ندوة عقدها: "مركز مسارات تنوير" في الأردن بعنوان: #الدين حياة في أفق المعنى. وتحدث فيها:
د. #عبدالجبار_الرفاعي
،وعقب عليه:
د. #محمد_همام
د. #ايمان_مخينيني
https://youtu.be/j22bYQ8qd1A
د. #عبدالجبار_الرفاعي
،وعقب عليه:
د. #محمد_همام
د. #ايمان_مخينيني
https://youtu.be/j22bYQ8qd1A
YouTube
الدين حياة في أفق المعنى
ندوة (الدِّين: حياةٌ في أفق المعنى) من ندوات مركز (مسارات تنوير) في الأردن، حيث تمّ إلقاء الضوء على جُملة من مؤلفات الدكتور "عبد الجبار الرفاعي" أستاذ فلسفة الدين في العراق. بمشاركة الدكتور "عبد الجبار الرفاعي" وتقديم الدكتورة "مريم نريمان نومار" من جامعة…
المنطق الأرسطي انسحب بالتدريج من الحياة العقلية، بل انهزم وتقوَّضت سطوتُه على الفلسفة الحديثة، وعجز عن مواكبة طرائق التفكير للعقل الحديث منذ الأورغانون الجديد لفرنسيس بيكون (١٥٦١–١٦٢٦م)، وكوجيتو رينيه ديكارت (١٥٩٦–١٦٥٠م)، مرورًا بتنوير إيمانويل كانط (١٧٢٤–١٨٠٤م)، والمنطق الديالكتيكي لهيجل (١٧٧٠–١٨٣١م)، ومَن تلاهم من الفلاسفة والمنطقيِّين أمس واليوم. كشفت الفلسفة الحديثة أن الذهن ليس آلةَ تصوير صماء صامتة، يعكس الواقع كما هو، كأنَّه آلة تصوير فوتوغرافية كما يرى أنصارُ المنطق الأرسطي، بل يعالج الذهن المعطيات التي يتلقَّاها فيصوغها في سياق: مقولاته، ورؤيته للعالم، وأحكامه السابقة، وأفق انتظاره. كذلك أوضحت أنَّ العقلَ هو معقولاته، ومعقولات كلِّ عقل ليست خارجَ تاريخِه وتاريخها، أي إنَّ عقل أمس معقولاتُه هي مقولاتُه ومفاهيمه وأحكامه ورؤيته للعالم أمس، وهي لا تتطابق بالضرورة مع عقلنا اليوم. العقل هو معقولاته حيثما صارت حقيقتها وتشكَّلت صورتها؛ هي تصوغه طبقًا لها، وهو يصوغها طبقًا له.
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
مناقشة لدعوة اليسار الإسلامي وأدلجة الدين في مشروع الدكتور حسن حنفي - تلخيص صوتي للفصل الثاني من كتاب: "مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث"، للدكتور عبد الجبار الرفاعي.
الصمت في المدرسة الفيثاغورية
د. عبد الجبار الرفاعي
فيثاغورس (نحو 570–495 قبل الميلاد) فيلسوف يوناني سابق لسقراط، يعد من أكثر شخصيات الفلسفة القديمة تأثيرًا وإثارة للجدل، إذ امتزجت سيرته التاريخية بالأسطورة، وتداخلت فلسفته مع نمط عيش جماعي وروحي خاص. ولد في جزيرة ساموس في بحر إيجة وعاش في القرن السادس قبل الميلاد، وهو قرن تأسيسي في تاريخ الفلسفة اليونانية، حين كانت الفلسفة أسلوب عيش قبل أن تكون خطابًا نظريًا مجردًا. غادر فيثاغورس ساموس احتجاجًا على حكم الطغيان، وانتقل إلى مدينة كروتونا في جنوب إيطاليا، حيث أسس جماعة فلسفية روحية عرفت بالمدرسة الفيثاغورية، قامت على حياة جماعية منضبطة بشدة، وزهد وتربية أخلاقية صارمة.كان الصمت فيها ممارسة تربوية أساسية يُلزَم بها المبتدئون سنوات طويلة لتأديب النفس وتهذيبها قبل السماح لهم بالكلام والمشاركة.
تقوم فلسفة فيثاغورس على تصور يرى أن العدد هو جوهر الوجود وأساس انتظامه، وأن الكون بأسره يتأسس على نسب رياضية دقيقة وتناغم عددي يشبه ما عرف بالموسيقى السماوية، حيث لا تفهم النغمات الموسيقية بوصفها أصواتًا عابرة، بل بوصفها تجليات حسية لنظام كوني يقوم على التوازن والانسجام، في ضوء هذا الرؤية يغدو العدد لغة الوجود الخفية التي تتكلم بها الطبيعة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، اعتقد فيثاغورس أن النفس البشرية قادرة على الارتقاء والتحرر من اضطرابها عبر حياة منضبطة، تتأسس على ممارسة الرياضات التربوية والصمت والتأمل، وضبط الإيقاع الداخلي للإنسان بما ينسجم مع إيقاع الكون، مقرونًا بإيمان بتناسخ الأرواح يربط السلوك الأخلاقي بمصير النفس، ويجعل تهذيب الحياة اليومية شرطًا ضروريًا للانسجام مع النظام الكوني، بحيث لا تنفصل المعرفة عن الأخلاق، ولا ينفصل التفكير عن نمط العيش.
