منظومة الحقوق والحريات، وعلى سيادة القانون بوصفه الأساس الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطبيقه بعدالة. تصون قوانين هذه الدولة المساواة بين المواطنين جميعًا، وتكفل تطبيقها من دون تمييز، بغض النظر عن دين المواطن، أو معتقده، أو جنسه، أو لونه، كما تعترف بحقه في الاختلاف، وتعدّه جزءًا من حماية كرامة الإنسان وحريته الاعتقادية. يتساوى الجميع في الانتماء إلى الوطن، وكل مَن يكتسب جنسية الدولة، ويتبنى نظامها القانوني، يمتلك النصاب الكامل في الحقوق والواجبات، ويتمتع بفرص متكافئة، ويُعامَل بوصفه مواطنًا، لا بوصفه تابعًا لهوية دينية، أو طائفية، أو قومية. تقوم المواطنة في الدولة الحديثة على الشراكة الكاملة في الانتماء والمسؤولية، ولا تعرف درجات أو مراتب، لأنها تتأسس على عقد قانوني يحدده الدستور، ويضبطه القانون، ويجسده العيش المشترك، بعيدًا عن منطق الأيديولوجيات المغلقة، أو الامتيازات القائمة على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي.
لا يسهم في بناء دولة المواطنة مَن لا يؤمن بالوطن بوصفه كيانًا سياسيًا يحتضن الجميع، وطنًا تتوحد فيه الهويات المتنوعة ضمن إطار مشترك، وتلتقي على هوية جامعة تنظّم التنوع، وتمنحه أفقًا مشتركًا للانتماء، والعيش معًا على أرض واحدة، تتولد فيها المعاني العامة للكرامة، والحرية، والمساواة، وتُصان فيها الحقوق، ويتقاسم الجميع مسؤولية حماية المصالح والمصير المشترك. لا تُقصي الهوية الوطنية الهويات الدينية، أو الاعتقادية، أو المذهبية، أو القومية، أو الثقافية، ولا أي هوية فرعية أخرى، وإنما تدخل معها في علاقة تكامل وتفاعل، فتغتني بها، وتمنحها إطارًا جامعًا للعيش المشترك. تتعايش هذه الهويات كلها في ظل ميثاق وطني شامل، يتسع للوحدة داخل فضاء الاختلاف، ويحتضن التعدد والتنوع، من غير أن ينقلب إلى صراع أو نزاع. تمثل الهوية الوطنية القاعدة التي تنتظم فيها سائر الهويات، وتتحدد ضمن أفقها، وتتحقق من خلالها المواطنة بوصفها رابطة جامعة ومسؤولية مشتركة.
يتطلب غرس هذا الفهم وترسيخه مراجعة جذرية لأنظمة التربية والتعليم، من المراحل الأساسية حتى التعليم العالي، لتنشئة الإنسان على وعيٍ يرى الهوية الوطنية في الدولة الحديثة إطار الانتماء الأول الذي يحتضن سائر الانتماءات، ويمنحها معناها المشترك. من دون وعي يُرسّخ الانتماء للوطن، لا تقوم دولة وطنية حديثة تحترم التعدد، وتنهض على مبدأ المواطنة، وتكفل المساواة في الكرامة والحقوق لجميع المواطنين من غير استثناء. أسهم صعود الهويات الطائفية وحدّة الاستقطاب الذي تزامن مع الألفية الجديدة في إعاقة تشكّل الهوية الوطنية في بلادنا وغيرها، وأفضى إلى اضطراب الوعي بالانتماء، وأضعف إدراك الحاجة إلى الدولة الحديثة بوصفها الإطار الضامن للعيش المشترك، وحماية الحقوق، وصيانة المصير الواحد. إن التربية على المواطنة لا تُختزل في المقررات الدراسية، وإنما تتجسد في بناء وعي مدني يرى في الوطن فضاءً جامعًا، وفي الدولة أداة لخدمة الإنسان، لا ميدانًا لصراع الهويات المغلقة.
