عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
725 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة

د. محمود محمد علي شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير “عبد الجبار الرفاعي”، عددًا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل: ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، ‏”القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، “الإيمان الجمالي”، وغيرها. إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.
من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف على وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: “ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدًا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. فمفهوم الإنسان” بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس. لكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفًا جامعًا مانعًا بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. المفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته.
وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي: المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، “الإيمان الجمالي”، وغيرها. وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل على شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة واضحة تدل على معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلى تقدم المعرفة عند ربطها بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلى سواء السبيل عندما يسلك المرء على أساسه. أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطًا غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكًا لشخص أضله لأنه لا يهدي إلى شيء ولا يدل على شيء. علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة” لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديدًا يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضاريًا وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة… وللحديث بقية.
عبد الرحمن مزيان: حين نقرأ لنفهم أنفسنا

وأنا أعيد قراءة كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة فصل من سيرة كاتب" أدركت مرة أخرى أن بعض الكتب لا تُقرأ مرة واحدة. فهناك كتب نقرأها وقد لا نكمل قراءتها، فتبقى حبيسة رفوفنا، وهناك كتب تشدنا، نتذوق معانيها، فنعود إليها لأننا نجد فيها أنفسنا. القراءة الحقيقية ليست مجرد استمتاع بما يكتبه الكاتب، ولا مجرد وسيلة لتحسين الرصيد اللغوي، بل هي لحظة يلتقي فيها الإنسان بتجارب الآخرين ليعيد النظر في تجربته هو. في لحظات القراءة العميقة لا نكتشف أفكار الكاتب فقط، بل نكتشف شيئًا من ذواتنا نحن، وكأن النص يتحول إلى مرآة نرى فيها مسارنا الإنساني بوضوح أكبر. لهذا يكتب الدكتور عبد الجبار الرفاعي عبارة عميقة تختصر طبيعة التجربة الإنسانية حين يقول: "حياةُ كلّ إنسان قصةٌ، بل سلسلةُ قصصٍ لا تكرّرها حياةُ إنسانٍ آخر. " بهذه الكلمات الوازنة يذكّرنا الرفاعي بأن الإنسان لا يمكن أن يكون نسخة من غيره. قد نتعلم من تجارب الآخرين، ونستلهمها، لكننا لا نستطيع أن ننسخها؛ لأن حياة كل إنسان تتشكل من شبكة معقدة من التجارب والاختيارات والأسئلة واللقاءات التي لا تتكرر بالطريقة نفسها عند شخصين. لهذا لا تكون القراءة الحقيقية استهلاكًا للنصوص، بل حوارًا حيًا مع التجربة الإنسانية. الكتاب الجيد لا يقدّم للقارئ طريقًا جاهزًا للحياة، بل يوقظ فيه القدرة على أن يرى طريقه هو بوضوح أكبر. غير أن هذا النوع من القراءة لا يتحقق تلقائيًا؛ لأنه يتطلب يقظةً للعقل، واستعدادًا للتأمل الصبور. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التفسيرات الجاهزة التي تعفيه من عناء التفكير. لذلك ينبه الرفاعي إلى هذه الحقيقة حين يقول: "ليس كلُّ إنسان قادرًا على إيقاظ عقله ثم توظيفه في الفهم… العقلُ النائم مرتاح، الإنسانُ كسولٌ يزعجُه إيقاظُ عقله، فيلجأ بسهولة لاستعارة التفسيرات الجزافية المتداولة." في هذه الكلمات يضع الرفاعي إصبعه على مشكلة معرفية عميقة في الثقافة الإنسانية: كثير من الناس يميلون إلى الأفكار الجاهزة لأنها لا تتطلب جهدًا في التفكير. العقل بطبيعته يبحث أحيانًا عن الطريق الأقصر إلى الفهم، حتى لو كان فهمًا سطحيًا. وهذا الميل يبدو اليوم أكثر وضوحًا في عصر التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الحصول على الإجابات سريعًا وسهلًا، مما قد يغري الإنسان بالاكتفاء بالنتائج دون خوض مشقة السؤال والتأمل. غير أن القراءة التي توقظ العقل تفعل العكس تمامًا؛ فهي لا تمنح القارئ راحة الإجابات السريعة، بل تدعوه إلى مراجعة ما اعتاده من تصورات وأحكام. إنها قراءة تزعج الإنسان قليلًا، لأنها تحرّك في داخله أسئلة لم يكن يفكر فيها من قبل، وتدعوه إلى إعادة بناء فهمه للعالم. لهذا تبقى القراءة العميقة فعلًا مقاومًا للكسل الفكري، لأنها تدرب العقل على التفكير البطيء المتأمل، لا على الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة. لا تكون القراءة الحقيقية مجرد فعلٍ ذهنيّ عابر، بل هي في جوهرها فعلٌ تربويّ يوقظ الإنسان من سكون العادة. القراءة التي تصنع أثرًا لا تكتفي بملء الذاكرة بالمعلومات، بل تدرب العقل على السؤال، وتعوّد الإنسان على التأمل الصبور، وتدعوه إلى مراجعة المسلمات التي اعتادها دون تمحيص.