يُنسب إلى فيثاغورس قيامه برحلات إلى بابل، ويُقال إنه اطّلع خلالها على معارف دينية ورياضية وفلكية شرقية، غير أن هذه الروايات تبقى موضع شك ونقاش تاريخي واسع، لأن تفاصيل تلك الرحلات لم ترد في مصادر معاصرة له، وإنما نُقلت في كتابات متأخرة اختلط فيها التاريخ بالسرد الأسطوري، فتداخلت الوقائع الممكنة مع نزعة تعظيمية سعت إلى تقديم فيثاغورس بوصفه جامعًا لحِكَم الأمم، الأمر الذي يجعل التمييز بين ما هو تاريخي وما هو اسطوري في سيرته قضية إشكالية لا يمكن حسمها بيقين. ولا دليل تاريخي يؤكد موثوقية رحلاته إلى بابل، لأن فيثاغورس لم يخلف أي وثيقة مدونة تدل على ذلك، وكل ما نعرفه عنه ورد في مصادر متأخرة تعود إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، مثل روايات بورفيريوس ويامبليخوس، وهي نصوص تمزج بين السيرة والرمز والأسطورة، لذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها وثائق تاريخية مباشرة. هذه المصادر تزعم أن فيثاغورس سافر إلى بابل، وتعلم هناك الحساب والفلك من الكهنة الكلدانيين، غير أن هذا الادعاء لا تدعمه أي وثيقة معاصرة لزمانه، لا بابلية ولا يونانية، ولا يظهر اسم فيثاغورس في أي لوح طيني أو سجل شرقي مكتشف ومعروف حتى اليوم. ما يجعل الرحلة ممكنة من حيث السياق الجغرافي، لكنها غير مؤكدة تاريخيًا.
في المقابل، من الثابت علميًا أن الرياضيات البابلية سبقت فيثاغورس بقرون طويلة، وأن البابليين عرفوا علاقات عددية مكافئة لما يُسمى اليوم "نظرية فيثاغورس"، كما تشهد على ذلك الألواح الطينية العائدة إلى الألف الثاني قبل الميلاد، غير أن هذه المعرفة كانت معرفة تطبيقية عملية تستخدم في القياس والبناء والفلك، ولم تصَغ في صورة برهان تجريدي. من هنا يميل أغلب مؤرخي الرياضيات إلى القول إن إسهام فيثاغورس، سواء اطّلع مباشرة على معارف بابلية أم وصلته عبر قنوات غير مباشرة، لا يكمن في اكتشاف العلاقة العددية ذاتها، بل في نقلها إلى أفق نظري برهاني، وربط العدد ببنية الكون والتناغم والوجود، وهو تحول نوعي ميّز الفكر اليوناني عن تقاليد الشرق القديم، وجعل من "نظرية فيثاغورس" تعبيرًا عن نقلة في طريقة التفكير، لا عن مجرد استعارة من الرياضيات البابلية.
الصمت في المدرسة الفيثاغورية لم يكن امتناعا عن الكلام بوصفه سلوكًا شكليًا، وإنما كان ممارسة تربوية عميقة تهدف إلى إعادة تشكيل ذات الإنسان من الداخل. فيثاغورس فهم الحكمة بوصفها ثمرة نضج داخلي طويل، لا نتيجة غزارة الكلام ولا التعجل بإبداء الرأي، لذلك جعل الصمت عتبة أولى للسير في طريق الفلسفة.
د. عبد الجبار الرفاعي
فيثاغورس (نحو 570–495 قبل الميلاد) فيلسوف يوناني سابق لسقراط، يعد من أكثر شخصيات الفلسفة القديمة تأثيرًا وإثارة للجدل، إذ امتزجت سيرته التاريخية بالأسطورة، وتداخلت فلسفته مع نمط عيش جماعي وروحي خاص. ولد في جزيرة ساموس في بحر إيجة وعاش في القرن السادس قبل الميلاد، وهو قرن تأسيسي في تاريخ الفلسفة اليونانية، حين كانت الفلسفة أسلوب عيش قبل أن تكون خطابًا نظريًا مجردًا. غادر فيثاغورس ساموس احتجاجًا على حكم الطغيان، وانتقل إلى مدينة كروتونا في جنوب إيطاليا، حيث أسس جماعة فلسفية روحية عرفت بالمدرسة الفيثاغورية، قامت على حياة جماعية منضبطة بشدة، وزهد وتربية أخلاقية صارمة.كان الصمت فيها ممارسة تربوية أساسية يُلزَم بها المبتدئون سنوات طويلة لتأديب النفس وتهذيبها قبل السماح لهم بالكلام والمشاركة.
تقوم فلسفة فيثاغورس على تصور يرى أن العدد هو جوهر الوجود وأساس انتظامه، وأن الكون بأسره يتأسس على نسب رياضية دقيقة وتناغم عددي يشبه ما عرف بالموسيقى السماوية، حيث لا تفهم النغمات الموسيقية بوصفها أصواتًا عابرة، بل بوصفها تجليات حسية لنظام كوني يقوم على التوازن والانسجام، في ضوء هذا الرؤية يغدو العدد لغة الوجود الخفية التي تتكلم بها الطبيعة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، اعتقد فيثاغورس أن النفس البشرية قادرة على الارتقاء والتحرر من اضطرابها عبر حياة منضبطة، تتأسس على ممارسة الرياضات التربوية والصمت والتأمل، وضبط الإيقاع الداخلي للإنسان بما ينسجم مع إيقاع الكون، مقرونًا بإيمان بتناسخ الأرواح يربط السلوك الأخلاقي بمصير النفس، ويجعل تهذيب الحياة اليومية شرطًا ضروريًا للانسجام مع النظام الكوني، بحيث لا تنفصل المعرفة عن الأخلاق، ولا ينفصل التفكير عن نمط العيش.
يُنسب إلى فيثاغورس قيامه برحلات إلى بابل، ويُقال إنه اطّلع خلالها على معارف دينية ورياضية وفلكية شرقية، غير أن هذه الروايات تبقى موضع شك ونقاش تاريخي واسع، لأن تفاصيل تلك الرحلات لم ترد في مصادر معاصرة له، وإنما نُقلت في كتابات متأخرة اختلط فيها التاريخ بالسرد الأسطوري، فتداخلت الوقائع الممكنة مع نزعة تعظيمية سعت إلى تقديم فيثاغورس بوصفه جامعًا لحِكَم الأمم، الأمر الذي يجعل التمييز بين ما هو تاريخي وما هو اسطوري في سيرته قضية إشكالية لا يمكن حسمها بيقين. ولا دليل تاريخي يؤكد موثوقية رحلاته إلى بابل، لأن فيثاغورس لم يخلف أي وثيقة مدونة تدل على ذلك، وكل ما نعرفه عنه ورد في مصادر متأخرة تعود إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، مثل روايات بورفيريوس ويامبليخوس، وهي نصوص تمزج بين السيرة والرمز والأسطورة، لذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها وثائق تاريخية مباشرة. هذه المصادر تزعم أن فيثاغورس سافر إلى بابل، وتعلم هناك الحساب والفلك من الكهنة الكلدانيين، غير أن هذا الادعاء لا تدعمه أي وثيقة معاصرة لزمانه، لا بابلية ولا يونانية، ولا يظهر اسم فيثاغورس في أي لوح طيني أو سجل شرقي مكتشف ومعروف حتى اليوم. ما يجعل الرحلة ممكنة من حيث السياق الجغرافي، لكنها غير مؤكدة تاريخيًا.