د. عبد الجبار الرفاعي
في دولة المواطنة، يمكن للإنسان أن يكون مواطنًا كاملًا، تصون الدولة كرامته، وتحمي حرياته وحقوقه، وتعترف به شريكًا في الوطن، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا، من غير أن تسأله عن دينه، أو مذهبه، أو قوميته، أو ثقافته. المواطنة رابطة حقوقية قانونية جامعة، لا امتيازًا تمنحه السلطة، ولا منزلة تُمنح بدرجات متفاوتة. جميع المواطنين متساوون في الانتماء إلى الوطن، ومتساوون في الحريات والحقوق والواجبات، ومتساوون أمام القانون. لا تقوم الدولة الحديثة على أيديولوجيا دينية أو طائفية أو قومية مغلقة، لأن هذه الأيديولوجيات تضيق بالتعدد، وتعيد إنتاج الانقسام، وتهدد وحدة المجتمع، وإنما تنهض الدولة الحديثة على ميثاق وطني جامع يحتضن التنوع والخصوصيات الثقافية والدينية، وينظم حضورها في الفضاء العام، من غير أن يسمح لها بتفكيك الوحدة الوطنية أو تقويض العقد الاجتماعي. تمثل الهوية الوطنية الإطار الجامع الذي تنتظم فيه سائر الهويات، وتكتسب معناها، وتتحول إلى مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع. دولة المواطنة والقانون لا تعادي الدين، ولا تنفي القيم الأخلاقية، وإنما تحرر الدين من التوظيف السياسي، وتصون الأخلاق من الابتذال الأيديولوجي، فتتيح للدين أن يبقى تجربة روحية وأفقًا للمعنى، وتمنح الأخلاق مجالها الإنساني، وتمنع تحويلهما إلى أدوات للهيمنة أو الإقصاء. بهذا المعنى، تحقق الدولة الحديثة شرط العيش المشترك، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، وتحمي كرامته، وتؤسس لمجتمع يرى في القانون ضمانته، وفي المواطنة رابطته الجامعة، وفي التعدد ثراءً لا تهديدًا.
لم تتأسس دولة المواطنة الحديثة على الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية، وإنما قامت على منظومة الحقوق والحريات، وعلى سيادة القانون بوصفه الأساس الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطبيقه بعدالة. تصون قوانين هذه الدولة المساواة بين المواطنين جميعًا، وتكفل تطبيقها من دون تمييز، بغض النظر عن دين المواطن، أو معتقده، أو جنسه، أو لونه، كما تعترف بحقه في الاختلاف، وتعدّه جزءًا من حماية كرامة الإنسان وحريته الاعتقادية. يتساوى الجميع في الانتماء إلى الوطن، وكل مَن يكتسب جنسية الدولة، ويتبنى نظامها القانوني، يمتلك النصاب الكامل في الحقوق والواجبات، ويتمتع بفرص متكافئة، ويُعامَل بوصفه مواطنًا، لا بوصفه تابعًا لهوية دينية، أو طائفية، أو قومية. تقوم المواطنة في الدولة الحديثة على الشراكة الكاملة في الانتماء والمسؤولية، ولا تعرف درجات أو مراتب، لأنها تتأسس على عقد قانوني يحدده الدستور، ويضبطه القانون، ويجسده العيش المشترك، بعيدًا عن منطق الأيديولوجيات المغلقة، أو الامتيازات القائمة على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي.
لا يسهم في بناء دولة المواطنة مَن لا يؤمن بالوطن بوصفه كيانًا سياسيًا يحتضن الجميع، وطنًا تتوحد فيه الهويات المتنوعة ضمن إطار مشترك، وتلتقي على هوية جامعة تنظّم التنوع، وتمنحه أفقًا مشتركًا للانتماء، والعيش معًا على أرض واحدة، تتولد فيها المعاني العامة للكرامة، والحرية، والمساواة، وتُصان فيها الحقوق، ويتقاسم الجميع مسؤولية حماية المصالح والمصير المشترك. لا تُقصي الهوية الوطنية الهويات الدينية، أو الاعتقادية، أو المذهبية، أو القومية، أو الثقافية، ولا أي هوية فرعية أخرى، وإنما تدخل معها في علاقة تكامل وتفاعل، فتغتني بها، وتمنحها إطارًا جامعًا للعيش المشترك. تتعايش هذه الهويات كلها في ظل ميثاق وطني شامل، يتسع للوحدة داخل فضاء الاختلاف، ويحتضن التعدد والتنوع، من غير أن ينقلب إلى صراع أو نزاع. تمثل الهوية الوطنية القاعدة التي تنتظم فيها سائر الهويات، وتتحدد ضمن أفقها، وتتحقق من خلالها المواطنة بوصفها رابطة جامعة ومسؤولية مشتركة.