من هنا تبدأ المعرفة الحقيقية: حين ينتقل الإنسان من ترديد الأفكار إلى فهمها، ومن استهلاك المعاني الجاهزة إلى إنتاج معنى خاص يتشكل عبر التفكير والتجربة. في هذه اللحظة بالذات يتفتح ما يمكن أن نسميه الوعي النقدي؛ ذلك الوعي الذي لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يحاورها، ويفحصها، ويعيد بناءها في ضوء العقل والتجربة. تلتقي القراءة هنا بالفلسفة؛ لأن الفلسفة في جوهرها ليست تكديسًا للمعرفة، بل فنّ السؤال، والقدرة على النظر إلى العالم بعين متسائلة لا تقبل المسلمات بسهولة. ولهذا تصبح القراءة الحية تمرينًا دائمًا على اليقظة الفكرية، وعلى بناء عقلٍ قادرٍ على الفهم لا الاكتفاء بالترديد. "القراءة التي لا توقظ السؤال في العقل، لا تستطيع أن توقظ المعنى في الحياة"، يقول الرفاعي. غير أن الوعي وحده لا يكفي، ما لم يصحبه ضمير أخلاقي يقظ. المعرفة التي لا يرافقها حس إنساني قد تتحول إلى أداة للهيمنة أو التبرير. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بأن الثقافة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، حين يقول: "ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا." الكاتب، كما يفهمه الرفاعي، لا يكتب بعقله فقط، بل يكتب بضميره أيضًا. والضمير الأخلاقي لا يكون انتقائيًا، بل إنسانيًا في جوهره؛ لذلك يؤكد: "الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان." بهذا المعنى تصبح القراءة والكتابة جزءًا من مسؤولية الإنسان تجاه العالم. الكلمات ليست مجرد أدوات للتعبير، بل يمكن أن تكون وسيلة للدفاع عن الإنسان وعن كرامته.
غير أن الكتابة التي تحمل معنى لا تقوم على العقل وحده، كما أنها لا تقوم على العاطفة وحدها. الكلمة التي تلامس الإنسان هي تلك التي تنبع من توازن دقيق بين التفكير العميق والحس الإنساني الحي. لهذا يشير الرفاعي إلى أن الكتابة المشبعة بالمعنى ينبغي ألا تهدر مرجعية العقل، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تُفرغ الحياة من بعدها الروحي. في هذا السياق يكتب: "الكتابةُ المشبَعة بالمعنى يجب ألا تهدر مرجعية العقل، مثلما ينبغي أن تملأ الروحَ بالسلام الذي يفتش عنه الإنسان." بهذه العبارة يضع الرفاعي معيارًا دقيقًا للكتابة ذات المعنى: أن تكون وفية للعقل في بحثه عن الحقيقة، وأن تكون في الوقت نفسه قادرة على أن تمنح الإنسان أفقًا روحيًا يتجاوز ضيق الحياة اليومية. الإنسان لا يعيش بالعقل وحده، كما لا يعيش بالمادة وحدها. إنه يبحث دائمًا عن معنى أوسع لحياته، معنى يحرره من الاختناق بسطحية العالم المادي، ويفتح أمامه أفقًا أرحب للتأمل والسكينة. من هنا نفهم لماذا وصف الرفاعي الكتابة بأنها مخاض، الكاتب لا يكتب ما يعرفه فقط، بل يكتب ما عاشه وتأمله وتحوّل في أعماقه إلى معنى. الكتابة ليست مجرد مهارة لغوية، بل هي محاولة لترتيب العالم الداخلي في كلمات يمكن أن تصل إلى الآخرين. مع مرور الزمن تتغير نظرة الإنسان إلى العالم، لأن التجربة نفسها تعيد تشكيل وعيه. