وبالنتيجة نجد أن الرفاعي قدم تصورًا متكاملًا للدين، لا يختزله في التشريع أو العقيدة، بل يجعله تجربة إنسانية شاملة، تستجيب لحاجة الإنسان إلى المعنى، وتسهم في بناء عالم أكثر رحمة وإنسانية.
يمكننا استحضار رؤية الفيلسوف اللاهوتي بول تيليش في هذا السياق، إذ يرى أن الدين ليس مجرد منظومة من المعتقدات الجامدة، بل هو تعبير عن «الاهتمام المطلق» للإنسان، أي بحثه الدائم عن المعنى العميق لوجوده، حيث يقول تيليش في كتابه «ديناميكية الإيمان»: «الإيمان ليس مجرد تصديق عقلي، بل هو حالة من الانخراط الكامل في تجربة المعنى، حيث يجد الإنسان طمأنينته وغاية وجوده».
هذا التصور الكامل، الذي قدّمه عبد الجبار الرفاعي على مدى أكثر من أربعة عقود، يحثّنا على مواصلة التنقيب خلف فيلسوف المعرفة الدينية، الذي يرى الدين تجربة وجودية ممتدة لا تقتصر على الطقوس والتشريعات، بل تعكس توق الإنسان العميق إلى الروحانية والأخلاق والجمال كعناصر متكاملة في حياته.
عبدالإله عبدالله الطويان، كاتب سعودي.
https://www.alwatan.com.sa/article/1162444?utm_source=chatgpt.com
يمكننا استحضار رؤية الفيلسوف اللاهوتي بول تيليش في هذا السياق، إذ يرى أن الدين ليس مجرد منظومة من المعتقدات الجامدة، بل هو تعبير عن «الاهتمام المطلق» للإنسان، أي بحثه الدائم عن المعنى العميق لوجوده، حيث يقول تيليش في كتابه «ديناميكية الإيمان»: «الإيمان ليس مجرد تصديق عقلي، بل هو حالة من الانخراط الكامل في تجربة المعنى، حيث يجد الإنسان طمأنينته وغاية وجوده».
هذا التصور الكامل، الذي قدّمه عبد الجبار الرفاعي على مدى أكثر من أربعة عقود، يحثّنا على مواصلة التنقيب خلف فيلسوف المعرفة الدينية، الذي يرى الدين تجربة وجودية ممتدة لا تقتصر على الطقوس والتشريعات، بل تعكس توق الإنسان العميق إلى الروحانية والأخلاق والجمال كعناصر متكاملة في حياته.
عبدالإله عبدالله الطويان، كاتب سعودي.
https://www.alwatan.com.sa/article/1162444?utm_source=chatgpt.com
Watanksa
من العقيدة إلى التجربة.. قراءة في أنسنة الدين
يقدّم عبد الجبار الرفاعي في مشروعه الفلسفي تصورًا للدين لا يقتصر على العقائد والطقوس، بل يتجاوزه، ليصبح تجربة وجودية تمنح الحياة معنًى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. فالدين، في رؤيته، ليس...
DOC-20250520-WA0003..pdf
567.4 KB
"إنقاذ النزعة الإنسانية في الخطاب الكلامي الجديد: قراءة في صورة الإنسانية الإيمانية والأخلاقية في فكر عبد الجبار الرفاعي"، إعداد: دكتور احمد لقمان فهمي "إندونيسي"، ودكتورة صافية مناد "جزائرية"، البحث منشور في مجلة Institut Agama Islam Negeri (IAIN) Manado في مدينة مانادو، إندونيسيا.
إنّ ما يميّز هذا المشروعأنه لا يترجم النصوصَ بقدر ما يترجم الوعيَ نفسَه.
ما فعله الرفاعي في جوهره هو ردّ الروح إلى الكلام والفكر معاً. لقد أعادتعريفَ المتكلم لا كحارس للعقيدة بل كصائغ للأسئلة الكبرى، والفيلسوف لاكعدو للوحي بل كشاهد على اتساعه. وبذلك يعيد المشروعُ ترتيبَ المقامات بينالله والإنسان: فليس المطلوب الدفاع عن الله، بل البحث عن الإنسان في حضرةالله. وهذا هو التحوّل من «لاهوت الدفاع» إلى «لاهوت المعنى»، من تكرارالنص إلى ابتكار الفهم، ومن وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة السعي إليها.
في هذا العمل، يلتقي المتكلم القديم بالفيلسوف الحديث في حوارٍ غير مسبوق: فحيث كان المتكلم يطلبُ البرهان على وجود الله، أصبح الفيلسوف المعاصريسأل عن معنى هذا الوجود في تجربة الإنسان. وبين السؤالين تمتدّ جسورالرفاعي؛ جسورٌ من الترجمة والتأويل والمراجعة، تحاول أن تُعيد للعقل العربيثقته بذاته، وتمنحه شجاعة التفكير من الداخل، لا عبر استنساخ الآخر. بهذاالمعنى، لا تمثّل موسوعة فلسفة الدين حدثًا معرفيًا فحسب، بل حدثًا أنطولوجيًا،لأنّها تمسّ جوهر كينونتنا الفكرية، وتذكّرنا بأنّنا لا نوجد إلا بقدر ما نفكّر فيوجودنا. إنّ الرفاعي لا يقدّم مشروعًا نخبويًا، بل يضع لبنةً في صرحٍ حضاريٍّيعيد تعريف علاقة المسلم بالعالم. فبينما انغلق بعض الفكر الديني في أسوارالنصّ، وانقطعت الفلسفة عن الروح، جاءت موسوعته لتقول: إنّ طريق النهضةلا يمرّ إلا عبر تصالح العقل والإيمان.
ولعلّ هذا هو ما يجعلها لحظةً فاصلة في مسار الفكر الإسلامي الحديث،تذكّرنا بمشروعات كبار المفكرين من أمثال محمد إقبال وعبد الرحمن بدويومحمد عابد الجابري وغيرهم ، لكنها تتميّز عنها بكونها عملًا جماعيًا معرفيًامتعدّد اللغات والثقافات. إننا إذ نقرأ هذه الموسوعة، لا نقرأ كتابًا في فلسفةالدين فحسب، بل نقرأ مستقبل الفكر العربي حين يتصالح مع ذاته، فكلّ جزءٍمنها هو إعلانٌ عن ولادة عقلٍ لا يخاف من السؤال، ولا يهرب من التعدد، عقليعيد الإنسان إلى مركز الرؤية بعد أن غاب طويلاً في ظلال السلطة والطقوس. ومن هنا، فإنّ ما أنجزه عبد الجبار الرفاعي ليس مجرّد إضافةٍ إلى المكتبةالعربية، بل هو إحياءٌ لملكة التفكير الفلسفي في الدين التي تعطّلت قرونًا،وإشارةٌ إلى أن مشروع النهضة لا يمكن أن يكون بلا تأسيسٍ معرفيٍّ عميق.ولعلّ هذه الموسوعة ستغدو «نقطةَ انعطافٍ في تاريخ العقل المسلم»، لأنها تربطما انقطع بين المتكلم والفيلسوف، وتفتح بابًا لتجديد علم الكلام بما يجعله علمًاللإنسان لا جدلًا حول العقيدة فقط. بهذا يتحقق ما يمكن أن نسمّيه تحولًا منلاهوت الدفاع إلى لاهوت المعنى، أي من الدفاع عن الله إلى البحث عن الإنسانفي حضرة الله.
إنّ ما فعله الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ما يفعله الكبار في لحظات التحوّلالتاريخي: يزرعون السؤال حيث عمّ الصمت، ويوقظون الفكر في زمن الركود. وموسوعته هذه ليست خاتمة مشروعه، بل بدايته الفعلية، لأنّها ستفتح البابأمام أجيال جديدة من الباحثين لتعيد اكتشاف الدين بوصفه تجربةً وجودية، لامنظومة مغلقة. وهكذا، فإنّنا أمام حدثٍ ثقافيٍّ يشبه النهضة الصغيرة في قلبالعتمة، مشروعٍ يعيد الثقة للعقل العربي بأنّ الفلسفة ليست ترفًا بل ضرورة،وأنّ الكلام لا يزال حيًّا ما دام الإنسان يسأل عن نفسه وربّه. فهنيئًا للعقلالعربي بهذا الميلاد الجديد، وهنيئًا لعبد الجبار الرفاعي بهذا الخلود الفكريالذي سيزدهر طويلًا في ذاكرة الأمة الباحثة عن المعنى.
الدكتور محمد البشاري، أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.
https://al-aalem.com/موسوعة-فلسفة-الدين-تعيد-بناء-الرؤية-ال/
ما فعله الرفاعي في جوهره هو ردّ الروح إلى الكلام والفكر معاً. لقد أعادتعريفَ المتكلم لا كحارس للعقيدة بل كصائغ للأسئلة الكبرى، والفيلسوف لاكعدو للوحي بل كشاهد على اتساعه. وبذلك يعيد المشروعُ ترتيبَ المقامات بينالله والإنسان: فليس المطلوب الدفاع عن الله، بل البحث عن الإنسان في حضرةالله. وهذا هو التحوّل من «لاهوت الدفاع» إلى «لاهوت المعنى»، من تكرارالنص إلى ابتكار الفهم، ومن وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة السعي إليها.
في هذا العمل، يلتقي المتكلم القديم بالفيلسوف الحديث في حوارٍ غير مسبوق: فحيث كان المتكلم يطلبُ البرهان على وجود الله، أصبح الفيلسوف المعاصريسأل عن معنى هذا الوجود في تجربة الإنسان. وبين السؤالين تمتدّ جسورالرفاعي؛ جسورٌ من الترجمة والتأويل والمراجعة، تحاول أن تُعيد للعقل العربيثقته بذاته، وتمنحه شجاعة التفكير من الداخل، لا عبر استنساخ الآخر. بهذاالمعنى، لا تمثّل موسوعة فلسفة الدين حدثًا معرفيًا فحسب، بل حدثًا أنطولوجيًا،لأنّها تمسّ جوهر كينونتنا الفكرية، وتذكّرنا بأنّنا لا نوجد إلا بقدر ما نفكّر فيوجودنا. إنّ الرفاعي لا يقدّم مشروعًا نخبويًا، بل يضع لبنةً في صرحٍ حضاريٍّيعيد تعريف علاقة المسلم بالعالم. فبينما انغلق بعض الفكر الديني في أسوارالنصّ، وانقطعت الفلسفة عن الروح، جاءت موسوعته لتقول: إنّ طريق النهضةلا يمرّ إلا عبر تصالح العقل والإيمان.