يتطلب غرس هذا الفهم وترسيخه مراجعة جذرية لأنظمة التربية والتعليم، من المراحل الأساسية حتى التعليم العالي، لتنشئة الإنسان على وعيٍ يرى الهوية الوطنية في الدولة الحديثة إطار الانتماء الأول الذي يحتضن سائر الانتماءات، ويمنحها معناها المشترك. من دون وعي يُرسّخ الانتماء للوطن، لا تقوم دولة وطنية حديثة تحترم التعدد، وتنهض على مبدأ المواطنة، وتكفل المساواة في الكرامة والحقوق لجميع المواطنين من غير استثناء. أسهم صعود الهويات الطائفية وحدّة الاستقطاب الذي تزامن مع الألفية الجديدة في إعاقة تشكّل الهوية الوطنية في بلادنا وغيرها، وأفضى إلى اضطراب الوعي بالانتماء، وأضعف إدراك الحاجة إلى الدولة الحديثة بوصفها الإطار الضامن للعيش المشترك، وحماية الحقوق، وصيانة المصير الواحد. إن التربية على المواطنة لا تُختزل في المقررات الدراسية، وإنما تتجسد في بناء وعي مدني يرى في الوطن فضاءً جامعًا، وفي الدولة أداة لخدمة الإنسان، لا ميدانًا لصراع الهويات المغلقة.
جريدة الزوراء العراقية
لم تتأسس دولة مواطنة حديثة على الدين
في دولة المواطنة، يمكن للإنسان أن يكون مواطنًا كاملًا، تصون الدولة كرامته، وتحمي حرياته وحقوقه، وتعترف به شريكًا في الوطن، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا، من غير أن تسأله عن دينه، أو مذهبه، أو قوميته، أو ثقافته.
خذلت الجغرافيا بلاد الرافدين قبل التاريخ
د. عبد الجبار الرفاعي
قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه الحضاري. هذا شأن سائر المجتمعات التي صاغت هويتها بمراكمة منجزاتها المادية والمعنوية عبر التاريخ، وتكريس ذاكرتها، وولاء إنسانها لوطنه.
لم يتجذر الانتماء لدى العراقي لأرضه ووطنه، إذ ما زال يعيش اضطرابًا وهشاشة في هويته، لعدم شعوره بأنه يمتلك هذه الأرض، أو أنه يحكمها بإرادته، ولا يعيش فيها بوصفه شريكًا في صناعة مصيرها. غياب الشعور بأن هذه الأرض ملكه، وإحساسه بأن مَن يحكمها غيره، يفضي إلى اغتراب المواطن عن أرضه، وينتج وجعًا دفينًا بأن هذا الوطن ليس له. ذلك ما نراه في عدم إحساس كثير من العراقيين بالفخر بالانتماء إلى هذه الأرض وتاريخها وميراثها الحضاري العريق. لم يترسخ في اللاشعور السياسي الجمعي للعراقي الانتماء لأرضه بوصفها أرضًا ذات تاريخ حضاري وقيم ورموز وثقافة ثمينة. الذاكرة الجمعية للعراقي مضطربة، أحيانًا تستبدل بذاكرة طائفية أو قومية مستعارة من خارج أرضه، أو تتشوه وتتمزق بفعل الانقسامات والصراعات الطائفية والقومية.
