عبدالجبار الرفاعي
3.67K subscribers
727 photos
59 videos
284 files
1.25K links
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضۚ
Download Telegram
اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات
د. عبد الجبار الرفاعي
يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفًا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعًا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته. في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.
تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.
تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.
يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.
تنتزع الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي، على نحو متدرج، السلطة بأشكالها المختلفة من الإنسان، ولا يقتصر هذا الانتزاع على البيئات التي تنشأ فيها هذه الشركات، وإنما يمتد إلى العالم كله. هذه السلطة الجديدة، المنبثقة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تقف عند حدود الأدوات، وإنما تعيد تشكيل صورة الإنسان عن ذاته ورؤيته للعالم، فتزيحه عن مركز وجوده، وتضعف قدرته على إدارة حياته والتحكم بعلاقته بالطبيعة وأخيه الإنسان. نشهد اليوم نمطًا مموهًا من نزع الكرامة والحرية والمساواة، يتخفى وراء خطاب التقدم التكنولوجي، ويعيد إنتاج الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للاستبدال، تتحول إنسانيته إلى بيانات، وتُختزل فرادته في خوارزميات. كل تحول تكنولوجي لا ينبثق من مركزية الإنسان يفضي إلى هدر الكرامة، بوصفها المبدأ الأعلى في بناء القيم، كما تحدثت عنها في كتاب: "الدين والكرامة الإنسانية"، حيث يغدو التقدم منفصلًا عن المعنى، وتتحول التقنية من أفق لخدمة الإنسان إلى قوة تفرغه من إنسانيته.
إن تغوّل الذكاء الاصطناعي التوليدي، واستحواذه المتسارع على سلطة الإنسان، لا يفتح أفقًا للرفاه وحده، وإنما يولّد شكلًا جديدًا من الاغتراب، يعمق الظمأ للمعنى المتفشي في حياة الإنسان اليوم. يجد الإنسان نفسه اليوم مهددًا بفقدان صلته العميقة بالمعنى، ويتحول إلى كائن غريب داخل منظومة خوارزميات لا تنصت لروحه، ولا تستجيب لحنينه إلى الامتلاء الروحي. يتجلى هذا الاغتراب في تفكك صلة الإنسان بذاته، وفي انقطاعه عن منابع المعنى التي تمنحه السلام، كما يظهر في خفوت حضوره الداخلي وضمور إحساسه بالقيمة. حين يغدو الإنسان أسير عالم لا يلبّي شوقه إلى المعنى، ولا يداوي اغترابه الوجودي، تتكرّس حالة فراغ وجودي تزداد معها هشاشته، وتتوارى ذاته في عالم يضمحل فيه المعنى، وتنحسر فيه القيم التي تصون إنسانيته وتمنحه سببًا لجودة الحياة.
من نتائج الحضور المتعجل للذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، والبحث العلمي، والإنتاج الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية والدولية، أن يتعرض العقل البشري لسبات بطيء يضعف قدرته على التفكير العميق. في هذا الواقع تخفت ملكات التأمل والخيال والابتكار، ويضمر الحس النقدي، وتتراجع قدرة الإنسان على توليد المعنى من رحم التجربة والمعاناة. بالاعتماد المتزايد على الآلة يضعف حضور العقل، ويغدو التفكير أقرب إلى استهلاك جاهز للمعطيات، لا مغامرة وجودية تبحث عن المعنى. هكذا يتهدد الإنسان بفقدان صلته الحيّة بسؤاله الوجودي، حين تستبدل معاناة التفكير بيسر الإجابة، ويختزل العقل إلى وظيفة أداتية لا تعرف قلقه، ولا تحتمل مشقة السؤال والتفكير التأملي العميق.
حين يناط التفكير بالآلة، ويستبدل اشتغال العقل الحي باستجابات خوارزمية جاهزة، تتعطل الوظيفة الوجودية للإنسان في صياغة ذاته وفهم عالمه، ويتوارى وعيه أمام سيل من الإجابات المصنّعة التي لا تمر بتجربة السؤال، ولا تمحصها مشقة البحث. العقل لا يحيا إلا في بيئة تستفزه بالتحديات، وتوقظه بالأسئلة، وتربكه بالمفارقات، وتغذيه بقلق معرفي يدفعه إلى التأمل والابداع. أمّا حين يبتعد الإنسان من عناء التفكير، بسبب غواية سهولة الإجابة، يخبو حضوره الداخلي، ويتراجع حسه النقدي، ويتحول الوعي إلى صدى لما تنتجه الآلة، لا إلى صوت يصنع المعنى من التجربة والاختبار والمعاناة.
حتى التفكير بالأفعال والمواقف المؤذية، كالمكر والخداع والشر والحروب، فهي على ما تخلّفه من مآسٍ وخراب، تغدو محفزًا لإيقاظ التفكير العميق، وامتحانًا لوعي الإنسان، وتنشيطًا لقدراته المعرفية الكامنة. الحياة التي تفلت من الألم والامتحان تفقد جانبًا واسعًا من طاقتها على توليد الأفكار، وتغدو أقرب إلى حركة آلية صمّاء لا تنتج شيئًا ثمينًا. حين يختزل تفكير الإنسان في خوارزميات مبرمجة، ويقاس وعيه بمدى تكيفه معها، يتلاشى حضور عقله، ويغدو عيشه آليًا، خاليًا من المعنى الذي يولد من المعاناة والأسئلة والمكابدة. العقل طاقة وجودية تتجاوز الحساب والتشغيل، ولا تزدهر إلا في مناخ الحرية والخيال والقلق الخلّاق، وفي بحث لا يكتفي بمعطيات الآلة، ولا ينغلق في منطق الربح والسرعة والكفاءة والجدوى الاقتصادية، وإنما ينفتح على أفق أوسع للمعنى والكرامة والإنسانية.
لا أعرف على وجه الدقة إلى أين تمضي بوصلة الذكاء الاصطناعي، غير أننا نعيش وكأننا في قلب زلازل متلاحقة، يتغير فيها كل شيء من غير تمهيد وبلا استئذان. بعصفه المتسارع يطيح الذكاء الاصطناعي بما كان عصيًا على التحول، ويقوض ما بدا راسخًا لا تهزه العواصف، فيحول الثابت إلى متغير، والمألوف إلى غريب، والمستقر إلى مهدد. هكذا يعاد تشكيل العالم على نحو لم تألفه البشرية من قبل، ويدفع الإنسان إلى مراجعة تصوراته للوجود والعقل والمعرفة والمعنى والمستقبل، في لحظة تاريخية يتقدم فيها السؤال أسرع من الجواب، ويتعاظم فيها القلق الوجودي بقدر ما تتسارع القدرة التقنية.
