إن لم تقرأ كتاب الدين والظمأ الانطلوجي للدكتور عبد الجبار الرفاعي ...فقد فاتك الكثير ...دعوة لمنتجي الدراما العراقية للاستفادة من السيرة التي يتضمنها الكتاب في انجاز مسلسل يعطي للاجيال صورة الجنوب الحقيقية وماعاناه اهله وكيف نبغ من بين كل ذلك العذاب مفكرين ومبدعين كبار ...انه كتاب يوازي مكتبة ...بكل ماطرح من افكار وتصورات ورؤى .. اذا قرات هذا الكتاب فلن تعود لما كنته ابدا ....
https://www.facebook.com/share/p/1Mkx4tJ5ZU/?
https://www.facebook.com/share/p/1Mkx4tJ5ZU/?
Facebook
Log in or sign up to view
See posts, photos and more on Facebook.
هذا الإيمان الذي ينشده عبد الجبار الرفاعي غير منفصل عن الأخلاق والعبادات، يؤكد في مواضع كثيرة أنه لا يتذوق حلاوة الإيمان، ولا تضيء التجرِبة الدينية رُوحه من دون أداء الصلاة والتمسك بالتقليد العبادي المستمد من الإسلام وشريعة نبيه. «الصلاة والعبادات التي أؤديها هي معراج وصالي مع الحق، وهي جسر عبوري إليه في مدارج التسامي والصعود. وحسب تعبير المتصوفة والعرفاء: الشريعة توصلنا إلى الطريقة، والطريقة تقودنا إلى الحقيقة، فحين نتخلى عن الشريعة لا ننال الطريقة، وبالتالي لا نتذوق الحقيقة».
https://www.facebook.com/share/p/1CAHwMdeRv/?
https://www.facebook.com/share/p/1CAHwMdeRv/?
Facebook
Log in or sign up to view
See posts, photos and more on Facebook.
استعادة الدين من أيديولوجيا الجماعات
عبد السلام صالح، كاتب نصري من الأزهر.
إحدى الوظائف الكبرى للدين هي تلك الطمأنينة والسكينة التي يمنحها للإنسان، فالدين يشبع احتياج هذا الكائن البشري للأبدية ويفسر له الموت باعتباره تلك الحقيقة المطلقة التي لا يستطيع أحد أن يشكك فيها. من هذه الحقيقة ينطلق عبدالجبار الرفاعي في إثبات أن الفلسفة والفنون والآداب تحاول تقديم تفسيرات لمعنى الحياة وسؤال الموت، إلا أن الدين هو صاحب التفسير الأخصب كونه يُلبي عطش الإنسان إلى الكمال والخلود. فالوجود الإنساني في جوهره ناقص، مفتقر، كحال كل الممكنات، متطلع دائمًا إلى ما يسدّ ثغراته. هذا العطش لا يروي غليله شيء بعمق كما يفعل المقدس الكامل، واجب الوجود، ومن هنا تأتي أهمية الدين باعتباره المورد الأعمق للمعنى.
يمزج عبد الجبار الرفاعي في كتاباته بين الجمال الأدبي والعمق الفلسفي، وهذا مهم في حقل فلسفة الدين الذي كثيرًا ما أُثقل بالجدالات العقلية والمصطلحات الجافة، ويأتي في المقدمة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» الذي أعاد تقديم الدين كحياةٍ في أفق المعنى، حياة تروي العطش الوجودي للإنسان بعدما جرى حصره طويلًا في قوالب الأيديولوجيا والشعارات التي صاغتها الجماعات الدينية. فالرفاعي يستعيد البعد الوجودي والأخلاقي للدين، بوصفه بحثًا دائمًا عن السكينة والمعنى في عالم مضطرب، ويمنحه لغة رقيقة قادرة على النفاذ إلى الوجدان، بعيدًا عن الجفاف المدرسي والتوظيف السياسي.
تكشف تجربة عبد الجبار الرفاعي في العمل الحزبي عن أحد أخطر مآزق التدين الحركي، وهو ضياع الذات في الجماعة. فقد عاش سنواته السياسية في فضاء تتلاشى فيه الحدود الفردية، حيث تعمل الجماعات على تنميط أعضائها وصهرهم في قالب واحد: نفس الرؤية، نفس المفاهيم، نفس المواقف، حتى الأحلام والمشاعر تصبح نسخة مكرورة. هذا التنميط ـ كما يراه الرفاعي ـ يفضي إلى فقدان الفرد صوته الداخلي، وإلى تهميش الحياة الروحية والأخلاقية لصالح شعارات جماعية صاخبة.
"الموهوبون الشجعان غالبًا ما يتمردون على هذه الأغلال باحثين عن ذواتهم الضائعة، بينما يظل الخائفون أسرى داخل الأسوار، يتطلعون إلى كل صوت يعبّر عن جروحهم المكبوتة وأنينهم الصامت". ومن هنا تبرز لحظة الانعطاف في تجربته: لم يستعد ذاته إلا بعد أن غادر السياسة، وابتعد عن العمل الحركي، ليكتشف أن الخلاص من الأيديولوجيا شرطٌ ضروري لعيش سلام داخلي تبتهج به الروح، ولرؤية النور الذي يكشف له الأشواك في دروب الحياة.
يحاول الكاتب أن يحرر الدين من قبضة التفسيرات الأيديولوجية التي صاغتها الجماعات الحركية عبر عقود. فهو يرى أن أخطر ما وقع فيه الدين في العصر الحديث هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي، حيث يُعاش كتجربة وجودية تمنح الإنسان المعنى، إلى المجال الأيديولوجي، حيث جرى تحويله إلى أداة للتعبئة والقتل والإبادة والتدمير.
الرفاعي يعتبر أن هذه الانحرافات وضعت الدين في مأزق تاريخي، وأدت إلى نتيجة مزدوجة: فمن جهة، وقع التدين أسير الاستخدام السياسي، ومن جهة أخرى، دفع بعض النخب إلى ازدراء الدين واحتقار التدين، بعدما لم يجدوا فيه سوى الصورة المشوهة التي قدمتها الجماعات الأيديولوجية. لكنه يرى أن كل من يتهكّم على الدين أو يسخر من التدين لا يصلح لمهمة التجديد، لأن التجديد يبدأ من استشعار الحاجة الوجودية إلى المقدس.
يمكن وصف مشروع الرفاعي بأنه بحث دائم عن المعنى أو سياحة في عالم المعنى كما يردد؛ ينقب عنه في ركام الخطابات الدينية، يرى في الدين نهرًا من الحياة يجري في الوجدان الإنساني، لا جدارًا يحاصر الروح. جوهر مشروعه هو استعادة المعنى المفقود، وإبراز الدين كتجربة حيّة تُعاش في فضاء مفتوح على أسئلة الإنسان وأشواقه، لا في حدود المقررات الدراسية الجامدة.
ومن هذا المنظور يفسّر الرفاعي ظاهرة التحاق بعض الشباب الأوروبيين بداعش والجماعات المتطرفة؛ فهم لم يكونوا مدفوعين بالحاجة المادية، بل بانعدام المعنى في حياتهم. لذلك يهاجرون إلى "ولائم الذبح" و"حفلات الرقص على أشلاء الضحايا" بحثًا عن معنى مفقود، حتى وإن كان زائفًا أو مدمّرًا.
هكذا يمثّل مشروع عبد الجبار الرفاعي حاجة راهنة إلى تحرير الدين من الاستئثار والتوظيف السياسي، وإعادته إلى نصابه الحقيقي في حياة البشر، لا آلة للقتل أو شعارًا للصراع. إنّه مشروع لتحرير البحث الديني من الاتجاهات المغالية، سواء في نفي الدين أو في إثباته، والعودة به إلى أصله الوجودي.
يقول: «تعلمت من الإنسان والتاريخ والواقع أن الدين أبدي في الحياة البشرية. الإنسان كائن متدين، وإن اختلفت تجليات التدين، وتباينت التعبيرات الدينية في حياته، تبعًا للزمان والمكان والثقافة، وتنوع البشر واختلافهم. الحياة لا تطاق من دون إيمان وحياة رُوحية. التدين كما أعيشه يمثل لديَّ ظمأً أُنطولوجيًّا لا يُروى إلا من خلال التواصل مع الحقِّ تعالى».
عبد السلام صالح، كاتب نصري من الأزهر.
إحدى الوظائف الكبرى للدين هي تلك الطمأنينة والسكينة التي يمنحها للإنسان، فالدين يشبع احتياج هذا الكائن البشري للأبدية ويفسر له الموت باعتباره تلك الحقيقة المطلقة التي لا يستطيع أحد أن يشكك فيها. من هذه الحقيقة ينطلق عبدالجبار الرفاعي في إثبات أن الفلسفة والفنون والآداب تحاول تقديم تفسيرات لمعنى الحياة وسؤال الموت، إلا أن الدين هو صاحب التفسير الأخصب كونه يُلبي عطش الإنسان إلى الكمال والخلود. فالوجود الإنساني في جوهره ناقص، مفتقر، كحال كل الممكنات، متطلع دائمًا إلى ما يسدّ ثغراته. هذا العطش لا يروي غليله شيء بعمق كما يفعل المقدس الكامل، واجب الوجود، ومن هنا تأتي أهمية الدين باعتباره المورد الأعمق للمعنى.
يمزج عبد الجبار الرفاعي في كتاباته بين الجمال الأدبي والعمق الفلسفي، وهذا مهم في حقل فلسفة الدين الذي كثيرًا ما أُثقل بالجدالات العقلية والمصطلحات الجافة، ويأتي في المقدمة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» الذي أعاد تقديم الدين كحياةٍ في أفق المعنى، حياة تروي العطش الوجودي للإنسان بعدما جرى حصره طويلًا في قوالب الأيديولوجيا والشعارات التي صاغتها الجماعات الدينية. فالرفاعي يستعيد البعد الوجودي والأخلاقي للدين، بوصفه بحثًا دائمًا عن السكينة والمعنى في عالم مضطرب، ويمنحه لغة رقيقة قادرة على النفاذ إلى الوجدان، بعيدًا عن الجفاف المدرسي والتوظيف السياسي.
تكشف تجربة عبد الجبار الرفاعي في العمل الحزبي عن أحد أخطر مآزق التدين الحركي، وهو ضياع الذات في الجماعة. فقد عاش سنواته السياسية في فضاء تتلاشى فيه الحدود الفردية، حيث تعمل الجماعات على تنميط أعضائها وصهرهم في قالب واحد: نفس الرؤية، نفس المفاهيم، نفس المواقف، حتى الأحلام والمشاعر تصبح نسخة مكرورة. هذا التنميط ـ كما يراه الرفاعي ـ يفضي إلى فقدان الفرد صوته الداخلي، وإلى تهميش الحياة الروحية والأخلاقية لصالح شعارات جماعية صاخبة.
"الموهوبون الشجعان غالبًا ما يتمردون على هذه الأغلال باحثين عن ذواتهم الضائعة، بينما يظل الخائفون أسرى داخل الأسوار، يتطلعون إلى كل صوت يعبّر عن جروحهم المكبوتة وأنينهم الصامت". ومن هنا تبرز لحظة الانعطاف في تجربته: لم يستعد ذاته إلا بعد أن غادر السياسة، وابتعد عن العمل الحركي، ليكتشف أن الخلاص من الأيديولوجيا شرطٌ ضروري لعيش سلام داخلي تبتهج به الروح، ولرؤية النور الذي يكشف له الأشواك في دروب الحياة.
يحاول الكاتب أن يحرر الدين من قبضة التفسيرات الأيديولوجية التي صاغتها الجماعات الحركية عبر عقود. فهو يرى أن أخطر ما وقع فيه الدين في العصر الحديث هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي، حيث يُعاش كتجربة وجودية تمنح الإنسان المعنى، إلى المجال الأيديولوجي، حيث جرى تحويله إلى أداة للتعبئة والقتل والإبادة والتدمير.
الرفاعي يعتبر أن هذه الانحرافات وضعت الدين في مأزق تاريخي، وأدت إلى نتيجة مزدوجة: فمن جهة، وقع التدين أسير الاستخدام السياسي، ومن جهة أخرى، دفع بعض النخب إلى ازدراء الدين واحتقار التدين، بعدما لم يجدوا فيه سوى الصورة المشوهة التي قدمتها الجماعات الأيديولوجية. لكنه يرى أن كل من يتهكّم على الدين أو يسخر من التدين لا يصلح لمهمة التجديد، لأن التجديد يبدأ من استشعار الحاجة الوجودية إلى المقدس.
