عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
726 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
من مكاسب الذكاء الاصطناعي
من مكاسب الذكاء الاصطناعي
د. عبد الجبار الرفاعي
مكاسب الذكاء الاصطناعي التوليدي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، إذ يمثل هذا الذكاء منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما يكون الأعظم في تاريخ تطور التكنولوجيا، من حيث آثاره المتنوعة في مجالات الحياة المتنوعة، منذ اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.
بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لبلادنا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمّق اغترابنا عن العصر.
من مكاسب الذكاء الاصطناعي تطوير التربية والتعليم بوصفه تحولًا في معنى التعلم ذاته، إذ ينتقل التعليم من نموذج التلقين إلى تجربة شخصية تتكيف مع شخصية المتعلم واستعداده وطرائق فهمه، فيتيح مسارات تعليمية مرنة تعالج الفجوات المعرفية منذ بداياتها، وتدعم التعليم المستمر، كما يمكّن المعلم من أداء دوره التربوي عبر تخفيف أعباء التصحيح والأعمال الإدارية، وتزويده بتحليلات دقيقة عن تقدم الطلبة واستجابتهم، واقتراح استراتيجيات تدريس أكثر ملاءمة، ويسهم في إثراء المحتوى التعليمي عبر المحاكاة، والواقع الافتراضي، والتجارب التفاعلية التي تحول المعرفة إلى خبرة معاشة، ويعزز تكافؤ الفرص التعليمية من خلال منصات ذكية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتخدم المتعلمين في البيئات المضطربة.كما يفتح أفقًا واسعًا للتعليم الشامل عبر أدوات داعمة لذوي الاحتياجات الخاصة، من ترجمة فورية، وقراءة ذكية، وتكييف المحتوى، إلى جانب تحسين إدارة المؤسسات التعليمية عبر التنبؤ بالتسرب، واعداد المناهج، وتقييم جودتها بصورة مستمرة، ليغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا يعيد بناء التعليم بوصفه فعل فهم وتكوين إنساني، لا مجرد تكديس للمعرفة أو استبدال لدور المعلم والمتعلم.
كما يحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا عميقًا في الطب، إذ يسهم في تسريع تحليل البيانات الطبية الضخمة مثل السجلات الصحية والجينومات، مما يتيح فهمًا أدق للأمراض المعقدة، ويدعم التشخيص المبكر عبر تحليل صور الأشعة والرنين المغناطيسي والتصوير المجهري بدرجة عالية من الدقة.كما يمكّن من تطوير الطب الشخصي من خلال مواءمة العلاج مع الخصائص الجينية والبيولوجية لكل مريض، ويساهم في تسريع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الجزيئية والتنبؤ بفاعلية المركبات قبل التجارب السريرية. إلى جانب دوره القادم عبر الروبوتات الجراحية التي تمكّن من تدخلات دقيقة طفيفة التوغل الجراحي، وتقلل الأخطاء الطبية، وتحدّ من النزف والمضاعفات، وتسرع تعافي المرضى، كما تسمح بإجراء عمليات معقدة عن بُعد بدقة عالية، إضافة إلى تحسين مراقبة المرضى والتنبؤ بتدهور الحالات الصحية قبل تفاقمها، ودعم القرار الطبي بما يرفع جودة الرعاية ويخفض المخاطر ويحفظ حياة الإنسان.
يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في تطوير الصناعة الدوائية، إذ يغيّر جذريًا المدة والكلفة والطرق التقليدية لإنتاج الأدوية، فيسهم في تحليل البنى الجينية والبروتينية للفيروسات والبكتيريا بسرعة فائقة. في الصناعة الدوائية يساعد الذكاء الاصطناعي على فحص ملايين المركبات الكيميائية افتراضيًا لاختيار الأكثر نجاعة بالعلاج، والتنبؤ بفعاليتها وآثارها الجانبية في المراحل المبكرة، مما يقلّل من معدلات الفشل في التجارب السريرية، ويسرّع الانتقال من البحث إلى الإنتاج، كما يدعم تحسين تركيبات الأدوية، وضبط جرعاتها، وتطوير أدوية مخصصة وفق الخصائص الجينية للمرضى، إضافة إلى تحسين سلاسل الإمداد الدوائي والتنبؤ بالطلب، ليغدو الذكاء الاصطناعي عنصرًا مركزيًا في صناعة دوائية أكثر دقة وسرعة وكفاءة، منخفضة الكلفة، وقادرة على الاستجابة السريعة للأوبئة والأمراض المستعصية.
يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم على إحداث تحول عميق في اكتشاف اللقاحات وتطويرها، إذ لم يعد البحث العلمي فيها مسارًا بطيئًا قائمًا على التجربة العمياء، بل أصبح فعلًا ذكيًا يستند إلى نمذجة دقيقة للبنى البروتينية للفيروسات، والتنبؤ بالمناطق الأكثر قابلية لأن تُستهدف لقاحيًا. تمكّن هذه النمذجة من محاكاة التفاعل بين اللقاحات والجهاز المناعي داخل بيئات رقمية، فتختبر الفرضيات قبل الانتقال إلى المختبر، ويعاد ترتيب مسار البحث. ظهر ذلك جليًا في تسارع تطوير لقاحات كوفيد-19 بفضل استخدام الخوارزميات لتحليل بروتين الشوكة واختيار البنى الأكثر قدرة على تحفيز الاستجابة المناعية، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة مثل لقاحات mRNA والتعاون الدولي واسع النطاق الذي وفر تمويلًا غير مسبوق. وقد أتاح نموذج AlphaFold لاحقًا تنبؤًا عالي الدقة ببنية البروتينات، مما فتح آفاقًا جديدة لتطوير لقاحات وأدوية ضد فيروسات سريعة التحور، وإن لم يكن دوره المباشر في اللقاحات الأولى كبيرًا. في هذا المجال، لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور الإنسان، بل يعزز معرفته ويجعل المرض أكثر قابلية للفهم، بحيث يصبح اللقاح ثمرة معرفة علمية تتقدم نحو مواجهة الفناء.
يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في السعي لاكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض العصية، عبر نقلة نوعية في فهم المرض وآلياته، إذ يتيح تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والبروتينية والسريرية لاكتشاف الطفرات الدقيقة والمسارات الخلوية المسؤولة عن نشوئه وتطوره، ويمكّن من التمييز بين أنماطه داخل النوع الواحد، فاتحًا الطريق أمام الطب الدقيق الذي يختار العلاج الأنسب لكل مريض وفق بصمته الجينية. كما يسرّع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الدوائية والتنبؤ بفعاليتها قبل التجارب السريرية، ويسهم في تطوير علاجات موجهة ومناعية أكثر فاعلية، وإعادة توظيف أدوية قائمة بآليات جديدة، وتحسين تصميم التجارب السريرية واختيار المرضى الأكثر استجابة. في الأمراض المستعصية مثل ألزهايمر والباركنسون، يساعد الذكاء الاصطناعي في كشف المؤشرات الحيوية المبكرة وفهم الشبكات العصبية المعطوبة، ممهدًا لتدخلات تستهدف جذور المرض لا أعراضه فقط. بذلك يغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا علميًا يحول السرطان والأمراض العصية من مصير مغلق إلى مسار علاجي مفتوح على الأمل، قائم على المعرفة الدقيقة والتشخيص المبكر والوقاية والسيطرة التدريجية.
يعود بطء اكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض المستعصية إلى تعقيد هذه الأمراض ذاتها، وإلى الفجوة بين الاكتشاف النظري والتحول السريري الآمن، إضافة إلى منطق السوق الرأسمالية القائم على تقديم الاهتمام بالأرباح وتكديسها، على التفكير بجودة حياة الإنسان، لذلك يهتم بالعلاجات الأقل مخاطرة مالية، ولا يشجع على توظيف رؤوس أموال هائلة في مسارات علاجية عالية الكلفة وغير مضمونة، فضلًا عن حدود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعتمد على بيانات غير مكتملة، ومع ذلك فإن ما ينجزه هذا الذكاء اليوم يعيد تفكيك المرض ويحوله من مصير مغلق إلى حالة يمكن إدارتها والسيطرة عليها تدريجيًا.
وعلى الرغم مما يثيره تسارع الذكاء الاصطناعي في الطب من وعود كبيرة في التشخيص والعلاج والوقاية، ومن دقة قراءة الفحوص الطبية إلى تصميم علاجات مخصَّصة لكل مريض، غير أن هذا التحول لا يقاس بإنجازه التقني وحده. الطب يمس الجسد والكرامة وحق الإنسان في الحياة، والخوارزميات المعتمدة على بيانات ناقصة أو منحازة قد تنتج تشخيصًا جائرًا أو علاجًا مؤذيًا، كما أن التلاعب بالبيانات يهدد مصداقية البحث العلمي ويقوض الثقة بالمعرفة الطبية، ويمكن أن يمارس التحايل في أنظمة التأمين ورفع كلفة الرعاية الصحية. ويتفاقم الخطر مع اتساع الفجوة الصحية بين الدول، حيث تحتكر المجتمعات المتقدمة تقنيًا أفضل العلاجات، فيما لا تتاح لغيرها من الدول الفقيرة هذه التقنيات وفرص العلاج والوقاية. لذلك لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي الطبي كأداة محايدة، إذ إن غياب الشفافية والمساءلة والأطر الأخلاقية والقوانين الصارمة يحول الوعد العلاجي إلى مصدر جديد للهيمنة واللامساواة، فيما تشكّل الأخلاقيات والقوانين البوصلة التي تضمن توظيف هذه التقنيات في حماية كرامة الإنسان وحقه في العدالة العلاجية.
أما في مجال التنبؤ بالمناخ والكوارث فيفتح الذكاء الاصطناعي أفقًا أوسع لقراءة تعقيد الظواهر الطبيعية، من خلال تحليل محطات زمنية متسلسلة من بيانات الطقس والمحيطات وحركة الصفائح الأرضية، بما يتيح فهمًا أدق لمسارات التحوّل في الطبيعة، ويسهم في تطوير نماذج أكثر موثوقية للتنبؤ بالأعاصير والفيضانات وموجات الجفاف والحرّ الشديد، ويعزّز قدرات الإنذار المبكر بالزلازل والانهيارات، كما يظهر ذلك في أنظمة الرصد المعتمدة اليوم التي تكشف الأعاصير المدارية وحرائق الغابات في مراحلها الأولى، فتمنح الإنسان فرصة الاستعداد وتقليل الخسائر، وتحول المعرفة العلمية من انتظار الكارثة إلى استباقها، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي المتصالح مع قوانين الطبيعة ومباغتاتها.
وفي التكنولوجيا والصناعة يعزّز الذكاء الاصطناعي الأتمتة الذكية التي لا تكتفي بتكرار العمل، وإنما تتعلّم وتصحح ذاتها، فيرفع الكفاءة الإنتاجية، ويخفض الهدر والأخطاء، ويحرر الإنسان من الأعمال الشاقة والخطرة. في الوقت نفسه يسهم في تقوية الأمن السيبراني عبر كشف الهجمات قبل وقوعها، وتحليل أنماط الاختراق الخفية التي تعجز عنها المراقبة التقليدية، كما يفتح أفقًا جديدًا لتطوير شبكات الطاقة الذكية القادرة على موازنة الإنتاج والاستهلاك لحظيًا، ويدمج مصادر الطاقة المتجددة بكفاءة، لا بوصفه سيدًا متغوّلًا، وإنما بوصفه عقلًا مساعدًا يعين الإنسان على فهم العالم المعقد الذي يعيش فيه، ويمكّنه من التعامل معه بأقل قدر من الخسارة، وأكبر قدر من الحكمة.