في المقابل، من الثابت علميًا أن الرياضيات البابلية سبقت فيثاغورس بقرون طويلة، وأن البابليين عرفوا علاقات عددية مكافئة لما يُسمى اليوم "نظرية فيثاغورس"، كما تشهد على ذلك الألواح الطينية العائدة إلى الألف الثاني قبل الميلاد، غير أن هذه المعرفة كانت معرفة تطبيقية عملية تستخدم في القياس والبناء والفلك، ولم تصَغ في صورة برهان تجريدي. من هنا يميل أغلب مؤرخي الرياضيات إلى القول إن إسهام فيثاغورس، سواء اطّلع مباشرة على معارف بابلية أم وصلته عبر قنوات غير مباشرة، لا يكمن في اكتشاف العلاقة العددية ذاتها، بل في نقلها إلى أفق نظري برهاني، وربط العدد ببنية الكون والتناغم والوجود، وهو تحول نوعي ميّز الفكر اليوناني عن تقاليد الشرق القديم، وجعل من "نظرية فيثاغورس" تعبيرًا عن نقلة في طريقة التفكير، لا عن مجرد استعارة من الرياضيات البابلية.
الصمت في المدرسة الفيثاغورية لم يكن امتناعا عن الكلام بوصفه سلوكًا شكليًا، وإنما كان ممارسة تربوية عميقة تهدف إلى إعادة تشكيل ذات الإنسان من الداخل. فيثاغورس فهم الحكمة بوصفها ثمرة نضج داخلي طويل، لا نتيجة غزارة الكلام ولا التعجل بإبداء الرأي، لذلك جعل الصمت عتبة أولى للسير في طريق الفلسفة.
في مدرسته التي تأسست في كروتونا بجنوب إيطاليا، خضع المبتدئون لصمت صارم امتد لسنوات، تذكر مصادر متأخرة مثل بورفيريوس ويامبليخوس أن مدته قد تبلغ خمس سنوات، لا لأن الكلام شر، وإنما لأن النفس لا تتهيأ للإنصات ما دامت أسيرة اندفاعها ورغبتها في الظهور. الصمت هنا يتجلى بوصفه أداة لترويض الذات، وكبح نزعة الاستعراض، وتدريب النفس على الانضباط، وحماية الداخل من الفوضى، كي يتشكل الوعي في أفق السكينة. بهذا المعنى كان الصمت شرطًا لتعلم الإنصات، والإنصات شرطًا لتلقي الحكمة، إذ لا تنكشف المعاني العميقة في ضجيج الأصوات ولا في استعجال الأحكام. كما ارتبط الصمت عند الفيثاغوريين بفكرة السرية، ليس بدافع الغموض، وإنما انطلاقًا من وعي بأن بعض المعارف، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون ونظامه الخفي، تتطلب استعدادًا تربويًا وأخلاقيًا وروحيًا، وأن كشفها لمن لم ينضج داخليًا يفرغها من معناها ويحولها إلى معلومات جوفاء. هكذا غدا الصمت في المدرسة الفيثاغورية فعلًا تربويًا يسهم في بناء الإنسان، ويهيئه للدخول في نظام وجودي متناغم، حيث يتعلم أن الحكمة لا تقال قبل أوانها، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، لأنه يفتح للإنسان بابًا نحو معرفة تنبع من الداخل، وتترسخ فيه بوصفها أسلوب حياة لا مجرد معرفة عابرة.
كان هذا الصمت تدريبًا مقصودًا لتهذيب الروح قبل تعليم العقل، الفيثاغوريين أدركوا أن العقل لا يثمر حكمة ما لم يستند إلى ذات مصفّاة ومنضبطة. بالصمت اختبر المبتدئ صبره، وتعلم كبح اندفاع الأنا، وتحرير نفسه من الثرثرة والانفعال وردود الفعل السريعة، حتى يغدو قادرًا على الإصغاء العميق لا إلى المعلم وحده، وإنما إلى ذاته والعالم من حوله. لم يكن الصمت عزلة سلبية، وإنما فعل تربية متواصل، يعاد فيه تشكيل العلاقة مع الكلام، فيتحول من أداة استعراض إلى ثمرة نضج.كما شكّل الصمت وسيلة لحفظ سرية المعرفة في زمن لم تعرف فيه الفلسفة التدوين العام ولا النشر المفتوح، إذ جرى تداول الحكمة شفويًا داخل جماعات مغلقة تقوم على الثقة والاختبار الطويل. اعتقد الفيثاغوريون أن بعض الحقائق، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون، إذا انكشفت لمن لم يتهيأ لها، أُسيء فهمها، وتحولت من معرفة محرِّرة إلى أداة اضطراب أو هيمنة. لذلك ارتبط الصمت لديهم برؤيتهم للنظام العددي بوصفه لغة خفية للكون، وبفكرتهم عن موسيقى الأفلاك التي لا تسمع بالأذن، وإنما تنكشف للبصيرة. هذا الإدراك لا يتحقق في ضجيج الجدل ولا في كثرة الكلام، وإنما في صمت اللسان والباطن، حيث يتعلم الإنسان أن الكون يتكلم بلغة التناسق، وأن الإنصات إليه يستلزم صمتًا يوقظ الحس، ويمنح الروح فرصة لمعاينة النظام الكامن خلف الظواهر، فيغدو الصمت شرطا لمعرفة تتجاوز المعلومات، وتتحول إلى نمط عيش وتناغم مع الوجود.