ولعلّ هذا هو ما يجعلها لحظةً فاصلة في مسار الفكر الإسلامي الحديث،تذكّرنا بمشروعات كبار المفكرين من أمثال محمد إقبال وعبد الرحمن بدويومحمد عابد الجابري وغيرهم ، لكنها تتميّز عنها بكونها عملًا جماعيًا معرفيًامتعدّد اللغات والثقافات. إننا إذ نقرأ هذه الموسوعة، لا نقرأ كتابًا في فلسفةالدين فحسب، بل نقرأ مستقبل الفكر العربي حين يتصالح مع ذاته، فكلّ جزءٍمنها هو إعلانٌ عن ولادة عقلٍ لا يخاف من السؤال، ولا يهرب من التعدد، عقليعيد الإنسان إلى مركز الرؤية بعد أن غاب طويلاً في ظلال السلطة والطقوس. ومن هنا، فإنّ ما أنجزه عبد الجبار الرفاعي ليس مجرّد إضافةٍ إلى المكتبةالعربية، بل هو إحياءٌ لملكة التفكير الفلسفي في الدين التي تعطّلت قرونًا،وإشارةٌ إلى أن مشروع النهضة لا يمكن أن يكون بلا تأسيسٍ معرفيٍّ عميق.ولعلّ هذه الموسوعة ستغدو «نقطةَ انعطافٍ في تاريخ العقل المسلم»، لأنها تربطما انقطع بين المتكلم والفيلسوف، وتفتح بابًا لتجديد علم الكلام بما يجعله علمًاللإنسان لا جدلًا حول العقيدة فقط. بهذا يتحقق ما يمكن أن نسمّيه تحولًا منلاهوت الدفاع إلى لاهوت المعنى، أي من الدفاع عن الله إلى البحث عن الإنسانفي حضرة الله.
إنّ ما فعله الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ما يفعله الكبار في لحظات التحوّلالتاريخي: يزرعون السؤال حيث عمّ الصمت، ويوقظون الفكر في زمن الركود. وموسوعته هذه ليست خاتمة مشروعه، بل بدايته الفعلية، لأنّها ستفتح البابأمام أجيال جديدة من الباحثين لتعيد اكتشاف الدين بوصفه تجربةً وجودية، لامنظومة مغلقة. وهكذا، فإنّنا أمام حدثٍ ثقافيٍّ يشبه النهضة الصغيرة في قلبالعتمة، مشروعٍ يعيد الثقة للعقل العربي بأنّ الفلسفة ليست ترفًا بل ضرورة،وأنّ الكلام لا يزال حيًّا ما دام الإنسان يسأل عن نفسه وربّه. فهنيئًا للعقلالعربي بهذا الميلاد الجديد، وهنيئًا لعبد الجبار الرفاعي بهذا الخلود الفكريالذي سيزدهر طويلًا في ذاكرة الأمة الباحثة عن المعنى.
الدكتور محمد البشاري، أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.
https://al-aalem.com/موسوعة-فلسفة-الدين-تعيد-بناء-الرؤية-ال/
Al-Aalem
موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم
في لحظةٍ فكريةٍ يندر أن تتكرر في فضائنا العربي، تطلّ علينا «موسوعة فلسفة الدين» التي أعدها وحرّرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بوصفها ثمرةَ ربع قرنٍ من العمل الدؤوب والبحث المعمّق. ليست هذه الموسوعة مجرّد مشروعٍ أكاديميٍّ ضخم، بل هي حدثٌ معرفيٌّ يعيد فتح…
عبد الجبار الرفاعي وإحياء السؤال الغائب
موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم
الدكتور محمد البشاري
في لحظةٍ فكريةٍ يندر أن تتكرر في فضائنا العربي، تطلّ علينا «موسوعة فلسفةالدين» التي أعدها وحرّرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بوصفها ثمرةَ ربعقرنٍ من العمل الدؤوب والبحث المعمّق. ليست هذه الموسوعة مجرّد مشروعٍأكاديميٍّ ضخم، بل هي حدثٌ معرفيٌّ يعيد فتح الأسئلة الأولى التي تأسّسحولها العقل الإسلامي، من قبيل: معنى الإيمان، وحدود العقل، ووظيفة الدين، وعلم الكلام القديم، وموقع الإنسان في شبكة الوجود. إنّها إعلانٌ عن عودةالعقل العربي المفكِّر بعد طول غياب، لا في شكل تكرارٍ للماضي، بل في هيئةاستئنافٍ فلسفيٍّ جديدٍ لإمكان التفكير في الدين بوصفه سؤالاً مفتوحًا، لايقينًا مغلقًا.
تأتي «موسوعة فلسفة الدين» للدكتور عبد الجبار الرفاعي كفعل تأسيسيٍّيوقظ في الفكر العربي وعيَه الغائب بذاته، ويعيد للعقل الإسلامي وظيفتَهالأولى: أن يفكّر لا أن يكرّر، وأن يؤمن على بصيرة لا على استسلام. ليستهذه الموسوعة تراكماً معرفياً بقدر ما هي انقلاب في وجهة النظر إلى الدين، منكونه منظومة مغلقة إلى كونه تجربةً وجوديةً مفتوحةً على المعنى.
إنّ «موسوعة فلسفة الدين» ليست مجرد حدث معرفي، بل لحظة كينونة يستعيدفيها العقل العربيُّ قدرتَه على النظر إلى نفسه في المرآة دون خوف. إنها ميلادعقلٍ متكلّمٍ جديد، لا يتكلم بلسان الماضي ولا بلهجة الغرب، بل ببيانٍ إنسانيٍّجديدٍ يزاوج بين نور الوحي وصفاء الفكر. وبهذا المعنى يغدو الرفاعي واحداًمن القلائل الذين لم يضيفوا كتاباً إلى المكتبة العربية، بل أضافوا للعقل العربيقدرةً على أن يكون ذاتَه من جديد.
لقد أراد الرفاعي أن يعيد لعلم الكلام روحَه التي ذوت حين انقلب من علمللتفكير في الإيمان إلى علمٍ للدفاع عن العقائد، فجاء مشروعُه ليكسر هذاالطوقَ ويحرّر المتكلمَ من محكمة الموروث، جاعلاً الفلسفة شريكاً في إنتاجالمعنى لا خصماً في جدله. بهذا المعنى، يواصل مشروعه الكبير الذي بدأه فيكتبه السابقة حول «علم الكلام الجديد»، حيث دعا إلى أن يتحول المتكلم منمحامٍ عن الموروث إلى صانعٍ للأسئلة والأجوبة الجديدة. الموسوعة التي صدرتاليوم ليست استكمالًا تقنيًا لذلك المشروع، بل هي تحوّلٌ نوعيٌّ فيه؛ إذ تجعل منالفلسفة شريكًا أصيلاً في حوارٍ مع الكلام، وتدعو إلى تأسيس أنطولوجياجديدة للإنسان العربيّ داخل أفقٍ كونيٍّ رحب.
في هذا العمل يلتقي العقلُ بالكشف، والبرهانُ بالشهود، إذ يضع الرفاعيالفيلسوفَ والمتكلمَ على مائدة واحدة بعد أن فرّق بينهما تاريخ طويل منالشكوك. فحيث كان المتكلم القديم يبحث عن دليل الوجود، صار الفيلسوفالحديث يسائل معنى الوجود ذاته، وبين السؤالين تمتدّ جسورُ الرفاعي، فتعيدبناءَ العلاقة بين الله والإنسان والكون في أفقٍ من الحوار لا الخصومة. هكذاتصبح «فلسفة الدين» عنده فضاءً ثالثاً يتجاوز الثنائيات: بين النقل والعقل، بينالإيمان والحرية، بين الموروث والكوني، ليصوغ من هذا التداخل «عقلاً تأويلياً»قادراً على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والقداسة.
ليس غريبًا أن يختار الرفاعي فلسفة الدين ميدانًا لإعادة بناء العقل، لأنّها تمثّلالمنطقة الحدّية بين ما هو إيمانيٌّ وما هو عقليّ، بين ما هو ذاتيٌّ وما هو كونيّ. في هذا الميدان تتجسّد أزمة الفكر العربي: كيف يمكن للمؤمن أن يظلّ وفيًّالمقدّسه، دون أن يغلق باب التفكير؟ وكيف يمكن للفيلسوف أن يتأمل في الوجوددون أن يستبعد البعد الروحي من معادلة المعنى؟ هذه هي معضلة العقل المسلمالحديث، التي حاولت مدارس الإصلاح والتنوير أن تجيب عنها جزئيًا، فجاءمشروع الرفاعي ليقدّم إجابةً أكثر تركيبًا، تستند إلى التداخل بين العقلالفلسفي والعقل الكلامي والعقل الوجودي، لا إلى فصلها كما فعلت النهضاتالسابقة.
ولعلّ ما يجعل هذه الموسوعة حدثًا تأسيسيًا هو أنها لا تترجم النصوصوحسب، بل تُعيد توطينها داخل أفقٍ عربيٍّ جديد. فترجمةُ الفكر ليست نقلًالغويًا، بل تحويلًا في الوعي. الترجمة هنا فعلُ ولادة جديدة للفكر، تُنقل فيهالمفاهيم من كونها واردات أجنبية إلى أدوات لبناء رؤية عربية للعالم. وبذلكتتحوّل الموسوعة من مرجع أكاديمي إلى «مختبر للعقل» العربي، يعيد تعريفالدين لا بوصفه سلطةً بل بوصفه سؤالاً عن المعنى، ويستعيد الإنسانَ في قلبالتجربة الدينية بعد أن استُبعد دهراً باسم النص.
والرفاعي يدرك أن تأسيس «عقل عربي جديد» لا يمكن أن يتحقق ما لم يتحرّرمن ثنائية النقل والتكرار، فينتقل إلى فضاء التأويل المنتج الذي يعيد صياغةالمفاهيم من داخل حاجاتنا المعاصرة. ولذلك، فإن موسوعته ليست مجرد مرجعٍعلمي، بل هي أداة لإعادة تشكيل رؤية المسلم إلى العالم والإنسان والدين؛رؤيةٍ تستعيد القيم الروحية التي تاهت في خضمّ صراعات الأيديولوجيا،وتستوعب المناهج الفلسفية الغربية دون الارتهان لها.
موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم
الدكتور محمد البشاري
في لحظةٍ فكريةٍ يندر أن تتكرر في فضائنا العربي، تطلّ علينا «موسوعة فلسفةالدين» التي أعدها وحرّرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بوصفها ثمرةَ ربعقرنٍ من العمل الدؤوب والبحث المعمّق. ليست هذه الموسوعة مجرّد مشروعٍأكاديميٍّ ضخم، بل هي حدثٌ معرفيٌّ يعيد فتح الأسئلة الأولى التي تأسّسحولها العقل الإسلامي، من قبيل: معنى الإيمان، وحدود العقل، ووظيفة الدين، وعلم الكلام القديم، وموقع الإنسان في شبكة الوجود. إنّها إعلانٌ عن عودةالعقل العربي المفكِّر بعد طول غياب، لا في شكل تكرارٍ للماضي، بل في هيئةاستئنافٍ فلسفيٍّ جديدٍ لإمكان التفكير في الدين بوصفه سؤالاً مفتوحًا، لايقينًا مغلقًا.
تأتي «موسوعة فلسفة الدين» للدكتور عبد الجبار الرفاعي كفعل تأسيسيٍّيوقظ في الفكر العربي وعيَه الغائب بذاته، ويعيد للعقل الإسلامي وظيفتَهالأولى: أن يفكّر لا أن يكرّر، وأن يؤمن على بصيرة لا على استسلام. ليستهذه الموسوعة تراكماً معرفياً بقدر ما هي انقلاب في وجهة النظر إلى الدين، منكونه منظومة مغلقة إلى كونه تجربةً وجوديةً مفتوحةً على المعنى.
إنّ «موسوعة فلسفة الدين» ليست مجرد حدث معرفي، بل لحظة كينونة يستعيدفيها العقل العربيُّ قدرتَه على النظر إلى نفسه في المرآة دون خوف. إنها ميلادعقلٍ متكلّمٍ جديد، لا يتكلم بلسان الماضي ولا بلهجة الغرب، بل ببيانٍ إنسانيٍّجديدٍ يزاوج بين نور الوحي وصفاء الفكر. وبهذا المعنى يغدو الرفاعي واحداًمن القلائل الذين لم يضيفوا كتاباً إلى المكتبة العربية، بل أضافوا للعقل العربيقدرةً على أن يكون ذاتَه من جديد.
لقد أراد الرفاعي أن يعيد لعلم الكلام روحَه التي ذوت حين انقلب من علمللتفكير في الإيمان إلى علمٍ للدفاع عن العقائد، فجاء مشروعُه ليكسر هذاالطوقَ ويحرّر المتكلمَ من محكمة الموروث، جاعلاً الفلسفة شريكاً في إنتاجالمعنى لا خصماً في جدله. بهذا المعنى، يواصل مشروعه الكبير الذي بدأه فيكتبه السابقة حول «علم الكلام الجديد»، حيث دعا إلى أن يتحول المتكلم منمحامٍ عن الموروث إلى صانعٍ للأسئلة والأجوبة الجديدة. الموسوعة التي صدرتاليوم ليست استكمالًا تقنيًا لذلك المشروع، بل هي تحوّلٌ نوعيٌّ فيه؛ إذ تجعل منالفلسفة شريكًا أصيلاً في حوارٍ مع الكلام، وتدعو إلى تأسيس أنطولوجياجديدة للإنسان العربيّ داخل أفقٍ كونيٍّ رحب.
في هذا العمل يلتقي العقلُ بالكشف، والبرهانُ بالشهود، إذ يضع الرفاعيالفيلسوفَ والمتكلمَ على مائدة واحدة بعد أن فرّق بينهما تاريخ طويل منالشكوك. فحيث كان المتكلم القديم يبحث عن دليل الوجود، صار الفيلسوفالحديث يسائل معنى الوجود ذاته، وبين السؤالين تمتدّ جسورُ الرفاعي، فتعيدبناءَ العلاقة بين الله والإنسان والكون في أفقٍ من الحوار لا الخصومة. هكذاتصبح «فلسفة الدين» عنده فضاءً ثالثاً يتجاوز الثنائيات: بين النقل والعقل، بينالإيمان والحرية، بين الموروث والكوني، ليصوغ من هذا التداخل «عقلاً تأويلياً»قادراً على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والقداسة.
ليس غريبًا أن يختار الرفاعي فلسفة الدين ميدانًا لإعادة بناء العقل، لأنّها تمثّلالمنطقة الحدّية بين ما هو إيمانيٌّ وما هو عقليّ، بين ما هو ذاتيٌّ وما هو كونيّ. في هذا الميدان تتجسّد أزمة الفكر العربي: كيف يمكن للمؤمن أن يظلّ وفيًّالمقدّسه، دون أن يغلق باب التفكير؟ وكيف يمكن للفيلسوف أن يتأمل في الوجوددون أن يستبعد البعد الروحي من معادلة المعنى؟ هذه هي معضلة العقل المسلمالحديث، التي حاولت مدارس الإصلاح والتنوير أن تجيب عنها جزئيًا، فجاءمشروع الرفاعي ليقدّم إجابةً أكثر تركيبًا، تستند إلى التداخل بين العقلالفلسفي والعقل الكلامي والعقل الوجودي، لا إلى فصلها كما فعلت النهضاتالسابقة.
ولعلّ ما يجعل هذه الموسوعة حدثًا تأسيسيًا هو أنها لا تترجم النصوصوحسب، بل تُعيد توطينها داخل أفقٍ عربيٍّ جديد. فترجمةُ الفكر ليست نقلًالغويًا، بل تحويلًا في الوعي. الترجمة هنا فعلُ ولادة جديدة للفكر، تُنقل فيهالمفاهيم من كونها واردات أجنبية إلى أدوات لبناء رؤية عربية للعالم. وبذلكتتحوّل الموسوعة من مرجع أكاديمي إلى «مختبر للعقل» العربي، يعيد تعريفالدين لا بوصفه سلطةً بل بوصفه سؤالاً عن المعنى، ويستعيد الإنسانَ في قلبالتجربة الدينية بعد أن استُبعد دهراً باسم النص.
والرفاعي يدرك أن تأسيس «عقل عربي جديد» لا يمكن أن يتحقق ما لم يتحرّرمن ثنائية النقل والتكرار، فينتقل إلى فضاء التأويل المنتج الذي يعيد صياغةالمفاهيم من داخل حاجاتنا المعاصرة. ولذلك، فإن موسوعته ليست مجرد مرجعٍعلمي، بل هي أداة لإعادة تشكيل رؤية المسلم إلى العالم والإنسان والدين؛رؤيةٍ تستعيد القيم الروحية التي تاهت في خضمّ صراعات الأيديولوجيا،وتستوعب المناهج الفلسفية الغربية دون الارتهان لها.
Al-Aalem
موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم
في لحظةٍ فكريةٍ يندر أن تتكرر في فضائنا العربي، تطلّ علينا «موسوعة فلسفة الدين» التي أعدها وحرّرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بوصفها ثمرةَ ربع قرنٍ من العمل الدؤوب والبحث المعمّق. ليست هذه الموسوعة مجرّد مشروعٍ أكاديميٍّ ضخم، بل هي حدثٌ معرفيٌّ يعيد فتح…
الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة
د. عبد الجبار الرفاعي
ينحاز بعض الكتّاب إلى موقف يصور التكنولوجيا بوصفها آلات وأدوات مادية صماء، يمكن استعارتها من الآخر من دون أن تمس معتقداتنا وقيمنا وثقافتنا والمعاني التي تنشدها حياتنا، ومن دون أن تحدث تحولًا في رؤيتنا للعالم، أو في منظومتنا القيمية والمجتمعية، لذلك تراهم يوصون باستيراد التقنية، مع التشبث والإصرار على حماية البنية التقليدية الموروثة في إدارة الحياة. هذا التصور يجافي الفهم العميق لأثر التكنولوجيا، ويكشف تبسيطًا شديدًا للواقع. التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، إنها رؤية للعالم، ونمط من التفكير، ومنظومة قيم، وطور وجودي جديد يتحقق فيه الإنسان، يعيد تشكيل الإدراك الإنساني، ويفرض نمطًا مغايرًا للعيش والمعنى والقيم والعلاقة بالعالم. إنها تعمل على تصدع البنى التقليدية، وتنخر الأسس القديمة للمعرفة والتنظيم، ثم تهشمها لاحقًا. هذا ما أدركه الفيلسوف مارتن هايدغر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيًا بل ميتافيزيقيًا، فهي لا تكتفي باستخدام الموجودات، بل تحول الكائن إلى مجرد مورد قابل للتوظيف، وتخضع الطبيعة والإنسان لمنطق الاستهلاك والسيطرة، وتسلب الوجود معناه العميق، إذ تختزل العالم إلى مخزون طاقة جاهز للاستغلال.
في هذا السياق لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا من خارج شروطها الوجودية، ولا يمكن إدارة الحياة الحديثة بمعايير رؤية ولغة تراثية. العصر الرقمي، بكل ما أفرزته ميتافيزيقا الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، لا يغير أدوات الإنسان فحسب، بل يعيد تشكيل وجوده نفسه، وينتج نمطًا جديدًا من الوعي، والعلاقة بالذات، والآخر، والعالم. إعادة بناء العقل شرط لا بد منه لفهم رؤية التكنولوجيا والتكيف معها من دون تضحيات أخلاقية أو خسائر حضارية، وهذا لا يتحقق بخطابات التحذير وحدها، ولا بالأساليب الوعظية، بل بالاستيعاب النقدي للفلسفة، والانفتاح على العلوم والمعارف الإنسانية، التي تمكننا من إعادة تعريف الإنسان في زمن تتضاعف فيه قدرات الآلة، ويتهدد فيه جوهر الإنسان بالتشييء وتبدد مفهوم الإنسان. لقد بات لزاما علينا ألا نكتفي بتفسير الظواهر التقنية، بل نخوض غمار مساءلة كبرى للوجود، ترى الإنسان بما هو كائن في عطش أبدي إلى المعنى، لا إلى مزيد من الأدوات. ليس التقدم ما نراه في وفرة السلع وتضخم الأسواق، بل ما نلمسه في استعادة سلام الروح، وصيانة الكرامة، وتحرير الإنسان من عبوديته للآلة.
نحن الآن نعيش عصرًا جديدًا هو العصر الرقمي، الذي يتسيد فيه الذكاء الاصطناعي، وهذا الذكاء يحدث تغيرات هائلة في نظم التربية والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والقيم، والمعتقدات، والدين، والعلاقات الاجتماعية، وبنية العائلة، والمجتمع، والدولة، العلاقات الدولية، والحرب، والسلام. الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفًا حاسمًا يعيد إنتاج كل شيء في حياة الإنسان على وفق رهاناته، إنه منعطف لم تشهد البشرية ما يحدث آثاره كيفًا وكمًا في مراحل تاريخها المختلفة حتى اليوم. وتيرة التغيير في هذا العصر، الذي صار قدرًا للعالم، سريعة جدًا، فما كان يستغرق سنوات طويلة، بات يتحقق في أيام معدودة، وربما ساعات. هذا التغيير المتعجل يحدث تحولات كبرى في الاقتصاد، والسياسة، والمعتقدات، والقيم، والثقافات، والعلاقات، والتربية والتعليم، والسياسات المحلية والعلاقات الدولية.