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية عميقة حين يقول: "الوعي يتطور، التجارب تعلّم الإنسان، الجروح توقظ الإنسان، العالم يتغيّر، والإنسان يتغيّر." ربما لهذا السبب تحديدًا نعود إلى بعض الكتب مرة أخرى. فالكتاب لا يتغير، لكن القارئ يتغير. ومع كل قراءة جديدة يكتشف الإنسان في النص معنى لم يكن يراه من قبل، وكأن الكتاب نفسه يتسع كلما اتسعت تجربة القارئ. هكذا تتحول القراءة، في معناها العميق، من متابعة صفحات إلى تجربة إنسانية حيّة. فالإنسان حين يقرأ لا يكتفي بمعرفة ما يفكر فيه الآخرون، بل يكتشف شيئًا من ذاته هو. ومع كل كتاب يلتقي بتجربة إنسانية جديدة، ومع كل تجربة يعيد النظر في مسار حياته وأسئلته ومعانيه. ربما لهذا السبب لا تنتهي علاقتنا بالكتب عند قراءة واحدة. فنحن نعود إليها لأننا نعود إلى أنفسنا، ولأن وعينا يتغير مع الزمن، فتتكشف لنا في النصوص معانٍ لم نكن نراها من قبل. يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية بسيطة لكنها عميقة حين يقول: "لن تموت القراءةُ والكتابة مادام الإنسانُ بحاجة إلى التعلّم واكتساب المعرفة وإنتاج معنى لحياته." الإنسان سيظل دائمًا يبحث عن معنى لحياته، وسيظل يجد في الكتب أحد الطرق الجميلة لهذا البحث. ولهذا ليست القراءة هروبًا من الحياة، بل طريقة لفهمها بعمق أكبر. حين نقرأ كتابًا من هذا النوع لا نشعر أننا أمام نص مغلق، بل أمام تجربة إنسانية مفتوحة تدعونا إلى التفكير. وكأن الكاتب لا يقدم لنا أجوبة جاهزة، بل يضع بين أيدينا خيطًا رفيعًا من المعنى، ويدعونا إلى أن ننسج منه قصتنا نحن. هكذا تصبح القراءة، في أعمق معانيها، رحلة لفهم الإنسان، الإنسان الذي يبدأ بفهمه هو دائمًا نفسه.
https://almothaqaf.org/readings-2/986466
عبدالجبار الرفاعي يجمع بين معرفة القديم، وفي الوقت ذاته خبير في الفكر الحديث.

‏علي الشدوي

من بعثنا من مرقدنا ... ( يس ، 52). يوفق العلماء بين نصوص عذاب القبر. ويرون أن الآية محتملة المعنى ، وليست نصا في عذاب القبر؛ والقاعدة الأصولية هي نص محتمل الدلالة لا يعارِض نصوصا قطعية واضحة. هنا يظهر الإشكال بوضوح؛ إذ إن قطعية عذاب القبر لم تستند إلى دليل قرآني صريح، بل استندت إلى بناء استدلالي تراكمي قوامه أحاديث آحاد صحيحة الإسناد، وتأويلات مخصوصة لآيات محتملة. القرآن هو المصدر الأول، لكنه لا يتضمن نصا مباشرا غير قابل للتأويل على عذاب يقع بين الموت والبعث، بل يقدم توصيفا عاما للبرزخ، والزمن، والبعث، بلغة تسمح بقراءات متعددة، منها هذه الآية.
ويبدو لي أن هذه القاعدة (نص محتمل الدلالة لا يعارض نصوصا قطعية محتملة) تعمل ابوصفها آلية تحصين، فهي تصنف الآية فورا كمحتملة، وترفع الأحاديث إلى مرتبة القطعي لا بذاتها، بل بإجماع لاحق على معناها، فيصبح الخلاف ليس مع الآية، بل مع الإجماع المؤوِّل. وبهذا تنتقل القطعية من كونها خاصية دلالية إلى وضعٍ معياري يمنع إعادة السؤال: هل العذاب حسي أم معنوي؟ دائم أم منقطع؟ عام أم خاص؟
لا تحل هذه القاعدة التعارض بقدر ما تجمده، وتمنع إمكان قراءة قرآنية مختلفة للبرزخ، ليس لأنها قراءة غير صحيحة، بل لأنها تربك العقيدة المستقرة. فاستخدام هذه القاعدة في عذاب القبر ليس ضرورة عقلية، بل قرارا منهجيا اختار اليقين التراثي على الانفتاح الدلالي.
علاوة على ذلك فهي ليست قاعدة عقلية خالصة. هي منهج ترجيحي بُني بعد وقوع التعارض ظاهريا، لا قبله. نقدها يبدأ من أن وصف النص بالقطعي أو المحتمل ليس معطى موضوعيا دائما، بل حكم اجتهادي يتأثر باللغة، والسياق، والنسق العقدي المسبق؛ فكثير من النصوص التي وصفت بالقطعية في التراث كانت في حقيقتها قطعية عند مذهب، ظنية عند آخر.
ثم إن هذه القاعدة تفترض أن التعارض لا يمكن أن يكون إلا ظاهريا، وتغلق منذ البداية احتمال أن يكون الفهم الموروث للنص القطعي نفسه محل مراجعة، فتحول القطع من خاصية للنص إلى حصانة للتفسير. كما أنها تعمل بوصفها أداة لحسم الخلاف لا لتحريره، إذ تستدعى بعد تشكل الموقف العقدي لتبرير استبعاده للقراءة البديلة، لا لاستكشاف إمكاناتها الدلالية.