بعد انقضاء سنوات الصمت الخمس كان يُؤذن للمبتدئ بالكلام والمشاركة، لا بوصفه من اكتسب حق النطق فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا أعاد الصمت تشكيل ذاته من الداخل، فصار كلامه أشد إيقاعًا، أدق دلالة، أثقل معنى، وغدا امتدادًا للصمت الذي سبقه، لا قطيعة معه ولا نقيضًا له. في هذا الأفق لم يكن الصمت غاية نهائية، وإنما مرحلة تأسيسية تتهذب فيها الذات ليولد منها قول مسؤول، موزون، ومقتصد. مع أن الصمت شكّل أحد أبرز تقاليد المدرسة الفيثاغورية، فإن هذه المدرسة لم تكن جماعة تهمل الكلام أو تقصيه، إذ كان للكلام فيها وظيفة تربوية ومعرفية دقيقة، لا يمارَس اعتباطًا، بل يضبَط بزمانه ومقامه واستعداد المتلقي له، فالكلام لم يكن نقيض الصمت، بل امتدادًا له وثمرة من ثماره بعد نضج الذات وتكاملها. كانت المدرسة الفيثاغورية مجتمعًا مغلقًا ذا نظام صارم، تتكامل فيه التربية الروحية الزهدية مع التأمل الفلسفي العقلي، وتفهم الفلسفة فيه بوصفها نمط عيش متكامل، لا مجرد خطاب نظري، حيث يسبق تهذيب الذات وانضباطها الكلامَ والتعليم، ويغدو الصمت تهيئة لولادة المعنى، والكلام كشفًا محسوبًا عنه، في لقاء يتجاور فيه البعد الديني مع البعد العقلي ضمن رؤية واحدة للإنسان والعالم.
كان هذا الصمت تدريبًا مقصودًا لتهذيب الروح قبل تعليم العقل، الفيثاغوريين أدركوا أن العقل لا يثمر حكمة ما لم يستند إلى ذات مصفّاة ومنضبطة. بالصمت اختبر المبتدئ صبره، وتعلم كبح اندفاع الأنا، وتحرير نفسه من الثرثرة والانفعال وردود الفعل السريعة، حتى يغدو قادرًا على الإصغاء العميق لا إلى المعلم وحده، وإنما إلى ذاته والعالم من حوله. لم يكن الصمت عزلة سلبية، وإنما فعل تربية متواصل، يعاد فيه تشكيل العلاقة مع الكلام، فيتحول من أداة استعراض إلى ثمرة نضج.كما شكّل الصمت وسيلة لحفظ سرية المعرفة في زمن لم تعرف فيه الفلسفة التدوين العام ولا النشر المفتوح، إذ جرى تداول الحكمة شفويًا داخل جماعات مغلقة تقوم على الثقة والاختبار الطويل. اعتقد الفيثاغوريون أن بعض الحقائق، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون، إذا انكشفت لمن لم يتهيأ لها، أُسيء فهمها، وتحولت من معرفة محرِّرة إلى أداة اضطراب أو هيمنة. لذلك ارتبط الصمت لديهم برؤيتهم للنظام العددي بوصفه لغة خفية للكون، وبفكرتهم عن موسيقى الأفلاك التي لا تسمع بالأذن، وإنما تنكشف للبصيرة. هذا الإدراك لا يتحقق في ضجيج الجدل ولا في كثرة الكلام، وإنما في صمت اللسان والباطن، حيث يتعلم الإنسان أن الكون يتكلم بلغة التناسق، وأن الإنصات إليه يستلزم صمتًا يوقظ الحس، ويمنح الروح فرصة لمعاينة النظام الكامن خلف الظواهر، فيغدو الصمت شرطا لمعرفة تتجاوز المعلومات، وتتحول إلى نمط عيش وتناغم مع الوجود.
بعد انقضاء سنوات الصمت الخمس كان يُؤذن للمبتدئ بالكلام والمشاركة، لا بوصفه من اكتسب حق النطق فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا أعاد الصمت تشكيل ذاته من الداخل، فصار كلامه أشد إيقاعًا، أدق دلالة، أثقل معنى، وغدا امتدادًا للصمت الذي سبقه، لا قطيعة معه ولا نقيضًا له. في هذا الأفق لم يكن الصمت غاية نهائية، وإنما مرحلة تأسيسية تتهذب فيها الذات ليولد منها قول مسؤول، موزون، ومقتصد. مع أن الصمت شكّل أحد أبرز تقاليد المدرسة الفيثاغورية، فإن هذه المدرسة لم تكن جماعة تهمل الكلام أو تقصيه، إذ كان للكلام فيها وظيفة تربوية ومعرفية دقيقة، لا يمارَس اعتباطًا، بل يضبَط بزمانه ومقامه واستعداد المتلقي له، فالكلام لم يكن نقيض الصمت، بل امتدادًا له وثمرة من ثماره بعد نضج الذات وتكاملها. كانت المدرسة الفيثاغورية مجتمعًا مغلقًا ذا نظام صارم، تتكامل فيه التربية الروحية الزهدية مع التأمل الفلسفي العقلي، وتفهم الفلسفة فيه بوصفها نمط عيش متكامل، لا مجرد خطاب نظري، حيث يسبق تهذيب الذات وانضباطها الكلامَ والتعليم، ويغدو الصمت تهيئة لولادة المعنى، والكلام كشفًا محسوبًا عنه، في لقاء يتجاور فيه البعد الديني مع البعد العقلي ضمن رؤية واحدة للإنسان والعالم.
يميز الفيثاغوريون بين فئتين من أعضائهم: الأكوسماتيكوين، الذين يلتزمون بالتعاليم الشفوية والطقوسية ويجعلون الإصغاء محور تكوينهم، والماثيماتيكوين، الذين ينصرفون إلى دراسة الرياضيات والعلوم انطلاقًا من قناعتهم بأن العدد جوهر الوجود ومفتاح انسجامه. الانضمام إلى هذه المدرسة لم يكن متاحًا لكل راغب، وإنما يخضع لاختبارات قاسية تقوم على الجدارة والانضباط والاستعداد الذاتي، تلتزم بحياة يومية زهدية منظمة، يعيش فيها الأعضاء في جماعات مشتركة خارج أسوار المدن، ويلتزمون بقواعد دقيقة في السلوك والملبس والعلاقات. يندرج النظام الغذائي النباتي لهذه المدرسة ضمن هذا الأفق التربوي بوصفه سعيًا إلى تطهير النفس وتهذيب الرغبات، لا رفضًا للجسد ولا عداء للطبيعة، كما أدت الطقوس الموسيقية دورًا في إعادة التوازن الداخلي، عبر إيقاع ينسجم مع تصورهم لموسيقى الأفلاك. اللافت في هذا السياق أن التعليم لم يقتصر على الرجال، إذ أتيح للنساء أيضًا، كما تشهد على ذلك أسماء مثل ثيانو، بما يكشف أن المدرسة الفيثاغورية سعت إلى بناء إنسان متكامل، يتوازن فيه الصمت والكلام، الزهد والمعرفة، الداخل والعالم، في إطار رؤية ترى الفلسفة تربية للنفس قبل أن تكون علمًا للعقل.
