السياسة لا تبني الوطن بالهذيان، ولا تبني الوعي بالكلام غير المسؤول، بل تتكرس بالمسؤولية، وتترسخ حين يتكلم مَن يفكر بصمت وتريث قبل أن تصدر منه أية كلمة، ويصغي مَن يريد أن يفهم. السياسة فعل وعي وبصيرة، لا ارتجال وانفعال وشعارات طائشة. حين يعاد الاعتبار للوعي السياسي ولفن الإصغاء، تستعيد الكلمة معناها، وتستعيد السياسة وظيفتها الواقعية، ويستعيد الوطن الانتماء إليه الذي يجتثه االتهريج والصراخ والأوهام. السياسة لا تبنى على ضجيج الحناجر، إنما تنبثق من يقظة العقول، ولا تنهض بالأكثر كلامًا، إنما بالأنضج وعيًا. حين يتكلم الإنسان في ما لا يعرف يهرب المعنى، وتفقد الكلمات محتواها المؤثر، ويغدو القول هذرًا ييستنزف الوعي. الثرثرة السياسية من غير خبرة ولا معرفة تشبه مَن يرسم خارطة لبحر لم يره، ولا يعرف عمقه، ولا يدرك تياراته. في زمن طغت فيه الأصوات على الفكر، غدت السياسة ميدانًا لمن لا دراية لهم بها، وصار الجدل السياسي تسلية يومية يمارسها مَن يظن أن السياسة انفعال لا مسؤولية، وكلام لا بناء، وشعار لا وعي.
مادامت السياسة في مضمونها فن لإدارة الحياة المشتركة، وموازنة دقيقة بين شبكات المصالح المتنوعة، وصيغة للعدل تحفظ كرامة المختلفين، فحين تتحول إلى ثرثرات فإنها تعني العجز عن الفهم، ومرآة للغرور تزين الجهل وتخفي الحقيقة. يتحدث بعض السياسيين عن الوطن كأنه غنيمة، ممن لا ينبض في ضميرهم الوطن، وعن الدولة كأنها إرث خاص، وعن الحرية كأنها صراخ في الهواء، لا التزام ولا وعي بمسؤولية الكلمة. عندئذ يتلاشى المعنى، وتغدو الألفاظ والشعارات أداة للهدم لا أفقًا للبناء.
في هذا الفضاء يعاد انتاج الأمية السياسية، ويتكلم السياسيون كثيرًا من غير أن يعرفوا قليلًا، ويظنون أن تكرار الكلمات وصخب الشعارات علامة نضج، فيما هو وجه آخر للفراغ. الأمية السياسية ليست جهلًا بالنظريات ولا نقصًا في الثقافة العامة، إنما هي فقدان الحس بالواقع، وضعف البصيرة بالمصالح العليا، والعيش في انفعال دائم يستنزف العقل، ويقود إلى نزاعات لا تهدأ. الذين يثرثرون في السياسة من غير وعي يطفئون نور الفهم في العقول، ويشوشون على الناس إدراكهم لما يجري، فيختلط الوهم بالحقيقة، والعاطفة بالحجة، والشك بالمعرفة، وينشأ من ذلك ضجيج لا يفتح طريقًا للوعي ولا يخلق ادراكًا للواقع وشدة تعقيده. كلما ارتفع صوت الثرثرة انحسر صوت الفكر، وصارت السياسة وسيلة للخصومة والاحتراب، وغاب حضورها بوصفها فنًا لإدارة المصالح والمصائر المشتركة.
السياسة لا تستقيم إلا إذا كانت فعل وعي واقعي يربط الكلمة بالمسؤولية، والفعل بالقيمة، ويستمد منطقه من المعرفة لا من الانفعال. لا تصلح السياسة حين تمارس كعرض مبتذل في منابر الفضائيات والتواصل، أو كصراع في ساحات الغضب والانفعال. الوطن لا يبنى بالصراخ، إنما بالعقل الهادئ والضمير الوطني اليقظ، وتقديم الولاء للوطن على الولاء للعشيرة والطائفة. الوعي السياسي ليس تكديس معلومات غير دقيقة عن الأحزاب والزعامات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والمجتمع، بين الحرية والعدل، بين المصلحة والوطن والمواطن.
حين يغيب الوعي السياسي تستنزف السياسة في جعجعة الألفاظ، ويتحول النقاش إلى سوق للمزايدات، وتغدو الكلمة صدى بلا أثر. في تلك الحالة، يكون الصمت أصدق من الادعاء، والإنصات أعمق من الكلامة. السياسة تحتاج إلى عقل حاذق واقعي، يرى في الاختلاف طريقًا إلى الفهم لا ميدانًا للعداء، وتحتاج إلى إنسانٍ يدرك أن إصلاح العالم لا يتم بالنوايا وحدها، بل بالفكر الذي يضيء الطريق، وبالضمير الذي يصغي إلى نداء استغاثة المعذبين والضحايا في الوطن. السياسة عمل إنساني قبل أن تكون خطابًا أيديولوجيًا، ووعي بالإنسان قبل أن تكون صراعًا على السلطة والثروة. حين يستعيد الإنسان هذا المعنى، تستعيد السياسة وظيفتها، وتستعيد الكلمة حرارتها، ويستأنف الوطن حضوره في ضمير المواطن.
https://alsabaah.iq/124095-.html
مادامت السياسة في مضمونها فن لإدارة الحياة المشتركة، وموازنة دقيقة بين شبكات المصالح المتنوعة، وصيغة للعدل تحفظ كرامة المختلفين، فحين تتحول إلى ثرثرات فإنها تعني العجز عن الفهم، ومرآة للغرور تزين الجهل وتخفي الحقيقة. يتحدث بعض السياسيين عن الوطن كأنه غنيمة، ممن لا ينبض في ضميرهم الوطن، وعن الدولة كأنها إرث خاص، وعن الحرية كأنها صراخ في الهواء، لا التزام ولا وعي بمسؤولية الكلمة. عندئذ يتلاشى المعنى، وتغدو الألفاظ والشعارات أداة للهدم لا أفقًا للبناء.
في هذا الفضاء يعاد انتاج الأمية السياسية، ويتكلم السياسيون كثيرًا من غير أن يعرفوا قليلًا، ويظنون أن تكرار الكلمات وصخب الشعارات علامة نضج، فيما هو وجه آخر للفراغ. الأمية السياسية ليست جهلًا بالنظريات ولا نقصًا في الثقافة العامة، إنما هي فقدان الحس بالواقع، وضعف البصيرة بالمصالح العليا، والعيش في انفعال دائم يستنزف العقل، ويقود إلى نزاعات لا تهدأ. الذين يثرثرون في السياسة من غير وعي يطفئون نور الفهم في العقول، ويشوشون على الناس إدراكهم لما يجري، فيختلط الوهم بالحقيقة، والعاطفة بالحجة، والشك بالمعرفة، وينشأ من ذلك ضجيج لا يفتح طريقًا للوعي ولا يخلق ادراكًا للواقع وشدة تعقيده. كلما ارتفع صوت الثرثرة انحسر صوت الفكر، وصارت السياسة وسيلة للخصومة والاحتراب، وغاب حضورها بوصفها فنًا لإدارة المصالح والمصائر المشتركة.