مَن لا يُمنح الحق في المواطنة الكاملة، لا ينغرس في ضميره الانتماء الحقيقي للوطن، ولا يتولد لديه الشعور بالمسؤولية تجاه أرضه وتاريخها ومصيرها. الذاكرة الحضارية وذاكرة الدولة رصيد الهوية الوطنية، ومرآة حضورها العميق في الوعي الفردي والجمعي. العراقي، مقارنة ببعض المجتمعات، لا يكترث كثيرًا بذاكرة وطنه، ولا يهتم بما تراكم فيها عبر التاريخ من مكاسب، ولا يتأمل ما مر به الوطن من استبداد لحكام مفروضين على أهله، وأهوال ونكبات ما زالت آثارها تعيق نهوضه. اللامبالاة بالذاكرة تعني القطيعة والانفصال عن الذات، والحرمان من بناء هوية وطنية مشتركة تتجذر في المكان. ضعف الانتماء للوطن وعدم تجذر الهوية العراقية الجامعة يفرض علينا إعادة بناء هذه الذاكرة، باستحضار رموزها الدينية والقيمية والثقافية، وإيقاظ ما هو مستودع في لاشعور العراقي من ميراث حضاراته، خاصة في العصر الإسلامي، وما أنجزته الكوفة والبصرة وبغداد من إبداع وابتكار في علوم الدين المتنوعة، والفلسفة والعلوم العقلية، والمعرفة اللغوية والأدبية والفنية. كما نحتاج إلى استعادة اللحظات المضيئة في العصر الإسلامي، وما شهده من إسهامات عراقية رائدة في العلوم والمعارف والفنون والآداب، والعمل على صهر هذه العناصر المتناثرة في ذاكرة تعيد ربط العراقي بأرضه، وتوقظ شعوره الوطني. إعادة بناء الذاكرة ضرورة وطنية، وشرط لازم لتشكل الهوية، وتكريس شعور الإنسان بالانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.
بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ:
بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ. المكان ليس إطارًا محايدًا للأحداث، وإنما قوة فاعلة تشارك في صياغة مصير الشعوب، لأن طبيعة الأرض والموقع والمناخ والموارد تحدد إلى حد كبير إمكانات العمران وأنماط الاقتصاد وأشكال السلطة وتشكل الثقافة والتدين. موقع بلاد الرافدين الجغرافي غير محصن بأسيجة طبيعية، لذلك وقع ضحية تاريخ يضج بالاحتلالات. أرض بلاد الرافدين سهلية، غير مسيجة بحواجز طبيعية، وهي غنية بثرواتها المتنوعة، وهذا ما جعلها هدفًا في مختلف العصور لأطماع الغزاة. لم يعش إنسان هذه الأرض تراكمًا طويلًا لدولة تعبر عن إرادته وأرضه وهويته، فلبث ترابه مستباحًا قديمًا وحديثًا لسلسلة من الاحتلالات. الدول المحمية بسلاسل جبلية، وتحيط بها بحار ومحيطات، أو تفصلها عن غيرها صحارى قاحلة، وتفتقر إلى الموارد والثروات الطبيعية، لا تثير شهية الغزاة غالبًا، ولا يغامر المحتلون باجتياحها.
د. عبد الجبار الرفاعي
قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه الحضاري. هذا شأن سائر المجتمعات التي صاغت هويتها بمراكمة منجزاتها المادية والمعنوية عبر التاريخ، وتكريس ذاكرتها، وولاء إنسانها لوطنه.
لم يتجذر الانتماء لدى العراقي لأرضه ووطنه، إذ ما زال يعيش اضطرابًا وهشاشة في هويته، لعدم شعوره بأنه يمتلك هذه الأرض، أو أنه يحكمها بإرادته، ولا يعيش فيها بوصفه شريكًا في صناعة مصيرها. غياب الشعور بأن هذه الأرض ملكه، وإحساسه بأن مَن يحكمها غيره، يفضي إلى اغتراب المواطن عن أرضه، وينتج وجعًا دفينًا بأن هذا الوطن ليس له. ذلك ما نراه في عدم إحساس كثير من العراقيين بالفخر بالانتماء إلى هذه الأرض وتاريخها وميراثها الحضاري العريق. لم يترسخ في اللاشعور السياسي الجمعي للعراقي الانتماء لأرضه بوصفها أرضًا ذات تاريخ حضاري وقيم ورموز وثقافة ثمينة. الذاكرة الجمعية للعراقي مضطربة، أحيانًا تستبدل بذاكرة طائفية أو قومية مستعارة من خارج أرضه، أو تتشوه وتتمزق بفعل الانقسامات والصراعات الطائفية والقومية.