الذكاء الاصطناعي، كما إنه تحد للإنسان، هو أيضًا فرصة عظيمة تعد بأن تجعل حياة الإنسان في المستقبل أيسر، إذا أحسن الإنسان استثماره في حل مشكلاته. التقدم العلمي يخدم الإنسان، غير أنه في الوقت ذاته ينتج مشكلاته الخاصة، إذ كثيرًا ما يفضي الانتقال من نمط ألفه الإنسان إلى نمط جديد لم يألفه إلى عواصف نفسية وعاطفية وروحية وقيمية وعرفية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مزلزلة، تقذف بالإنسان في متاهة اغتراب موحش، خاصة إذا كانت النقلة نوعية هائلة.
مكاسب الذكاء الاصطناعي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما أعظم، من حيث آثاره بعيدة المدى، من اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مختلف مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.
د. عبد الجبار الرفاعي
ينحاز بعض الكتّاب إلى موقف يصور التكنولوجيا بوصفها آلات وأدوات مادية صماء، يمكن استعارتها من الآخر من دون أن تمس معتقداتنا وقيمنا وثقافتنا والمعاني التي تنشدها حياتنا، ومن دون أن تحدث تحولًا في رؤيتنا للعالم، أو في منظومتنا القيمية والمجتمعية، لذلك تراهم يوصون باستيراد التقنية، مع التشبث والإصرار على حماية البنية التقليدية الموروثة في إدارة الحياة. هذا التصور يجافي الفهم العميق لأثر التكنولوجيا، ويكشف تبسيطًا شديدًا للواقع. التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، إنها رؤية للعالم، ونمط من التفكير، ومنظومة قيم، وطور وجودي جديد يتحقق فيه الإنسان، يعيد تشكيل الإدراك الإنساني، ويفرض نمطًا مغايرًا للعيش والمعنى والقيم والعلاقة بالعالم. إنها تعمل على تصدع البنى التقليدية، وتنخر الأسس القديمة للمعرفة والتنظيم، ثم تهشمها لاحقًا. هذا ما أدركه الفيلسوف مارتن هايدغر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيًا بل ميتافيزيقيًا، فهي لا تكتفي باستخدام الموجودات، بل تحول الكائن إلى مجرد مورد قابل للتوظيف، وتخضع الطبيعة والإنسان لمنطق الاستهلاك والسيطرة، وتسلب الوجود معناه العميق، إذ تختزل العالم إلى مخزون طاقة جاهز للاستغلال.
في هذا السياق لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا من خارج شروطها الوجودية، ولا يمكن إدارة الحياة الحديثة بمعايير رؤية ولغة تراثية. العصر الرقمي، بكل ما أفرزته ميتافيزيقا الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، لا يغير أدوات الإنسان فحسب، بل يعيد تشكيل وجوده نفسه، وينتج نمطًا جديدًا من الوعي، والعلاقة بالذات، والآخر، والعالم. إعادة بناء العقل شرط لا بد منه لفهم رؤية التكنولوجيا والتكيف معها من دون تضحيات أخلاقية أو خسائر حضارية، وهذا لا يتحقق بخطابات التحذير وحدها، ولا بالأساليب الوعظية، بل بالاستيعاب النقدي للفلسفة، والانفتاح على العلوم والمعارف الإنسانية، التي تمكننا من إعادة تعريف الإنسان في زمن تتضاعف فيه قدرات الآلة، ويتهدد فيه جوهر الإنسان بالتشييء وتبدد مفهوم الإنسان. لقد بات لزاما علينا ألا نكتفي بتفسير الظواهر التقنية، بل نخوض غمار مساءلة كبرى للوجود، ترى الإنسان بما هو كائن في عطش أبدي إلى المعنى، لا إلى مزيد من الأدوات. ليس التقدم ما نراه في وفرة السلع وتضخم الأسواق، بل ما نلمسه في استعادة سلام الروح، وصيانة الكرامة، وتحرير الإنسان من عبوديته للآلة.
نحن الآن نعيش عصرًا جديدًا هو العصر الرقمي، الذي يتسيد فيه الذكاء الاصطناعي، وهذا الذكاء يحدث تغيرات هائلة في نظم التربية والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والقيم، والمعتقدات، والدين، والعلاقات الاجتماعية، وبنية العائلة، والمجتمع، والدولة، العلاقات الدولية، والحرب، والسلام. الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفًا حاسمًا يعيد إنتاج كل شيء في حياة الإنسان على وفق رهاناته، إنه منعطف لم تشهد البشرية ما يحدث آثاره كيفًا وكمًا في مراحل تاريخها المختلفة حتى اليوم. وتيرة التغيير في هذا العصر، الذي صار قدرًا للعالم، سريعة جدًا، فما كان يستغرق سنوات طويلة، بات يتحقق في أيام معدودة، وربما ساعات. هذا التغيير المتعجل يحدث تحولات كبرى في الاقتصاد، والسياسة، والمعتقدات، والقيم، والثقافات، والعلاقات، والتربية والتعليم، والسياسات المحلية والعلاقات الدولية.
الذكاء الاصطناعي، كما إنه تحد للإنسان، هو أيضًا فرصة عظيمة تعد بأن تجعل حياة الإنسان في المستقبل أيسر، إذا أحسن الإنسان استثماره في حل مشكلاته. التقدم العلمي يخدم الإنسان، غير أنه في الوقت ذاته ينتج مشكلاته الخاصة، إذ كثيرًا ما يفضي الانتقال من نمط ألفه الإنسان إلى نمط جديد لم يألفه إلى عواصف نفسية وعاطفية وروحية وقيمية وعرفية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مزلزلة، تقذف بالإنسان في متاهة اغتراب موحش، خاصة إذا كانت النقلة نوعية هائلة.
مكاسب الذكاء الاصطناعي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما أعظم، من حيث آثاره بعيدة المدى، من اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مختلف مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.
بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لوطننا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمق اغترابنا عن العصر.
ما دام العلم يواصل عمله على معالجة مشكلات تقدمه، فإنه كلما حقق تقدمًا عبر طفرات نوعية، تعاظمت قدرته على استحداث حلول للأزمات والمشكلات الناجمة عن هذا التقدم نفسه. العلم كما يقدم حلولًا لمشكلات الحياة، فإنه يقدم حلولًا للمشكلات الناتجة عنه. ليس هناك مَن يمتلك قدرة على حل هذه المشكلات مثل العلم الذي أحدثها، والفلسفة التي تجيب عن أسئلة العلم التي لا جواب لها في حقله.
مَن يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتلك التحكم بمستقبله ومستقبل العالم، الذكاء الاصطناعي قوة مهولة، بقدرات استثنائية لم تعرفها البشرية في تاريخها كله. يمكن أن يستثمر هذا الذكاء في البناء والتنمية الشاملة، وتأمين الاحتياجات المتنوعة للإنسان وإسعاده، كما يمكن أن يوظف في إنتاج أنواع الاسلحة الآلية والكيميائية والبيولوجية الفتاكة في الحروب، وتخريب الطبيعة، وكل ما يتسبب ببؤس الإنسان وشقائه. لا يقي الإنسان من الأخطار المتوقعة من الذكاء الاصطناعي إلا سن القوانين العادلة التي يصوغها علماء الحقوق والقانون، والقيم والأخلاق، ومخترعون وخبراء في هذا الذكاء، والصرامة في تطبيقها على الجميع بعدالة لا تستثني أحدًا، ويقظة القيم وترسيخها.
https://alsabaah.iq/123492-.html
ما دام العلم يواصل عمله على معالجة مشكلات تقدمه، فإنه كلما حقق تقدمًا عبر طفرات نوعية، تعاظمت قدرته على استحداث حلول للأزمات والمشكلات الناجمة عن هذا التقدم نفسه. العلم كما يقدم حلولًا لمشكلات الحياة، فإنه يقدم حلولًا للمشكلات الناتجة عنه. ليس هناك مَن يمتلك قدرة على حل هذه المشكلات مثل العلم الذي أحدثها، والفلسفة التي تجيب عن أسئلة العلم التي لا جواب لها في حقله.
مَن يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتلك التحكم بمستقبله ومستقبل العالم، الذكاء الاصطناعي قوة مهولة، بقدرات استثنائية لم تعرفها البشرية في تاريخها كله. يمكن أن يستثمر هذا الذكاء في البناء والتنمية الشاملة، وتأمين الاحتياجات المتنوعة للإنسان وإسعاده، كما يمكن أن يوظف في إنتاج أنواع الاسلحة الآلية والكيميائية والبيولوجية الفتاكة في الحروب، وتخريب الطبيعة، وكل ما يتسبب ببؤس الإنسان وشقائه. لا يقي الإنسان من الأخطار المتوقعة من الذكاء الاصطناعي إلا سن القوانين العادلة التي يصوغها علماء الحقوق والقانون، والقيم والأخلاق، ومخترعون وخبراء في هذا الذكاء، والصرامة في تطبيقها على الجميع بعدالة لا تستثني أحدًا، ويقظة القيم وترسيخها.
https://alsabaah.iq/123492-.html
التربية والتعليم في العصر الرقمي
د. عبد الجبار الرفاعي
التفاعل القائم بين الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الجينات وتكنولوجيا النانو، وسواها من تقنيات التقدم العلمي، سينعكس على كافة مراحل التربية والتعليم، ويعيد إنتاج هذه المراحل بكيفيات لا تتطابق بالضرورة مع ما هو متعارف عليه وموروث، سواء في نظام التعليم ومقرراته وأساليبه، أو أدوات تلقي المعرفة، أو وسائلها، أو أدوار المعلم والمتعلم. الحياة الجامعية والتخصصات العلمية في التعليم العالي المعروفة، كما ألفناها، لا أظنها تلبث طويلًا في العصر الرقمي، إذ يعاد بناؤها على نحو يتناغم مع إيقاع هذا العصر المتعجل، ويتجاوب مع متطلبات أسواق العمل، وتنوع مصادر المعرفة وأساليبها، وتحول أدوار المعلم من ناقل للمعرفة إلى مرشد وميسر لها. لا نستطيع أن نتنبأ بما سيحدث غدًا في هذا العصر، الذي تختلف فيه مؤسسات التعليم الأساسي والتعليم العالي، وتتنوع وتتعدد طرائقها ورؤاها، ووفقًا لهذا التنوع تختلف أيضًا الحياة التعليمية للأبناء، في نظامها ومقرراتها وأساليبها، وبنائها المعرفي، وطموحاتها المستقبلية.