السياسة لا تستقيم إلا إذا كانت فعل وعي واقعي يربط الكلمة بالمسؤولية، والفعل بالقيمة، ويستمد منطقه من المعرفة لا من الانفعال. لا تصلح السياسة حين تمارس كعرض مبتذل في منابر الفضائيات والتواصل، أو كصراع في ساحات الغضب والانفعال. الوطن لا يبنى بالصراخ، إنما بالعقل الهادئ والضمير الوطني اليقظ، وتقديم الولاء للوطن على الولاء للعشيرة والطائفة. الوعي السياسي ليس تكديس معلومات غير دقيقة عن الأحزاب والزعامات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والمجتمع، بين الحرية والعدل، بين المصلحة والوطن والمواطن.
حين يغيب الوعي السياسي تستنزف السياسة في جعجعة الألفاظ، ويتحول النقاش إلى سوق للمزايدات، وتغدو الكلمة صدى بلا أثر. في تلك الحالة، يكون الصمت أصدق من الادعاء، والإنصات أعمق من الكلامة. السياسة تحتاج إلى عقل حاذق واقعي، يرى في الاختلاف طريقًا إلى الفهم لا ميدانًا للعداء، وتحتاج إلى إنسانٍ يدرك أن إصلاح العالم لا يتم بالنوايا وحدها، بل بالفكر الذي يضيء الطريق، وبالضمير الذي يصغي إلى نداء استغاثة المعذبين والضحايا في الوطن. السياسة عمل إنساني قبل أن تكون خطابًا أيديولوجيًا، ووعي بالإنسان قبل أن تكون صراعًا على السلطة والثروة. حين يستعيد الإنسان هذا المعنى، تستعيد السياسة وظيفتها، وتستعيد الكلمة حرارتها، ويستأنف الوطن حضوره في ضمير المواطن.
https://alsabaah.iq/124095-.html
تلقيت هدية عزيزة من أخ عزيز، هو الدكتور مختار خماس. الهدية كتاب: "التفلسف والتصوف: قصة تواشج"، للمفكر الجزائري الدكتور محمد شوقي الزين. الكتاب ككتابات الزين الأخرى المعروفة بعلميتها ورصانتها، وكثافة لغتها، واقتصاد كلماتها، فلم يرهق المؤلف كتابه باستطرادات لا ضرورة لها، وفائض لفظي لا قيمة له. كتابه يعكس تفلسفًا صبورًا للكشف عن الصلة بين التفلسف والتصوف. ذكرني هذا الكتاب بكتاب ابن رشد الشهير: "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال". صلة التفلسف بالتصوف قضية خلافية، بحثها الفلاسفة منذ العصر اليوناني، ومدرسة الاسكندرية، وفلاسفة الإسلام، والفلسفة الغربية في العصر الوسيط والحديث، وما زالت تبحث حتى اليوم. المقدمة الرائعة التي كتبها مختار خماس ترسم خارطة أولية واضحة لرؤية المؤلف، وما ينشده في كتابه هذا. اقترح في النشرة القادمة لهذا الكتاب عدم الاقتصار على آراء ومواقف مَن يدعم رؤية الكتاب، لأن الفلسفة مرجعيتها في النفي الاثبات هو العقل لا غير، والعقل غير الكشف والشهود والذوق لدى المتصوف. يتساءل القارئ الخبير بالفلسفة: أين يضع المؤلف مواقف أهم مدارس الفلسفة في القرنين التاسع عشر والعشرين، التي كانت ومازالت منطلقًا للمدارس الفلسفية الكبرى، وطبعت العقل الفلسفي لعصرنا، مثل: مدرسة فرانكفورت، وحلقة ڤينا، والوجودية غير الإيمانية، وغير ذلك من مدارس فلسفية مثيرة ومؤثرة، لا تلتقي مع التصوف بأي شكل من الأشكال.
https://www.facebook.com/share/p/1D2WkKJ5sj/?
https://www.facebook.com/share/p/1D2WkKJ5sj/?
الحق في الكرامة والهوية المغلقة
د. عبد الجبار الرفاعي
الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسسة أو الجماعة. كل دين لا يتخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس دينًا إنسانيًا. جوهر إنسانية الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كل أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم. لا يتحقق دين الرحمة والمحبة والكرامة والمساواة والحرية، من دون مناهضة احتقار الإنسان، ورفض إذلاله، وانتهاك كرامته، وسلب حريته، بسبب اختلاف العقيدة، أو اللون، أو الطبقة، أو الجنس. الكرامة لا تتحقق من دون مساواة، والعدالة لا تقوم بلا كرامة. خلق الله الناس متساوين في إنسانيتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقي للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع. تختبر أخلاقية أي ديانة بما ترسخه من قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة والحقوق، وبما تسهم فيه من تحرير الإنسان من الاستعباد بكل صوره، وبقدرتها على حمايته من الإحتقار والإذلال والنبذ والاستعباد.
الدين بمعناه الروحي والأخلاقي والجمالي ليس هوية مغلقة ترفض حق الإنسان في أن يكون مختلفًا، بل هو رسالة روحية أخلاقية جمالية تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعًا، لا لجماعة دون أخرى. الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا يصبح هوية مغلقة، تنكر حق الإنسان في أن يكون مختلفًا في معتقده، أو في تدينه، أو في تميز فهمه للحياة ورؤيته للعالم. العدالة إذا لم تتأسس على المساواة تفرغ من كونها عدالة، لأنها لا تنصف الإنسان، ولا تفي بحقه في الكرامة والحرية. الكرامة ضرورة للفرد كما هي ضرورة للمجتمع، تبدأ بكرامة الفرد وتنتهي بكرامة المجتمع. لا كرامة لأمة تهان فيها كرامة أبنائها، ولا لمجتمع تستلب فيه حرية أفراده وتنتهك إنسانيتهم. لا يمكن تصور وطن كريم وأفراده محتقرون، أو مجتمع متضامن وأفراده مهمشون، أو دولة تروج لحداثة شكلية ومظاهر زائفة للتدين، وهي تهمش إنسانها وتجرده من كرامته. كل مجتمع تنتهك فيه الكرامة الفردية هو مجتمع مهدد في إنسانيته ومعرض لانهيار بنيته القيمية. ما دام الفرد مهانًا فلا كرامة لمجتمعه ولا لمؤسساته ولا لدولته، مهما رفعت من شعارات أو تزينت بأقنعة براقة تخفي تصدعها الأخلاقي.
هناك قيم كونية واحدة تتجلى في الكرامة والحرية والمساواة والعدل. هذه القيم ليست حاجة طارئة تعكس ضرورات ظرفية مؤقتة، ولا منتجًا محليًا لثقافة بعينها، بل هي احتياج وجودي لكل إنسان بما هو إنسان، من دون التفات إلى لونه أو عرقه أو موطنه أو معتقده أو طبقته الاجتماعية أو لغته أو ثقافته. تصنيفات البشر في سلّم هرمي تُمنح فيه القيمة على أساس الهوية أو النسب أو اللون أو الدين لا تنتمي إلى جوهر الدين، بل تعبر عن ترسبات عصور الاستعباد، حين كانت الأديان تستثمر في شرعنة الهيمنة وتكريس الاستعلاء الديني أو العرقي أو الطبقي. لا ينكر حضور الهويات في المجتمعات المختلفة، فهي جزء من البناء الرمزي للشعوب، ومكون طبيعي للذاكرة الجمعية، لكن المرفوض هو تحول الهوية إلى عقيدة استعلائية مغلقة، تقصي الآخر وتنكر عليه حقه في الكرامة والحرية والمساواة، وفي أن يكون مختلفًا، أو أن يفكر خارج إكراهات الجماعة وأسوارها الهوياتية. القيم الكونية لا تلغي الهويات، لكنها تعيد بناء وعينا بها على نحو يحررها من النزعة الاحتكارية ويجعلها قابلة للتعايش، لا وسيلة للإقصاء أو التسلط أو الاستعباد والخضوع.