لذلك فالقيمة المنهجية للقاعدة ليست في كونها حقيقة أصولية، بل في كونها اختيارا إبستمولوجيا يقدم استقرار العقيدة على المخاطرة التأويلية، وهو اختيار مفهوم تاريخيا، لكنه قابل للنقد عقليا وغير ملزِم فلسفيا. ما أريد قوله لا يتعلق بمعنى الآية، ولا عذاب القبر ؛ بل بحاجة القواعد الأصولية إلى إعادة قراءتها من منظور أبستمولوجي، لعل الدكتور عبدالجبار الرفاعي يجد وقتا فهو الأقدر على فعل ذلك؛ لأنه يجمع بين معرفة القديم، وفي الوقت ذاته خبير في الفكر الحديث.

https://www.facebook.com/share/p/1CZ5QbDqw5/?
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
‏"مالك بن نبي: هاجس الهوية والصراع الحضاري". تحليل نقدي لفكر ⁧ #مالك_بن_نبي⁩، في كتاب: "مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث".
عبد_الجبار_الرفاعي_وتجديد_الفكر_الديني_رؤية_نقدية_لمعاجلة_التطرف.pdf
439 KB
عبد الجبار الرفاعي وتجديد الفكر الديني: رؤية نقدية لمعاجلة التطرف والإرهاب - كاظم عبد النبي لعيبي، أ. د. علي عبد الهادي المرهج - بحث في مجلة آداب المستنصرية، المجلد 49، العدد 112، 375 - 383. مرفق نسخة PDF من البحث.
صدر هذا الكتاب بالفارسية ‏الذي وصلني اليوم عن جامعة ارلنغن في نورنبيرغ بألمانيا. الحوار الاول في الكتاب أجراه معي د. عباس پويا، أستاذ الدراسات الإسلامية في هذه الجامعة.
الوجود_الخوارزمي_بوصفه_قطيعة_انطولوجية_عبدالجبار_الرفاعي.pdf
333.2 KB
الوجود الخوارزمي بوصفه قطيعة انطولوجية - عبدالجبار الرفاعي
{أكرهك}! د. عبد الجبار الرفاعي
"أكرهك"! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.
في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.
الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.
مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.
لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.
شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط. الإنسان كائن تتداخل في أعماقه نوازع متباينة، وتتجاور في داخله ميول متعارضة، يلتقي في شخصيته الخير والشر، والرحمة والقسوة، والسخاء والجفاء، كما تلتقي في سلوكه دوافع ظاهرة وأخرى خفية. لذلك تبدو أفعال الإنسان في كثير من الأحيان متناقضة أو غامضة، لأن ما يظهر من سلوكه ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه.
الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.
لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده. https://alsabaah.iq/129435-.html
العجز عن التراكم عجز عن بناء الدولة
د. عبد الجبار الرفاعي
الهدم أسهل من البناء في العلاقات الإنسانية وفي مختلف مجالات الحياة؛ فتهديم ما يتشكل عبر الزمن لا يحتاج إلا إلى لحظة انفعال عاصف، أما تشييده فيتطلب صبرًا طويلًا وتراكمًا بطيئًا للخبرة ورأس المال المادي والرمزي والعمل. تهديم البناء أيسر كلفة من تشييده، كما أن إهدار المال أسهل من تحصيله عبر جهد شاق، وإفساد الحب وتسميم القلب بالكراهية، بكلمات قاسية ووشايات لئيمة، أيسر من تطهير القلب وتهذيبه بالمحبة والرحمة. تقويض الدولة أسرع بكثير من تأسيسها؛ فقد تكفي شعارات غاضبة، وإشاعات زائفة، وإيقاد للعنف كي يتصدع كيان الدولة وتتهشم أسسها، بينما يحتاج بناء دولة حقيقية إلى زمن طويل يتكون فيه وعي بالمواطنة، وتتجذر فيه الأخلاق العامة، وتتشكل مؤسسات تحمي القانون وتصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. إشعال الحرب أيسر من صناعة السلام، لأن الحرب تستدعي الغرائز العدوانية الكامنة في الإنسان، أما السلام فيحتاج إلى حكمة أخلاقية تروّض تلك الغرائز. التخلص من سلطة جائرة قد يحدث في لحظة انفجار تاريخي، غير أن تأسيس سلطة عادلة ودولة حديثة يتطلب تربية طويلة على الأخلاق والحكمة، والالتزام بالقانون. العدل ثمرة لنبتة تنمو في تربة الضمير الأخلاقي الحي، بينما الظلم يولد حين تستبد النزعة العدوانية بالإنسان، لذلك يبقى بناء الإنسان الأخلاقي الذي يحترم القانون ويطبقه الشرط الأعمق لبناء الدولة العادلة.
