تأملات قارئ في كتاب: «دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة»
عبد الرحمن مزيان
ليست بعض الكتب مجرد نصوص تُقرأ، بل تجارب تُعاش. والجزء الأول من كتاب «دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي ينتمي إلى هذا النوع من الكتب التي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ منها رحلة جديدة داخل القارئ نفسه. لقد شعرتُ، وأنا أتنقل بين صفحاته، أنني لا أقرأ أفكارًا بقدر ما أرافق تجربة إنسان يبحث عن المعنى في الدين والفلسفة والحياة، تجربةٍ تحاول أن تعيد الإنسان إلى مركز التفكير الديني والتربوي والأخلاقي.
أول ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو أن سؤال المعنى يظل خيطًا ناظمًا لكل الأفكار. ليس المعنى هنا مفهومًا فلسفيًا مجردًا، بل حاجة وجودية يعيشها الإنسان في ضعفه وخوفه وقلقه وأمله. الدين، في هذا الأفق، ليس منظومة مغلقة من الأحكام، بل أفقٌ روحي وأخلاقي وجمالي يمنح الحياة معناها. "الدين حياة في أفق المعنى" بتعريف الرفاعي، "معنى وجود الإنسان وحياته" هو المحور الذي يلتقي فيه الدين بالحب والجمال برأي الرفاعي. من هذه الزاوية، يصبح الإيمان مسؤوليةً أخلاقية قبل أن يكون موقفًا اعتقاديًا، ويصبح الضمير الأخلاقي معيارًا لفهم الدين وتجديده. لقد نجح الرفاعي في إعادة طرح سؤالٍ قديم بصيغة جديدة:
كيف يمكن للدين أن يظل حيًّا في عالم متغير دون أن يفقد إنسانيته؟
الإجابة التي تتشكل عبر صفحات الكتاب تقول إن الدين يفقد روحه عندما ينفصل عن الإنسان، ويستعيد حيويته عندما يتحول إلى طاقةٍ ملهمة للرحمة والمحبة والجمال والسلام. بهذا المعنى، لا يكون تجديد الفكر الديني صراعًا مع التراث، بل قراءةً نقدية له، واستئنافًا للمعاني الأخلاقية والروحية والجمالية في نصوصه، عبر قرائتها بأدوات المعرفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.
من أهم ما يميز هذا العمل الفكري هو الإصرار على أن الأخلاق هي المعيار النهائي للدين. الأخلاق قبل الدين، لا معنى للدين بلا أخلاق، النصوص الدينية تفقد معناها إذا لم تُثمر إنسانًا أرحم وأكثر مسؤولية. الدين الذي لا يوقظ الضمير الأخلاقي، ولا يحمي كرامة الإنسان، يتحول إلى أداة يمكن أن تُستغل في الصراع والهيمنة بدل أن تكون مصدرًا للسكينة.
هذا المنظور يفتح الباب أمام فهم جديد للعلاقة بين الدين والفلسفة. الفلسفة هنا ليست خصمًا للدين، بل شريكًا في البحث عن المعنى. الدهشة والنقد والتساؤل ليست تهديدًا للإيمان، بل طريقًا لإنضاجه. الإنسان الذي يتوقف عن السؤال يتوقف عن النمو، والدين الذي يخاف النقد يفقد قدرته على الحياة.
كما يبرز في الكتاب حضورٌ قوي لفكرة التربية الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. الإنسان، مهما بلغ من النضج، يظل في حاجة إلى تربيةٍ متواصلة للروح والقلب والضمير.
هذه التربية لا تقوم على الوعظ المجرد، بل على المثال الإنساني الحي، وعلى العلاقات التي تُنمّي الثقة والمحبة والرحمة داخل المجتمع، وفي المدرسة خاصة.
ومن موقع قارئٍ يعمل في التربية، بدت لي صفحات الكتاب وكأنها تذكيرٌ عميق بأن التربية ليست نقل معرفة فقط، بل بناء إنسان. الكلمة التي تشجع طفلًا قد تغيّر حياته، والعلاقة الإنسانية الصادقة داخل الفصل قد تكون أبلغ من أي منهج. في هذا المعنى، تصبح التربية امتدادًا للأخلاق، ويصبح المعلم حاملًا لمنهاجٍ خفيٍّ يتجلى في سلوكه قبل كلامه.
يظهر كتاب «دروب المعنى» حساسيةً عالية تجاه تعقيد النفس الإنسانية، ويقدّم طبيعة الإنسان كما يفهمها الرفاعي بقوله: "الطبيعة الإنسانية ملتقي الأضداد"، إذ تجتمع في أعماقها قابلية الخير وقابلية الشر، والنور والظلمة، والسمو مع الانحدار. لا يرى الرفاعي الإنسان كائنًا بسيط البنية أو منسجمًا، وإنما كائنًا قلقًا، خائفًا، هشًّا، مفتوحًا على احتمالات متعددة، لا يكفي فيه الذكاء وحده ليصونه من الانحراف، لأن الذكاء قد يتحول إلى أداة تبرير أو وسيلة سيطرة ما لم يرافقه ضمير أخلاقي يقظ. من هنا تأتي أهمية الصمت الداخلي، والتأمل، والقدرة على مراجعة الذات باستمرار، بوصفها شروطًا للنضج الإنساني. مراجعة الذات بوصفها شرطًا للإنصات إلى الأعماق، وإعادة وصل الإنسان بذاته، وتحرير وعيه من ضجيج التبريرات السريعة والأحكام المتعجلة. التأمل، في هذا الأفق، ليس ترفًا روحيًا، وإنما ممارسة وجودية تعيد للإنسان قدرته على مراجعة نفسه، ومساءلة دوافعه، وتمييز ما يصدر عنه من اندفاع أو خوف أو طمع. كما يتعلّم الإنسان في التأمل كيف يكون أكثر صدقًا مع نفسه، وأكثر تواضعًا أمام ضعفه، وأكثر مسؤولية في اختياره للخير وهو يدرك أن الشر يسكنه أيضًا.
في عالمٍ سريع التحول، يتوقف الكتاب عند تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، ويرى فيها فرصةً بقدر ما هي تحدٍّ. الهوية الرقمية المتغيرة تفرض على التربية والدين أن يجددا لغتهما وأدواتهما، دون أن يفقدا جذورهما الإنسانية.
عبد الرحمن مزيان
ليست بعض الكتب مجرد نصوص تُقرأ، بل تجارب تُعاش. والجزء الأول من كتاب «دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي ينتمي إلى هذا النوع من الكتب التي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ منها رحلة جديدة داخل القارئ نفسه. لقد شعرتُ، وأنا أتنقل بين صفحاته، أنني لا أقرأ أفكارًا بقدر ما أرافق تجربة إنسان يبحث عن المعنى في الدين والفلسفة والحياة، تجربةٍ تحاول أن تعيد الإنسان إلى مركز التفكير الديني والتربوي والأخلاقي.
أول ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو أن سؤال المعنى يظل خيطًا ناظمًا لكل الأفكار. ليس المعنى هنا مفهومًا فلسفيًا مجردًا، بل حاجة وجودية يعيشها الإنسان في ضعفه وخوفه وقلقه وأمله. الدين، في هذا الأفق، ليس منظومة مغلقة من الأحكام، بل أفقٌ روحي وأخلاقي وجمالي يمنح الحياة معناها. "الدين حياة في أفق المعنى" بتعريف الرفاعي، "معنى وجود الإنسان وحياته" هو المحور الذي يلتقي فيه الدين بالحب والجمال برأي الرفاعي. من هذه الزاوية، يصبح الإيمان مسؤوليةً أخلاقية قبل أن يكون موقفًا اعتقاديًا، ويصبح الضمير الأخلاقي معيارًا لفهم الدين وتجديده. لقد نجح الرفاعي في إعادة طرح سؤالٍ قديم بصيغة جديدة:
كيف يمكن للدين أن يظل حيًّا في عالم متغير دون أن يفقد إنسانيته؟
الإجابة التي تتشكل عبر صفحات الكتاب تقول إن الدين يفقد روحه عندما ينفصل عن الإنسان، ويستعيد حيويته عندما يتحول إلى طاقةٍ ملهمة للرحمة والمحبة والجمال والسلام. بهذا المعنى، لا يكون تجديد الفكر الديني صراعًا مع التراث، بل قراءةً نقدية له، واستئنافًا للمعاني الأخلاقية والروحية والجمالية في نصوصه، عبر قرائتها بأدوات المعرفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.
من أهم ما يميز هذا العمل الفكري هو الإصرار على أن الأخلاق هي المعيار النهائي للدين. الأخلاق قبل الدين، لا معنى للدين بلا أخلاق، النصوص الدينية تفقد معناها إذا لم تُثمر إنسانًا أرحم وأكثر مسؤولية. الدين الذي لا يوقظ الضمير الأخلاقي، ولا يحمي كرامة الإنسان، يتحول إلى أداة يمكن أن تُستغل في الصراع والهيمنة بدل أن تكون مصدرًا للسكينة.