الكونية هي الميزان الذي تقاس به أبدية القيم الأخلاقية وشمولها وعبورها للزمان والمكان. الكونية تعني ما يمكن أن يكون عامًا من قيم روحية وأخلاقية وجمالية، بوصفها صالحة لكل إنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن دينه أو إثنيته أو ثقافته أو لغته أو موطنه أو نمط عيشه. الحياة الأخلاقية ليست ممكنة من دون الإيمان بوجود قيم تعبر عن المشترك الإنساني وتخاطب الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو تابع لهوية مخصوصة، أو مأسور في سجن انتماء لهوية مغلقة. لم تعد الكرامة والحرية والمساواة والعدالة قيمًا محلية أو غربية أو وافدة، كما يروج بعض دعاة الهوية المغلقة شرقًا وغربًا. هذه القيم ليست نتاج ثقافة مخصوصة، بل ثمرة معاناة الإنسان المريرة وتضحياته المفجعة آلاف السنين، للتحرر من الاستبداد والاستعباد والتمييز والاحتقار، وسجل لصراعه العنيف من أجل أن ينتزع الاعتراف بإنسانيته. الكونية في معناها العميق ليست نفيًا للخصوصية، بل هي اعتراف بإنسانية الإنسان قبل كل انتماء، وإقرار بأن الإنسان لا يستحق الكرامة لأنه مؤمن بمعتقد خاص أو منتم لأيديولوجيا أو هوية مغلقة، بل يستحق الكرامة والحرية والمساواة لأنه إنسان لا غير.
د. عبد الجبار الرفاعي
الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسسة أو الجماعة. كل دين لا يتخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس دينًا إنسانيًا. جوهر إنسانية الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كل أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم. لا يتحقق دين الرحمة والمحبة والكرامة والمساواة والحرية، من دون مناهضة احتقار الإنسان، ورفض إذلاله، وانتهاك كرامته، وسلب حريته، بسبب اختلاف العقيدة، أو اللون، أو الطبقة، أو الجنس. الكرامة لا تتحقق من دون مساواة، والعدالة لا تقوم بلا كرامة. خلق الله الناس متساوين في إنسانيتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقي للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع. تختبر أخلاقية أي ديانة بما ترسخه من قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة والحقوق، وبما تسهم فيه من تحرير الإنسان من الاستعباد بكل صوره، وبقدرتها على حمايته من الإحتقار والإذلال والنبذ والاستعباد.
الدين بمعناه الروحي والأخلاقي والجمالي ليس هوية مغلقة ترفض حق الإنسان في أن يكون مختلفًا، بل هو رسالة روحية أخلاقية جمالية تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعًا، لا لجماعة دون أخرى. الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا يصبح هوية مغلقة، تنكر حق الإنسان في أن يكون مختلفًا في معتقده، أو في تدينه، أو في تميز فهمه للحياة ورؤيته للعالم. العدالة إذا لم تتأسس على المساواة تفرغ من كونها عدالة، لأنها لا تنصف الإنسان، ولا تفي بحقه في الكرامة والحرية. الكرامة ضرورة للفرد كما هي ضرورة للمجتمع، تبدأ بكرامة الفرد وتنتهي بكرامة المجتمع. لا كرامة لأمة تهان فيها كرامة أبنائها، ولا لمجتمع تستلب فيه حرية أفراده وتنتهك إنسانيتهم. لا يمكن تصور وطن كريم وأفراده محتقرون، أو مجتمع متضامن وأفراده مهمشون، أو دولة تروج لحداثة شكلية ومظاهر زائفة للتدين، وهي تهمش إنسانها وتجرده من كرامته. كل مجتمع تنتهك فيه الكرامة الفردية هو مجتمع مهدد في إنسانيته ومعرض لانهيار بنيته القيمية. ما دام الفرد مهانًا فلا كرامة لمجتمعه ولا لمؤسساته ولا لدولته، مهما رفعت من شعارات أو تزينت بأقنعة براقة تخفي تصدعها الأخلاقي.
هناك قيم كونية واحدة تتجلى في الكرامة والحرية والمساواة والعدل. هذه القيم ليست حاجة طارئة تعكس ضرورات ظرفية مؤقتة، ولا منتجًا محليًا لثقافة بعينها، بل هي احتياج وجودي لكل إنسان بما هو إنسان، من دون التفات إلى لونه أو عرقه أو موطنه أو معتقده أو طبقته الاجتماعية أو لغته أو ثقافته. تصنيفات البشر في سلّم هرمي تُمنح فيه القيمة على أساس الهوية أو النسب أو اللون أو الدين لا تنتمي إلى جوهر الدين، بل تعبر عن ترسبات عصور الاستعباد، حين كانت الأديان تستثمر في شرعنة الهيمنة وتكريس الاستعلاء الديني أو العرقي أو الطبقي. لا ينكر حضور الهويات في المجتمعات المختلفة، فهي جزء من البناء الرمزي للشعوب، ومكون طبيعي للذاكرة الجمعية، لكن المرفوض هو تحول الهوية إلى عقيدة استعلائية مغلقة، تقصي الآخر وتنكر عليه حقه في الكرامة والحرية والمساواة، وفي أن يكون مختلفًا، أو أن يفكر خارج إكراهات الجماعة وأسوارها الهوياتية. القيم الكونية لا تلغي الهويات، لكنها تعيد بناء وعينا بها على نحو يحررها من النزعة الاحتكارية ويجعلها قابلة للتعايش، لا وسيلة للإقصاء أو التسلط أو الاستعباد والخضوع.
الكونية هي الميزان الذي تقاس به أبدية القيم الأخلاقية وشمولها وعبورها للزمان والمكان. الكونية تعني ما يمكن أن يكون عامًا من قيم روحية وأخلاقية وجمالية، بوصفها صالحة لكل إنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن دينه أو إثنيته أو ثقافته أو لغته أو موطنه أو نمط عيشه. الحياة الأخلاقية ليست ممكنة من دون الإيمان بوجود قيم تعبر عن المشترك الإنساني وتخاطب الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو تابع لهوية مخصوصة، أو مأسور في سجن انتماء لهوية مغلقة. لم تعد الكرامة والحرية والمساواة والعدالة قيمًا محلية أو غربية أو وافدة، كما يروج بعض دعاة الهوية المغلقة شرقًا وغربًا. هذه القيم ليست نتاج ثقافة مخصوصة، بل ثمرة معاناة الإنسان المريرة وتضحياته المفجعة آلاف السنين، للتحرر من الاستبداد والاستعباد والتمييز والاحتقار، وسجل لصراعه العنيف من أجل أن ينتزع الاعتراف بإنسانيته. الكونية في معناها العميق ليست نفيًا للخصوصية، بل هي اعتراف بإنسانية الإنسان قبل كل انتماء، وإقرار بأن الإنسان لا يستحق الكرامة لأنه مؤمن بمعتقد خاص أو منتم لأيديولوجيا أو هوية مغلقة، بل يستحق الكرامة والحرية والمساواة لأنه إنسان لا غير.