في البناء والهندسة يتيح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة عبر التصميم التوليدي الذي يولد حلولًا إنشائية متعددة تستجيب لمعايير السلامة والكلفة والاستدامة، والنمذجة ثلاثية الأبعاد التي تتيح محاكاة المبنى قبل تنفيذه ورصد أخطائه مبكرًا، كما يسهم في جدولة المشاريع بدقة عالية، وتقليل الهدر في المواد والوقت، وتعزيز السلامة في مواقع العمل عبر أنظمة مراقبة ذكية ترصد المخاطر قبل وقوعها. ويتولى البناء الروبوتي المهام الخطرة والمتكررة والشاقة بكفاءة وانتظام، فيسهم في خفض الكلفة والوقت، ورفع المتانة والديمومة، من خلال تنفيذ الأعمال الإنشائية بدقة عالية، تخفض الهدر وتقلص أخطاء التنفيذ، كما يتيح روبوت البناء إنجاز الهياكل في مدد أقصر، ويخفض الحوادث وكُلف التأخير في البيئات الوعرة والخطرة. وإلى جانب ذلك تسمح أنظمة البناء الروبوتي بدمج أجهزة استشعار ذكية تُدمَج داخل المباني أو الجسور أثناء عملية البناء، وظيفتها قياس ومراقبة حالات فيزيائية محددة بشكل مستمر، مثل الضغط والإجهاد، الاهتزاز، التشققات المختلفة، الرطوبة، والحرارة. تعمل هذه الأجهزة على جمع بيانات لحظية عن حالة الهيكل الإنشائي، ثم تُحلَّل هذه البيانات بواسطة أنظمة ذكية لاكتشاف أي خلل مبكر قبل أن يتحول إلى انهيار خطير، وهو ما يسمح بالصيانة الاستباقية بدل الانتظار حتى وقوع العطب. بهذا المعنى لا تكون أجهزة الاستشعار الذكية مجرد أدوات تقنية، بل عينًا دائمة داخل البناء تراقب صحته وتسهم في إطالة عمره، وتعزيز متانته، وضمان سلامة مَن يعيشون أو يعملون فيه.
كذلك يطور الذكاء الاصطناعي نماذج للمدن بوصفها مدنًا مستدامة عبر إعادة تنظيم علاقتها بالطاقة والموارد والإنسان، بواسطة أنظمة ذكية تدير الطاقة المتجددة بكفاءة عالية، فتتنبأ بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وتوازن بين العرض والطلب لحظيًا، وتخفض الهدر والانبعاثات. ويدير شبكات المياه والصرف الصحي والنفايات بذكاء، عبر التنبؤ بالاستهلاك والكشف المبكر عن التسرب وإعادة التدوير. ويعمل على تصميم عمراني مستدام عبر محاكاة المباني قبل تنفيذها لتحسين الإضاءة الطبيعية والتهوية وكفاءة الطاقة، فضلًا عن دعم الزراعة الحضرية الذكية، ومراقبة جودة الهواء، وتعزيز الاستجابة السريعة للكوارث، ليغدو الذكاء الاصطناعي عقلًا تشغيليًا للمدينة المستدامة، لا يكتفي بإدارة مواردها، بل يعيد توجيهها نحو انسجام أطول أمدًا بين الإنسان والبيئة.
ويطور الذكاء الاصطناعي أنظمة نقل ذكية تدير حركة المرور، وتخفض الازدحام والحوادث، ليغدو الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات أداة لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة والصناعة والتقنية، إذ يعمل على الانتقال من مراقبة حركة السير بعد وقوع الازدحام إلى استباقه قبل حدوثه، من خلال جمع وتحليل بيانات ضخمة من مصادر متعددة مثل الكاميرات الذكية، وأجهزة الاستشعار على الطرق، وإشارات المرور، وبيانات المركبات وتطبيقات الملاحة، ومعرفة الأنماط الزمنية والسلوكية لحركة السير، فيتنبأ بمناطق الاختناق وأوقاتها بدقة عالية، ويعدل توقيت الإشارات الضوئية تلقائيًا، ويعيد توجيه المركبات نحو مسارات بديلة، ويضبط السرعات المسموح بها للحد من التكدس والحوادث، كما يدمج بيانات الطقس والحوادث والأعمال الطارئة في نماذج تنبؤية تسمح بإدارة الأزمات المرورية لحظة بلحظة، ويطور أنظمة نقل ذكية تخفض الازدحام والتلوث عبر إدارة المرور التنبؤية وتشجيع النقل الكهربائي والمشترك. وبذلك تتحول إدارة المرور من استجابة متأخرة إلى إدارة ذكية استباقية، تقصر زمن الرحلات، وتحدّ من الانبعاثات، وتحسن سلامة الطريق وجودة الحياة في المدن.
كما يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى علم الآثار على نحوٍ واسع، إذ يتيح قراءة الكتابات البائدة وفكّ رموز الخطوط المندثرة مثل المسمارية والهيروغلوفية والفينيقية وغيرها، عبر تحليل الأنماط اللغوية والبصرية في النقوش والرقم الطينية والبرديات، ومقارنة آلاف الشواهد النصية في زمن قصير، بما يعين الباحثين على استعادة معاني نصوص ظلت غامضة آلاف السنين.كما يسهم في ترميم النصوص المتآكلة عبر التاريخ، وإعادة بناء الأجزاء المفقودة منها اعتمادًا على السياق اللغوي والتاريخي، وتظهر أمثلة ذلك في استخدام خوارزميات التعلّم العميق لقراءة الألواح المسمارية المكسورة في حضارات وادي الرافدين، وفي مشروعات رقمية لفكّ طبقات النص الهيروغليفي المتضرر على جدران المعابد المصرية، وفي تحليل النقوش الفينيقية المتناثرة على شواطئ المتوسط لربطها بسياقاتها التجارية والدينية والثقافية، فضلًا عن توظيف الذكاء الاصطناعي في مطابقة اللغات القديمة بنظائرها السامية أو الهندوأوروبية، مما يفتح أفقًا جديدًا لفهم التاريخ الإنساني، ويحول علم الآثار من قراءة شظايا صامتة إلى حوار حيّ مع أصوات الماضي ومعانيه.
كذلك يمكن أن يستعمل الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في تحليل النصوص الفلسفية والاجتماعية والثقافية، واكتشاف البنى العميقة لها، ورصد تحولات المفاهيم والقيم، ودعم أبحاث علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية. ويمكن أن يتغلغل في الفنون والآداب ليفتح أفقًا جديدًا لمساعدة الفنان والأديب في التجريب، وإعادة قراءة التراث الفني والأدبي ورقمنته وحفظه، ليغدو الذكاء الاصطناعي أداة تعيد تنظيم علاقة الإنسان بالمعرفة والإبداع والعمل والبناء، وتوسّع إمكاناته في الفهم والتخييل والابتكار، شرط أن يدار هذا التحول ضمن أفق أخلاقي وإنساني يصون مكانة الإنسان كسيد في الأرض، ويحفظ للعلوم الإنسانية والفنون والآداب معناها بوصفها تعبيرًا عن تجربة الإنسان الوجودية لا بديلًا شكليًا عنها. https://alsabaah.iq/127439-.html
اشتريت بعضا من كتبك من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكنت متحمسا جدا لقراءتها، فبدأت بها كتاب (ثناء على الجيل الجديد)، واندُهشت -ولا أبالغ- من قولك: (أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي مع الجيل الجديد)، فقد كنت أتصور أن الدكاترة أو المثقفين الكبار في بلادنا الإسلامية التعيسة لا يوجد فيهم شخص لا يأنف من التكلم معنا، ومناقشتنا.