هذا المنظور يفتح الباب أمام فهم جديد للعلاقة بين الدين والفلسفة. الفلسفة هنا ليست خصمًا للدين، بل شريكًا في البحث عن المعنى. الدهشة والنقد والتساؤل ليست تهديدًا للإيمان، بل طريقًا لإنضاجه. الإنسان الذي يتوقف عن السؤال يتوقف عن النمو، والدين الذي يخاف النقد يفقد قدرته على الحياة.
كما يبرز في الكتاب حضورٌ قوي لفكرة التربية الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. الإنسان، مهما بلغ من النضج، يظل في حاجة إلى تربيةٍ متواصلة للروح والقلب والضمير.
هذه التربية لا تقوم على الوعظ المجرد، بل على المثال الإنساني الحي، وعلى العلاقات التي تُنمّي الثقة والمحبة والرحمة داخل المجتمع، وفي المدرسة خاصة.
ومن موقع قارئٍ يعمل في التربية، بدت لي صفحات الكتاب وكأنها تذكيرٌ عميق بأن التربية ليست نقل معرفة فقط، بل بناء إنسان. الكلمة التي تشجع طفلًا قد تغيّر حياته، والعلاقة الإنسانية الصادقة داخل الفصل قد تكون أبلغ من أي منهج. في هذا المعنى، تصبح التربية امتدادًا للأخلاق، ويصبح المعلم حاملًا لمنهاجٍ خفيٍّ يتجلى في سلوكه قبل كلامه.
يظهر كتاب «دروب المعنى» حساسيةً عالية تجاه تعقيد النفس الإنسانية، ويقدّم طبيعة الإنسان كما يفهمها الرفاعي بقوله: "الطبيعة الإنسانية ملتقي الأضداد"، إذ تجتمع في أعماقها قابلية الخير وقابلية الشر، والنور والظلمة، والسمو مع الانحدار. لا يرى الرفاعي الإنسان كائنًا بسيط البنية أو منسجمًا، وإنما كائنًا قلقًا، خائفًا، هشًّا، مفتوحًا على احتمالات متعددة، لا يكفي فيه الذكاء وحده ليصونه من الانحراف، لأن الذكاء قد يتحول إلى أداة تبرير أو وسيلة سيطرة ما لم يرافقه ضمير أخلاقي يقظ. من هنا تأتي أهمية الصمت الداخلي، والتأمل، والقدرة على مراجعة الذات باستمرار، بوصفها شروطًا للنضج الإنساني. مراجعة الذات بوصفها شرطًا للإنصات إلى الأعماق، وإعادة وصل الإنسان بذاته، وتحرير وعيه من ضجيج التبريرات السريعة والأحكام المتعجلة. التأمل، في هذا الأفق، ليس ترفًا روحيًا، وإنما ممارسة وجودية تعيد للإنسان قدرته على مراجعة نفسه، ومساءلة دوافعه، وتمييز ما يصدر عنه من اندفاع أو خوف أو طمع. كما يتعلّم الإنسان في التأمل كيف يكون أكثر صدقًا مع نفسه، وأكثر تواضعًا أمام ضعفه، وأكثر مسؤولية في اختياره للخير وهو يدرك أن الشر يسكنه أيضًا.
في عالمٍ سريع التحول، يتوقف الكتاب عند تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، ويرى فيها فرصةً بقدر ما هي تحدٍّ. الهوية الرقمية المتغيرة تفرض على التربية والدين أن يجددا لغتهما وأدواتهما، دون أن يفقدا جذورهما الإنسانية.
صحيفة المثقف
عبد الرحمن مزيان: تأملات قارئ في كتاب: "دروب المعنى
"دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة"
اضطرابات الهوية السياسية
د. عبدالجبار الرفاعي
اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يقصي الوطن لحساب الجماعة، ويحول المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص، محكوم بالعصبية، ومسكون بهاجس الدفاع عن الهوية الفرعية لا الهوية الوطنية الأصلية. حين تغدو القومية أو الطائفة هي الهوية الأصلية، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، لا يعود للوطن معنى ينطبق على المواطنين كلهم، وليس للمصالح والمصائر والذاكرة والثقافة والتاريخ المشترك أثر في بناء الدولة. تختفي عندئذ المواطنة خلف الانتماء القومي أو الطائفي، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن. يغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها مشروط بولاء مواز أو سابق للجماعة، ومثل هذا الوضع لا يسمح ببناء عقد اجتماعي يجتمع عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية القومية أو الطائفية، وتختزل الهوية الوطنية فيها، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بأبناء بلده. يصبح الوطن ساحة صراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المشتركة.
تفشت في جيلنا، والجيل الذي سبقنا اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي قبل أن ينتمي لوطنه ينتمي إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية المنضوية في محوره، أو إلى الصين والدول الاشتراكية التي تدور في فلكها. وكان القومي العربي، قبل أن ينتمي لوطنه، ينتمي إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية، وزعيمها جمال عبد الناصر، الذي كان أكثر الحكام العرب براعة في تجييش الجماهير، وأمهرهم في ابتكار الشعارات الصاخبة. وأخيرًا، صار من ينتمي إلى الإسلام السياسي ينتمي إلى الدول الدينية، كل على وفق مرجعيته المذهبية، لا على وفق انتمائه الوطني.
اضطرابات الهوية السياسية عشتها بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيّلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يشكّل الهوية الأصلية للإنسان، وأن العقيدة قائمة في فراغ، بلا أرض ولا تاريخ ولا مجتمع، فاختلط علينا معنى الإعتقاد الديني بمعنى الانتماء السياسي، وتماهت العقيدة مع المشروع الأيديولوجي، حتى غدت بديلاً عن الوطن، وملاذًا نفسيًا يعوّض الهوية الوطنية الهشة. في أفق هذا الوعي المأزوم لم نرَ أنفسنا أبناء أرض محددة ولا شركاء في مصير جماعي، بل جنودًا في فكرة عابرة للحدود تستمد معناها من نصوص مؤدلجة أكثر مما تستمده من خبرة العيش المشترك على أرض واحدة. لم يكن هذا الاضطراب حالة فردية، إذ ولّدته بنى فكرية رأت في العقيدة هوية مكتفية بذاتها، ورأت في الوطن كيانًا طارئًا، فتجلى في خطاب يقدم الولاء الأيديولوجي على الانتماء الوطني، في فضاء وعي سياسي يتعامل مع المختلف بوصفه خصمًا وجوديًا لا شريكًا في المصالح والمصائر، كما ظهر في تصور الدولة أداة مؤقتة لخدمة المشروع العقائدي لا إطارًا جامعًا لكرامة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم، وبرز أيضًا في انتقال بعض الأفراد بين أيديولوجيات متناقضة دون مراجعة نقدية عميقة، لأن الهوية عندهم لم تتأسس على تجربة إنسانية حيّة، وإنما على حاجة نفسية إلى اليقين والانتماء.
يتجلى هذا الاضطراب كذلك حين يُختزل الصراع السياسي في ثنائيات مغلقة من نوع الإيمان والكفر أوالخير والشر أو الحق والباطل، فيغيب النظر للسياسة بوصفها ظواهر إنسانية مركبة معقدة تتصارع فيها شبكات مصالح متضادة. ولا ينظر للسياسة بوصفها فن إدارة الاختلاف، وضمان المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين، فيتحول الخصم السياسي إلى عدو أخلاقي، وتغدو الدولة ساحة صراع، لا فضاء تعاقديًا يضمن الحقوق والحريات ويصون التعدد. حين يختلط المقدس بالسياسي، وتُنزَع الديانة من معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، يتعمّق الاغتراب، ويضيع الإنسان في يقين مغلق وهوية مضطربة. لا تستقيم الهوية السياسية إلا حين تُبنى على مركزية الإنسان وكرامته وحقوقه، وحين يُعاد الدين إلى أفقه الوجودي بوصفه أفقًا روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا للمعنى، وتُعاد السياسة إلى معناها الوطني، ويُفهم الوطن بوصفه النصاب الضامن للعيش المشترك، لا ميدانًا لتصفية العقائد.
