العقل الفلسفي غير العقل الديني، وغير العقل الأيديولوجي. العقل الفلسفي يفكر خارج الأديان والأيديولوجيات والتقاليد والثقافات المجتمعية. الفلسفة تفرض على مَن يفكر فلسفيًا أن يحكم على كل قضية وفقًا لما يراه عقله لا غير. لا سلطة على العقل الفلسفي خارج العقل، العقل الفلسفي يفكر بحرية خارج الأسوار، ولا يخضع لأية وصايات، سواء أكانت هذه الوصايات مفروضة من سلطات أو أي أو أديان أو تقاليد مجتمعية.
#عبدالجبار_الرفاعي
#اليوم_العالمي_للفلسفة 20 نوفمبر 2025.
#عبدالجبار_الرفاعي
#اليوم_العالمي_للفلسفة 20 نوفمبر 2025.
صدر عن Center of Philosophy of Relegion Studies مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد كتاب: "الشر وإله المحبة"، تأليف: جون هيك، ترجمة: عبدالعاطي طلبة، مراجعة: عبدالجبار الرفاعي. هذا الكتاب مرجع أساسي في دراسة مشكلة الشر بأبعادها المختلفة وأسئلتها المتنوعة. مؤلف هذا الكتاب جون هيك من أشهر فلاسفة الدين في المائة سنة الأخيرة. مترجم هذا الكتاب عبد العاطي طلبة متخصص في الفلسفة وعلوم الدين، أمضى بترجمة الكتاب 4 سنوات متوالية، وبذل جهدًا استثنائيا في ترجمته، ومقابلته على النص الإنجليزي، وتكرار مراجعته عدة مرات. كان عبد العاطي يبعث لي بكل فصل يترجمه، فأنظر فيه، وأزوده بملاحظاتي. يقع الكتاب في 671 صفحة، مع تذييل يشتمل على قاموس لاهوتي فلسفي ومصطلحات ومفاهيم مفتاحية، وكشاف للأعلام والمصطلحات، من وضع المترجم. الكتاب منجم معلومات ثري، عميق في التحليل والاستنتاج واجتراح الأجوبة لأسئلة الشر، وكل ما يتعلق بها. اشترى مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد حقوق الترجمة من الناشر الأصلي، وتكفل بنفقات الترجمة. يباع الكتاب في مكتبات دار الرافدين ببيروت وبغداد والنجف والبصرة، وأجنحتها الحاضرة على الدوام في معارض الكتاب العربية. يتوفر الكتاب في معرض الكتاب الشهر القادم 2025 ببغداد بجناح Dar alrafidain دار الرافدين.
https://www.facebook.com/share/p/1JszHYEW8s/?mibextid=wwXIfr
https://www.facebook.com/share/p/1JszHYEW8s/?mibextid=wwXIfr
رأي قارئ مصري في كتابات الدكتور عبد الجبار الرفاعي المنشورة على منصته في مؤسسة هنداوي بالقاهرة
رأي قارئة سورية لديها ماجستير علم النفس من حلب في كتابات الدكتور عبد الجبار الرفاعي المنشورة على منصته في مؤسسة هنداوي بالقاهرة
#لغة_الدين رؤية في ضوء #فلسفة_الدين.
ندوة في المنتدى العالمي للغة العربية في إسبانيا، تحدث فيها: الدكتور #عبدلجبار_الرفاعي، أدار الندوة: الدكتور #أحمد_الكلابي.
https://youtu.be/Dp0_hu5jsuA?si=dKgyzlLEGSoy4wIg
ندوة في المنتدى العالمي للغة العربية في إسبانيا، تحدث فيها: الدكتور #عبدلجبار_الرفاعي، أدار الندوة: الدكتور #أحمد_الكلابي.
https://youtu.be/Dp0_hu5jsuA?si=dKgyzlLEGSoy4wIg
YouTube
#لغة_الدين: رؤية في ضوء #فلسفة_الدين، #عبدالجبار_الرفاعي
في شراك الأيديولوجيا.. أزمة الهوية الوطنية في فكر عبد الجبار الرفاعي
فاطمة أبو ناجي، كاتبة صحفية مغربية.
تعيش الهوية الوطنية في العراق مأزقاً مركّباً، إذ لم تعد رابطة الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك قادرة على الصمود أمام الولاءات الأيديولوجية التي تمزّق النسيج الوطني. هذه الإشكالية يتتبعها عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد: "الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا"، الصادر حديثاً عن دار الرافدين، بوصفها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة، إذ يرى أن اختلال ترتيب الولاءات؛ حين تتقدّم الطائفة أو العقيدة على الوطن، هو ما أنتج هشاشة الدولة الحديثة، وأفقد المواطن قدرته على تعريف ذاته في فضاء عام يتّسع للجميع.
يستعيد الرفاعي مفهوم الهوية الوطنية بمعناه المدني الحديث، فيعرّفها بأنها كيان جامع يقوم على الذاكرة المشتركة، والثقافة المتراكمة، والرموز التي توحّد أبناء البلد؛ وهي اللغة والأدب والفنون والمناسبات والأمكنة والرموز المؤسسة، وكل ما يعيد وصل الحاضر بجذور التاريخ. وهي هوية تتسع لمختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية، ولا تُبنى على الإلغاء أو الاصطفاء، وإنما على المواطنة الدستورية التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتُخضع الجميع للقانون وتكفل العدالة في الحقوق والفرص، على نحو ما صاغه جون رولز في مفهوم "العدالة بإنصاف".
في مقابل ذلك، يضع الرفاعي الهوية الأيديولوجية العقائدية تحت مجهر النقد، بوصفها هوية مغلقة تُقصي الآخر وتستبدل الوطن بالجماعة. فحين يتحوّل الدين أو القومية أو المذهب إلى أيديولوجيا، يصبح الانتماء السياسي انعكاساً للعقيدة، لا للأرض أو المصلحة المشتركة. هذه الهوية، كما يرى الرفاعي، تُنتج وعياً زائفاً بالانتماء، وتشيّد ولاءات موازية للدولة، فيتراجع مفهوم المواطنة أمام العصبية، ويغدو الوطن مجرد مساحة تُستغل لترسيخ سلطة الجماعة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، فيحلّل الدور الرمزي الذي أدّته الخلافة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إذ لم تكن مجرد نظام حكم، بل منظومة رمزية استقرت في اللاشعور الجمعي للمسلمين، فغذّت الخيال السياسي بوهم وحدة تتجاوز حدود الجغرافيا. بعد سقوط الدولة العثمانية، تحوّل فقدان الخلافة إلى جرح نرجسي عميق، أنجب حركات الإسلام السياسي التي جعلت الحكم ركناً من أركان الدين، كما فعل حسن البنّا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. يرى الرفاعي أن هذا الانزياح من الدين الروحي إلى الدين المؤدلج كان أحد أخطر تحولات الوعي السياسي.
ويتوقف الكتاب عند اضطراب سلّم الانتماءات في التجارب الحديثة، من الشيوعية والقومية إلى الإسلام السياسي، حيث كان الولاء للأيديولوجيا يتقدم على الولاء للوطن. فالمنتمي إلى الحزب الشيوعي كان يوالِي الاتحاد السوفييتي أكثر من بلده، والقومي العربي كان يرى في العروبة السياسية وطناً بديلاً، والإسلامي يجد في الأمة العقائدية بديلاً عن الدولة الوطنية. تلك الاختلالات عمّقت الانقسام وأضعفت فكرة الدولة بوصفها كياناً سياسياً جامعاً للمواطنين جميعاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك، يدعو الرفاعي إلى إعادة ترتيب الوعي الوطني وفق تسلسل قيمي واضح: العراقي أولاً، ثم العربي أو الكردي أو التركماني، ثم المسلم أو المسيحي، ثم الانتماء المذهبي. بهذا التدرّج وحده يمكن استعادة الوطن بوصفه الإطار الذي يحتوي التنوّع ويحميه، بعيداً عن كونه ميداناً لصراع الهويات الفرعية.
https://www.alaraby.co.uk/culture/%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A
فاطمة أبو ناجي، كاتبة صحفية مغربية.
تعيش الهوية الوطنية في العراق مأزقاً مركّباً، إذ لم تعد رابطة الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك قادرة على الصمود أمام الولاءات الأيديولوجية التي تمزّق النسيج الوطني. هذه الإشكالية يتتبعها عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد: "الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا"، الصادر حديثاً عن دار الرافدين، بوصفها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة، إذ يرى أن اختلال ترتيب الولاءات؛ حين تتقدّم الطائفة أو العقيدة على الوطن، هو ما أنتج هشاشة الدولة الحديثة، وأفقد المواطن قدرته على تعريف ذاته في فضاء عام يتّسع للجميع.