أنا فرحان جدا د. بأخذك لهذه الرؤية التي هي شبه معدومة في بلادنا، وأرجو أن يكثر أمثالك من المولى -سبحانه-.

* عبد الوهاب عبد الحكيم، صومالي الجنسية!، طالب في كلية التربية- في جامعة الأزهر، في السنة الأولى، عنده ٢٢ سنة، نشأ في بيئة متشددة أدخلته باب القراءة، فأهدت إليه أعظم وأجمل هدية، تحسس طريقه فلقي أن التشدد والمطالبة بإعادة الماضي في زمن لم يعد يوجد فيه متطلبات إعادته؛ شيئا مستحيلا -أو يفوقه-، ويأمل الانتظام في سلك المحاولين للإصلاح وطمس الخرافات والترهات من مجتمعاتنا الماضوية.

أتشرف وأفخر -وحياة ربي- بمكالمتك، وحُق لي أن أعد هذا اليوم أسعد يوم في حياتي❤️
اشتريت بعضا من كتبك من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكنت متحمسا جدا لقراءتها، فبدأت بها كتاب (ثناء على الجيل الجديد)، واندُهشت -ولا أبالغ- من قولك: (أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي مع الجيل الجديد)، فقد كنت أتصور أن الدكاترة أو المثقفين الكبار في بلادنا الإسلامية التعيسة لا يوجد فيهم شخص لا يأنف من التكلم معنا، ومناقشتنا.

أنا فرحان جدا د. بأخذك لهذه الرؤية التي هي شبه معدومة في بلادنا، وأرجو أن يكثر أمثالك من المولى -سبحانه-.

* عبد الوهاب عبد الحكيم، صومالي الجنسية!، طالب في كلية التربية- في جامعة الأزهر، في السنة الأولى، عنده ٢٢ سنة، نشأ في بيئة متشددة أدخلته باب القراءة، فأهدت إليه أعظم وأجمل هدية، تحسس طريقه فلقي أن التشدد والمطالبة بإعادة الماضي في زمن لم يعد يوجد فيه متطلبات إعادته؛ شيئا مستحيلا -أو يفوقه-، ويأمل الانتظام في سلك المحاولين للإصلاح وطمس الخرافات والترهات من مجتمعاتنا الماضوية.

أتشرف وأفخر -وحياة ربي- بمكالمتك، وحُق لي أن أعد هذا اليوم أسعد يوم في حياتي❤️
دروب المعنى كتابٌ يُقتنى ولا يُعار

منى الصالح
يفاجئك دروب المعنى للدكتور الرفاعي بمجرد أن تلِج صفحاته، وتأخذك الدهشةُ الممتعة تمامًا كما هي حين تلتقيه شخصيًّا أوّل مرّة.
أنت الذي خبرته، وهو الذي يخوض بك في أرضٍ طالما حُذِّرت منها؛ يتوغّل معك برِفقٍ ما بين الاغتراب الميتافيزيقي والظّمأ الأنطولوجي. فكلّ كتابٍ من كتبه يفتح لك عوالم جديدة، ويرتقي بفكرك ونضجك ووعيك بدرجات متقدّمة، تتعمق الفكرة، وقد تحتاج إلى إعادة الصفحة عدّة مرّات، لتناقش وتبحث وتراجع كتبًا أخرى، وتغوص معه حيث علم الكلام والفلسفة الغربية، حديثِها وقديمِها. تتعرّف من خلال سلاسة أسلوبه على شخصيّات كان من الصعب فهم نظريّاتهم والوقوف على رؤاهم، لتجد نفسك أمام المعلّم الموسوعي.
لكنّ دروب المعنى، منذ بداياته، وجَدَتني أمام كتابٍ يُقتنى ليكون مرجعًا، لا لتقرأه مرّة واحدة؛ بل تحتاجه كلّما أرقك سؤالٌ مُحيِّرٌ في هذا العالم الظالم، تبحث فيه عن الله:
«الله حيٌّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطة باسم الدين».
تعود إليه مُتلهّفًا لتجد ما يُسكّن قلقك الوجودي، بأنّ السؤال لا ينتهي:
«تتجلّى قوّة العقل في أنّ الأسئلة فيه لا تنتهي إلى إجابات نهائية مغلقة، بل إنّ الإجابات تتوالد منها أسئلة أعمق من الأسئلة التي وَلَدت أحيانًا».
في كلّ بحثٍ تخوض فيه، وتحاول الاستشهاد بمن يدلّك على الطريق، تشعر أنّ تجربتك ليست استثناءً عن البشر، وأنّ خطأك طبيعيّ في مجتمعٍ يعتبر الخطأ ذنبًا وأسرًا لا سقف لها، فيهرب منها أبناؤها:
«يتخفّف الإنسان بالاعتراف بالخطأ داخليًّا أوّلًا… لو اعترفنا بأخطائنا لتخلّصت عوائلنا من كثيرٍ ممّا يهدّد كيانها ويعصف بأمنها».
في عالم، التنافس فيه شعار، والمثالية وامتلاك الحقيقة تُشعرنا بالعجز والضعف:
«حاولتُ أن أدرّب نفسي على أن أنظر إلى هشاشتي وضعفي البشري قبل أن أنظر إلى ما أتوهم أنّي أتميّز به على غيري».
فتتوازن، وتشعر أنّ هذا الضعف جزءٌ من بشريّتنا، ولا يُخلّ بشخصيّاتنا.
وتتعلّم، على بساطة كلماته، أنّ:
«حكمة الحكيم تجعل حياته آمنة، وتمكّنه من إدارة علاقاته بسلام».
حين تتيه بين نزاعات الأديان وحروبها، ويؤرق الشكّ لياليك، تجد فيه ما ينساب على روحك كالماء الزلال:
«لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلام بين الأديان في فضاء الإيمان».
ويعلّمك أنّ الإنسان الذي يستهدف أن يواصل تعليمه:
«ينبغي الإصغاء لحديث كلّ شيء في الطبيعة مهما كان، وينصت لصوت الوجود… كلّ شيء في الوجود يتحدّث إلينا بلغةٍ خارج اللغات البشرية المتداولة».