لم نكن ننتمي إلى الأوطان بوصفها أرضًا حيّة تتشكّل فيها الثقافة والذاكرة والهوية الوطنية، ويتراكم فيها التاريخ، وتلتقي فيها المصالح، وتُنسَج فيها المصائر المشتركة التي توحّدنا مع أبناء وطننا الذين نتقاسم معهم العيش اليومي وهموم الحياة وآفاق المستقبل. كان انتماؤنا يتجه إلى أيديولوجيا سياسية عابرة للجغرافيا والتاريخ والذاكرة والثقافة واللغة، منفصلة عن المصالح الفعلية والمصير المشترك لأبناء الوطن، حتى انقلب معيار القرب والبعد، وصار من يعتنق هذه الأيديولوجيا، وإن كان في أقصى الأرض، أقرب إلينا وجدانيًا ورمزيًا وروحيًا وأخلاقيًا من ابن الوطن الذي نشترك معه في الأرض والتاريخ والثقافة والذاكرة والمصالح والمصير الواحد.
د. عبدالجبار الرفاعي
اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يقصي الوطن لحساب الجماعة، ويحول المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص، محكوم بالعصبية، ومسكون بهاجس الدفاع عن الهوية الفرعية لا الهوية الوطنية الأصلية. حين تغدو القومية أو الطائفة هي الهوية الأصلية، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، لا يعود للوطن معنى ينطبق على المواطنين كلهم، وليس للمصالح والمصائر والذاكرة والثقافة والتاريخ المشترك أثر في بناء الدولة. تختفي عندئذ المواطنة خلف الانتماء القومي أو الطائفي، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن. يغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها مشروط بولاء مواز أو سابق للجماعة، ومثل هذا الوضع لا يسمح ببناء عقد اجتماعي يجتمع عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية القومية أو الطائفية، وتختزل الهوية الوطنية فيها، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بأبناء بلده. يصبح الوطن ساحة صراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المشتركة.
تفشت في جيلنا، والجيل الذي سبقنا اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي قبل أن ينتمي لوطنه ينتمي إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية المنضوية في محوره، أو إلى الصين والدول الاشتراكية التي تدور في فلكها. وكان القومي العربي، قبل أن ينتمي لوطنه، ينتمي إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية، وزعيمها جمال عبد الناصر، الذي كان أكثر الحكام العرب براعة في تجييش الجماهير، وأمهرهم في ابتكار الشعارات الصاخبة. وأخيرًا، صار من ينتمي إلى الإسلام السياسي ينتمي إلى الدول الدينية، كل على وفق مرجعيته المذهبية، لا على وفق انتمائه الوطني.
اضطرابات الهوية السياسية عشتها بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيّلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يشكّل الهوية الأصلية للإنسان، وأن العقيدة قائمة في فراغ، بلا أرض ولا تاريخ ولا مجتمع، فاختلط علينا معنى الإعتقاد الديني بمعنى الانتماء السياسي، وتماهت العقيدة مع المشروع الأيديولوجي، حتى غدت بديلاً عن الوطن، وملاذًا نفسيًا يعوّض الهوية الوطنية الهشة. في أفق هذا الوعي المأزوم لم نرَ أنفسنا أبناء أرض محددة ولا شركاء في مصير جماعي، بل جنودًا في فكرة عابرة للحدود تستمد معناها من نصوص مؤدلجة أكثر مما تستمده من خبرة العيش المشترك على أرض واحدة. لم يكن هذا الاضطراب حالة فردية، إذ ولّدته بنى فكرية رأت في العقيدة هوية مكتفية بذاتها، ورأت في الوطن كيانًا طارئًا، فتجلى في خطاب يقدم الولاء الأيديولوجي على الانتماء الوطني، في فضاء وعي سياسي يتعامل مع المختلف بوصفه خصمًا وجوديًا لا شريكًا في المصالح والمصائر، كما ظهر في تصور الدولة أداة مؤقتة لخدمة المشروع العقائدي لا إطارًا جامعًا لكرامة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم، وبرز أيضًا في انتقال بعض الأفراد بين أيديولوجيات متناقضة دون مراجعة نقدية عميقة، لأن الهوية عندهم لم تتأسس على تجربة إنسانية حيّة، وإنما على حاجة نفسية إلى اليقين والانتماء.
يتجلى هذا الاضطراب كذلك حين يُختزل الصراع السياسي في ثنائيات مغلقة من نوع الإيمان والكفر أوالخير والشر أو الحق والباطل، فيغيب النظر للسياسة بوصفها ظواهر إنسانية مركبة معقدة تتصارع فيها شبكات مصالح متضادة. ولا ينظر للسياسة بوصفها فن إدارة الاختلاف، وضمان المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين، فيتحول الخصم السياسي إلى عدو أخلاقي، وتغدو الدولة ساحة صراع، لا فضاء تعاقديًا يضمن الحقوق والحريات ويصون التعدد. حين يختلط المقدس بالسياسي، وتُنزَع الديانة من معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، يتعمّق الاغتراب، ويضيع الإنسان في يقين مغلق وهوية مضطربة. لا تستقيم الهوية السياسية إلا حين تُبنى على مركزية الإنسان وكرامته وحقوقه، وحين يُعاد الدين إلى أفقه الوجودي بوصفه أفقًا روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا للمعنى، وتُعاد السياسة إلى معناها الوطني، ويُفهم الوطن بوصفه النصاب الضامن للعيش المشترك، لا ميدانًا لتصفية العقائد.
لم نكن ننتمي إلى الأوطان بوصفها أرضًا حيّة تتشكّل فيها الثقافة والذاكرة والهوية الوطنية، ويتراكم فيها التاريخ، وتلتقي فيها المصالح، وتُنسَج فيها المصائر المشتركة التي توحّدنا مع أبناء وطننا الذين نتقاسم معهم العيش اليومي وهموم الحياة وآفاق المستقبل. كان انتماؤنا يتجه إلى أيديولوجيا سياسية عابرة للجغرافيا والتاريخ والذاكرة والثقافة واللغة، منفصلة عن المصالح الفعلية والمصير المشترك لأبناء الوطن، حتى انقلب معيار القرب والبعد، وصار من يعتنق هذه الأيديولوجيا، وإن كان في أقصى الأرض، أقرب إلينا وجدانيًا ورمزيًا وروحيًا وأخلاقيًا من ابن الوطن الذي نشترك معه في الأرض والتاريخ والثقافة والذاكرة والمصالح والمصير الواحد.
جريدة الزوراء العراقية
اضطرابات الهوية السياسية
اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يقصي الوطن لحساب الجماعة، ويحول المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص، محكوم بالعصبية، ومسكون بهاجس الدفاع عن الهوية الفرعية لا الهوية الوطنية الأصلية. حين تغدو القومية
احمد عابر: احتكار الحب.. حين تختصر النجاة في وجه واحد
(لحظة بكاملها من السعادة.. رباه، هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا؟)... فيودور دوستويفسكي من رواية الليالي البيضاء
بهذه الجملة لا يصف دوستويفسكي حبًا مكتملًا، بل لحظة. لحظة وحيدة، مكتفية بذاتها، تكاد تغني عن عمر كامل. ليست وعدا بالمستقبل، ولا امتلاكا للآخر، بل حضورا مكثفا إلى حد أن الزمن نفسه يتقلص داخلها.
السعادة هنا لا تقاس بالاستمرار، بل بالكثافة. وكأن الحب، في أصفى حالاته، لا يطلب الدوام، بل الاكتمال. هذا المعنى يضع الحب خارج السرد الرومانسي التقليدي، ويقرّبه من تجربة وجودية مركزة: الحب ليس ما يمتد، بل ما يحدث. ليس مشروع حياة، بل لحظة يعاد فيها ترتيب المعنى.
لكن هذه اللحظة المكثفة، على صفائها، ليست بالضرورة متجانسة من الداخل. فحتى في أقصى حالات القرب، قد لا يعيش الطرفان الحب بالطريقة نفسها، أو بالإيقاع ذاته. قد يكون أحدهما أكثر انكشافا أو ترددا، بينما يكون الآخر أكثر هدوءا واكتفاء. وهذا الاختلاف لا يضعف اللحظة، بل يكشف طبيعتها الإنسانية:
الحب ليس تطابقًا كاملا، بل تلاقي حالتين غير متماثلتين في نقطة واحدة من الزمن.
هذا التفاوت الخفي يضيف بعدا آخر للحظة الامتلاء: فهي ليست فقط كثيفة، بل هشة أيضا. الكثافة لا تعني الدوام، والامتلاء لا يلغي قابلية الفقد، بل يجعلها أكثر حضورًا في الوعي، وإن لم تُنطق. من هنا، لا يكون الحب فعل امتلاك، بل حالة انتباه قصوى. ليس حركة نحو السيطرة، بل توقف مؤقت عن التشتت. ومع ذلك، ومن قلب هذه الكثافة، ينهض سؤال أخلاقي يتجاوز الرومانسية:
هل الحب احتكار؟.. وهل يحق للمحب أن يطلب من الآخر أن يحبه لا سواه؟.. في هذا السياق، يقدم عبد الجبار الرفاعي تفكيكا مهما لفكرة احتكار الحب، حين يشبهها باحتكار الخلاص يوم القيامة لدى بعض الأديان. فكما يختزل النجاة أحيانا في جماعة واحدة، يختزل الحب في شخص واحد بوصفه الممر الوحيد للمعنى. هذا الفهم، كما يشير الرفاعي، يتجاهل أن مراتب الحب تختلف شدة وضعفا، وتتنوع كيفياته. فالحب ليس كتلة صلبة تستحوذ، بل طيف واسع من العلاقات، لكل واحدة مقامها وحدودها.