يستعيد الرفاعي مفهوم الهوية الوطنية بمعناه المدني الحديث، فيعرّفها بأنها كيان جامع يقوم على الذاكرة المشتركة، والثقافة المتراكمة، والرموز التي توحّد أبناء البلد؛ وهي اللغة والأدب والفنون والمناسبات والأمكنة والرموز المؤسسة، وكل ما يعيد وصل الحاضر بجذور التاريخ. وهي هوية تتسع لمختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية، ولا تُبنى على الإلغاء أو الاصطفاء، وإنما على المواطنة الدستورية التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتُخضع الجميع للقانون وتكفل العدالة في الحقوق والفرص، على نحو ما صاغه جون رولز في مفهوم "العدالة بإنصاف".
في مقابل ذلك، يضع الرفاعي الهوية الأيديولوجية العقائدية تحت مجهر النقد، بوصفها هوية مغلقة تُقصي الآخر وتستبدل الوطن بالجماعة. فحين يتحوّل الدين أو القومية أو المذهب إلى أيديولوجيا، يصبح الانتماء السياسي انعكاساً للعقيدة، لا للأرض أو المصلحة المشتركة. هذه الهوية، كما يرى الرفاعي، تُنتج وعياً زائفاً بالانتماء، وتشيّد ولاءات موازية للدولة، فيتراجع مفهوم المواطنة أمام العصبية، ويغدو الوطن مجرد مساحة تُستغل لترسيخ سلطة الجماعة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، فيحلّل الدور الرمزي الذي أدّته الخلافة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إذ لم تكن مجرد نظام حكم، بل منظومة رمزية استقرت في اللاشعور الجمعي للمسلمين، فغذّت الخيال السياسي بوهم وحدة تتجاوز حدود الجغرافيا. بعد سقوط الدولة العثمانية، تحوّل فقدان الخلافة إلى جرح نرجسي عميق، أنجب حركات الإسلام السياسي التي جعلت الحكم ركناً من أركان الدين، كما فعل حسن البنّا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. يرى الرفاعي أن هذا الانزياح من الدين الروحي إلى الدين المؤدلج كان أحد أخطر تحولات الوعي السياسي.
ويتوقف الكتاب عند اضطراب سلّم الانتماءات في التجارب الحديثة، من الشيوعية والقومية إلى الإسلام السياسي، حيث كان الولاء للأيديولوجيا يتقدم على الولاء للوطن. فالمنتمي إلى الحزب الشيوعي كان يوالِي الاتحاد السوفييتي أكثر من بلده، والقومي العربي كان يرى في العروبة السياسية وطناً بديلاً، والإسلامي يجد في الأمة العقائدية بديلاً عن الدولة الوطنية. تلك الاختلالات عمّقت الانقسام وأضعفت فكرة الدولة بوصفها كياناً سياسياً جامعاً للمواطنين جميعاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك، يدعو الرفاعي إلى إعادة ترتيب الوعي الوطني وفق تسلسل قيمي واضح: العراقي أولاً، ثم العربي أو الكردي أو التركماني، ثم المسلم أو المسيحي، ثم الانتماء المذهبي. بهذا التدرّج وحده يمكن استعادة الوطن بوصفه الإطار الذي يحتوي التنوّع ويحميه، بعيداً عن كونه ميداناً لصراع الهويات الفرعية.
https://www.alaraby.co.uk/culture/%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A
العربي الجديد
في شراك الأيديولوجيا.. أزمة الهوية الوطنية في فكر عبد الجبار الرفاعي
يرصد الكتاب تحوّل الولاءات الأيديولوجية في العراق إلى بديل عن الانتماء الوطني، محللاً جذور الأزمة وداعياً إلى وعي مدني يجعل الوطن إطاراً جامعاً.
ثرثرات السياسة تفسد الوعي
د. عبد الجبار الرفاعي
ورد في الفصل الثالث من "فن الحرب" للحكيم الصيني المعروف سون تزو Sun Tzu: "الانتصار في مئة معركة ليس من أسمى مهارات المجد، إنما أسمى مهارة أن تقهر عدوك بلا قتال". يتغلب وعي السياسي الواقعي حين يدرك أن أعلى مراتب النصر هو الانتصار بلا حرب، وأنه يجب ألا يهدر الفرص، ويغرق في الأوهام، لأن توهم القوة لا يصنع القوة، وتوهم الانتصار لا يصنع الانتصار. السياسة في أصلها فن للعيش المشترك، ومجال عام تتجسد فيه مسؤولية الإنسان عن تنظيم حياته مع الآخرين. عند أرسطو كانت السياسة أرقى صور الأخلاق، لأنها تعنى بسعادة الجماعة لا بمصلحة الفرد وحده. وفي الفكر الحديث صارت السياسة فن إدارة الصراع بالعقل لا بالعنف، وإدارة المصالح بواقعية.
السياسة الواقعية هي علم إدارة المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين. السياسة التي تبني الأوطان تستثمر في التنمية، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. هذا المعنى الواقعي للسياسة فقد حضوره في الأنظمة الثورية في بلادنا العربية وغيرها، حين تغلبت الثرثرة على التفكير، وصار الكلام في السياسة شغفًا عامًا يمارسه من لا معرفة له بها، فغدت السياسة على ألسنة هؤلاء مثل مرآة مهشمة لا تعكس الواقع بل تشوهه.
يتحدث أكثر الناس في مجتمعنا بالشأن السياسي، وكأنها حفلة للتفاخر اللفظي لا مجالًا للفهم والمسؤولية. بعد ضمور الوعي السياسي صار الحديث في الشأن العام موجة من الأصوات المندفعة التي تملأ المجال العام بضجيج لا ينتج فهمًا ولا يبني وعيًا. أفسدت أصوات المتحدثين غير الخبراء في السياسة المجال العام، ممن يتحدثون بلا وعي سياسي بالواقع، وأجهضت التفكير النقدي، وعطلت القدرة على الإصغاء، وجرى من خلالها استبدال الفكر بالشعارات والضوضاء الصاخبة، والعقل بالمشاعر، وإثارة المكبوتات التاريخية. وسائل التواصل اليوم منحت كل إنسان منبرًا بلا مسؤولية، فصار الحديث السياسي مسرحًا للانفعال والخصام المبتذل، يتكلم فيه الجميع ليعلنوا عن أنفسهم لا ليكشفوا الحقيقة.
صار الحديث في السياسة هواية من لا هواية له، وملاذًا لمن يهرب من مسؤوليته الفكرية والأخلاقية والوطنية، حتى صارت كثرة الكلام مهارة للتعويض عن الفهم الدقيق والعمل. بتضخم هذه الظاهرة، غابت المفاهيم المحورية في السياسة؛ كالدولة والحكومة والسلطة، والوطن والمواطنة، والقانون، والحرية والمسؤولية، والقيم والعدالة والحقوق، وغدت كلمات مستهلكة تستعمل من دون وعي بمعانيها التاريخية والفكرية والسياسية. لم يعد المتكلمون في السياسة يسألون: ما الدولة؟ ما الحكومة؟ ما السلطة؟ ما الدستور؟ ما العدالة والحقوق والقانون؟ ما الحرية والمسؤولية؟ ما الوطن والمواطن والمواطنة؟ لأن السؤال اختبأ تحت ركام الشعارات، وتحول النقاش إلى حلبة للصراخ، والاختلاف إلى خصومة.
كلما ارتفع صخب الثرثرة خفت صوت الفكر، وذبلت السياسة بوصفها فنًا للعيش المشترك، وتحولت إلى حلبة للإثارة والغضب والانقسام والتمزق. بالكلمات والشعارات الساذجة التي تقال في السياسة، يتسع الخرق في نسيج الوعي الجمعي، ويضطرب الرأي العام، وتزداد المسافة بين المواطن ومعنى الوطن، فيغدو الانفعال بديلاً عن الفعل، والصراخ بديلاً عن الحجة، والوهم بديلاً عن المعرفة. مَن لا يملك وعيًا سياسيًا لا يستطيع أن يخدم وطنه بالكلام، لأن السياسة ليست لعبة للكلام بل صناعة للمعنى. الوعي السياسي ليس حفظًا للمواقف ولا تكرارًا للكلمات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والدولة، بين الحرية والمسؤولية، بين العدالة والكرامة. لا يستقيم القول في السياسة إلا إذا صدر عن عقل يزن الكلمة بميزان القانون والقيم، وقلب يرى في الخلاف طريقًا إلى الفهم لا ساحة للصراع. السياسة من غير وعي سياسي تنقلب إلى عبث يهدر الطاقات، ويزرع الكراهية، ويبدد الأمل في البناء. حين يغيب الوعي السياسي، تصبح الثرثرة بديلاً عن العمل، ويغدو الصمت هو الملاذ هروبًا من هذر الكلام. الصمت هنا ليس انسحابًا من الشأن العام، بل هو إنصات للمعنى قبل النطق به، وتأمل في الكلمة قبل استعمالها.