الحضارة مسار ادخارٍ وتراكمٍ لا ينقطع؛كذلك المدينة والدولة لا تولدان إلا من رحم هذا الادخار المتواصل في الثروة المادية والسياسة والمعنوية، وفي الوعي والمعرفة والقيم والرموز والآداب والفنون. المجتمع الذي يعجز عن تنمية رصيده على الدوام يعجز عن تأسيس دولة راسخة، لأن الدولة ليست كيانًا يُشيَّد بالعاطفة أو يقوم بالشعارات، وإنما ثمرة زمن طويل من الادخار وتراكم الثروات والخبرات والعلوم والقيم، يتجذر في الوعي الفردي والجمعي، ويصوغ ذاكرة مشتركة، ويكرّس إدراكًا عميقًا بالمصالح المشتركة والمصير الواحد.
اقتصاد الحياة البدوية اقتصادٌ رعويٌّ بطبيعته، الاقتصاد الرعوي يفتقر إلى قابلية الادخار والتراكم، فلا تتوفر لديه الشروط التي تسمح بتراكم الثروة، ولا يخلق البيئة الملائمة لإنتاج المعارف وتطوير المهارات وتنمية رأس المال. في هذا النمط من العيش لا تتكامل عناصر الإنتاج الأساسية، من رأس مال مادي ومعرفي، وعملٍ مستقر، وأرضٍ يرتبط بها الإنسان ارتباطًا دائمًا. الترحال المتواصل يضعف التفاعل الخلّاق مع المكان، ويحول دون نشوء علاقة راسخة بالأرض، لذلك لا تتكوّن رابطة وجودية وروحية ونفسية وعاطفية بمكان محدد، وهي الرابطة التي تنمو في ظلها المدينة، وتتجذر في أفقها الدولة. الحياة البدوية، بما تفرضه من ترحالٍ دائم، تفتقر إلى شروط الاستقرار، فلا يتكوّن فيها إحساس عميق بالعلاقة الوثيقة بالأرض، لأن هذه العلاقة لا تتشكل إلا في سياق إقامة طويلة وتوطن مستقر يجعل المكان حاضرًا في وجدان الإنسان وشعوره. ما دام يقوم اقتصاد البادية على الرعي، الذي هو نمط من العيش يتشكل في أفق الترحال الدائم وملاحقة المراعي ومصادر الماء، لذلك يفتقر إلى الشروط التي تسمح بتكوين اقتصاد مركّب قائم على الإنتاج المتواصل وتراكم الثروة والخبرة. في نمط الإنتاج الرعوي لا تتكوّن علاقة بالأرض بوصفها مجالًا للعمل والاستثمار، لأن الأرض تُرتاد مؤقتًا ثم يُغادرها الإنسان إلى غيرها. لذلك يختلف اقتصاد البادية عن الاقتصاد الذي يتأسس على امتلاك الأرض والعقار، والعمل الزراعي والحرفي، وتراكم المهارات، ونشوء التجارة وتبادل المنافع. التوطن في المكان يتيح للإنسان أن يطوّر أدوات عمله وخبراته، وأن يبني شبكات إنتاج وتبادل مستمرة، ومن هذا التراكم تنشأ الأسواق وتزدهر الحرف وتتشكّل المدن. المدينة والدولة لا تولدان إلا في فضاء الإقامة بالمكان، حيث تتجذر صلة الإنسان بالأرض عبر العمل والمكوث المستمر، فتتشكّل ذاكرة مشتركة وهوية للمكان، وتنبثق في أفقها المؤسسات التي تنظّم العيش المشترك.
الشروط المادية والمعنوية والرمزية اللازمة لبناء الدولة تستدعي استثمارًا طويل الأمد في الإنسان والمكان، لأن الدولة لا تنشأ في الفراغ، وإنما تتشكل في سياق تاريخي يتراكم فيه رأس المال والخبيرة والعلم والمعرفة والقيم. ويبدأ ذلك من قابلية الادخار والتراكم بوصفهما الأساس لكل عملية إنتاج مستدام، إذ يتيح التراكم تنمية الثروة وتوسيع رأس المال المادي والمعرفي، ويخلق بيئة تسمح بتطوير المهارات والخبرات، وتوليد المعارف التي تُغذّي الاقتصاد والمجتمع معًا. في هذا الأفق يتكوّن اقتصاد قادر على إعادة إنتاج الثروة وتنميتها، وتتشكل البنية الثقافية والقيمية التي تساند قيام المؤسسات، فيغدو التراكم المادي والمعنوي والرمزي الشرط العميق الذي تنمو في ظله الدولة وتترسخ.