غير أن هذا الطيف لا يلغي التوتر الذي يلتقطه المتصوفة بدقة. يقول محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية: اعلم أن الحب لا يقبل الاشتراك، فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلًا، لأن القلب لا يسعهما.
عبارة صادمة في ظاهرها، لكنها لا تتعلق بعدد الأشخاص، بل بوحدة المعنى. فالقلب لا يحتمل محبوبين متنازعين، لكنه قد يتسع لوجوه متعددة لمعنى واحد. لذلك يستشهد ابن عربي ببيت ينسب إلى علي بن أبي طالب:
ملك الثلاث الأنسات عناني
وحللن من قلبي بكل مكان
ليبين أن التعدد ممكن حين يكون المعشوق واحدًا في جوهره.
أما أبو حامد الغزالي، فيذهب أبعد في ربط الحب بالانصراف الوجودي، حين يقول في إحياء علوم الدين:
من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر.
هنا يبلغ الحب ذروته بوصفه حالة إقصاء، لا إقصاءً أخلاقيًا للآخرين، بل انشغالًا كاملًا يمنع القلب من التوزّع.
الحب، حين يبلغ أقصاه، يعيد ترتيب العالم كله حول مركز واحد. لكن هذا الانشغال نفسه لا يخلو من توتر إنساني صامت.
فالحب حين يشتد، لا يكتفي بالتركيز، بل يحمل في داخله خوفًا خفيفًا من الفقد، لا يفسد اللحظة، بل يجعلها أكثر صدقا. هنا يتضح الفارق الدقيق بين نوعين من الاحتكار:
الاحتكار بوصفه أنانية وامتلاكا، والاحتكار بوصفه كثافة حضور وانتباه. العالم لا يلغى لأن المحب يكره سواه، بل لأنه، في لحظة الامتلاء، يصبح زائدا عن الحاجة.
هنا يلتقي دوستويفسكي مع ابن عربي والغزالي والرفاعي، رغم تباعد عصورهم: الحب ليس وعدا دائما ولا حقا مكتسبا، بل لحظة امتلاء. قد تكون لحظة واحدة، لكنها قادرة على أن تمنح الحياة معناها. المشكلة لا تبدأ حين نحب شخصا واحدا، بل حين نطالب أن يكون هذا الحب خلاصًا نهائيا، أو معيارا يقصي سائر أشكال القرب الأخرى. في هذا المسار، يصبح الحب اختبارا أخلاقيا دقيقًا:
هل نحب لأننا حاضرون؟ أم لأننا نريد أن نحتكر المعنى؟ وربما، كما قال دوستويفسكي، لا تحتاج حياة الإنسان إلى أكثر من لحظة واحدة من هذا الامتلاء، إذا كانت صادقة بما يكفي.
د. أحمد عابر، طبيب استشاري وأستاذ في كلية طب دبلن.
https://almothaqaf.org/aqlam-2/986040-احمد-عابر-احتكار-الحب-حين-تختصر-النجاة-في-وجه-واحد
(لحظة بكاملها من السعادة.. رباه، هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا؟)... فيودور دوستويفسكي من رواية الليالي البيضاء
بهذه الجملة لا يصف دوستويفسكي حبًا مكتملًا، بل لحظة. لحظة وحيدة، مكتفية بذاتها، تكاد تغني عن عمر كامل. ليست وعدا بالمستقبل، ولا امتلاكا للآخر، بل حضورا مكثفا إلى حد أن الزمن نفسه يتقلص داخلها.
السعادة هنا لا تقاس بالاستمرار، بل بالكثافة. وكأن الحب، في أصفى حالاته، لا يطلب الدوام، بل الاكتمال. هذا المعنى يضع الحب خارج السرد الرومانسي التقليدي، ويقرّبه من تجربة وجودية مركزة: الحب ليس ما يمتد، بل ما يحدث. ليس مشروع حياة، بل لحظة يعاد فيها ترتيب المعنى.
لكن هذه اللحظة المكثفة، على صفائها، ليست بالضرورة متجانسة من الداخل. فحتى في أقصى حالات القرب، قد لا يعيش الطرفان الحب بالطريقة نفسها، أو بالإيقاع ذاته. قد يكون أحدهما أكثر انكشافا أو ترددا، بينما يكون الآخر أكثر هدوءا واكتفاء. وهذا الاختلاف لا يضعف اللحظة، بل يكشف طبيعتها الإنسانية:
الحب ليس تطابقًا كاملا، بل تلاقي حالتين غير متماثلتين في نقطة واحدة من الزمن.
هذا التفاوت الخفي يضيف بعدا آخر للحظة الامتلاء: فهي ليست فقط كثيفة، بل هشة أيضا. الكثافة لا تعني الدوام، والامتلاء لا يلغي قابلية الفقد، بل يجعلها أكثر حضورًا في الوعي، وإن لم تُنطق. من هنا، لا يكون الحب فعل امتلاك، بل حالة انتباه قصوى. ليس حركة نحو السيطرة، بل توقف مؤقت عن التشتت. ومع ذلك، ومن قلب هذه الكثافة، ينهض سؤال أخلاقي يتجاوز الرومانسية:
هل الحب احتكار؟.. وهل يحق للمحب أن يطلب من الآخر أن يحبه لا سواه؟.. في هذا السياق، يقدم عبد الجبار الرفاعي تفكيكا مهما لفكرة احتكار الحب، حين يشبهها باحتكار الخلاص يوم القيامة لدى بعض الأديان. فكما يختزل النجاة أحيانا في جماعة واحدة، يختزل الحب في شخص واحد بوصفه الممر الوحيد للمعنى. هذا الفهم، كما يشير الرفاعي، يتجاهل أن مراتب الحب تختلف شدة وضعفا، وتتنوع كيفياته. فالحب ليس كتلة صلبة تستحوذ، بل طيف واسع من العلاقات، لكل واحدة مقامها وحدودها.
غير أن هذا الطيف لا يلغي التوتر الذي يلتقطه المتصوفة بدقة. يقول محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكية: اعلم أن الحب لا يقبل الاشتراك، فلا يصح أن يحب المحب اثنين أصلًا، لأن القلب لا يسعهما.
عبارة صادمة في ظاهرها، لكنها لا تتعلق بعدد الأشخاص، بل بوحدة المعنى. فالقلب لا يحتمل محبوبين متنازعين، لكنه قد يتسع لوجوه متعددة لمعنى واحد. لذلك يستشهد ابن عربي ببيت ينسب إلى علي بن أبي طالب:
ملك الثلاث الأنسات عناني
وحللن من قلبي بكل مكان
ليبين أن التعدد ممكن حين يكون المعشوق واحدًا في جوهره.
أما أبو حامد الغزالي، فيذهب أبعد في ربط الحب بالانصراف الوجودي، حين يقول في إحياء علوم الدين:
من ذاق من خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر.
هنا يبلغ الحب ذروته بوصفه حالة إقصاء، لا إقصاءً أخلاقيًا للآخرين، بل انشغالًا كاملًا يمنع القلب من التوزّع.
الحب، حين يبلغ أقصاه، يعيد ترتيب العالم كله حول مركز واحد. لكن هذا الانشغال نفسه لا يخلو من توتر إنساني صامت.
فالحب حين يشتد، لا يكتفي بالتركيز، بل يحمل في داخله خوفًا خفيفًا من الفقد، لا يفسد اللحظة، بل يجعلها أكثر صدقا. هنا يتضح الفارق الدقيق بين نوعين من الاحتكار:
الاحتكار بوصفه أنانية وامتلاكا، والاحتكار بوصفه كثافة حضور وانتباه. العالم لا يلغى لأن المحب يكره سواه، بل لأنه، في لحظة الامتلاء، يصبح زائدا عن الحاجة.
هنا يلتقي دوستويفسكي مع ابن عربي والغزالي والرفاعي، رغم تباعد عصورهم: الحب ليس وعدا دائما ولا حقا مكتسبا، بل لحظة امتلاء. قد تكون لحظة واحدة، لكنها قادرة على أن تمنح الحياة معناها. المشكلة لا تبدأ حين نحب شخصا واحدا، بل حين نطالب أن يكون هذا الحب خلاصًا نهائيا، أو معيارا يقصي سائر أشكال القرب الأخرى. في هذا المسار، يصبح الحب اختبارا أخلاقيا دقيقًا:
هل نحب لأننا حاضرون؟ أم لأننا نريد أن نحتكر المعنى؟ وربما، كما قال دوستويفسكي، لا تحتاج حياة الإنسان إلى أكثر من لحظة واحدة من هذا الامتلاء، إذا كانت صادقة بما يكفي.