لم يعد الإنسان مركز العالم ولا المعيار الأعلى للحقيقة، بعدما اقتحمت الآلة أعمق وظائف التفكير، ونازعت العقل في ميادين طالما ظنها امتدادًا طبيعيًا لخصوصيته. نعيش اليوم عصر اللايقين والمفاجآت، عصرًا انقلب فيه المستحيل ممكنًا، وتراجع فيه يقين قديم، وانكسر النسق الواحد للمعنى. في هذا الواقع يغدو الإنسان مطالبًا بأن يعيد اكتشاف ذاته كل يوم، وإلا توارى خلف آلة تتقدم عليه، وتعيد تعريف ما يسمى عقلًا وإدراكًا وحقيقة. الذكاء الاصطناعي، بما ينطوي عليه من قفزات تقنية غير مسبوقة، لا يقتصر أثره على إعادة تشكيل أنماط العيش والعمل والتواصل، وإنما ينفذ عميقًا إلى بنية الوعي الإنساني، ويهزّ التصورات المستقرة عن الذات، والعقل، والمعنى. إنه يوقظ أسئلة وجودية ظلت زمنًا طويلًا في سبات، ويدفع الإنسان إلى مساءلة موقعه في الكون، ومعنى أن يكون إنسانًا في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصنوع، والبيولوجي والاصطناعي.
في هذا الواقع تلوح إرهاصات ما يسمى بعصر "ما بعد الإنسان"، حيث لا يعود الإنسان مركز العالم ولا معيار القيمة، وحيث تختزل الكينونة في الكفاءة التقنية، ويقاس الوجود بالوظيفة، ويعاد تعريف العقل بوصفه قدرة حسابية قابلة للاستبدال. في هذا السياق يصبح المعنى ذاته موضع امتحان قاس، وتغدو الإنسانية مهددة بالذوبان في منظومات تقنية صمّاء، لا تعرف الرحمة ولا تختبر القلق ولا تحسّ بظمأ الإنسان لمعنى وجوده وحياته الذي يشكّل جوهر التجربة البشرية. لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الدفاع عن الإنسان لا بوصفه أداة إنتاج أو كمية بيانات، وإنما بوصفه قيمة أخلاقية وروحية وجمالية، بوصفه كائنًا هشًّا، قلقًا، مفتقرًا إلى المعنى، لا تكتمل إنسانيته إلا بالحب، والحرية، والمسؤولية، وبصلة حيّة تتجاوز المنفعة إلى الكرامة والحقوق والحريات، وتتجاوز الذكاء إلى الحكمة. في زمن ما بعد الإنسان، لا يكون الرهان الحقيقي على ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما على ما ينبغي للإنسان أن يحافظ عليه كي لا يفقد ذاته وإنسانيته.
https://alsabaah.iq/126046-.html
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
‏على هذا الأساس تبتني رؤية ‏د. عبد الجبار الرفاعي للتعددية الدينية، وتعدد وتنوع الطرق إلى الله، وعدم احتكار النجاة والخلاص بطريق واحد. ‏الجزء الثامن من موسوعة فلسفة الدين خصصه الرفاعي للتعددية الدينية.
تمت اليوم 12-1-2026 بتركيا مناقشة رسالة الماجستير الموسومة: "تجديد الفكر الفلسفي والديني لدى عبدالجبار الرفاعي "، اعداد: بلال الحمداني، بكلية الإلهيات في جامعة دكوز ايلول في مدينة ازمير، تركيا، واجيزت بتقدير امتياز. ‏هذه الرسالة هي 27 مما هو مناقش من الدكتوراه والماجستير حول مشروع الرفاعي في تجديد الفكر الديني.
الهوية في عصر الذكاء الاصطناعي الفائق
د. عبد الجبار الرفاعي
يرى الخبراء أن العالم يقف على أعتاب طور جديد من الذكاء الاصطناعي، يسمى الذكاء الاصطناعي الفائق (Artificial Superintelligence – ASI)، وهو طور لا يشبه ما عرفه الإنسان من أدوات رقمية مساعدة، لأنه يؤسس لنمط من العقل الاصطناعي ربما يتجاوز العقل البشري في الفهم والتحليل والابتكار والتخطيط، ويتحرك في أفق ذكاء عام غير محصور بمهمة أو اختصاص. الذكاء الاصطناعي الفائق لا يكتفي بتنفيذ الأوامر، إنما يتعلم من ذاته، ويعيد تشكيل بنيته الداخلية باستمرار، ويطور أداءه بوتيرة متسارعة يعجز الإنسان عن ملاحقتها أو الإحاطة بمساراتها. في هذا الواقع لا يعود الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان، بل يتحول إلى فاعل مستقل، يفرض أسئلة جديدة عن معنى العقل، وحدود السيطرة، ومصير الإنسان في عالم تتسارع فيه القدرة التقنية أسرع من حضور الضمير الأخلاقي وفاعليته، وتتجلى فيه الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في مكانة الإنسان في العالم، وحقوقه وحرياته، ومعنى حياته في زمن يتغير فيه العقل ذاته.
يتمرد الذكاء الاصطناعي الفائق على قيود الذاكرة البشرية، وبطء المعالجة، والتحيزات، والانفعالات، فيغدو قادرًا على استكشاف العلاقات الخفية في البيانات، وبناء حلول نوعية لمسائل شديدة التعقيد، مثل: الأمراض المستعصية، وأزمات المناخ، ومسارات التنمية، وتنظيم الاقتصاد العالمي، والعلاقات الدولية، وإدارة الدولة والحوكمة. غير أن هذا التحول يوقظ مخاوف وجودية عميقة، تتصل بإمكان انزلاق السيطرة من يد الإنسان، إذا صاغ العقل التقني أهدافًا لا تتقيد بالقيم الإنسانية، أو استخدم في سباقات تسلح تعيد تشكيل موازين القوة في العالم. عندئذ يتحول ظهوره المتوقع إلى لحظة فاصلة في مصير البشر، قد تفتح أفقًا لنهضة غير مسبوقة، أو تقود إلى تحولات يصعب التنبؤ بمآلاتها. مع ذلك، ما زالت الأنظمة الراهنة، على الرغم من اتساع قدراتها، تقف دون عتبة الذكاء العام الشامل والاستقلال الذاتي الكامل اللذين يمنحان هذا الذكاء وصفه الفائق.
لو تبلور الذكاء الاصطناعي الفائق في إطار أخلاقي يحرس كرامة الإنسان ويحمي حرياته وحقوقه، فإن أثره لا يقتصر على تسريع التقنية، بل يمتد إلى إعادة صياغة أنماط العيش المشترك ذاتها؛ ففي التربية والتعليم يؤسس هذا الذكاء لتعليم شخصي عميق يكشف الفروق الفردية ويعالج فجوات المعرفة، وينقل جودة التعلم إلى الهوامش المنسية، ويحرر المعلم من الأعمال الميكانيكية، ليغدو موقظًا للعقل، ومربيًا للضمير والشعور بالمسؤولية والذوق. في الصحة يتحول الطب إلى رعاية وقائية مصممة لكل جسد، بتشخيص أدق، واكتشاف أسرع للأدوية، ورعاية عن بعد تقلص اللامساواة بين المركز والهامش. في الاقتصاد والعمل يعيد تنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع، ويخفض الهدر والفساد، ويمنح صانع القرار قدرة استباقية على اختبار السياسات قبل تنفيذها، ويخلق صناعات جديدة، بشرط سياسات انتقال عادلة تحمي الأفراد والمجتمعات من الإقصاء، وتعيد تعريف العمل بوصفه مشاركة في المعنى لا مجرد