عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
726 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
مَن يتجرع مرارات الكراهية يعرف بهجة الحُبّ

د. عبد الجبار الرفاعي
الحياة صراع أبدي، صراع مع أقدارك المفروضة عليك بالولادة والجينات، صراع مع التضادّ داخل ذاتك، صراع مع أولئك الأشرار في هذا العالم، صراع مع الطبيعة وقوانينها القسرية وما تباغت به الإنسان من كوارث وأوبئة، وصراع مع الشركاء في الأرض من مختلف الكائنات المتوحشة والحشرات وغيرها. الإنسان يتعلم الصراع منذ بداية حياته، ويظل يصارع الطبيعة والكائنات الأخرى وأخاه الإنسان ما دام حيًّا. الصراع قدر الإنسان في الأرض، وهو بالقدر الذي ينهك الإنسان ويستنزف طاقاته، يظل أحد أعمق الدوافع للإبداع وانبعاث المواهب وبناء الحضارة، بوصف الصراع تحديًا للفرد والمجتمع، ولا تتفجر قدرات الإنسان المختلفة ويبدع بلا تحدٍ.
مادامت الحياة تقوم على الصراع وهو ليس طارئًا في الحياة، فمن الخطأ تربية الأبناء في عوائلنا ومدارسنا على أن العالمَ خيرٌ محض، وأن الشرّ طارئٌ والخير فقط هو الأصيل. ذلك ما يتسبّب بصدمات وانهيارات نفسية وعصبية وقيمية حادة للإنسان، بعد أن يكبر الأبناء ويصطدمون بالواقع المرير. الواقع يفرض على الإنسان أن يعيدَ النظر بفهم ذاته وفهم غيره، وتفسير تناقضات الحياة المختلفة، والسعي للخلاص من ضراوة تحدياتها الموجعة. ‏لا يمكن أن تكون الحياة كلها سعادة وفرح ومرح وابتهاج وسلام ومحبّة ورحمة صافية. لو فرضنا وجود هذا النوع من الحياة يسود في الأرض تتعطل حياة الإنسان، ويتسلط عليها التكرار والملل، ولن يحدث أي تغيير في الحياة، ويتوقف كلُّ شيء عن التطور والتكامل، لأن التطور والتكامل نتيجة طبيعية للتضاد. ‏لا يعرف قيمة السعادة مَن لا يعرف عذاب الألم، ولا يعرف قيمة الفرح مَن لا يعرف نكد الحزن، ولا يعرف قيمة الحُبّ مَن لا يعرف مشقة الكراهية، تٌعرَف الأشياء بأضدادها.
أخصب دروس الحياة تتلخص في معرفة الأشياء بأضدادها، من حروب الأديان وآثارها الكارثية أمس واليوم يتعلم الإنسان أن الله ليس عدو الإنسان، وأن الدينَ يمكن أن يكون صوت صفح ورحمة وإحسان، وأن الإيمان صوت غفران. ومن تفشي الكراهية يتعلم الإنسان أن الكراهية لا تنتج في العلاقة بالإنسان المختلِف إلا كراهية مضاعفة، تُمرِض القلب، وتُسَمِّم الروح، وأن الحُبّ لا ينتج في العلاقة بالآخر إلا حبًّا مضاعفًا، يبثّ السلام في الروح، ويبهج القلب. وبتكريس الحياة الروحية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وامتلاء القلب بالمحبّة، يتعلم الإنسان كيفية التحرّر من أغلال الكراهية، والاحتماء من الشرّ الأخلاقي.
الإنسان كائن شديد التعقيد، من الصعب جدًا تفسير دوافع سلوكه، وتفسير بواعث مواقفه، وطبيعة شخصيته. بقدر ما يمتلك الإنسان من قدرة على البوح والتصريح والكشف يمتلك قدرة مضاعفة على الاختباء خلف أقنعة تحجب ما يكمن في ذاته العميقة. الإنسان بطبيعته مستعد للشر كما هو مستعد للخير أيضًا، لكن قوة محرضات الشر وتفشيها في الواقع تستفز الاستعداد للشر في داخل الانسان ليتفجر الشر بالفعل. يصعب على البشر صناعة الحُبّ، لكن يسهل عليهم صناعة الكراهية، البشر يميلون للشر أكثر من الخير، وللكراهية أكثر من المحبّة، لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا. مادام الإنسان إنسانًا فهو يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. القوانين والعقوبات والقيم الأخلاقية والأديان‏ والثقافات تهدف إلى خفض وتيرة الشرّ إلى أدنى مستوى ممكن، ولولاها لتحوّل الناس إلى أكلة لحوم البشر.
الإنسان كائنٌ لا تسعده نجاحات غيرِه، أكثر الناس يحزن في أعماقه من أيّ منجزٍ ثمين يقدمه قرينه، وإن كان كثير منهم يُظهِر خلاف ما يبطن. وربما يتفاقم حزنه فيتحول إلى موقف عدائي يضج بالحقد والضغينة أحيانًا، وقد يورطه الموقف العدائي بالغدر بأقرب الناس من الأقرباء والأصدقاء؛ لا لشيء إلا لتفوقهم عليه.
قلما نشهد محبّة ليست مشوبة بالكراهية، إلا محبّة الله تنفرد بأنها محبّة صافية، وقلما نرى الإنسان الأخلاقي الذي يعيش الحياة بوصفها سلسلة مواقف تسعده إن أسعد غيره. افتراض علاقات بين الناس تخلو تمامًا من الكراهية افتراض طوباوي غير واقعي. حضور الكراهية في الحياة بموازاة حضور المحبّة أبدي، وهو تعبير عن الصراع المستمر في الأرض، والأضداد في الطبيعة الإنسانية. القوانين والكوابح العقابية والأخلاق والدين والثقافة والعلم والمعرفة والتربية السليمة والتعليم،كلها تخفض كثيرًا من الآثار الفتاكة للكراهية في حياة الأفراد والمجتمات، وتكرّس السلم المجتمعي، وتجعل حياة الإنسان أسهل.
تحوّل الهويَّة إلى معطى رقمي

د. عبد الجبار الرفاعي
تحدث إيلون ماسك على هامش مشاركته في منتدى دافوس 2026 فكشف عن أن البشرية تدخل أكثر مراحل تاريخها إثارة، مع تسارع تحول العالم بفعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات إذ يتوقع أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على ذكاء الإنسان في وقت قريب، وأن يفوق عدد الروبوتات عدد البشر، بحيث يغدو لكل إنسان تقريبًا روبوت يرافق حياته اليومية، يعتني الروبوت بالأطفال وكبار السن، ويؤدي مهام العمل والرعاية. في هذا الواقع الجديد، يرجّح انتشارًا واسعًا للروبوتات البشرية والسيارات ذاتية القيادة، إلى جانب نقلة نوعية في السفر الفضائي عبر صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام تخفّض كلفة الوصول إلى الفضاء.
يعتقد ماسك أن هذا التسارع التكنولوجي يؤسس لازدهار اقتصادي غير مسبوق، ويفتح أفق ما يسميه "الوفرة المستدامة"، حيث تُلبّى الحاجات الأساسية للبشر على نطاق واسع عبر الأتمتة. وفي يوم 13 مايو 2025، خلال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي في الرياض، صرح إيلون ماسك بأن الروبوتات البشرية يمكن أن تضاعف الاقتصاد العالمي عشر مرات، وأنها قد تؤدي إلى وفرة في السلع والخدمات، مما يفتح المجال لتحقيق دخل عالمي مرتفع.