الكتابُ حديقةٌ غنّاء تتجوّل فيها، فتتيه بين جمال النرجس ورِقّة التوليب وعطر الياسمين. تفتّش في كلّ حرف، تريد أن ترى صورتك فيه بكلّ تجلّياتها.
تسمع فيه صوت الرحمة، وتغيب عنه صور العقاب والانتقام.
وكما تتفاجأ وأنت بحضرة المفكّر الكبير والفيلسوف، بالإنسان الهادئ؛ حيث لا بدّ لك أن تهدأ حتى تستطيع الإمساك بحديثه. المحبّ الذي يحتضن من عرفه ومن لا يعرفه، الموافق لفكره والمختلف معه.
الحبّ عنده دين، والدين حبّ. فتتعدّد تجلّيات الحبّ بثراء شخصيّته وقدرته على العطاء، كما تتعدّد بكتبه وحروفه. فهو الذي يؤمن أنّ طريق القلب يوصل إلى الله، وأنّ العقل يؤسّس إيمانًا يملأ الفكر بدهشة عظمة وجود الله.
أنت أمام إنسانٍ في كتاب.
دروب المعنى هو رفيق كلّ باحثٍ عقلُه مشاكس، وقلبه مطمئن.

https://almothaqaf.org/aqlam-2/985907
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
جلال آل أحمد: البحث عن الإنسان في الحج.
الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجوديَّة

د. عبد الجبار الرفاعي

في الزمن الذي تتحكم فيه الخوارزميات سيتسارع إيقاع التغيير بشكل مثير، وتضمحل المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية، في هذا الزمن يغدو الإنسان ضائعًا في متاهة لا تمنحه أمانًا. يعيش في تقلب دائم، لا يمكث طويلًا في علاقة، ولا يصبر على صداقة، ولا يتورط في صلة تستدعي الانتظار. ملول حد الضجر، حتى في علاقاته العاطفية سريع الانسحاب من كل ما لا يشبع رغباته المتقلبة، وما لا يحقق له لذة آنية. ينكفئ على ذاته، ويعيش فردانية مغلقة لا يرى فيها إلا نفسه، فيشتد اغترابه، ويتضاءل شعوره بالمسؤولية حيال مَن حوله حتى يكاد يتلاشى.
إثر ذلك تتآكل مشاعر الأُلفة في العائلة، ويتبلد الشعور الحميمي داخلها، ويتصدع الانتماء بمحتواه العاطفي، فيغدو البيت مأوى لأجساد لا قلوب، وسقفًا يظلل جماعة كأنهم غرباء لا يربطهم ود، ولا تعيش قلوبهم المحبة، ولا يجمعهم حوار. في كثير من البيوت ترى الأبناء غارقين في هواتفهم وأجهزتهم اللوحية، منصرفين إلى تطبيقات وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لا يكادون يصغون إلى آهات مَن يعيشون معهم، ولا يتواصلون بحميمية مع آبائهم وأمهاتهم وعوائلهم. حتى في الأوقات القليلة التي يلتقون فيها أحيانًا على مائدة الطعام، لا يكادون ينطقون بكلمات تعرب عن حنانهم وامتنانهم للأمهات والآباء والعائلة، ولا يتكشف ما يدل على ذلك في وجوههم أو لغة أجسادهم. كل واحد منهم يعيش عالمه الخاص منغلقًا عليه، يحيط أسراره بأسوار من الصمت، كأن حياته لا تخص أحدًا، وكأن مَن في البيت لا صلة عاطفية لهم به.
في هذا الواقع يتفكك النسيج العضوي للعائلة بالتدريج، حين يفقد البيت نبضه العاطفي، وتمسي الحياة المشتركة عاجزة عن إنتاج معنى للحياة، ويتوارى الحنان خلف شاشات باردة لا دفء فيها ولا بوح. تختبئ في هذا الواقع المرير صرخة الإنسان الوجودية، المنطلقة من هشاشته وخوفه، ومن وعيه باغترابه، ومن ظمأه الأنطولوجي إلى معنى يمنحه طمأنينة الحضور في العالم. تتوالد هذه الصرخة في عمق التجربة الوجودية للذات، في موضع سابق على السلوك الظاهر، وأبعد من أن تدركه المؤشرات القابلة للقياس. تلتقط الخوارزميات الأفعال كما تظهر على السطح، وتتعامل مع الإنسان بوصفه مجموعة أنماط قابلة للتوقع، بينما تعجز عن النفاذ إلى الألم الداخلي، وعن الإصغاء إلى الأنين الصامت الذي يتولد في أعماق الكائن البشري حين يفتقد المعنى. تقرأ الآلة ما يختاره الإنسان، وتستبق قراراته، غير أنها لا تلامس القلق الذي يفزعه، ولا تعرف مشاعره، ولا ترى أنين قلبه، ولا تدرك الاغتراب الذي يدفعه إلى البحث عن صلة تتجاوز العالم المحسوس.
في هذا العجز التقني عن ملامسة باطن الإنسان يتفاقم الاغتراب الميتافيزيقي، إذ يشعر الإنسان أن العالم الذي تديره الخوارزميات لا يعترف بحاجته للمعنى، ولا يرى وحشته، ولا يمنحه أفقًا يتسع لأسئلته الوجودية. تتسع هذه الغربة كلما جرى التعامل مع الإنسان بوصفه معطى رقميًا، لا ككائن يشعر، ويتألم، ويحنّ، ويخاف، ويبحث عن خلاص، ويتوق إلى حضور إلهي يروي ظمأه. في هذا الانكسار الوجودي تلوح الإنسانية الإيمانية بوصفها استعادة للإنسان من اغترابه، إذ تعيد وصل الإنسان بذاته، وتفتح أفقًا لمعنى يتجاوز جسده، وتؤسس لصلة حية بالله تتجلى في الرحمة، والرفق، واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها ثمرة لإيمان يشبع الحاجة الوجودية، لا من الإكراه أو البرمجة.