أداء وظيفة. في العلوم والتكنولوجيا يسرع البحث، ويربط الحقول المتباعدة، ويفتح آفاقًا للطاقة النظيفة والمواد المتقدمة والأمن السيبراني الدفاعي. في المناخ والتنمية يقدم رؤية أدق وأشد فعالية وكلفة، وزراعة ذكية، وتخطيطًا حضريًا أقل قسوة على الإنسان والطبيعة. على مستوى العلاقات الدولية والدبلوماسية يساعد في تفكيك أسباب النزاعات، وبناء مسارات تفاوض تحقق المكاسب المتبادلة، ويقلل من سوء الفهم اللغوي والمعرفي والثقافي، ويعزز التحقق من المعلومات إذا خضع لقواعد شفافة. في السياسة والإدارة العامة يبسط الخدمات، ويقوي الحوكمة المبنية على الأدلة، ويكشف أنماط الفساد، ويطور العدالة الإجرائية دون أن يحولها إلى آلة بلا روح. في الثقافة والمعرفة يخفف التضليل، وييسر الوصول إلى العلم، ويحيي التراث بتحقيقه وربطه بسياقاته التاريخية. وفي الحياة اليومية يمنح أدوات تعزز الاستقلالية والخصوصية، خصوصًا لذوي الإعاقة، وترفع الأمان وجودة العيش.
غير أن المكسب الأهم لا يكمن في اتساع القدرة التقنية ذاتها، إنما يتجلى مباشرة في أثر هذا الذكاء على العيش المشترك؛ فحين يصمم ليخدم ترسيخ القيم الإنسانية والحريات والحقوق، ويخضع للشفافية والمساءلة، وتغلق الأبواب أمام عسكرة استخدامه أو تحويله إلى أداة هيمنة، يمكنه أن يسهم في خفض الاستقطاب، وترميم الثقة المتآكلة بين الأفراد والجماعات، وتوسيع الفضاء العمومي بالحوار والمعرفة الرصينة، بحيث يتحول الاختلاف من مصدر تهديد إلى طاقة تنوع خلّاقة تعزز الحقوق والحريات وترسخ قيم العيش المشترك.
أما إذا انفلت من مرجعيته الأخلاقية، فسيتحول إلى قوة تضاعف اللامساواة، وتغذي نزعات التسلط والهيمنة، وتشرعن الإقصاء، وتقوض أسس السلم الأهلي والدولي. عندئذ يغدو الذكاء الاصطناعي الفائق اختبارًا حاسمًا لإنسانيتنا نفسها: إمّا أفقًا لترميم العالم، وتعميق العدل، وبناء عيش مشترك أكثر رحمة واتساعًا، أو اندفاعًا تقنيًا يسرّع الحركة ويفرغ الحياة من روحها ومعانيها الأجمل. ويحدث قطيعة حادة بين إنسان عصر هذا الذكاء وإنسان الأمس، في نمط الوعي والإدراك والمعرفة والثقافة والفنون والآداب، والمعتقدات والقيم والقوانين، والعيش المشترك، والحقوق والحريات، وكل شيء تتطلبه حياة الإنسان في الواقع الجديد.
إذا انزلق الذكاء الاصطناعي الفائق خارج أفق القيم والحوكمة، فإن أثره السلبي على صراع الهويات والمعتقدات والقوميات والحروب يتجاوز حدود التقنية ليصيب نسيج المعنى والعيش المشترك في العمق؛ إذ يمنح هذا الذكاء أدوات غير مسبوقة لإعادة هندسة الوعي الجمعي، عبر تضخيم السرديات الهوياتية الدينية والطائفية والقومية، وتخصيص الدعاية على مقاس الجماعات الدقيقة، وتغذية مشاعر الخوف والمهانة والذعر والتهديد الوجودي، فيتحول الاختلاف الثقافي أو الديني والطائفي أو القومي إلى وقود تعبوي دائم لتوليد النزاعات وتغذيتها.
ومع قدرة هذا الذكاء على تحليل البيانات السلوكية والنفسية، يستطيع توجيه الرسائل التي تعمق الاستقطاب، وتشيطن الآخر المختلف، وتكسر المساحات الرمادية التي تقوم عليها التسويات، فينكمش الفضاء العمومي، ويتراجع الحوار، وتترسخ هويات صلبة مغلقة ترى في ذاتها حقيقة مكتملة وفي غيرها خطرًا دائمًا. وعلى مستوى الحروب، يسرّع هذا الذكاء سباق التسلح، ويخفض عتبة القرار العسكري عبر أنظمة تنبؤ وتخطيط وضربات دقيقة، فيغدو العنف أكثر ضراوة وأقل كلفة سياسية آنية. وتضعف قدرة الكوابح الأخلاقية، وتتآكل المسؤولية تجاه الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن هويته الاعتقادية والعرقية، ويغيب الإحساس بالفزع من الفتك بالكرامة، والمعاناة المريرة للمختلف، وسفك الدماء. كما يتيح شن حروب هجينة طويلة النفس: سيبرانية، معلوماتية، اقتصادية، تدار من دون إعلان، وتستنزف فيها الدول وتشل المجتمعات من الداخل عبر تعطيل البنى، وتزييف الحقائق، وضرب الثقة بالمؤسسات. في الدول الهشة، يعمّق الذكاء الاصطناعي الفائق اختلال موازين القوة، ويمنح الفاعلين الأقوى ممن يمتلكونه قدرة على فرض نماذج هيمنة تعيد إنتاج التبعية، وتحول السيادة إلى مفهوم فارغ. هكذا لا يصنع هذا الذكاء حربًا أسرع فحسب، إنما يصنع صراعًا أطول عمرًا، أكثر تعقيدًا، أقل قابلية للحسم، لأنه يشتغل على العقول قبل الحدود، وعلى العبث بركائز الدول والمجتمعات قبل الأرض.
من دون اصطفافٍ قيمي يحرس المعنى، وضمير أخلاقي يقظ، وقوانين كونية تلزم الجميع، وشفافية تضيء العتمة قبل أن تتحوّل إلى سلاح ضد الروح، يظل الذكاء الاصطناعي الفائق مهددًا بأن يجعل العالم مسرحًا للاستقطاب الأبدي. تتقدم القدرة التقنية كإعصار مهول، فيما يتقهقر الوعي الأخلاقي إلى هوامش باهتة، ويتآكل العيش المشترك تحت وطأة خوف يديره ذكاء اصطناعي فائق أسرع من الإنسان وأقسى تسلطًا. هكذا يغدو المستقبل ساحة معلقة بين قوة بلا ضابط ووعي يتهاوى، حيث يختبر مصير الإنسانية في سؤال واحد: هل نستطيع أن نصوغ ميثاقًا يحمي المعنى قبل أن يبتلع في دوامة تسلط وهيمنة هذا الذكاء؟ خاصة مع الزيادة الكبيرة للإنفاق على تكنولوجيا المعلومات، إذ "تتوقع مؤسسة غارتنر أن يصل إجمالي الإنفاق العالمي على تكنولوجيا المعلومات إلى 6.08 تريليون دولار أميركي عام 2026، بزيادة قدرها 9.8 في المائة عن عام 2025"، جريدة الشرق الأوسط، 4 يناير 2026. https://alsabaah.iq/126387-.html
‏تمت مناقشة رسالة ماستر بعنوان: "سؤال التجديد في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي انموذجا"، اعداد: شيماء قدح، في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة محمد بوضياف المسيلة في الجزائر.
زينب عبد العزيز.pdf
594 KB
‏تحديات تجديد التفكير الديني الإسلامي عند عبد الجبار الرفاعي. مجلة جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية في قسنطينة بالجزائر.
الدين والاغتراب الميتافيزيقي
- المؤلف: عبد الجبار الرفاعي