د. عبد الجبار الرفاعي
ورد في الفصل الثالث من "فن الحرب" للحكيم الصيني المعروف سون تزو Sun Tzu: "الانتصار في مئة معركة ليس من أسمى مهارات المجد، إنما أسمى مهارة أن تقهر عدوك بلا قتال". يتغلب وعي السياسي الواقعي حين يدرك أن أعلى مراتب النصر هو الانتصار بلا حرب، وأنه يجب ألا يهدر الفرص، ويغرق في الأوهام، لأن توهم القوة لا يصنع القوة، وتوهم الانتصار لا يصنع الانتصار. السياسة في أصلها فن للعيش المشترك، ومجال عام تتجسد فيه مسؤولية الإنسان عن تنظيم حياته مع الآخرين. عند أرسطو كانت السياسة أرقى صور الأخلاق، لأنها تعنى بسعادة الجماعة لا بمصلحة الفرد وحده. وفي الفكر الحديث صارت السياسة فن إدارة الصراع بالعقل لا بالعنف، وإدارة المصالح بواقعية.
السياسة الواقعية هي علم إدارة المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين. السياسة التي تبني الأوطان تستثمر في التنمية، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. هذا المعنى الواقعي للسياسة فقد حضوره في الأنظمة الثورية في بلادنا العربية وغيرها، حين تغلبت الثرثرة على التفكير، وصار الكلام في السياسة شغفًا عامًا يمارسه من لا معرفة له بها، فغدت السياسة على ألسنة هؤلاء مثل مرآة مهشمة لا تعكس الواقع بل تشوهه.
يتحدث أكثر الناس في مجتمعنا بالشأن السياسي، وكأنها حفلة للتفاخر اللفظي لا مجالًا للفهم والمسؤولية. بعد ضمور الوعي السياسي صار الحديث في الشأن العام موجة من الأصوات المندفعة التي تملأ المجال العام بضجيج لا ينتج فهمًا ولا يبني وعيًا. أفسدت أصوات المتحدثين غير الخبراء في السياسة المجال العام، ممن يتحدثون بلا وعي سياسي بالواقع، وأجهضت التفكير النقدي، وعطلت القدرة على الإصغاء، وجرى من خلالها استبدال الفكر بالشعارات والضوضاء الصاخبة، والعقل بالمشاعر، وإثارة المكبوتات التاريخية. وسائل التواصل اليوم منحت كل إنسان منبرًا بلا مسؤولية، فصار الحديث السياسي مسرحًا للانفعال والخصام المبتذل، يتكلم فيه الجميع ليعلنوا عن أنفسهم لا ليكشفوا الحقيقة.
صار الحديث في السياسة هواية من لا هواية له، وملاذًا لمن يهرب من مسؤوليته الفكرية والأخلاقية والوطنية، حتى صارت كثرة الكلام مهارة للتعويض عن الفهم الدقيق والعمل. بتضخم هذه الظاهرة، غابت المفاهيم المحورية في السياسة؛ كالدولة والحكومة والسلطة، والوطن والمواطنة، والقانون، والحرية والمسؤولية، والقيم والعدالة والحقوق، وغدت كلمات مستهلكة تستعمل من دون وعي بمعانيها التاريخية والفكرية والسياسية. لم يعد المتكلمون في السياسة يسألون: ما الدولة؟ ما الحكومة؟ ما السلطة؟ ما الدستور؟ ما العدالة والحقوق والقانون؟ ما الحرية والمسؤولية؟ ما الوطن والمواطن والمواطنة؟ لأن السؤال اختبأ تحت ركام الشعارات، وتحول النقاش إلى حلبة للصراخ، والاختلاف إلى خصومة.
كلما ارتفع صخب الثرثرة خفت صوت الفكر، وذبلت السياسة بوصفها فنًا للعيش المشترك، وتحولت إلى حلبة للإثارة والغضب والانقسام والتمزق. بالكلمات والشعارات الساذجة التي تقال في السياسة، يتسع الخرق في نسيج الوعي الجمعي، ويضطرب الرأي العام، وتزداد المسافة بين المواطن ومعنى الوطن، فيغدو الانفعال بديلاً عن الفعل، والصراخ بديلاً عن الحجة، والوهم بديلاً عن المعرفة. مَن لا يملك وعيًا سياسيًا لا يستطيع أن يخدم وطنه بالكلام، لأن السياسة ليست لعبة للكلام بل صناعة للمعنى. الوعي السياسي ليس حفظًا للمواقف ولا تكرارًا للكلمات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والدولة، بين الحرية والمسؤولية، بين العدالة والكرامة. لا يستقيم القول في السياسة إلا إذا صدر عن عقل يزن الكلمة بميزان القانون والقيم، وقلب يرى في الخلاف طريقًا إلى الفهم لا ساحة للصراع. السياسة من غير وعي سياسي تنقلب إلى عبث يهدر الطاقات، ويزرع الكراهية، ويبدد الأمل في البناء. حين يغيب الوعي السياسي، تصبح الثرثرة بديلاً عن العمل، ويغدو الصمت هو الملاذ هروبًا من هذر الكلام. الصمت هنا ليس انسحابًا من الشأن العام، بل هو إنصات للمعنى قبل النطق به، وتأمل في الكلمة قبل استعمالها.
السياسة لا تبني الوطن بالهذيان، ولا تبني الوعي بالكلام غير المسؤول، بل تتكرس بالمسؤولية، وتترسخ حين يتكلم مَن يفكر بصمت وتريث قبل أن تصدر منه أية كلمة، ويصغي مَن يريد أن يفهم. السياسة فعل وعي وبصيرة، لا ارتجال وانفعال وشعارات طائشة. حين يعاد الاعتبار للوعي السياسي ولفن الإصغاء، تستعيد الكلمة معناها، وتستعيد السياسة وظيفتها الواقعية، ويستعيد الوطن الانتماء إليه الذي يجتثه االتهريج والصراخ والأوهام. السياسة لا تبنى على ضجيج الحناجر، إنما تنبثق من يقظة العقول، ولا تنهض بالأكثر كلامًا، إنما بالأنضج وعيًا. حين يتكلم الإنسان في ما لا يعرف يهرب المعنى، وتفقد الكلمات محتواها المؤثر، ويغدو القول هذرًا ييستنزف الوعي. الثرثرة السياسية من غير خبرة ولا معرفة تشبه مَن يرسم خارطة لبحر لم يره، ولا يعرف عمقه، ولا يدرك تياراته. في زمن طغت فيه الأصوات على الفكر، غدت السياسة ميدانًا لمن لا دراية لهم بها، وصار الجدل السياسي تسلية يومية يمارسها مَن يظن أن السياسة انفعال لا مسؤولية، وكلام لا بناء، وشعار لا وعي.
مادامت السياسة في مضمونها فن لإدارة الحياة المشتركة، وموازنة دقيقة بين شبكات المصالح المتنوعة، وصيغة للعدل تحفظ كرامة المختلفين، فحين تتحول إلى ثرثرات فإنها تعني العجز عن الفهم، ومرآة للغرور تزين الجهل وتخفي الحقيقة. يتحدث بعض السياسيين عن الوطن كأنه غنيمة، ممن لا ينبض في ضميرهم الوطن، وعن الدولة كأنها إرث خاص، وعن الحرية كأنها صراخ في الهواء، لا التزام ولا وعي بمسؤولية الكلمة. عندئذ يتلاشى المعنى، وتغدو الألفاظ والشعارات أداة للهدم لا أفقًا للبناء.