التعليم العالي والتخصصات العلمية كما ألفناها في الجامعات يفرض عليها الذكاء الاصطناعي أن تتغير، فلم يعد اليوم التكوين الأكاديمي التقليدي والتأهيل التخصصي المتوارث مواكبًا لمتطلبات العصر الرقمي، وصار عاجزًا عن تلبية حاجات أسواق العمل الجديدة. في العصر الرقمي، يتهاوى الشكل الموروث للتعليم العالي، لأن العالم يعتمد على معطيات الذكاء الاصطناعي، والمعرفة المتجددة، والخبرة القادرة على التكيف مع سرعة التحولات. التكوين الأكاديمي القديم لا يفي بحاجات هذا الزمن، ولا يستجيب لنداءات الأسواق التي تبحث عن عقل مبدع لا حافظ، وعن خبرة تتجدد كل يوم، لا شهادة معلقة على الجدار. في هذا الواقع يصير التعلم رحلة مستمرة، لا تنتهي بنيل شهادة، ويغدو العلم يتجدد بمكاسب الذكاء الاصطناعي المتواصلة الولادات.
ستشهد السنوات القادمة تحولات مباغتة في النظام التربوي والتعليمي، تفرضها على العالم التحولات العلمية المتنوعة، والتكنولوجيات الجديدة. الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأيام القادمة، يفرض حضوره على كل شيء في حياة الإنسان، ويغدو قريبًا بمثابة الكهرباء التي تحرك كل ما نتداوله ويتزود بالطاقة منها.كما تحولت الكهرباء إلى شرط أساسي لحياة العصر الصناعي، فإن الذكاء الاصطناعي سيكون شرطًا أساسيًا لحياة الإنسان في العصر الرقمي. وسينعكس ذلك غدًا على مراحل التربية والتعليم التقليدية كافة، ويعيد إنتاج هذه المراحل بكيفيات لا تتطابق بالضرورة مع ما هو متعارف عليه وموروث، سواء في نظام التعليم ومقرراته وأساليبه، أو أدوات تلقي المعرفة، أو وسائلها، أو أدوار المعلم والمتعلم.
لم يعد التعليم مجرد تكديس للمعلومات في ذاكرة التلميذ، بل أصبح عملية تتوالد وتنمو بالتجربة، وتتغذى من الحوار، وتتكامل مع المهارات المتجددة، وتنفتح على آفاق الإبداع. التعليم الرقمي لا يكتفي بإعداد الطالب لمهنة، بل يسعى إلى أن يوقظ فيه ملكة النقد، ويمنحه طاقة على إعادة اكتشاف ذاته والعالم. ما لا نستطيع أن نتنبأ به هو حجم التحولات المقبلة في التعليم الأساسي والعالي، في المناهج والمقررات ووسائل وأساليب التعليم والمؤسسات والرؤى، غير أن المؤكد أن هذا التنوع الجديد سيعيد صياغة حياة الأبناء التعليمية، في بنائها المعرفي، وآفاقها المستقبلية.
يفرض الذكاء الاصطناعي أن ينصب الاهتمام على التعليم المستمر، لأن جوهر البقاء في هذا العصر لم يعد في المهنة، بل في المهارة. في زمن الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتبدل المهن بسرعة غير مسبوقة، حتى إن الإنسان لن يمكث في مهنة واحدة طوال حياته؛ فقد تتغير مهنته عدة مرات تبعًا لتحوّل الأدوات والبيئات الرقمية واحتياجات أسواق العمل المتغيرة. في هذا العالم المتغير، لا تكفي الشهادة ولا اللقب، بل يصبح تحديث المهارات شرطًا للحضور الفاعل في العصر الرقمي. المهارات هي رأس المال الجديد، وهي ما يُبقي الإنسان متفاعلًا مع تحولات المعرفة والتقنية. من هذه المهارات: إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي، والقدرة على التواصل الفعال، ومهارة التفكير التحليلي والرياضي، لأنها تمثل اللغات التي يفهم بها الإنسان العصر ويشارك في صنع مستقبله. التعليم المستمر لم يعد ترفًا معرفيًا، بل صار طريقة للحياة؛ فكل مَن يتوقف عن التعلم يفقد قدرته على البقاء في سباق العقول والمهارات والآلات.
د. عبد الجبار الرفاعي
التفاعل القائم بين الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الجينات وتكنولوجيا النانو، وسواها من تقنيات التقدم العلمي، سينعكس على كافة مراحل التربية والتعليم، ويعيد إنتاج هذه المراحل بكيفيات لا تتطابق بالضرورة مع ما هو متعارف عليه وموروث، سواء في نظام التعليم ومقرراته وأساليبه، أو أدوات تلقي المعرفة، أو وسائلها، أو أدوار المعلم والمتعلم. الحياة الجامعية والتخصصات العلمية في التعليم العالي المعروفة، كما ألفناها، لا أظنها تلبث طويلًا في العصر الرقمي، إذ يعاد بناؤها على نحو يتناغم مع إيقاع هذا العصر المتعجل، ويتجاوب مع متطلبات أسواق العمل، وتنوع مصادر المعرفة وأساليبها، وتحول أدوار المعلم من ناقل للمعرفة إلى مرشد وميسر لها. لا نستطيع أن نتنبأ بما سيحدث غدًا في هذا العصر، الذي تختلف فيه مؤسسات التعليم الأساسي والتعليم العالي، وتتنوع وتتعدد طرائقها ورؤاها، ووفقًا لهذا التنوع تختلف أيضًا الحياة التعليمية للأبناء، في نظامها ومقرراتها وأساليبها، وبنائها المعرفي، وطموحاتها المستقبلية.
التعليم العالي والتخصصات العلمية كما ألفناها في الجامعات يفرض عليها الذكاء الاصطناعي أن تتغير، فلم يعد اليوم التكوين الأكاديمي التقليدي والتأهيل التخصصي المتوارث مواكبًا لمتطلبات العصر الرقمي، وصار عاجزًا عن تلبية حاجات أسواق العمل الجديدة. في العصر الرقمي، يتهاوى الشكل الموروث للتعليم العالي، لأن العالم يعتمد على معطيات الذكاء الاصطناعي، والمعرفة المتجددة، والخبرة القادرة على التكيف مع سرعة التحولات. التكوين الأكاديمي القديم لا يفي بحاجات هذا الزمن، ولا يستجيب لنداءات الأسواق التي تبحث عن عقل مبدع لا حافظ، وعن خبرة تتجدد كل يوم، لا شهادة معلقة على الجدار. في هذا الواقع يصير التعلم رحلة مستمرة، لا تنتهي بنيل شهادة، ويغدو العلم يتجدد بمكاسب الذكاء الاصطناعي المتواصلة الولادات.
ستشهد السنوات القادمة تحولات مباغتة في النظام التربوي والتعليمي، تفرضها على العالم التحولات العلمية المتنوعة، والتكنولوجيات الجديدة. الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأيام القادمة، يفرض حضوره على كل شيء في حياة الإنسان، ويغدو قريبًا بمثابة الكهرباء التي تحرك كل ما نتداوله ويتزود بالطاقة منها.كما تحولت الكهرباء إلى شرط أساسي لحياة العصر الصناعي، فإن الذكاء الاصطناعي سيكون شرطًا أساسيًا لحياة الإنسان في العصر الرقمي. وسينعكس ذلك غدًا على مراحل التربية والتعليم التقليدية كافة، ويعيد إنتاج هذه المراحل بكيفيات لا تتطابق بالضرورة مع ما هو متعارف عليه وموروث، سواء في نظام التعليم ومقرراته وأساليبه، أو أدوات تلقي المعرفة، أو وسائلها، أو أدوار المعلم والمتعلم.
لم يعد التعليم مجرد تكديس للمعلومات في ذاكرة التلميذ، بل أصبح عملية تتوالد وتنمو بالتجربة، وتتغذى من الحوار، وتتكامل مع المهارات المتجددة، وتنفتح على آفاق الإبداع. التعليم الرقمي لا يكتفي بإعداد الطالب لمهنة، بل يسعى إلى أن يوقظ فيه ملكة النقد، ويمنحه طاقة على إعادة اكتشاف ذاته والعالم. ما لا نستطيع أن نتنبأ به هو حجم التحولات المقبلة في التعليم الأساسي والعالي، في المناهج والمقررات ووسائل وأساليب التعليم والمؤسسات والرؤى، غير أن المؤكد أن هذا التنوع الجديد سيعيد صياغة حياة الأبناء التعليمية، في بنائها المعرفي، وآفاقها المستقبلية.
يفرض الذكاء الاصطناعي أن ينصب الاهتمام على التعليم المستمر، لأن جوهر البقاء في هذا العصر لم يعد في المهنة، بل في المهارة. في زمن الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتبدل المهن بسرعة غير مسبوقة، حتى إن الإنسان لن يمكث في مهنة واحدة طوال حياته؛ فقد تتغير مهنته عدة مرات تبعًا لتحوّل الأدوات والبيئات الرقمية واحتياجات أسواق العمل المتغيرة. في هذا العالم المتغير، لا تكفي الشهادة ولا اللقب، بل يصبح تحديث المهارات شرطًا للحضور الفاعل في العصر الرقمي. المهارات هي رأس المال الجديد، وهي ما يُبقي الإنسان متفاعلًا مع تحولات المعرفة والتقنية. من هذه المهارات: إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي، والقدرة على التواصل الفعال، ومهارة التفكير التحليلي والرياضي، لأنها تمثل اللغات التي يفهم بها الإنسان العصر ويشارك في صنع مستقبله. التعليم المستمر لم يعد ترفًا معرفيًا، بل صار طريقة للحياة؛ فكل مَن يتوقف عن التعلم يفقد قدرته على البقاء في سباق العقول والمهارات والآلات.
كل مشروع تنموي تكنولوجي انتاجي لا ينصت لصرخة الإنسان الباطنية، ولا يدرك حاجته إلى المعنى والمحبة والرحمة والكرامة، يظل مشروعا لا إنسانيًا، مهما بدت أرقامه باهرة ومبشرة. الاستثمار الحقيقي ليس في توسيع الإنتاج وغزارته، بل في إنقاذ الإنسان لئلا يتحول إلى شيء، واسترداد الاعتبار إلى قلبه وروحه وعقله بعد استلابها، وتحريره من كونه مجرد معطى إحصائي أو رقم في موازنة مالية. التكنولوجيا التي لا تسكنها القيم، ولا تلهمها الأخلاق، سرعان ما تنقلب من وسيلة رفاه إلى آلة قهر واستعباد، وتحول العالم إلى مصنع كبير ينتج كل شيء مادي، ويعمل على أن يصيّر الإنسان شيئًا كهذه الأشياء.