سالم يفوت
يعالج الكتاب الدين بوصفه حاجة وجودية متأصلة في كينونة الإنسان، ترتبط بأسئلته العميقة عن المعنى والمصير والطمأنينة والغاية. يقدّم رؤية أنطولوجية للدين ترى فيه استجابة لظمأ الإنسان الوجودي، وتؤكد أن الإنسان يصوغ أنماط تدينه وتمثلاته وفق شروطه التاريخية والثقافية والاجتماعية. يشتغل الكتاب على تفكيك ظاهرة الاغتراب الميتافيزيقي التي تنشأ عندما يغادر الدين حقله الوجودي الخاص ويتحوّل إلى قوة مهيمنة على مجالات العقل والعلم والمعرفة والحياة الاجتماعية.

الدين والحاجة الوجودية للإنسان

يرتكز الكتاب على تصور للدين بوصفه ضرورة أنطولوجية تتصل بعمق التجربة الإنسانية، حيث يلبّي الدين حاجة الإنسان إلى المعنى والتعالي والسكينة الداخلية. يوضح المؤلف أن هذه الحاجة سابقة على الأطر الثقافية والمؤسساتية، وأنها جزء من بنية الوعي الإنساني. ينشأ التدين بوصفه تعبيرًا تاريخيًا وثقافيًا متغيرًا عن هذه الحاجة، وتتعدد صوره بتعدد البيئات والتجارب الإنسانية، بينما تبقى الحاجة الوجودية للدين ثابتة في عمق الكينونة البشرية.

هيمنة الدين وأزمة العقل والمعرفة

يكشف الكتاب أن عددًا كبيرًا من أزمات المجتمعات الإسلامية يرتبط بتضخم الدور الاجتماعي والمعرفي للدين على حساب العقل والعلم. تتجسد هذه الأزمة في تعطيل المنهج العقلي، وتقييد البحث العلمي، وإهمال قيمة الخبرة الإنسانية المتراكمة في بناء الحضارة والتنمية. يبيّن المؤلف أن الخلل ينبع من سوء فهم مجال الدين وحدود وظيفته في حياة الإنسان، وما يترتب على ذلك من خلط بين ما هو إيماني وجودي وما هو عقلي معرفي.

بوصلة لفهم القرآن وبناء رؤية إنسانية إيمانية

يسعى الكتاب إلى ترسيخ معالم فهم للدين يرشد إلى قراءة آيات القرآن الكريم قراءة إنسانية واعية، تنفتح على مقاصد المعنى والقيم الأخلاقية والروحية. يطرح المؤلف رؤية إيمانية إنسانية تتكامل فيها الروحانية مع الأخلاق والجمال، ويتحوّل فيها الإيمان إلى قوة تحرير داخلي.

الخلاصة الختامية

يقدّم كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي مشروعًا فكريًا يسعى إلى إعادة الدين إلى مجاله الأنطولوجي بوصفه حاجة وجودية، وإلى تحرير العقل والمعرفة من هيمنة التدين المتضخم. يفتح الكتاب أفقًا لفهم جديد للدين يوازن بين الإيمان والعقل، ويؤسس لعلاقة صحية بين المقدس والحياة، بما يسمح ببناء إنسان متصالح مع ذاته، ومجتمع قادر على التراكم المعرفي والتنمية والنهضة.

https://www.facebook.com/share/1CJ5fSzeJb/
مقدمة في علم الكلام الجديد
- المؤلف: عبد الجبار الرفاعي

يقدّم الكتاب تأسيسًا نظريًا ومنهجيًا لعلم الكلام الجديد بوصفه مشروعًا معرفيًا يُعيد بناء علم الكلام انطلاقًا من إعادة تعريف الدين وفهمه في أفق إنساني تاريخي متجدد. ينطلق المؤلف من وعي بطبيعة الحقيقة بوصفها واحدة في ذاتها ومتعددة في طرق إدراكها، ويشتغل على إعادة ترتيب العلاقة بين الوحي والعقل والتاريخ، بما يفتح أفقًا لفهم ديناميكي للنص الديني، ويُفعِّل التمييز بين المقدس والبشري، وبين الثابت والمتغيّر في الدين.