د. أحمد عابر، طبيب استشاري وأستاذ في كلية طب دبلن.
https://almothaqaf.org/aqlam-2/986040-احمد-عابر-احتكار-الحب-حين-تختصر-النجاة-في-وجه-واحد
صحيفة المثقف
احمد عابر: احتكار الحب.. حين تختصر النجاة في وجه واحد
(لحظة بكاملها من السعادة.. رباه، هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا؟)... فيودور دوستويفسكي من رواية الليالي البيضاء
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
هذا تفسير للإختلاف على الهلال في رمضان والحج والأعياد بوصفه اختلافا على من يمتلك الرأسمال الرمزي للسلطة في مجتمعات عالم الإسلام. كتبته قبل سنوات طويلة، ثم أعدت تحريره وجعلته الفصل السابع في كتابي: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"… هذا واحدة من نتائج آفاق الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة التي تفكر فيها كتاباتي في تعريف الدين وقراءة نصوصه وتفسير الظواهر الدينية. دائما أذهب للبنية التحتية والانساق العميقة في تفسير الظواهر.
هذا تفسير للإختلاف على الهلال في رمضان والحج والأعياد بوصفه اختلافا على من يمتلك الرأسمال الرمزي للسلطة في مجتمعات عالم الإسلام. كتبته قبل سنوات طويلة، ثم أعدت تحريره وجعلته الفصل السابع في كتابي: "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"… هذا واحدة من نتائج آفاق الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة التي تفكر فيها كتاباتي في تعريف الدين وقراءة نصوصه وتفسير الظواهر الدينية. دائما أذهب للبنية التحتية والانساق العميقة في تفسير الظواهر.
عيني غانم الغالي الكريم...
رمضان مبارك....
د. عبد الجبار الرفاعي ايقونه من أروع ما يكون....وسطي الطرح والرؤى....
تعرفت على كتاباته من صاحب كشك في شارع الخبوبي بالناصريه قبل ٥ سنوات بعد ان سألني : هل قرأت كتابات الرفاعي ؟ قلت... من هو ...
لا أعرفه...
قال اذن انك لا تعرف شيءا يا عزيزي.... وان لم تقرأ كتاباته فانك لم تقرأ شيءا...!
(انا اخو زناد😀)...
لله درك يا صاحب الكشك ...يالها من نصيحه دريه....🌻
شكري وتحياتي....
عدنان محمد....
تلقيت هذه الرسالة الآن من الصديق الاستاذ غانم جواد المقيم في لندن.
رمضان مبارك....
د. عبد الجبار الرفاعي ايقونه من أروع ما يكون....وسطي الطرح والرؤى....
تعرفت على كتاباته من صاحب كشك في شارع الخبوبي بالناصريه قبل ٥ سنوات بعد ان سألني : هل قرأت كتابات الرفاعي ؟ قلت... من هو ...
لا أعرفه...
قال اذن انك لا تعرف شيءا يا عزيزي.... وان لم تقرأ كتاباته فانك لم تقرأ شيءا...!
(انا اخو زناد😀)...
لله درك يا صاحب الكشك ...يالها من نصيحه دريه....🌻
شكري وتحياتي....
عدنان محمد....
تلقيت هذه الرسالة الآن من الصديق الاستاذ غانم جواد المقيم في لندن.
لا تغير االتوصيفات المراوغة التي يتخذها بعضهم قناعًا لدولة دينية، بوصفها دولة إنسان، أو دولة حضارية، أو أية تسمية أخرى جذابة، من مضمون الدولة الدينية، مادامت تعتمد على مقولات علم الكلام القديم وأحكام الفقه التي تنفي الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين.
فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة. تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها. سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها.
بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=384068
فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة. تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها. سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها.
بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.
https://alzawraapaper.com/content.php?id=384068
جريدة الزوراء العراقية
المـــواطنة شـــراكة متـــكافئة
مفهوم laquoمسلمraquo الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم laquoمواطنraquo الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة
المواطنة شراكة متكافئة
د. عبد الجبار الرفاعي
مفهوم "مسلم" الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم "مواطن" الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي "الخليفة" حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.
المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم "المجتمع" بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم "الأمة" في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.
سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.
ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
د. عبد الجبار الرفاعي
مفهوم "مسلم" الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم "مواطن" الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي "الخليفة" حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.
المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم "المجتمع" بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم "الأمة" في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.
سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.
ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
جريدة الزوراء العراقية
المـــواطنة شـــراكة متـــكافئة
مفهوم laquoمسلمraquo الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم laquoمواطنraquo الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة
تصلني أسئلة من قرّاء مختلفين تسأل عن: ما هو أفضل تفسير نعتمد عليه في فهم القرآن الكريم، ونثق بآرائه ثقةً مطلقة؟ ودائمًا أكرّر هذا الجواب: تعامل مع القرآن بنفسك، كي تتعرّف على الله، وتتواصل معه مباشرة، وتتذوّق بهجة لقائه. القرآن خطاب مباشر لك ولكل إنسان، وليس خطابًا خاصًا للمفسّرين. لو لم تتضح لك بعض الكلمات، يمكنك معرفة المعنى اللغوي لها بالعودة إلى معاجم اللغة العربية. العودة للمفسّرين في فهم كل آية في القرآن ضربٌ من تعطيل التواصل مع الله بلا حجب وقناعات يفرضها المفسّرون على فهمك، فيمنعك ذلك من اللقاء المباشر بالله. ليس هناك تفسير يمكّنك من هذا اللقاء، وليس هناك طريق إلى الله يقودك فيه المفسّر، التفاسير اجتهادات بشرية في فهم الآيات، تتنوّع تبعًا لتنوّع اتجاهات المفسّرين واختلاف معتقداتهم ومذاهبهم، وعصورهم، وثقافاتهم، وآفاق انتظارهم من الآيات. القرآن الكريم يخاطب كل الناس، ولم يخاطب المفسرين فقط. قراءة آيات الغيب في القرآن في سياق قراءة المفسرين غالبا ما تنتج حجابًا على القلب. آيات الغيب يقرأها القلب ويتذوقها قبل العقل…. القرآن يمكن أن يستمع فيه كل إنسان سليم القلب لصوت الله، إنه خطاب للإنسان وليس للمفسرين والمعجميين أو غيرهما خاصة. يمكن أن ينصت لصوت الله فيه كل إنسان، ويتذوق إلهاماته على شاكلته. "أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا"، الرعد 17.
#عبدالجبار_الرفاعي
#تفسير_القرآن  
#عبدالجبار_الرفاعي
#تفسير_القرآن  
فكر عبد الجبار الرفاعي، يتحدث عنه: د. مظفر الربيعي في برنامج الحياة سطور، على قناة العراقية، الذي يقدمه: مؤيد جاسم، ويعده: حيدر ناشي.
https://youtube.com/watch?v=FZua01LfDoM&si=OQ0tyb8OzOap_k0T
https://youtube.com/watch?v=FZua01LfDoM&si=OQ0tyb8OzOap_k0T
YouTube
الحياة سطور مع مؤيد جاسم | الضيف: د. مظفر الربيعي - باحث اسلامي
شبكة الإعلام العراقي - قناة العراقية العامة
اشترك في القناة الرسمية لقناة العراقية العامة: https://www.youtube.com/imngeneral
للمزيد تابعونا على موقعنا الرسمي: http://www.imn.iq
-------------------------
تابعنا على شبكات التواصل الاجتماعي:
Official Website…
اشترك في القناة الرسمية لقناة العراقية العامة: https://www.youtube.com/imngeneral
للمزيد تابعونا على موقعنا الرسمي: http://www.imn.iq
-------------------------
تابعنا على شبكات التواصل الاجتماعي:
Official Website…
عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة
د. محمود محمد علي شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير “عبد الجبار الرفاعي”، عددًا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل: ”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، ”القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، “الإيمان الجمالي”، وغيرها. إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.
من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف على وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: “ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدًا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. فمفهوم الإنسان” بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس. لكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفًا جامعًا مانعًا بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. المفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته.
وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي: المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، “الإيمان الجمالي”، وغيرها. وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل على شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة واضحة تدل على معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلى تقدم المعرفة عند ربطها بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلى سواء السبيل عندما يسلك المرء على أساسه. أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطًا غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكًا لشخص أضله لأنه لا يهدي إلى شيء ولا يدل على شيء. علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة” لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديدًا يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضاريًا وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة… وللحديث بقية.