ما يرفع من شعارات عن الخصوصية والأصالة والهوية الثقافية كثيرًا ما تكون قناعًا مموهًا لرفض حقوق الإنسان الكونية، وتبرير التمييز، واستمرار استعباد المختلف، وإعادة إنتاج التفوق الديني أو الإثني أو الثقافي أو الجغرافي، وإن تلبس ذلك بلغة الأصالة أو حماية الذات الحضارية. الخصوصية حين تنقلب إلى أداة لنفي الإنسان تفتقر إلى معناها الإنساني، وتناهض التفاعل الخلّاق بين الثقافات. لا معنى لهوية دينية أو قومية أو ثقافية تنتج الكراهية، وتكرس التمييز، وتقصي المختلف. الكونية لا تلغي التنوع بل تحتضنه، وتؤسس لفهم تعددي للوجود الإنساني داخل إطار احترام الكرامة الإنسانية والحقوق المتساوية. الكرامة لا تكون كرامة إلا إذا شملت الجميع من دون استثناء، ولا يعلق الاعتراف بها على شرط الإيمان أو الطاعة أو الولاء لهوية محددة.
الولادة الثانية للدين في المتخيل الجمعي، كما أنتجتها المؤسسات الدينية، ورسختها المجتمعات الدينية عبر العصور، لا تشبه الولادة الأولى لحظة الوحي. ففي لحظة الوحي كان الدين نداء للحرية، وبشارة بالكرامة، ورسالة للعدل والمساواة. لكن هذه الرسالة شوهت حين أعيد إنتاج التراتبية باسم الدين، وأسبغت شرعية دينية على التمييز والاستعلاء وحتى الاستعباد. وتشوهت طرائق التربية الروحية، التي يفترض بها أن تعبر حدود التراتب وتسمو على الفوارق والامتيازات، فلم تسلم من هذا المرض. العلاقة بين الشيخ والمريد كما تجلت في كثير من الطرق الصوفية كثيرًا ما أعيد إنتاجها بوصفها علاقة سيادة وخضوع، لا علاقة تربية روحية أفقها الحرية، ومداها الأنس بالسير إلى الله. تحول الشيخ إلى رمز مطلق للسلطة الروحية، والمريد إلى تابع مقهور منزوع الإرادة، ينتزع منه صوته باسم الأدب، ويسلب عقله باسم التسليم. لا خلاص من هذه التراتبية المقيتة إلا بإحياء روح الدين ومقاصده الروحية والأخلاقية والجمالية، وقراءة النصوص الدينية في أفق القيم الكونية التي ينشدها الإنسان اليوم، في: الكرامة والحرية والمساواة والعدالة. فكل ما يناقض هذه القيم حتى وإن تستر بالدين هو نقيض لإنسانية الدين ومضاد لجوهر رسالته.
القيم الأخلاقية يحتاجها كل إنسان بوصفه إنسانًا. ليست الأخلاق الكونية خاصة بهوية أو قومية أو جنس أو لون أو ثقافة أو ديانة أو زمان أو مكان. التعبير عن الأخلاق في مواقف الإنسان وسلوكه يعكس وعيه بالحق في الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، وسعيه لتجسيد هذه القيم في حياته. كما تعبر الأخلاق عن حق الذات في الكرامة والمساواة والحرية والعدالة، فإنها بموازاة ذلك تعبر عن حق الذات الإنسانية الأخرى بهذه الحقوق بالدرجة ذاتها، مهما كانت مختلفة في الهوية أو القومية أو المعتقد أو الجنس أو اللون أو الموطن. هذه الحقوق هي الأفق الأبدي الذي يسعى الإنسان بما هو إنسان إلى تحقيقه في حياته.
من صور الكرامة المهدورة المتفشية في مجتمعات عديدة اليوم ظاهرة ما يسمى بالخدم، والتعامل معهم وكأنهم لا يفكرون ولا يشعرون ولا يتألمون مثل كل إنسان. عندما لا تحضر كرامة الآخر في الوعي الجمعي يحدث ما يشبه التواطؤ على غض النظر عن إهدار كرامته. كأن أكثر الناس لا يعرفون أن كرامة هذا الإنسان هبة الخالق له، وهي مكون عميق لكينونته الوجودية لا يمكن سلبها منه. هذا الإنسان قد يكون أذكى وأنبل ممن يستخدمه، لكن أكرهته الفاقة والحرمان والجوع، وانعدام فرص العمل الكريم على الزج بنفسه في هذا النوع من العمل المزري الذي يمتهن فيه الإنسان. هذا الإنسان ينفعل، ويتألم، ويحزن، ويكره، ويحب، ويشعر بالسعادة، ويسأم، وينزف قلبه أسى لحظة تعرضه للإهانة والاحتقار والتنكيل. مع ذلك يتعامل كثير ممن يستخدمونه وكأنه محكوم بالاكتئاب والأسى الأبدي. هذا الإنسان له احتياجات جسدية وعاطفية ونفسية وروحية وأخلاقية. يحتاج الحياة العاطفية والجنسية مثلما يحتاجها كل كائن بشري. يحتاج الضحك، والبكاء، والفرح، والحب، والرحمة، والحنان. يحتاج الاعتراف به وبمنجزه مهما كان، يحتاج الاحترام والشكر والتبجيل والتكريم، كما يحتاج ذلك كل إنسان. أحيانًا يحتاج التأوه والتوجع والاستغاثة والصراخ، مثلما يحتاج كل كائن بشري يرزح تحت نير الاحتقار وإهدار الكرامة. هذا الإنسان الضحية محروم من كل ذلك في العلن غالبًا، لأن أكثر مَن يستخدمونه لا يشعرون بضراوة الألم الذي يكابده، ولا بالجروح النازفة في قلبه، ولا بالحريق المتواصل في أعماقه.
الولادة الثانية للدين في المتخيل الجمعي، كما أنتجتها المؤسسات الدينية، ورسختها المجتمعات الدينية عبر العصور، لا تشبه الولادة الأولى لحظة الوحي. ففي لحظة الوحي كان الدين نداء للحرية، وبشارة بالكرامة، ورسالة للعدل والمساواة. لكن هذه الرسالة شوهت حين أعيد إنتاج التراتبية باسم الدين، وأسبغت شرعية دينية على التمييز والاستعلاء وحتى الاستعباد. وتشوهت طرائق التربية الروحية، التي يفترض بها أن تعبر حدود التراتب وتسمو على الفوارق والامتيازات، فلم تسلم من هذا المرض. العلاقة بين الشيخ والمريد كما تجلت في كثير من الطرق الصوفية كثيرًا ما أعيد إنتاجها بوصفها علاقة سيادة وخضوع، لا علاقة تربية روحية أفقها الحرية، ومداها الأنس بالسير إلى الله. تحول الشيخ إلى رمز مطلق للسلطة الروحية، والمريد إلى تابع مقهور منزوع الإرادة، ينتزع منه صوته باسم الأدب، ويسلب عقله باسم التسليم. لا خلاص من هذه التراتبية المقيتة إلا بإحياء روح الدين ومقاصده الروحية والأخلاقية والجمالية، وقراءة النصوص الدينية في أفق القيم الكونية التي ينشدها الإنسان اليوم، في: الكرامة والحرية والمساواة والعدالة. فكل ما يناقض هذه القيم حتى وإن تستر بالدين هو نقيض لإنسانية الدين ومضاد لجوهر رسالته.
القيم الأخلاقية يحتاجها كل إنسان بوصفه إنسانًا. ليست الأخلاق الكونية خاصة بهوية أو قومية أو جنس أو لون أو ثقافة أو ديانة أو زمان أو مكان. التعبير عن الأخلاق في مواقف الإنسان وسلوكه يعكس وعيه بالحق في الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، وسعيه لتجسيد هذه القيم في حياته. كما تعبر الأخلاق عن حق الذات في الكرامة والمساواة والحرية والعدالة، فإنها بموازاة ذلك تعبر عن حق الذات الإنسانية الأخرى بهذه الحقوق بالدرجة ذاتها، مهما كانت مختلفة في الهوية أو القومية أو المعتقد أو الجنس أو اللون أو الموطن. هذه الحقوق هي الأفق الأبدي الذي يسعى الإنسان بما هو إنسان إلى تحقيقه في حياته.