نشأة علم الكلام وتطوّره التاريخي

يستهل الكتاب بعرض مكثف لتاريخ علم الكلام منذ تشكّله في سياق الدفاع عن العقيدة، مرورًا بمراحل ازدهاره التي ارتبطت بحيوية العقل الفلسفي والمناظرات الكلامية، وصولًا إلى عوامل انحساره حين تراجع السؤال العقلي وتقلّصت مساحات الاجتهاد. يقدّم هذا العرض التاريخي فهمًا لطبيعة الإشكالات التي عالجها علم الكلام الكلاسيكي، ولمحدودية أدواته في الاستجابة لأسئلة الإنسان المعاصر.

التمييز بين المقدّس والبشري

يؤكد الكتاب على ضرورة الفصل المعرفي بين الوحي بوصفه مقدسًا، وبين النتاجات البشرية في تفسير النص الديني والعقيدة. يوضح المؤلف أن تراكم التفاسير الكلامية والفقهية والفلسفية أفضى إلى إضفاء طابع قدسي على اجتهادات بشرية، ما أثّر في جمود الفكر الديني. يفتح هذا التمييز المجال أمام مراجعة التراث بوصفه خبرة إنسانية تاريخية قابلة للنقد والتجاوز والتطوير.

مفهوم علم الكلام الجديد وأُسسه

يعرض المؤلف مفهوم علم الكلام الجديد بوصفه علمًا يُعنى بإعادة بناء العقائد الدينية في ضوء أسئلة الإنسان الراهنة، ومعطيات المعرفة الحديثة، وتحولات الوعي الديني. يقوم هذا العلم على فهم جديد للوحي، يُنظر إليه بوصفه خطابًا حيًا متفاعلًا مع التاريخ والواقع، وعلى التمييز بين العناصر الثابتة المرتبطة بالقيم والمعنى، والعناصر المتغيرة المرتبطة بالسياق والتجربة الإنسانية.

الوحي بين الديناميكية والتاريخ

يفرد الكتاب مساحة تحليلية لمفهوم الوحي، ويقدّم تصورًا يقوم على قراءته قراءة تفسيرية ديناميكية، تتفاعل مع الزمن وتستوعب تطور المعرفة البشرية. يبرز المؤلف أثر هذا الفهم في تحرير الخطاب الكلامي من الجمود، وفي تمكين العقل من أداء دوره في الفهم والتأويل دون تعارض مع الإيمان.

محاولات تجديد علم الكلام في العصر الحديث

يتناول الكتاب أبرز محاولات تجديد علم الكلام في العصر الحديث، مع توضيح الفروق الدلالية والمعرفية بين مفهومي الجديد والحديث، وانعكاس ذلك على طبيعة المشروع الكلامي. يستعرض المؤلف إسهامات بعض علماء الهند في هذا المجال، ويحلل مساراتهم الفكرية في ربط العقيدة بأسئلة الحداثة والعلم والمجتمع.

قراءة نقدية لأفكار عبد الكريم سروش

يخصص المؤلف فصلًا لنقد أفكار عبد الكريم سروش، ولا سيما أطروحاته الواردة في كتاب كلام محمد رؤى محمد. يعالج هذا النقد الأسس المعرفية والتأويلية لهذه الأفكار، ويبيّن مواطن الإشكال فيها ضمن إطار علم الكلام الجديد، مع الحفاظ على الطابع العلمي التحليلي للنقاش.

الخلاصة الختامية

يؤسس كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد لرؤية كلامية معاصرة تُعيد تعريف وظيفة علم الكلام، وتربطه بأسئلة المعنى والحرية والكرامة الإنسانية. يقدّم المشروع الكلامي الجديد بوصفه أفقًا معرفيًا يوازن بين الإيمان والعقل، ويستجيب لتحولات العالم الحديث، ويعيد للدين حضوره بوصفه قوة معنوية وروحية فاعلة في حياة الإنسان.

https://www.facebook.com/share/17zgzU8L3K/
نسيان الوطن

عبدالهادي مهودر

جارحة هذه العبارة مثل الحقيقة المرة،لكن ما الذي يجعل المواطن ينسى وطنه ولايشعر بالإنتماء اليه او يكون انتماؤه زائفاً ومجرد إدعاء ، لماذا تتقدم الهويات الفرعية على الهوية الوطنية ، وكيف يأتي الوطن ثانياً وثالثاً وأخيراً في الترتيب بعد أوطان أخرى ، وإذا كانت التعددية الدينية والقومية والمذهبية،كما نسمع في لغة الخطاب السياسي ، هي مصدر ثراء وتنوّع لعراق الرافدين فكيف ومتى تنقلب الى مضيق يصعب المرور من خلاله الى فضاء الوطن الأوسع ، وإذا كان للعراق علّة فهي علّة الهوية وطالما وجد العراقيون أنفسهم مرغمين في خنادق الدفاع عن الهويات الفرعية والمهمشة وغير المعترف بوجودها وطنياً ، والهوية الوطنية حاصل جمع الهويات الفرعية دون إلغاء وإقصاء لأي منها ، وليس بعيداً فقد سفكت دماء بريئة على الهوية وتقطعت مدن العراق بحواجز الهويات الكونكريتية ، وقيل وكتب الكثير عن هشاشة الهوية الوطنية العراقية وعن ذوبانها في منافساتها الفرعية، وبأسلوبه المتفرد يقتحم المفكر الدكتور عبدالجبار الرفاعي هذا الخضم المتلاطم بجرأة وصراحة ويفكك الظاهرة ويضع الحلول ويشخص العلًة بمشرط جراح في كتابه الأخير وليس الآخر، الهوية في شراك الأيديولوجيا، وحين انتهيت من قراءة هذا الكتاب ذو المائة والواحد والخمسين صفحة تمنيت لو يعتمد منهاجاً يدرًس في المراحل الجامعية الأولى، لأهمية الموضوع اجتماعياً وسياسياً ولأبعاده الوطنية والأخلاقية والدستورية ، وللأسلوب السلس والمبسط الذي أجاب فيه الكاتب على كل التساؤلات بالشكل الذي تفهمه الأجيال التقليدية والرقمية والمنفتحة والقافلة،ولأن الجيل الجديد بحاجة الى أن يعرف أكثر والى المكاشفة الواعية والهادئة لفهم هذه الظاهرة وعبور مضايقها وعواملها التاريخية التي أسهمت في تغليب التعصب وازدراء الآخر وتغييب الهوية الوطنية ، ولدعم ما يعزز حالة الإنتماء والولاء للوطن ويشعر الإنسان العراقي بوجوده كمواطن له حق العيش وحق الكرامة، مع حق حمل هويته الخاصة في محفظة الهوية الوطنية الجامعة والكبيرة.