في هذا الفضاء يعاد انتاج الأمية السياسية، ويتكلم السياسيون كثيرًا من غير أن يعرفوا قليلًا، ويظنون أن تكرار الكلمات وصخب الشعارات علامة نضج، فيما هو وجه آخر للفراغ. الأمية السياسية ليست جهلًا بالنظريات ولا نقصًا في الثقافة العامة، إنما هي فقدان الحس بالواقع، وضعف البصيرة بالمصالح العليا، والعيش في انفعال دائم يستنزف العقل، ويقود إلى نزاعات لا تهدأ. الذين يثرثرون في السياسة من غير وعي يطفئون نور الفهم في العقول، ويشوشون على الناس إدراكهم لما يجري، فيختلط الوهم بالحقيقة، والعاطفة بالحجة، والشك بالمعرفة، وينشأ من ذلك ضجيج لا يفتح طريقًا للوعي ولا يخلق ادراكًا للواقع وشدة تعقيده. كلما ارتفع صوت الثرثرة انحسر صوت الفكر، وصارت السياسة وسيلة للخصومة والاحتراب، وغاب حضورها بوصفها فنًا لإدارة المصالح والمصائر المشتركة.
السياسة لا تستقيم إلا إذا كانت فعل وعي واقعي يربط الكلمة بالمسؤولية، والفعل بالقيمة، ويستمد منطقه من المعرفة لا من الانفعال. لا تصلح السياسة حين تمارس كعرض مبتذل في منابر الفضائيات والتواصل، أو كصراع في ساحات الغضب والانفعال. الوطن لا يبنى بالصراخ، إنما بالعقل الهادئ والضمير الوطني اليقظ، وتقديم الولاء للوطن على الولاء للعشيرة والطائفة. الوعي السياسي ليس تكديس معلومات غير دقيقة عن الأحزاب والزعامات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والمجتمع، بين الحرية والعدل، بين المصلحة والوطن والمواطن.
حين يغيب الوعي السياسي تستنزف السياسة في جعجعة الألفاظ، ويتحول النقاش إلى سوق للمزايدات، وتغدو الكلمة صدى بلا أثر. في تلك الحالة، يكون الصمت أصدق من الادعاء، والإنصات أعمق من الكلامة. السياسة تحتاج إلى عقل حاذق واقعي، يرى في الاختلاف طريقًا إلى الفهم لا ميدانًا للعداء، وتحتاج إلى إنسانٍ يدرك أن إصلاح العالم لا يتم بالنوايا وحدها، بل بالفكر الذي يضيء الطريق، وبالضمير الذي يصغي إلى نداء استغاثة المعذبين والضحايا في الوطن. السياسة عمل إنساني قبل أن تكون خطابًا أيديولوجيًا، ووعي بالإنسان قبل أن تكون صراعًا على السلطة والثروة. حين يستعيد الإنسان هذا المعنى، تستعيد السياسة وظيفتها، وتستعيد الكلمة حرارتها، ويستأنف الوطن حضوره في ضمير المواطن.
https://alsabaah.iq/124095-.html
مادامت السياسة في مضمونها فن لإدارة الحياة المشتركة، وموازنة دقيقة بين شبكات المصالح المتنوعة، وصيغة للعدل تحفظ كرامة المختلفين، فحين تتحول إلى ثرثرات فإنها تعني العجز عن الفهم، ومرآة للغرور تزين الجهل وتخفي الحقيقة. يتحدث بعض السياسيين عن الوطن كأنه غنيمة، ممن لا ينبض في ضميرهم الوطن، وعن الدولة كأنها إرث خاص، وعن الحرية كأنها صراخ في الهواء، لا التزام ولا وعي بمسؤولية الكلمة. عندئذ يتلاشى المعنى، وتغدو الألفاظ والشعارات أداة للهدم لا أفقًا للبناء.
في هذا الفضاء يعاد انتاج الأمية السياسية، ويتكلم السياسيون كثيرًا من غير أن يعرفوا قليلًا، ويظنون أن تكرار الكلمات وصخب الشعارات علامة نضج، فيما هو وجه آخر للفراغ. الأمية السياسية ليست جهلًا بالنظريات ولا نقصًا في الثقافة العامة، إنما هي فقدان الحس بالواقع، وضعف البصيرة بالمصالح العليا، والعيش في انفعال دائم يستنزف العقل، ويقود إلى نزاعات لا تهدأ. الذين يثرثرون في السياسة من غير وعي يطفئون نور الفهم في العقول، ويشوشون على الناس إدراكهم لما يجري، فيختلط الوهم بالحقيقة، والعاطفة بالحجة، والشك بالمعرفة، وينشأ من ذلك ضجيج لا يفتح طريقًا للوعي ولا يخلق ادراكًا للواقع وشدة تعقيده. كلما ارتفع صوت الثرثرة انحسر صوت الفكر، وصارت السياسة وسيلة للخصومة والاحتراب، وغاب حضورها بوصفها فنًا لإدارة المصالح والمصائر المشتركة.
السياسة لا تستقيم إلا إذا كانت فعل وعي واقعي يربط الكلمة بالمسؤولية، والفعل بالقيمة، ويستمد منطقه من المعرفة لا من الانفعال. لا تصلح السياسة حين تمارس كعرض مبتذل في منابر الفضائيات والتواصل، أو كصراع في ساحات الغضب والانفعال. الوطن لا يبنى بالصراخ، إنما بالعقل الهادئ والضمير الوطني اليقظ، وتقديم الولاء للوطن على الولاء للعشيرة والطائفة. الوعي السياسي ليس تكديس معلومات غير دقيقة عن الأحزاب والزعامات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والمجتمع، بين الحرية والعدل، بين المصلحة والوطن والمواطن.
حين يغيب الوعي السياسي تستنزف السياسة في جعجعة الألفاظ، ويتحول النقاش إلى سوق للمزايدات، وتغدو الكلمة صدى بلا أثر. في تلك الحالة، يكون الصمت أصدق من الادعاء، والإنصات أعمق من الكلامة. السياسة تحتاج إلى عقل حاذق واقعي، يرى في الاختلاف طريقًا إلى الفهم لا ميدانًا للعداء، وتحتاج إلى إنسانٍ يدرك أن إصلاح العالم لا يتم بالنوايا وحدها، بل بالفكر الذي يضيء الطريق، وبالضمير الذي يصغي إلى نداء استغاثة المعذبين والضحايا في الوطن. السياسة عمل إنساني قبل أن تكون خطابًا أيديولوجيًا، ووعي بالإنسان قبل أن تكون صراعًا على السلطة والثروة. حين يستعيد الإنسان هذا المعنى، تستعيد السياسة وظيفتها، وتستعيد الكلمة حرارتها، ويستأنف الوطن حضوره في ضمير المواطن.
https://alsabaah.iq/124095-.html
تلقيت هدية عزيزة من أخ عزيز، هو الدكتور مختار خماس. الهدية كتاب: "التفلسف والتصوف: قصة تواشج"، للمفكر الجزائري الدكتور محمد شوقي الزين. الكتاب ككتابات الزين الأخرى المعروفة بعلميتها ورصانتها، وكثافة لغتها، واقتصاد كلماتها، فلم يرهق المؤلف كتابه باستطرادات لا ضرورة لها، وفائض لفظي لا قيمة له. كتابه يعكس تفلسفًا صبورًا للكشف عن الصلة بين التفلسف والتصوف. ذكرني هذا الكتاب بكتاب ابن رشد الشهير: "فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال". صلة التفلسف بالتصوف قضية خلافية، بحثها الفلاسفة منذ العصر اليوناني، ومدرسة الاسكندرية، وفلاسفة الإسلام، والفلسفة الغربية في العصر الوسيط والحديث، وما زالت تبحث حتى اليوم. المقدمة الرائعة التي كتبها مختار خماس ترسم خارطة أولية واضحة لرؤية المؤلف، وما ينشده في كتابه هذا. اقترح في النشرة القادمة لهذا الكتاب عدم الاقتصار على آراء ومواقف مَن يدعم رؤية الكتاب، لأن الفلسفة مرجعيتها في النفي الاثبات هو العقل لا غير، والعقل غير الكشف والشهود والذوق لدى المتصوف. يتساءل القارئ الخبير بالفلسفة: أين يضع المؤلف مواقف أهم مدارس الفلسفة في القرنين التاسع عشر والعشرين، التي كانت ومازالت منطلقًا للمدارس الفلسفية الكبرى، وطبعت العقل الفلسفي لعصرنا، مثل: مدرسة فرانكفورت، وحلقة ڤينا، والوجودية غير الإيمانية، وغير ذلك من مدارس فلسفية مثيرة ومؤثرة، لا تلتقي مع التصوف بأي شكل من الأشكال.
https://www.facebook.com/share/p/1D2WkKJ5sj/?
https://www.facebook.com/share/p/1D2WkKJ5sj/?