انحسرت المدرسة الفيثاغورية نتيجة تضافر عوامل سياسية واجتماعية وثقافية متشابكة، تجاوزت حدود الاختلاف الفكري لتلامس بنية المدينة اليونانية نفسها. فقد نشأت هذه المدرسة داخل جماعة مغلقة ذات نظام أخلاقي صارم وطرق تعليمية وروحية حذرة، منكفأة على نفسها.كل جماعة شديدة الانغلاق، مثل المدرسة الفيثاغورية، تحمل في بنيتها الأساسية بذور فنائها، إذ يتحول الانضباط الصارم مع الزمن إلى جمود، وتغدو السرية التي وضعت لحماية المعنى حجابًا يحجبه، فينقلب ما كان شرطًا للبقاء إلى عامل استنزاف داخلي، ويغدو الانغلاق الذي حفظ كيانها في البدايات سببًا في عجز الجماعة عن التجدد والتكيف مع تحولات الواقع، فتبدأ عوامل الموت تتوالد داخلها قبل أن تأتيها الضربات من الخارج.
انغلاق المدرسة الفيثاغورية الشديد أثار ريبة القوى السياسية في مدن جنوبي إيطاليا، ولا سيما في كروتونا، كما أن انخراط بعض الفيثاغوريين في الشأن العام، وتأثيرهم في التشريع وتوجيه القرار، ولّد شعورًا متزايدًا بالخوف من تحولهم إلى نخبة حاكمة تعمل داخل مجتمع مغلق لا يخضع للرقابة العامة. في مناخ سياسي مضطرب، شهد صعود الصراعات بين الأرستقراطيات والديمقراطيات الناشئة، تحول هذا الخوف إلى عداء صريح، فاستهدفت الجماعة بوصفها خطرًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. إلى جانب العامل السياسي، أسهم الطابع السري للمدرسة في تعميق سوء الفهم حولها.
رأى كثيرون في التزام الصمت، وحفظ التعاليم داخل الدائرة المغلقة، وتقديس النظام العددي، ممارسات غامضة توحي بالتآمر أو السحر، لا بمشروع فلسفي تربوي. هذا الغموض غذى الشائعات، وسهل تعبئة العامة ضد الفيثاغوريين، خاصة في مجتمعات اعتادت الجدل العلني والخطابة في الساحات العامة في المدن. كما أن نمط العيش الزهدي المنظم، والانضباط الصارم في السلوك والغذاء والعلاقات، جعل الجماعة تبدو منفصلة عن الحياة اليومية للمدينة، كأنها كيان قائم خارج النسيج الاجتماعي، لا جزءًا منه.
تزامن ذلك مع تحولات أعمق في الفلسفة اليونانية نفسها، إذ بدأت الفلسفة تنتقل تدريجيًا من كونها نمط عيش جماعي إلى كونها نشاطًا تعليميًا وخطابيًا أكثر انفتاحًا، كما يظهر لاحقًا في الأكاديمية الأفلاطونية والمدرسة الأرسطية. في هذا السياق، فقد النموذج الفيثاغوري القائم على التربية الطويلة والصمت والسرية جاذبيته أمام نماذج فلسفية تتيح النقاش العام والتعليم المنهجي دون اشتراط الانتماء إلى جماعة مغلقة. ومع غياب فيثاغورس نفسه، ثم تشتت تلامذته، ضعفت القدرة على الحفاظ على وحدة المدرسة وتماسكها الداخلي.
انحسرت المدرسة الفيثاغورية نتيجة تضافر عوامل سياسية واجتماعية وثقافية متشابكة، تجاوزت حدود الاختلاف الفكري لتلامس بنية المدينة اليونانية نفسها. فقد نشأت هذه المدرسة داخل جماعة مغلقة ذات نظام أخلاقي صارم وطرق تعليمية وروحية حذرة، منكفأة على نفسها.كل جماعة شديدة الانغلاق، مثل المدرسة الفيثاغورية، تحمل في بنيتها الأساسية بذور فنائها، إذ يتحول الانضباط الصارم مع الزمن إلى جمود، وتغدو السرية التي وضعت لحماية المعنى حجابًا يحجبه، فينقلب ما كان شرطًا للبقاء إلى عامل استنزاف داخلي، ويغدو الانغلاق الذي حفظ كيانها في البدايات سببًا في عجز الجماعة عن التجدد والتكيف مع تحولات الواقع، فتبدأ عوامل الموت تتوالد داخلها قبل أن تأتيها الضربات من الخارج.
انغلاق المدرسة الفيثاغورية الشديد أثار ريبة القوى السياسية في مدن جنوبي إيطاليا، ولا سيما في كروتونا، كما أن انخراط بعض الفيثاغوريين في الشأن العام، وتأثيرهم في التشريع وتوجيه القرار، ولّد شعورًا متزايدًا بالخوف من تحولهم إلى نخبة حاكمة تعمل داخل مجتمع مغلق لا يخضع للرقابة العامة. في مناخ سياسي مضطرب، شهد صعود الصراعات بين الأرستقراطيات والديمقراطيات الناشئة، تحول هذا الخوف إلى عداء صريح، فاستهدفت الجماعة بوصفها خطرًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. إلى جانب العامل السياسي، أسهم الطابع السري للمدرسة في تعميق سوء الفهم حولها.