كل مشروع تنموي يتجاهل صرخة الإنسان الوجودية، ولا يعي حاجته العميقة إلى المعنى والمحبة والرحمة، ينقلب إلى مشروع لا إنساني، مهما تضخمت أرقامه، وتكاثرت منتجاته، وانخفضت كلفته المادية، وارتفعت أرباحه، ومهما تحدث عن الرفاه. تفقد التنمية معناها الإنساني حين لا تنبع من مركزية الإنسان وسلطته الأخلاقية على الأرض، وحين تنفصل عن حاجته العميقة إلى المعنى والحرية والكرامة. عندئذ تسير التنمية في مسار آلي، وتعمل بوصفها حالة صمّاء لتراكم الأشياء وتكثير الإنتاج، والتسويق، والاستهلاك، من غير اكتراث بما تخلّفه في قلب الإنسان من وجع. تستهلك هذه التنمية طاقة الروح، وتُنهك القلب، وتبلد المشاعر، وتدفع الإنسان إلى حياة مزدحمة بالأشياء وفقيرة بالمعاني. في هذا السياق يتراجع الإنسان من كائن يبحث عن معنى وجوده إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية لا ترى فيه سوى مهنة وظيفية ورقم. هكذا يتسع الاغتراب، ويغدو الإنسان غريبًا عن ذاته، لأن التنمية التي لا تصون إنسانيته ولا تحرس كرامته وحريته وحقوقه لا تؤسس لحياة جيدة، وإنما تعمّق القطيعة بين الإنسان ومعنى وجوده، وتدفعه إلى اغتراب موجع يفقد فيه الشعور بالحضور والجدوى.
الاستثمار الحقيقي لا يقف عند توسيع الإنتاج وتعظيم الأرباح، وإنما يتحقق حين ينقذ الإنسان من التحول إلى شيء، ويعيد الاعتبار إلى قلبه وروحه ومشاعره، ويحرره من اختزاله رقمًا في خوارزمية، ومعطى إحصائيًا في تقرير.
هناك فقط تستعيد التنمية معناها، حين تصير فعل رعاية، ومسؤولية أخلاقية، وطريقًا لصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا وسيلة لتكريس اغترابه وتجفيف منابع المعنى في حياته.
التنمية التي تنفصل عن مركزية الإنسان تفرغ وجوده من قيمته، وتحيل حياته إلى فراغ لا يشبع حاجته العميقة إلى المعنى، مهما تضاعف الإنتاج المادي. التكنولوجيا حين تخلو من القيم، ولا تحضر فيها الأخلاق، تنقلب سريعًا من أداة رفاه إلى آلة قهر، ويغدو العالم مصنعًا واسعًا يبتلع معنى إنسانية الإنسان، ويعيد تشكيله كشيء لا يختلف عن الأشياء التي يصنعها ويستهلكها. أمّا التنمية التي تستحق اسمها فتنبع من وعي باحتياجات الإنسان الوجودية والمعنوية، وتستمد معناها من صون الكرامة الإنسانية وترسيخها، ولا تختزل الإنسان في أداة إنتاج أو رقم استهلاك، وتحتضنه بوصفه كائنًا يعيش عطشًا أبديًا إلى المعنى، ويبحث عن حياة تنصت لظمأ روحه وأشواق قلبه، كما تلبي حاجاته المادية.
تعمل الرأسمالية على احتكار الذكاء الاصطناعي، وإذا نجحت في ذلك تتسيد على الأرض وتهيمن حتى على الإنسان، وتنكشف همجيتها كوحش كاسر يمتلك قدرات تتفوق على القدرات المتنوعة للإنسان في حقول الحياة كلها، من غير أن تمنع توحشها قوانين عادلة صارمة، أو تكبحها قيم راسخة. حينئذ تصبح خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى أداة استلاب واستعباد وقمع، ووسيلة فتاكة في الحروب، إذا افتقرت البيئة التشريعية والأخلاقية إلى ما يضبط انفلاتها ويكبح استغلالها ضد الإنسان وحقوقه وحرياته بوصفه سيد الأرض.
 ليس كل ما يعد به التقدم التكنولوجي يعد نعمة خالصة، ما لم يكن مصحوبًا بتنمية الوعي الإنساني، وتجذير قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، والحد من جشع السوق الرأسمالية، ومقاومة تحول الإنسان إلى مادة خام لصناعة الأرباح. وفرة السلع والخدمات لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى، ولا تكفل سعادة الإنسان أو أمنه الوجودي وسلامه الروحي. إنسان العصر الرقمي يعيش اغترابًا وجوديًا واجتماعيًا عميقًا، لأن ذاته تتآكل تحت وطأة تسارع الأحداث وتحولات الواقع التي لا هوادة فيها. هذا الاغتراب لا يقتصر على تشيء الهوية، بل يمتد إلى ذوبان العلاقات الاجتماعية، حيث تذوي العلاقات الإنسانية العاطفية وسط صخب الانشغال بتطبيقات العالم الرقمي، وما يفرضه من واقع لم يألفه الإنسان من قبل. نرى الإنسان منفصلًا عن ذاته ومن حوله، فاقدًا للألفة الاجتماعية التي تمنحه الاعتراف والثقة والمودة، لا ذاته منكشفة له بجلاء، ولا تواصله مع الآخرين يتسم بالثقة والدفء. 

https://alsabaah.iq/127858-.html
الدين_حياة_في_افق_المعنى_مع_الغلاف.pdf
2.1 MB
‏كتاب: "عبد الجبار الرفاعي: الدين حياة في أفق المعنى" - مقالات وشهادات حول مشروع عبدالجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني.
كل هويةٍ ترفض صيرورة التاريخ تنغلق على نفسها، بينما الهوية الحية هي التي تتفاعل مع العالم دون أن تفقد معناها.
كما يتجلى في الكتاب اهتمامٌ واضح بفكرة التعددية الدينية والثقافية. الأديان، على الرغم من اختلافها، تشترك في رصيدٍ روحي وأخلاقي يمكن أن يكون أساسًا للتعايش والسلام. لأن "الإيمان يتكلم لغة واحدة، بينما المعتقدات تتكلم لغات شتى" يقول الرفاعي. الاحترام المتبادل، لا التسامح المتعالي، هو القاعدة الأخلاقية التي تسمح بإدارة الاختلاف الإنساني. ومن خلال هذه الرؤية، يصبح الدين تجربةً وجودية شخصية، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية اجتماعية. الإيمان ليس انسحابًا من العالم، بل حضورٌ أخلاقي فيه.
بعد هذه الرحلة مع الكتاب، يشعر القارئ أن ما يبقى في النهاية ليس مجموعة أفكار منفصلة، بل روحٌ إنسانيةٌ واحدة تجمع بينها: روح المحبة والرحمة والسلام، والبحث عن المعنى، والإيمان بقدرة الإنسان على أن يصبح أفضل.