غير أن هذا النمط من التصريحات يكشف الرؤية التقنية الخالصة للإنسان، رؤية تنظر إليه بوصفه شيئًا يجري توظيفه في إنتاج أو وحدة استهلاك قابلة للاستبدال، وتغفل أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والأخلاقية والجمالية.
عندما يفوق عدد الروبوتات عدد البشر على الأرض، يواجه الإنسان تحولًا مهولًا يتعذر عليه استيعابه، لأن بنيته الوجودية لم تتهيأ بعد لمواكبة هذا الانعطاف الحاد في مصيره ومصير العالم الذي يعيش فيه. عاش الإنسان قرونًا بوصفه سيد الأرض، يديرها وفق مصالحه، ويعيد تنظيمها بما يخدم أهدافه، ولم يعرف منذ ظهوره شريكًا ينازعه هذا المقام. اليوم دخلت الروبوتات مجال حياته، وغدًا يتمدد نفوذها إلى مساحات سيادته بوتيرة سريعة، فيجد نفسه إزاء واقع جديد، يربك قدراته النفسية والعاطفية والاقتصادية والحقوقية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ويعيد تشكيل هويته وفقًا لمعطيات هذا الواقع الرقمي ورهاناته، ويتركه عاجزًا عن استيعاب الأمواج العاصفة لهذا الانعطاف وارتدادته المثيرة. هذا التحول لا يشبه شيئًا مما خبره الإنسان في تاريخه الطويل، إذ لا يتعلق بأداة إضافية أو تقنية عابرة، وإنما يمس معنى الفعل الإنساني نفسه، وحدود السلطة على العالم، وصورة الإنسان عن ذاته وما حوله، في عالم يعاد تشكيله خارج إيقاع المعارف والخبرة المألوفة له، وداخل أفق يهدد بتعميق اغترابه، إذا لم يستعد وعيه ومعاييره الإنسانية قبل أن يستعيد أدواته.
في هذا الواقع تتحوّل الهوية إلى الأثر الذي يظهر على الشاشة ويقاس بالأرقام ويدار بالخوارزميات. في أفقها الوجودي تتشكّل الهوية ببطء، عبر الذاكرة والاختيار والقلق والسعي والسؤال، بوصفها مسارًا مفتوحًا لا صورة مكتملة. أمّا في الفضاء الرقمي فتعاد صياغتها وفق منطق العرض والتداول، وتغدو بيانات قابلة للتصنيف، وسلوكًا قابلًا للتنبؤ، وحضورًا يكافأ بقدر ما يُرى ويُستهلك. تلعب الخوارزميات دور الوسيط الحاسم في هذا التحول، إذ لا تكتفي برصد ما يفعله الإنسان، بل تعيد تشكيل ما يراه وما ينتبه إليه، فيتعلم أن يعدل صورته بما يوافق طلب المنصة لا بما ينسجم مع طبيعته وإمكانات ذاته المتاحة، ويتحوّل السؤال: مَن أكون إلى كيف أظهر. عندئذ تفقد الهوية عمقها الزمني في الذاكرة ودلالاتها الرمزية، وتغدو آنية متقلبة، محرومة من الصيروة التي تنضج فيها الذات. يحل منطق التفاعل الرقمي محل منطق المعنى، فينشأ اغتراب جديد يقوم على حضور كثيف في الفضاء يقابله استلاب للذات.
حين تتحول الهوية إلى معطى جاهز للتصنيف والتداول، تلتقطه الخوارزميات وتعيد إنتاجه في صور وانتماءات وبيانات مقطوعة الصلة بالذاكرة والرصيد الرمزي. لا تعود الهوية مسارًا يتكون في التجربة، ولا علاقة مفتوحة بين الإنسان والعالم، وإنما تغدو شيئًا قابلًا للعرض والقياس والمقارنة الرقمية، خاضعًا لمنطق السوق ومعادلات خوارزميات التسلط والهيمنة والاحتكار. حيث ينطفئ وهج الإنسان في دلالات رقمية، ويقيس حضوره بعدد المتابعين والتفاعلات، فتفقد الهوية عمقها الوجودي، ويتراجع بعدها الأخلاقي والروحي والجمالي، ويحل محله شكل من الامتلاء الرقمي الزائف الذي يغطي فراغ المعنى، فتصير الهوية شيئًا من الأشياء المنتجة خوارزميًا. لا ينبع خطر هذا التشيؤ من التقنية ذاتها، وإنما من انقطاع الصلة بين الهوية والذاكرة والرمز والمعنى، حين تحل الوسائط محل التجربة الوجودية، والصورة محل الحضور، والانتماء المعلن محل القلق الخلّاق الذي يواكب تشكل الذات. الهوية حين تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى قناع، وحين تنفصل عن الحرية تصير أداة، وحين تنغلق داخل قوالب رقمية جاهزة تعطل إمكان السؤال والتفكير الخلّاق.
مع ذلك لا يكون هذا التحول قدرًا حتميًا، إذ تظل استعادة الهوية بوصفها تجربة وجود ممكنة ما دام الإنسان يحافظ على حقه في التأمل، ويبني علاقته بذاته خارج منطق الأرقام، ويصون ما لا يعرض ولا يحسب بالأرقام، كالقلق، والسؤال المفتوح على المعنى. الخلاص لا يتحقق برفض العصر الرقمي، وإنما بترسيخ الهوية كصلة وجودية بالذات والآخر والعالم، صلة تقاوم الذوبان في الخوارزميات، وتحفظ للإنسان كرامته بوصفه ذاتًا تتساءل وتفكر وتشعر وتبحث، لا رقمًا في معادلة، ولا صورة في أنظمة بلا روح.
ما دامت الهوية ليست معطى جاهزًا ولا توصيفًا اجتماعيًا أو تقنيًا، إنما تجربة وجودية حيّة تتشكل في أفق المعنى، وتتوالد عبر الوعي والاختيار والعلاقة وبناء الذات، فأن الفضاء الرقمي يدفع بهذه الهوية نحو التحول إلى معطى تقني قابل للحساب. يحدث هذا التحول بفعل عدة عوامل، في مقدمتها اختزال الإنسان إلى بيانات وأنماط سلوكية قابلة للقياس والتنبؤ، فتفقد الهوية عمقها الداخلي، وتتحول إلى ملف رقمي يدار من الخارج. يتعارض هذا الاختزال مع طبيعة الإنسان بوصفها ملتقى الأضداد، حيث يتوالد من الأضداد في طبيعة الإنسان التوتر المنتج للإبداع والإنجاز والتنوع، ويؤكد كون الإنسان كائنًا يحمل فائض معنى لا يستنفد في أي توصيف، ولا يختزل في نموذج حسابي مهما بلغ من الدقة.
يضاف إلى ذلك هيمنة العقل الأداتي التقني الذي لا يسأل عن المعنى، فتعاد صياغة الهوية وفق منطق الأداء والتصنيف والتوافق مع الخوارزميات، ويتحول سؤال: مَن أنا إلى سؤال كيف أُصنَّف. كذلك تنفصل الهوية عن ذات الإنسان، حيث يستحوذ الحضور الرقمي على التحقق الوجودي، فيتراجع الإنصات إلى الذات ويتسع الاغتراب.