أخشى أن يفتقر التعليم في هذا العصر إلى القيم، ولا يظلله الوعي بالكرامة الإنسانية، فيغدو آلة لإنتاج خبرات منفصلة عن احتياجات الإنسان المعنوية اليوم، ووعي أجوف، ومعرفة صماء. يحتاج التعليم الإنساني في هذا العصر إلى القيم بموازاة حاجته للمهارات، ليكون قادرًا على أن يمنح الأجيال القادمة هوية إنسانية قيمية حية، تصون كرامتهم، وتفتح لهم أفقًا رحبًا للمستقبل، وتمنح حياة الإنسان المعنى في عصر يشح فيه المعنى. الذكاء الاصطناعي بما أنه يعيد تشكيل كل شيء في حياة الإنسان، فهو يعيد إنتاج كيفية وجوده في العالم، الذي يختلف اختلافًا عميقًا عن كيفية وجوده قبل أن يتغلغل الذكاء الاصطناعي في الغد القريب بكل مجال من مجالات حياته.
قرأت يوم 6.10.2025 خبرًا مثيرًا في موقع إخباري أمريكي رقمي AXIOS، ينقل عن: "تقرير صادر عن الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي يوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمحو 100 مليون وظيفة في الولايات المتحدة خلال العقد القادم"، فإذا كان عدد مَن هم خارج العمل من الأطفال وكبار السن يبلغ 135.2 مليونًا، وعدد مَن هم في سن العمل 206.8 ملايين، من مجموع سكان يبلغ نحو 342 مليون نسمة، فإن نصف العاملين تقريبًا في مختلف المهن قد يفقدون أعمالهم. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن العقد القادم سيشهد أزمة عالمية في فرص العمل، إذ سيدخل نحو 1.2 مليار شاب إلى سوق العمل في الدول النامية، بينما لن يتوفر سوى 420 مليون وظيفة جديدة، أي أن ثلث الداخلين فقط سيجدون عملًا، مع فجوة تقدر بـ 800 مليون فرصة مفقودة. كما يتوقع البنك أن تصل نسبة الوظائف المهددة بالأتمتة إلى 40٪ بين العمال الأقل مهارة، مقابل 5٪ فقط بين من يحملون شهادات جامعية، ما يعني أن المهن الروتينية تتجه إلى الزوال. في المقابل، تتصاعد الحاجة إلى مهارات التفكير التحليلي، والتواصل، والتعلم المستمر، وإتقان أدوات الذكاء الاصطناعي، بوصفها اللغات الجديدة لعصر تتغير مهنه بسرعة غير مسبوقة. إنها ظاهرة غير مسبوقة في الاقتصاد وأسواق العمل من قبل، الذي كان فيه صاحب المهنة يمكث فيها في مختلف مراحل حياته، فيراكم خبراته ويطورها باستمرار من دون أن يغادرها إلى مهنة بديلة.
وتشير تقارير البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الاقتصادات المتقدمة تعيش تحولًا بنيويًا في طبيعة العمل، إذ يتوقع أن تستبدل نحو 14٪ من الوظائف التقليدية بالأنظمة الذكية والأتمتة خلال العقد القادم، بينما ستنشأ وظائف جديدة تعادل نحو 30٪ من إجمالي المهن الحالية، أي ضعف ما أُنشئ في العقد الماضي. فقد ارتفع الطلب على المهارات الرقمية والإبداعية بنسبة 50٪ منذ عام 2016، فيما تراجعت الوظائف القائمة على المهام الروتينية بنسبة تقارب 40٪ في القطاعات الصناعية والإدارية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصادات المتقدمة قد تحقق مكاسب إنتاجية تتراوح بين 25 و30٪ بفضل الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في التعليم، والصحة، والخدمات المالية. في المقابل، تتصدر المهن الجديدة مجالات هندسة الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتصميم تفاعل الإنسان والآلة، وأخلاقيات التكنولوجيا، ويغدو الاستثمار في التعلم المستمر وتنمية المهارات المهنية والتحليلية شرطًا أساسيًا للبقاء في أسواق العمل، التي تتغير بوتيرة أسرع مما شهده أي جيل سابق.
https://alsabaah.iq/123752-.html
أخشى أن يفتقر التعليم في هذا العصر إلى القيم، ولا يظلله الوعي بالكرامة الإنسانية، فيغدو آلة لإنتاج خبرات منفصلة عن احتياجات الإنسان المعنوية اليوم، ووعي أجوف، ومعرفة صماء. يحتاج التعليم الإنساني في هذا العصر إلى القيم بموازاة حاجته للمهارات، ليكون قادرًا على أن يمنح الأجيال القادمة هوية إنسانية قيمية حية، تصون كرامتهم، وتفتح لهم أفقًا رحبًا للمستقبل، وتمنح حياة الإنسان المعنى في عصر يشح فيه المعنى. الذكاء الاصطناعي بما أنه يعيد تشكيل كل شيء في حياة الإنسان، فهو يعيد إنتاج كيفية وجوده في العالم، الذي يختلف اختلافًا عميقًا عن كيفية وجوده قبل أن يتغلغل الذكاء الاصطناعي في الغد القريب بكل مجال من مجالات حياته.
قرأت يوم 6.10.2025 خبرًا مثيرًا في موقع إخباري أمريكي رقمي AXIOS، ينقل عن: "تقرير صادر عن الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي يوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمحو 100 مليون وظيفة في الولايات المتحدة خلال العقد القادم"، فإذا كان عدد مَن هم خارج العمل من الأطفال وكبار السن يبلغ 135.2 مليونًا، وعدد مَن هم في سن العمل 206.8 ملايين، من مجموع سكان يبلغ نحو 342 مليون نسمة، فإن نصف العاملين تقريبًا في مختلف المهن قد يفقدون أعمالهم. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن العقد القادم سيشهد أزمة عالمية في فرص العمل، إذ سيدخل نحو 1.2 مليار شاب إلى سوق العمل في الدول النامية، بينما لن يتوفر سوى 420 مليون وظيفة جديدة، أي أن ثلث الداخلين فقط سيجدون عملًا، مع فجوة تقدر بـ 800 مليون فرصة مفقودة. كما يتوقع البنك أن تصل نسبة الوظائف المهددة بالأتمتة إلى 40٪ بين العمال الأقل مهارة، مقابل 5٪ فقط بين من يحملون شهادات جامعية، ما يعني أن المهن الروتينية تتجه إلى الزوال. في المقابل، تتصاعد الحاجة إلى مهارات التفكير التحليلي، والتواصل، والتعلم المستمر، وإتقان أدوات الذكاء الاصطناعي، بوصفها اللغات الجديدة لعصر تتغير مهنه بسرعة غير مسبوقة. إنها ظاهرة غير مسبوقة في الاقتصاد وأسواق العمل من قبل، الذي كان فيه صاحب المهنة يمكث فيها في مختلف مراحل حياته، فيراكم خبراته ويطورها باستمرار من دون أن يغادرها إلى مهنة بديلة.
وتشير تقارير البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الاقتصادات المتقدمة تعيش تحولًا بنيويًا في طبيعة العمل، إذ يتوقع أن تستبدل نحو 14٪ من الوظائف التقليدية بالأنظمة الذكية والأتمتة خلال العقد القادم، بينما ستنشأ وظائف جديدة تعادل نحو 30٪ من إجمالي المهن الحالية، أي ضعف ما أُنشئ في العقد الماضي. فقد ارتفع الطلب على المهارات الرقمية والإبداعية بنسبة 50٪ منذ عام 2016، فيما تراجعت الوظائف القائمة على المهام الروتينية بنسبة تقارب 40٪ في القطاعات الصناعية والإدارية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصادات المتقدمة قد تحقق مكاسب إنتاجية تتراوح بين 25 و30٪ بفضل الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في التعليم، والصحة، والخدمات المالية. في المقابل، تتصدر المهن الجديدة مجالات هندسة الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتصميم تفاعل الإنسان والآلة، وأخلاقيات التكنولوجيا، ويغدو الاستثمار في التعلم المستمر وتنمية المهارات المهنية والتحليلية شرطًا أساسيًا للبقاء في أسواق العمل، التي تتغير بوتيرة أسرع مما شهده أي جيل سابق.
https://alsabaah.iq/123752-.html
جريدة الصباح
التربية والتعليم في العصر الرقمي » جريدة الصباح
د. عبد الجبار الرفاعي التفاعل القائم بين الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الجينات وتكنولوجيا النانو، وسواها من تقنيات التقدم العلمي، سينعكس على كافة مراحل التربية والتعليم، ويعيد إنتاج هذه المراحل بكيفيات لا تتطابق بالضرورة مع ما هو متعارف عليه وموروث، سواء…
العقل الفلسفي غير العقل الديني، وغير العقل الأيديولوجي. العقل الفلسفي يفكر خارج الأديان والأيديولوجيات والتقاليد والثقافات المجتمعية. الفلسفة تفرض على مَن يفكر فلسفيًا أن يحكم على كل قضية وفقًا لما يراه عقله لا غير. لا سلطة على العقل الفلسفي خارج العقل، العقل الفلسفي يفكر بحرية خارج الأسوار، ولا يخضع لأية وصايات، سواء أكانت هذه الوصايات مفروضة من سلطات أو أي أو أديان أو تقاليد مجتمعية.
#عبدالجبار_الرفاعي
#اليوم_العالمي_للفلسفة 20 نوفمبر 2025.
#عبدالجبار_الرفاعي
#اليوم_العالمي_للفلسفة 20 نوفمبر 2025.