د. محمود محمد علي شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير “عبد الجبار الرفاعي”، عددًا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل: ”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، ”القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، “الإيمان الجمالي”، وغيرها. إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.
من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف على وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: “ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدًا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. فمفهوم الإنسان” بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس. لكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفًا جامعًا مانعًا بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. المفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته.
وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي: المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، “الإيمان الجمالي”، وغيرها. وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل على شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة واضحة تدل على معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلى تقدم المعرفة عند ربطها بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلى سواء السبيل عندما يسلك المرء على أساسه. أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطًا غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكًا لشخص أضله لأنه لا يهدي إلى شيء ولا يدل على شيء. علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة” لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديدًا يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضاريًا وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة… وللحديث بقية.
Al-Aalem
عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة
شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير “عبد الجبار الرفاعي”، عددًا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل: ”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، ”القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”،…
عبد الرحمن مزيان: حين نقرأ لنفهم أنفسنا
وأنا أعيد قراءة كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة فصل من سيرة كاتب" أدركت مرة أخرى أن بعض الكتب لا تُقرأ مرة واحدة. فهناك كتب نقرأها وقد لا نكمل قراءتها، فتبقى حبيسة رفوفنا، وهناك كتب تشدنا، نتذوق معانيها، فنعود إليها لأننا نجد فيها أنفسنا. القراءة الحقيقية ليست مجرد استمتاع بما يكتبه الكاتب، ولا مجرد وسيلة لتحسين الرصيد اللغوي، بل هي لحظة يلتقي فيها الإنسان بتجارب الآخرين ليعيد النظر في تجربته هو. في لحظات القراءة العميقة لا نكتشف أفكار الكاتب فقط، بل نكتشف شيئًا من ذواتنا نحن، وكأن النص يتحول إلى مرآة نرى فيها مسارنا الإنساني بوضوح أكبر. لهذا يكتب الدكتور عبد الجبار الرفاعي عبارة عميقة تختصر طبيعة التجربة الإنسانية حين يقول: "حياةُ كلّ إنسان قصةٌ، بل سلسلةُ قصصٍ لا تكرّرها حياةُ إنسانٍ آخر. " بهذه الكلمات الوازنة يذكّرنا الرفاعي بأن الإنسان لا يمكن أن يكون نسخة من غيره. قد نتعلم من تجارب الآخرين، ونستلهمها، لكننا لا نستطيع أن ننسخها؛ لأن حياة كل إنسان تتشكل من شبكة معقدة من التجارب والاختيارات والأسئلة واللقاءات التي لا تتكرر بالطريقة نفسها عند شخصين. لهذا لا تكون القراءة الحقيقية استهلاكًا للنصوص، بل حوارًا حيًا مع التجربة الإنسانية. الكتاب الجيد لا يقدّم للقارئ طريقًا جاهزًا للحياة، بل يوقظ فيه القدرة على أن يرى طريقه هو بوضوح أكبر. غير أن هذا النوع من القراءة لا يتحقق تلقائيًا؛ لأنه يتطلب يقظةً للعقل، واستعدادًا للتأمل الصبور. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التفسيرات الجاهزة التي تعفيه من عناء التفكير. لذلك ينبه الرفاعي إلى هذه الحقيقة حين يقول: "ليس كلُّ إنسان قادرًا على إيقاظ عقله ثم توظيفه في الفهم… العقلُ النائم مرتاح، الإنسانُ كسولٌ يزعجُه إيقاظُ عقله، فيلجأ بسهولة لاستعارة التفسيرات الجزافية المتداولة." في هذه الكلمات يضع الرفاعي إصبعه على مشكلة معرفية عميقة في الثقافة الإنسانية: كثير من الناس يميلون إلى الأفكار الجاهزة لأنها لا تتطلب جهدًا في التفكير. العقل بطبيعته يبحث أحيانًا عن الطريق الأقصر إلى الفهم، حتى لو كان فهمًا سطحيًا. وهذا الميل يبدو اليوم أكثر وضوحًا في عصر التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الحصول على الإجابات سريعًا وسهلًا، مما قد يغري الإنسان بالاكتفاء بالنتائج دون خوض مشقة السؤال والتأمل. غير أن القراءة التي توقظ العقل تفعل العكس تمامًا؛ فهي لا تمنح القارئ راحة الإجابات السريعة، بل تدعوه إلى مراجعة ما اعتاده من تصورات وأحكام. إنها قراءة تزعج الإنسان قليلًا، لأنها تحرّك في داخله أسئلة لم يكن يفكر فيها من قبل، وتدعوه إلى إعادة بناء فهمه للعالم. لهذا تبقى القراءة العميقة فعلًا مقاومًا للكسل الفكري، لأنها تدرب العقل على التفكير البطيء المتأمل، لا على الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة. لا تكون القراءة الحقيقية مجرد فعلٍ ذهنيّ عابر، بل هي في جوهرها فعلٌ تربويّ يوقظ الإنسان من سكون العادة. القراءة التي تصنع أثرًا لا تكتفي بملء الذاكرة بالمعلومات، بل تدرب العقل على السؤال، وتعوّد الإنسان على التأمل الصبور، وتدعوه إلى مراجعة المسلمات التي اعتادها دون تمحيص.
من هنا تبدأ المعرفة الحقيقية: حين ينتقل الإنسان من ترديد الأفكار إلى فهمها، ومن استهلاك المعاني الجاهزة إلى إنتاج معنى خاص يتشكل عبر التفكير والتجربة. في هذه اللحظة بالذات يتفتح ما يمكن أن نسميه الوعي النقدي؛ ذلك الوعي الذي لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يحاورها، ويفحصها، ويعيد بناءها في ضوء العقل والتجربة. تلتقي القراءة هنا بالفلسفة؛ لأن الفلسفة في جوهرها ليست تكديسًا للمعرفة، بل فنّ السؤال، والقدرة على النظر إلى العالم بعين متسائلة لا تقبل المسلمات بسهولة. ولهذا تصبح القراءة الحية تمرينًا دائمًا على اليقظة الفكرية، وعلى بناء عقلٍ قادرٍ على الفهم لا الاكتفاء بالترديد. "القراءة التي لا توقظ السؤال في العقل، لا تستطيع أن توقظ المعنى في الحياة"، يقول الرفاعي. غير أن الوعي وحده لا يكفي، ما لم يصحبه ضمير أخلاقي يقظ. المعرفة التي لا يرافقها حس إنساني قد تتحول إلى أداة للهيمنة أو التبرير. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بأن الثقافة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، حين يقول: "ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا." الكاتب، كما يفهمه الرفاعي، لا يكتب بعقله فقط، بل يكتب بضميره أيضًا. والضمير الأخلاقي لا يكون انتقائيًا، بل إنسانيًا في جوهره؛ لذلك يؤكد: "الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان." بهذا المعنى تصبح القراءة والكتابة جزءًا من مسؤولية الإنسان تجاه العالم. الكلمات ليست مجرد أدوات للتعبير، بل يمكن أن تكون وسيلة للدفاع عن الإنسان وعن كرامته.