هذه الكتابة لا تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، بل تدعو إلى مواصلة الرحلة. الأسئلة الكبرى لا تنتهي، والمعرفة تتسع بقدر ما يتسع وعينا بجهلنا، والحياة تظل طريقًا مفتوحًا نحو المعنى.
شكراً للدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذا العمل الذي يذكّرنا بأن الدين يحتاج إلى قلبٍ بقدر ما يحتاج إلى عقل، وأن التربية تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه، وأن الطريق إلى الله يمر دائمًا عبر الحب والرحمة بالإنسان.
قراءة هذا الكتاب لم تكن نهاية مسار، بل بداية وعيٍ أكثر هدوءًا، وأكثر امتنانًا، وأكثر إنصاتًا لصوت الإنسان في الداخل.
عبد الرحمن مزيان – كاتب من المغرب.
https://almothaqaf.org/readings-2/986004
تأملات قارئ في كتاب: «دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة»

عبد الرحمن مزيان

ليست بعض الكتب مجرد نصوص تُقرأ، بل تجارب تُعاش. والجزء الأول من كتاب «دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي ينتمي إلى هذا النوع من الكتب التي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ منها رحلة جديدة داخل القارئ نفسه. لقد شعرتُ، وأنا أتنقل بين صفحاته، أنني لا أقرأ أفكارًا بقدر ما أرافق تجربة إنسان يبحث عن المعنى في الدين والفلسفة والحياة، تجربةٍ تحاول أن تعيد الإنسان إلى مركز التفكير الديني والتربوي والأخلاقي.
أول ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو أن سؤال المعنى يظل خيطًا ناظمًا لكل الأفكار. ليس المعنى هنا مفهومًا فلسفيًا مجردًا، بل حاجة وجودية يعيشها الإنسان في ضعفه وخوفه وقلقه وأمله. الدين، في هذا الأفق، ليس منظومة مغلقة من الأحكام، بل أفقٌ روحي وأخلاقي وجمالي يمنح الحياة معناها. "الدين حياة في أفق المعنى" بتعريف الرفاعي، "معنى وجود الإنسان وحياته" هو المحور الذي يلتقي فيه الدين بالحب والجمال برأي الرفاعي. من هذه الزاوية، يصبح الإيمان مسؤوليةً أخلاقية قبل أن يكون موقفًا اعتقاديًا، ويصبح الضمير الأخلاقي معيارًا لفهم الدين وتجديده. لقد نجح الرفاعي في إعادة طرح سؤالٍ قديم بصيغة جديدة:
كيف يمكن للدين أن يظل حيًّا في عالم متغير دون أن يفقد إنسانيته؟
الإجابة التي تتشكل عبر صفحات الكتاب تقول إن الدين يفقد روحه عندما ينفصل عن الإنسان، ويستعيد حيويته عندما يتحول إلى طاقةٍ ملهمة للرحمة والمحبة والجمال والسلام. بهذا المعنى، لا يكون تجديد الفكر الديني صراعًا مع التراث، بل قراءةً نقدية له، واستئنافًا للمعاني الأخلاقية والروحية والجمالية في نصوصه، عبر قرائتها بأدوات المعرفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.
من أهم ما يميز هذا العمل الفكري هو الإصرار على أن الأخلاق هي المعيار النهائي للدين. الأخلاق قبل الدين، لا معنى للدين بلا أخلاق، النصوص الدينية تفقد معناها إذا لم تُثمر إنسانًا أرحم وأكثر مسؤولية. الدين الذي لا يوقظ الضمير الأخلاقي، ولا يحمي كرامة الإنسان، يتحول إلى أداة يمكن أن تُستغل في الصراع والهيمنة بدل أن تكون مصدرًا للسكينة.
هذا المنظور يفتح الباب أمام فهم جديد للعلاقة بين الدين والفلسفة. الفلسفة هنا ليست خصمًا للدين، بل شريكًا في البحث عن المعنى. الدهشة والنقد والتساؤل ليست تهديدًا للإيمان، بل طريقًا لإنضاجه. الإنسان الذي يتوقف عن السؤال يتوقف عن النمو، والدين الذي يخاف النقد يفقد قدرته على الحياة.
كما يبرز في الكتاب حضورٌ قوي لفكرة التربية الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. الإنسان، مهما بلغ من النضج، يظل في حاجة إلى تربيةٍ متواصلة للروح والقلب والضمير.
هذه التربية لا تقوم على الوعظ المجرد، بل على المثال الإنساني الحي، وعلى العلاقات التي تُنمّي الثقة والمحبة والرحمة داخل المجتمع، وفي المدرسة خاصة.
ومن موقع قارئٍ يعمل في التربية، بدت لي صفحات الكتاب وكأنها تذكيرٌ عميق بأن التربية ليست نقل معرفة فقط، بل بناء إنسان. الكلمة التي تشجع طفلًا قد تغيّر حياته، والعلاقة الإنسانية الصادقة داخل الفصل قد تكون أبلغ من أي منهج. في هذا المعنى، تصبح التربية امتدادًا للأخلاق، ويصبح المعلم حاملًا لمنهاجٍ خفيٍّ يتجلى في سلوكه قبل كلامه.
يظهر كتاب «دروب المعنى» حساسيةً عالية تجاه تعقيد النفس الإنسانية، ويقدّم طبيعة الإنسان كما يفهمها الرفاعي بقوله: "الطبيعة الإنسانية ملتقي الأضداد"، إذ تجتمع في أعماقها قابلية الخير وقابلية الشر، والنور والظلمة، والسمو مع الانحدار. لا يرى الرفاعي الإنسان كائنًا بسيط البنية أو منسجمًا، وإنما كائنًا قلقًا، خائفًا، هشًّا، مفتوحًا على احتمالات متعددة، لا يكفي فيه الذكاء وحده ليصونه من الانحراف، لأن الذكاء قد يتحول إلى أداة تبرير أو وسيلة سيطرة ما لم يرافقه ضمير أخلاقي يقظ. من هنا تأتي أهمية الصمت الداخلي، والتأمل، والقدرة على مراجعة الذات باستمرار، بوصفها شروطًا للنضج الإنساني. مراجعة الذات بوصفها شرطًا للإنصات إلى الأعماق، وإعادة وصل الإنسان بذاته، وتحرير وعيه من ضجيج التبريرات السريعة والأحكام المتعجلة. التأمل، في هذا الأفق، ليس ترفًا روحيًا، وإنما ممارسة وجودية تعيد للإنسان قدرته على مراجعة نفسه، ومساءلة دوافعه، وتمييز ما يصدر عنه من اندفاع أو خوف أو طمع. كما يتعلّم الإنسان في التأمل كيف يكون أكثر صدقًا مع نفسه، وأكثر تواضعًا أمام ضعفه، وأكثر مسؤولية في اختياره للخير وهو يدرك أن الشر يسكنه أيضًا.