صدر عن Center of Philosophy of Relegion Studies مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد كتاب: "الشر وإله المحبة"، تأليف: جون هيك، ترجمة: عبدالعاطي طلبة، مراجعة: عبدالجبار الرفاعي. هذا الكتاب مرجع أساسي في دراسة مشكلة الشر بأبعادها المختلفة وأسئلتها المتنوعة. مؤلف هذا الكتاب جون هيك من أشهر فلاسفة الدين في المائة سنة الأخيرة. مترجم هذا الكتاب عبد العاطي طلبة متخصص في الفلسفة وعلوم الدين، أمضى بترجمة الكتاب 4 سنوات متوالية، وبذل جهدًا استثنائيا في ترجمته، ومقابلته على النص الإنجليزي، وتكرار مراجعته عدة مرات. كان عبد العاطي يبعث لي بكل فصل يترجمه، فأنظر فيه، وأزوده بملاحظاتي. يقع الكتاب في 671 صفحة، مع تذييل يشتمل على قاموس لاهوتي فلسفي ومصطلحات ومفاهيم مفتاحية، وكشاف للأعلام والمصطلحات، من وضع المترجم. الكتاب منجم معلومات ثري، عميق في التحليل والاستنتاج واجتراح الأجوبة لأسئلة الشر، وكل ما يتعلق بها. اشترى مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد حقوق الترجمة من الناشر الأصلي، وتكفل بنفقات الترجمة. يباع الكتاب في مكتبات دار الرافدين ببيروت وبغداد والنجف والبصرة، وأجنحتها الحاضرة على الدوام في معارض الكتاب العربية. يتوفر الكتاب في معرض الكتاب الشهر القادم 2025 ببغداد بجناح Dar alrafidain دار الرافدين.
https://www.facebook.com/share/p/1JszHYEW8s/?mibextid=wwXIfr
https://www.facebook.com/share/p/1JszHYEW8s/?mibextid=wwXIfr
رأي قارئ مصري في كتابات الدكتور عبد الجبار الرفاعي المنشورة على منصته في مؤسسة هنداوي بالقاهرة
رأي قارئة سورية لديها ماجستير علم النفس من حلب في كتابات الدكتور عبد الجبار الرفاعي المنشورة على منصته في مؤسسة هنداوي بالقاهرة
#لغة_الدين رؤية في ضوء #فلسفة_الدين.
ندوة في المنتدى العالمي للغة العربية في إسبانيا، تحدث فيها: الدكتور #عبدلجبار_الرفاعي، أدار الندوة: الدكتور #أحمد_الكلابي.
https://youtu.be/Dp0_hu5jsuA?si=dKgyzlLEGSoy4wIg
ندوة في المنتدى العالمي للغة العربية في إسبانيا، تحدث فيها: الدكتور #عبدلجبار_الرفاعي، أدار الندوة: الدكتور #أحمد_الكلابي.
https://youtu.be/Dp0_hu5jsuA?si=dKgyzlLEGSoy4wIg
YouTube
#لغة_الدين: رؤية في ضوء #فلسفة_الدين، #عبدالجبار_الرفاعي
في شراك الأيديولوجيا.. أزمة الهوية الوطنية في فكر عبد الجبار الرفاعي
فاطمة أبو ناجي، كاتبة صحفية مغربية.
تعيش الهوية الوطنية في العراق مأزقاً مركّباً، إذ لم تعد رابطة الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك قادرة على الصمود أمام الولاءات الأيديولوجية التي تمزّق النسيج الوطني. هذه الإشكالية يتتبعها عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد: "الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا"، الصادر حديثاً عن دار الرافدين، بوصفها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة، إذ يرى أن اختلال ترتيب الولاءات؛ حين تتقدّم الطائفة أو العقيدة على الوطن، هو ما أنتج هشاشة الدولة الحديثة، وأفقد المواطن قدرته على تعريف ذاته في فضاء عام يتّسع للجميع.
يستعيد الرفاعي مفهوم الهوية الوطنية بمعناه المدني الحديث، فيعرّفها بأنها كيان جامع يقوم على الذاكرة المشتركة، والثقافة المتراكمة، والرموز التي توحّد أبناء البلد؛ وهي اللغة والأدب والفنون والمناسبات والأمكنة والرموز المؤسسة، وكل ما يعيد وصل الحاضر بجذور التاريخ. وهي هوية تتسع لمختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية، ولا تُبنى على الإلغاء أو الاصطفاء، وإنما على المواطنة الدستورية التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتُخضع الجميع للقانون وتكفل العدالة في الحقوق والفرص، على نحو ما صاغه جون رولز في مفهوم "العدالة بإنصاف".
في مقابل ذلك، يضع الرفاعي الهوية الأيديولوجية العقائدية تحت مجهر النقد، بوصفها هوية مغلقة تُقصي الآخر وتستبدل الوطن بالجماعة. فحين يتحوّل الدين أو القومية أو المذهب إلى أيديولوجيا، يصبح الانتماء السياسي انعكاساً للعقيدة، لا للأرض أو المصلحة المشتركة. هذه الهوية، كما يرى الرفاعي، تُنتج وعياً زائفاً بالانتماء، وتشيّد ولاءات موازية للدولة، فيتراجع مفهوم المواطنة أمام العصبية، ويغدو الوطن مجرد مساحة تُستغل لترسيخ سلطة الجماعة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، فيحلّل الدور الرمزي الذي أدّته الخلافة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إذ لم تكن مجرد نظام حكم، بل منظومة رمزية استقرت في اللاشعور الجمعي للمسلمين، فغذّت الخيال السياسي بوهم وحدة تتجاوز حدود الجغرافيا. بعد سقوط الدولة العثمانية، تحوّل فقدان الخلافة إلى جرح نرجسي عميق، أنجب حركات الإسلام السياسي التي جعلت الحكم ركناً من أركان الدين، كما فعل حسن البنّا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. يرى الرفاعي أن هذا الانزياح من الدين الروحي إلى الدين المؤدلج كان أحد أخطر تحولات الوعي السياسي.
ويتوقف الكتاب عند اضطراب سلّم الانتماءات في التجارب الحديثة، من الشيوعية والقومية إلى الإسلام السياسي، حيث كان الولاء للأيديولوجيا يتقدم على الولاء للوطن. فالمنتمي إلى الحزب الشيوعي كان يوالِي الاتحاد السوفييتي أكثر من بلده، والقومي العربي كان يرى في العروبة السياسية وطناً بديلاً، والإسلامي يجد في الأمة العقائدية بديلاً عن الدولة الوطنية. تلك الاختلالات عمّقت الانقسام وأضعفت فكرة الدولة بوصفها كياناً سياسياً جامعاً للمواطنين جميعاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك، يدعو الرفاعي إلى إعادة ترتيب الوعي الوطني وفق تسلسل قيمي واضح: العراقي أولاً، ثم العربي أو الكردي أو التركماني، ثم المسلم أو المسيحي، ثم الانتماء المذهبي. بهذا التدرّج وحده يمكن استعادة الوطن بوصفه الإطار الذي يحتوي التنوّع ويحميه، بعيداً عن كونه ميداناً لصراع الهويات الفرعية.
https://www.alaraby.co.uk/culture/%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A
فاطمة أبو ناجي، كاتبة صحفية مغربية.
تعيش الهوية الوطنية في العراق مأزقاً مركّباً، إذ لم تعد رابطة الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك قادرة على الصمود أمام الولاءات الأيديولوجية التي تمزّق النسيج الوطني. هذه الإشكالية يتتبعها عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد: "الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا"، الصادر حديثاً عن دار الرافدين، بوصفها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة، إذ يرى أن اختلال ترتيب الولاءات؛ حين تتقدّم الطائفة أو العقيدة على الوطن، هو ما أنتج هشاشة الدولة الحديثة، وأفقد المواطن قدرته على تعريف ذاته في فضاء عام يتّسع للجميع.
يستعيد الرفاعي مفهوم الهوية الوطنية بمعناه المدني الحديث، فيعرّفها بأنها كيان جامع يقوم على الذاكرة المشتركة، والثقافة المتراكمة، والرموز التي توحّد أبناء البلد؛ وهي اللغة والأدب والفنون والمناسبات والأمكنة والرموز المؤسسة، وكل ما يعيد وصل الحاضر بجذور التاريخ. وهي هوية تتسع لمختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية، ولا تُبنى على الإلغاء أو الاصطفاء، وإنما على المواطنة الدستورية التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتُخضع الجميع للقانون وتكفل العدالة في الحقوق والفرص، على نحو ما صاغه جون رولز في مفهوم "العدالة بإنصاف".
في مقابل ذلك، يضع الرفاعي الهوية الأيديولوجية العقائدية تحت مجهر النقد، بوصفها هوية مغلقة تُقصي الآخر وتستبدل الوطن بالجماعة. فحين يتحوّل الدين أو القومية أو المذهب إلى أيديولوجيا، يصبح الانتماء السياسي انعكاساً للعقيدة، لا للأرض أو المصلحة المشتركة. هذه الهوية، كما يرى الرفاعي، تُنتج وعياً زائفاً بالانتماء، وتشيّد ولاءات موازية للدولة، فيتراجع مفهوم المواطنة أمام العصبية، ويغدو الوطن مجرد مساحة تُستغل لترسيخ سلطة الجماعة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، فيحلّل الدور الرمزي الذي أدّته الخلافة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إذ لم تكن مجرد نظام حكم، بل منظومة رمزية استقرت في اللاشعور الجمعي للمسلمين، فغذّت الخيال السياسي بوهم وحدة تتجاوز حدود الجغرافيا. بعد سقوط الدولة العثمانية، تحوّل فقدان الخلافة إلى جرح نرجسي عميق، أنجب حركات الإسلام السياسي التي جعلت الحكم ركناً من أركان الدين، كما فعل حسن البنّا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. يرى الرفاعي أن هذا الانزياح من الدين الروحي إلى الدين المؤدلج كان أحد أخطر تحولات الوعي السياسي.
ويتوقف الكتاب عند اضطراب سلّم الانتماءات في التجارب الحديثة، من الشيوعية والقومية إلى الإسلام السياسي، حيث كان الولاء للأيديولوجيا يتقدم على الولاء للوطن. فالمنتمي إلى الحزب الشيوعي كان يوالِي الاتحاد السوفييتي أكثر من بلده، والقومي العربي كان يرى في العروبة السياسية وطناً بديلاً، والإسلامي يجد في الأمة العقائدية بديلاً عن الدولة الوطنية. تلك الاختلالات عمّقت الانقسام وأضعفت فكرة الدولة بوصفها كياناً سياسياً جامعاً للمواطنين جميعاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك، يدعو الرفاعي إلى إعادة ترتيب الوعي الوطني وفق تسلسل قيمي واضح: العراقي أولاً، ثم العربي أو الكردي أو التركماني، ثم المسلم أو المسيحي، ثم الانتماء المذهبي. بهذا التدرّج وحده يمكن استعادة الوطن بوصفه الإطار الذي يحتوي التنوّع ويحميه، بعيداً عن كونه ميداناً لصراع الهويات الفرعية.
https://www.alaraby.co.uk/culture/%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A
العربي الجديد
في شراك الأيديولوجيا.. أزمة الهوية الوطنية في فكر عبد الجبار الرفاعي
يرصد الكتاب تحوّل الولاءات الأيديولوجية في العراق إلى بديل عن الانتماء الوطني، محللاً جذور الأزمة وداعياً إلى وعي مدني يجعل الوطن إطاراً جامعاً.