تتمة المقال على الرابط:
https://alsabaah.iq/127072-.html
عبد الجبار الرفاعي الثائر الهادئ بروح المؤمن : بهجة الروح وقلق الموت

د. طه جزاع
لا تُعَدّ جهود المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي طارئة على حركة الفكر الديني، بل هي امتدادٌ طبيعي لسلالة عريقة من المجدّدين الذين سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي: من الفارابي وابن سينا وابن رشد،إلى محمد عبده جمال الدين الأفغاني محمد عبده ورشيد رضا، ثم محمد إقبال، وصولاً إلى حسن حنفي ونصر أبي زيد. وبين هؤلاءجميعاً يبرز صدر الدين الشيرازي، الذي سبقهم بقرون، بوصفه حلقة وصل مؤثرة في تشكيل الحسّ الفلسفي والكلامي الحديث. وفي هذه السلسلة الفكرية ينتسب الرفاعي، لا بوصفه شارحاً أو مكرّراً، بل واحداً من أبرز من صاغوا علم الكلام الجديد وفلسفة الدين بلغة معاصرة، وبمنهج يقلب المقولات القديمة رأساً على عقب، لأنها- كما يقول- " لا تورثُ الروح سكينتها، ولا القلبَ طمأنينته، ولا تكرّسُ المحبّة ". 
سرّ الإقبال على كتبه… ولماذا تنفد سريعاً ؟
لستُ هنا بصدد حصر مشروعه الواسع الممتدّ أكثر من نصف قرن في التأليف والتحرير والمناظرة والمحاضرة والنشر، فذلك يحتاج إلى مجلدات. إنما لافتٌ أنّ ظاهرة الرفاعي في العراق تستحق التوقف : كتبٌ في الفلسفة وعلم الكلام وفلسفة الدين - وهي عادةً الأبعد عن الرواج - تنفد بالكامل ويُعاد طبعها مرات عديدة. سلسلة مؤلفاته عن الدين: الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية، مقدمة في علم الكلام الجديد، لاقت إقبالاً يتجاوز حدود التخصص والأكاديميا،إلى قراء يبحثون عن فكر مستنير، ولغة واضحة، وطرحٍ عقلاني عميق بعيد عن الدوغمائية. والسرّ ؟ الأسلوب الذي - كما قال بوفون – هو الرجل نفسه. أسلوب لا يتكلف ولا يتصنع، نابض بشخصية كاتبه وصدقه. ويضاف إلى ذلك فضيلته الأساسية: قدرته على قراءة النص القديم كأنه نصّ راهن، يفككه، يرمزّه، يعيد الحياة إليه، ويدرجه في أسئلة عصرنا، واحتياجات الإنسان الروحية والنفسية والمادية. ولعل هذا ما دفع الكاردينال لويس ساكو بعد قراءته "الدين والظمأ الأنطولوجي" ليكتب: "أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ رسالة الإيمان" .
رسالة الرفاعي ليست تنظيراً مجرداً، بل دعوة إلى ما يسميه "إيمان الحبّ"، إيمانٌ لا يتصادم مع العقل، ولا يتبرّم من الشك، بل يتخذه جسراً للحقيقة، على طريقة الغزالي وديكارت: "من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلال".
من هنا يبدو الرفاعي أقرب إلى "الثائر الهادئ"، الذي يكتب بروح المؤمن، ويحاكم التراث بعقل الفيلسوف، ويقاوم العنف والكراهية بكلمة رقيقة تذكّر بقول الرومي: "توضأ بالمحبّة قبل الماء… فإن الصلاة بقلبٍ حاقد لا تجوز". في كتابه "مسّرات القراءة ومخاض الكتابة" يخوض الرفاعي أصعب أنواع الكتابة: كتابة السيرة، وهي في الوقت نفسه من أصدق الاعترافات وأمتعها، حين يكون صاحبها صريحاً يحترم قارئه، ويؤمن بأن تجربته الخاصة – بما فيها من أخطاء – تستحق أن تُروى. في هذا الكتاب ينقل للقارئ محطات مهمة من حياته، وذكرياته مع الكتب والمكتبات، وكيف صارت القراءة شرطاً وجودياً عنده: "لا قيمة لكتابة لا تعتمد العقل، العقلُ لا غير هو ما يحمي الانسانَ من الانزلاق في متاهات الخرافات والأوهام والجهالات".
عام 1971 اكتشف مصادفة مكتبة عامة قرب مدرسته في مدينة الشطرة جنوب العراق، وفيها عثر على الجزء الأول من كتاب: "لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث" لعلي الوردي، ثم على "معالم في الطريق" لسيد قطب، الذي أسرَه زمناً قبل أن يكتشف – بجرأة عقلية – أن تلك الكتابات "لا تقول شيئاً نافعاً"، وأنها أبعدته عن الواقع بوعد خلاصيّ لا أساس له. ذلك الفتى الذي اشترى أولى مجلاته من بائع صحف بسيط،وصُدم لرحيل جمال عبد الناصر عبر افتتاحية لأحمد زكي في مجلة "العربي"، سيغدو لاحقاً من أبرز المجددين في الفكر الديني الحديث.
يمتلك الرفاعي اليوم مكتبة تضيق بها غرف البيت، تجمع قرابة ثلاثين ألف كتاب ومجلّة ودورية. يتعامل مع الكتب ككائناتٍ حيّة، تُبهج حضورها الروحُ والعقل، اذ يقول: "وجودُ الكتب في كلّ بيت أسكنه يخفضُ الشعورَ بالاغترابِ الوجودي وقلق الموت". لا يزال الرفاعي يتحسّر على كتب لم يستطع شراءهافي وقتها، مثل دائرة معارف البستاني التي رآها في شارع المتنبي عام 1973 ولم يكن يملك ثمنها.
في نيسان 1980، وبينما كان في الكويت بعد هروبه الليلي من العراق عبر الصحراء، قاده شغفُ الكتب إلى موقف خطير: دخل مخزناً واسعاً للكتب تحت الأرض، وانغمس فيها حتى نسي الزمن. وبعد خمس ساعات من "معاشرة الكتب" خرج ليجد المكتبة مغلقة، وهو بلا جواز سفر، ولا وثيقة إقامة! . كيف خرج من هذا المأزق؟ وما الذي جرى بعده؟ ذلك ممّا تُحيله فصولُ "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة" إلى القارئ ليستمتع به دون أن يُفوّت شيئاً من حكايات الرفاعي ونوادره التي لا تُحصى.
يقول عن شغفه هذا : "أنا قارئ قبل كلَّ شيء وبعد كلَّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحد في حياتي".
‏مجلة دار السلام، العدد 22، شباط 2026.

د. طه جزاع، أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد.
مديونيتي لكتابات عبد الجبار الرفاعي

بهاء سوادي، طالب في المرحلة الخامسة بكلية طب جامعة البصرة.

تلكَ الإثارةُ الأولى التي تولدت في حياتي مع الإلهامِ القوي للقراءات حولَ الدّين وقضاياه، لم تكن لتحققَ مبتغاها
ولا مرادَها للمعنى لولا جهود الرفاعي التي قدّمها لنا، في كتاباتِه ورؤيتهِ الأخاذة حولَ الدّين.