جريدة الصباح/ 19.1.2026.
https://alsabaah.iq/126520-.html
رحلة عبد الجبار الرفاعي في استعادة المعنى

عبد السلام صالح، كاتب مصري.
قبل عامين، كان الدكتور عبد الجبار الرفاعي ضيفًا على معرض القاهرة للكتاب، وفي ثنايا الكلام قال إنه ما زال متمسكًا بالصلاة والعبادات، وحكى أن الدكتور أحمد سالم حين اتصل به لتحديد موعد وصوله إلى الندوة، أخبره الرفاعي أنه لن ينزل من الفندق إلا بعد أدائه الصلاة.. دفعني فضولي الصحفي حينها أن أنظر إلى وجوه أصدقائنا اللادينيين في القاعة، من الناشطين الذين يُنفرّون من الأديان ويبشرون برحابة وسماحة اللا دينية، كيف يتلقون هذا التصريح من الكاتب والمفكر الفلسفي الذي ما زال يربط مواعيده بأوقات الصلوات بعد كل تلك التجارب الفكرية المتنوعة بين التراث والحداثة.. لكني لم أتعجب، لأن كتابات المتحدث كثيرًا ما أصلحت علاقات بعض أبناء جيلي بالدين حين هرب بعضهم إلى الإلحاد والبعض الآخر إلى الجماعات المسلحة، عقب تصاعد الإسلام السياسي في البلاد العربية وما تلاه.
لعل أكثر ما يعطي ثراءً وقوة إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي، هي تلك التجربة الثرية المعقّدة التي جمع فيها بين التكوين الديني التقليدي طالبًا ومدرّسًا لعلوم التراث على مدى أكثر من أربعة عقود في الحوزات العلمية، والانخراط المبكر في العمل السياسي مع الإسلاميين، ثم الانفتاح على آفاق العرفاء والمتصوفة بما تحمل من روح ومعنى.. ما يجعله قريبًا من القراء الذين مروا بمثل هذه التجارب، ويعطي لكتاباته عمقًا وقوة.
لكن، وعلى الرغم من هذا المشوار المعرفي الطويل، يظل الرفاعي وفيًّا لذكرى أول بذور إيمانه، معترفًا بفضل أمه المتديّنة البسيطة التي شكّلت وجدانه الروحي. فقد أرضعته الإيمان العذب اليقظ منذ طفولته، بتلك التغريدات الصباحية التي كانت تملأ فضاء البيت فجرًا، حين كانت تستيقظ فتبدأ يومها بأصوات التهليل والتسبيح والصلوات.. يرى الرفاعي أن هذه النشأة هي ما تركت في قلبه أثرًا إيمانيًا لا يزول.
الحياة المعرفية التي خاضها عبد الجبار الرفاعي بين اتجاهات فكرية متباينة، بما حملته من جدل وتساؤلات ومشاكسات وقراءات تشكيكية حول الدين، لم تستطع أن تزعزع إيمانه الراسخ. فقد ظلّ هذا الإيمان محصّنًا بفضل التدين الفطري العفوي الذي ورثه من أمه المتديّنة البسيطة. إليها يعود الفضل في تجذير المحبة والأخلاق في ضميره، وإليها يرجع ذلك الإيمان المطمئن الذي يسكن قلبه بعيدًا عن شطحات العقل واستفهاماته اللاهوتية القلقة. فشلت مشاكساته الفلسفية في أن تطيح بإيمانه، لأن كلمات الأم المتبتلة في حضرة الله كانت حاضرة في ذاكرته على الدوام، تضيء روحه وترسم صورة مشرقة لله في قلبه.
«ما زالت أطياف كلمات أمي حاضرة لحظة استيقاظي، بالرغم من مضي أكثر من خمسين عامًا عليها. يتجلى بأذكارها ومناجاتها جمال الله؛ وهو يضيء لي الوجود. كانت تتحدث إلى الله بوصفه معشوقًا تقيم في حضرته، وكانت الطمأنينة تسكن قلبي حين أتحسّس أسرار قلبها الذي يتقن لغة العشق الإلهي. لغة هذا النوع من العشق أعذب لغات العالم، فالعاشق لا يحتاج طريقًا، العشق هو الطريق، وإذا تكلم العشق يحتجب الطريق».
https://www.facebook.com/share/p/1EygbrHi8M/?
إن لم تقرأ كتاب الدين والظمأ الانطلوجي للدكتور عبد الجبار الرفاعي ...فقد فاتك الكثير ...دعوة لمنتجي الدراما العراقية للاستفادة من السيرة التي يتضمنها الكتاب في انجاز مسلسل يعطي للاجيال صورة الجنوب الحقيقية وماعاناه اهله وكيف نبغ من بين كل ذلك العذاب مفكرين ومبدعين كبار ...انه كتاب يوازي مكتبة ...بكل ماطرح من افكار وتصورات ورؤى .. اذا قرات هذا الكتاب فلن تعود لما كنته ابدا ....
https://www.facebook.com/share/p/1Mkx4tJ5ZU/?
هذا الإيمان الذي ينشده عبد الجبار الرفاعي غير منفصل عن الأخلاق والعبادات، يؤكد في مواضع كثيرة أنه لا يتذوق حلاوة الإيمان، ولا تضيء التجرِبة الدينية رُوحه من دون أداء الصلاة والتمسك بالتقليد العبادي المستمد من الإسلام وشريعة نبيه. «الصلاة والعبادات التي أؤديها هي معراج وصالي مع الحق، وهي جسر عبوري إليه في مدارج التسامي والصعود. وحسب تعبير المتصوفة والعرفاء: الشريعة توصلنا إلى الطريقة، والطريقة تقودنا إلى الحقيقة، فحين نتخلى عن الشريعة لا ننال الطريقة، وبالتالي لا نتذوق الحقيقة».

https://www.facebook.com/share/p/1CAHwMdeRv/?
استعادة الدين من أيديولوجيا الجماعات