مَن لا يُمنح الحق في المواطنة الكاملة، لا ينغرس في ضميره الانتماء الحقيقي للوطن، ولا يتولد لديه الشعور بالمسؤولية تجاه أرضه وتاريخها ومصيرها. الذاكرة الحضارية وذاكرة الدولة رصيد الهوية الوطنية، ومرآة حضورها العميق في الوعي الفردي والجمعي. العراقي، مقارنة ببعض المجتمعات، لا يكترث كثيرًا بذاكرة وطنه، ولا يهتم بما تراكم فيها عبر التاريخ من مكاسب، ولا يتأمل ما مر به الوطن من استبداد لحكام مفروضين على أهله، وأهوال ونكبات ما زالت آثارها تعيق نهوضه. اللامبالاة بالذاكرة تعني القطيعة والانفصال عن الذات، والحرمان من بناء هوية وطنية مشتركة تتجذر في المكان. ضعف الانتماء للوطن وعدم تجذر الهوية العراقية الجامعة يفرض علينا إعادة بناء هذه الذاكرة، باستحضار رموزها الدينية والقيمية والثقافية، وإيقاظ ما هو مستودع في لاشعور العراقي من ميراث حضاراته، خاصة في العصر الإسلامي، وما أنجزته الكوفة والبصرة وبغداد من إبداع وابتكار في علوم الدين المتنوعة، والفلسفة والعلوم العقلية، والمعرفة اللغوية والأدبية والفنية. كما نحتاج إلى استعادة اللحظات المضيئة في العصر الإسلامي، وما شهده من إسهامات عراقية رائدة في العلوم والمعارف والفنون والآداب، والعمل على صهر هذه العناصر المتناثرة في ذاكرة تعيد ربط العراقي بأرضه، وتوقظ شعوره الوطني. إعادة بناء الذاكرة ضرورة وطنية، وشرط لازم لتشكل الهوية، وتكريس شعور الإنسان بالانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.
بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ:
بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ. المكان ليس إطارًا محايدًا للأحداث، وإنما قوة فاعلة تشارك في صياغة مصير الشعوب، لأن طبيعة الأرض والموقع والمناخ والموارد تحدد إلى حد كبير إمكانات العمران وأنماط الاقتصاد وأشكال السلطة وتشكل الثقافة والتدين. موقع بلاد الرافدين الجغرافي غير محصن بأسيجة طبيعية، لذلك وقع ضحية تاريخ يضج بالاحتلالات. أرض بلاد الرافدين سهلية، غير مسيجة بحواجز طبيعية، وهي غنية بثرواتها المتنوعة، وهذا ما جعلها هدفًا في مختلف العصور لأطماع الغزاة. لم يعش إنسان هذه الأرض تراكمًا طويلًا لدولة تعبر عن إرادته وأرضه وهويته، فلبث ترابه مستباحًا قديمًا وحديثًا لسلسلة من الاحتلالات. الدول المحمية بسلاسل جبلية، وتحيط بها بحار ومحيطات، أو تفصلها عن غيرها صحارى قاحلة، وتفتقر إلى الموارد والثروات الطبيعية، لا تثير شهية الغزاة غالبًا، ولا يغامر المحتلون باجتياحها.
أما بلاد الرافدين فكانت دومًا مطمعًا للغزاة، لما تنفرد به أرضها من خصوبة، ووفرة مياه، وغنى بالثروات، وافتقار إلى أسوار طبيعية تصد المحتلين. تمتد أرض الرافدين السهلية من الشمال إلى الجنوب، ويخترق سهولها نهران عظيمان، دجلة والفرات، فيمنحانها شروط الري ويوفران المياه بغزارة، وهي الشرط الضروري للزراعة ولأشكال الحياة المتنوعة. هذا الانفتاح الجغرافي لبلاد الرافدين جعلها هدفًا دائمًا للقوى الطامعة بثروتها الزراعية وغيرها وموقعها التجاري. منذ سقوط بابل تعاقبت على احتلالها إمبراطوريات وقوى خارجية متعددة، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات متكررة في مسار التجربة التاريخية لإنسان هذه الأرض، فعطّل التراكم الاقتصادي والمعرفي والرمزي، وأضعف شروط تشكّل الدولة، وأخّر انبثاق وعي سياسي وطني وتجذره. هكذا أصبحت الجغرافيا التي أنجبت حضارات عظيمة في وادي دجلة والفرات هي نفسها التي جعلت هذه الأرض مكشوفة أمام الغزاة، فكان تاريخها سلسلة متواصلة من الصعود الحضاري تتخلله انقطاعات موجعة بسبب الغزو الخارجي.