يمكن وصف مشروع الرفاعي بأنه بحث دائم عن المعنى أو سياحة في عالم المعنى كما يردد؛ ينقب عنه في ركام الخطابات الدينية، يرى في الدين نهرًا من الحياة يجري في الوجدان الإنساني، لا جدارًا يحاصر الروح. جوهر مشروعه هو استعادة المعنى المفقود، وإبراز الدين كتجربة حيّة تُعاش في فضاء مفتوح على أسئلة الإنسان وأشواقه، لا في حدود المقررات الدراسية الجامدة.
ومن هذا المنظور يفسّر الرفاعي ظاهرة التحاق بعض الشباب الأوروبيين بداعش والجماعات المتطرفة؛ فهم لم يكونوا مدفوعين بالحاجة المادية، بل بانعدام المعنى في حياتهم. لذلك يهاجرون إلى "ولائم الذبح" و"حفلات الرقص على أشلاء الضحايا" بحثًا عن معنى مفقود، حتى وإن كان زائفًا أو مدمّرًا.
هكذا يمثّل مشروع عبد الجبار الرفاعي حاجة راهنة إلى تحرير الدين من الاستئثار والتوظيف السياسي، وإعادته إلى نصابه الحقيقي في حياة البشر، لا آلة للقتل أو شعارًا للصراع. إنّه مشروع لتحرير البحث الديني من الاتجاهات المغالية، سواء في نفي الدين أو في إثباته، والعودة به إلى أصله الوجودي.
يقول: «تعلمت من الإنسان والتاريخ والواقع أن الدين أبدي في الحياة البشرية. الإنسان كائن متدين، وإن اختلفت تجليات التدين، وتباينت التعبيرات الدينية في حياته، تبعًا للزمان والمكان والثقافة، وتنوع البشر واختلافهم. الحياة لا تطاق من دون إيمان وحياة رُوحية. التدين كما أعيشه يمثل لديَّ ظمأً أُنطولوجيًّا لا يُروى إلا من خلال التواصل مع الحقِّ تعالى».
Facebook
Log in or sign up to view
See posts, photos and more on Facebook.
ندوة الدكتور عبدالجبار الرفاعي في كرسي قنواتي في القاهرة، ترسم مشروعه في تجديد الفكر الديني. بعنوان: "الدين أمام مستجدات العلوم الإنسانية"، تكلم فيها لمدة خمس ساعات في كرسي قنواتي بالقاهرة يوم 17-5-2024، بمعهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة، وحضرها نحو 50 طالبة وطالب دكتوراه في الجامعات المصرية.
المحاضرة الأولى:
https://youtu.be/beZMnpNYyqg?si=1nFtAZd10LzvQfjb
المحاضرة الثانية :
https://youtu.be/61Kw2LxX2m4?si=mNHZ2CzOWqWljH2D
المحاضرة الثالثة :
https://www.youtube.com/watch?v=4yGQzC8DsSE
المحاضرة الأولى:
https://youtu.be/beZMnpNYyqg?si=1nFtAZd10LzvQfjb
المحاضرة الثانية :
https://youtu.be/61Kw2LxX2m4?si=mNHZ2CzOWqWljH2D
المحاضرة الثالثة :
https://www.youtube.com/watch?v=4yGQzC8DsSE
على الرغم من أن الحُبّ يغذي النرجسية، إلا أنه أحيانًا يضخمها إلى درجة تفسد الحُبّ، حين يسرف بعض المحبين بالثناء على ذاته، والإفراط باستعمال كلمة "أنا" بشكل مبتذل، وتكرار الإعلان المثير عن مزاياه وما يتفوق به على غيره، بأسلوب تسوده كثير من المبالغات وحتى الأكاذيب، ويظل يلح وهو يدعو حبيبه للإصغاء إليه كلّ مرة لإعادة هذه الكلمات المملة، ولا يسمح له بالتحدّث عن ذاته، وكأنه يبلغه رسالةً بالتفوق عليه وعلى غيره، حتى يشعر مَن ينصت إليه بالاشمئزاز من الحديث والتواصل معه.
يحُبّك الآخرون بقدر براعتك في بناء صورتك المضيئة في أذهانهم، وقدرتك على إشعارهم بالمعنى الجميل الذي تمنحه لحياتهم، وصناعتك لسردية ٍكلماتها الحُبّ الصادق، تكتب فيها روايتك المضيئة لصورتك؛ عبر لغتك العذبة ومواقفك الأخلاقية وسلوكك النبيل، وتعيد بنائها بألوان بهيجة، بنحوٍ ترتسم وتترسخ في مشاعرهم بالتدريج.
ليس بالضرورة أن يظل الحُبّ حيًّا يقظًا في محطات حياة الإنسان وتقلباتها ومنعطفاتها المختلفة، إلا إن كان تجربة تعيد خلق الذات بطور وجودي أسمى. الحُبّ بوصفه ذكرى مقيمة في القلب غير الحُبّ بوصفه طورًا وجوديًا يعيشه الإنسان في محطة من محطات حياته المتنوعة. لا يدوم الحُبّ إلا بالتواضع، والتكافؤ في المحبّة، والاعتراف بالحق في الخطأ، والحق في الاختلاف، والحقّ بالاعتراف بالخطأ، والحقّ بالاعتذار.
الحُبّ الذي لا يثري حياة الإنسان، ولا يُشبِع روحه بالمعنى، ليس حُبًّا أصيلًا، مثل هذا الحُبّ ينبغي أن يتخلص الإنسان منه، لأنه ربما يتحول إلى سمّ قاتل. بعضهم يستغلّ مَن يعلن حُبّه، وإن كان لا يحبّه بالعمق، فيستخدمه للفرار من نفسه، وكسر عزلته، وعجزه عن حلّ مشكلاته، وعدم قدرته على التصالح مع ذاته والثقة بها. وهذا حُبّ زائف، إذ سرعان ما يستغني عنه الإنسان لحظة توكيد ذاته واستعادة شيء من ثقته بنفسه، وعبور مشكلاته، والتخلص من عزلته.
أحيانًا يتحول الحُبّ إلى قناع لإنسان طفيلي بارع بالابتزاز والخديعة العاطفية، يختبئ خلف قناع الحُبّ. يمكن أن أصف هذا الإنسان بـالمتسول للعطف والشفقة، العاشق لتمثيل دور الضحية في الحياة، وهو لا يحبّ أحدًا حُبًّا حقيقيًا. مثل هذا الإنسان يترقب من الآخرين احترامه وإكرامه ومحبّته، وكأن تلك وظيفة الناس حياله، من دون أن يبادر هو بموقف عملي يدلل على العطاء العاطفي أو المادي لمن يكرمه ويحيطه بالمحبّة. ينبغي ألا نترقب من الإنسان الآخر أن يحُبّنا ويحترمنا ويكرمنا من دون أن نبادر نحن بالمحبّة والاحترام والإكرام. مَن يبادر بالإحسان والتراحم والمحبّة ينبغي إكرامه ولو بكلمة محبّة صادقة. الإحسان المبادرة بالإحسان، التراحم المبادرة برحمة خلق الله، الاحترام المبادرة باحترام الانسان، المحبّة المبادرة بالمحبّة. يتجذّر الإحسان بالمبادرة بالإحسان، يتجذّر التراحم بالمبادرة برحمة خلق الله، يتجذّر الاحترام بالمبادرة باحترام الإنسان، تتجذّر المحبّة بالمبادرة بالمحبّة.
كلُّ شيء ينشد فيه الإنسان التكامل يمكن أن يستعبده في خاتمة المطاف، العبادة والصلاة وسيلة للتطهر، فلو انقلبت الوسيلة إلى غاية تفسد العبادة. العبادة والصلاة تهدف لطهارة الإنسان، فإذا صارت الصلاة والعبادة غاية بذاتها ونسي الإنسانُ اللهَ استعبدت الإنسان. الحُبّ يتكامل فيها الإنسان حين يستثمره بما يثري حياته، لكن حين تتحوّل صورة المحبوب إلى صنم يفسدالحُبّ. لو تحول الحُبّ إلى مسعىً لامتلاك كلِّ شيء في شخصية المحبوب وحياته، يصير ضربًا من الاستعباد الممقوت. الصنمية تهشم الذات، إذ يتحوّل معها الإنسان شبحًا، تُمحى في شخصيته ملامحه الخاصة.
الصنمية عبودية مهما كان نمط الصنم، حتى في الحبّ؛ حين يصبح المحبوب صنمًا يغدو المحبّ عبدًا. طالما تشكلت صورة صنمية للمعشوق في خيال العاشق، تحجب ما هو مزعج في شخصيته، وتخفي صورته الحقيقية. لا يصحّ الوثوق دائمًا بخيال العشاق، العاشق غالبًا ما ينسج صورة للمعشوق غارقة بالأوهام، صورة تتشكل في إطار احتياجاته النفسية الملحة، لمشاهدة جمال موهوم لصورة يحتاجها بشدة، ولا يريد أن يرى الشخصية الواقعية. حين يستفيق أكثر العشاق بعد مدة، يكتشفون أن هذه الصورة افتعلها خيالهم لتلبية احتياجاتهم النفسية، وهي لا تشبه هذا الإنسان الذي تعرفوا عليه عن قرب. العاشق يريد ألا يرى في تلك الصورة إلا الضوء والجمال والنبل، ومن النادر أن نرى إنسانًا كلَّه ضوء وجمال ونبل خالص، الإنسان الذي يكون كذلك يخرج كليًا عن طبيعته الإنسانية.
المقال على الرابط:
https://alzawraapaper.com/content.php?id=383298
يحُبّك الآخرون بقدر براعتك في بناء صورتك المضيئة في أذهانهم، وقدرتك على إشعارهم بالمعنى الجميل الذي تمنحه لحياتهم، وصناعتك لسردية ٍكلماتها الحُبّ الصادق، تكتب فيها روايتك المضيئة لصورتك؛ عبر لغتك العذبة ومواقفك الأخلاقية وسلوكك النبيل، وتعيد بنائها بألوان بهيجة، بنحوٍ ترتسم وتترسخ في مشاعرهم بالتدريج.
ليس بالضرورة أن يظل الحُبّ حيًّا يقظًا في محطات حياة الإنسان وتقلباتها ومنعطفاتها المختلفة، إلا إن كان تجربة تعيد خلق الذات بطور وجودي أسمى. الحُبّ بوصفه ذكرى مقيمة في القلب غير الحُبّ بوصفه طورًا وجوديًا يعيشه الإنسان في محطة من محطات حياته المتنوعة. لا يدوم الحُبّ إلا بالتواضع، والتكافؤ في المحبّة، والاعتراف بالحق في الخطأ، والحق في الاختلاف، والحقّ بالاعتراف بالخطأ، والحقّ بالاعتذار.
الحُبّ الذي لا يثري حياة الإنسان، ولا يُشبِع روحه بالمعنى، ليس حُبًّا أصيلًا، مثل هذا الحُبّ ينبغي أن يتخلص الإنسان منه، لأنه ربما يتحول إلى سمّ قاتل. بعضهم يستغلّ مَن يعلن حُبّه، وإن كان لا يحبّه بالعمق، فيستخدمه للفرار من نفسه، وكسر عزلته، وعجزه عن حلّ مشكلاته، وعدم قدرته على التصالح مع ذاته والثقة بها. وهذا حُبّ زائف، إذ سرعان ما يستغني عنه الإنسان لحظة توكيد ذاته واستعادة شيء من ثقته بنفسه، وعبور مشكلاته، والتخلص من عزلته.
أحيانًا يتحول الحُبّ إلى قناع لإنسان طفيلي بارع بالابتزاز والخديعة العاطفية، يختبئ خلف قناع الحُبّ. يمكن أن أصف هذا الإنسان بـالمتسول للعطف والشفقة، العاشق لتمثيل دور الضحية في الحياة، وهو لا يحبّ أحدًا حُبًّا حقيقيًا. مثل هذا الإنسان يترقب من الآخرين احترامه وإكرامه ومحبّته، وكأن تلك وظيفة الناس حياله، من دون أن يبادر هو بموقف عملي يدلل على العطاء العاطفي أو المادي لمن يكرمه ويحيطه بالمحبّة. ينبغي ألا نترقب من الإنسان الآخر أن يحُبّنا ويحترمنا ويكرمنا من دون أن نبادر نحن بالمحبّة والاحترام والإكرام. مَن يبادر بالإحسان والتراحم والمحبّة ينبغي إكرامه ولو بكلمة محبّة صادقة. الإحسان المبادرة بالإحسان، التراحم المبادرة برحمة خلق الله، الاحترام المبادرة باحترام الانسان، المحبّة المبادرة بالمحبّة. يتجذّر الإحسان بالمبادرة بالإحسان، يتجذّر التراحم بالمبادرة برحمة خلق الله، يتجذّر الاحترام بالمبادرة باحترام الإنسان، تتجذّر المحبّة بالمبادرة بالمحبّة.