لقد اندفعتُ دفعاً قوياً للتفحصِ في قضايا الدّين،
ممتلئاً بالفضولِ والشغفِ والتساؤلات، وفي أفقِ انتظارٍ معلّقٍ بين القبولِ بأيديولوجيا دينية (سلفية) سائدة في مجتمعي، وبين إثارةٍ حالمةٍ بقراءاتٍ جديدة تمنحُ الإنسانَ وجودَهُ المعنوي والأخلاقي والقيمي في الحياة.
كنتُ غيرَ مستقرٍ وكانت حياتي مليئةً بالتناقضاتِ،
مشحونة ببعض الحزازيات اثـر الانتماءاتِ العرقيّة المعقدة؛ حتى توجهتُ بقراءتي -كقراءةٍ أولى لمؤلفاتِ الدكتور الرفاعي-
نحو مؤلفه "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" بطبعته الأولى (القديمة على ما أعتقد). قرأتُه بجهدٍ واسعٍ، ذهنياً وروحياً،
الى أن تفتحت بداخلي الرؤيةُ الجديدة، محمّلةً بالحياةِ الجديدة لابنِ الجيلِ الجديد.
رحتُ أسيرُ بين سطورِ المفكر الكبير، فوجدتُ بين حروفه البيضاء
ذلك النور الباحث عن مديّـونيةِ المعنى.. تيممتُ بالضوءِ حقاً!
وصرتُ بصددِ إشراقةٍ جديدةٍ في حياتي، إشراقةٍ بدأت بإزالةِ الغموضِ واللبسِ عبر التنوير، ثم الارتقاء بأفكارٍ تحمل القراءةَ الجديدة للحياة والدين عبر بوابةِ العقلانية.
على يقين بأن كل مَن يقرأ للدكتور الرفاعي سيكون أكثر استرخاء في إراءة وطرح رؤياه وأفكاره ومعتقداته، فيصبح من اولئك "الذين يمشون على الإرض هوناً
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما".
تمت يوم 3 -2-2026 في جامعة الأديان والمذاهب مناقسة اطروحة دكتوراه الباحث علي المدن الموسومة: "نقد العقل التراثي لدى جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي". تميزت هذه الاطروحة بأنها ابتكرت موضوعا لم يسبقه إليه أحد من جيل أساتذته ومن سبقهم، ولا من جيله في الجامعات. علي المدن اكتشف خارطة طريقة وهوية معرفية للفكر الديني العراقي الحديث، ورسمها ببراعة ريشة فنان يري التفاصيل والجزئيات بجلاء ويعيد تركيبها في اطار نظري واضح. تميزت هذه الاطروحة بتحقيب التطور التاريخي للفكر الديني العراقي الحديث، وتجييله في محطات زمنية تعكس تطور هذا الفكر وترصد مشاغله لأكثر من قرن. تحدث المدن عن الجيل الأول في الفكر الديني العراقي وأعلامه، وهم: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد جواد البلاغي، ومحمد حسين كاشف الغطاء. والجيل الثاني وأعلامه: محمد رضا المظفر، ومحمد أمين زين الدين، ومحمد باقر الصدر. والجيل الثالث وأعلامه: عمار أبو رغيف، وكمال الحيدري، ويحيى محمد، وعبد الجبار الرفاعي.
هذا الظمأ ليس مجازيًا ولا نفسيًا فحسب؛ إنه ظمأ أنطولوجي: عطشٌ إلى الامتلاء الوجودي، إلى المعنى، إلى حضورٍ يتجاوز عبثية العالم، وإلى يقينٍ لا تمنحه العلوم ولا الفنون وحدها. لذلك لا يرى الرفاعي أن الدين منافسٌ للعلم أو للفن، بل يرى أن كليهما يغنيان الحياة، لكنهما لا يرويان الظمأ العميق الذي يوقظ السؤال الأخير: لماذا نعيش؟ ولماذا نموت؟ وإلى أين نمضي؟
الدين كسلّم للارتقاء لا كجدار للعقل: ينتقد الرفاعي الفهم الأداتي للدين بوصفه أداة سلطة أو وسيلة تعبئة سياسية أو نظامًا أيديولوجيًا مغلقًا. الدين – عنده – ليس مشروعًا للهيمنة، بل سلّمٌ وجودي يرتقي عبره الإنسان نحو كمالٍ أخلاقي وروحي وجمالي. وهو هنا يلتقي، ضمنيًا، مع تقاليد التصوف الفلسفي، لكن دون الوقوع في رومانسيته أو مثاليته المطلقة.
ما يميّز طرح الرفاعي هو محاولته الجمع بين ثلاثة أبعاد غالبًا ما تُفصل عن بعضها:
1. العقل النقدي الذي يمنع الانزلاق إلى الخرافة.
2. القلب المتعبد الذي يحفظ حرارة الإيمان.
3. الروح المتأملة التي تتوق إلى الجمال والمعنى.
بهذا المعنى، لا يريد دينًا بلا عقل، ولا عقلًا بلا إيمان، ولا إيمانًا بلا أخلاق.
الموت بوصفه الامتحان النهائي للدين: يُعطي الرفاعي للموت مكانة مركزية في فهمه للدين. فالموت ليس مجرد نهاية بيولوجية، بل هو اللحظة التي ينكشف فيها صدق الإنسان مع نفسه. هنا يفشل الادعاء المادي الخالص؛ لأن الإنسان لا يطلب الفناء، بل يطلب الديمومة، ولا يطيق فكرة الانعدام التام.
الدين – في هذا السياق – ليس هروبًا من الموت، بل تفسيرٌ له:
هو يحوّل الموت من انقطاع مطلق إلى تحوّلٍ وجودي، من انطفاء إلى انتقال، من نهاية مغلقة إلى أفقٍ مفتوح. وهنا يكمن سرّ جاذبية الدين عبر العصور: إنه يمنح معنى لما لا يحتمله الإنسان بلا معنى.
أزمة الشباب بين الفراغ والدم: من أعمق مقاطع الكتاب هو تحليل الرفاعي لانجذاب بعض الشباب الغربي إلى العنف المتطرف. فهو لا يفسّره فقط بالفقر أو الجهل أو السياسة، بل بفراغٍ روحي قاتل، وظمأٍ أنطولوجي لم يُشبَع، واغترابٍ وجودي داخل مجتمعات وفّرت المتعة لكنها أفرغت المعنى.
هؤلاء الشباب – كما يصوّرهم – يشبهون عطشى يظنون أن ماء البحر عذب، أو راكضين وراء سرابٍ يتبدّد كلما اقتربوا منه. إنهم يبحثون عن لهيبٍ روحي يوقظهم من رتابة الاستهلاك، لكنهم يسلكون دروبًا مدمّرة تقودهم إلى مزيد من الظلام.
أدلجة الدين وتفريغه من روحه: يقدّم الرفاعي نقدًا حادًا لما يسميه أدلجة الدين، أي تحويله إلى برنامج سياسي صلب، أو أداة صراع، أو نظام تعبئة جماهيرية. هذه الأدلجة – في رأيه – لا تحرّر الإنسان بل تستعبده، ولا تُنير العقل بل تطفئه، ولا تُحيي الروح بل تجفّفها. نقده لعلي شريعتي ليس رفضًا للدين الثوري بقدر ما هو رفضٌ لتحويل الدين إلى أيديولوجيا مغلقة تطمس الواقع بدل أن تكشفه، وتبرّر العنف بدل أن تداويه.