وأنا أعيد قراءة كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة فصل من سيرة كاتب" أدركت مرة أخرى أن بعض الكتب لا تُقرأ مرة واحدة. فهناك كتب نقرأها وقد لا نكمل قراءتها، فتبقى حبيسة رفوفنا، وهناك كتب تشدنا، نتذوق معانيها، فنعود إليها لأننا نجد فيها أنفسنا. القراءة الحقيقية ليست مجرد استمتاع بما يكتبه الكاتب، ولا مجرد وسيلة لتحسين الرصيد اللغوي، بل هي لحظة يلتقي فيها الإنسان بتجارب الآخرين ليعيد النظر في تجربته هو. في لحظات القراءة العميقة لا نكتشف أفكار الكاتب فقط، بل نكتشف شيئًا من ذواتنا نحن، وكأن النص يتحول إلى مرآة نرى فيها مسارنا الإنساني بوضوح أكبر. لهذا يكتب الدكتور عبد الجبار الرفاعي عبارة عميقة تختصر طبيعة التجربة الإنسانية حين يقول: "حياةُ كلّ إنسان قصةٌ، بل سلسلةُ قصصٍ لا تكرّرها حياةُ إنسانٍ آخر. " بهذه الكلمات الوازنة يذكّرنا الرفاعي بأن الإنسان لا يمكن أن يكون نسخة من غيره. قد نتعلم من تجارب الآخرين، ونستلهمها، لكننا لا نستطيع أن ننسخها؛ لأن حياة كل إنسان تتشكل من شبكة معقدة من التجارب والاختيارات والأسئلة واللقاءات التي لا تتكرر بالطريقة نفسها عند شخصين. لهذا لا تكون القراءة الحقيقية استهلاكًا للنصوص، بل حوارًا حيًا مع التجربة الإنسانية. الكتاب الجيد لا يقدّم للقارئ طريقًا جاهزًا للحياة، بل يوقظ فيه القدرة على أن يرى طريقه هو بوضوح أكبر. غير أن هذا النوع من القراءة لا يتحقق تلقائيًا؛ لأنه يتطلب يقظةً للعقل، واستعدادًا للتأمل الصبور. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التفسيرات الجاهزة التي تعفيه من عناء التفكير. لذلك ينبه الرفاعي إلى هذه الحقيقة حين يقول: "ليس كلُّ إنسان قادرًا على إيقاظ عقله ثم توظيفه في الفهم… العقلُ النائم مرتاح، الإنسانُ كسولٌ يزعجُه إيقاظُ عقله، فيلجأ بسهولة لاستعارة التفسيرات الجزافية المتداولة." في هذه الكلمات يضع الرفاعي إصبعه على مشكلة معرفية عميقة في الثقافة الإنسانية: كثير من الناس يميلون إلى الأفكار الجاهزة لأنها لا تتطلب جهدًا في التفكير. العقل بطبيعته يبحث أحيانًا عن الطريق الأقصر إلى الفهم، حتى لو كان فهمًا سطحيًا. وهذا الميل يبدو اليوم أكثر وضوحًا في عصر التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الحصول على الإجابات سريعًا وسهلًا، مما قد يغري الإنسان بالاكتفاء بالنتائج دون خوض مشقة السؤال والتأمل. غير أن القراءة التي توقظ العقل تفعل العكس تمامًا؛ فهي لا تمنح القارئ راحة الإجابات السريعة، بل تدعوه إلى مراجعة ما اعتاده من تصورات وأحكام. إنها قراءة تزعج الإنسان قليلًا، لأنها تحرّك في داخله أسئلة لم يكن يفكر فيها من قبل، وتدعوه إلى إعادة بناء فهمه للعالم. لهذا تبقى القراءة العميقة فعلًا مقاومًا للكسل الفكري، لأنها تدرب العقل على التفكير البطيء المتأمل، لا على الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة. لا تكون القراءة الحقيقية مجرد فعلٍ ذهنيّ عابر، بل هي في جوهرها فعلٌ تربويّ يوقظ الإنسان من سكون العادة. القراءة التي تصنع أثرًا لا تكتفي بملء الذاكرة بالمعلومات، بل تدرب العقل على السؤال، وتعوّد الإنسان على التأمل الصبور، وتدعوه إلى مراجعة المسلمات التي اعتادها دون تمحيص.
من هنا تبدأ المعرفة الحقيقية: حين ينتقل الإنسان من ترديد الأفكار إلى فهمها، ومن استهلاك المعاني الجاهزة إلى إنتاج معنى خاص يتشكل عبر التفكير والتجربة. في هذه اللحظة بالذات يتفتح ما يمكن أن نسميه الوعي النقدي؛ ذلك الوعي الذي لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يحاورها، ويفحصها، ويعيد بناءها في ضوء العقل والتجربة. تلتقي القراءة هنا بالفلسفة؛ لأن الفلسفة في جوهرها ليست تكديسًا للمعرفة، بل فنّ السؤال، والقدرة على النظر إلى العالم بعين متسائلة لا تقبل المسلمات بسهولة. ولهذا تصبح القراءة الحية تمرينًا دائمًا على اليقظة الفكرية، وعلى بناء عقلٍ قادرٍ على الفهم لا الاكتفاء بالترديد. "القراءة التي لا توقظ السؤال في العقل، لا تستطيع أن توقظ المعنى في الحياة"، يقول الرفاعي. غير أن الوعي وحده لا يكفي، ما لم يصحبه ضمير أخلاقي يقظ. المعرفة التي لا يرافقها حس إنساني قد تتحول إلى أداة للهيمنة أو التبرير. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بأن الثقافة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، حين يقول: "ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا." الكاتب، كما يفهمه الرفاعي، لا يكتب بعقله فقط، بل يكتب بضميره أيضًا. والضمير الأخلاقي لا يكون انتقائيًا، بل إنسانيًا في جوهره؛ لذلك يؤكد: "الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان." بهذا المعنى تصبح القراءة والكتابة جزءًا من مسؤولية الإنسان تجاه العالم. الكلمات ليست مجرد أدوات للتعبير، بل يمكن أن تكون وسيلة للدفاع عن الإنسان وعن كرامته.
صحيفة المثقف
عبد الرحمن مزيان: حين نقرأ لنفهم أنفسنا
فصل من سيرة عبد الجبار الرفاعي في القراءة والكتابة
غير أن الكتابة التي تحمل معنى لا تقوم على العقل وحده، كما أنها لا تقوم على العاطفة وحدها. الكلمة التي تلامس الإنسان هي تلك التي تنبع من توازن دقيق بين التفكير العميق والحس الإنساني الحي. لهذا يشير الرفاعي إلى أن الكتابة المشبعة بالمعنى ينبغي ألا تهدر مرجعية العقل، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تُفرغ الحياة من بعدها الروحي. في هذا السياق يكتب: "الكتابةُ المشبَعة بالمعنى يجب ألا تهدر مرجعية العقل، مثلما ينبغي أن تملأ الروحَ بالسلام الذي يفتش عنه الإنسان." بهذه العبارة يضع الرفاعي معيارًا دقيقًا للكتابة ذات المعنى: أن تكون وفية للعقل في بحثه عن الحقيقة، وأن تكون في الوقت نفسه قادرة على أن تمنح الإنسان أفقًا روحيًا يتجاوز ضيق الحياة اليومية. الإنسان لا يعيش بالعقل وحده، كما لا يعيش بالمادة وحدها. إنه يبحث دائمًا عن معنى أوسع لحياته، معنى يحرره من الاختناق بسطحية العالم المادي، ويفتح أمامه أفقًا أرحب للتأمل والسكينة. من هنا نفهم لماذا وصف الرفاعي الكتابة بأنها مخاض، الكاتب لا يكتب ما يعرفه فقط، بل يكتب ما عاشه وتأمله وتحوّل في أعماقه إلى معنى. الكتابة ليست مجرد مهارة لغوية، بل هي محاولة لترتيب العالم الداخلي في كلمات يمكن أن تصل إلى الآخرين. مع مرور الزمن تتغير نظرة الإنسان إلى العالم، لأن التجربة نفسها تعيد تشكيل وعيه. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية عميقة حين يقول: "الوعي يتطور، التجارب تعلّم الإنسان، الجروح توقظ الإنسان، العالم يتغيّر، والإنسان يتغيّر." ربما لهذا السبب تحديدًا نعود إلى بعض الكتب مرة أخرى. فالكتاب لا يتغير، لكن القارئ يتغير. ومع كل قراءة جديدة يكتشف الإنسان في النص معنى لم يكن يراه من قبل، وكأن الكتاب نفسه يتسع كلما اتسعت تجربة القارئ. هكذا تتحول القراءة، في معناها العميق، من متابعة صفحات إلى تجربة إنسانية حيّة. فالإنسان حين يقرأ لا يكتفي بمعرفة ما يفكر فيه الآخرون، بل يكتشف شيئًا من ذاته هو. ومع كل كتاب يلتقي بتجربة إنسانية جديدة، ومع كل تجربة يعيد النظر في مسار حياته وأسئلته ومعانيه. ربما لهذا السبب لا تنتهي علاقتنا بالكتب عند قراءة واحدة. فنحن نعود إليها لأننا نعود إلى أنفسنا، ولأن وعينا يتغير مع الزمن، فتتكشف لنا في النصوص معانٍ لم نكن نراها من قبل. يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية بسيطة لكنها عميقة حين يقول: "لن تموت القراءةُ والكتابة مادام الإنسانُ بحاجة إلى التعلّم واكتساب المعرفة وإنتاج معنى لحياته." الإنسان سيظل دائمًا يبحث عن معنى لحياته، وسيظل يجد في الكتب أحد الطرق الجميلة لهذا البحث. ولهذا ليست القراءة هروبًا من الحياة، بل طريقة لفهمها بعمق أكبر. حين نقرأ كتابًا من هذا النوع لا نشعر أننا أمام نص مغلق، بل أمام تجربة إنسانية مفتوحة تدعونا إلى التفكير. وكأن الكاتب لا يقدم لنا أجوبة جاهزة، بل يضع بين أيدينا خيطًا رفيعًا من المعنى، ويدعونا إلى أن ننسج منه قصتنا نحن. هكذا تصبح القراءة، في أعمق معانيها، رحلة لفهم الإنسان، الإنسان الذي يبدأ بفهمه هو دائمًا نفسه.
https://almothaqaf.org/readings-2/986466
https://almothaqaf.org/readings-2/986466
صحيفة المثقف
عبد الرحمن مزيان: حين نقرأ لنفهم أنفسنا
فصل من سيرة عبد الجبار الرفاعي في القراءة والكتابة
عبدالجبار الرفاعي يجمع بين معرفة القديم، وفي الوقت ذاته خبير في الفكر الحديث.