كلُّ شيء ينشد فيه الإنسان التكامل يمكن أن يستعبده في خاتمة المطاف، العبادة والصلاة وسيلة للتطهر، فلو انقلبت الوسيلة إلى غاية تفسد العبادة. العبادة والصلاة تهدف لطهارة الإنسان، فإذا صارت الصلاة والعبادة غاية بذاتها ونسي الإنسانُ اللهَ استعبدت الإنسان. الحُبّ يتكامل فيها الإنسان حين يستثمره بما يثري حياته، لكن حين تتحوّل صورة المحبوب إلى صنم يفسدالحُبّ. لو تحول الحُبّ إلى مسعىً لامتلاك كلِّ شيء في شخصية المحبوب وحياته، يصير ضربًا من الاستعباد الممقوت. الصنمية تهشم الذات، إذ يتحوّل معها الإنسان شبحًا، تُمحى في شخصيته ملامحه الخاصة.
الصنمية عبودية مهما كان نمط الصنم، حتى في الحبّ؛ حين يصبح المحبوب صنمًا يغدو المحبّ عبدًا. طالما تشكلت صورة صنمية للمعشوق في خيال العاشق، تحجب ما هو مزعج في شخصيته، وتخفي صورته الحقيقية. لا يصحّ الوثوق دائمًا بخيال العشاق، العاشق غالبًا ما ينسج صورة للمعشوق غارقة بالأوهام، صورة تتشكل في إطار احتياجاته النفسية الملحة، لمشاهدة جمال موهوم لصورة يحتاجها بشدة، ولا يريد أن يرى الشخصية الواقعية. حين يستفيق أكثر العشاق بعد مدة، يكتشفون أن هذه الصورة افتعلها خيالهم لتلبية احتياجاتهم النفسية، وهي لا تشبه هذا الإنسان الذي تعرفوا عليه عن قرب. العاشق يريد ألا يرى في تلك الصورة إلا الضوء والجمال والنبل، ومن النادر أن نرى إنسانًا كلَّه ضوء وجمال ونبل خالص، الإنسان الذي يكون كذلك يخرج كليًا عن طبيعته الإنسانية.
المقال على الرابط:
https://alzawraapaper.com/content.php?id=383298
جريدة الزوراء العراقية
من يعرف مرارات الكراهية .. يعرف قيمة الحب
الحياة صراع أبدي، صراع مع أقدارك المفروضة عليك بالولادة والجينات، صراع مع التضادّ داخل ذاتك، صراع مع أولئك الأشرار في هذا العالم، صراع مع الطبيعة وقوانينها القسرية وما تباغت به الإنسان من كوارث وأوبئة، وصراع مع
مَن يتجرع مرارات الكراهية يعرف بهجة الحُبّ
د. عبد الجبار الرفاعي
الحياة صراع أبدي، صراع مع أقدارك المفروضة عليك بالولادة والجينات، صراع مع التضادّ داخل ذاتك، صراع مع أولئك الأشرار في هذا العالم، صراع مع الطبيعة وقوانينها القسرية وما تباغت به الإنسان من كوارث وأوبئة، وصراع مع الشركاء في الأرض من مختلف الكائنات المتوحشة والحشرات وغيرها. الإنسان يتعلم الصراع منذ بداية حياته، ويظل يصارع الطبيعة والكائنات الأخرى وأخاه الإنسان ما دام حيًّا. الصراع قدر الإنسان في الأرض، وهو بالقدر الذي ينهك الإنسان ويستنزف طاقاته، يظل أحد أعمق الدوافع للإبداع وانبعاث المواهب وبناء الحضارة، بوصف الصراع تحديًا للفرد والمجتمع، ولا تتفجر قدرات الإنسان المختلفة ويبدع بلا تحدٍ.
مادامت الحياة تقوم على الصراع وهو ليس طارئًا في الحياة، فمن الخطأ تربية الأبناء في عوائلنا ومدارسنا على أن العالمَ خيرٌ محض، وأن الشرّ طارئٌ والخير فقط هو الأصيل. ذلك ما يتسبّب بصدمات وانهيارات نفسية وعصبية وقيمية حادة للإنسان، بعد أن يكبر الأبناء ويصطدمون بالواقع المرير. الواقع يفرض على الإنسان أن يعيدَ النظر بفهم ذاته وفهم غيره، وتفسير تناقضات الحياة المختلفة، والسعي للخلاص من ضراوة تحدياتها الموجعة. لا يمكن أن تكون الحياة كلها سعادة وفرح ومرح وابتهاج وسلام ومحبّة ورحمة صافية. لو فرضنا وجود هذا النوع من الحياة يسود في الأرض تتعطل حياة الإنسان، ويتسلط عليها التكرار والملل، ولن يحدث أي تغيير في الحياة، ويتوقف كلُّ شيء عن التطور والتكامل، لأن التطور والتكامل نتيجة طبيعية للتضاد. لا يعرف قيمة السعادة مَن لا يعرف عذاب الألم، ولا يعرف قيمة الفرح مَن لا يعرف نكد الحزن، ولا يعرف قيمة الحُبّ مَن لا يعرف مشقة الكراهية، تٌعرَف الأشياء بأضدادها.
أخصب دروس الحياة تتلخص في معرفة الأشياء بأضدادها، من حروب الأديان وآثارها الكارثية أمس واليوم يتعلم الإنسان أن الله ليس عدو الإنسان، وأن الدينَ يمكن أن يكون صوت صفح ورحمة وإحسان، وأن الإيمان صوت غفران. ومن تفشي الكراهية يتعلم الإنسان أن الكراهية لا تنتج في العلاقة بالإنسان المختلِف إلا كراهية مضاعفة، تُمرِض القلب، وتُسَمِّم الروح، وأن الحُبّ لا ينتج في العلاقة بالآخر إلا حبًّا مضاعفًا، يبثّ السلام في الروح، ويبهج القلب. وبتكريس الحياة الروحية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وامتلاء القلب بالمحبّة، يتعلم الإنسان كيفية التحرّر من أغلال الكراهية، والاحتماء من الشرّ الأخلاقي.
الإنسان كائن شديد التعقيد، من الصعب جدًا تفسير دوافع سلوكه، وتفسير بواعث مواقفه، وطبيعة شخصيته. بقدر ما يمتلك الإنسان من قدرة على البوح والتصريح والكشف يمتلك قدرة مضاعفة على الاختباء خلف أقنعة تحجب ما يكمن في ذاته العميقة. الإنسان بطبيعته مستعد للشر كما هو مستعد للخير أيضًا، لكن قوة محرضات الشر وتفشيها في الواقع تستفز الاستعداد للشر في داخل الانسان ليتفجر الشر بالفعل. يصعب على البشر صناعة الحُبّ، لكن يسهل عليهم صناعة الكراهية، البشر يميلون للشر أكثر من الخير، وللكراهية أكثر من المحبّة، لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا. مادام الإنسان إنسانًا فهو يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. القوانين والعقوبات والقيم الأخلاقية والأديان والثقافات تهدف إلى خفض وتيرة الشرّ إلى أدنى مستوى ممكن، ولولاها لتحوّل الناس إلى أكلة لحوم البشر.
الإنسان كائنٌ لا تسعده نجاحات غيرِه، أكثر الناس يحزن في أعماقه من أيّ منجزٍ ثمين يقدمه قرينه، وإن كان كثير منهم يُظهِر خلاف ما يبطن. وربما يتفاقم حزنه فيتحول إلى موقف عدائي يضج بالحقد والضغينة أحيانًا، وقد يورطه الموقف العدائي بالغدر بأقرب الناس من الأقرباء والأصدقاء؛ لا لشيء إلا لتفوقهم عليه.
قلما نشهد محبّة ليست مشوبة بالكراهية، إلا محبّة الله تنفرد بأنها محبّة صافية، وقلما نرى الإنسان الأخلاقي الذي يعيش الحياة بوصفها سلسلة مواقف تسعده إن أسعد غيره. افتراض علاقات بين الناس تخلو تمامًا من الكراهية افتراض طوباوي غير واقعي. حضور الكراهية في الحياة بموازاة حضور المحبّة أبدي، وهو تعبير عن الصراع المستمر في الأرض، والأضداد في الطبيعة الإنسانية. القوانين والكوابح العقابية والأخلاق والدين والثقافة والعلم والمعرفة والتربية السليمة والتعليم،كلها تخفض كثيرًا من الآثار الفتاكة للكراهية في حياة الأفراد والمجتمات، وتكرّس السلم المجتمعي، وتجعل حياة الإنسان أسهل.
د. عبد الجبار الرفاعي
الحياة صراع أبدي، صراع مع أقدارك المفروضة عليك بالولادة والجينات، صراع مع التضادّ داخل ذاتك، صراع مع أولئك الأشرار في هذا العالم، صراع مع الطبيعة وقوانينها القسرية وما تباغت به الإنسان من كوارث وأوبئة، وصراع مع الشركاء في الأرض من مختلف الكائنات المتوحشة والحشرات وغيرها. الإنسان يتعلم الصراع منذ بداية حياته، ويظل يصارع الطبيعة والكائنات الأخرى وأخاه الإنسان ما دام حيًّا. الصراع قدر الإنسان في الأرض، وهو بالقدر الذي ينهك الإنسان ويستنزف طاقاته، يظل أحد أعمق الدوافع للإبداع وانبعاث المواهب وبناء الحضارة، بوصف الصراع تحديًا للفرد والمجتمع، ولا تتفجر قدرات الإنسان المختلفة ويبدع بلا تحدٍ.
مادامت الحياة تقوم على الصراع وهو ليس طارئًا في الحياة، فمن الخطأ تربية الأبناء في عوائلنا ومدارسنا على أن العالمَ خيرٌ محض، وأن الشرّ طارئٌ والخير فقط هو الأصيل. ذلك ما يتسبّب بصدمات وانهيارات نفسية وعصبية وقيمية حادة للإنسان، بعد أن يكبر الأبناء ويصطدمون بالواقع المرير. الواقع يفرض على الإنسان أن يعيدَ النظر بفهم ذاته وفهم غيره، وتفسير تناقضات الحياة المختلفة، والسعي للخلاص من ضراوة تحدياتها الموجعة. لا يمكن أن تكون الحياة كلها سعادة وفرح ومرح وابتهاج وسلام ومحبّة ورحمة صافية. لو فرضنا وجود هذا النوع من الحياة يسود في الأرض تتعطل حياة الإنسان، ويتسلط عليها التكرار والملل، ولن يحدث أي تغيير في الحياة، ويتوقف كلُّ شيء عن التطور والتكامل، لأن التطور والتكامل نتيجة طبيعية للتضاد. لا يعرف قيمة السعادة مَن لا يعرف عذاب الألم، ولا يعرف قيمة الفرح مَن لا يعرف نكد الحزن، ولا يعرف قيمة الحُبّ مَن لا يعرف مشقة الكراهية، تٌعرَف الأشياء بأضدادها.
أخصب دروس الحياة تتلخص في معرفة الأشياء بأضدادها، من حروب الأديان وآثارها الكارثية أمس واليوم يتعلم الإنسان أن الله ليس عدو الإنسان، وأن الدينَ يمكن أن يكون صوت صفح ورحمة وإحسان، وأن الإيمان صوت غفران. ومن تفشي الكراهية يتعلم الإنسان أن الكراهية لا تنتج في العلاقة بالإنسان المختلِف إلا كراهية مضاعفة، تُمرِض القلب، وتُسَمِّم الروح، وأن الحُبّ لا ينتج في العلاقة بالآخر إلا حبًّا مضاعفًا، يبثّ السلام في الروح، ويبهج القلب. وبتكريس الحياة الروحية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وامتلاء القلب بالمحبّة، يتعلم الإنسان كيفية التحرّر من أغلال الكراهية، والاحتماء من الشرّ الأخلاقي.
الإنسان كائن شديد التعقيد، من الصعب جدًا تفسير دوافع سلوكه، وتفسير بواعث مواقفه، وطبيعة شخصيته. بقدر ما يمتلك الإنسان من قدرة على البوح والتصريح والكشف يمتلك قدرة مضاعفة على الاختباء خلف أقنعة تحجب ما يكمن في ذاته العميقة. الإنسان بطبيعته مستعد للشر كما هو مستعد للخير أيضًا، لكن قوة محرضات الشر وتفشيها في الواقع تستفز الاستعداد للشر في داخل الانسان ليتفجر الشر بالفعل. يصعب على البشر صناعة الحُبّ، لكن يسهل عليهم صناعة الكراهية، البشر يميلون للشر أكثر من الخير، وللكراهية أكثر من المحبّة، لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا. مادام الإنسان إنسانًا فهو يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. القوانين والعقوبات والقيم الأخلاقية والأديان والثقافات تهدف إلى خفض وتيرة الشرّ إلى أدنى مستوى ممكن، ولولاها لتحوّل الناس إلى أكلة لحوم البشر.