الحق في الكرامة والهوية المغلقة
د. عبد الجبار الرفاعي
الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسسة أو الجماعة. كل دين لا يتخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس دينًا إنسانيًا. جوهر إنسانية الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كل أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم. لا يتحقق دين الرحمة والمحبة والكرامة والمساواة والحرية، من دون مناهضة احتقار الإنسان، ورفض إذلاله، وانتهاك كرامته، وسلب حريته، بسبب اختلاف العقيدة، أو اللون، أو الطبقة، أو الجنس. الكرامة لا تتحقق من دون مساواة، والعدالة لا تقوم بلا كرامة. خلق الله الناس متساوين في إنسانيتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقي للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع. تختبر أخلاقية أي ديانة بما ترسخه من قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة والحقوق، وبما تسهم فيه من تحرير الإنسان من الاستعباد بكل صوره، وبقدرتها على حمايته من الإحتقار والإذلال والنبذ والاستعباد.
الدين بمعناه الروحي والأخلاقي والجمالي ليس هوية مغلقة ترفض حق الإنسان في أن يكون مختلفًا، بل هو رسالة روحية أخلاقية جمالية تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعًا، لا لجماعة دون أخرى. الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا يصبح هوية مغلقة، تنكر حق الإنسان في أن يكون مختلفًا في معتقده، أو في تدينه، أو في تميز فهمه للحياة ورؤيته للعالم. العدالة إذا لم تتأسس على المساواة تفرغ من كونها عدالة، لأنها لا تنصف الإنسان، ولا تفي بحقه في الكرامة والحرية. الكرامة ضرورة للفرد كما هي ضرورة للمجتمع، تبدأ بكرامة الفرد وتنتهي بكرامة المجتمع. لا كرامة لأمة تهان فيها كرامة أبنائها، ولا لمجتمع تستلب فيه حرية أفراده وتنتهك إنسانيتهم. لا يمكن تصور وطن كريم وأفراده محتقرون، أو مجتمع متضامن وأفراده مهمشون، أو دولة تروج لحداثة شكلية ومظاهر زائفة للتدين، وهي تهمش إنسانها وتجرده من كرامته. كل مجتمع تنتهك فيه الكرامة الفردية هو مجتمع مهدد في إنسانيته ومعرض لانهيار بنيته القيمية. ما دام الفرد مهانًا فلا كرامة لمجتمعه ولا لمؤسساته ولا لدولته، مهما رفعت من شعارات أو تزينت بأقنعة براقة تخفي تصدعها الأخلاقي.
هناك قيم كونية واحدة تتجلى في الكرامة والحرية والمساواة والعدل. هذه القيم ليست حاجة طارئة تعكس ضرورات ظرفية مؤقتة، ولا منتجًا محليًا لثقافة بعينها، بل هي احتياج وجودي لكل إنسان بما هو إنسان، من دون التفات إلى لونه أو عرقه أو موطنه أو معتقده أو طبقته الاجتماعية أو لغته أو ثقافته. تصنيفات البشر في سلّم هرمي تُمنح فيه القيمة على أساس الهوية أو النسب أو اللون أو الدين لا تنتمي إلى جوهر الدين، بل تعبر عن ترسبات عصور الاستعباد، حين كانت الأديان تستثمر في شرعنة الهيمنة وتكريس الاستعلاء الديني أو العرقي أو الطبقي. لا ينكر حضور الهويات في المجتمعات المختلفة، فهي جزء من البناء الرمزي للشعوب، ومكون طبيعي للذاكرة الجمعية، لكن المرفوض هو تحول الهوية إلى عقيدة استعلائية مغلقة، تقصي الآخر وتنكر عليه حقه في الكرامة والحرية والمساواة، وفي أن يكون مختلفًا، أو أن يفكر خارج إكراهات الجماعة وأسوارها الهوياتية. القيم الكونية لا تلغي الهويات، لكنها تعيد بناء وعينا بها على نحو يحررها من النزعة الاحتكارية ويجعلها قابلة للتعايش، لا وسيلة للإقصاء أو التسلط أو الاستعباد والخضوع.
الكونية هي الميزان الذي تقاس به أبدية القيم الأخلاقية وشمولها وعبورها للزمان والمكان. الكونية تعني ما يمكن أن يكون عامًا من قيم روحية وأخلاقية وجمالية، بوصفها صالحة لكل إنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن دينه أو إثنيته أو ثقافته أو لغته أو موطنه أو نمط عيشه. الحياة الأخلاقية ليست ممكنة من دون الإيمان بوجود قيم تعبر عن المشترك الإنساني وتخاطب الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو تابع لهوية مخصوصة، أو مأسور في سجن انتماء لهوية مغلقة. لم تعد الكرامة والحرية والمساواة والعدالة قيمًا محلية أو غربية أو وافدة، كما يروج بعض دعاة الهوية المغلقة شرقًا وغربًا. هذه القيم ليست نتاج ثقافة مخصوصة، بل ثمرة معاناة الإنسان المريرة وتضحياته المفجعة آلاف السنين، للتحرر من الاستبداد والاستعباد والتمييز والاحتقار، وسجل لصراعه العنيف من أجل أن ينتزع الاعتراف بإنسانيته. الكونية في معناها العميق ليست نفيًا للخصوصية، بل هي اعتراف بإنسانية الإنسان قبل كل انتماء، وإقرار بأن الإنسان لا يستحق الكرامة لأنه مؤمن بمعتقد خاص أو منتم لأيديولوجيا أو هوية مغلقة، بل يستحق الكرامة والحرية والمساواة لأنه إنسان لا غير.
د. عبد الجبار الرفاعي
الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسسة أو الجماعة. كل دين لا يتخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس دينًا إنسانيًا. جوهر إنسانية الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كل أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم. لا يتحقق دين الرحمة والمحبة والكرامة والمساواة والحرية، من دون مناهضة احتقار الإنسان، ورفض إذلاله، وانتهاك كرامته، وسلب حريته، بسبب اختلاف العقيدة، أو اللون، أو الطبقة، أو الجنس. الكرامة لا تتحقق من دون مساواة، والعدالة لا تقوم بلا كرامة. خلق الله الناس متساوين في إنسانيتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقي للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع. تختبر أخلاقية أي ديانة بما ترسخه من قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة والحقوق، وبما تسهم فيه من تحرير الإنسان من الاستعباد بكل صوره، وبقدرتها على حمايته من الإحتقار والإذلال والنبذ والاستعباد.
الدين بمعناه الروحي والأخلاقي والجمالي ليس هوية مغلقة ترفض حق الإنسان في أن يكون مختلفًا، بل هو رسالة روحية أخلاقية جمالية تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعًا، لا لجماعة دون أخرى. الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا يصبح هوية مغلقة، تنكر حق الإنسان في أن يكون مختلفًا في معتقده، أو في تدينه، أو في تميز فهمه للحياة ورؤيته للعالم. العدالة إذا لم تتأسس على المساواة تفرغ من كونها عدالة، لأنها لا تنصف الإنسان، ولا تفي بحقه في الكرامة والحرية. الكرامة ضرورة للفرد كما هي ضرورة للمجتمع، تبدأ بكرامة الفرد وتنتهي بكرامة المجتمع. لا كرامة لأمة تهان فيها كرامة أبنائها، ولا لمجتمع تستلب فيه حرية أفراده وتنتهك إنسانيتهم. لا يمكن تصور وطن كريم وأفراده محتقرون، أو مجتمع متضامن وأفراده مهمشون، أو دولة تروج لحداثة شكلية ومظاهر زائفة للتدين، وهي تهمش إنسانها وتجرده من كرامته. كل مجتمع تنتهك فيه الكرامة الفردية هو مجتمع مهدد في إنسانيته ومعرض لانهيار بنيته القيمية. ما دام الفرد مهانًا فلا كرامة لمجتمعه ولا لمؤسساته ولا لدولته، مهما رفعت من شعارات أو تزينت بأقنعة براقة تخفي تصدعها الأخلاقي.