من صور الكرامة المهدورة المتفشية في مجتمعات عديدة اليوم ظاهرة ما يسمى بالخدم، والتعامل معهم وكأنهم لا يفكرون ولا يشعرون ولا يتألمون مثل كل إنسان. عندما لا تحضر كرامة الآخر في الوعي الجمعي يحدث ما يشبه التواطؤ على غض النظر عن إهدار كرامته. كأن أكثر الناس لا يعرفون أن كرامة هذا الإنسان هبة الخالق له، وهي مكون عميق لكينونته الوجودية لا يمكن سلبها منه. هذا الإنسان قد يكون أذكى وأنبل ممن يستخدمه، لكن أكرهته الفاقة والحرمان والجوع، وانعدام فرص العمل الكريم على الزج بنفسه في هذا النوع من العمل المزري الذي يمتهن فيه الإنسان. هذا الإنسان ينفعل، ويتألم، ويحزن، ويكره، ويحب، ويشعر بالسعادة، ويسأم، وينزف قلبه أسى لحظة تعرضه للإهانة والاحتقار والتنكيل. مع ذلك يتعامل كثير ممن يستخدمونه وكأنه محكوم بالاكتئاب والأسى الأبدي. هذا الإنسان له احتياجات جسدية وعاطفية ونفسية وروحية وأخلاقية. يحتاج الحياة العاطفية والجنسية مثلما يحتاجها كل كائن بشري. يحتاج الضحك، والبكاء، والفرح، والحب، والرحمة، والحنان. يحتاج الاعتراف به وبمنجزه مهما كان، يحتاج الاحترام والشكر والتبجيل والتكريم، كما يحتاج ذلك كل إنسان. أحيانًا يحتاج التأوه والتوجع والاستغاثة والصراخ، مثلما يحتاج كل كائن بشري يرزح تحت نير الاحتقار وإهدار الكرامة. هذا الإنسان الضحية محروم من كل ذلك في العلن غالبًا، لأن أكثر مَن يستخدمونه لا يشعرون بضراوة الألم الذي يكابده، ولا بالجروح النازفة في قلبه، ولا بالحريق المتواصل في أعماقه.
يملي علينا الموقف الأخلاقي أن نفضح منابع الكراهية والتعصب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين أخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقي. إن تنمية الوعي الأخلاقي وإيقاظ الضمير تستدعي مراجعة ما ترسب في تراثنا من عنف باسم المقدس، وأحكام إقصائية، ورؤى مغلقة، ومقولات تحرض على الكراهية، وتعيد إنتاج العداوة، وتفرق بين الناس على أساس الدين والمذهب والهوية.
لا يمكن أن نقدم فهمًا إنسانيًا للدين ما لم نعترف بما في تراثنا من أخطاء مريرة أسهمت في تشويه صورة الدين، وتحويله إلى أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعًا للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة والعدالة. الدين، كما أفهمه، ليس مدونة أحكام فقط، ولا هو خزان لمرويات العنف، بل هو طاقة روحية وأخلاقية ملهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيا كان دينه أو انتماؤه. إن أول الطريق لتحرير الدين من تواطئه مع العنف، هو الاعتراف الصريح بما في ماضينا من عنف ومظالم باسم المقدس، ومراجعة تراثنا الذي كرست مقولاته الكلامية وأحكامه الاستعلاءَ المذهبي والديني والعرقي، ورفضت حق الآخر في أن يكون مختلفًا. https://alsabaah.iq/124494-.html
لا يمكن أن نقدم فهمًا إنسانيًا للدين ما لم نعترف بما في تراثنا من أخطاء مريرة أسهمت في تشويه صورة الدين، وتحويله إلى أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعًا للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة والعدالة. الدين، كما أفهمه، ليس مدونة أحكام فقط، ولا هو خزان لمرويات العنف، بل هو طاقة روحية وأخلاقية ملهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيا كان دينه أو انتماؤه. إن أول الطريق لتحرير الدين من تواطئه مع العنف، هو الاعتراف الصريح بما في ماضينا من عنف ومظالم باسم المقدس، ومراجعة تراثنا الذي كرست مقولاته الكلامية وأحكامه الاستعلاءَ المذهبي والديني والعرقي، ورفضت حق الآخر في أن يكون مختلفًا. https://alsabaah.iq/124494-.html
في العصر الرقمي تتغير التعريفات
د. عبد الجبار الرفاعي
مع كل ثورة تكنولوجية كبرى يولد الإنسان من جديد، ويعيد تعريف ذاته ومعنى وجوده. حتى لو قاوم هذه الثورة أو أوهم نفسه بالانفصال عنها، فإنها تفرض حضورها على الإنسان حيثما وأنى كان. وإن كانت آثارها تتفاوت من مجتمع لآخر، إلا أنها بوصفها قدرًا لا مهرب منه، تعيد إنتاج الواقع بكل ما فيه، وتعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته للعالم ونمط عيشه، وتفرض عليه أن يصير تابعًا لها، ما لم يمتلك أدوات الفهم والتمثل والتكيف، كي يواكبها ويقطف ثمراتها. بقدر ما يمتلك الإنسان التكنولوجيا يمتلك إمكانية التحرر منها، وإن عجز عن ذلك استعبدته، وتحولت إلى سجن يصادر حريته ويبتلع وجوده. التكنولوجيا لا تهمش الإنسان، بل تتيح له فرصًا للارتقاء بذاته وتوسيع آفاق حياته، متى ما كان قادرًا على الإصغاء لتحولاتها، واستثمار هذه الفرص بما ينسجم مع ولادته الجديدة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل أشد هذه الثورات عمقًا وتأثيرًا في إعادة تشكيل الحياة البشرية، وخلخلة مفاهيم الإنسان وتعريفه لذاته والعالم من حوله. مَن يستوعب هذا التحول ويدرك أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والقيمية والاجتماعية والثقافية، ويتمكن من بناء مهارات تتناغم مع ايقاعه المتعجل، وقدرة على توجيهه توجيهًا خلّاقًا، يستطيع أن يحول هذا التحدي إلى إمكان للتحرر والإبداع والابتكار والتطور. أما مَن يعجز عن ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لن يكون بالنسبة له ولمجتمعه سوى قوة منفلتة، تتغذى على ضعفه، وتتحول إلى تهديد دائم لسلامه الشخصي والمجتمعي وأمنه، وتزلزل كيفية عيشه وعلاقاته ونمط حياته.
في العصر الرقمي تتغير التعريفات وتتبدل، فمثلًا يتغير تعريف الزمن ويجري اختزاله، تبعًا لما ينجزه هذا الذكاء من إنتاج اقتصادي وابتكار علمي وابداع معرفي وتطور تكنولوجي واثراء ثقافي وبناء قيمي، فلم يعد القرن يعني مائة سنة، ولا العقد يعني عشر سنوات، ولا السنة تعني اثني عشر شهرًا، ولا الشهر يعني ثلاثين يومًا، ولا اليوم يعني أربعًا وعشرين ساعة، إذ غدا الزمن مضغوطًا تتراكم فيه الأحداث والاختراعات والمعارف وتتلاحق بسرعة فائقة، كما لو أنها تتزاحم في لحظة واحدة. وصار الإنسان يعيش في تيار متعجل من التحولات لا يمنحه فسحة للتأمل أو المراجعة، بعدما انتقل الزمن من كونه وعاءً للأحداث إلى كونه طاقة خلّاقة تبتكر الإيقاع والمعنى في آن واحد، فصار الحاضر يتسع للماضي والمستقبل معًا، وصار الوجود الإنساني يقاس بما ينجزه المرء في لحظته لا بما تمضي عليه من سنوات، حتى أصبح التحدي الأكبر في هذا العصر هو استعادة المعنى الإنساني للزمن، قبل أن يتحول الإنسان إلى ظل يركض خلف سرعة الذكاء الاصطناعي وما تحققه الروبوتات.