رأى كثيرون في التزام الصمت، وحفظ التعاليم داخل الدائرة المغلقة، وتقديس النظام العددي، ممارسات غامضة توحي بالتآمر أو السحر، لا بمشروع فلسفي تربوي. هذا الغموض غذى الشائعات، وسهل تعبئة العامة ضد الفيثاغوريين، خاصة في مجتمعات اعتادت الجدل العلني والخطابة في الساحات العامة في المدن. كما أن نمط العيش الزهدي المنظم، والانضباط الصارم في السلوك والغذاء والعلاقات، جعل الجماعة تبدو منفصلة عن الحياة اليومية للمدينة، كأنها كيان قائم خارج النسيج الاجتماعي، لا جزءًا منه.
تزامن ذلك مع تحولات أعمق في الفلسفة اليونانية نفسها، إذ بدأت الفلسفة تنتقل تدريجيًا من كونها نمط عيش جماعي إلى كونها نشاطًا تعليميًا وخطابيًا أكثر انفتاحًا، كما يظهر لاحقًا في الأكاديمية الأفلاطونية والمدرسة الأرسطية. في هذا السياق، فقد النموذج الفيثاغوري القائم على التربية الطويلة والصمت والسرية جاذبيته أمام نماذج فلسفية تتيح النقاش العام والتعليم المنهجي دون اشتراط الانتماء إلى جماعة مغلقة. ومع غياب فيثاغورس نفسه، ثم تشتت تلامذته، ضعفت القدرة على الحفاظ على وحدة المدرسة وتماسكها الداخلي.
لم يؤد هذا الانحسار إلى اختفاء الفيثاغورية من التاريخ، وإنما دفعها إلى التحول من جماعة حية إلى تراث فلسفي وروحي مبثوث في مدارس لاحقة. لذلك أعيد إحياء عناصرها الأساسية في حركة النيوفيثاغورية في القرن الأول قبل الميلاد. النيوفيثاغورية أو الفيثاغورية الجديدة، هي تيار فلسفي روحي ظهر في القرن الأول قبل الميلاد وازدهر في القرنين الأول والثاني الميلاديين، في سياق ثقافي امتزجت فيه الفلسفة اليونانية بالنزعات الروحية الشرقية، ولم يكن حركة مدرسية منظمة بقدر ما كان محاولة لإحياء تراث فيثاغورس وتأويله تأويلًا أخلاقيًا وميتافيزيقيًا يركّز على خلاص الذات وتناغم الكون، إذ نظرت إلى العالم بوصفه نظامًا متناسقًا تحكمه علاقات عددية لا بمعناها الرياضي المحض، بل بوصف العدد مبدأ وجوديًا وروحيًا يكشف عن عقل كوني أعلى، ورأت أن اختلال الأخلاق هو اختلال في النسبة والانسجام، وأن الفضيلة عودة إلى التوازن الداخلي، لذلك جعلت من الزهد والانضباط وتطهير الذات شروطًا للمعرفة لا نتائج لاحقة لها، واحتل الصمت فيها موقعًا مركزيًا بوصفه تربية تكوينية لا امتناعًا سلبيًا عن الكلام، صمتًا يدرّب الإنسان على كبح الأنا وتعليق العجلة وتفريغ الداخل من الضجيج، كي يغدو العقل قادرًا على الإصغاء للنظام الكوني. الصمت يسبق القول ويؤسس له، والمعرفة التي لا تمر عبره تظل سطحية، ولهذا تبدأ التربية بالصمت وتنتهي بالكلام الموزون، حيث يصبح القول امتدادًا للصمت لا نقيضًا له، ويغدو الصمت شرطًا للعودة إلى العالم بوعي أعمق لا انسحابًا منه. عاد الاهتمام بتطهير النفس، والعدد، والانسجام الكوني، ضمن سياق فلسفي جديد يربط الفلسفة بالبحث الروحي الفردي أكثر من ارتباطها بجماعة مؤثرة. في هذا الواقع ظل الصمت حاضرًا بوصفه رمزًا لتقدم الحكمة على الكلام، غير أن وظيفته تغيرت من ممارسة جماعية صارمة إلى دلالة روحية وأخلاقية.
على الرغم من ذلك، لبث الدرس الفيثاغوري حيًا في عمق التراث الفلسفي، إذ تجاوز مصير المدرسة الفيثاغورية بوصفها جماعة تاريخية، ليغدو رؤية ترى أن الحكمة لا تبدأ من الخارج ولا تختزل في براعة الجدل، بل تنبع من الذات، من تهذيب النفس وضبط الرغبات وتكوين الإنسان قبل صناعة الأفكار، وأن أي فكر لا يتأسس على هذا العمل الباطني يظل هشًا، سريع الانكسار، مهما بدا متماسكًا في صيغته النظرية، إذ ينهار عند أول عاصفة خارجية تكشف فراغه الأخلاقي وافتقاره إلى الجذر الذي يمنحه الصمود والمعنى.
تكشف تجربة انحسار المدرسة الفيثاغورية عن توتر دائم بين الفلسفة بوصفها تربية للوعي تراهن على تهذيب الذات وبناء المعنى في العمق، وبين المدينة بوصفها فضاء للصراع والتنازع وتدافع المصالح، حيث لا يحتمل الغموض طويلًا ولا يستساغ المختلف بسهولة. عندما يشتد هذا التوتر وتختار الفلسفة الانكفاء حماية لنفسها، تدفع ثمن عزلتها وتفقد قدرتها على التأثير في المجال العام، بينما تمضي السياسة في تضخيم خوفها من كل ما لا يخضع لمنطقها وقراراتها، فتتحول الحكمة إلى تهمة، ويغدو الصمت تهديدًا، ويقصى التفكير العميق لأنه لا يتكلم بلغة ما تفرضه السياسة الحاكمة، في مشهد تتكسر فيه إمكانية اللقاء بين الفلسفة والمدينة.
https://alsabaah.iq/125591-.html
على الرغم من ذلك، لبث الدرس الفيثاغوري حيًا في عمق التراث الفلسفي، إذ تجاوز مصير المدرسة الفيثاغورية بوصفها جماعة تاريخية، ليغدو رؤية ترى أن الحكمة لا تبدأ من الخارج ولا تختزل في براعة الجدل، بل تنبع من الذات، من تهذيب النفس وضبط الرغبات وتكوين الإنسان قبل صناعة الأفكار، وأن أي فكر لا يتأسس على هذا العمل الباطني يظل هشًا، سريع الانكسار، مهما بدا متماسكًا في صيغته النظرية، إذ ينهار عند أول عاصفة خارجية تكشف فراغه الأخلاقي وافتقاره إلى الجذر الذي يمنحه الصمود والمعنى.