هناك قيم كونية واحدة تتجلى في الكرامة والحرية والمساواة والعدل. هذه القيم ليست حاجة طارئة تعكس ضرورات ظرفية مؤقتة، ولا منتجًا محليًا لثقافة بعينها، بل هي احتياج وجودي لكل إنسان بما هو إنسان، من دون التفات إلى لونه أو عرقه أو موطنه أو معتقده أو طبقته الاجتماعية أو لغته أو ثقافته. تصنيفات البشر في سلّم هرمي تُمنح فيه القيمة على أساس الهوية أو النسب أو اللون أو الدين لا تنتمي إلى جوهر الدين، بل تعبر عن ترسبات عصور الاستعباد، حين كانت الأديان تستثمر في شرعنة الهيمنة وتكريس الاستعلاء الديني أو العرقي أو الطبقي. لا ينكر حضور الهويات في المجتمعات المختلفة، فهي جزء من البناء الرمزي للشعوب، ومكون طبيعي للذاكرة الجمعية، لكن المرفوض هو تحول الهوية إلى عقيدة استعلائية مغلقة، تقصي الآخر وتنكر عليه حقه في الكرامة والحرية والمساواة، وفي أن يكون مختلفًا، أو أن يفكر خارج إكراهات الجماعة وأسوارها الهوياتية. القيم الكونية لا تلغي الهويات، لكنها تعيد بناء وعينا بها على نحو يحررها من النزعة الاحتكارية ويجعلها قابلة للتعايش، لا وسيلة للإقصاء أو التسلط أو الاستعباد والخضوع.
الكونية هي الميزان الذي تقاس به أبدية القيم الأخلاقية وشمولها وعبورها للزمان والمكان. الكونية تعني ما يمكن أن يكون عامًا من قيم روحية وأخلاقية وجمالية، بوصفها صالحة لكل إنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن دينه أو إثنيته أو ثقافته أو لغته أو موطنه أو نمط عيشه. الحياة الأخلاقية ليست ممكنة من دون الإيمان بوجود قيم تعبر عن المشترك الإنساني وتخاطب الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو تابع لهوية مخصوصة، أو مأسور في سجن انتماء لهوية مغلقة. لم تعد الكرامة والحرية والمساواة والعدالة قيمًا محلية أو غربية أو وافدة، كما يروج بعض دعاة الهوية المغلقة شرقًا وغربًا. هذه القيم ليست نتاج ثقافة مخصوصة، بل ثمرة معاناة الإنسان المريرة وتضحياته المفجعة آلاف السنين، للتحرر من الاستبداد والاستعباد والتمييز والاحتقار، وسجل لصراعه العنيف من أجل أن ينتزع الاعتراف بإنسانيته. الكونية في معناها العميق ليست نفيًا للخصوصية، بل هي اعتراف بإنسانية الإنسان قبل كل انتماء، وإقرار بأن الإنسان لا يستحق الكرامة لأنه مؤمن بمعتقد خاص أو منتم لأيديولوجيا أو هوية مغلقة، بل يستحق الكرامة والحرية والمساواة لأنه إنسان لا غير.
ما يرفع من شعارات عن الخصوصية والأصالة والهوية الثقافية كثيرًا ما تكون قناعًا مموهًا لرفض حقوق الإنسان الكونية، وتبرير التمييز، واستمرار استعباد المختلف، وإعادة إنتاج التفوق الديني أو الإثني أو الثقافي أو الجغرافي، وإن تلبس ذلك بلغة الأصالة أو حماية الذات الحضارية. الخصوصية حين تنقلب إلى أداة لنفي الإنسان تفتقر إلى معناها الإنساني، وتناهض التفاعل الخلّاق بين الثقافات. لا معنى لهوية دينية أو قومية أو ثقافية تنتج الكراهية، وتكرس التمييز، وتقصي المختلف. الكونية لا تلغي التنوع بل تحتضنه، وتؤسس لفهم تعددي للوجود الإنساني داخل إطار احترام الكرامة الإنسانية والحقوق المتساوية. الكرامة لا تكون كرامة إلا إذا شملت الجميع من دون استثناء، ولا يعلق الاعتراف بها على شرط الإيمان أو الطاعة أو الولاء لهوية محددة.
الولادة الثانية للدين في المتخيل الجمعي، كما أنتجتها المؤسسات الدينية، ورسختها المجتمعات الدينية عبر العصور، لا تشبه الولادة الأولى لحظة الوحي. ففي لحظة الوحي كان الدين نداء للحرية، وبشارة بالكرامة، ورسالة للعدل والمساواة. لكن هذه الرسالة شوهت حين أعيد إنتاج التراتبية باسم الدين، وأسبغت شرعية دينية على التمييز والاستعلاء وحتى الاستعباد. وتشوهت طرائق التربية الروحية، التي يفترض بها أن تعبر حدود التراتب وتسمو على الفوارق والامتيازات، فلم تسلم من هذا المرض. العلاقة بين الشيخ والمريد كما تجلت في كثير من الطرق الصوفية كثيرًا ما أعيد إنتاجها بوصفها علاقة سيادة وخضوع، لا علاقة تربية روحية أفقها الحرية، ومداها الأنس بالسير إلى الله. تحول الشيخ إلى رمز مطلق للسلطة الروحية، والمريد إلى تابع مقهور منزوع الإرادة، ينتزع منه صوته باسم الأدب، ويسلب عقله باسم التسليم. لا خلاص من هذه التراتبية المقيتة إلا بإحياء روح الدين ومقاصده الروحية والأخلاقية والجمالية، وقراءة النصوص الدينية في أفق القيم الكونية التي ينشدها الإنسان اليوم، في: الكرامة والحرية والمساواة والعدالة. فكل ما يناقض هذه القيم حتى وإن تستر بالدين هو نقيض لإنسانية الدين ومضاد لجوهر رسالته.
القيم الأخلاقية يحتاجها كل إنسان بوصفه إنسانًا. ليست الأخلاق الكونية خاصة بهوية أو قومية أو جنس أو لون أو ثقافة أو ديانة أو زمان أو مكان. التعبير عن الأخلاق في مواقف الإنسان وسلوكه يعكس وعيه بالحق في الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، وسعيه لتجسيد هذه القيم في حياته. كما تعبر الأخلاق عن حق الذات في الكرامة والمساواة والحرية والعدالة، فإنها بموازاة ذلك تعبر عن حق الذات الإنسانية الأخرى بهذه الحقوق بالدرجة ذاتها، مهما كانت مختلفة في الهوية أو القومية أو المعتقد أو الجنس أو اللون أو الموطن. هذه الحقوق هي الأفق الأبدي الذي يسعى الإنسان بما هو إنسان إلى تحقيقه في حياته.
من صور الكرامة المهدورة المتفشية في مجتمعات عديدة اليوم ظاهرة ما يسمى بالخدم، والتعامل معهم وكأنهم لا يفكرون ولا يشعرون ولا يتألمون مثل كل إنسان. عندما لا تحضر كرامة الآخر في الوعي الجمعي يحدث ما يشبه التواطؤ على غض النظر عن إهدار كرامته. كأن أكثر الناس لا يعرفون أن كرامة هذا الإنسان هبة الخالق له، وهي مكون عميق لكينونته الوجودية لا يمكن سلبها منه. هذا الإنسان قد يكون أذكى وأنبل ممن يستخدمه، لكن أكرهته الفاقة والحرمان والجوع، وانعدام فرص العمل الكريم على الزج بنفسه في هذا النوع من العمل المزري الذي يمتهن فيه الإنسان. هذا الإنسان ينفعل، ويتألم، ويحزن، ويكره، ويحب، ويشعر بالسعادة، ويسأم، وينزف قلبه أسى لحظة تعرضه للإهانة والاحتقار والتنكيل. مع ذلك يتعامل كثير ممن يستخدمونه وكأنه محكوم بالاكتئاب والأسى الأبدي. هذا الإنسان له احتياجات جسدية وعاطفية ونفسية وروحية وأخلاقية. يحتاج الحياة العاطفية والجنسية مثلما يحتاجها كل كائن بشري. يحتاج الضحك، والبكاء، والفرح، والحب، والرحمة، والحنان. يحتاج الاعتراف به وبمنجزه مهما كان، يحتاج الاحترام والشكر والتبجيل والتكريم، كما يحتاج ذلك كل إنسان. أحيانًا يحتاج التأوه والتوجع والاستغاثة والصراخ، مثلما يحتاج كل كائن بشري يرزح تحت نير الاحتقار وإهدار الكرامة. هذا الإنسان الضحية محروم من كل ذلك في العلن غالبًا، لأن أكثر مَن يستخدمونه لا يشعرون بضراوة الألم الذي يكابده، ولا بالجروح النازفة في قلبه، ولا بالحريق المتواصل في أعماقه.