لم تكن بلاد الرافدين الأكثر تعرضًا للاحتلال، ولا الأعنف في وقائع الغزو وتنوع أشكال الهيمنة الأجنبية، منذ أن سقطت بابل بيد الأَخمينيين عام 539 قبل الميلاد، لكنها كانت من أطول البلدان خضوعًا للاحتلال الأجنبي. مكث العراق نحو 1840 سنة غير محكوم من أهله بشكل كامل، منها حوالي 1176 سنة قبل الإسلام (من 539 ق.م إلى 637 م)، ونحو 664 سنة بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258، منذ 1258 إلى 1921، باستثناء فترات الحكم المحلي، كان العراقي خلالها أسيرًا للهيمنة الأجنبية، من دون أن يحكم أرضه بنفسه. تخللتها فترات قصيرة لحكم محلي هش، لم يفلح في بناء دولة تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة سكانها، ولا في صياغة كيان سياسي ينبثق من صلب ثقافتها وهويتها ونسيج مجتمعها.
لم يرَ العراقي في السلطات المتعاقبة بأزمنة الاحتلالات سوى امتدادات خارجية مفروضة، لم تتجذر في أرضه وتاريخه، ولا في نسيجه الاجتماعي. وجد نفسه في فراغ سياسي، بلا مرجعية وطنية، ولا ذاكرة عراقية جامعة. هذا الفراغ رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، واغترابه عن مفهوم الدولة، بنحو أمست الدولة كيانًا مغتربًا في العراق. كان هذا الاغتراب نتيجة طبيعية لنفور العراقي من سلطة لا تنتمي إليه، ولا تعبر عن هويته، وغذّى لديه شعورًا مزمنًا بغربة السلطة عن المجتمع وغربة المجتمع عن السلطة، وأعاق تبلور مفهوم الدولة بوصفها تعكس الإرادة المشتركة للمواطنين، وإطارًا جامعًا للمواطنة، يكون فيها القانون هو السيد، والحقوق مصانة، دولة تنبثق من إرادة مَن يعيش على أرضه، وتعبر عن حاجاتهم، وتؤسس لشراكة متساوية بينهم في مصيرهم الواحد.
الدولة كيان سياسي يتجسد فيه العقل العمومي، وتنبثق منه القيم التي تؤسس للعيش المشترك، وتصون التعدد، وتحمي السلم الأهلي. الدولة مرجعية جامعة، لا مجرد سلطة مفروضة، السلطة حين تستعار من الخارج وتفرض بالإكراه تفتقر إلى الشرعية، وتخفق في أن تنتج شعورًا بالانتماء، ولا تنجح في صناعة ذاكرة جمعية تؤسس للهوية الوطنية. تحولت الدولة في الوعي العراقي من أفق للتحرر وضامنة للحقوق والحريات والعيش الكريم إلى كيان مغترب، لا تتمثل فيه السلطة إلا في قوة قاهرة، لا في مشروع عراقي نابـع من الأرض ويعمل لأجل صناعة حياة جيدة لإنسانها. لم يكن هذا الاغتراب وليد الحاضر وحده، بل هو نتاج تاريخ تواصل قرونًا عديدة لغياب الدولة الوطنية، وتدهور المدينة، وتعطيل السياسة بوصفها أداة لبناء المصير المشترك، وحضور السيادة بمعناها الوطني والإنساني والأخلاقي والقانوني. لا تولد الدولة إلا حين تتوفر بيئة حاضنة تتيح التراكم، وتوفر شروطًا تغرس الوعي بالعيش المشترك وتطوره، وترسخ الانتماء إلى وطن ومصير واحد.