تكشف تجربة انحسار المدرسة الفيثاغورية عن توتر دائم بين الفلسفة بوصفها تربية للوعي تراهن على تهذيب الذات وبناء المعنى في العمق، وبين المدينة بوصفها فضاء للصراع والتنازع وتدافع المصالح، حيث لا يحتمل الغموض طويلًا ولا يستساغ المختلف بسهولة. عندما يشتد هذا التوتر وتختار الفلسفة الانكفاء حماية لنفسها، تدفع ثمن عزلتها وتفقد قدرتها على التأثير في المجال العام، بينما تمضي السياسة في تضخيم خوفها من كل ما لا يخضع لمنطقها وقراراتها، فتتحول الحكمة إلى تهمة، ويغدو الصمت تهديدًا، ويقصى التفكير العميق لأنه لا يتكلم بلغة ما تفرضه السياسة الحاكمة، في مشهد تتكسر فيه إمكانية اللقاء بين الفلسفة والمدينة.
https://alsabaah.iq/125591-.html
صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس
د. عبدالجبار الرفاعي
https://jabbaralrefae.com/%d8%b5%d9%85%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%86%d8%af%d9%88%d8%b3/
د. عبدالجبار الرفاعي
https://jabbaralrefae.com/%d8%b5%d9%85%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%86%d8%af%d9%88%d8%b3/
كتاب_مشروع_عبدالجبار_الرفاعي_الديني_قراءة_نقدية_د_ضياء_خضير.pdf
1.3 MB
كتاب مشروع عبدالجبار الرفاعي الديني . قراءة نقدية - د. ضياء خضير
الدكتور عبد الباسط هيكل، من علماء الأزهر:
احتفاء على المواقع والقنوات الفضائية بانتهاء الدكتور محمد أبو موسى من شرح كتاب دلائل الإعجاز للشيخ عبدالقاهر الجرجاني.. هنا يتبادر أكثر من سؤال، الأول: ما الفرق بين الدراسة داخل الحوزات الشيعية والأروقة السنية من جانب وداخل الجامعات من جانب آخر؟ من أهم الفروق أن الحوزات والأروقة تتبع نظام التعليم القديم حيث يستغرق شرح كتاب تراثي واحد عشرات السنوات دون مبالغة..
تخيل لو د عبدالجبار الرفاعي ما زال يتعامل مع العلم بمفهوم الحوزة، حيث يقضى الإنسان 15 سنة في شرح كتاب تراثي .. ساعتها لم يكن بمقدور د.عبدالجبار ان يقدم مجموعته الرائعة في فلسفة الدين، وكانت سببا لتراجع بعض المسلمين عن الإلحاد وبناء إيمان جيد.. بدأت المطالبات بالتحول لنظام التعليم الحديث ليصبح له عدد سنوات محددة وساعات محددة وبمدخل معرفي متنوع ليحصل الطالب على الإجازة.. وكان تطبيق هذا النظام الحديث مرفوضا فحاول الشيخ محمد عبده وأكمل الشيخ المراغي والشيخ الظواهري ثم المراغي ثانية وبضغط من ظهور نظام التعليم الحديث في المدارس والجامعات خارج الاروقة والاحوزة بدأ التحول على مضض من المؤسسة الدينية إليه لينافس خريج الازهر خريجي المؤسسات التعليمية الأخرى في وظائف الدولة حينها.. العودة لنظام الأروقة كجزء من الدور التاريخي للمسجد جميل لكنه ليس بديلا ولا يصلح أن يكون بديلا.. توظيفه ليُواكب الأحوزة وطرق الدرس في التيارات السلفية شديدة التداخل فكثيرا ما ينشق من مجالس السلفية العلمية سلفيات جهادية أو حركية.. نعم استعادة الدور التاريخي للرواق والحوزة سيخصم من حصة التيارات الدينية لكنه في الوقت نفسه قد يخلق حالة من التقليد والتبعية تستفيد منها تلك التيارات.. بدلا من تعزيز الدرس الحديث القائم على مقارنة التراثي بالحديث للاستفادة من كليهما وعدم الاكتفاء بالقديم.. والاستفادة من المناهج والآليات الحديثة في تعزيز التفكير النقدي والإبداعي كما هو المأمول من الجامعات .. حتى وإن أخفقت نعمل على تطويرها..
أدرك خطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها البلدان العربية وما يحدث في المنطقة بما يترتب عليه من موجات تشدد تحاول بعض الحكومات امتصاصها بادارة خطابات دينية سلفية وتاريخية.. وفي اعتقادي أنه لا يعدو عن انتظار وتسكين .. فالتشدد بل والتوحش يتحرك ويعمل بعيدا عن السطح وسيعود أعنف ما لم نعيد قراءة المنجز التراثي والحديث معا والاستفادة من أدوات وآليات المعرفة الحديثة بجانب التراثية..
ويبقى سؤال لماذا يرى الإعلام المصري اليوم في الانتهاء من شرح دلائل الإعجاز إنجازا بينما العلامة ابو موسى شرحه مرات فترة إعارته حوالي عشرين سنة للمملكة لم يتحدث عن الانتهاء من شرحه ولو مرة الإعلام السعودي كإنجاز .. والكتاب شرح آلاف المرات منذ قدمه الشيخ محمد عبده لأول مرة لماذا لم يقدم الانتهاء من شرحه مئات المرات خلال قرن على أنه إنجاز في كل مرة!
https://www.facebook.com/share/p/17aje7DmZC/?
احتفاء على المواقع والقنوات الفضائية بانتهاء الدكتور محمد أبو موسى من شرح كتاب دلائل الإعجاز للشيخ عبدالقاهر الجرجاني.. هنا يتبادر أكثر من سؤال، الأول: ما الفرق بين الدراسة داخل الحوزات الشيعية والأروقة السنية من جانب وداخل الجامعات من جانب آخر؟ من أهم الفروق أن الحوزات والأروقة تتبع نظام التعليم القديم حيث يستغرق شرح كتاب تراثي واحد عشرات السنوات دون مبالغة..