الإنسان كائنٌ لا تسعده نجاحات غيرِه، أكثر الناس يحزن في أعماقه من أيّ منجزٍ ثمين يقدمه قرينه، وإن كان كثير منهم يُظهِر خلاف ما يبطن. وربما يتفاقم حزنه فيتحول إلى موقف عدائي يضج بالحقد والضغينة أحيانًا، وقد يورطه الموقف العدائي بالغدر بأقرب الناس من الأقرباء والأصدقاء؛ لا لشيء إلا لتفوقهم عليه.
قلما نشهد محبّة ليست مشوبة بالكراهية، إلا محبّة الله تنفرد بأنها محبّة صافية، وقلما نرى الإنسان الأخلاقي الذي يعيش الحياة بوصفها سلسلة مواقف تسعده إن أسعد غيره. افتراض علاقات بين الناس تخلو تمامًا من الكراهية افتراض طوباوي غير واقعي. حضور الكراهية في الحياة بموازاة حضور المحبّة أبدي، وهو تعبير عن الصراع المستمر في الأرض، والأضداد في الطبيعة الإنسانية. القوانين والكوابح العقابية والأخلاق والدين والثقافة والعلم والمعرفة والتربية السليمة والتعليم،كلها تخفض كثيرًا من الآثار الفتاكة للكراهية في حياة الأفراد والمجتمات، وتكرّس السلم المجتمعي، وتجعل حياة الإنسان أسهل.
جريدة الزوراء العراقية
من يعرف مرارات الكراهية .. يعرف قيمة الحب
الحياة صراع أبدي، صراع مع أقدارك المفروضة عليك بالولادة والجينات، صراع مع التضادّ داخل ذاتك، صراع مع أولئك الأشرار في هذا العالم، صراع مع الطبيعة وقوانينها القسرية وما تباغت به الإنسان من كوارث وأوبئة، وصراع مع
تحوّل الهويَّة إلى معطى رقمي
د. عبد الجبار الرفاعي
تحدث إيلون ماسك على هامش مشاركته في منتدى دافوس 2026 فكشف عن أن البشرية تدخل أكثر مراحل تاريخها إثارة، مع تسارع تحول العالم بفعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات إذ يتوقع أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على ذكاء الإنسان في وقت قريب، وأن يفوق عدد الروبوتات عدد البشر، بحيث يغدو لكل إنسان تقريبًا روبوت يرافق حياته اليومية، يعتني الروبوت بالأطفال وكبار السن، ويؤدي مهام العمل والرعاية. في هذا الواقع الجديد، يرجّح انتشارًا واسعًا للروبوتات البشرية والسيارات ذاتية القيادة، إلى جانب نقلة نوعية في السفر الفضائي عبر صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام تخفّض كلفة الوصول إلى الفضاء.
يعتقد ماسك أن هذا التسارع التكنولوجي يؤسس لازدهار اقتصادي غير مسبوق، ويفتح أفق ما يسميه "الوفرة المستدامة"، حيث تُلبّى الحاجات الأساسية للبشر على نطاق واسع عبر الأتمتة. وفي يوم 13 مايو 2025، خلال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي في الرياض، صرح إيلون ماسك بأن الروبوتات البشرية يمكن أن تضاعف الاقتصاد العالمي عشر مرات، وأنها قد تؤدي إلى وفرة في السلع والخدمات، مما يفتح المجال لتحقيق دخل عالمي مرتفع.
غير أن هذا النمط من التصريحات يكشف الرؤية التقنية الخالصة للإنسان، رؤية تنظر إليه بوصفه شيئًا يجري توظيفه في إنتاج أو وحدة استهلاك قابلة للاستبدال، وتغفل أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والأخلاقية والجمالية.
عندما يفوق عدد الروبوتات عدد البشر على الأرض، يواجه الإنسان تحولًا مهولًا يتعذر عليه استيعابه، لأن بنيته الوجودية لم تتهيأ بعد لمواكبة هذا الانعطاف الحاد في مصيره ومصير العالم الذي يعيش فيه. عاش الإنسان قرونًا بوصفه سيد الأرض، يديرها وفق مصالحه، ويعيد تنظيمها بما يخدم أهدافه، ولم يعرف منذ ظهوره شريكًا ينازعه هذا المقام. اليوم دخلت الروبوتات مجال حياته، وغدًا يتمدد نفوذها إلى مساحات سيادته بوتيرة سريعة، فيجد نفسه إزاء واقع جديد، يربك قدراته النفسية والعاطفية والاقتصادية والحقوقية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ويعيد تشكيل هويته وفقًا لمعطيات هذا الواقع الرقمي ورهاناته، ويتركه عاجزًا عن استيعاب الأمواج العاصفة لهذا الانعطاف وارتدادته المثيرة. هذا التحول لا يشبه شيئًا مما خبره الإنسان في تاريخه الطويل، إذ لا يتعلق بأداة إضافية أو تقنية عابرة، وإنما يمس معنى الفعل الإنساني نفسه، وحدود السلطة على العالم، وصورة الإنسان عن ذاته وما حوله، في عالم يعاد تشكيله خارج إيقاع المعارف والخبرة المألوفة له، وداخل أفق يهدد بتعميق اغترابه، إذا لم يستعد وعيه ومعاييره الإنسانية قبل أن يستعيد أدواته.
في هذا الواقع تتحوّل الهوية إلى الأثر الذي يظهر على الشاشة ويقاس بالأرقام ويدار بالخوارزميات. في أفقها الوجودي تتشكّل الهوية ببطء، عبر الذاكرة والاختيار والقلق والسعي والسؤال، بوصفها مسارًا مفتوحًا لا صورة مكتملة. أمّا في الفضاء الرقمي فتعاد صياغتها وفق منطق العرض والتداول، وتغدو بيانات قابلة للتصنيف، وسلوكًا قابلًا للتنبؤ، وحضورًا يكافأ بقدر ما يُرى ويُستهلك. تلعب الخوارزميات دور الوسيط الحاسم في هذا التحول، إذ لا تكتفي برصد ما يفعله الإنسان، بل تعيد تشكيل ما يراه وما ينتبه إليه، فيتعلم أن يعدل صورته بما يوافق طلب المنصة لا بما ينسجم مع طبيعته وإمكانات ذاته المتاحة، ويتحوّل السؤال: مَن أكون إلى كيف أظهر. عندئذ تفقد الهوية عمقها الزمني في الذاكرة ودلالاتها الرمزية، وتغدو آنية متقلبة، محرومة من الصيروة التي تنضج فيها الذات. يحل منطق التفاعل الرقمي محل منطق المعنى، فينشأ اغتراب جديد يقوم على حضور كثيف في الفضاء يقابله استلاب للذات.
حين تتحول الهوية إلى معطى جاهز للتصنيف والتداول، تلتقطه الخوارزميات وتعيد إنتاجه في صور وانتماءات وبيانات مقطوعة الصلة بالذاكرة والرصيد الرمزي. لا تعود الهوية مسارًا يتكون في التجربة، ولا علاقة مفتوحة بين الإنسان والعالم، وإنما تغدو شيئًا قابلًا للعرض والقياس والمقارنة الرقمية، خاضعًا لمنطق السوق ومعادلات خوارزميات التسلط والهيمنة والاحتكار. حيث ينطفئ وهج الإنسان في دلالات رقمية، ويقيس حضوره بعدد المتابعين والتفاعلات، فتفقد الهوية عمقها الوجودي، ويتراجع بعدها الأخلاقي والروحي والجمالي، ويحل محله شكل من الامتلاء الرقمي الزائف الذي يغطي فراغ المعنى، فتصير الهوية شيئًا من الأشياء المنتجة خوارزميًا. لا ينبع خطر هذا التشيؤ من التقنية ذاتها، وإنما من انقطاع الصلة بين الهوية والذاكرة والرمز والمعنى، حين تحل الوسائط محل التجربة الوجودية، والصورة محل الحضور، والانتماء المعلن محل القلق الخلّاق الذي يواكب تشكل الذات. الهوية حين تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى قناع، وحين تنفصل عن الحرية تصير أداة، وحين تنغلق داخل قوالب رقمية جاهزة تعطل إمكان السؤال والتفكير الخلّاق.
د. عبد الجبار الرفاعي
تحدث إيلون ماسك على هامش مشاركته في منتدى دافوس 2026 فكشف عن أن البشرية تدخل أكثر مراحل تاريخها إثارة، مع تسارع تحول العالم بفعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات إذ يتوقع أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على ذكاء الإنسان في وقت قريب، وأن يفوق عدد الروبوتات عدد البشر، بحيث يغدو لكل إنسان تقريبًا روبوت يرافق حياته اليومية، يعتني الروبوت بالأطفال وكبار السن، ويؤدي مهام العمل والرعاية. في هذا الواقع الجديد، يرجّح انتشارًا واسعًا للروبوتات البشرية والسيارات ذاتية القيادة، إلى جانب نقلة نوعية في السفر الفضائي عبر صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام تخفّض كلفة الوصول إلى الفضاء.
يعتقد ماسك أن هذا التسارع التكنولوجي يؤسس لازدهار اقتصادي غير مسبوق، ويفتح أفق ما يسميه "الوفرة المستدامة"، حيث تُلبّى الحاجات الأساسية للبشر على نطاق واسع عبر الأتمتة. وفي يوم 13 مايو 2025، خلال منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي في الرياض، صرح إيلون ماسك بأن الروبوتات البشرية يمكن أن تضاعف الاقتصاد العالمي عشر مرات، وأنها قد تؤدي إلى وفرة في السلع والخدمات، مما يفتح المجال لتحقيق دخل عالمي مرتفع.
غير أن هذا النمط من التصريحات يكشف الرؤية التقنية الخالصة للإنسان، رؤية تنظر إليه بوصفه شيئًا يجري توظيفه في إنتاج أو وحدة استهلاك قابلة للاستبدال، وتغفل أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والأخلاقية والجمالية.
عندما يفوق عدد الروبوتات عدد البشر على الأرض، يواجه الإنسان تحولًا مهولًا يتعذر عليه استيعابه، لأن بنيته الوجودية لم تتهيأ بعد لمواكبة هذا الانعطاف الحاد في مصيره ومصير العالم الذي يعيش فيه. عاش الإنسان قرونًا بوصفه سيد الأرض، يديرها وفق مصالحه، ويعيد تنظيمها بما يخدم أهدافه، ولم يعرف منذ ظهوره شريكًا ينازعه هذا المقام. اليوم دخلت الروبوتات مجال حياته، وغدًا يتمدد نفوذها إلى مساحات سيادته بوتيرة سريعة، فيجد نفسه إزاء واقع جديد، يربك قدراته النفسية والعاطفية والاقتصادية والحقوقية والسياسية والثقافية والاجتماعية، ويعيد تشكيل هويته وفقًا لمعطيات هذا الواقع الرقمي ورهاناته، ويتركه عاجزًا عن استيعاب الأمواج العاصفة لهذا الانعطاف وارتدادته المثيرة. هذا التحول لا يشبه شيئًا مما خبره الإنسان في تاريخه الطويل، إذ لا يتعلق بأداة إضافية أو تقنية عابرة، وإنما يمس معنى الفعل الإنساني نفسه، وحدود السلطة على العالم، وصورة الإنسان عن ذاته وما حوله، في عالم يعاد تشكيله خارج إيقاع المعارف والخبرة المألوفة له، وداخل أفق يهدد بتعميق اغترابه، إذا لم يستعد وعيه ومعاييره الإنسانية قبل أن يستعيد أدواته.
في هذا الواقع تتحوّل الهوية إلى الأثر الذي يظهر على الشاشة ويقاس بالأرقام ويدار بالخوارزميات. في أفقها الوجودي تتشكّل الهوية ببطء، عبر الذاكرة والاختيار والقلق والسعي والسؤال، بوصفها مسارًا مفتوحًا لا صورة مكتملة. أمّا في الفضاء الرقمي فتعاد صياغتها وفق منطق العرض والتداول، وتغدو بيانات قابلة للتصنيف، وسلوكًا قابلًا للتنبؤ، وحضورًا يكافأ بقدر ما يُرى ويُستهلك. تلعب الخوارزميات دور الوسيط الحاسم في هذا التحول، إذ لا تكتفي برصد ما يفعله الإنسان، بل تعيد تشكيل ما يراه وما ينتبه إليه، فيتعلم أن يعدل صورته بما يوافق طلب المنصة لا بما ينسجم مع طبيعته وإمكانات ذاته المتاحة، ويتحوّل السؤال: مَن أكون إلى كيف أظهر. عندئذ تفقد الهوية عمقها الزمني في الذاكرة ودلالاتها الرمزية، وتغدو آنية متقلبة، محرومة من الصيروة التي تنضج فيها الذات. يحل منطق التفاعل الرقمي محل منطق المعنى، فينشأ اغتراب جديد يقوم على حضور كثيف في الفضاء يقابله استلاب للذات.