في عالمٍ سريع التحول، يتوقف الكتاب عند تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، ويرى فيها فرصةً بقدر ما هي تحدٍّ. الهوية الرقمية المتغيرة تفرض على التربية والدين أن يجددا لغتهما وأدواتهما، دون أن يفقدا جذورهما الإنسانية.
اضطرابات الهوية السياسية

د. عبدالجبار الرفاعي
اختلال سلم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يقصي الوطن لحساب الجماعة، ويحول المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص، محكوم بالعصبية، ومسكون بهاجس الدفاع عن الهوية الفرعية لا الهوية الوطنية الأصلية. حين تغدو القومية أو الطائفة هي الهوية الأصلية، وتتفرع عنها سائر الانتماءات، لا يعود للوطن معنى ينطبق على المواطنين كلهم، وليس للمصالح والمصائر والذاكرة والثقافة والتاريخ المشترك أثر في بناء الدولة. تختفي عندئذ المواطنة خلف الانتماء القومي أو الطائفي، وتتحول إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة لا عن مصالح الوطن. يغدو حضور الدولة هشًا، لأن الولاء لها مشروط بولاء مواز أو سابق للجماعة، ومثل هذا الوضع لا يسمح ببناء عقد اجتماعي يجتمع عليه المواطنون. حين تتسيد الهوية القومية أو الطائفية، وتختزل الهوية الوطنية فيها، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بأبناء بلده. يصبح الوطن ساحة صراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المشتركة.
تفشت في جيلنا، والجيل الذي سبقنا اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي قبل أن ينتمي لوطنه ينتمي إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية المنضوية في محوره، أو إلى الصين والدول الاشتراكية التي تدور في فلكها. وكان القومي العربي، قبل أن ينتمي لوطنه، ينتمي إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية، وزعيمها جمال عبد الناصر، الذي كان أكثر الحكام العرب براعة في تجييش الجماهير، وأمهرهم في ابتكار الشعارات الصاخبة. وأخيرًا، صار من ينتمي إلى الإسلام السياسي ينتمي إلى الدول الدينية، كل على وفق مرجعيته المذهبية، لا على وفق انتمائه الوطني.
اضطرابات الهوية السياسية عشتها بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، حين تخيّلنا أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية يشكّل الهوية الأصلية للإنسان، وأن العقيدة قائمة في فراغ، بلا أرض ولا تاريخ ولا مجتمع، فاختلط علينا معنى الإعتقاد الديني بمعنى الانتماء السياسي، وتماهت العقيدة مع المشروع الأيديولوجي، حتى غدت بديلاً عن الوطن، وملاذًا نفسيًا يعوّض الهوية الوطنية الهشة. في أفق هذا الوعي المأزوم لم نرَ أنفسنا أبناء أرض محددة ولا شركاء في مصير جماعي، بل جنودًا في فكرة عابرة للحدود تستمد معناها من نصوص مؤدلجة أكثر مما تستمده من خبرة العيش المشترك على أرض واحدة. لم يكن هذا الاضطراب حالة فردية، إذ ولّدته بنى فكرية رأت في العقيدة هوية مكتفية بذاتها، ورأت في الوطن كيانًا طارئًا، فتجلى في خطاب يقدم الولاء الأيديولوجي على الانتماء الوطني، في فضاء وعي سياسي يتعامل مع المختلف بوصفه خصمًا وجوديًا لا شريكًا في المصالح والمصائر، كما ظهر في تصور الدولة أداة مؤقتة لخدمة المشروع العقائدي لا إطارًا جامعًا لكرامة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم، وبرز أيضًا في انتقال بعض الأفراد بين أيديولوجيات متناقضة دون مراجعة نقدية عميقة، لأن الهوية عندهم لم تتأسس على تجربة إنسانية حيّة، وإنما على حاجة نفسية إلى اليقين والانتماء.
يتجلى هذا الاضطراب كذلك حين يُختزل الصراع السياسي في ثنائيات مغلقة من نوع الإيمان والكفر أوالخير والشر أو الحق والباطل، فيغيب النظر للسياسة بوصفها ظواهر إنسانية مركبة معقدة تتصارع فيها شبكات مصالح متضادة. ولا ينظر للسياسة بوصفها فن إدارة الاختلاف، وضمان المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين، فيتحول الخصم السياسي إلى عدو أخلاقي، وتغدو الدولة ساحة صراع، لا فضاء تعاقديًا يضمن الحقوق والحريات ويصون التعدد. حين يختلط المقدس بالسياسي، وتُنزَع الديانة من معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، يتعمّق الاغتراب، ويضيع الإنسان في يقين مغلق وهوية مضطربة. لا تستقيم الهوية السياسية إلا حين تُبنى على مركزية الإنسان وكرامته وحقوقه، وحين يُعاد الدين إلى أفقه الوجودي بوصفه أفقًا روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا للمعنى، وتُعاد السياسة إلى معناها الوطني، ويُفهم الوطن بوصفه النصاب الضامن للعيش المشترك، لا ميدانًا لتصفية العقائد.
لم نكن ننتمي إلى الأوطان بوصفها أرضًا حيّة تتشكّل فيها الثقافة والذاكرة والهوية الوطنية، ويتراكم فيها التاريخ، وتلتقي فيها المصالح، وتُنسَج فيها المصائر المشتركة التي توحّدنا مع أبناء وطننا الذين نتقاسم معهم العيش اليومي وهموم الحياة وآفاق المستقبل. كان انتماؤنا يتجه إلى أيديولوجيا سياسية عابرة للجغرافيا والتاريخ والذاكرة والثقافة واللغة، منفصلة عن المصالح الفعلية والمصير المشترك لأبناء الوطن، حتى انقلب معيار القرب والبعد، وصار من يعتنق هذه الأيديولوجيا، وإن كان في أقصى الأرض، أقرب إلينا وجدانيًا ورمزيًا وروحيًا وأخلاقيًا من ابن الوطن الذي نشترك معه في الأرض والتاريخ والثقافة والذاكرة والمصالح والمصير الواحد.