تخيل لو د عبدالجبار الرفاعي ما زال يتعامل مع العلم بمفهوم الحوزة، حيث يقضى الإنسان 15 سنة في شرح كتاب تراثي .. ساعتها لم يكن بمقدور د.عبدالجبار ان يقدم مجموعته الرائعة في فلسفة الدين، وكانت سببا لتراجع بعض المسلمين عن الإلحاد وبناء إيمان جيد.. بدأت المطالبات بالتحول لنظام التعليم الحديث ليصبح له عدد سنوات محددة وساعات محددة وبمدخل معرفي متنوع ليحصل الطالب على الإجازة.. وكان تطبيق هذا النظام الحديث مرفوضا فحاول الشيخ محمد عبده وأكمل الشيخ المراغي والشيخ الظواهري ثم المراغي ثانية وبضغط من ظهور نظام التعليم الحديث في المدارس والجامعات خارج الاروقة والاحوزة بدأ التحول على مضض من المؤسسة الدينية إليه لينافس خريج الازهر خريجي المؤسسات التعليمية الأخرى في وظائف الدولة حينها.. العودة لنظام الأروقة كجزء من الدور التاريخي للمسجد جميل لكنه ليس بديلا ولا يصلح أن يكون بديلا.. توظيفه ليُواكب الأحوزة وطرق الدرس في التيارات السلفية شديدة التداخل فكثيرا ما ينشق من مجالس السلفية العلمية سلفيات جهادية أو حركية.. نعم استعادة الدور التاريخي للرواق والحوزة سيخصم من حصة التيارات الدينية لكنه في الوقت نفسه قد يخلق حالة من التقليد والتبعية تستفيد منها تلك التيارات.. بدلا من تعزيز الدرس الحديث القائم على مقارنة التراثي بالحديث للاستفادة من كليهما وعدم الاكتفاء بالقديم.. والاستفادة من المناهج والآليات الحديثة في تعزيز التفكير النقدي والإبداعي كما هو المأمول من الجامعات .. حتى وإن أخفقت نعمل على تطويرها..
أدرك خطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها البلدان العربية وما يحدث في المنطقة بما يترتب عليه من موجات تشدد تحاول بعض الحكومات امتصاصها بادارة خطابات دينية سلفية وتاريخية.. وفي اعتقادي أنه لا يعدو عن انتظار وتسكين .. فالتشدد بل والتوحش يتحرك ويعمل بعيدا عن السطح وسيعود أعنف ما لم نعيد قراءة المنجز التراثي والحديث معا والاستفادة من أدوات وآليات المعرفة الحديثة بجانب التراثية..
ويبقى سؤال لماذا يرى الإعلام المصري اليوم في الانتهاء من شرح دلائل الإعجاز إنجازا بينما العلامة ابو موسى شرحه مرات فترة إعارته حوالي عشرين سنة للمملكة لم يتحدث عن الانتهاء من شرحه ولو مرة الإعلام السعودي كإنجاز .. والكتاب شرح آلاف المرات منذ قدمه الشيخ محمد عبده لأول مرة لماذا لم يقدم الانتهاء من شرحه مئات المرات خلال قرن على أنه إنجاز في كل مرة!
https://www.facebook.com/share/p/17aje7DmZC/?
Facebook
Log in or sign up to view
See posts, photos and more on Facebook.
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
نقد صوتي لفكر الفيلسوف ضد الفلسفة أحمد فرديد، في كتاب "مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث".
أهداني الصديق العزيز د. خيرالله سعيد كتابًا طريفًًا بعنوان: "من وجد ديوان الوجد: فيوضات المعرفة في القراءة الأولى من الألف إلى الياء، دراسة في ديوان الوجد لهادي العلوي"، قرأت هذا الكتاب الذي يتناول تصوف العلامة العراقي هادي العلوي. د. خيرالله سعيد مريد العلوي ووصيه على آثاره. هادي العلوي مؤرخ ولغوي، ومتصوف، تلتقي في شخصيته الغريبة الماركسية بقراءة صينية ماوية، وتصوف محي الدين بن عربي، وتصوف الأديان الشرقية خاصة الطاوية. عمل هادي على تركيب نسخته الخاصة للتصوف على مسلك الزهد عند الجيل الأول من المتصوفة المسلمين. لا تكمن قوة هادي العلوي في موسوعيته وتبحره في التراث، كأنه دائرة معارف، بل في شخصيته المتسامية، ومواقفه المترفعة على حطام الدنيا، وزهده الذي لا يطيقه إلا الأفذاذ أمثاله. يعكس كتاب: "مدارات صوفية" لهادي العلوي العمق الصوفي في شخصيته. هذا الكتاب قرأته أكثر من مرة، ومازلت احتفظ بنسخة منه، وأعود إليه باستمرار. كتاب يقرأ من أية صفحة فيه، كتاب يجتمع فيه التصوف الاسلامي والطاوي. اقترح على أخي خيرالله سعيد إعادة طباعة كتابه الجميل "من وجد ديوان الوجد" ببغداد، بعد تحريره مجددًا. كتابه هذا صدر عن دار كنعان بدمشق سنة 2008، وهو غير متوفر اليوم، لا ورقيًا، ولا إلكترونيًا.
https://www.facebook.com/share/p/1BwGzgkzj2/?
https://www.facebook.com/share/p/1BwGzgkzj2/?
Facebook
عبد الجبار الرفاعي
أهداني الصديق العزيز د. خيرالله سعيد كتابًا طريفًًا بعنوان: "من وجد ديوان الوجد: فيوضات المعرفة في القراءة الأولى من الألف إلى الياء، دراسة في ديوان الوجد لهادي العلوي"، قرأت هذا الكتاب الذي يتناول...
اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات
د. عبد الجبار الرفاعي
يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفًا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعًا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته. في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.
تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.
تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.
يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.
د. عبد الجبار الرفاعي
يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفًا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعًا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته. في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.
تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.
تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.
يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.