البحث عن الذات كرحلة روحية وفكرية: في مقدمات الطبعات المختلفة، يتحوّل الكتاب إلى سيرة ذاتية روحية غير مباشرة. الرفاعي لا يكتب عن الدين من خارج تجربته، بل من داخل معاناته، شكّه، مراجعاته، تراجعاته، ونضوجه البطيء.
هو يعترف بأنه عاش زمن الشعارات، ثم زمن النقد، ثم زمن التأمل، ثم زمن الإيمان الذي لا يقتل العقل بل يحرّره. كتابه إذًا ليس أطروحة نظرية فحسب، بل رحلة بحث عن الذات المختبئة، عن صورة الله التي طُمست تحت ركام التاريخ والسياسة والسلطة.
صورة الله بين الرحمة والعنف: أحد أعمدة مشروعه هو تطهير صورة الله من القسوة التي ألصقتها بها قراءات سلفية حرفية أو أيديولوجية. الله – عند الرفاعي – ليس إله الحرب والانتقام، بل إله الرحمة والجمال والحرية والكرامة والسلام.
الدين الذي لا يُنجب رحمةً ليس دينًا، والتدين الذي لا يثمر جمالًا أخلاقيًا ليس تدينًا، والإيمان الذي لا يحرّر الإنسان من الخوف ليس إيمانًا.
يمكن قراءة الدين والظمأ الأنطولوجي بوصفه محاولةً كبرى لإعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي، وزمن الضياع، وزمن العنف باسم المقدس. إنه كتابٌ يريد أن: يعيد الدين إلى قلب الإنسان بدل أن يجعله فوقه كسيفٍ مسلّط. ينقذ الإيمان من الأيديولوجيا. يحرّر النص من سجون التاريخ. ويعيد للروح حقّها في السؤال والدهشة والجمال.
في النهاية، ليس الرفاعي داعية تصوف ولا مدافعًا تقليديًا عن الدين، بل مفكرٌ يقف على حافة الفلسفة واللاهوت والتجربة الشخصية، محاولًا أن يكتب لاهوتًا للظمأ، وأخلاقًا للقلق، وإيمانًا للحرية.
https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid0jCthmYazgYNBYZyzQtvz6nEGUwe2NKHUifzmeFZ5XUKPZ1h6X9FRFmNknj4bqP6gl&id=61551631575488
تمثّلات الدين في أزمنة الظمأ: عبدالجبار الرفاعي وسؤال الذات في كتابه الدين والظمأ الأنطولوجي

د. محمد الزكري القضاعي
لا يمكن قراءة كتاب عبدالجبار الرفاعي "الدين والظمأ الأنطولوجي" بوصفه مجرّد أطروحات في الفكر الديني أو محاولات للتجديد اللاهوتي. بل ينبغي النظر إليه كمسارٍ لتكوُّن ذاتٍ مفكرة تتحرّك داخل توتّرٍ تاريخي ومعرفي حاد بين الدين والحداثة، بين التراث والعقل النقدي، وبين الإيمان والقلق الوجودي. ومن هنا تأتي فاعلية العدسة التحليلية في الاقتراب من مشروع كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" ؛ هناك أهمية حرجة مرتبطة بقراءة نصوص الكتاب لا بوصفها إجابات جاهزة، بل بوصفها استجابات متتابعة لأحداثٍ مُؤسِّسة، وفراغاتٍ معرفية، وأسئلةٍ كونية، ورحلةٍ بين جغرافيات فكرية متعدّدة. إذا انطلقنا من مفهوم يرى الذات بوصفها عملية تَذويت مرتبطة بالحدث، فإن ذات الرفاعي لا تظهر مكتملة منذ البداية، بل تتشكّل تدريجيًا عبر سلسلة من الصدمات الفكرية والسياسية والروحية: صدمة الحداثة، وأزمة التراث، وانكسارات المشروع الأيديولوجي الديني، وتجربة العنف باسم المقدّس، وارتطام الوعي الديني بواقعٍ علمي–تقني متسارع. بهذا المعنى، فإن كل طبعة من طبعات " الدين والظمأ الأنطولوجي" ليس محطةً مستقلة، بل فصلٌ في سيرة ذاتٍ تفكر عبر الأحداث، وتعيد صياغة نفسها مع كل تحوّلٍ تاريخي ومعرفي.
من زاويةٍ ثانية، يصبح مشروع الرفاعي مفهومًا بوصفه اشتغالًا على فراغٍ معرفي بالمعنى الفلسفي: فراغٌ بين لغة الدين التقليدية ولغة الحداثة، فراغٌ بين الفقه والروحانية، فراغٌ بين النص المقدّس وأسئلة الإنسان المعاصر، وفراغٌ بين الإيمان والحرية النقدية. الرفاعي لا يبدأ من يقينٍ مُحكم، بل من رصد هذه الفراغات بوصفها مشكلةً فلسفية ولاهوتية معاصرة، ويحاول عبر كتاباته أن ينتج لغةً دينية جديدة تستطيع تمثيل ما لم يعد ممثَّلًا في الخطاب الديني الكلاسيكي.
وفي مستوى ثالث، يمكن قراءة الرفاعي عبر سؤال الحقيقة والكونية. فهو لا يكتفي بالدفاع عن خصوصيةٍ دينية محلية، ولا ينزلق إلى نسبيةٍ ثقافية تُفرّغ الحقيقة من معناها الأخلاقي، بل يسعى إلى تصورٍ للدين بوصفه أفقًا كونيًا للمعنى والكرامة والرحمة والحرية. بهذا المعنى، يقع مشروعه على مسافة نقدية من كل من السلفية المنغلقة وما بعد الحداثة النسبية، محاولًا شقّ طريقٍ ثالثٍ يجعل الدين قابلًا للكوننة دون أن يفقد جذوره. أما في المستوى الرابع، فإن مشروع الرفاعي يتكشف بوصفه رحلةً بين جغرافيات معرفية متعددة يتحرك بين الشرق والغرب، بين التراث والفلسفة الحديثة، بين علم الكلام القديم واللاهوت المعاصر، وبين العقل النقدي والتجربة الروحية. هذه الحركة ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا لنضج الذات؛ فالذات لا تكتمل داخل محليتها، بل عبر العبور بين فراغات معرفية متباعدة، وجمع شظايا الحقيقة الموزّعة عبر العالم.
انطلاقًا من هذه الأدوات، يمكن وضع الحدث المؤسِّس لفكر الرفاعي في مفترق طرقٍ تاريخي: أزمة العلاقة بين الدين والحداثة، مقرونةً بانكشاف حدود الأيديولوجيا الدينية في تفسير العالم الحديث، وبروز العنف باسم المقدّس، واتساع الفراغ الروحي في عالمٍ استهلاكي بلا معنى. هذا الحدث لا يظهر بوصفه واقعةً واحدة، بل كشرطٍ تاريخي طويل المدى يُعيد تشكيل الوعي الديني من جذوره. هكذا يُقرأ كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي بوصفه مشروعًا فلسفيًا-لاهوتيًا يسعى إلى إعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي. لا كدفاعٍ تقليدي عن الدين، ولا كنقدٍ علمانيٍّ له، بل كمحاولةٍ فلسفية–لاهوتية لإعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي، زمن الفراغ، وزمن البحث المضطرب عن الذات. إن مشروعه هو في جوهره مشروعُ ذاتٍ تسائل نفسها عبر الحدث، وتفكّر من داخل الفراغ، وتنشد الحقيقة الكونية، وتسافر بين العوالم الفكرية بحثًا عن لغةٍ جديدة للإيمان. التوقف أمام تقدير أنه لم يعد الدين في عالمنا المعاصر مجرد منظومة تشريعية أو جهازًا أخلاقيًا ضابطًا للسلوك، ولا مجرد إرثٍ طقوسي يُورَّث بلا مساءلة، بل أصبح ساحةً كبرى للصراع على المعنى، ومختبرًا قلقًا لوجود الإنسان ذاته. في هذا الأفق المضطرب، يقدّم عبدالجبار الرفاعي في كتابه الدين والظمأ الأنطولوجي محاولةً جذرية لإعادة تموضع الدين داخل الكينونة البشرية، لا بوصفه سلطةً فوقية أو أيديولوجيا سياسية، بل باعتباره استجابةً لظمأٍ وجودي أصيل يسكن الإنسان منذ أن وُجد.