شركات الذكاء الاصطناعي اليوم هي الأغنى رأسمالًا من كل الشركات عبر التاريخ، رأسمالها ينمو باستمرار. لم يشهد الاقتصاد تراكمًا لرأسمال بهذه الوتيرة من السرعة الفائقة وبهذه الأحجام، بنحو صار يتضاعف بمرور الزمن سريعًا، فمثلًا بلغت القيمة السوقية على وفق تقارير متعددة، لشركة إنفيديا (NVIDIA) 4.54 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، ما جعلها الشركة الأعلى قيمة في العالم. وذلك يتماشى مع تقارير حديثة تشير إلى أن إنفيديا أصبحت أول شركة مدرجة علنًا تصل إلى هذا الإنجاز التاريخي، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي. والقيمة السوقية لشركة أبل (Apple) تقدر بحوالي 4.20 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وزيادة الطلب على أجهزة آيفون. وبلغت القيمة السوقية لشركة مايكروسوفت (Microsoft) حوالي 3.574 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025. وفي التاريخ ذاته بلغت القيمة السوقية لشركة Amazon نحو 2.454 تريليون دولار أمريكي، بينما وصلت القيمة السوقية لشركة Alphabet (Google) إلى ما يقارب 3.84 تريليون دولار أمريكي، أما شركة Meta فكانت قيمتها السوقية في ذلك الوقت بحدود 1.54 تريليون دولار أمريكي. وهذه الأرقام تعكس موقع هذه الشركات في قمة الاقتصاد الرقمي العالمي خلال تلك الفترة.
د. عبد الجبار الرفاعي
مع كل ثورة تكنولوجية كبرى يولد الإنسان من جديد، ويعيد تعريف ذاته ومعنى وجوده. حتى لو قاوم هذه الثورة أو أوهم نفسه بالانفصال عنها، فإنها تفرض حضورها على الإنسان حيثما وأنى كان. وإن كانت آثارها تتفاوت من مجتمع لآخر، إلا أنها بوصفها قدرًا لا مهرب منه، تعيد إنتاج الواقع بكل ما فيه، وتعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته للعالم ونمط عيشه، وتفرض عليه أن يصير تابعًا لها، ما لم يمتلك أدوات الفهم والتمثل والتكيف، كي يواكبها ويقطف ثمراتها. بقدر ما يمتلك الإنسان التكنولوجيا يمتلك إمكانية التحرر منها، وإن عجز عن ذلك استعبدته، وتحولت إلى سجن يصادر حريته ويبتلع وجوده. التكنولوجيا لا تهمش الإنسان، بل تتيح له فرصًا للارتقاء بذاته وتوسيع آفاق حياته، متى ما كان قادرًا على الإصغاء لتحولاتها، واستثمار هذه الفرص بما ينسجم مع ولادته الجديدة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل أشد هذه الثورات عمقًا وتأثيرًا في إعادة تشكيل الحياة البشرية، وخلخلة مفاهيم الإنسان وتعريفه لذاته والعالم من حوله. مَن يستوعب هذا التحول ويدرك أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والقيمية والاجتماعية والثقافية، ويتمكن من بناء مهارات تتناغم مع ايقاعه المتعجل، وقدرة على توجيهه توجيهًا خلّاقًا، يستطيع أن يحول هذا التحدي إلى إمكان للتحرر والإبداع والابتكار والتطور. أما مَن يعجز عن ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لن يكون بالنسبة له ولمجتمعه سوى قوة منفلتة، تتغذى على ضعفه، وتتحول إلى تهديد دائم لسلامه الشخصي والمجتمعي وأمنه، وتزلزل كيفية عيشه وعلاقاته ونمط حياته.
في العصر الرقمي تتغير التعريفات وتتبدل، فمثلًا يتغير تعريف الزمن ويجري اختزاله، تبعًا لما ينجزه هذا الذكاء من إنتاج اقتصادي وابتكار علمي وابداع معرفي وتطور تكنولوجي واثراء ثقافي وبناء قيمي، فلم يعد القرن يعني مائة سنة، ولا العقد يعني عشر سنوات، ولا السنة تعني اثني عشر شهرًا، ولا الشهر يعني ثلاثين يومًا، ولا اليوم يعني أربعًا وعشرين ساعة، إذ غدا الزمن مضغوطًا تتراكم فيه الأحداث والاختراعات والمعارف وتتلاحق بسرعة فائقة، كما لو أنها تتزاحم في لحظة واحدة. وصار الإنسان يعيش في تيار متعجل من التحولات لا يمنحه فسحة للتأمل أو المراجعة، بعدما انتقل الزمن من كونه وعاءً للأحداث إلى كونه طاقة خلّاقة تبتكر الإيقاع والمعنى في آن واحد، فصار الحاضر يتسع للماضي والمستقبل معًا، وصار الوجود الإنساني يقاس بما ينجزه المرء في لحظته لا بما تمضي عليه من سنوات، حتى أصبح التحدي الأكبر في هذا العصر هو استعادة المعنى الإنساني للزمن، قبل أن يتحول الإنسان إلى ظل يركض خلف سرعة الذكاء الاصطناعي وما تحققه الروبوتات.
شركات الذكاء الاصطناعي اليوم هي الأغنى رأسمالًا من كل الشركات عبر التاريخ، رأسمالها ينمو باستمرار. لم يشهد الاقتصاد تراكمًا لرأسمال بهذه الوتيرة من السرعة الفائقة وبهذه الأحجام، بنحو صار يتضاعف بمرور الزمن سريعًا، فمثلًا بلغت القيمة السوقية على وفق تقارير متعددة، لشركة إنفيديا (NVIDIA) 4.54 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، ما جعلها الشركة الأعلى قيمة في العالم. وذلك يتماشى مع تقارير حديثة تشير إلى أن إنفيديا أصبحت أول شركة مدرجة علنًا تصل إلى هذا الإنجاز التاريخي، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي. والقيمة السوقية لشركة أبل (Apple) تقدر بحوالي 4.20 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وزيادة الطلب على أجهزة آيفون. وبلغت القيمة السوقية لشركة مايكروسوفت (Microsoft) حوالي 3.574 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025. وفي التاريخ ذاته بلغت القيمة السوقية لشركة Amazon نحو 2.454 تريليون دولار أمريكي، بينما وصلت القيمة السوقية لشركة Alphabet (Google) إلى ما يقارب 3.84 تريليون دولار أمريكي، أما شركة Meta فكانت قيمتها السوقية في ذلك الوقت بحدود 1.54 تريليون دولار أمريكي. وهذه الأرقام تعكس موقع هذه الشركات في قمة الاقتصاد الرقمي العالمي خلال تلك الفترة.