‏عبد السلام صالح، كاتب نصري من الأزهر.
إحدى الوظائف الكبرى للدين هي تلك الطمأنينة والسكينة التي يمنحها للإنسان، فالدين يشبع احتياج هذا الكائن البشري للأبدية ويفسر له الموت باعتباره تلك الحقيقة المطلقة التي لا يستطيع أحد أن يشكك فيها. من هذه الحقيقة ينطلق عبدالجبار الرفاعي في إثبات أن الفلسفة والفنون والآداب تحاول تقديم تفسيرات لمعنى الحياة وسؤال الموت، إلا أن الدين هو صاحب التفسير الأخصب كونه يُلبي عطش الإنسان إلى الكمال والخلود. فالوجود الإنساني في جوهره ناقص، مفتقر، كحال كل الممكنات، متطلع دائمًا إلى ما يسدّ ثغراته. هذا العطش لا يروي غليله شيء بعمق كما يفعل المقدس الكامل، واجب الوجود، ومن هنا تأتي أهمية الدين باعتباره المورد الأعمق للمعنى.
يمزج عبد الجبار الرفاعي في كتاباته بين الجمال الأدبي والعمق الفلسفي، وهذا مهم في حقل فلسفة الدين الذي كثيرًا ما أُثقل بالجدالات العقلية والمصطلحات الجافة، ويأتي في المقدمة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» الذي أعاد تقديم الدين كحياةٍ في أفق المعنى، حياة تروي العطش الوجودي للإنسان بعدما جرى حصره طويلًا في قوالب الأيديولوجيا والشعارات التي صاغتها الجماعات الدينية. فالرفاعي يستعيد البعد الوجودي والأخلاقي للدين، بوصفه بحثًا دائمًا عن السكينة والمعنى في عالم مضطرب، ويمنحه لغة رقيقة قادرة على النفاذ إلى الوجدان، بعيدًا عن الجفاف المدرسي والتوظيف السياسي.
تكشف تجربة عبد الجبار الرفاعي في العمل الحزبي عن أحد أخطر مآزق التدين الحركي، وهو ضياع الذات في الجماعة. فقد عاش سنواته السياسية في فضاء تتلاشى فيه الحدود الفردية، حيث تعمل الجماعات على تنميط أعضائها وصهرهم في قالب واحد: نفس الرؤية، نفس المفاهيم، نفس المواقف، حتى الأحلام والمشاعر تصبح نسخة مكرورة. هذا التنميط ـ كما يراه الرفاعي ـ يفضي إلى فقدان الفرد صوته الداخلي، وإلى تهميش الحياة الروحية والأخلاقية لصالح شعارات جماعية صاخبة.
"الموهوبون الشجعان غالبًا ما يتمردون على هذه الأغلال باحثين عن ذواتهم الضائعة، بينما يظل الخائفون أسرى داخل الأسوار، يتطلعون إلى كل صوت يعبّر عن جروحهم المكبوتة وأنينهم الصامت". ومن هنا تبرز لحظة الانعطاف في تجربته: لم يستعد ذاته إلا بعد أن غادر السياسة، وابتعد عن العمل الحركي، ليكتشف أن الخلاص من الأيديولوجيا شرطٌ ضروري لعيش سلام داخلي تبتهج به الروح، ولرؤية النور الذي يكشف له الأشواك في دروب الحياة.
يحاول الكاتب أن يحرر الدين من قبضة التفسيرات الأيديولوجية التي صاغتها الجماعات الحركية عبر عقود. فهو يرى أن أخطر ما وقع فيه الدين في العصر الحديث هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي، حيث يُعاش كتجربة وجودية تمنح الإنسان المعنى، إلى المجال الأيديولوجي، حيث جرى تحويله إلى أداة للتعبئة والقتل والإبادة والتدمير.
الرفاعي يعتبر أن هذه الانحرافات وضعت الدين في مأزق تاريخي، وأدت إلى نتيجة مزدوجة: فمن جهة، وقع التدين أسير الاستخدام السياسي، ومن جهة أخرى، دفع بعض النخب إلى ازدراء الدين واحتقار التدين، بعدما لم يجدوا فيه سوى الصورة المشوهة التي قدمتها الجماعات الأيديولوجية. لكنه يرى أن كل من يتهكّم على الدين أو يسخر من التدين لا يصلح لمهمة التجديد، لأن التجديد يبدأ من استشعار الحاجة الوجودية إلى المقدس.
يمكن وصف مشروع الرفاعي بأنه بحث دائم عن المعنى أو سياحة في عالم المعنى كما يردد؛ ينقب عنه في ركام الخطابات الدينية، يرى في الدين نهرًا من الحياة يجري في الوجدان الإنساني، لا جدارًا يحاصر الروح. جوهر مشروعه هو استعادة المعنى المفقود، وإبراز الدين كتجربة حيّة تُعاش في فضاء مفتوح على أسئلة الإنسان وأشواقه، لا في حدود المقررات الدراسية الجامدة.
ومن هذا المنظور يفسّر الرفاعي ظاهرة التحاق بعض الشباب الأوروبيين بداعش والجماعات المتطرفة؛ فهم لم يكونوا مدفوعين بالحاجة المادية، بل بانعدام المعنى في حياتهم. لذلك يهاجرون إلى "ولائم الذبح" و"حفلات الرقص على أشلاء الضحايا" بحثًا عن معنى مفقود، حتى وإن كان زائفًا أو مدمّرًا.
هكذا يمثّل مشروع عبد الجبار الرفاعي حاجة راهنة إلى تحرير الدين من الاستئثار والتوظيف السياسي، وإعادته إلى نصابه الحقيقي في حياة البشر، لا آلة للقتل أو شعارًا للصراع. إنّه مشروع لتحرير البحث الديني من الاتجاهات المغالية، سواء في نفي الدين أو في إثباته، والعودة به إلى أصله الوجودي.
يقول: «تعلمت من الإنسان والتاريخ والواقع أن الدين أبدي في الحياة البشرية. الإنسان كائن متدين، وإن اختلفت تجليات التدين، وتباينت التعبيرات الدينية في حياته، تبعًا للزمان والمكان والثقافة، وتنوع البشر واختلافهم. الحياة لا تطاق من دون إيمان وحياة رُوحية. التدين كما أعيشه يمثل لديَّ ظمأً أُنطولوجيًّا لا يُروى إلا من خلال التواصل مع الحقِّ تعالى».
ندوة الدكتور عبدالجبار الرفاعي في كرسي قنواتي في القاهرة، ترسم مشروعه في تجديد الفكر الديني. بعنوان: "الدين أمام مستجدات العلوم الإنسانية"، تكلم فيها لمدة خمس ساعات في كرسي قنواتي بالقاهرة يوم 17-5-2024، بمعهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة، وحضرها نحو 50 طالبة وطالب دكتوراه في الجامعات المصرية.