الظمأ بوصفه بنية وجودية لا ظرفًا عابرًا: ينطلق الرفاعي من فرضية أن الظمأ للمقدس ليس حالة طارئة يولدها الخوف أو الجهل، بل هو بُعدٌ بنيوي في الكينونة الإنسانية ذاتها. الإنسان – في تصوّره – كائنٌ ناقص بالضرورة، مفتوح على ما يتجاوزه، محكوم بتوترٍ دائم بين المحدود واللامحدود، بين الفاني والأبدي، بين الجسد المتناهِي والروح المتطلعة إلى المطلق.
من مكاسب الذكاء الاصطناعي
من مكاسب الذكاء الاصطناعي
د. عبد الجبار الرفاعي
مكاسب الذكاء الاصطناعي التوليدي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، إذ يمثل هذا الذكاء منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما يكون الأعظم في تاريخ تطور التكنولوجيا، من حيث آثاره المتنوعة في مجالات الحياة المتنوعة، منذ اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.
بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لبلادنا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمّق اغترابنا عن العصر.
من مكاسب الذكاء الاصطناعي تطوير التربية والتعليم بوصفه تحولًا في معنى التعلم ذاته، إذ ينتقل التعليم من نموذج التلقين إلى تجربة شخصية تتكيف مع شخصية المتعلم واستعداده وطرائق فهمه، فيتيح مسارات تعليمية مرنة تعالج الفجوات المعرفية منذ بداياتها، وتدعم التعليم المستمر، كما يمكّن المعلم من أداء دوره التربوي عبر تخفيف أعباء التصحيح والأعمال الإدارية، وتزويده بتحليلات دقيقة عن تقدم الطلبة واستجابتهم، واقتراح استراتيجيات تدريس أكثر ملاءمة، ويسهم في إثراء المحتوى التعليمي عبر المحاكاة، والواقع الافتراضي، والتجارب التفاعلية التي تحول المعرفة إلى خبرة معاشة، ويعزز تكافؤ الفرص التعليمية من خلال منصات ذكية تتجاوز حدود المكان والزمان، وتخدم المتعلمين في البيئات المضطربة.كما يفتح أفقًا واسعًا للتعليم الشامل عبر أدوات داعمة لذوي الاحتياجات الخاصة، من ترجمة فورية، وقراءة ذكية، وتكييف المحتوى، إلى جانب تحسين إدارة المؤسسات التعليمية عبر التنبؤ بالتسرب، واعداد المناهج، وتقييم جودتها بصورة مستمرة، ليغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا يعيد بناء التعليم بوصفه فعل فهم وتكوين إنساني، لا مجرد تكديس للمعرفة أو استبدال لدور المعلم والمتعلم.
كما يحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا عميقًا في الطب، إذ يسهم في تسريع تحليل البيانات الطبية الضخمة مثل السجلات الصحية والجينومات، مما يتيح فهمًا أدق للأمراض المعقدة، ويدعم التشخيص المبكر عبر تحليل صور الأشعة والرنين المغناطيسي والتصوير المجهري بدرجة عالية من الدقة.كما يمكّن من تطوير الطب الشخصي من خلال مواءمة العلاج مع الخصائص الجينية والبيولوجية لكل مريض، ويساهم في تسريع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الجزيئية والتنبؤ بفاعلية المركبات قبل التجارب السريرية. إلى جانب دوره القادم عبر الروبوتات الجراحية التي تمكّن من تدخلات دقيقة طفيفة التوغل الجراحي، وتقلل الأخطاء الطبية، وتحدّ من النزف والمضاعفات، وتسرع تعافي المرضى، كما تسمح بإجراء عمليات معقدة عن بُعد بدقة عالية، إضافة إلى تحسين مراقبة المرضى والتنبؤ بتدهور الحالات الصحية قبل تفاقمها، ودعم القرار الطبي بما يرفع جودة الرعاية ويخفض المخاطر ويحفظ حياة الإنسان.
يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا في تطوير الصناعة الدوائية، إذ يغيّر جذريًا المدة والكلفة والطرق التقليدية لإنتاج الأدوية، فيسهم في تحليل البنى الجينية والبروتينية للفيروسات والبكتيريا بسرعة فائقة. في الصناعة الدوائية يساعد الذكاء الاصطناعي على فحص ملايين المركبات الكيميائية افتراضيًا لاختيار الأكثر نجاعة بالعلاج، والتنبؤ بفعاليتها وآثارها الجانبية في المراحل المبكرة، مما يقلّل من معدلات الفشل في التجارب السريرية، ويسرّع الانتقال من البحث إلى الإنتاج، كما يدعم تحسين تركيبات الأدوية، وضبط جرعاتها، وتطوير أدوية مخصصة وفق الخصائص الجينية للمرضى، إضافة إلى تحسين سلاسل الإمداد الدوائي والتنبؤ بالطلب، ليغدو الذكاء الاصطناعي عنصرًا مركزيًا في صناعة دوائية أكثر دقة وسرعة وكفاءة، منخفضة الكلفة، وقادرة على الاستجابة السريعة للأوبئة والأمراض المستعصية.
يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم على إحداث تحول عميق في اكتشاف اللقاحات وتطويرها، إذ لم يعد البحث العلمي فيها مسارًا بطيئًا قائمًا على التجربة العمياء، بل أصبح فعلًا ذكيًا يستند إلى نمذجة دقيقة للبنى البروتينية للفيروسات، والتنبؤ بالمناطق الأكثر قابلية لأن تُستهدف لقاحيًا. تمكّن هذه النمذجة من محاكاة التفاعل بين اللقاحات والجهاز المناعي داخل بيئات رقمية، فتختبر الفرضيات قبل الانتقال إلى المختبر، ويعاد ترتيب مسار البحث. ظهر ذلك جليًا في تسارع تطوير لقاحات كوفيد-19 بفضل استخدام الخوارزميات لتحليل بروتين الشوكة واختيار البنى الأكثر قدرة على تحفيز الاستجابة المناعية، إلى جانب اعتماد تقنيات حديثة مثل لقاحات mRNA والتعاون الدولي واسع النطاق الذي وفر تمويلًا غير مسبوق. وقد أتاح نموذج AlphaFold لاحقًا تنبؤًا عالي الدقة ببنية البروتينات، مما فتح آفاقًا جديدة لتطوير لقاحات وأدوية ضد فيروسات سريعة التحور، وإن لم يكن دوره المباشر في اللقاحات الأولى كبيرًا. في هذا المجال، لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور الإنسان، بل يعزز معرفته ويجعل المرض أكثر قابلية للفهم، بحيث يصبح اللقاح ثمرة معرفة علمية تتقدم نحو مواجهة الفناء.
يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في السعي لاكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض العصية، عبر نقلة نوعية في فهم المرض وآلياته، إذ يتيح تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والبروتينية والسريرية لاكتشاف الطفرات الدقيقة والمسارات الخلوية المسؤولة عن نشوئه وتطوره، ويمكّن من التمييز بين أنماطه داخل النوع الواحد، فاتحًا الطريق أمام الطب الدقيق الذي يختار العلاج الأنسب لكل مريض وفق بصمته الجينية. كما يسرّع اكتشاف الأدوية عبر محاكاة التفاعلات الدوائية والتنبؤ بفعاليتها قبل التجارب السريرية، ويسهم في تطوير علاجات موجهة ومناعية أكثر فاعلية، وإعادة توظيف أدوية قائمة بآليات جديدة، وتحسين تصميم التجارب السريرية واختيار المرضى الأكثر استجابة. في الأمراض المستعصية مثل ألزهايمر والباركنسون، يساعد الذكاء الاصطناعي في كشف المؤشرات الحيوية المبكرة وفهم الشبكات العصبية المعطوبة، ممهدًا لتدخلات تستهدف جذور المرض لا أعراضه فقط. بذلك يغدو الذكاء الاصطناعي شريكًا علميًا يحول السرطان والأمراض العصية من مصير مغلق إلى مسار علاجي مفتوح على الأمل، قائم على المعرفة الدقيقة والتشخيص المبكر والوقاية والسيطرة التدريجية.
يعود بطء اكتشاف علاجات ناجعة للسرطان والأمراض المستعصية إلى تعقيد هذه الأمراض ذاتها، وإلى الفجوة بين الاكتشاف النظري والتحول السريري الآمن، إضافة إلى منطق السوق الرأسمالية القائم على تقديم الاهتمام بالأرباح وتكديسها، على التفكير بجودة حياة الإنسان، لذلك يهتم بالعلاجات الأقل مخاطرة مالية، ولا يشجع على توظيف رؤوس أموال هائلة في مسارات علاجية عالية الكلفة وغير مضمونة، فضلًا عن حدود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعتمد على بيانات غير مكتملة، ومع ذلك فإن ما ينجزه هذا الذكاء اليوم يعيد تفكيك المرض ويحوله من مصير مغلق إلى حالة يمكن إدارتها والسيطرة عليها تدريجيًا.
وعلى الرغم مما يثيره تسارع الذكاء الاصطناعي في الطب من وعود كبيرة في التشخيص والعلاج والوقاية، ومن دقة قراءة الفحوص الطبية إلى تصميم علاجات مخصَّصة لكل مريض، غير أن هذا التحول لا يقاس بإنجازه التقني وحده. الطب يمس الجسد والكرامة وحق الإنسان في الحياة، والخوارزميات المعتمدة على بيانات ناقصة أو منحازة قد تنتج تشخيصًا جائرًا أو علاجًا مؤذيًا، كما أن التلاعب بالبيانات يهدد مصداقية البحث العلمي ويقوض الثقة بالمعرفة الطبية، ويمكن أن يمارس التحايل في أنظمة التأمين ورفع كلفة الرعاية الصحية. ويتفاقم الخطر مع اتساع الفجوة الصحية بين الدول، حيث تحتكر المجتمعات المتقدمة تقنيًا أفضل العلاجات، فيما لا تتاح لغيرها من الدول الفقيرة هذه التقنيات وفرص العلاج والوقاية. لذلك لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي الطبي كأداة محايدة، إذ إن غياب الشفافية والمساءلة والأطر الأخلاقية والقوانين الصارمة يحول الوعد العلاجي إلى مصدر جديد للهيمنة واللامساواة، فيما تشكّل الأخلاقيات والقوانين البوصلة التي تضمن توظيف هذه التقنيات في حماية كرامة الإنسان وحقه في العدالة العلاجية.
أما في مجال التنبؤ بالمناخ والكوارث فيفتح الذكاء الاصطناعي أفقًا أوسع لقراءة تعقيد الظواهر الطبيعية، من خلال تحليل محطات زمنية متسلسلة من بيانات الطقس والمحيطات وحركة الصفائح الأرضية، بما يتيح فهمًا أدق لمسارات التحوّل في الطبيعة، ويسهم في تطوير نماذج أكثر موثوقية للتنبؤ بالأعاصير والفيضانات وموجات الجفاف والحرّ الشديد، ويعزّز قدرات الإنذار المبكر بالزلازل والانهيارات، كما يظهر ذلك في أنظمة الرصد المعتمدة اليوم التي تكشف الأعاصير المدارية وحرائق الغابات في مراحلها الأولى، فتمنح الإنسان فرصة الاستعداد وتقليل الخسائر، وتحول المعرفة العلمية من انتظار الكارثة إلى استباقها، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي المتصالح مع قوانين الطبيعة ومباغتاتها.
وفي التكنولوجيا والصناعة يعزّز الذكاء الاصطناعي الأتمتة الذكية التي لا تكتفي بتكرار العمل، وإنما تتعلّم وتصحح ذاتها، فيرفع الكفاءة الإنتاجية، ويخفض الهدر والأخطاء، ويحرر الإنسان من الأعمال الشاقة والخطرة. في الوقت نفسه يسهم في تقوية الأمن السيبراني عبر كشف الهجمات قبل وقوعها، وتحليل أنماط الاختراق الخفية التي تعجز عنها المراقبة التقليدية، كما يفتح أفقًا جديدًا لتطوير شبكات الطاقة الذكية القادرة على موازنة الإنتاج والاستهلاك لحظيًا، ويدمج مصادر الطاقة المتجددة بكفاءة، لا بوصفه سيدًا متغوّلًا، وإنما بوصفه عقلًا مساعدًا يعين الإنسان على فهم العالم المعقد الذي يعيش فيه، ويمكّنه من التعامل معه بأقل قدر من الخسارة، وأكبر قدر من الحكمة.
في البناء والهندسة يتيح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة عبر التصميم التوليدي الذي يولد حلولًا إنشائية متعددة تستجيب لمعايير السلامة والكلفة والاستدامة، والنمذجة ثلاثية الأبعاد التي تتيح محاكاة المبنى قبل تنفيذه ورصد أخطائه مبكرًا، كما يسهم في جدولة المشاريع بدقة عالية، وتقليل الهدر في المواد والوقت، وتعزيز السلامة في مواقع العمل عبر أنظمة مراقبة ذكية ترصد المخاطر قبل وقوعها. ويتولى البناء الروبوتي المهام الخطرة والمتكررة والشاقة بكفاءة وانتظام، فيسهم في خفض الكلفة والوقت، ورفع المتانة والديمومة، من خلال تنفيذ الأعمال الإنشائية بدقة عالية، تخفض الهدر وتقلص أخطاء التنفيذ، كما يتيح روبوت البناء إنجاز الهياكل في مدد أقصر، ويخفض الحوادث وكُلف التأخير في البيئات الوعرة والخطرة. وإلى جانب ذلك تسمح أنظمة البناء الروبوتي بدمج أجهزة استشعار ذكية تُدمَج داخل المباني أو الجسور أثناء عملية البناء، وظيفتها قياس ومراقبة حالات فيزيائية محددة بشكل مستمر، مثل الضغط والإجهاد، الاهتزاز، التشققات المختلفة، الرطوبة، والحرارة. تعمل هذه الأجهزة على جمع بيانات لحظية عن حالة الهيكل الإنشائي، ثم تُحلَّل هذه البيانات بواسطة أنظمة ذكية لاكتشاف أي خلل مبكر قبل أن يتحول إلى انهيار خطير، وهو ما يسمح بالصيانة الاستباقية بدل الانتظار حتى وقوع العطب. بهذا المعنى لا تكون أجهزة الاستشعار الذكية مجرد أدوات تقنية، بل عينًا دائمة داخل البناء تراقب صحته وتسهم في إطالة عمره، وتعزيز متانته، وضمان سلامة مَن يعيشون أو يعملون فيه.