يتضخم عاجلًا رأسمال الشركات الكبرى المنتجة للرقائق والفاعلة في الذكاء الاصطناعي حتى تخلق سلطة تخضع لها الحكومات والسلطات السياسية، إذ تتدخل في رسم صورة الدولة وتوجيه اقتصادها وسياساتها من الداخل، وتمتلك قدرة واسعة على التأثير في هندسة إدارة الحكم ومرافقه وبناء الدولة وفقًا لما يحقق أهدافها، وفي تشكيل وعي المؤسسات التي ينهض عليها تدبير الشأن العام. ويغدو رأسمالي مثل ايلان ماسك قادرًا على التأثير في سياسة بلده وسياسات بلدان أخرى بمقدار ما يتيحه رأسماله من نفوذ، وما تمنحه شركاته من فاعلية في الاقتصاد، فيتسع أثره على صناعة القرار، ويتغلغل في مسارات الاقتصاد والثقافة والتربية والاعلام، ويتحول حضوره الى قوة تتجاوز حدود السوق لتلامس حدود الدولة والمجتمع، حيث يتخذ رأس المال موقعًا مرجعيًا في توجيه الحياة العامة، وفي إعادة تشكيل شخصية الفرد وبناء الجماعة وفق ما يحقق أقصى عائد ممكن.
تتمدد هذه الشركات من الاقتصاد والتقنية إلى بناء التربية والتعليم، والثقافة والاعلام، والقيم والسلوك، فتتدخل في صياغة العلاقات الدولية والاقليمية، وتعيد ترتيب مواقع الدول وفق مصالحها، وتشكيل المجتمع والفرد معًا، من خلال منظومات رقمية تعيد تعريف حاجات الإنسان وطريقة عيشه، وتتحكم بميول الإنسان وخياراته، وتفتعل احتياجات فائضة عن اللزوم. تقترب هذه الشركات من موقع السلطة المتسيدة بسبب حجم رأسمالها الهائل، وقوة حضورها في البنية التحتية للدول، فتعمل ببراعة على توجيه العالم نحو ما يحقق لها أعلى قيمة من الأرباح، عبر كل وسيلة تراها مناسبة، مشروعة أو غير مشروعة، من دون أن تنشغل بالأثر الروحي والاخلاقي والجمالي والقيم التي تتطلبها حياة الإنسان، كأن الإنسان يتحول بواسطتها الى مجرد رقم في سوق مفتوح تعاد صياغته باستمرار بما يخدم مصالحها الخاصة.
وسائل التواصل وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لم تعد أدوات محايدة، بل غدت بيئات قيمية تصوغ معاييرها الخاصة، وتنتج نمطًا جديدًا من العلاقات الاجتماعية لا يشبه ما ألفته أجيال الأمس. لم تعد هذه الوسائل مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى منظومات تصوغ السلوك، وتعيد تشكيل إدراك الإنسان لذاته وللآخرين، وتؤسس لعالم مختلف في الإحساس بالعلاقة بالآخر، وتكييف منابع المعنى. وعي الآباء بهذه التحولات، وتفهمهم لما تفرضه هذه الوسائل من أنماط مختلفة في التفكير والسلوك لم يعد ترفًا أو خيارًا، بل ضرورة تمليها التحولات العميقة في العلاقة بين جيل الآباء وجيل الأبناء. المسافة بين الجيلين لا تتسع فقط بسبب العمر، بل تتعمق بفعل الفجوة الرقمية، وتباين مصادر المعرفة، وتغاير المرجعيات التي يتشكل منها الوعي. وسائل التواصل اليوم وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تملك تأثيرًا سحريًا فائقًا، لا لأنها تحجب الواقع أو تغلفه فقط، بل لأنها تصنع واقعا موازيًا يزاحم الواقع ويتغلب عليه، ويتقدمه أحيانًا، ويغدو المصدر الأول لتشكيل رؤيتنا للعالم. في هذا الواقع المصطنع تصاغ معتقداتنا، وتعاد تعريفات مفاهيمنا، وتتشكل آراؤنا، وترسم خرائط سياساتنا، وتنتج رموزنا، وتبنى مواقفنا، وتحاك أحلامنا. نحن نعيش في عالم هجين يمتزج فيه الواقعي بالافتراضي، وتتفشى فيها المحاكاة، ويتداخل فيه الحضور الفيزيائي بالوجود الرمزي. هذا الواقع الهجين يفرض على التربية أن تعيد بناء رؤيتها، وأن تؤسس لقيم جديدة في فهم العلاقة بين الأجيال، تتلاءم مع بنية الوعي المتحولة، وتستجيب لتحولات التأثير، ومصادر تشكيل الوعي والوجدان والهوية.
يتغير معنى القيم والدين والأخلاق والعلم والمعرفة في العصر الرقمي، لأن البيئة التي تولد فيها المفاهيم تبدلت جذريًا؛ فالقيم تنتقل من منظومات ثابتة إلى قيم تشكّلها الخوارزميات والبيانات وثقافة المنصات، فتتحول الخصوصية إلى سلعة، والوقت إلى عملة، والاعتراف الاجتماعي إلى ظهور رقمي. ويتراجع الدين المؤسسي لصالح التجارب الدينية الفردية المفتوحة على تفسيرات لا نهائية للنصوص الدينية، وتنتشر الروحانيات التي تمنح الإنسان علاقة شخصية مع الغيب تتجاوز احتكار المفسرين في المؤسسات الدينية. وتتشكل الأخلاق بوصفها مسؤولية تصميم تكنولوجي لا مجرد حكم عقل عملي بالحسن والقبح، وتتزحزح المعاني المتعارفة للحقوق والجرائم والجنايات والعقوبات، إذ تظهر أسئلة لم يعرفها التاريخ، مثل: مسؤولية السيارة الذاتية القيادة عن القتل، أو تأثير الخوارزميات الموجهة في إنتاج خطاب الكراهية، وأمثال ذلك. ويتحول العلم من التجريب المختبري إلى التجريب الحسابي عبر المحاكاة والذكاء الاصطناعي الذي يفك ألغاز البروتينات، ويكتشف ويطور أدوية أمراض السرطان وأمراض عجز الطب من قبل عن اكتشاف لقاحات وعلاجات فاعلة لها.
تتمدد هذه الشركات من الاقتصاد والتقنية إلى بناء التربية والتعليم، والثقافة والاعلام، والقيم والسلوك، فتتدخل في صياغة العلاقات الدولية والاقليمية، وتعيد ترتيب مواقع الدول وفق مصالحها، وتشكيل المجتمع والفرد معًا، من خلال منظومات رقمية تعيد تعريف حاجات الإنسان وطريقة عيشه، وتتحكم بميول الإنسان وخياراته، وتفتعل احتياجات فائضة عن اللزوم. تقترب هذه الشركات من موقع السلطة المتسيدة بسبب حجم رأسمالها الهائل، وقوة حضورها في البنية التحتية للدول، فتعمل ببراعة على توجيه العالم نحو ما يحقق لها أعلى قيمة من الأرباح، عبر كل وسيلة تراها مناسبة، مشروعة أو غير مشروعة، من دون أن تنشغل بالأثر الروحي والاخلاقي والجمالي والقيم التي تتطلبها حياة الإنسان، كأن الإنسان يتحول بواسطتها الى مجرد رقم في سوق مفتوح تعاد صياغته باستمرار بما يخدم مصالحها الخاصة.