بناء الدولة الحديثة يعتمد على اقتصاد متين، وسياسة رشيدة، وقيم راسخة، ومعارف متجددة، وثقافة حيّة، وفنون وجمال ورموز تثري الذاكرة الوطنية، وتمنح المجتمع صورًا ملهمة للمعنى المشترك. بناء الدول يستغرق أزمنة مديدة، قد تمتد لعشرات السنين أو قرون، إذ يتطلب نشوؤها مراكمة متواصلة للوعي والمعارف والمهارات والخبرات والرموز، وإعدادًا للشروط والعناصر التي تؤهل المجتمع لأن يؤسس دولة حديثة. الدولة الحديثة لا تنهض إلا إذا ارتكزت على تراكم طويل يرسخ هويتها الوطنية، ويصون كرامة مواطنيها، ويضمن استمرارها في مواجهة التحولات والتحديات.
الدولة تحتاج إلى بيئة مجتمعية تتيح لهذا التراكم أن يتجذر ويتنامى. المدينة تمثل البيئة الحاضنة لبناء الدولة، والنقلة النوعية التي يتجاوز فيها المجتمع التكوينات القبلية المغلقة المبنية على رابطة الدم، ويبدأ رحلة البحث عن هوية مجتمعية مدنية جامعة. المدينة لا تختزل في العمران، بل تعكس ثقافة ورموز وقيم ومصالح ومصائر مشتركة، تتجلى في نمط عيش يعبر عن اقتصاد وإدارة وتنظيم يختلف عن البادية والقرية، وعلاقات اجتماعية جديدة، تنتظم فيها الحياة على قاعدة القانون لا العصبية، والمصلحة العامة لا الغلبة. القبيلة البدوية تعجز عن بناء وعي بالأرض بوصفها وطنًا، لأن علاقتها بالأرض علاقة مؤقتة مشروطة بتوفر الماء والكلأ. أما المدينة فتكرس علاقة الإنسان ورابطته بالأرض، وتوفر الشرط الأساس لأن تنبثق من هذا الارتباط علاقة المواطنة، بوصفها انتماء طوعيًا، ومسؤولية مشتركة، ومشاركة في الحقوق والواجبات، على أساس القانون، لا على رابطة الدم كالقبيلة. الدولة تتأسس على بنية المدينة ونسيجها العمراني، وعلى شبكات المصالح والمصائر المشتركة والعلاقات المجتمعية فيها، وعلى مؤسساتها وثقافتها وقيمها ورموزها. المصالح والقوانين والقيم في المدينة مشترك حيوي فعال، يلتقي عنده المختلفون، ويجد فيه كل من يقيم على أرضها موقعًا في الفضاء العام، ودورًا في إنتاج العيش المشترك. في المدينة يغادر الإنسان رابطة العصبية، ليتحقق في أفق تتولد فيه هويته من الذاكرة المشتركة، والثقافة الموحدة، والشراكة في المصالح والمصائر، وتتحرر فيه المواطنة من الانتماءات المغلقة، لتغدو تعبيرًا عن وعي جديد بالذات والآخر، والعيش في ظل دولة تجسد العقل، وتكفل الكرامة، وتصون الحرية، وتؤسس لمجتمع مفتوح.
غياب الدولة في وطننا عطّل تحقّق ما عبر عنه الفيلسوف الألماني هيغل: "الدولة بوصفها تجليًا للعقل... والتجلي الواقعي للروح الأخلاقية"، إذ رأى أن: "الفرد لا يحقق حريته الحقيقية إلا في الدولة، لأنها التعبير الكامل عن الحرية العقلانية"، هيغل في كتابه: "مبادئ فلسفة الحق"، ص 53. الدولة، حين تتأسس بوصفها تعبيرًا عن العقل والحرية، تخلق للإنسان فضاءً ينضبط فيه اندفاع الغرائز والعصبيات والانفعالات، ويتكوّن فيه وعي بالمواطنة يتجاوز حدود الجماعات المغلقة إلى أفق المصلحة المشتركة. لذلك لا تقتصر الدولة على كونها جهازًا لإدارة السلطة، وإنما تشكّل إطارًا أخلاقيًا وقانونيًا ينتظم فيه العيش المشترك، وتترسخ فيه القيم التي تصوغ الإرادة العامة. وحين يغيب هذا الإطار، أو يظل هشًّا ومضطربًا، يتعطل تشكّل الوعي الوطني، لأن المجتمع يبقى أسير ولاءات ضيقة وعلاقات ما قبل الدولة، فتتعثر عملية انتقاله إلى وعي مدني جامع. بهذا المعنى ترك غياب الدولة، بما هي تجلٍ للعقل وتجسيد للحرية العقلانية، أثرًا عميقًا في إعاقة نشوء وعي وطني عراقي، وتعطيل تجذّره وتطوره.