ثرثرات السياسة تفسد الوعي
د. عبد الجبار الرفاعي
ورد في الفصل الثالث من "فن الحرب" للحكيم الصيني المعروف سون تزو Sun Tzu: "الانتصار في مئة معركة ليس من أسمى مهارات المجد، إنما أسمى مهارة أن تقهر عدوك بلا قتال". يتغلب وعي السياسي الواقعي حين يدرك أن أعلى مراتب النصر هو الانتصار بلا حرب، وأنه يجب ألا يهدر الفرص، ويغرق في الأوهام، لأن توهم القوة لا يصنع القوة، وتوهم الانتصار لا يصنع الانتصار. السياسة في أصلها فن للعيش المشترك، ومجال عام تتجسد فيه مسؤولية الإنسان عن تنظيم حياته مع الآخرين. عند أرسطو كانت السياسة أرقى صور الأخلاق، لأنها تعنى بسعادة الجماعة لا بمصلحة الفرد وحده. وفي الفكر الحديث صارت السياسة فن إدارة الصراع بالعقل لا بالعنف، وإدارة المصالح بواقعية.
السياسة الواقعية هي علم إدارة المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين. السياسة التي تبني الأوطان تستثمر في التنمية، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. هذا المعنى الواقعي للسياسة فقد حضوره في الأنظمة الثورية في بلادنا العربية وغيرها، حين تغلبت الثرثرة على التفكير، وصار الكلام في السياسة شغفًا عامًا يمارسه من لا معرفة له بها، فغدت السياسة على ألسنة هؤلاء مثل مرآة مهشمة لا تعكس الواقع بل تشوهه.
يتحدث أكثر الناس في مجتمعنا بالشأن السياسي، وكأنها حفلة للتفاخر اللفظي لا مجالًا للفهم والمسؤولية. بعد ضمور الوعي السياسي صار الحديث في الشأن العام موجة من الأصوات المندفعة التي تملأ المجال العام بضجيج لا ينتج فهمًا ولا يبني وعيًا. أفسدت أصوات المتحدثين غير الخبراء في السياسة المجال العام، ممن يتحدثون بلا وعي سياسي بالواقع، وأجهضت التفكير النقدي، وعطلت القدرة على الإصغاء، وجرى من خلالها استبدال الفكر بالشعارات والضوضاء الصاخبة، والعقل بالمشاعر، وإثارة المكبوتات التاريخية. وسائل التواصل اليوم منحت كل إنسان منبرًا بلا مسؤولية، فصار الحديث السياسي مسرحًا للانفعال والخصام المبتذل، يتكلم فيه الجميع ليعلنوا عن أنفسهم لا ليكشفوا الحقيقة.
صار الحديث في السياسة هواية من لا هواية له، وملاذًا لمن يهرب من مسؤوليته الفكرية والأخلاقية والوطنية، حتى صارت كثرة الكلام مهارة للتعويض عن الفهم الدقيق والعمل. بتضخم هذه الظاهرة، غابت المفاهيم المحورية في السياسة؛ كالدولة والحكومة والسلطة، والوطن والمواطنة، والقانون، والحرية والمسؤولية، والقيم والعدالة والحقوق، وغدت كلمات مستهلكة تستعمل من دون وعي بمعانيها التاريخية والفكرية والسياسية. لم يعد المتكلمون في السياسة يسألون: ما الدولة؟ ما الحكومة؟ ما السلطة؟ ما الدستور؟ ما العدالة والحقوق والقانون؟ ما الحرية والمسؤولية؟ ما الوطن والمواطن والمواطنة؟ لأن السؤال اختبأ تحت ركام الشعارات، وتحول النقاش إلى حلبة للصراخ، والاختلاف إلى خصومة.
كلما ارتفع صخب الثرثرة خفت صوت الفكر، وذبلت السياسة بوصفها فنًا للعيش المشترك، وتحولت إلى حلبة للإثارة والغضب والانقسام والتمزق. بالكلمات والشعارات الساذجة التي تقال في السياسة، يتسع الخرق في نسيج الوعي الجمعي، ويضطرب الرأي العام، وتزداد المسافة بين المواطن ومعنى الوطن، فيغدو الانفعال بديلاً عن الفعل، والصراخ بديلاً عن الحجة، والوهم بديلاً عن المعرفة. مَن لا يملك وعيًا سياسيًا لا يستطيع أن يخدم وطنه بالكلام، لأن السياسة ليست لعبة للكلام بل صناعة للمعنى. الوعي السياسي ليس حفظًا للمواقف ولا تكرارًا للكلمات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والدولة، بين الحرية والمسؤولية، بين العدالة والكرامة. لا يستقيم القول في السياسة إلا إذا صدر عن عقل يزن الكلمة بميزان القانون والقيم، وقلب يرى في الخلاف طريقًا إلى الفهم لا ساحة للصراع. السياسة من غير وعي سياسي تنقلب إلى عبث يهدر الطاقات، ويزرع الكراهية، ويبدد الأمل في البناء. حين يغيب الوعي السياسي، تصبح الثرثرة بديلاً عن العمل، ويغدو الصمت هو الملاذ هروبًا من هذر الكلام. الصمت هنا ليس انسحابًا من الشأن العام، بل هو إنصات للمعنى قبل النطق به، وتأمل في الكلمة قبل استعمالها.
د. عبد الجبار الرفاعي
ورد في الفصل الثالث من "فن الحرب" للحكيم الصيني المعروف سون تزو Sun Tzu: "الانتصار في مئة معركة ليس من أسمى مهارات المجد، إنما أسمى مهارة أن تقهر عدوك بلا قتال". يتغلب وعي السياسي الواقعي حين يدرك أن أعلى مراتب النصر هو الانتصار بلا حرب، وأنه يجب ألا يهدر الفرص، ويغرق في الأوهام، لأن توهم القوة لا يصنع القوة، وتوهم الانتصار لا يصنع الانتصار. السياسة في أصلها فن للعيش المشترك، ومجال عام تتجسد فيه مسؤولية الإنسان عن تنظيم حياته مع الآخرين. عند أرسطو كانت السياسة أرقى صور الأخلاق، لأنها تعنى بسعادة الجماعة لا بمصلحة الفرد وحده. وفي الفكر الحديث صارت السياسة فن إدارة الصراع بالعقل لا بالعنف، وإدارة المصالح بواقعية.
السياسة الواقعية هي علم إدارة المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين. السياسة التي تبني الأوطان تستثمر في التنمية، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. هذا المعنى الواقعي للسياسة فقد حضوره في الأنظمة الثورية في بلادنا العربية وغيرها، حين تغلبت الثرثرة على التفكير، وصار الكلام في السياسة شغفًا عامًا يمارسه من لا معرفة له بها، فغدت السياسة على ألسنة هؤلاء مثل مرآة مهشمة لا تعكس الواقع بل تشوهه.
يتحدث أكثر الناس في مجتمعنا بالشأن السياسي، وكأنها حفلة للتفاخر اللفظي لا مجالًا للفهم والمسؤولية. بعد ضمور الوعي السياسي صار الحديث في الشأن العام موجة من الأصوات المندفعة التي تملأ المجال العام بضجيج لا ينتج فهمًا ولا يبني وعيًا. أفسدت أصوات المتحدثين غير الخبراء في السياسة المجال العام، ممن يتحدثون بلا وعي سياسي بالواقع، وأجهضت التفكير النقدي، وعطلت القدرة على الإصغاء، وجرى من خلالها استبدال الفكر بالشعارات والضوضاء الصاخبة، والعقل بالمشاعر، وإثارة المكبوتات التاريخية. وسائل التواصل اليوم منحت كل إنسان منبرًا بلا مسؤولية، فصار الحديث السياسي مسرحًا للانفعال والخصام المبتذل، يتكلم فيه الجميع ليعلنوا عن أنفسهم لا ليكشفوا الحقيقة.
صار الحديث في السياسة هواية من لا هواية له، وملاذًا لمن يهرب من مسؤوليته الفكرية والأخلاقية والوطنية، حتى صارت كثرة الكلام مهارة للتعويض عن الفهم الدقيق والعمل. بتضخم هذه الظاهرة، غابت المفاهيم المحورية في السياسة؛ كالدولة والحكومة والسلطة، والوطن والمواطنة، والقانون، والحرية والمسؤولية، والقيم والعدالة والحقوق، وغدت كلمات مستهلكة تستعمل من دون وعي بمعانيها التاريخية والفكرية والسياسية. لم يعد المتكلمون في السياسة يسألون: ما الدولة؟ ما الحكومة؟ ما السلطة؟ ما الدستور؟ ما العدالة والحقوق والقانون؟ ما الحرية والمسؤولية؟ ما الوطن والمواطن والمواطنة؟ لأن السؤال اختبأ تحت ركام الشعارات، وتحول النقاش إلى حلبة للصراخ، والاختلاف إلى خصومة.
كلما ارتفع صخب الثرثرة خفت صوت الفكر، وذبلت السياسة بوصفها فنًا للعيش المشترك، وتحولت إلى حلبة للإثارة والغضب والانقسام والتمزق. بالكلمات والشعارات الساذجة التي تقال في السياسة، يتسع الخرق في نسيج الوعي الجمعي، ويضطرب الرأي العام، وتزداد المسافة بين المواطن ومعنى الوطن، فيغدو الانفعال بديلاً عن الفعل، والصراخ بديلاً عن الحجة، والوهم بديلاً عن المعرفة. مَن لا يملك وعيًا سياسيًا لا يستطيع أن يخدم وطنه بالكلام، لأن السياسة ليست لعبة للكلام بل صناعة للمعنى. الوعي السياسي ليس حفظًا للمواقف ولا تكرارًا للكلمات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والدولة، بين الحرية والمسؤولية، بين العدالة والكرامة. لا يستقيم القول في السياسة إلا إذا صدر عن عقل يزن الكلمة بميزان القانون والقيم، وقلب يرى في الخلاف طريقًا إلى الفهم لا ساحة للصراع. السياسة من غير وعي سياسي تنقلب إلى عبث يهدر الطاقات، ويزرع الكراهية، ويبدد الأمل في البناء. حين يغيب الوعي السياسي، تصبح الثرثرة بديلاً عن العمل، ويغدو الصمت هو الملاذ هروبًا من هذر الكلام. الصمت هنا ليس انسحابًا من الشأن العام، بل هو إنصات للمعنى قبل النطق به، وتأمل في الكلمة قبل استعمالها.