الولادة الثانية للدين في المتخيل الجمعي، كما أنتجتها المؤسسات الدينية، ورسختها المجتمعات الدينية عبر العصور، لا تشبه الولادة الأولى لحظة الوحي. ففي لحظة الوحي كان الدين نداء للحرية، وبشارة بالكرامة، ورسالة للعدل والمساواة. لكن هذه الرسالة شوهت حين أعيد إنتاج التراتبية باسم الدين، وأسبغت شرعية دينية على التمييز والاستعلاء وحتى الاستعباد. وتشوهت طرائق التربية الروحية، التي يفترض بها أن تعبر حدود التراتب وتسمو على الفوارق والامتيازات، فلم تسلم من هذا المرض. العلاقة بين الشيخ والمريد كما تجلت في كثير من الطرق الصوفية كثيرًا ما أعيد إنتاجها بوصفها علاقة سيادة وخضوع، لا علاقة تربية روحية أفقها الحرية، ومداها الأنس بالسير إلى الله. تحول الشيخ إلى رمز مطلق للسلطة الروحية، والمريد إلى تابع مقهور منزوع الإرادة، ينتزع منه صوته باسم الأدب، ويسلب عقله باسم التسليم. لا خلاص من هذه التراتبية المقيتة إلا بإحياء روح الدين ومقاصده الروحية والأخلاقية والجمالية، وقراءة النصوص الدينية في أفق القيم الكونية التي ينشدها الإنسان اليوم، في: الكرامة والحرية والمساواة والعدالة. فكل ما يناقض هذه القيم حتى وإن تستر بالدين هو نقيض لإنسانية الدين ومضاد لجوهر رسالته.
القيم الأخلاقية يحتاجها كل إنسان بوصفه إنسانًا. ليست الأخلاق الكونية خاصة بهوية أو قومية أو جنس أو لون أو ثقافة أو ديانة أو زمان أو مكان. التعبير عن الأخلاق في مواقف الإنسان وسلوكه يعكس وعيه بالحق في الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، وسعيه لتجسيد هذه القيم في حياته. كما تعبر الأخلاق عن حق الذات في الكرامة والمساواة والحرية والعدالة، فإنها بموازاة ذلك تعبر عن حق الذات الإنسانية الأخرى بهذه الحقوق بالدرجة ذاتها، مهما كانت مختلفة في الهوية أو القومية أو المعتقد أو الجنس أو اللون أو الموطن. هذه الحقوق هي الأفق الأبدي الذي يسعى الإنسان بما هو إنسان إلى تحقيقه في حياته.
من صور الكرامة المهدورة المتفشية في مجتمعات عديدة اليوم ظاهرة ما يسمى بالخدم، والتعامل معهم وكأنهم لا يفكرون ولا يشعرون ولا يتألمون مثل كل إنسان. عندما لا تحضر كرامة الآخر في الوعي الجمعي يحدث ما يشبه التواطؤ على غض النظر عن إهدار كرامته. كأن أكثر الناس لا يعرفون أن كرامة هذا الإنسان هبة الخالق له، وهي مكون عميق لكينونته الوجودية لا يمكن سلبها منه. هذا الإنسان قد يكون أذكى وأنبل ممن يستخدمه، لكن أكرهته الفاقة والحرمان والجوع، وانعدام فرص العمل الكريم على الزج بنفسه في هذا النوع من العمل المزري الذي يمتهن فيه الإنسان. هذا الإنسان ينفعل، ويتألم، ويحزن، ويكره، ويحب، ويشعر بالسعادة، ويسأم، وينزف قلبه أسى لحظة تعرضه للإهانة والاحتقار والتنكيل. مع ذلك يتعامل كثير ممن يستخدمونه وكأنه محكوم بالاكتئاب والأسى الأبدي. هذا الإنسان له احتياجات جسدية وعاطفية ونفسية وروحية وأخلاقية. يحتاج الحياة العاطفية والجنسية مثلما يحتاجها كل كائن بشري. يحتاج الضحك، والبكاء، والفرح، والحب، والرحمة، والحنان. يحتاج الاعتراف به وبمنجزه مهما كان، يحتاج الاحترام والشكر والتبجيل والتكريم، كما يحتاج ذلك كل إنسان. أحيانًا يحتاج التأوه والتوجع والاستغاثة والصراخ، مثلما يحتاج كل كائن بشري يرزح تحت نير الاحتقار وإهدار الكرامة. هذا الإنسان الضحية محروم من كل ذلك في العلن غالبًا، لأن أكثر مَن يستخدمونه لا يشعرون بضراوة الألم الذي يكابده، ولا بالجروح النازفة في قلبه، ولا بالحريق المتواصل في أعماقه.
يملي علينا الموقف الأخلاقي أن نفضح منابع الكراهية والتعصب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين أخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقي. إن تنمية الوعي الأخلاقي وإيقاظ الضمير تستدعي مراجعة ما ترسب في تراثنا من عنف باسم المقدس، وأحكام إقصائية، ورؤى مغلقة، ومقولات تحرض على الكراهية، وتعيد إنتاج العداوة، وتفرق بين الناس على أساس الدين والمذهب والهوية.
لا يمكن أن نقدم فهمًا إنسانيًا للدين ما لم نعترف بما في تراثنا من أخطاء مريرة أسهمت في تشويه صورة الدين، وتحويله إلى أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعًا للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة والعدالة. الدين، كما أفهمه، ليس مدونة أحكام فقط، ولا هو خزان لمرويات العنف، بل هو طاقة روحية وأخلاقية ملهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيا كان دينه أو انتماؤه. إن أول الطريق لتحرير الدين من تواطئه مع العنف، هو الاعتراف الصريح بما في ماضينا من عنف ومظالم باسم المقدس، ومراجعة تراثنا الذي كرست مقولاته الكلامية وأحكامه الاستعلاءَ المذهبي والديني والعرقي، ورفضت حق الآخر في أن يكون مختلفًا. https://alsabaah.iq/124494-.html
لا يمكن أن نقدم فهمًا إنسانيًا للدين ما لم نعترف بما في تراثنا من أخطاء مريرة أسهمت في تشويه صورة الدين، وتحويله إلى أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعًا للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة والعدالة. الدين، كما أفهمه، ليس مدونة أحكام فقط، ولا هو خزان لمرويات العنف، بل هو طاقة روحية وأخلاقية ملهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيا كان دينه أو انتماؤه. إن أول الطريق لتحرير الدين من تواطئه مع العنف، هو الاعتراف الصريح بما في ماضينا من عنف ومظالم باسم المقدس، ومراجعة تراثنا الذي كرست مقولاته الكلامية وأحكامه الاستعلاءَ المذهبي والديني والعرقي، ورفضت حق الآخر في أن يكون مختلفًا. https://alsabaah.iq/124494-.html
في العصر الرقمي تتغير التعريفات
د. عبد الجبار الرفاعي
مع كل ثورة تكنولوجية كبرى يولد الإنسان من جديد، ويعيد تعريف ذاته ومعنى وجوده. حتى لو قاوم هذه الثورة أو أوهم نفسه بالانفصال عنها، فإنها تفرض حضورها على الإنسان حيثما وأنى كان. وإن كانت آثارها تتفاوت من مجتمع لآخر، إلا أنها بوصفها قدرًا لا مهرب منه، تعيد إنتاج الواقع بكل ما فيه، وتعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته للعالم ونمط عيشه، وتفرض عليه أن يصير تابعًا لها، ما لم يمتلك أدوات الفهم والتمثل والتكيف، كي يواكبها ويقطف ثمراتها. بقدر ما يمتلك الإنسان التكنولوجيا يمتلك إمكانية التحرر منها، وإن عجز عن ذلك استعبدته، وتحولت إلى سجن يصادر حريته ويبتلع وجوده. التكنولوجيا لا تهمش الإنسان، بل تتيح له فرصًا للارتقاء بذاته وتوسيع آفاق حياته، متى ما كان قادرًا على الإصغاء لتحولاتها، واستثمار هذه الفرص بما ينسجم مع ولادته الجديدة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل أشد هذه الثورات عمقًا وتأثيرًا في إعادة تشكيل الحياة البشرية، وخلخلة مفاهيم الإنسان وتعريفه لذاته والعالم من حوله. مَن يستوعب هذا التحول ويدرك أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والقيمية والاجتماعية والثقافية، ويتمكن من بناء مهارات تتناغم مع ايقاعه المتعجل، وقدرة على توجيهه توجيهًا خلّاقًا، يستطيع أن يحول هذا التحدي إلى إمكان للتحرر والإبداع والابتكار والتطور. أما مَن يعجز عن ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لن يكون بالنسبة له ولمجتمعه سوى قوة منفلتة، تتغذى على ضعفه، وتتحول إلى تهديد دائم لسلامه الشخصي والمجتمعي وأمنه، وتزلزل كيفية عيشه وعلاقاته ونمط حياته.