https://alsabaah.iq/129640-.html
لا تقوم الدولة الوطنية الحديثة على حدود أيديولوجيا عقائدية تضيق برؤية الإنسان خارج تصوراتها، ولا على منظور طائفي أو قومي مغلق يعجز عن احتضان التعدد. إن تقديم الهوية الاعتقادية، أو الطائفية، أو القومية على الهوية الوطنية يُفشل مشروع الدولة الحديثة، ويعيد إنتاج الانقسام، ويقوّض إمكان قيام دولة جامعة يجد فيها الوطن أبناءه جميعًا، ويؤمّن لهم شروط الأمن، والعدالة، والحرية، والمساواة. تتأسس الدولة الوطنية على ميثاق وطني جامع يحتضن الخصوصيات الثقافية والدينية، ويمنحها إطارًا للعيش المشترك، من غير أن يسمح لها بتصدّر المجال العام أو التحول إلى أدوات لتفتيت أسس الدولة المدنية أو تهديد عقدها الاجتماعي. الوحدة الوطنية تمثل الأفق الذي تنتظم فيه الانتماءات الفرعية، وتكتسب معناها، وتغدو مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع والانقسام. في هذا الأفق تتجلى الدولة بوصفها فضاءً أخلاقيًا لحماية كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا جهازًا لفرض هوية واحدة أو احتكار معنى الانتماء، إذ لا يكتمل معنى الوطن إلا حين يشعر كل فرد أن انتماءه إليه لا يُنتقص بسبب دينه أو مذهبه أو قوميته، وأنه شريك متكافئ في الحقوق والواجبات. المواطنة ليست توصيفًا قانونيًا مجردًا، إنها تجربة عيش يومي يتجسد فيها الاعتراف المتبادل، ويترسخ فيها الشعور بالانتماء، ويتحول فيها التنوع إلى طاقة خلّاقة لبناء الحياة المشتركة.
حين تستبدل الهوية الوطنية بهويات ضيقة يتولد اغتراب سياسي في وعي الإنسان، فيشعر أنه يعيش في وطن لا يعترف به، فيتصدع الانتماء ويضعف الإحساس بالمصير المشترك وتتآكل الثقة، فيغدو الوطن مجال تنازع واحتراب. أما الدولة التي تقوم على العدالة والحرية وعقد اجتماعي عادل، فإنها تتيح للإنسان أن يكون ذاته من غير خوف، وأن يعبّر عن معتقده من غير إقصاء، وأن يشارك بوصفه مواطنًا لا تابعًا. في هذه الدولة تلتقي الانتماءات في أفق إنساني مشترك تصوغه الحرية والمساواة والاحترام والتضامن، فتتشكل هوية وطنية حيّة تتجدد مع صيرورة الزمن، وتغدو ضمانة للاستقرار وأفقًا يتسع للجميع.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=384854
لم تتأسس دولة مواطنة حديثة على الدين

د. عبد الجبار الرفاعي
في دولة المواطنة، يمكن للإنسان أن يكون مواطنًا كاملًا، تصون الدولة كرامته، وتحمي حرياته وحقوقه، وتعترف به شريكًا في الوطن، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا، من غير أن تسأله عن دينه، أو مذهبه، أو قوميته، أو ثقافته. المواطنة رابطة حقوقية قانونية جامعة، لا امتيازًا تمنحه السلطة، ولا منزلة تُمنح بدرجات متفاوتة. جميع المواطنين متساوون في الانتماء إلى الوطن، ومتساوون في الحريات والحقوق والواجبات، ومتساوون أمام القانون. لا تقوم الدولة الحديثة على أيديولوجيا دينية أو طائفية أو قومية مغلقة، لأن هذه الأيديولوجيات تضيق بالتعدد، وتعيد إنتاج الانقسام، وتهدد وحدة المجتمع، وإنما تنهض الدولة الحديثة على ميثاق وطني جامع يحتضن التنوع والخصوصيات الثقافية والدينية، وينظم حضورها في الفضاء العام، من غير أن يسمح لها بتفكيك الوحدة الوطنية أو تقويض العقد الاجتماعي. تمثل الهوية الوطنية الإطار الجامع الذي تنتظم فيه سائر الهويات، وتكتسب معناها، وتتحول إلى مصدر غنى وتنوع، لا سببًا للصراع. دولة المواطنة والقانون لا تعادي الدين، ولا تنفي القيم الأخلاقية، وإنما تحرر الدين من التوظيف السياسي، وتصون الأخلاق من الابتذال الأيديولوجي، فتتيح للدين أن يبقى تجربة روحية وأفقًا للمعنى، وتمنح الأخلاق مجالها الإنساني، وتمنع تحويلهما إلى أدوات للهيمنة أو الإقصاء. بهذا المعنى، تحقق الدولة الحديثة شرط العيش المشترك، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، وتحمي كرامته، وتؤسس لمجتمع يرى في القانون ضمانته، وفي المواطنة رابطته الجامعة، وفي التعدد ثراءً لا تهديدًا.