https://al-aalem.com/%D8%AE%D8%B0%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7/
لم تكن بلاد الرافدين الأكثر تعرضًا للاحتلال، ولا الأعنف في وقائع الغزو وتنوع أشكال الهيمنة الأجنبية، منذ أن سقطت بابل بيد الأَخمينيين عام 539 قبل الميلاد، لكنها كانت من أطول البلدان خضوعًا للاحتلال الأجنبي. مكث العراق نحو 1840 سنة غير محكوم من أهله بشكل كامل، منها حوالي 1176 سنة قبل الإسلام (من 539 ق.م إلى 637 م)، ونحو 664 سنة بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258، منذ 1258 إلى 1921، باستثناء فترات الحكم المحلي، كان العراقي خلالها أسيرًا للهيمنة الأجنبية، من دون أن يحكم أرضه بنفسه. تخللتها فترات قصيرة لحكم محلي هش، لم يفلح في بناء دولة تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة سكانها، ولا في صياغة كيان سياسي ينبثق من صلب ثقافتها وهويتها ونسيج مجتمعها.
لم يرَ العراقي في السلطات المتعاقبة بأزمنة الاحتلالات سوى امتدادات خارجية مفروضة، لم تتجذر في أرضه وتاريخه، ولا في نسيجه الاجتماعي. وجد نفسه في فراغ سياسي، بلا مرجعية وطنية، ولا ذاكرة عراقية جامعة. هذا الفراغ رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، واغترابه عن مفهوم الدولة، بنحو أمست الدولة كيانًا مغتربًا في العراق. كان هذا الاغتراب نتيجة طبيعية لنفور العراقي من سلطة لا تنتمي إليه، ولا تعبر عن هويته، وغذّى لديه شعورًا مزمنًا بغربة السلطة عن المجتمع وغربة المجتمع عن السلطة، وأعاق تبلور مفهوم الدولة بوصفها تعكس الإرادة المشتركة للمواطنين، وإطارًا جامعًا للمواطنة، يكون فيها القانون هو السيد، والحقوق مصانة، دولة تنبثق من إرادة مَن يعيش على أرضه، وتعبر عن حاجاتهم، وتؤسس لشراكة متساوية بينهم في مصيرهم الواحد.
الدولة كيان سياسي يتجسد فيه العقل العمومي، وتنبثق منه القيم التي تؤسس للعيش المشترك، وتصون التعدد، وتحمي السلم الأهلي. الدولة مرجعية جامعة، لا مجرد سلطة مفروضة، السلطة حين تستعار من الخارج وتفرض بالإكراه تفتقر إلى الشرعية، وتخفق في أن تنتج شعورًا بالانتماء، ولا تنجح في صناعة ذاكرة جمعية تؤسس للهوية الوطنية. تحولت الدولة في الوعي العراقي من أفق للتحرر وضامنة للحقوق والحريات والعيش الكريم إلى كيان مغترب، لا تتمثل فيه السلطة إلا في قوة قاهرة، لا في مشروع عراقي نابـع من الأرض ويعمل لأجل صناعة حياة جيدة لإنسانها. لم يكن هذا الاغتراب وليد الحاضر وحده، بل هو نتاج تاريخ تواصل قرونًا عديدة لغياب الدولة الوطنية، وتدهور المدينة، وتعطيل السياسة بوصفها أداة لبناء المصير المشترك، وحضور السيادة بمعناها الوطني والإنساني والأخلاقي والقانوني. لا تولد الدولة إلا حين تتوفر بيئة حاضنة تتيح التراكم، وتوفر شروطًا تغرس الوعي بالعيش المشترك وتطوره، وترسخ الانتماء إلى وطن ومصير واحد.
https://al-aalem.com/%D8%AE%D8%B0%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7/
Al-Aalem
خذلت الجغرافيا بلاد الرافدين قبل التاريخ
قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه…
ترجمة فارسية لحوار د. عباس بويا، مع د. عبد الجبار الرفاعي، ومجموعة من الخبراء في علم الكلام الجديد . صدر الكتاب في ألمانيا عن جامعة: Friedrich-Alexander University Erlangen-Nürnberg المدينة التي يقع فيها مركز الجامعة: Erlangen