في العصر الرقمي تتغير التعريفات وتتبدل، فمثلًا يتغير تعريف الزمن ويجري اختزاله، تبعًا لما ينجزه هذا الذكاء من إنتاج اقتصادي وابتكار علمي وابداع معرفي وتطور تكنولوجي واثراء ثقافي وبناء قيمي، فلم يعد القرن يعني مائة سنة، ولا العقد يعني عشر سنوات، ولا السنة تعني اثني عشر شهرًا، ولا الشهر يعني ثلاثين يومًا، ولا اليوم يعني أربعًا وعشرين ساعة، إذ غدا الزمن مضغوطًا تتراكم فيه الأحداث والاختراعات والمعارف وتتلاحق بسرعة فائقة، كما لو أنها تتزاحم في لحظة واحدة. وصار الإنسان يعيش في تيار متعجل من التحولات لا يمنحه فسحة للتأمل أو المراجعة، بعدما انتقل الزمن من كونه وعاءً للأحداث إلى كونه طاقة خلّاقة تبتكر الإيقاع والمعنى في آن واحد، فصار الحاضر يتسع للماضي والمستقبل معًا، وصار الوجود الإنساني يقاس بما ينجزه المرء في لحظته لا بما تمضي عليه من سنوات، حتى أصبح التحدي الأكبر في هذا العصر هو استعادة المعنى الإنساني للزمن، قبل أن يتحول الإنسان إلى ظل يركض خلف سرعة الذكاء الاصطناعي وما تحققه الروبوتات.
شركات الذكاء الاصطناعي اليوم هي الأغنى رأسمالًا من كل الشركات عبر التاريخ، رأسمالها ينمو باستمرار. لم يشهد الاقتصاد تراكمًا لرأسمال بهذه الوتيرة من السرعة الفائقة وبهذه الأحجام، بنحو صار يتضاعف بمرور الزمن سريعًا، فمثلًا بلغت القيمة السوقية على وفق تقارير متعددة، لشركة إنفيديا (NVIDIA) 4.54 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، ما جعلها الشركة الأعلى قيمة في العالم. وذلك يتماشى مع تقارير حديثة تشير إلى أن إنفيديا أصبحت أول شركة مدرجة علنًا تصل إلى هذا الإنجاز التاريخي، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي. والقيمة السوقية لشركة أبل (Apple) تقدر بحوالي 4.20 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وزيادة الطلب على أجهزة آيفون. وبلغت القيمة السوقية لشركة مايكروسوفت (Microsoft) حوالي 3.574 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025. وفي التاريخ ذاته بلغت القيمة السوقية لشركة Amazon نحو 2.454 تريليون دولار أمريكي، بينما وصلت القيمة السوقية لشركة Alphabet (Google) إلى ما يقارب 3.84 تريليون دولار أمريكي، أما شركة Meta فكانت قيمتها السوقية في ذلك الوقت بحدود 1.54 تريليون دولار أمريكي. وهذه الأرقام تعكس موقع هذه الشركات في قمة الاقتصاد الرقمي العالمي خلال تلك الفترة.
د. عبد الجبار الرفاعي
مع كل ثورة تكنولوجية كبرى يولد الإنسان من جديد، ويعيد تعريف ذاته ومعنى وجوده. حتى لو قاوم هذه الثورة أو أوهم نفسه بالانفصال عنها، فإنها تفرض حضورها على الإنسان حيثما وأنى كان. وإن كانت آثارها تتفاوت من مجتمع لآخر، إلا أنها بوصفها قدرًا لا مهرب منه، تعيد إنتاج الواقع بكل ما فيه، وتعيد تشكيل وعي الإنسان ورؤيته للعالم ونمط عيشه، وتفرض عليه أن يصير تابعًا لها، ما لم يمتلك أدوات الفهم والتمثل والتكيف، كي يواكبها ويقطف ثمراتها. بقدر ما يمتلك الإنسان التكنولوجيا يمتلك إمكانية التحرر منها، وإن عجز عن ذلك استعبدته، وتحولت إلى سجن يصادر حريته ويبتلع وجوده. التكنولوجيا لا تهمش الإنسان، بل تتيح له فرصًا للارتقاء بذاته وتوسيع آفاق حياته، متى ما كان قادرًا على الإصغاء لتحولاتها، واستثمار هذه الفرص بما ينسجم مع ولادته الجديدة.
الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل أشد هذه الثورات عمقًا وتأثيرًا في إعادة تشكيل الحياة البشرية، وخلخلة مفاهيم الإنسان وتعريفه لذاته والعالم من حوله. مَن يستوعب هذا التحول ويدرك أبعاده الوجودية والنفسية والعاطفية والروحية والقيمية والاجتماعية والثقافية، ويتمكن من بناء مهارات تتناغم مع ايقاعه المتعجل، وقدرة على توجيهه توجيهًا خلّاقًا، يستطيع أن يحول هذا التحدي إلى إمكان للتحرر والإبداع والابتكار والتطور. أما مَن يعجز عن ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لن يكون بالنسبة له ولمجتمعه سوى قوة منفلتة، تتغذى على ضعفه، وتتحول إلى تهديد دائم لسلامه الشخصي والمجتمعي وأمنه، وتزلزل كيفية عيشه وعلاقاته ونمط حياته.
في العصر الرقمي تتغير التعريفات وتتبدل، فمثلًا يتغير تعريف الزمن ويجري اختزاله، تبعًا لما ينجزه هذا الذكاء من إنتاج اقتصادي وابتكار علمي وابداع معرفي وتطور تكنولوجي واثراء ثقافي وبناء قيمي، فلم يعد القرن يعني مائة سنة، ولا العقد يعني عشر سنوات، ولا السنة تعني اثني عشر شهرًا، ولا الشهر يعني ثلاثين يومًا، ولا اليوم يعني أربعًا وعشرين ساعة، إذ غدا الزمن مضغوطًا تتراكم فيه الأحداث والاختراعات والمعارف وتتلاحق بسرعة فائقة، كما لو أنها تتزاحم في لحظة واحدة. وصار الإنسان يعيش في تيار متعجل من التحولات لا يمنحه فسحة للتأمل أو المراجعة، بعدما انتقل الزمن من كونه وعاءً للأحداث إلى كونه طاقة خلّاقة تبتكر الإيقاع والمعنى في آن واحد، فصار الحاضر يتسع للماضي والمستقبل معًا، وصار الوجود الإنساني يقاس بما ينجزه المرء في لحظته لا بما تمضي عليه من سنوات، حتى أصبح التحدي الأكبر في هذا العصر هو استعادة المعنى الإنساني للزمن، قبل أن يتحول الإنسان إلى ظل يركض خلف سرعة الذكاء الاصطناعي وما تحققه الروبوتات.
شركات الذكاء الاصطناعي اليوم هي الأغنى رأسمالًا من كل الشركات عبر التاريخ، رأسمالها ينمو باستمرار. لم يشهد الاقتصاد تراكمًا لرأسمال بهذه الوتيرة من السرعة الفائقة وبهذه الأحجام، بنحو صار يتضاعف بمرور الزمن سريعًا، فمثلًا بلغت القيمة السوقية على وفق تقارير متعددة، لشركة إنفيديا (NVIDIA) 4.54 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، ما جعلها الشركة الأعلى قيمة في العالم. وذلك يتماشى مع تقارير حديثة تشير إلى أن إنفيديا أصبحت أول شركة مدرجة علنًا تصل إلى هذا الإنجاز التاريخي، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذكاء الاصطناعي. والقيمة السوقية لشركة أبل (Apple) تقدر بحوالي 4.20 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025، مدفوعة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي، وزيادة الطلب على أجهزة آيفون. وبلغت القيمة السوقية لشركة مايكروسوفت (Microsoft) حوالي 3.574 تريليون دولار أمريكي، في 5 ديسمبر 2025. وفي التاريخ ذاته بلغت القيمة السوقية لشركة Amazon نحو 2.454 تريليون دولار أمريكي، بينما وصلت القيمة السوقية لشركة Alphabet (Google) إلى ما يقارب 3.84 تريليون دولار أمريكي، أما شركة Meta فكانت قيمتها السوقية في ذلك الوقت بحدود 1.54 تريليون دولار أمريكي. وهذه الأرقام تعكس موقع هذه الشركات في قمة الاقتصاد الرقمي العالمي خلال تلك الفترة.