حين تتحول الهوية إلى معطى جاهز للتصنيف والتداول، تلتقطه الخوارزميات وتعيد إنتاجه في صور وانتماءات وبيانات مقطوعة الصلة بالذاكرة والرصيد الرمزي. لا تعود الهوية مسارًا يتكون في التجربة، ولا علاقة مفتوحة بين الإنسان والعالم، وإنما تغدو شيئًا قابلًا للعرض والقياس والمقارنة الرقمية، خاضعًا لمنطق السوق ومعادلات خوارزميات التسلط والهيمنة والاحتكار. حيث ينطفئ وهج الإنسان في دلالات رقمية، ويقيس حضوره بعدد المتابعين والتفاعلات، فتفقد الهوية عمقها الوجودي، ويتراجع بعدها الأخلاقي والروحي والجمالي، ويحل محله شكل من الامتلاء الرقمي الزائف الذي يغطي فراغ المعنى، فتصير الهوية شيئًا من الأشياء المنتجة خوارزميًا. لا ينبع خطر هذا التشيؤ من التقنية ذاتها، وإنما من انقطاع الصلة بين الهوية والذاكرة والرمز والمعنى، حين تحل الوسائط محل التجربة الوجودية، والصورة محل الحضور، والانتماء المعلن محل القلق الخلّاق الذي يواكب تشكل الذات. الهوية حين تفقد بعدها الإنساني تتحول إلى قناع، وحين تنفصل عن الحرية تصير أداة، وحين تنغلق داخل قوالب رقمية جاهزة تعطل إمكان السؤال والتفكير الخلّاق.
مع ذلك لا يكون هذا التحول قدرًا حتميًا، إذ تظل استعادة الهوية بوصفها تجربة وجود ممكنة ما دام الإنسان يحافظ على حقه في التأمل، ويبني علاقته بذاته خارج منطق الأرقام، ويصون ما لا يعرض ولا يحسب بالأرقام، كالقلق، والسؤال المفتوح على المعنى. الخلاص لا يتحقق برفض العصر الرقمي، وإنما بترسيخ الهوية كصلة وجودية بالذات والآخر والعالم، صلة تقاوم الذوبان في الخوارزميات، وتحفظ للإنسان كرامته بوصفه ذاتًا تتساءل وتفكر وتشعر وتبحث، لا رقمًا في معادلة، ولا صورة في أنظمة بلا روح.
ما دامت الهوية ليست معطى جاهزًا ولا توصيفًا اجتماعيًا أو تقنيًا، إنما تجربة وجودية حيّة تتشكل في أفق المعنى، وتتوالد عبر الوعي والاختيار والعلاقة وبناء الذات، فأن الفضاء الرقمي يدفع بهذه الهوية نحو التحول إلى معطى تقني قابل للحساب. يحدث هذا التحول بفعل عدة عوامل، في مقدمتها اختزال الإنسان إلى بيانات وأنماط سلوكية قابلة للقياس والتنبؤ، فتفقد الهوية عمقها الداخلي، وتتحول إلى ملف رقمي يدار من الخارج. يتعارض هذا الاختزال مع طبيعة الإنسان بوصفها ملتقى الأضداد، حيث يتوالد من الأضداد في طبيعة الإنسان التوتر المنتج للإبداع والإنجاز والتنوع، ويؤكد كون الإنسان كائنًا يحمل فائض معنى لا يستنفد في أي توصيف، ولا يختزل في نموذج حسابي مهما بلغ من الدقة.
يضاف إلى ذلك هيمنة العقل الأداتي التقني الذي لا يسأل عن المعنى، فتعاد صياغة الهوية وفق منطق الأداء والتصنيف والتوافق مع الخوارزميات، ويتحول سؤال: مَن أنا إلى سؤال كيف أُصنَّف. كذلك تنفصل الهوية عن ذات الإنسان، حيث يستحوذ الحضور الرقمي على التحقق الوجودي، فيتراجع الإنصات إلى الذات ويتسع الاغتراب.
تتمة المقال على الرابط:
https://alsabaah.iq/127072-.html
ما دامت الهوية ليست معطى جاهزًا ولا توصيفًا اجتماعيًا أو تقنيًا، إنما تجربة وجودية حيّة تتشكل في أفق المعنى، وتتوالد عبر الوعي والاختيار والعلاقة وبناء الذات، فأن الفضاء الرقمي يدفع بهذه الهوية نحو التحول إلى معطى تقني قابل للحساب. يحدث هذا التحول بفعل عدة عوامل، في مقدمتها اختزال الإنسان إلى بيانات وأنماط سلوكية قابلة للقياس والتنبؤ، فتفقد الهوية عمقها الداخلي، وتتحول إلى ملف رقمي يدار من الخارج. يتعارض هذا الاختزال مع طبيعة الإنسان بوصفها ملتقى الأضداد، حيث يتوالد من الأضداد في طبيعة الإنسان التوتر المنتج للإبداع والإنجاز والتنوع، ويؤكد كون الإنسان كائنًا يحمل فائض معنى لا يستنفد في أي توصيف، ولا يختزل في نموذج حسابي مهما بلغ من الدقة.
يضاف إلى ذلك هيمنة العقل الأداتي التقني الذي لا يسأل عن المعنى، فتعاد صياغة الهوية وفق منطق الأداء والتصنيف والتوافق مع الخوارزميات، ويتحول سؤال: مَن أنا إلى سؤال كيف أُصنَّف. كذلك تنفصل الهوية عن ذات الإنسان، حيث يستحوذ الحضور الرقمي على التحقق الوجودي، فيتراجع الإنصات إلى الذات ويتسع الاغتراب.
تتمة المقال على الرابط:
https://alsabaah.iq/127072-.html
عبد الجبار الرفاعي الثائر الهادئ بروح المؤمن : بهجة الروح وقلق الموت
د. طه جزاع
لا تُعَدّ جهود المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي طارئة على حركة الفكر الديني، بل هي امتدادٌ طبيعي لسلالة عريقة من المجدّدين الذين سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي: من الفارابي وابن سينا وابن رشد،إلى محمد عبده جمال الدين الأفغاني محمد عبده ورشيد رضا، ثم محمد إقبال، وصولاً إلى حسن حنفي ونصر أبي زيد. وبين هؤلاءجميعاً يبرز صدر الدين الشيرازي، الذي سبقهم بقرون، بوصفه حلقة وصل مؤثرة في تشكيل الحسّ الفلسفي والكلامي الحديث. وفي هذه السلسلة الفكرية ينتسب الرفاعي، لا بوصفه شارحاً أو مكرّراً، بل واحداً من أبرز من صاغوا علم الكلام الجديد وفلسفة الدين بلغة معاصرة، وبمنهج يقلب المقولات القديمة رأساً على عقب، لأنها- كما يقول- " لا تورثُ الروح سكينتها، ولا القلبَ طمأنينته، ولا تكرّسُ المحبّة ".
سرّ الإقبال على كتبه… ولماذا تنفد سريعاً ؟
لستُ هنا بصدد حصر مشروعه الواسع الممتدّ أكثر من نصف قرن في التأليف والتحرير والمناظرة والمحاضرة والنشر، فذلك يحتاج إلى مجلدات. إنما لافتٌ أنّ ظاهرة الرفاعي في العراق تستحق التوقف : كتبٌ في الفلسفة وعلم الكلام وفلسفة الدين - وهي عادةً الأبعد عن الرواج - تنفد بالكامل ويُعاد طبعها مرات عديدة. سلسلة مؤلفاته عن الدين: الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية، مقدمة في علم الكلام الجديد، لاقت إقبالاً يتجاوز حدود التخصص والأكاديميا،إلى قراء يبحثون عن فكر مستنير، ولغة واضحة، وطرحٍ عقلاني عميق بعيد عن الدوغمائية. والسرّ ؟ الأسلوب الذي - كما قال بوفون – هو الرجل نفسه. أسلوب لا يتكلف ولا يتصنع، نابض بشخصية كاتبه وصدقه. ويضاف إلى ذلك فضيلته الأساسية: قدرته على قراءة النص القديم كأنه نصّ راهن، يفككه، يرمزّه، يعيد الحياة إليه، ويدرجه في أسئلة عصرنا، واحتياجات الإنسان الروحية والنفسية والمادية. ولعل هذا ما دفع الكاردينال لويس ساكو بعد قراءته "الدين والظمأ الأنطولوجي" ليكتب: "أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ رسالة الإيمان" .
رسالة الرفاعي ليست تنظيراً مجرداً، بل دعوة إلى ما يسميه "إيمان الحبّ"، إيمانٌ لا يتصادم مع العقل، ولا يتبرّم من الشك، بل يتخذه جسراً للحقيقة، على طريقة الغزالي وديكارت: "من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلال".
من هنا يبدو الرفاعي أقرب إلى "الثائر الهادئ"، الذي يكتب بروح المؤمن، ويحاكم التراث بعقل الفيلسوف، ويقاوم العنف والكراهية بكلمة رقيقة تذكّر بقول الرومي: "توضأ بالمحبّة قبل الماء… فإن الصلاة بقلبٍ حاقد لا تجوز". في كتابه "مسّرات القراءة ومخاض الكتابة" يخوض الرفاعي أصعب أنواع الكتابة: كتابة السيرة، وهي في الوقت نفسه من أصدق الاعترافات وأمتعها، حين يكون صاحبها صريحاً يحترم قارئه، ويؤمن بأن تجربته الخاصة – بما فيها من أخطاء – تستحق أن تُروى. في هذا الكتاب ينقل للقارئ محطات مهمة من حياته، وذكرياته مع الكتب والمكتبات، وكيف صارت القراءة شرطاً وجودياً عنده: "لا قيمة لكتابة لا تعتمد العقل، العقلُ لا غير هو ما يحمي الانسانَ من الانزلاق في متاهات الخرافات والأوهام والجهالات".
عام 1971 اكتشف مصادفة مكتبة عامة قرب مدرسته في مدينة الشطرة جنوب العراق، وفيها عثر على الجزء الأول من كتاب: "لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث" لعلي الوردي، ثم على "معالم في الطريق" لسيد قطب، الذي أسرَه زمناً قبل أن يكتشف – بجرأة عقلية – أن تلك الكتابات "لا تقول شيئاً نافعاً"، وأنها أبعدته عن الواقع بوعد خلاصيّ لا أساس له. ذلك الفتى الذي اشترى أولى مجلاته من بائع صحف بسيط،وصُدم لرحيل جمال عبد الناصر عبر افتتاحية لأحمد زكي في مجلة "العربي"، سيغدو لاحقاً من أبرز المجددين في الفكر الديني الحديث.
يمتلك الرفاعي اليوم مكتبة تضيق بها غرف البيت، تجمع قرابة ثلاثين ألف كتاب ومجلّة ودورية. يتعامل مع الكتب ككائناتٍ حيّة، تُبهج حضورها الروحُ والعقل، اذ يقول: "وجودُ الكتب في كلّ بيت أسكنه يخفضُ الشعورَ بالاغترابِ الوجودي وقلق الموت". لا يزال الرفاعي يتحسّر على كتب لم يستطع شراءهافي وقتها، مثل دائرة معارف البستاني التي رآها في شارع المتنبي عام 1973 ولم يكن يملك ثمنها.
في نيسان 1980، وبينما كان في الكويت بعد هروبه الليلي من العراق عبر الصحراء، قاده شغفُ الكتب إلى موقف خطير: دخل مخزناً واسعاً للكتب تحت الأرض، وانغمس فيها حتى نسي الزمن. وبعد خمس ساعات من "معاشرة الكتب" خرج ليجد المكتبة مغلقة، وهو بلا جواز سفر، ولا وثيقة إقامة! . كيف خرج من هذا المأزق؟ وما الذي جرى بعده؟ ذلك ممّا تُحيله فصولُ "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة" إلى القارئ ليستمتع به دون أن يُفوّت شيئاً من حكايات الرفاعي ونوادره التي لا تُحصى.