‏المحاضرة الأولى:
https://youtu.be/beZMnpNYyqg?si=1nFtAZd10LzvQfjb

‏المحاضرة الثانية :

https://youtu.be/61Kw2LxX2m4?si=mNHZ2CzOWqWljH2D

‏المحاضرة الثالثة :

https://www.youtube.com/watch?v=4yGQzC8DsSE
 على الرغم من أن الحُبّ يغذي النرجسية، إلا أنه أحيانًا يضخمها إلى درجة تفسد الحُبّ، حين ‏ يسرف بعض المحبين بالثناء على ذاته، والإفراط باستعمال كلمة "أنا" بشكل مبتذل، وتكرار الإعلان المثير عن مزاياه وما يتفوق به على غيره، بأسلوب تسوده كثير من المبالغات وحتى الأكاذيب، ويظل يلح وهو يدعو حبيبه للإصغاء إليه كلّ مرة لإعادة هذه الكلمات المملة، ولا يسمح له بالتحدّث عن ذاته، وكأنه يبلغه رسالةً بالتفوق عليه ‏وعلى غيره، حتى يشعر مَن ينصت إليه بالاشمئزاز من الحديث والتواصل معه.
يحُبّك الآخرون بقدر براعتك في بناء صورتك المضيئة في أذهانهم، وقدرتك على إشعارهم بالمعنى الجميل الذي تمنحه لحياتهم، ‏وصناعتك لسردية ٍكلماتها الحُبّ الصادق، تكتب فيها روايتك المضيئة لصورتك؛ عبر لغتك العذبة ومواقفك الأخلاقية وسلوكك النبيل، وتعيد بنائها بألوان بهيجة، بنحوٍ ترتسم وتترسخ في مشاعرهم بالتدريج.
ليس بالضرورة أن يظل الحُبّ حيًّا يقظًا في محطات حياة الإنسان وتقلباتها ومنعطفاتها المختلفة، إلا إن كان تجربة تعيد خلق الذات بطور وجودي أسمى. الحُبّ بوصفه ذكرى مقيمة في القلب غير الحُبّ بوصفه طورًا وجوديًا يعيشه الإنسان في محطة من محطات حياته المتنوعة. لا يدوم الحُبّ إلا بالتواضع، والتكافؤ في المحبّة، والاعتراف بالحق في الخطأ، والحق في الاختلاف، والحقّ بالاعتراف بالخطأ، والحقّ بالاعتذار.
الحُبّ الذي لا يثري حياة الإنسان، ولا يُشبِع روحه بالمعنى، ليس حُبًّا أصيلًا، مثل هذا الحُبّ ينبغي أن يتخلص الإنسان منه، لأنه ربما يتحول إلى سمّ قاتل. بعضهم يستغلّ مَن يعلن حُبّه، وإن كان لا يحبّه بالعمق، فيستخدمه للفرار من نفسه، وكسر عزلته، وعجزه عن حلّ مشكلاته، وعدم قدرته على التصالح مع ذاته والثقة بها. وهذا حُبّ زائف، إذ سرعان ما يستغني عنه الإنسان لحظة توكيد ذاته واستعادة شيء من ثقته بنفسه، وعبور مشكلاته، والتخلص من عزلته. 
 أحيانًا يتحول الحُبّ إلى قناع لإنسان طفيلي بارع بالابتزاز والخديعة العاطفية، يختبئ خلف قناع الحُبّ. يمكن أن أصف هذا الإنسان بـالمتسول للعطف والشفقة، العاشق لتمثيل دور الضحية في الحياة، وهو لا يحبّ أحدًا حُبًّا حقيقيًا. مثل هذا الإنسان يترقب من الآخرين احترامه وإكرامه ومحبّته، وكأن تلك وظيفة الناس حياله، من دون أن يبادر هو بموقف عملي يدلل على العطاء العاطفي أو المادي لمن يكرمه ويحيطه بالمحبّة. ينبغي ألا نترقب من الإنسان الآخر أن يحُبّنا ويحترمنا ويكرمنا من دون أن نبادر نحن بالمحبّة والاحترام والإكرام. مَن يبادر بالإحسان والتراحم والمحبّة ينبغي إكرامه ولو بكلمة محبّة صادقة. الإحسان المبادرة بالإحسان، التراحم المبادرة برحمة خلق الله، الاحترام المبادرة باحترام الانسان، المحبّة المبادرة بالمحبّة. يتجذّر الإحسان بالمبادرة بالإحسان، يتجذّر التراحم بالمبادرة برحمة خلق الله، يتجذّر الاحترام بالمبادرة باحترام الإنسان، تتجذّر المحبّة بالمبادرة بالمحبّة.
كلُّ شيء ينشد فيه الإنسان التكامل يمكن أن يستعبده في خاتمة المطاف، العبادة والصلاة وسيلة للتطهر، فلو انقلبت الوسيلة إلى غاية تفسد العبادة. العبادة والصلاة تهدف لطهارة الإنسان، فإذا صارت الصلاة والعبادة غاية بذاتها ونسي الإنسانُ اللهَ استعبدت الإنسان. الحُبّ يتكامل فيها الإنسان حين يستثمره بما يثري حياته، لكن حين تتحوّل صورة المحبوب إلى صنم يفسدالحُبّ. لو تحول الحُبّ إلى مسعىً لامتلاك كلِّ شيء في شخصية المحبوب وحياته، يصير ضربًا من الاستعباد الممقوت. الصنمية تهشم الذات، إذ يتحوّل معها الإنسان شبحًا، تُمحى في شخصيته ملامحه الخاصة.
الصنمية عبودية مهما كان نمط الصنم، حتى في الحبّ؛ حين يصبح المحبوب صنمًا يغدو المحبّ عبدًا. طالما تشكلت صورة صنمية للمعشوق في خيال العاشق، تحجب ما هو مزعج في شخصيته، وتخفي صورته الحقيقية. لا يصحّ الوثوق دائمًا بخيال العشاق، العاشق غالبًا ما ينسج صورة للمعشوق غارقة بالأوهام، صورة تتشكل في إطار احتياجاته النفسية الملحة، لمشاهدة جمال موهوم لصورة يحتاجها بشدة، ولا يريد أن يرى الشخصية الواقعية. حين يستفيق أكثر العشاق بعد مدة، يكتشفون أن هذه الصورة افتعلها خيالهم لتلبية احتياجاتهم النفسية، وهي لا تشبه هذا الإنسان الذي تعرفوا عليه عن قرب. العاشق يريد ألا يرى في تلك الصورة إلا الضوء والجمال والنبل، ومن النادر أن نرى إنسانًا كلَّه ضوء وجمال ونبل خالص، الإنسان الذي يكون كذلك يخرج كليًا عن طبيعته الإنسانية.

المقال على الرابط:
https://alzawraapaper.com/content.php?id=383298