وسائل التواصل وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لم تعد أدوات محايدة، بل غدت بيئات قيمية تصوغ معاييرها الخاصة، وتنتج نمطًا جديدًا من العلاقات الاجتماعية لا يشبه ما ألفته أجيال الأمس. لم تعد هذه الوسائل مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى منظومات تصوغ السلوك، وتعيد تشكيل إدراك الإنسان لذاته وللآخرين، وتؤسس لعالم مختلف في الإحساس بالعلاقة بالآخر، وتكييف منابع المعنى. وعي الآباء بهذه التحولات، وتفهمهم لما تفرضه هذه الوسائل من أنماط مختلفة في التفكير والسلوك لم يعد ترفًا أو خيارًا، بل ضرورة تمليها التحولات العميقة في العلاقة بين جيل الآباء وجيل الأبناء. المسافة بين الجيلين لا تتسع فقط بسبب العمر، بل تتعمق بفعل الفجوة الرقمية، وتباين مصادر المعرفة، وتغاير المرجعيات التي يتشكل منها الوعي. وسائل التواصل اليوم وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تملك تأثيرًا سحريًا فائقًا، لا لأنها تحجب الواقع أو تغلفه فقط، بل لأنها تصنع واقعا موازيًا يزاحم الواقع ويتغلب عليه، ويتقدمه أحيانًا، ويغدو المصدر الأول لتشكيل رؤيتنا للعالم. في هذا الواقع المصطنع تصاغ معتقداتنا، وتعاد تعريفات مفاهيمنا، وتتشكل آراؤنا، وترسم خرائط سياساتنا، وتنتج رموزنا، وتبنى مواقفنا، وتحاك أحلامنا. نحن نعيش في عالم هجين يمتزج فيه الواقعي بالافتراضي، وتتفشى فيها المحاكاة، ويتداخل فيه الحضور الفيزيائي بالوجود الرمزي. هذا الواقع الهجين يفرض على التربية أن تعيد بناء رؤيتها، وأن تؤسس لقيم جديدة في فهم العلاقة بين الأجيال، تتلاءم مع بنية الوعي المتحولة، وتستجيب لتحولات التأثير، ومصادر تشكيل الوعي والوجدان والهوية.
يتغير معنى القيم والدين والأخلاق والعلم والمعرفة في العصر الرقمي، لأن البيئة التي تولد فيها المفاهيم تبدلت جذريًا؛ فالقيم تنتقل من منظومات ثابتة إلى قيم تشكّلها الخوارزميات والبيانات وثقافة المنصات، فتتحول الخصوصية إلى سلعة، والوقت إلى عملة، والاعتراف الاجتماعي إلى ظهور رقمي. ويتراجع الدين المؤسسي لصالح التجارب الدينية الفردية المفتوحة على تفسيرات لا نهائية للنصوص الدينية، وتنتشر الروحانيات التي تمنح الإنسان علاقة شخصية مع الغيب تتجاوز احتكار المفسرين في المؤسسات الدينية. وتتشكل الأخلاق بوصفها مسؤولية تصميم تكنولوجي لا مجرد حكم عقل عملي بالحسن والقبح، وتتزحزح المعاني المتعارفة للحقوق والجرائم والجنايات والعقوبات، إذ تظهر أسئلة لم يعرفها التاريخ، مثل: مسؤولية السيارة الذاتية القيادة عن القتل، أو تأثير الخوارزميات الموجهة في إنتاج خطاب الكراهية، وأمثال ذلك. ويتحول العلم من التجريب المختبري إلى التجريب الحسابي عبر المحاكاة والذكاء الاصطناعي الذي يفك ألغاز البروتينات، ويكتشف ويطور أدوية أمراض السرطان وأمراض عجز الطب من قبل عن اكتشاف لقاحات وعلاجات فاعلة لها.
في هذا الواقع يغدو الإنسان محتاجًا الى فلسفة جديدة توقظ وعيه، وتمنحه قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وتعينه على اكتشاف كيفية تشكل الحقيقة في العصر الرقمي، حيث تتدفق البيانات بلا انقطاع، وتتحول عبر الخوارزميات إلى صور ومعانٍ تعيد ترتيب وعيه ومفاهيمه الأساسية على نحو مستمر. في هذا الفضاء يتبدل إدراك الإنسان للعالم مع كل مرحلة من مراحل المعالجة الرقمية، فيحتاج ذهنه الى دربة فكرية، وشعوره إلى استعداد لإعادة بناء صلته بالمعنى، يقيه من الانجراف مع ما تصنعه الآليات الذكية من أوهام، حتى يستعيد الإنسان موقعه الفاعل، ويغدو قادرًا على أن يميز ما ينير ذهنه مما يشتته، ويميز ما يوسع أفقه الوجودي مما يصادر حريته ويطمس وعيه.
https://alsabaah.iq/124865-.html
https://alsabaah.iq/124865-.html
جريدة الصباح
في العصر الرقمي تتغير التعريفات » جريدة الصباح
د. عبد الجبار الرفاعي مع كل ثورة تكنولوجية كبرى يولد الإنسان من جديد، ويعيد تعريف ذاته ومعنى وجوده. حتى لو قاوم هذه الثورة أو أوهم نفسه بالانفصال عنها، فإنها تفرض حضورها على الإنسان حيثما وأنى كان. وإن كانت آثارها تتفاوت من مجتمع لآخر، إلا أنها بوصفها قدرًا…
صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس
د. عبد الجبار الرفاعي
أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.
لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.
تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. لم يتوقف سيكوندوس عند ذلك، بل مضى في اختبار أخلاقي مثير، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام .
د. عبد الجبار الرفاعي
أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.
لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.
تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. لم يتوقف سيكوندوس عند ذلك، بل مضى في اختبار أخلاقي مثير، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام .
ما وصلنا عن سيكوندوس يكشف عن اختيار واع للصمت بوصفه موقفًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عجزًا جسديًا ولا انسحابًا مرضيًا. يروى أنه امتنع عن الكلام حتى حين استدعاه الإمبراطور وسأله عن سبب صمته، فكان الامتناع ذاته جوابًا، في إشارة إلى أن المعنى يتجلى بالفعل أعمق مما يتجلى بالقول. ينسب إلى سيكوندوس نص قصير تداولته الثقافة اللاتينية والبيزنطية لاحقًا، يعرف بتعريفات سيكوندوس، ويضم أقوالًا مكثفة تعرف الإنسان والحياة والكلام والموت والصمت تعريفًا موجزًا. المفارقة في أن هذا النص المنسوب إلى فيلسوف صامت يقوم على اقتصاد شديد في اللغة،كأن الكلمة ولدت من رحم صمت طويل. الصمت عند سيكوندوس لا ينفي العقل ولا يحتقر الكلام، وإنما يحرس المعنى من الابتذال، ويحتج على عالم يسرف في الكلام حتى يبدد الحكمة. هكذا يغدو الصمت طريقة للعيش، وموقفًا من الوجود، وفعلًا فلسفيًا قائمًا على التأمل، يمنح الفلسفة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يرى أن بعض الحقائق تفسد حين تقال، وأن الحكمة أحيانًا تسكن فيما لا يقال أكثر مما تسكن فيما يقال.
أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس .
هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.
وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:
سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.
سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.
سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.
سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.
سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.
سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.
سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.
سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.
سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.
سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.
سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.
سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.
سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.
سأله هادريان: ما الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.
سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.
سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.
أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس .
هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.
وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:
سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.
سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.
سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.
سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.
سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.
سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.
سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.
سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.
سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.
سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.
سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.
سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.
سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.
سأله هادريان: ما الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.
سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.
سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.
سأله هادريان: ولماذا اخترت الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لأن أكثر الأسئلة لا تحتمل أجوبة، وأكثر الأجوبة تفسد الأسئلة. https://alsabaah.iq/125125-.html