د. طه جزاع
لا تُعَدّ جهود المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي طارئة على حركة الفكر الديني، بل هي امتدادٌ طبيعي لسلالة عريقة من المجدّدين الذين سعوا إلى التوفيق بين العقل والوحي: من الفارابي وابن سينا وابن رشد،إلى محمد عبده جمال الدين الأفغاني محمد عبده ورشيد رضا، ثم محمد إقبال، وصولاً إلى حسن حنفي ونصر أبي زيد. وبين هؤلاءجميعاً يبرز صدر الدين الشيرازي، الذي سبقهم بقرون، بوصفه حلقة وصل مؤثرة في تشكيل الحسّ الفلسفي والكلامي الحديث. وفي هذه السلسلة الفكرية ينتسب الرفاعي، لا بوصفه شارحاً أو مكرّراً، بل واحداً من أبرز من صاغوا علم الكلام الجديد وفلسفة الدين بلغة معاصرة، وبمنهج يقلب المقولات القديمة رأساً على عقب، لأنها- كما يقول- " لا تورثُ الروح سكينتها، ولا القلبَ طمأنينته، ولا تكرّسُ المحبّة ".
سرّ الإقبال على كتبه… ولماذا تنفد سريعاً ؟
لستُ هنا بصدد حصر مشروعه الواسع الممتدّ أكثر من نصف قرن في التأليف والتحرير والمناظرة والمحاضرة والنشر، فذلك يحتاج إلى مجلدات. إنما لافتٌ أنّ ظاهرة الرفاعي في العراق تستحق التوقف : كتبٌ في الفلسفة وعلم الكلام وفلسفة الدين - وهي عادةً الأبعد عن الرواج - تنفد بالكامل ويُعاد طبعها مرات عديدة. سلسلة مؤلفاته عن الدين: الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية، مقدمة في علم الكلام الجديد، لاقت إقبالاً يتجاوز حدود التخصص والأكاديميا،إلى قراء يبحثون عن فكر مستنير، ولغة واضحة، وطرحٍ عقلاني عميق بعيد عن الدوغمائية. والسرّ ؟ الأسلوب الذي - كما قال بوفون – هو الرجل نفسه. أسلوب لا يتكلف ولا يتصنع، نابض بشخصية كاتبه وصدقه. ويضاف إلى ذلك فضيلته الأساسية: قدرته على قراءة النص القديم كأنه نصّ راهن، يفككه، يرمزّه، يعيد الحياة إليه، ويدرجه في أسئلة عصرنا، واحتياجات الإنسان الروحية والنفسية والمادية. ولعل هذا ما دفع الكاردينال لويس ساكو بعد قراءته "الدين والظمأ الأنطولوجي" ليكتب: "أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ رسالة الإيمان" .
رسالة الرفاعي ليست تنظيراً مجرداً، بل دعوة إلى ما يسميه "إيمان الحبّ"، إيمانٌ لا يتصادم مع العقل، ولا يتبرّم من الشك، بل يتخذه جسراً للحقيقة، على طريقة الغزالي وديكارت: "من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلال".
من هنا يبدو الرفاعي أقرب إلى "الثائر الهادئ"، الذي يكتب بروح المؤمن، ويحاكم التراث بعقل الفيلسوف، ويقاوم العنف والكراهية بكلمة رقيقة تذكّر بقول الرومي: "توضأ بالمحبّة قبل الماء… فإن الصلاة بقلبٍ حاقد لا تجوز". في كتابه "مسّرات القراءة ومخاض الكتابة" يخوض الرفاعي أصعب أنواع الكتابة: كتابة السيرة، وهي في الوقت نفسه من أصدق الاعترافات وأمتعها، حين يكون صاحبها صريحاً يحترم قارئه، ويؤمن بأن تجربته الخاصة – بما فيها من أخطاء – تستحق أن تُروى. في هذا الكتاب ينقل للقارئ محطات مهمة من حياته، وذكرياته مع الكتب والمكتبات، وكيف صارت القراءة شرطاً وجودياً عنده: "لا قيمة لكتابة لا تعتمد العقل، العقلُ لا غير هو ما يحمي الانسانَ من الانزلاق في متاهات الخرافات والأوهام والجهالات".
عام 1971 اكتشف مصادفة مكتبة عامة قرب مدرسته في مدينة الشطرة جنوب العراق، وفيها عثر على الجزء الأول من كتاب: "لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث" لعلي الوردي، ثم على "معالم في الطريق" لسيد قطب، الذي أسرَه زمناً قبل أن يكتشف – بجرأة عقلية – أن تلك الكتابات "لا تقول شيئاً نافعاً"، وأنها أبعدته عن الواقع بوعد خلاصيّ لا أساس له. ذلك الفتى الذي اشترى أولى مجلاته من بائع صحف بسيط،وصُدم لرحيل جمال عبد الناصر عبر افتتاحية لأحمد زكي في مجلة "العربي"، سيغدو لاحقاً من أبرز المجددين في الفكر الديني الحديث.
يمتلك الرفاعي اليوم مكتبة تضيق بها غرف البيت، تجمع قرابة ثلاثين ألف كتاب ومجلّة ودورية. يتعامل مع الكتب ككائناتٍ حيّة، تُبهج حضورها الروحُ والعقل، اذ يقول: "وجودُ الكتب في كلّ بيت أسكنه يخفضُ الشعورَ بالاغترابِ الوجودي وقلق الموت". لا يزال الرفاعي يتحسّر على كتب لم يستطع شراءهافي وقتها، مثل دائرة معارف البستاني التي رآها في شارع المتنبي عام 1973 ولم يكن يملك ثمنها.
في نيسان 1980، وبينما كان في الكويت بعد هروبه الليلي من العراق عبر الصحراء، قاده شغفُ الكتب إلى موقف خطير: دخل مخزناً واسعاً للكتب تحت الأرض، وانغمس فيها حتى نسي الزمن. وبعد خمس ساعات من "معاشرة الكتب" خرج ليجد المكتبة مغلقة، وهو بلا جواز سفر، ولا وثيقة إقامة! . كيف خرج من هذا المأزق؟ وما الذي جرى بعده؟ ذلك ممّا تُحيله فصولُ "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة" إلى القارئ ليستمتع به دون أن يُفوّت شيئاً من حكايات الرفاعي ونوادره التي لا تُحصى.
يقول عن شغفه هذا : "أنا قارئ قبل كلَّ شيء وبعد كلَّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحد في حياتي".
مجلة دار السلام، العدد 22، شباط 2026.
د. طه جزاع، أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد.
مجلة دار السلام، العدد 22، شباط 2026.
د. طه جزاع، أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد.
مديونيتي لكتابات عبد الجبار الرفاعي
بهاء سوادي، طالب في المرحلة الخامسة بكلية طب جامعة البصرة.
تلكَ الإثارةُ الأولى التي تولدت في حياتي مع الإلهامِ القوي للقراءات حولَ الدّين وقضاياه، لم تكن لتحققَ مبتغاها
ولا مرادَها للمعنى لولا جهود الرفاعي التي قدّمها لنا، في كتاباتِه ورؤيتهِ الأخاذة حولَ الدّين.
لقد اندفعتُ دفعاً قوياً للتفحصِ في قضايا الدّين،
ممتلئاً بالفضولِ والشغفِ والتساؤلات، وفي أفقِ انتظارٍ معلّقٍ بين القبولِ بأيديولوجيا دينية (سلفية) سائدة في مجتمعي، وبين إثارةٍ حالمةٍ بقراءاتٍ جديدة تمنحُ الإنسانَ وجودَهُ المعنوي والأخلاقي والقيمي في الحياة.
كنتُ غيرَ مستقرٍ وكانت حياتي مليئةً بالتناقضاتِ،
مشحونة ببعض الحزازيات اثـر الانتماءاتِ العرقيّة المعقدة؛ حتى توجهتُ بقراءتي -كقراءةٍ أولى لمؤلفاتِ الدكتور الرفاعي-
نحو مؤلفه "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" بطبعته الأولى (القديمة على ما أعتقد). قرأتُه بجهدٍ واسعٍ، ذهنياً وروحياً،
الى أن تفتحت بداخلي الرؤيةُ الجديدة، محمّلةً بالحياةِ الجديدة لابنِ الجيلِ الجديد.
رحتُ أسيرُ بين سطورِ المفكر الكبير، فوجدتُ بين حروفه البيضاء
ذلك النور الباحث عن مديّـونيةِ المعنى.. تيممتُ بالضوءِ حقاً!
وصرتُ بصددِ إشراقةٍ جديدةٍ في حياتي، إشراقةٍ بدأت بإزالةِ الغموضِ واللبسِ عبر التنوير، ثم الارتقاء بأفكارٍ تحمل القراءةَ الجديدة للحياة والدين عبر بوابةِ العقلانية.
على يقين بأن كل مَن يقرأ للدكتور الرفاعي سيكون أكثر استرخاء في إراءة وطرح رؤياه وأفكاره ومعتقداته، فيصبح من اولئك "الذين يمشون على الإرض هوناً
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما".
بهاء سوادي، طالب في المرحلة الخامسة بكلية طب جامعة البصرة.
تلكَ الإثارةُ الأولى التي تولدت في حياتي مع الإلهامِ القوي للقراءات حولَ الدّين وقضاياه، لم تكن لتحققَ مبتغاها
ولا مرادَها للمعنى لولا جهود الرفاعي التي قدّمها لنا، في كتاباتِه ورؤيتهِ الأخاذة حولَ الدّين.
لقد اندفعتُ دفعاً قوياً للتفحصِ في قضايا الدّين،
ممتلئاً بالفضولِ والشغفِ والتساؤلات، وفي أفقِ انتظارٍ معلّقٍ بين القبولِ بأيديولوجيا دينية (سلفية) سائدة في مجتمعي، وبين إثارةٍ حالمةٍ بقراءاتٍ جديدة تمنحُ الإنسانَ وجودَهُ المعنوي والأخلاقي والقيمي في الحياة.
كنتُ غيرَ مستقرٍ وكانت حياتي مليئةً بالتناقضاتِ،
مشحونة ببعض الحزازيات اثـر الانتماءاتِ العرقيّة المعقدة؛ حتى توجهتُ بقراءتي -كقراءةٍ أولى لمؤلفاتِ الدكتور الرفاعي-
نحو مؤلفه "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" بطبعته الأولى (القديمة على ما أعتقد). قرأتُه بجهدٍ واسعٍ، ذهنياً وروحياً،
الى أن تفتحت بداخلي الرؤيةُ الجديدة، محمّلةً بالحياةِ الجديدة لابنِ الجيلِ الجديد.
رحتُ أسيرُ بين سطورِ المفكر الكبير، فوجدتُ بين حروفه البيضاء
ذلك النور الباحث عن مديّـونيةِ المعنى.. تيممتُ بالضوءِ حقاً!
وصرتُ بصددِ إشراقةٍ جديدةٍ في حياتي، إشراقةٍ بدأت بإزالةِ الغموضِ واللبسِ عبر التنوير، ثم الارتقاء بأفكارٍ تحمل القراءةَ الجديدة للحياة والدين عبر بوابةِ العقلانية.
على يقين بأن كل مَن يقرأ للدكتور الرفاعي سيكون أكثر استرخاء في إراءة وطرح رؤياه وأفكاره ومعتقداته، فيصبح من اولئك "الذين يمشون على الإرض هوناً
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما".
تمت يوم 3 -2-2026 في جامعة الأديان والمذاهب مناقسة اطروحة دكتوراه الباحث علي المدن الموسومة: "نقد العقل التراثي لدى جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي". تميزت هذه الاطروحة بأنها ابتكرت موضوعا لم يسبقه إليه أحد من جيل أساتذته ومن سبقهم، ولا من جيله في الجامعات. علي المدن اكتشف خارطة طريقة وهوية معرفية للفكر الديني العراقي الحديث، ورسمها ببراعة ريشة فنان يري التفاصيل والجزئيات بجلاء ويعيد تركيبها في اطار نظري واضح. تميزت هذه الاطروحة بتحقيب التطور التاريخي للفكر الديني العراقي الحديث، وتجييله في محطات زمنية تعكس تطور هذا الفكر وترصد مشاغله لأكثر من قرن. تحدث المدن عن الجيل الأول في الفكر الديني العراقي وأعلامه، وهم: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد جواد البلاغي، ومحمد حسين كاشف الغطاء. والجيل الثاني وأعلامه: محمد رضا المظفر، ومحمد أمين زين الدين، ومحمد باقر الصدر. والجيل الثالث وأعلامه: عمار أبو رغيف، وكمال الحيدري، ويحيى محمد، وعبد الجبار الرفاعي.