كذلك يطور الذكاء الاصطناعي نماذج للمدن بوصفها مدنًا مستدامة عبر إعادة تنظيم علاقتها بالطاقة والموارد والإنسان، بواسطة أنظمة ذكية تدير الطاقة المتجددة بكفاءة عالية، فتتنبأ بإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وتوازن بين العرض والطلب لحظيًا، وتخفض الهدر والانبعاثات. ويدير شبكات المياه والصرف الصحي والنفايات بذكاء، عبر التنبؤ بالاستهلاك والكشف المبكر عن التسرب وإعادة التدوير. ويعمل على تصميم عمراني مستدام عبر محاكاة المباني قبل تنفيذها لتحسين الإضاءة الطبيعية والتهوية وكفاءة الطاقة، فضلًا عن دعم الزراعة الحضرية الذكية، ومراقبة جودة الهواء، وتعزيز الاستجابة السريعة للكوارث، ليغدو الذكاء الاصطناعي عقلًا تشغيليًا للمدينة المستدامة، لا يكتفي بإدارة مواردها، بل يعيد توجيهها نحو انسجام أطول أمدًا بين الإنسان والبيئة.
ويطور الذكاء الاصطناعي أنظمة نقل ذكية تدير حركة المرور، وتخفض الازدحام والحوادث، ليغدو الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات أداة لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة والصناعة والتقنية، إذ يعمل على الانتقال من مراقبة حركة السير بعد وقوع الازدحام إلى استباقه قبل حدوثه، من خلال جمع وتحليل بيانات ضخمة من مصادر متعددة مثل الكاميرات الذكية، وأجهزة الاستشعار على الطرق، وإشارات المرور، وبيانات المركبات وتطبيقات الملاحة، ومعرفة الأنماط الزمنية والسلوكية لحركة السير، فيتنبأ بمناطق الاختناق وأوقاتها بدقة عالية، ويعدل توقيت الإشارات الضوئية تلقائيًا، ويعيد توجيه المركبات نحو مسارات بديلة، ويضبط السرعات المسموح بها للحد من التكدس والحوادث، كما يدمج بيانات الطقس والحوادث والأعمال الطارئة في نماذج تنبؤية تسمح بإدارة الأزمات المرورية لحظة بلحظة، ويطور أنظمة نقل ذكية تخفض الازدحام والتلوث عبر إدارة المرور التنبؤية وتشجيع النقل الكهربائي والمشترك. وبذلك تتحول إدارة المرور من استجابة متأخرة إلى إدارة ذكية استباقية، تقصر زمن الرحلات، وتحدّ من الانبعاثات، وتحسن سلامة الطريق وجودة الحياة في المدن.
كما يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى علم الآثار على نحوٍ واسع، إذ يتيح قراءة الكتابات البائدة وفكّ رموز الخطوط المندثرة مثل المسمارية والهيروغلوفية والفينيقية وغيرها، عبر تحليل الأنماط اللغوية والبصرية في النقوش والرقم الطينية والبرديات، ومقارنة آلاف الشواهد النصية في زمن قصير، بما يعين الباحثين على استعادة معاني نصوص ظلت غامضة آلاف السنين.كما يسهم في ترميم النصوص المتآكلة عبر التاريخ، وإعادة بناء الأجزاء المفقودة منها اعتمادًا على السياق اللغوي والتاريخي، وتظهر أمثلة ذلك في استخدام خوارزميات التعلّم العميق لقراءة الألواح المسمارية المكسورة في حضارات وادي الرافدين، وفي مشروعات رقمية لفكّ طبقات النص الهيروغليفي المتضرر على جدران المعابد المصرية، وفي تحليل النقوش الفينيقية المتناثرة على شواطئ المتوسط لربطها بسياقاتها التجارية والدينية والثقافية، فضلًا عن توظيف الذكاء الاصطناعي في مطابقة اللغات القديمة بنظائرها السامية أو الهندوأوروبية، مما يفتح أفقًا جديدًا لفهم التاريخ الإنساني، ويحول علم الآثار من قراءة شظايا صامتة إلى حوار حيّ مع أصوات الماضي ومعانيه.
كذلك يمكن أن يستعمل الذكاء الاصطناعي مستقبلًا في تحليل النصوص الفلسفية والاجتماعية والثقافية، واكتشاف البنى العميقة لها، ورصد تحولات المفاهيم والقيم، ودعم أبحاث علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية. ويمكن أن يتغلغل في الفنون والآداب ليفتح أفقًا جديدًا لمساعدة الفنان والأديب في التجريب، وإعادة قراءة التراث الفني والأدبي ورقمنته وحفظه، ليغدو الذكاء الاصطناعي أداة تعيد تنظيم علاقة الإنسان بالمعرفة والإبداع والعمل والبناء، وتوسّع إمكاناته في الفهم والتخييل والابتكار، شرط أن يدار هذا التحول ضمن أفق أخلاقي وإنساني يصون مكانة الإنسان كسيد في الأرض، ويحفظ للعلوم الإنسانية والفنون والآداب معناها بوصفها تعبيرًا عن تجربة الإنسان الوجودية لا بديلًا شكليًا عنها. https://alsabaah.iq/127439-.html
اشتريت بعضا من كتبك من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكنت متحمسا جدا لقراءتها، فبدأت بها كتاب (ثناء على الجيل الجديد)، واندُهشت -ولا أبالغ- من قولك: (أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي مع الجيل الجديد)، فقد كنت أتصور أن الدكاترة أو المثقفين الكبار في بلادنا الإسلامية التعيسة لا يوجد فيهم شخص لا يأنف من التكلم معنا، ومناقشتنا.

أنا فرحان جدا د. بأخذك لهذه الرؤية التي هي شبه معدومة في بلادنا، وأرجو أن يكثر أمثالك من المولى -سبحانه-.

* عبد الوهاب عبد الحكيم، صومالي الجنسية!، طالب في كلية التربية- في جامعة الأزهر، في السنة الأولى، عنده ٢٢ سنة، نشأ في بيئة متشددة أدخلته باب القراءة، فأهدت إليه أعظم وأجمل هدية، تحسس طريقه فلقي أن التشدد والمطالبة بإعادة الماضي في زمن لم يعد يوجد فيه متطلبات إعادته؛ شيئا مستحيلا -أو يفوقه-، ويأمل الانتظام في سلك المحاولين للإصلاح وطمس الخرافات والترهات من مجتمعاتنا الماضوية.

أتشرف وأفخر -وحياة ربي- بمكالمتك، وحُق لي أن أعد هذا اليوم أسعد يوم في حياتي❤️