علي الشدوي
من بعثنا من مرقدنا ... ( يس ، 52). يوفق العلماء بين نصوص عذاب القبر. ويرون أن الآية محتملة المعنى ، وليست نصا في عذاب القبر؛ والقاعدة الأصولية هي نص محتمل الدلالة لا يعارِض نصوصا قطعية واضحة. هنا يظهر الإشكال بوضوح؛ إذ إن قطعية عذاب القبر لم تستند إلى دليل قرآني صريح، بل استندت إلى بناء استدلالي تراكمي قوامه أحاديث آحاد صحيحة الإسناد، وتأويلات مخصوصة لآيات محتملة. القرآن هو المصدر الأول، لكنه لا يتضمن نصا مباشرا غير قابل للتأويل على عذاب يقع بين الموت والبعث، بل يقدم توصيفا عاما للبرزخ، والزمن، والبعث، بلغة تسمح بقراءات متعددة، منها هذه الآية.
ويبدو لي أن هذه القاعدة (نص محتمل الدلالة لا يعارض نصوصا قطعية محتملة) تعمل ابوصفها آلية تحصين، فهي تصنف الآية فورا كمحتملة، وترفع الأحاديث إلى مرتبة القطعي لا بذاتها، بل بإجماع لاحق على معناها، فيصبح الخلاف ليس مع الآية، بل مع الإجماع المؤوِّل. وبهذا تنتقل القطعية من كونها خاصية دلالية إلى وضعٍ معياري يمنع إعادة السؤال: هل العذاب حسي أم معنوي؟ دائم أم منقطع؟ عام أم خاص؟
لا تحل هذه القاعدة التعارض بقدر ما تجمده، وتمنع إمكان قراءة قرآنية مختلفة للبرزخ، ليس لأنها قراءة غير صحيحة، بل لأنها تربك العقيدة المستقرة. فاستخدام هذه القاعدة في عذاب القبر ليس ضرورة عقلية، بل قرارا منهجيا اختار اليقين التراثي على الانفتاح الدلالي.
علاوة على ذلك فهي ليست قاعدة عقلية خالصة. هي منهج ترجيحي بُني بعد وقوع التعارض ظاهريا، لا قبله. نقدها يبدأ من أن وصف النص بالقطعي أو المحتمل ليس معطى موضوعيا دائما، بل حكم اجتهادي يتأثر باللغة، والسياق، والنسق العقدي المسبق؛ فكثير من النصوص التي وصفت بالقطعية في التراث كانت في حقيقتها قطعية عند مذهب، ظنية عند آخر.
ثم إن هذه القاعدة تفترض أن التعارض لا يمكن أن يكون إلا ظاهريا، وتغلق منذ البداية احتمال أن يكون الفهم الموروث للنص القطعي نفسه محل مراجعة، فتحول القطع من خاصية للنص إلى حصانة للتفسير. كما أنها تعمل بوصفها أداة لحسم الخلاف لا لتحريره، إذ تستدعى بعد تشكل الموقف العقدي لتبرير استبعاده للقراءة البديلة، لا لاستكشاف إمكاناتها الدلالية.
لذلك فالقيمة المنهجية للقاعدة ليست في كونها حقيقة أصولية، بل في كونها اختيارا إبستمولوجيا يقدم استقرار العقيدة على المخاطرة التأويلية، وهو اختيار مفهوم تاريخيا، لكنه قابل للنقد عقليا وغير ملزِم فلسفيا. ما أريد قوله لا يتعلق بمعنى الآية، ولا عذاب القبر ؛ بل بحاجة القواعد الأصولية إلى إعادة قراءتها من منظور أبستمولوجي، لعل الدكتور عبدالجبار الرفاعي يجد وقتا فهو الأقدر على فعل ذلك؛ لأنه يجمع بين معرفة القديم، وفي الوقت ذاته خبير في الفكر الحديث.
https://www.facebook.com/share/p/1CZ5QbDqw5/?
علي الشدوي
من بعثنا من مرقدنا ... ( يس ، 52). يوفق العلماء بين نصوص عذاب القبر. ويرون أن الآية محتملة المعنى ، وليست نصا في عذاب القبر؛ والقاعدة الأصولية هي نص محتمل الدلالة لا يعارِض نصوصا قطعية واضحة. هنا يظهر الإشكال بوضوح؛ إذ إن قطعية عذاب القبر لم تستند إلى دليل قرآني صريح، بل استندت إلى بناء استدلالي تراكمي قوامه أحاديث آحاد صحيحة الإسناد، وتأويلات مخصوصة لآيات محتملة. القرآن هو المصدر الأول، لكنه لا يتضمن نصا مباشرا غير قابل للتأويل على عذاب يقع بين الموت والبعث، بل يقدم توصيفا عاما للبرزخ، والزمن، والبعث، بلغة تسمح بقراءات متعددة، منها هذه الآية.
ويبدو لي أن هذه القاعدة (نص محتمل الدلالة لا يعارض نصوصا قطعية محتملة) تعمل ابوصفها آلية تحصين، فهي تصنف الآية فورا كمحتملة، وترفع الأحاديث إلى مرتبة القطعي لا بذاتها، بل بإجماع لاحق على معناها، فيصبح الخلاف ليس مع الآية، بل مع الإجماع المؤوِّل. وبهذا تنتقل القطعية من كونها خاصية دلالية إلى وضعٍ معياري يمنع إعادة السؤال: هل العذاب حسي أم معنوي؟ دائم أم منقطع؟ عام أم خاص؟
لا تحل هذه القاعدة التعارض بقدر ما تجمده، وتمنع إمكان قراءة قرآنية مختلفة للبرزخ، ليس لأنها قراءة غير صحيحة، بل لأنها تربك العقيدة المستقرة. فاستخدام هذه القاعدة في عذاب القبر ليس ضرورة عقلية، بل قرارا منهجيا اختار اليقين التراثي على الانفتاح الدلالي.
علاوة على ذلك فهي ليست قاعدة عقلية خالصة. هي منهج ترجيحي بُني بعد وقوع التعارض ظاهريا، لا قبله. نقدها يبدأ من أن وصف النص بالقطعي أو المحتمل ليس معطى موضوعيا دائما، بل حكم اجتهادي يتأثر باللغة، والسياق، والنسق العقدي المسبق؛ فكثير من النصوص التي وصفت بالقطعية في التراث كانت في حقيقتها قطعية عند مذهب، ظنية عند آخر.
ثم إن هذه القاعدة تفترض أن التعارض لا يمكن أن يكون إلا ظاهريا، وتغلق منذ البداية احتمال أن يكون الفهم الموروث للنص القطعي نفسه محل مراجعة، فتحول القطع من خاصية للنص إلى حصانة للتفسير. كما أنها تعمل بوصفها أداة لحسم الخلاف لا لتحريره، إذ تستدعى بعد تشكل الموقف العقدي لتبرير استبعاده للقراءة البديلة، لا لاستكشاف إمكاناتها الدلالية.
لذلك فالقيمة المنهجية للقاعدة ليست في كونها حقيقة أصولية، بل في كونها اختيارا إبستمولوجيا يقدم استقرار العقيدة على المخاطرة التأويلية، وهو اختيار مفهوم تاريخيا، لكنه قابل للنقد عقليا وغير ملزِم فلسفيا. ما أريد قوله لا يتعلق بمعنى الآية، ولا عذاب القبر ؛ بل بحاجة القواعد الأصولية إلى إعادة قراءتها من منظور أبستمولوجي، لعل الدكتور عبدالجبار الرفاعي يجد وقتا فهو الأقدر على فعل ذلك؛ لأنه يجمع بين معرفة القديم، وفي الوقت ذاته خبير في الفكر الحديث.
https://www.facebook.com/share/p/1CZ5QbDqw5/?
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
"مالك بن نبي: هاجس الهوية والصراع الحضاري". تحليل نقدي لفكر #مالك_بن_نبي، في كتاب: "مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث".
عبد_الجبار_الرفاعي_وتجديد_الفكر_الديني_رؤية_نقدية_لمعاجلة_التطرف.pdf
439 KB
عبد الجبار الرفاعي وتجديد الفكر الديني: رؤية نقدية لمعاجلة التطرف والإرهاب - كاظم عبد النبي لعيبي، أ. د. علي عبد الهادي المرهج - بحث في مجلة آداب المستنصرية، المجلد 49، العدد 112، 375 - 383. مرفق نسخة PDF من البحث.