هذا الظمأ ليس مجازيًا ولا نفسيًا فحسب؛ إنه ظمأ أنطولوجي: عطشٌ إلى الامتلاء الوجودي، إلى المعنى، إلى حضورٍ يتجاوز عبثية العالم، وإلى يقينٍ لا تمنحه العلوم ولا الفنون وحدها. لذلك لا يرى الرفاعي أن الدين منافسٌ للعلم أو للفن، بل يرى أن كليهما يغنيان الحياة، لكنهما لا يرويان الظمأ العميق الذي يوقظ السؤال الأخير: لماذا نعيش؟ ولماذا نموت؟ وإلى أين نمضي؟
الدين كسلّم للارتقاء لا كجدار للعقل: ينتقد الرفاعي الفهم الأداتي للدين بوصفه أداة سلطة أو وسيلة تعبئة سياسية أو نظامًا أيديولوجيًا مغلقًا. الدين – عنده – ليس مشروعًا للهيمنة، بل سلّمٌ وجودي يرتقي عبره الإنسان نحو كمالٍ أخلاقي وروحي وجمالي. وهو هنا يلتقي، ضمنيًا، مع تقاليد التصوف الفلسفي، لكن دون الوقوع في رومانسيته أو مثاليته المطلقة.
ما يميّز طرح الرفاعي هو محاولته الجمع بين ثلاثة أبعاد غالبًا ما تُفصل عن بعضها:
1. العقل النقدي الذي يمنع الانزلاق إلى الخرافة.
2. القلب المتعبد الذي يحفظ حرارة الإيمان.
3. الروح المتأملة التي تتوق إلى الجمال والمعنى.
بهذا المعنى، لا يريد دينًا بلا عقل، ولا عقلًا بلا إيمان، ولا إيمانًا بلا أخلاق.
الموت بوصفه الامتحان النهائي للدين: يُعطي الرفاعي للموت مكانة مركزية في فهمه للدين. فالموت ليس مجرد نهاية بيولوجية، بل هو اللحظة التي ينكشف فيها صدق الإنسان مع نفسه. هنا يفشل الادعاء المادي الخالص؛ لأن الإنسان لا يطلب الفناء، بل يطلب الديمومة، ولا يطيق فكرة الانعدام التام.
الدين – في هذا السياق – ليس هروبًا من الموت، بل تفسيرٌ له:
هو يحوّل الموت من انقطاع مطلق إلى تحوّلٍ وجودي، من انطفاء إلى انتقال، من نهاية مغلقة إلى أفقٍ مفتوح. وهنا يكمن سرّ جاذبية الدين عبر العصور: إنه يمنح معنى لما لا يحتمله الإنسان بلا معنى.
أزمة الشباب بين الفراغ والدم: من أعمق مقاطع الكتاب هو تحليل الرفاعي لانجذاب بعض الشباب الغربي إلى العنف المتطرف. فهو لا يفسّره فقط بالفقر أو الجهل أو السياسة، بل بفراغٍ روحي قاتل، وظمأٍ أنطولوجي لم يُشبَع، واغترابٍ وجودي داخل مجتمعات وفّرت المتعة لكنها أفرغت المعنى.
هؤلاء الشباب – كما يصوّرهم – يشبهون عطشى يظنون أن ماء البحر عذب، أو راكضين وراء سرابٍ يتبدّد كلما اقتربوا منه. إنهم يبحثون عن لهيبٍ روحي يوقظهم من رتابة الاستهلاك، لكنهم يسلكون دروبًا مدمّرة تقودهم إلى مزيد من الظلام.
أدلجة الدين وتفريغه من روحه: يقدّم الرفاعي نقدًا حادًا لما يسميه أدلجة الدين، أي تحويله إلى برنامج سياسي صلب، أو أداة صراع، أو نظام تعبئة جماهيرية. هذه الأدلجة – في رأيه – لا تحرّر الإنسان بل تستعبده، ولا تُنير العقل بل تطفئه، ولا تُحيي الروح بل تجفّفها. نقده لعلي شريعتي ليس رفضًا للدين الثوري بقدر ما هو رفضٌ لتحويل الدين إلى أيديولوجيا مغلقة تطمس الواقع بدل أن تكشفه، وتبرّر العنف بدل أن تداويه.
البحث عن الذات كرحلة روحية وفكرية: في مقدمات الطبعات المختلفة، يتحوّل الكتاب إلى سيرة ذاتية روحية غير مباشرة. الرفاعي لا يكتب عن الدين من خارج تجربته، بل من داخل معاناته، شكّه، مراجعاته، تراجعاته، ونضوجه البطيء.
هو يعترف بأنه عاش زمن الشعارات، ثم زمن النقد، ثم زمن التأمل، ثم زمن الإيمان الذي لا يقتل العقل بل يحرّره. كتابه إذًا ليس أطروحة نظرية فحسب، بل رحلة بحث عن الذات المختبئة، عن صورة الله التي طُمست تحت ركام التاريخ والسياسة والسلطة.
صورة الله بين الرحمة والعنف: أحد أعمدة مشروعه هو تطهير صورة الله من القسوة التي ألصقتها بها قراءات سلفية حرفية أو أيديولوجية. الله – عند الرفاعي – ليس إله الحرب والانتقام، بل إله الرحمة والجمال والحرية والكرامة والسلام.
الدين الذي لا يُنجب رحمةً ليس دينًا، والتدين الذي لا يثمر جمالًا أخلاقيًا ليس تدينًا، والإيمان الذي لا يحرّر الإنسان من الخوف ليس إيمانًا.
يمكن قراءة الدين والظمأ الأنطولوجي بوصفه محاولةً كبرى لإعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي، وزمن الضياع، وزمن العنف باسم المقدس. إنه كتابٌ يريد أن: يعيد الدين إلى قلب الإنسان بدل أن يجعله فوقه كسيفٍ مسلّط. ينقذ الإيمان من الأيديولوجيا. يحرّر النص من سجون التاريخ. ويعيد للروح حقّها في السؤال والدهشة والجمال.
في النهاية، ليس الرفاعي داعية تصوف ولا مدافعًا تقليديًا عن الدين، بل مفكرٌ يقف على حافة الفلسفة واللاهوت والتجربة الشخصية، محاولًا أن يكتب لاهوتًا للظمأ، وأخلاقًا للقلق، وإيمانًا للحرية.
https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid0jCthmYazgYNBYZyzQtvz6nEGUwe2NKHUifzmeFZ5XUKPZ1h6X9FRFmNknj4bqP6gl&id=61551631575488
الدين كسلّم للارتقاء لا كجدار للعقل: ينتقد الرفاعي الفهم الأداتي للدين بوصفه أداة سلطة أو وسيلة تعبئة سياسية أو نظامًا أيديولوجيًا مغلقًا. الدين – عنده – ليس مشروعًا للهيمنة، بل سلّمٌ وجودي يرتقي عبره الإنسان نحو كمالٍ أخلاقي وروحي وجمالي. وهو هنا يلتقي، ضمنيًا، مع تقاليد التصوف الفلسفي، لكن دون الوقوع في رومانسيته أو مثاليته المطلقة.
ما يميّز طرح الرفاعي هو محاولته الجمع بين ثلاثة أبعاد غالبًا ما تُفصل عن بعضها:
1. العقل النقدي الذي يمنع الانزلاق إلى الخرافة.
2. القلب المتعبد الذي يحفظ حرارة الإيمان.
3. الروح المتأملة التي تتوق إلى الجمال والمعنى.
بهذا المعنى، لا يريد دينًا بلا عقل، ولا عقلًا بلا إيمان، ولا إيمانًا بلا أخلاق.
الموت بوصفه الامتحان النهائي للدين: يُعطي الرفاعي للموت مكانة مركزية في فهمه للدين. فالموت ليس مجرد نهاية بيولوجية، بل هو اللحظة التي ينكشف فيها صدق الإنسان مع نفسه. هنا يفشل الادعاء المادي الخالص؛ لأن الإنسان لا يطلب الفناء، بل يطلب الديمومة، ولا يطيق فكرة الانعدام التام.
الدين – في هذا السياق – ليس هروبًا من الموت، بل تفسيرٌ له:
هو يحوّل الموت من انقطاع مطلق إلى تحوّلٍ وجودي، من انطفاء إلى انتقال، من نهاية مغلقة إلى أفقٍ مفتوح. وهنا يكمن سرّ جاذبية الدين عبر العصور: إنه يمنح معنى لما لا يحتمله الإنسان بلا معنى.
أزمة الشباب بين الفراغ والدم: من أعمق مقاطع الكتاب هو تحليل الرفاعي لانجذاب بعض الشباب الغربي إلى العنف المتطرف. فهو لا يفسّره فقط بالفقر أو الجهل أو السياسة، بل بفراغٍ روحي قاتل، وظمأٍ أنطولوجي لم يُشبَع، واغترابٍ وجودي داخل مجتمعات وفّرت المتعة لكنها أفرغت المعنى.
هؤلاء الشباب – كما يصوّرهم – يشبهون عطشى يظنون أن ماء البحر عذب، أو راكضين وراء سرابٍ يتبدّد كلما اقتربوا منه. إنهم يبحثون عن لهيبٍ روحي يوقظهم من رتابة الاستهلاك، لكنهم يسلكون دروبًا مدمّرة تقودهم إلى مزيد من الظلام.
أدلجة الدين وتفريغه من روحه: يقدّم الرفاعي نقدًا حادًا لما يسميه أدلجة الدين، أي تحويله إلى برنامج سياسي صلب، أو أداة صراع، أو نظام تعبئة جماهيرية. هذه الأدلجة – في رأيه – لا تحرّر الإنسان بل تستعبده، ولا تُنير العقل بل تطفئه، ولا تُحيي الروح بل تجفّفها. نقده لعلي شريعتي ليس رفضًا للدين الثوري بقدر ما هو رفضٌ لتحويل الدين إلى أيديولوجيا مغلقة تطمس الواقع بدل أن تكشفه، وتبرّر العنف بدل أن تداويه.
البحث عن الذات كرحلة روحية وفكرية: في مقدمات الطبعات المختلفة، يتحوّل الكتاب إلى سيرة ذاتية روحية غير مباشرة. الرفاعي لا يكتب عن الدين من خارج تجربته، بل من داخل معاناته، شكّه، مراجعاته، تراجعاته، ونضوجه البطيء.
هو يعترف بأنه عاش زمن الشعارات، ثم زمن النقد، ثم زمن التأمل، ثم زمن الإيمان الذي لا يقتل العقل بل يحرّره. كتابه إذًا ليس أطروحة نظرية فحسب، بل رحلة بحث عن الذات المختبئة، عن صورة الله التي طُمست تحت ركام التاريخ والسياسة والسلطة.
صورة الله بين الرحمة والعنف: أحد أعمدة مشروعه هو تطهير صورة الله من القسوة التي ألصقتها بها قراءات سلفية حرفية أو أيديولوجية. الله – عند الرفاعي – ليس إله الحرب والانتقام، بل إله الرحمة والجمال والحرية والكرامة والسلام.
الدين الذي لا يُنجب رحمةً ليس دينًا، والتدين الذي لا يثمر جمالًا أخلاقيًا ليس تدينًا، والإيمان الذي لا يحرّر الإنسان من الخوف ليس إيمانًا.
يمكن قراءة الدين والظمأ الأنطولوجي بوصفه محاولةً كبرى لإعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي، وزمن الضياع، وزمن العنف باسم المقدس. إنه كتابٌ يريد أن: يعيد الدين إلى قلب الإنسان بدل أن يجعله فوقه كسيفٍ مسلّط. ينقذ الإيمان من الأيديولوجيا. يحرّر النص من سجون التاريخ. ويعيد للروح حقّها في السؤال والدهشة والجمال.
في النهاية، ليس الرفاعي داعية تصوف ولا مدافعًا تقليديًا عن الدين، بل مفكرٌ يقف على حافة الفلسفة واللاهوت والتجربة الشخصية، محاولًا أن يكتب لاهوتًا للظمأ، وأخلاقًا للقلق، وإيمانًا للحرية.
https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid0jCthmYazgYNBYZyzQtvz6nEGUwe2NKHUifzmeFZ5XUKPZ1h6X9FRFmNknj4bqP6gl&id=61551631575488
Facebook
Log in or sign up to view
See posts, photos and more on Facebook.