لم تتأسس دولة المواطنة الحديثة على الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية، وإنما قامت على منظومة الحقوق والحريات، وعلى سيادة القانون بوصفه الأساس الناظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وتطبيقه بعدالة. تصون قوانين هذه الدولة المساواة بين المواطنين جميعًا، وتكفل تطبيقها من دون تمييز، بغض النظر عن دين المواطن، أو معتقده، أو جنسه، أو لونه، كما تعترف بحقه في الاختلاف، وتعدّه جزءًا من حماية كرامة الإنسان وحريته الاعتقادية. يتساوى الجميع في الانتماء إلى الوطن، وكل مَن يكتسب جنسية الدولة، ويتبنى نظامها القانوني، يمتلك النصاب الكامل في الحقوق والواجبات، ويتمتع بفرص متكافئة، ويُعامَل بوصفه مواطنًا، لا بوصفه تابعًا لهوية دينية، أو طائفية، أو قومية. تقوم المواطنة في الدولة الحديثة على الشراكة الكاملة في الانتماء والمسؤولية، ولا تعرف درجات أو مراتب، لأنها تتأسس على عقد قانوني يحدده الدستور، ويضبطه القانون، ويجسده العيش المشترك، بعيدًا عن منطق الأيديولوجيات المغلقة، أو الامتيازات القائمة على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي.
لا يسهم في بناء دولة المواطنة مَن لا يؤمن بالوطن بوصفه كيانًا سياسيًا يحتضن الجميع، وطنًا تتوحد فيه الهويات المتنوعة ضمن إطار مشترك، وتلتقي على هوية جامعة تنظّم التنوع، وتمنحه أفقًا مشتركًا للانتماء، والعيش معًا على أرض واحدة، تتولد فيها المعاني العامة للكرامة، والحرية، والمساواة، وتُصان فيها الحقوق، ويتقاسم الجميع مسؤولية حماية المصالح والمصير المشترك. لا تُقصي الهوية الوطنية الهويات الدينية، أو الاعتقادية، أو المذهبية، أو القومية، أو الثقافية، ولا أي هوية فرعية أخرى، وإنما تدخل معها في علاقة تكامل وتفاعل، فتغتني بها، وتمنحها إطارًا جامعًا للعيش المشترك. تتعايش هذه الهويات كلها في ظل ميثاق وطني شامل، يتسع للوحدة داخل فضاء الاختلاف، ويحتضن التعدد والتنوع، من غير أن ينقلب إلى صراع أو نزاع. تمثل الهوية الوطنية القاعدة التي تنتظم فيها سائر الهويات، وتتحدد ضمن أفقها، وتتحقق من خلالها المواطنة بوصفها رابطة جامعة ومسؤولية مشتركة.
يتطلب غرس هذا الفهم وترسيخه مراجعة جذرية لأنظمة التربية والتعليم، من المراحل الأساسية حتى التعليم العالي، لتنشئة الإنسان على وعيٍ يرى الهوية الوطنية في الدولة الحديثة إطار الانتماء الأول الذي يحتضن سائر الانتماءات، ويمنحها معناها المشترك. من دون وعي يُرسّخ الانتماء للوطن، لا تقوم دولة وطنية حديثة تحترم التعدد، وتنهض على مبدأ المواطنة، وتكفل المساواة في الكرامة والحقوق لجميع المواطنين من غير استثناء. أسهم صعود الهويات الطائفية وحدّة الاستقطاب الذي تزامن مع الألفية الجديدة في إعاقة تشكّل الهوية الوطنية في بلادنا وغيرها، وأفضى إلى اضطراب الوعي بالانتماء، وأضعف إدراك الحاجة إلى الدولة الحديثة بوصفها الإطار الضامن للعيش المشترك، وحماية الحقوق، وصيانة المصير الواحد. إن التربية على المواطنة لا تُختزل في المقررات الدراسية، وإنما تتجسد في بناء وعي مدني يرى في الوطن فضاءً جامعًا، وفي الدولة أداة لخدمة الإنسان، لا ميدانًا لصراع الهويات المغلقة.
ترجمة كتاب: الدين والظمأ الأنطولوجي للغة البوسنية
Religija i ontološka žeđ
تأليف: عبد الجبار الرفاعي
, autor: Abdul-Jabbar al -Rifa'i
ترجمه للغة البوسنية: عدنان مصطفى مشانوفيتش
Adnan Mustafa Mešanović