تمثّلات الدين في أزمنة الظمأ: عبدالجبار الرفاعي وسؤال الذات في كتابه الدين والظمأ الأنطولوجي
د. محمد الزكري القضاعي
لا يمكن قراءة كتاب عبدالجبار الرفاعي "الدين والظمأ الأنطولوجي" بوصفه مجرّد أطروحات في الفكر الديني أو محاولات للتجديد اللاهوتي. بل ينبغي النظر إليه كمسارٍ لتكوُّن ذاتٍ مفكرة تتحرّك داخل توتّرٍ تاريخي ومعرفي حاد بين الدين والحداثة، بين التراث والعقل النقدي، وبين الإيمان والقلق الوجودي. ومن هنا تأتي فاعلية العدسة التحليلية في الاقتراب من مشروع كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" ؛ هناك أهمية حرجة مرتبطة بقراءة نصوص الكتاب لا بوصفها إجابات جاهزة، بل بوصفها استجابات متتابعة لأحداثٍ مُؤسِّسة، وفراغاتٍ معرفية، وأسئلةٍ كونية، ورحلةٍ بين جغرافيات فكرية متعدّدة. إذا انطلقنا من مفهوم يرى الذات بوصفها عملية تَذويت مرتبطة بالحدث، فإن ذات الرفاعي لا تظهر مكتملة منذ البداية، بل تتشكّل تدريجيًا عبر سلسلة من الصدمات الفكرية والسياسية والروحية: صدمة الحداثة، وأزمة التراث، وانكسارات المشروع الأيديولوجي الديني، وتجربة العنف باسم المقدّس، وارتطام الوعي الديني بواقعٍ علمي–تقني متسارع. بهذا المعنى، فإن كل طبعة من طبعات " الدين والظمأ الأنطولوجي" ليس محطةً مستقلة، بل فصلٌ في سيرة ذاتٍ تفكر عبر الأحداث، وتعيد صياغة نفسها مع كل تحوّلٍ تاريخي ومعرفي.
من زاويةٍ ثانية، يصبح مشروع الرفاعي مفهومًا بوصفه اشتغالًا على فراغٍ معرفي بالمعنى الفلسفي: فراغٌ بين لغة الدين التقليدية ولغة الحداثة، فراغٌ بين الفقه والروحانية، فراغٌ بين النص المقدّس وأسئلة الإنسان المعاصر، وفراغٌ بين الإيمان والحرية النقدية. الرفاعي لا يبدأ من يقينٍ مُحكم، بل من رصد هذه الفراغات بوصفها مشكلةً فلسفية ولاهوتية معاصرة، ويحاول عبر كتاباته أن ينتج لغةً دينية جديدة تستطيع تمثيل ما لم يعد ممثَّلًا في الخطاب الديني الكلاسيكي.
وفي مستوى ثالث، يمكن قراءة الرفاعي عبر سؤال الحقيقة والكونية. فهو لا يكتفي بالدفاع عن خصوصيةٍ دينية محلية، ولا ينزلق إلى نسبيةٍ ثقافية تُفرّغ الحقيقة من معناها الأخلاقي، بل يسعى إلى تصورٍ للدين بوصفه أفقًا كونيًا للمعنى والكرامة والرحمة والحرية. بهذا المعنى، يقع مشروعه على مسافة نقدية من كل من السلفية المنغلقة وما بعد الحداثة النسبية، محاولًا شقّ طريقٍ ثالثٍ يجعل الدين قابلًا للكوننة دون أن يفقد جذوره. أما في المستوى الرابع، فإن مشروع الرفاعي يتكشف بوصفه رحلةً بين جغرافيات معرفية متعددة يتحرك بين الشرق والغرب، بين التراث والفلسفة الحديثة، بين علم الكلام القديم واللاهوت المعاصر، وبين العقل النقدي والتجربة الروحية. هذه الحركة ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا لنضج الذات؛ فالذات لا تكتمل داخل محليتها، بل عبر العبور بين فراغات معرفية متباعدة، وجمع شظايا الحقيقة الموزّعة عبر العالم.
انطلاقًا من هذه الأدوات، يمكن وضع الحدث المؤسِّس لفكر الرفاعي في مفترق طرقٍ تاريخي: أزمة العلاقة بين الدين والحداثة، مقرونةً بانكشاف حدود الأيديولوجيا الدينية في تفسير العالم الحديث، وبروز العنف باسم المقدّس، واتساع الفراغ الروحي في عالمٍ استهلاكي بلا معنى. هذا الحدث لا يظهر بوصفه واقعةً واحدة، بل كشرطٍ تاريخي طويل المدى يُعيد تشكيل الوعي الديني من جذوره. هكذا يُقرأ كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي بوصفه مشروعًا فلسفيًا-لاهوتيًا يسعى إلى إعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي. لا كدفاعٍ تقليدي عن الدين، ولا كنقدٍ علمانيٍّ له، بل كمحاولةٍ فلسفية–لاهوتية لإعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي، زمن الفراغ، وزمن البحث المضطرب عن الذات. إن مشروعه هو في جوهره مشروعُ ذاتٍ تسائل نفسها عبر الحدث، وتفكّر من داخل الفراغ، وتنشد الحقيقة الكونية، وتسافر بين العوالم الفكرية بحثًا عن لغةٍ جديدة للإيمان. التوقف أمام تقدير أنه لم يعد الدين في عالمنا المعاصر مجرد منظومة تشريعية أو جهازًا أخلاقيًا ضابطًا للسلوك، ولا مجرد إرثٍ طقوسي يُورَّث بلا مساءلة، بل أصبح ساحةً كبرى للصراع على المعنى، ومختبرًا قلقًا لوجود الإنسان ذاته. في هذا الأفق المضطرب، يقدّم عبدالجبار الرفاعي في كتابه الدين والظمأ الأنطولوجي محاولةً جذرية لإعادة تموضع الدين داخل الكينونة البشرية، لا بوصفه سلطةً فوقية أو أيديولوجيا سياسية، بل باعتباره استجابةً لظمأٍ وجودي أصيل يسكن الإنسان منذ أن وُجد.
الظمأ بوصفه بنية وجودية لا ظرفًا عابرًا: ينطلق الرفاعي من فرضية أن الظمأ للمقدس ليس حالة طارئة يولدها الخوف أو الجهل، بل هو بُعدٌ بنيوي في الكينونة الإنسانية ذاتها. الإنسان – في تصوّره – كائنٌ ناقص بالضرورة، مفتوح على ما يتجاوزه، محكوم بتوترٍ دائم بين المحدود واللامحدود، بين الفاني والأبدي، بين الجسد المتناهِي والروح المتطلعة إلى المطلق.
د. محمد الزكري القضاعي
لا يمكن قراءة كتاب عبدالجبار الرفاعي "الدين والظمأ الأنطولوجي" بوصفه مجرّد أطروحات في الفكر الديني أو محاولات للتجديد اللاهوتي. بل ينبغي النظر إليه كمسارٍ لتكوُّن ذاتٍ مفكرة تتحرّك داخل توتّرٍ تاريخي ومعرفي حاد بين الدين والحداثة، بين التراث والعقل النقدي، وبين الإيمان والقلق الوجودي. ومن هنا تأتي فاعلية العدسة التحليلية في الاقتراب من مشروع كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" ؛ هناك أهمية حرجة مرتبطة بقراءة نصوص الكتاب لا بوصفها إجابات جاهزة، بل بوصفها استجابات متتابعة لأحداثٍ مُؤسِّسة، وفراغاتٍ معرفية، وأسئلةٍ كونية، ورحلةٍ بين جغرافيات فكرية متعدّدة. إذا انطلقنا من مفهوم يرى الذات بوصفها عملية تَذويت مرتبطة بالحدث، فإن ذات الرفاعي لا تظهر مكتملة منذ البداية، بل تتشكّل تدريجيًا عبر سلسلة من الصدمات الفكرية والسياسية والروحية: صدمة الحداثة، وأزمة التراث، وانكسارات المشروع الأيديولوجي الديني، وتجربة العنف باسم المقدّس، وارتطام الوعي الديني بواقعٍ علمي–تقني متسارع. بهذا المعنى، فإن كل طبعة من طبعات " الدين والظمأ الأنطولوجي" ليس محطةً مستقلة، بل فصلٌ في سيرة ذاتٍ تفكر عبر الأحداث، وتعيد صياغة نفسها مع كل تحوّلٍ تاريخي ومعرفي.
من زاويةٍ ثانية، يصبح مشروع الرفاعي مفهومًا بوصفه اشتغالًا على فراغٍ معرفي بالمعنى الفلسفي: فراغٌ بين لغة الدين التقليدية ولغة الحداثة، فراغٌ بين الفقه والروحانية، فراغٌ بين النص المقدّس وأسئلة الإنسان المعاصر، وفراغٌ بين الإيمان والحرية النقدية. الرفاعي لا يبدأ من يقينٍ مُحكم، بل من رصد هذه الفراغات بوصفها مشكلةً فلسفية ولاهوتية معاصرة، ويحاول عبر كتاباته أن ينتج لغةً دينية جديدة تستطيع تمثيل ما لم يعد ممثَّلًا في الخطاب الديني الكلاسيكي.
وفي مستوى ثالث، يمكن قراءة الرفاعي عبر سؤال الحقيقة والكونية. فهو لا يكتفي بالدفاع عن خصوصيةٍ دينية محلية، ولا ينزلق إلى نسبيةٍ ثقافية تُفرّغ الحقيقة من معناها الأخلاقي، بل يسعى إلى تصورٍ للدين بوصفه أفقًا كونيًا للمعنى والكرامة والرحمة والحرية. بهذا المعنى، يقع مشروعه على مسافة نقدية من كل من السلفية المنغلقة وما بعد الحداثة النسبية، محاولًا شقّ طريقٍ ثالثٍ يجعل الدين قابلًا للكوننة دون أن يفقد جذوره. أما في المستوى الرابع، فإن مشروع الرفاعي يتكشف بوصفه رحلةً بين جغرافيات معرفية متعددة يتحرك بين الشرق والغرب، بين التراث والفلسفة الحديثة، بين علم الكلام القديم واللاهوت المعاصر، وبين العقل النقدي والتجربة الروحية. هذه الحركة ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا لنضج الذات؛ فالذات لا تكتمل داخل محليتها، بل عبر العبور بين فراغات معرفية متباعدة، وجمع شظايا الحقيقة الموزّعة عبر العالم.
انطلاقًا من هذه الأدوات، يمكن وضع الحدث المؤسِّس لفكر الرفاعي في مفترق طرقٍ تاريخي: أزمة العلاقة بين الدين والحداثة، مقرونةً بانكشاف حدود الأيديولوجيا الدينية في تفسير العالم الحديث، وبروز العنف باسم المقدّس، واتساع الفراغ الروحي في عالمٍ استهلاكي بلا معنى. هذا الحدث لا يظهر بوصفه واقعةً واحدة، بل كشرطٍ تاريخي طويل المدى يُعيد تشكيل الوعي الديني من جذوره. هكذا يُقرأ كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي بوصفه مشروعًا فلسفيًا-لاهوتيًا يسعى إلى إعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي. لا كدفاعٍ تقليدي عن الدين، ولا كنقدٍ علمانيٍّ له، بل كمحاولةٍ فلسفية–لاهوتية لإعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي، زمن الفراغ، وزمن البحث المضطرب عن الذات. إن مشروعه هو في جوهره مشروعُ ذاتٍ تسائل نفسها عبر الحدث، وتفكّر من داخل الفراغ، وتنشد الحقيقة الكونية، وتسافر بين العوالم الفكرية بحثًا عن لغةٍ جديدة للإيمان. التوقف أمام تقدير أنه لم يعد الدين في عالمنا المعاصر مجرد منظومة تشريعية أو جهازًا أخلاقيًا ضابطًا للسلوك، ولا مجرد إرثٍ طقوسي يُورَّث بلا مساءلة، بل أصبح ساحةً كبرى للصراع على المعنى، ومختبرًا قلقًا لوجود الإنسان ذاته. في هذا الأفق المضطرب، يقدّم عبدالجبار الرفاعي في كتابه الدين والظمأ الأنطولوجي محاولةً جذرية لإعادة تموضع الدين داخل الكينونة البشرية، لا بوصفه سلطةً فوقية أو أيديولوجيا سياسية، بل باعتباره استجابةً لظمأٍ وجودي أصيل يسكن الإنسان منذ أن وُجد.
الظمأ بوصفه بنية وجودية لا ظرفًا عابرًا: ينطلق الرفاعي من فرضية أن الظمأ للمقدس ليس حالة طارئة يولدها الخوف أو الجهل، بل هو بُعدٌ بنيوي في الكينونة الإنسانية ذاتها. الإنسان – في تصوّره – كائنٌ ناقص بالضرورة، مفتوح على ما يتجاوزه، محكوم بتوترٍ دائم بين المحدود واللامحدود، بين الفاني والأبدي، بين الجسد المتناهِي والروح المتطلعة إلى المطلق.
Facebook
Log in or sign up to view
See posts, photos and more on Facebook.